← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37998

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه الموافقات

محمد سالم أبو عاصي

Полный текст (170 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اللهم إلا ما استثني من المؤول بأنه لا تشابه فيه، وذلك بسبب معلومية المراد منه بالضرورة، لا بسبب مجرد إيجاب الموجب لمعناه المرجوح. ٣ - التشابه في الأدلة قليل: المتشابه المقابل للمحكم بعض القرآن كمقابله، وهو على بعضيته قليل في القرآن الكريم. أما أنه بعض القرآن؛ فلقوله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران: ٧] معطوفا على قوله: آياتٌ مُحْكَماتٌ [سورة آل عمران: ٧] المخبر عنه، أو المعنون له بكونه من الكتاب- أي بعضه- فلا بد أن يكون مثله في حكم البعضية .. قضاء بما يوجبه العطف من التشريك في الحكم. وأما أنه قليل في القرآن؛ فلأمور: أحدها: وصف الله الآيات المحكمات بكونها" أمّ الكتاب"، فإن" الأم"- هنا- معناه: المعظم، قال الشاطبي:" فقوله في المحكمات: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [سورة آل عمران: ٧] يدل على أنها المعظم والجمهور. و" أمّ الشيء" معظمه وعامته، كما قالوا:" أمّ الطريق" بمعنى معظمه، و" أم الدماغ" بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه" (١). وما قاله الشاطبي في تفسير" الأم" هو المقرر كذلك في لغة العرب .. ففي" اللسان": و" أمّ الطريق" معظمه، إذا كان طريقا عظيما وحوله طرق صغار. فالأعظم: أمّ الطريق. فإذا كانت المحكمات معظم القرآن؛ فالمتشابهات- لا ريب- أقله (٢).

стр. 107

الثاني: أن المتشابه لو كان كثيرا؛ لكان الالتباس والإشكال كثيرا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى، وكيف .. وقد سماه الله كذلك فقال: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [سورة آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: ٢]، وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل: ٤٤]؟! وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس. والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة، لا بيان وهدى .. لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى؛ فدل على أنه ليس بكثير. ثم يقول الشاطبي- بعد أن ساق هذا الدليل:" ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها؛ لم يصح القول به" (١). وأما ثالث الأمور القاضية بقلة المتشابه في القرآن الكريم؛ فالاستقراء .. وذلك أن المجتهد العارف بكلام العرب وعاداتهم، الواقف على المقامات والوقائع التي أنزلت فيهما، إذا تأمل في هذا الكتاب الكريم؛ وجد الغالب من مفرداته وتراكيبه من الوضوح بحيث لا يخفى على عامة المتدبرين. فإن قيل: كيف تزعم أن الالتباس والإشكال في القرآن قليل، وما أكثر ما يختلف مفسروه- على تعدد مشاربهم- في معاني مفرداته وتراكيبه؟! ألم تر إلى المعربين، والمتكلمين، والفقهاء .. كم يختلفون فيه؟! وكم فيه من عام يحتاج إلى مخصّص، ومطلق يحتاج إلى مقيّد، ومجمل يحتاج إلى مبيّن، وظاهر يحتاج إلى تأويل! فإذا ثبت أن فيه كل هذا الالتباس؛ فهل مثاره إلا التشابه الذي يحول

стр. 108

دون الفهم، ويوقع في الإشكال؟! فكيف تزعم- بعد ذلك- أن المتشابه في القرآن قليل؟! وأجيب: بأن معظم ما قيل مما أشير إليه من الاختلاف لا يدل على الالتباس المفضي إلى التشابه في الواقع ونفس الأمر؛ وذلك لأن كثيرا من هذه الاختلافات يرجع إلى إيراد طائفة من الأوجه هي كثير بحسب الصناعة، واحد بحسب لبّ المعنى .. ولا ريب أنه ليس في مثل ذلك تشابه ولا التباس. ومنها ما يرجع إلى التقصير في إجراء القرآن على أحسن ما يقضي به اللسان العربي المبين، من الذهاب في تأويل الكلمة أو الجملة إلى وجه شاذ أو ضعيف في منطق العرب الخلّص، أو عدم مراعاة مقامات الخطاب بالآيات، أو عدم العناية بتناسق التراكيب، وأخذ بعضها بحجزة بعض. ومنها ما يرجع إلى تقصير المرء في تطلب ما يدفع إشكاله، من نحو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو بيان مجمل .. وغير ذلك. ولو عني بتطلب ذلك؛ لتيسر له الظفر به من الكتاب أو السنة، أو دليل الحس أو العقل. ومنها ما يرجع إلى قصر القرآن في التأويل على قوانين علوم ومذاهب مستحدثة ما أنزل عليها، ولا كان نزوله من أجلها. وكل هذه الأنواع من الاختلاف ليست من المتشابه في واقع الأمر، فإنه لو زايل التقصير أولئك، والتّنطّع هؤلاء؛ ما اختلفوا فيه، ولا التبس عليهم .. فالتشابه في عقولهم وأفهامهم، لا في القرآن المجيد! وقد سمّى الشاطبي هذا النوع من التشابه ب" التشابه الإضافي". وإنما المتشابه بحق مما اختلفوا فيه: ما كان معناه في غاية الالتباس والغموض بحيث يشكل، ولا يقدر على درك تأويله وإدحاض شبهة الزائغين فيه من خلق

стр. 109

الله إلا الراسخون في العلم. ولا ريب أن ذلك- مما اختلفوا فيه- قليل لا كثير (١). ٤ - لا يدخل التشابه قواعد الشرع الكلية: لا يدخل التشابه بالمعنى الذي قررناه في قواعد الشرع الكلية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية، كربوبيته تعالى، وتنزهه عن النقائص، وصدق رسوله ﷺ فيما بلغه إلى خلقه، وحقية ما أخبر به من اليوم الآخر، وكون هذه الشريعة الإسلامية الغراء حقّا من عند الله تعالى. هذه الأصول الكلية وما إليها لا إجمال فيها ولا خفاء، كما هي خصيصة المتشابه. وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما يقع في الفروع الجزئية. والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما: الاستقراء أن الأمر كذلك. والثاني: أن الأصول لو دخلها التشابه؛ لكان أكثر الشريعة من المتشابه. وهذا باطل. وبيان ذلك: أن الفرع مبني على أصله .. يصح بصحته، ويفسد بفساده، ويتضح بإيضاحه، ويخفى بخفائه. وعلى الجملة .. فكل وصف في الأصل مثبت في الفرع؛ إذ كل فرع فيه ما في الأصل. وذلك يقتضي أن الفروع المبنية على الأصول المتشابهة متشابهة. ومعلوم أن الأصول منوط- مرتبط- بعضها ببعض في التفريع عليها، فلو وقع في أصل من الأصول اشتباه؛ لزم سريانه في جميعها، فلا يكون المحكم أمّ الكتاب. لكن ثبت أنه كذلك؛ فدل على أن المتشابه لا

стр. 110

يكون في شيء من الأصول- وهي القواعد الكلية- .. سواء في ذلك ما كان في أصول الأعمال، أو أصول الاعتقادات. فإن قيل: فقد وقع في الأصول أيضا .. فإن أكثر الزائغين عن الحق إنما زاغوا في الأصول لا في الفروع! ولو كان زيغهم في الفروع؛ لكان الأمر أسهل عليهم .. فالجواب: أن المراد ب" الأصول" هو القواعد الكلية .. كانت في أصول الدين، أو في أصول الفقه، أو في غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية. وعند ذلك لا نسلّم أن التشابه وقع فيها البتة، وإنما في فروعها. فالآيات الموهمة للتشبيه؛ والأحاديث التي جاءت مثلها، فروع عن أصل التنزيه، الذي هو قاعدة من قواعد العلم الإلهي" .. ثم قال: .. " فإذا اعتبر هذا المعنى؛ لم يوجد التشابه في قاعدة كلية، ولا في أصل عام. اللهم إلا أن يؤخذ التشابه على أنه الإضافي .. فعند ذلك [لا] (١) فرق بين الأصول والفروع في ذلك. ومن تلك الجهة حصل في العقائد الزيغ والضلال. وليس هو المقصود هنا إنما المقصود بنفيه عن الأصول هو التشابه الحقيقي، ولا هو مقصود وصريح اللفظ .. وإن كان مقصودا بالمعنى؛ لأنه تعالى

стр. 111

قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، فأثبت فيه متشابهات. وما هو راجع لغلط الناظر لا ينسب إلى الكتاب حقيقة، وإن نسب إليه؛ فبالمجاز" (١). ٥ - تأويل المتشابه: المتشابهات تجمع ألوانا مختلفة، وذلك بناء على التعريفات المختلفة لكلّ من المحكم والمتشابه. ونزيدك هنا إيضاحا وتمثيلا أن من بينهما لونين كثر الكلام فيهما .. أولهما: فواتح السور، وقد اختار الشاطبي أنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وقد أفضنا القول فيها بمبحث الظاهر والباطن في القرآن الكريم، مرجّحين أنها مما يعلم ويفسر، وذلك بناء على ما اخترناه من أن المحكم ما كانت دلالته راجحة، وهو النص والظاهر والمتشابه ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤول، وعلى هذا يؤول المتشابه على ما ترتضيه قوانين اللغة من المعاني كي يخرج من الخفاء إلى الوضوح. وثانيهما: متشابه الصفات. وحاصل خلاف المختلفين في هذا النموذج على الجملة أنهم بعد الاتفاق على صرف ما جاء من تلك الألفاظ عن ظاهرها المستحيل الموهم للنقص، المتمثل في قيام الحوادث وصفات الجوارح به تعالى إلا ما كان من دعوى ابن تيمية وابن القيم ومن لفّ لفّهما من كون الظاهر في هذه الألفاظ غير مستحيل لكونه ليس صفات الجوارح، بل ظاهر كل شيء بحسبه اللائق به ..

стр. 112

أقول: بعد صرفهم الألفاظ الموهمة عن ظاهرها الموهم للنقص، اختلفوا ما بين مفوّض المعنى المراد إليه تعالى- وهم من يسمون ب" المفوّضة"، أو أهل التفويض، وبين باذل جهده في التعرف على المعنى المراد، مستعينا باللغة والسياق ويسمى هذا الفريق" المؤولة"، أو أهل التأويل. ومن الفريق الأول الشاطبي. غير أنه قسم المتشابه إلى: حقيقي وإضافي، وأراد من الحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم المراد منه، وأراد من الإضافي: ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر .. قال:" فإذا تقصّى المجتهد أدلة الشريعة؛ وجد فيها ما يبين معناه. والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّا، وبالمعنى الإضافي كثير" (١). ثم حكى المذهبين السابقين فقال:" وتسليط التأويل على المتشابه الحقيقي لا يلزم؛ إذ قد تبين أنه لا يتعلق به تكليف سوى مجرد الإيمان به؛ لأنه لم يقع بيانه بالقرآن الصريح، أو بالحديث الصحيح، أو الإجماع القاطع. فالكلام في مراد الله من غير هذه الوجوه تسوّر، على ما لا يعلم وهو غير جائز. وأيضا .. فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المقتدين بهم لم يعرضوا لهذه الأشياء ولا تكلموا فيها بما تقتضي تعيين تأويل من غير دليل .. وهم الأسوة والقدوة، والآية تشير إلى ذلك" .. وهي فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، ثم قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.

стр. 113

وذهب جماعة من متأخري الأمة إلى تسليط التأويل عليها رجوعا إلى ما يفهم من اتساع العرب في كلامها، من جهة الكناية والاستعارة والتمثيل وغيرها من أنواع الاتساع، تأنيسا للطالبين، وبناء على استبعاد الخطاب بما لا يفهم، مع إمكان الوقوف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وهو أحد القولين للمفسرين. وهي على كلّ مسألة اجتهادية، لكن الصواب من ذلك ما كان عليه السلف" (١). والتحقيق أنه لا خلاف في الحقيقة وواقع الأمر بين الطريقتين: طريقة التفويض وطريقة التأويل. فطريقة التفويض التي ثبتت فيها آثار عديدة عن السلف- رضوان الله عليهم- لا تقتضي بحال أن أهلها كانوا يرون رجحان التفويض بإطلاق على التأويل، ولا أنهم كانوا يجهلون المعاني التي ينبغي أن تحمل عليها هذه الظواهر بعد الصرف عن ظواهرها، ولا أنهم كانوا لا يرون صحة طريقة التأويل مطلقا. كيف .. وهم الراسخون في العلم؟! بل كيف .. وقد سمعوا الله ورسوله أنفسهما يؤوّلان؟! على ما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم .. مرضت فلم تعدني. قال: يا ربّ .. كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟! قال: أما علمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده؟! يا ابن آدم .. استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا ربّ .. كيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟!

стр. 114

قال: أما علمت أنّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟! أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم .. استسقيتك فلم تسقني. قال: يا ربّ .. كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه .. أما إنّك لو سقيته؛ وجدت ذلك عندي!» (١) .. حيث وقع التأويل في النسبة الإسنادية كما هو ظاهر (مرضت، استطعمتك، استسقيتك) بالإسناد إلى العبد، كما وقع في النسبة الإيقاعية" تعدني، تطعمني، تسقني" بالإيقاع على ضمير العبد. وحاصل هذا وذاك أن المراد هو المجاز، وليس الحقيقة حسبما فهم ابن آدم فأخطأ في فهمه. فكيف يستنكفون بعد هذا عما لم يستنكف عنه الله ورسوله؟! بل كيف وقد ثبت عنهم التأويل التفصيلي في غير ما موضع، كالذي جاء في" دفع شبه التشبيه" لابن الجوزي بسند صحيح- كما ذكر- عن الإمام أحمد من تأويل المجيء في قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ [سورة الفجر: ٢٢]، والإتيان في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [سورة البقرة: ٢١٠]، من أن المراد إتيان أمره، على ما في الآية الأخرى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [سورة الأنعام: ١٥٨]. كما أجمعوا كلهم على تأويل قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة: ١١٥]، وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [سورة ق: ١٦] .. إلى غير ذلك من آي الذكر الحكيم. كما ثبت عن الإمام مالك والأوزاعي تأويل النزول في حديثه- على ما بين النووي في شرح هذا الحديث من صحيح مسلم- وإجماعهم كذلك على تأويل الأحاديث

стр. 115

الثلاثة المشهورة «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن»، «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن». وإنما الوجه في نكولهم في أكثر الأحيان عن التأويل أنهم كانوا يسدّون بابا يخشون أن يلج منه على قلوب العامة أهل الزيغ والضلالة. فأما بعد إذ فتح ذلك الباب على مصراعيه وماضت شبهات المجسّمة والجاحدين على ما لا يحل من الظاهر في قلوب كثير من الدهماء؛ فإنه لم يبق معدل لعاقل يجل الله ورسوله ويرحم عباده أن يرتكسوا في حمأة الضلالة فيه .. نقول: لم يبق معدل لمثل هذا العاقل عن مكايدة الزائغين بتأويل ما تشبثوا به من هذه الظواهر. فلعمر الحق لقد علم ذو نصفة وبصيرة أنه لا يفلّ حد الزائغ ويجتث شبهته من جذورها أعظم من بيان التأويل لما يشكك به! ولو قدّر أن الأكابر ممن أثرت عنهم هذه الآثار في التفويض قد ابتلوا بما ابتلي به المؤولة من سورة شبهات التجسيم والتشبيه؛ لكانوا أحفى خلق الله بالتأويل وأسبقهم إليه! ألم تر إلى هذا الفحل من أعلام علماء السنة- رواية ودراية- أبي سليمان الخطابي .. كيف يقول في حديث وضعه تعالى قدمه أو رجله في النار:" فيشبه أن يكون من ذكر القدم والرجل أو ترك الإضافة، إنما تركها تهيّبا لها طالبا للسلامة من خطأ التأويل فيها. وكان أبو عبيدة- وهو أحد أئمة أهل العلم- يقول: " نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني". قال أبو سليمان:" ونحن أحرى بألّا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر علما وأقدم زمانا وسنّا، ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يروى من نوع هذه الأحاديث رأسا، ومكذب به أصلا! وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث وهم أئمة الدين، ونقلة السنن، والواسطة بيننا وبين رسول الله ﷺ . والطائفة

стр. 116

الأخرى مسلّمة للرواية فيها، ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبا يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه. ونحن نرغب عن الأمرين معا، ولا نرضى بواحد منهما مذهبا، فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث- إذا صحت من طريق النقل والسند- تأويلا يخرّج على معاني أصول الدين ومذاهب العلماء، ولا تبطل الرواية فيها أصلا إذا كانت طرقها مرضيّة ونقلتها عدولا. قال أبو سليمان: ذكر القدم هنا يحتمل أن يكون المراد به قدّمهم الله للنار من أهلها، فيقع بهم استيفاء عدد أهل النار، وكل شيء قدمته فهو قدم، كما قيل لما هدّمته: هدم، ولما قبضته: قبض، ومن هذا قوله : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سورة يونس: ٢]، أي ما قدموه من الأعمال الصالحة، ويؤيده قوله في الحديث: «وأما الجنة؛ فإن الله ينشئ لها خلقا» .. فاتفق المعنيان: أن كل واحدة من الجنة والنار تمدّ بزيادة عدد يستوفى بها عدة أهلها، فتمتلئ عند ذلك" (١). وقال الحافظ ابن حجر:" أكثر السلف- لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم- يفوضون علمها إلى الله تعالى، مع تنزيهه- عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته. وأكثر الخلف يؤولونها، بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس؛ لاضطرارهم إلى ذلك، لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم، ومن ثمّ .. قال إمام الحرمين: لو بقي الناس على ما كانوا عليه؛ لم نؤمر بالاشتغال بعلم الكلام، وأما الآن؛ فقد كثرت البدع، فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم" .. إلى أن قال:" والحاصل أن السلف والخلف مؤولون؛ لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره. ولكن تأويل السلف إجمالي؛

стр. 117

لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي؛ لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين" (١). ٦ - شروط التأويل (صحة المعنى .. وقبول اللفظ): من المعلوم لدى الأصوليين واللغويين كذلك أن ما يخضع لاحتمال التأويل من حيث المبدأ هو" الظاهر". أي أن" النص" لا يخضع لاحتماله، وهذا هو معنى كونه نصّا. ثم إن علماء الأصول أطبقوا على أنه لا يعدل عن الظاهر من اللفظ إلى التأويل إلا حيث يستحيل ذلك الظاهر. ومن ثمّ .. فإن المعنى الظاهر يجب صرفه في الأصل إلى ظاهره دون أي تأويل، إلّا أن يتوافر شرطان اثنان- ذكرهما الشاطبي- فيسوغ التأويل عندئذ. وأول هذين الشرطين: أن يكون وضع اللفظ قابلا له لغة بوجه من وجوه الدلالة- حقيقة أو مجازا أو كناية- جاريا في ذلك على سنن العربية. أي بأن يكون بين اللفظ والمعنى الذي يراد تأويله به ارتباط من الوضع اللغوي، أو عرف الاستعمال، أو عادة صاحب الشرع. وثاني هذين الشرطين: صحة المعنى في الاعتبار، بأن يكون متفقا مع الواقع المعترف به إجمالا عمن يعتد بهم. فالشرطان:" اللفظ قابل، والمعنى المقصود من التركيب لا يأباه" (٢). فتأويل من تأول لفظ" الخليل" في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [سورة النساء: ١٢٥] بالفقير، فإن ذلك يجعل المعنى القرآني غير صحيح؛ لأن إبراهيم الذي يقدّم العجل

стр. 118

السمين المشوي لضيوفه من عند أهله لا يصح أن يعدّ فقيرا. فهذا غير صحيح في الاعتبار، لم يجر على مقتضى العلم. قال ابن قتيبة: أيّ فضيلة لإبراهيم في هذا القول؟ أما يعلمون أن الناس فقراء إلى الله؟! وهل إبراهيم في لفظ خليل الله إلا كما قيل" موسى كليم الله" و" عيسى روح الله"؟! وكذلك تأويل من تأول" غوى" من قوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [سورة طه: ١٢١] أنه من" غوى"- بالكسر- الفصيل؛ لعدم صحة" غوى" بمعنى" غوي". فهذا لا يصح فيه التأويل من جهة اللفظ، والأول لا يصح فيه من جهة المعنى (١). ٧ - حكمة ورود المتشابه: بيّنا سابقا أن المحكم ما كانت دلالته راجحة، وهو النص والظاهر. والمتشابه ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤوّل. والسؤال الذي يقذف إلى الذهن الآن: ما حكمة ورود المتشابه بهذا المعنى في القرآن الكريم؟ ونجتزئ في الجواب عن هذا السؤال بما قاله الزمخشري في" كشافه":" فإن قلت: فهل كان القرآن كله محكما؟ قلت: لو كان كله محكما؛ لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك؛ لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، لما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق

стр. 119

والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد ألّا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمّه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكّر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه وتبين مطابقة المتشابه للمحكم؛ ازداد طمأنينة إلى معتقده في إيقانه" (١).

стр. 120

(٤) الإحكام والنسخ بادئ ذي بدء .. فإن قضية النسخ في كتب علوم القرآن وأصول الفقه، قضية متشعبة كثيرة المسائل والذيول، مما نحا بعلماء الأصول والقرآن أن يؤلفوا فيها المؤلفات الكثيرة والواسعة. ومن البداهة أننا لن نعرض في بحثنا هذا لقضية النسخ برمتها، بل سنجتزئ من ذلك بقضيتين ذكرهما الشاطبي: مدلول النسخ عند الصحابة والتابعين، وأن النسخ لا يدخل القواعد الكلية وقوعا. مدلول النسخ: ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى أن النسخ هو مطلق التغير الذي يطرأ على بعض الأحكام فيرفعها ليحل محلها أو يخصص ما فيها من عموم، أو يقيد ما فيها من إطلاق. سواء أكان النص الناسخ عندهم متصلا بالنص المنسوخ، كما في الاستثناء والتقييد، أم كان منفصلا عنه متأخرا في النزول، كما في رفع الحكم عن بعض ما يشمله العام إذا تأخر نزول المخصّص (وهو النسخ الجزئي عند الحنفية). وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين. فقد كانوا يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل- متصل أو منفصل- نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا .. كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا .. فالأول غير معمول به، والثاني معمول به.

стр. 121

وهذا المعنى جار في تقييد المطلق. فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيّد .. فكأن المطلق لم يفد مع مقيّده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. وكذلك العام مع الخاص؛ إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص؛ أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول .. فلما كان كذلك؛ استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد" (١). ثم يورد الشاطبي بضعا وعشرين قضية نسخ، رويت عن الصحابة والتابعين، ليستدل بها على أن مدلول النسخ عند الصحابة كان أوسع منه عند الأصوليين. ونحن نجتزئ بعض هذه القضايا، معقبين على كل منها برأي جمهور الأصوليين فيها .. ١ - أولى هذه القضايا ما روي عن ابن عباس- ﵄ أنه قال في قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [سورة الإسراء: ١٨] إنه ناسخ لقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [سورة الشورى: ٢٠]. وهو على هذا التحقيق تقييد لمطلق؛ إذ كان قوله: نُؤْتِهِ مِنْها مطلقا، ومعناه مقيد بالمشيئة (وهو قوله في الأخرى: ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ). وإلا .. فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ (٢).

стр. 122

ويرى الأصوليون كذلك أن الآيتين لا تعارض بينهما، وأن ما في الآية المدعى أنها ناسخة من قيد (المشيئة إنما هو تقييد لما في الآية الأخرى من إطلاق. على أنه قيد يجب أن يفهم ضرورة، ولو لم يذكر؛ إذ لا يؤتي الله أحدا من حرث الدنيا ما لم يرد ذلك، ضرورة ما هو مقرر من أنه لا يقع في ملك الله إلا ما يشاء. ٢ - والقضية الثانية (وهي أيضا مروية عن ابن عباس) هي أن قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [سورة الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] منسوخ بقوله تعالى بعد ذلك: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا [سورة الشعراء: ٢٢٧]. ويرى الأصوليون أن العلاقة بين الآيتين هي علاقة المستثنى بالمستثنى منه، ولكلّ منهما حكمه الذي يقتضيه عموم المستثنى منه وخصوص المستثنى، وهو شمول الحكم الأول لمن عدا المستثنى أو تخصيص عمومه بطريق الاستثناء، وليس هذا من النسخ في شيء. ٣ - والقضية الثالثة (وهي مروية أيضا عن ابن عباس) هي أن قوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [سورة الأنفال: ١] منسوخ بقوله تعالى في السورة نفسها: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [سورة الأنفال: ٤١]. والأصوليون يرون أن العلاقة بين الآيتين هي علاقة البيان بعد الإجمال، وذلك بناء على تفسير" الأنفال" بالغنائم. أما إن فسّرت" الأنفال" بما يجعله

стр. 123

الإمام لبعض المقاتلين من سلب قتلاهم؛ فالآيتان لا تعارض بينهما؛ إذ إنهما في موضوعين مختلفين. وعلى كلا التفسيرين ليس بين الآيتين تعارض يسوغ القول بالنسخ. ٤ - والقضية الرابعة هي ما روي عن ابن عباس وابن مسعود- ﵄ في قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [سورة البقرة: ٢٨٤] أنه منسوخ بقوله تعالى بعدها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [سورة البقرة: ٢٨٦]. وهو ليس بمنسوخ، بدليل أن ابن عباس فسر الآية بكتمان الشهادة؛ إذ تقدم قوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ [سورة البقرة: ٢٨٣] ثم قال: وَإِنْ تُبْدُوا .. الآية. ويعلق الشيخ دراز بأن معنى الآية على كلام ابن عباس:" إن تبدوا ما في أنفسكم وما تعلمونه في موضوع الشهادة، بأن تقولوا لصاحب الحق نعلم الشيء ولكنا لا نشهد به عند الحكام، أو تخفوه، بألا تطلعوا صاحب الحق على ما تعلمونه؛ يحاسبكم به الله على كل حال؛ لأنه كتمان للشهادة ومضيع للحق". فيكون قوله: وَإِنْ تُبْدُوا من باب بيان المجمل لقوله: وَلا تَكْتُمُوا .. فقد كان يحتمل الأمرين، كما يحتمل أحدهما فقط. وعليه .. لا تكون آية لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها مرتبطة بهذه الآية. وأما إذا جرينا على رواية جثوّ الصحابة على الرّكب لما نزلت وَإِنْ تُبْدُوا وقولهم: ليس في وسعنا تنزيه النفس عن الهواجس والخواطر السيئة، فأنزل الله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها .. إذا جرينا على هذا؛ فتكون

стр. 124

آية لا يُكَلِّفُ مخصصة أو مبينة لإجمال آية وَإِنْ تُبْدُوا التي بظاهرها تشمل الهواجس والخواطر، فنزلت الآية مخرجة لما عدا العزم الذي في الوسع اجتنابه (١). ٥ - القضية الخامسة (وهي مروية عن عبد الملك بن حبيب) أن قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [سورة فصلت: ٤٠]، وقوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [سورة التكوير: ٢٨] منسوخان بقوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة التكوير: ٢٩]. ويرى الأصوليون أن الآيات الثلاث إنما جاءت في معرض الوعيد والتهديد، وهو معنى لا يقبل النسخ؛ إذ ليس فيه حكم تكليفي، وفي نسخه تكذيب للقواعد .. تعالى الله أن يوصف بالكذب. وبهذا يتبين إسراف بعض العلماء في ادعاء النسخ- بمعناه المتأخر- في كتاب الله، وذلك بسبب اشتباه اصطلاح المتقدمين باصطلاح المتأخرين. ومن المعلوم في علوم القرآن وأصول الفقه أن النسخ لا يلجأ إليه إلا عند التعارض التام بين الآيتين بحيث يستحيل الجمع بينهما. وبناء على ذلك .. فإن علاقة الإجمال والتفصيل، والإبهام والتفسير، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ليست من النسخ في شيء عند الأصوليين. وهذا لا يعني بأي حال رفض ما صحت روايته عن الصحابة والتابعين من قضايا النسخ، وإنما يعني أنه لا يحق لأحد الاستدلال بهذه القضايا- وفيها تقرير النسخ بمدلوله الواسع عندهم- على دعاوى النسخ بمدلوله المصطلح عليه عند

стр. 125

الأصوليين والفقهاء؛ إذ إن هذا يناقض الحقيقة البدهية الواجبة مراعاتها في مناهج البحث، وهي تحرير المراد (أو تحرير محل النزاع). ومن ثمّ .. فليس من أمانة البحث العلمي أن نورد خبرا عن ابن عباس- أو غيره- يقرر فيه نسخ آية لأخرى، مع أنه ليس بين الآيتين إلا علاقة المستثنى بالمستثنى منه، لنستدل بهذا الخبر على أن إحدى الآيتين منسوخة بالأخرى على ما اصطلحنا نحن عليه في تحديد مدلول النسخ أخيرا بأنه رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي آخر متأخر عنه. وبوسعك أن ترى هذه الحقيقة التي أوضحتها لك في هذه العبارة التي وردت على لسان الشيخ ولي الله الدهلوي:" من المواضع الصعبة في فن التفسير (التي ساحتها واسعة جدّا، والاختلاف فيها كثير) معرفة الناسخ والمنسوخ. وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين. وما علم في هذا الباب، من استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى .. إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيّا، أو تخصيص عام، أو بيان الفارق بين النصوص وما قيس عليه ظاهرا، أو إزالة عادة الجاهلية، أو الشريعة السابقة. فاتسع باب النسخ عندهم، وكثر جولان العقل هنالك، واتسعت دائرة الاختلاف. ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة.

стр. 126

وإن تأملت متعمقا؛ فهي غير محصورة. والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل، لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه" (١). النسخ لا يكون في الكليات وقوعا: يقرر الشاطبي أن الذي نزل بمكة على النبي ﷺ من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية- على غالب الأمر- ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة. ثم يقرر أيضا- بناء على هذا- أن المنسوخ في مكة قليل أو نادر، وعلل لذلك بأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا، وإن أمكن عقلا (٢). وأما إن الكليات لا نسخ فيها؛ فدليله الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات .. وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء. قال:" القواعد الكلية، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، لم يقع فيها نسخ. وإنما وقع النسخ في أمور جزئية بدليل الاستقراء. فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة ثابت، وإن فرض نسخ بعض جزئياته؛ فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ، وإن فرض النسخ في بعضها إلى غير بدل؛ فأصل الحفظ باق؛ إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس. بل زعم الأصوليون أن الضروريات مراعاة في كل ملة، وأن اختلاف أوجه الحفظ بحسب كل ملة. وهكذا يقتضي الأمر في الحاجيات والتحسينات، وقد قال تعالى:

стр. 127

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى: ١٣]، وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف: ٣٥]، وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء- ﵈: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [سورة الأنعام: ٩٠] " .. ثم أخذ الشاطبي يسوق بعض الأدلة على ما ذكر، ثم قال:" .. إلى سائر ما في ذلك من معاني الضروريات. وكذلك الحاجيات .. فإنا نعلم أنهم لم يكلّفوا بما لا يطاق. هذا .. وإن كانوا قد كلّفوا بأمور شاقة؛ فذاك لا يرفع أصل اعتبار الحاجيات. ومثل ذلك التحسينات" .. ثم أورد اعتراضا وأجاب عنه .. قال:" وأما قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [سورة المائدة: ٤٧]؛ فإنه يصدق على الفروع الجزئية، وبه تجتمع معاني الآيات والأخبار. فإذا كانت الشرائع قد اتفقت في الأصول- مع وقوع النسخ فيها- وثبتت ولم تنسخ؛ فهي في الملة الواحدة الجامعة لمحاسن الملل أولى" (١). وصفوة القول أنه ليس كل حكم شرعي بقابل للنسخ. فإن من شروط الحكم المنسوخ أن يكون جزئيّا لا كليّا، وأن يكون عمليّا لا عقديّا. فمن الخطأ أن يزعم زاعم أن حكما من الأحكام الكلية في الشريعة منسوخ. ومثله أصول العقيدة، ومكارم الأخلاق.

стр. 128

لقد شرعت الأحكام الكلية لتتفرع عليها الجزئيات. فهي أصول تستنبط منها الفروع، وكليات تبنى عليها الجزئيات، وقواعد تندرج تحتها الفروع .. وما كانت الأصول الكلية لتنسخ وهي أساس الجزئيات.

стр. 129

(٥) بيان القرآن لما تحته من أحكام لنبدأ أولا بعرض موجز لما قاله الشاطبي في خصائص القرآن الكريم. " القرآن- كما تقرر- كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر ... وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة" (١). ولا يتهيأ لمن أراد فهمه والوقوف على أسراره، واستخلاص أحكام الشريعة الجزئية، وقواعدها الكلية، ومقاصدها العامة، إلا بأن يجعله موضوع درسه ونظره، وأن يتدبر آياته، ويطيل النظر في معانيه، ويشد الرحال في اقتناص إشاراته وإدراك تلويحاته. غير أنا إنما نريد هنا بالأحكام معنى خاصّا، وهو خصوص الأحكام الشرعية الجزئية. وقد اقتصر بعض علماء أصول الفقه على الحكم التكليفي في تعريف الحكم الشرعي، ولكنها طريقة ضعيفة عند الأصوليين، نصّ على ذلك العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي. وعرفه ابن الحاجب فزاد الحكم الوضعي، وهو الصواب. ولعل أمثل التعريف للحكم الشرعي أنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. " خطاب الله" يقصد به توجيه الخطاب، أي الكلام المخاطب به، وهو كلام الله تعالى النفسي القديم القائم بذاته تعالى. ومن ثمّ .. خرج به كل خطاب لغيره سبحانه.

стр. 130

قال المحقق الإسنوي:" فإن قيل: إن هذا الحد صحيح من هذا الوجه- أي إضافة الخطاب إلى الله: لكن يرد عليه أحكام كثيرة ثابتة بقول النبي ﷺ وبفعله، وبالإجماع، وبالقياس، وقد أخرجها بقوله" خطاب الله"؛ فالجواب أن الحكم هو خطاب الله تعالى مطلقا، وهذه الأربعة معرّفات له، لا مثبتات". " المتعلق بأفعال المكلفين" أي تعلقا معنويّا في الأزل، وتنجيزيّا بعد البعثة، ووجود المكلف على شرط التكليف. وخرج خطاب الله المتعلق بالذوات، والصفات والجمادات. " بالاقتضاء" وهو الطلب، فيكون شاملا للفعل والترك. والفعل قد يكون جازما وهو الإيجاب، أو غير جازم وهو الندب، والترك يكون جازما وهو التحريم، أو غير جازم وهو الكراهة. و" الاقتضاء" قيد في التعريف، أخرج خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الإخبار، كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [سورة الصافات: ٩٦]. " أو التخيير" وهو الإباحة، فصارت الأحكام التكليفية خمسة، وهي كذلك عند الجمهور. " أو الوضع" أي جعل الشيء سببا، كالسرقة: سبب في القطع أو شرطا، كالطهارة: شرط في الصلاة، أو مانعا، كالسّكر والجنابة المانعين من الصلاة، أو صحيحا فتترتب عليه آثاره، أو فاسدا فلا تترتب. وهي أيضا خمسة. إذن .. تعلّق الخطاب في الفعل على وجه الطلب أو التخيير يسمى حكما تكليفيّا، وتعلقه به على وجه الوضع يسمى حكما وضعيّا، والحكم التكليفي لا يتعلق إلا بالمكلف، والوضعي يتعلق بالإنسان، سواء أكان مكلفا أم لا

стр. 131

(كالصبي والمجنون .. فإنهما يثبت في حقهما الحكم الوضعي، كصحة بيع الصبي، وضمان متلفاتهما، أو ثبوت الدّين في ذمتهما). أما الفقهاء؛ فيجعلون الحكم الشرعي مدلول ذلك الخطاب، أو قل: صفة فعل المكلف. فالحكم عند الأصوليين هو" الإيجاب" الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى. و" الوجوب"، الذي هو صفة فعل المكلف، هو الحكم عند الفقهاء. يقول العلامة الشيخ بخيت المطيعي:" والعجب أن بعض المتأخرين ممن تصدى للكتابة في علم الأصول قد تشبث بما قاله أولئك المتأخرون من الأشاعرة، وعرف الحكم بما عرفوه به. غير أن فريقا من الحنفية فسروا الحكم بما ثبت بالخطاب اللفظي، وسلكوا طريق المحققين" (١). ولنقف عند هذا الحد في بيان المراد من الأحكام التي عني القرآن الكريم ببيانها، لنبدأ بإيضاح منهج القرآن- كما عرضه الشاطبي- في سياق أحكامه. ويتلخص هذا المنهج في نظريتين: إحداهما: أن القرآن أتى جامعا للأحكام بطريقة كلية إجمالية، دون النظر إلى واحد من أقسام الأحكام الشرعية. هذا ما نص عليه الشاطبي بقوله:" تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي، وحيث جاء جزئيّا، فمأخذه على الكلية .. إما بالاعتبار (أو بمعنى الأصل، إلا ما خصه الدليل، مثل خصائص النبي ﷺ . ويدل على هذا المعنى- بعد الاستقراء المعتبر- أنه محتاج إلى كثير من البيان .. فإن السنة، على

стр. 132

كثرتها وكثرة مسائلها، إنما هي بيان للكتاب كما سيأتي ... وإذا كان كذلك؛ فالقرآن على اختصاره جامع. ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كلية". ثم ذكر أن السنة جاءت مفسرة لأحكامه الكلية. ولذا .. تضمن القرآن الكليات المعنوية على الكمال، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات، وكذلك أتى بأصول العبادات والمعاملات. فكل ما استنبط من الأحكام بالسنة أو الإجماع أو القياس؛ فإنما نشأ عن القرآن. واستدل لذلك. ثم ذكر أيضا أنه" لا ينبغي في الاستنباط الاقتصار على القرآن دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السنة؛ لأنه إذا كان كليّا؛ فلا محيص من النظر في بيانه" (١). وقبل أن ننهي الحديث عن النظرة الأولى لا بدّ أن نقف بالقارئ على أنه" لولا كلية التناول للأحكام؛ لتضخم القرآن، وعسر على الأمة حفظه. ولولا هذه الكلية؛ ما اتصف القرآن بالمرونة والصلاحية لكل عصر وكذلك .. لولاها؛ ما حصل علماء المسلمين هذه الرتب العلية بالاجتهاد" (٢).

стр. 133

فمجيء القرآن بالمفاهيم الكلية لتشريع الأحكام في الأعم الأغلب يومئ من قبل منزّله الحكيم إلى المجتهدين في أي عصر أن يسلكوا هذا المنهج التشريعي في استنباطهم الأحكام التشريعية، وذلك بأن ينزلوا المفهوم الكلي على ما يتحقق فيه. وهذا ما يسمى عند الأصوليين بتحقيق المناط. وبناء على ذلك .. فإنه لا انفصال بين الجزئي والكلي من المفاهيم القرآنية. فالاستنباط من قبل الأئمة المجتهدين إنما هو تطبيق لكليات من المفاهيم العامة والمطلقة على الجزئيات. وفي ذلك يقول الشاطبي:" إن الجزئيات لو لم تكن معتبرة في إقامة الكليات؛ لم يصح الأمر بالكلي من أصله؛ لأن الكلي- من حيث هو كلّ- لا يصح القصد في التكليف إليه؛ لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزئيات. فتوجه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق .. وذلك ممنوع الوقوع. فإذا كان لا يحصل الكلي إلا بحصول الجزئيات؛ فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات" (١). أما ثانية النظرتين؛ فهي أن القرآن أتى بأحكام مفصلة. وهذا هو القليل في تناوله للأحكام ويتمثل فيما قاله العز بن عبد السلام:" معظم آي القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة. ثم .. من الآيات ما صرح

стр. 134

فيه بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط .. إما بلا ضم إلى آية أخرى، كاستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [سورة المسد: ٤]، وصحة صوم الجنب من قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة: ١٨٧] .. وإما مع ضم، كاستنباط أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [سورة الأحقاف: ١٥] مع قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [سورة لقمان: ١٤] ". قال:" ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة، وهو ظاهر. وتارة بالإخبار، مثل أُحِلَّ لَكُمْ [سورة البقرة: ١٨٧]، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [سورة المائدة: ٣]، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [سورة البقرة: ١٨٣]. وتارة بما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر أو نفع أو ضر. وقد نوّع الشارع ذلك أنواعا كثيرة .. ترغيبا لعباده وترهيبا، وتقريبا إلى أفهامهم. فكل فعل عظمه الشرع، أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالاستقامة أو البركة أو الطّيب، أو أقسم به أو بفاعله (كالإقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين، وبالنفس اللوامة)، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته، أو لثواب عاجل أو آجل، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله، أو لنصرة فاعله، أو بشارته، أو وصف فاعله بالطيب، أو وصف الفعل بكونه معروفا، أو نفى الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن، أو نصبه سببا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه بكونه قربة،

стр. 135

أو بصفة مدح (كالحياة والنور والشفاء)؛ فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. وكل فعل طلب الشارع تركه، أو ذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه، أو مقت فاعله أو لعنه، أو نفى محبته أو محبة فاعله أو الرضا به أو عن فاعله، أو شبّه فاعله بالبهائم أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول، أو وصفه بسوء أو كراهية، أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه، أو جعله سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل أو آجل، أو لذمّ أو لوم أو ضلالة أو معصية، أو وصف بخبث أو رجس، أو لعن أو غضب، أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حدّ من الحدود، أو قسوة أو خزي أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله ومحاربته، أو لاستهزائه أو سخريته، أو جعله الله سببا لنسيانه فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه أو بالحلم، أو بالصفح عنه، أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار، أو نسبه إلى عمل الشيطان أو تزيينه، أو تولى الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم (ككونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما أو مرضا)، أو تبرأ الأنبياء منه أو من فاعله، أو شكوا إلى الله من فاعله، أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسى والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة وما فيها، أو وصف فاعله بأنه عدو الله، أو بأن الله عدوه، أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمّل فاعله إثما، أو قيل فيه" لا ينبغي هذا" أو" لا يكون"، أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاده، أو بهجر فاعله، أو تلاعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعا بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة، أو أنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل اجتنابه سببا للفلاح، أو جعله سببا لإيقاع العداوة

стр. 136

والبغضاء بين المسلمين، أو قيل فيه" هل أنت منته"، أو نهى الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعادا أو طردا أو لفظة" قتل من فعله" أو" قاتله الله"، أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه، ولا يصلح عمله ولا يهدي كيده، أو لا يفلح، أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لإزاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله وسؤاله عن علة الفعل؛ فهو دليل على المنع من الفعل. ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهية. وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ورفع الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة، ومن الإذن فيه، والعفو عنه، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، ومن الإنكار على من حرم الشيء مع الإخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والإخبار عن فعل من قبلنا من غير ذم لهم عليه (فإن اقترن بإخباره مدح؛ دل على مشروعيته وجوبا أو استحبابا) ". انتهى كلام الشيخ عز الدين (١). وبعد ... فأحب أن أزيدك خاصتين من خواص القرآن الكريم لا تراها لغيره في بيان نهجه للأحكام ... أولا: أن بيانه لتلك الأحكام لم يكن على سنن البيان المعروف في القوانين الوضعية، بأن يذكر الأوامر والنواهي جافة مجردة عن معاني الترغيب أو الترهيب. وإنما يسوقها مكتنفة بأنواع من المعاني شأنها أن تخلق في نفوس المخاطبين الهيبة والمراقبة والارتياح، والشعور بالفائدة العاجلة والآجلة .. فيدعوهم كل هذا إلى المسارعة إليها، وامتثال الأمر نظرا إلى واجب الإيمان،

стр. 137

وبداعية الخوف من عقاب الله وغضبه، والطمع في ثوابه ورضاه. وهذا هو الوازع الديني الذي تمتاز بغرسه في النفوس الشرائع السماوية، وهو بلا شك أكبر عون للوازع الزمني في الحصول على مهمته. ثانيا: لم ينهج القرآن في ذكره لآيات الأحكام منهج الكتب المؤلفة، التي تذكر الأحكام المتعلقة بشيء واحد في مكان واحد. وإنما فرق آيات الأحكام تفريقا. وقد يورد ما يتعلق بالطلاق والرضاع وأحكامها وما يتعلق بالخمر وحرمتها، فيما بين ما يتعلق بالقتال وشئون اليتامى، وانظر في ذلك قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [سورة البقرة: ٢٣٨]، حيث إنها وقعت بين آيات الطلاق وما يتعلق به. ثم .. انظر إلى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ [سورة البقرة: ٢١٩]، وما قبلها من آيات القتال والردة، وما بعدها من آيات اليتامى ونكاح المشركات. ثم انظر إلى آيات الحج التي ذكر بعضها في سورة البقرة والبعض الآخر في سورة الحج. وكذلك تجد أحكام الطلاق والزواج والرجعة ذكر بعضها في سورة البقرة، وبعضها في سورة النساء، وبعضها في سورة الطلاق. وهكذا تجد القرآن في ذكره لآيات الأحكام أشبه شيء ببستان فرقت ثماره وأزهاره في جميع نواحيه حتى يأخذ الإنسان أنى شاء ما ينفعه وما يشتهيه من ألوان مختلفه وأزهار متباينة وثمار يعاون بعضها بعضا في الروح العام الذي يقصده، وهو روح التغذية بالنافع والهداية إلى الخير .. ولهذه الطريقة فيما نرى إيماء خاص .. وهو أن جميع ما في القرآن، وإن اختلفت أماكنه وتعددت سوره وأحكامه، فهو وحدة عامة .. لا يصح تفريقه في

стр. 138

العمل، ولا الأخذ ببعضه دون بعض، وكأنه- وقد سلك هذا المسلك- يقول للمكلف وهو يحدثه عن شئون الأسرة وأحكامها مثلا: لا تشغلك أسرتك وشئونها عن مراقبة الله.

стр. 139

(٦) القرآن فيه بيان كل شيء ولو بنوعه أو بجنسه يقرر الشيخ الشاطبي أن القرآن فيه بيان كل شيء؛ لأن تعريفه بالأحكام الشرعية أكثره كلي أو جزئي مأخوذ على الكلية .. إما بالاعتبار، أو بمعنى الأصل (القياس). واستدل على ذلك بأمور: أولا: النصوص القرآنية، من نحو قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [سورة المائدة: ٣]، وقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [سورة النحل: ٨٩]، إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [سورة الإسراء: ٩]، يعني الطريقة المستقيمة (وهي النظام الكامل في معاملة الخالق والخلق). ثانيا: ما جاء في الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك المعنى (١). ثالثا: التجربة، وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا. وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر، الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل. ثم ذكر اعتراضا وأجاب عنه فقال:" ولقائل أن يقول: إن هذا غير صحيح؛ لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن، وإنما وجدت في السنة".

стр. 140

ثم قال:" والجواب مذكور في الدليل الثاني، وهو السنة" .. وعصارته: أن القرآن دال على السنة حيث كان متضمنا لكلياتها في الجملة، وإن كانت بيانا له في التفصيل. وبيان ذلك: أن امرأة من بني أسد أتت عبد الله بن مسعود ﵁ فقالت له: بلغني أنك لعنت كذا وكذا .. وإنني قد قرأت ما بين اللوحين، فلم أجد الذي تقول! فقال لها عبد الله: أما قرأتي قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ [سورة الحشر: ٧]؟ قالت: بلى. قال: فهو ذاك. إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها الشاطبي (١). ثم قال: " وعلى هذا .. لا بدّ في كل مسألة يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه أن يلتفت إلى أصلها في القرآن .. فإن وجدت منصوصا على عينها، أو ذكر نوعها، أو جنسها؛ فذاك. وإلا .. فمراتب النظر فيها متعددة" (٢).

стр. 141

(٧) وقوع الحكايات في القرآن الكريم قال الشاطبي:" كل حكاية وقعت في القرآن .. فإما أن يشتمل مع ذلك على التنبيه على كذب المحكي وبطلانه، أو لا يشتمل على ذلك، بل يظل ساكتا عن الحكم فيه بشيء. فإن كان الأول؛ فلا إشكال في بطلان ذلك المحكيّ وكذبه، وهذا لا يحتاج إلى برهان عليه. وإن كان الثاني؛ فإقرار القرآن له وسكوته عن التنبيه عليه بكذب، أو بطلان دليل على صدقه وصحته؛ لأن الله سمى القرآن فرقانا وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه" (١). ولبيان هذين الأمرين نسوق لكل نوع طائفة من الأمثلة التي ذكرها الشاطبي. أمثلة النوع الأول: المثال الأول: قال تعالى: إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام: ٩١]، وهو قول اليهود اعتراضا منهم على نزول القرآن على النبي ﷺ ، فنبه الله على كذبهم بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [سورة الأنعام: ٩١]. والمثال الثاني: قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ

стр. 142

[سورة الأنعام: ١٣٨]، ثم أعقب ذلك ردّا عليهم بقوله: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [سورة الأنعام: ١٣٩]. وبيان ذلك أن المشركين أفرزوا نصيبا من أموالهم من الزرع والأنعام فجعلوها حبسا محجورة، لا يتصرفون فيها لأنفسهم، ثم قسموها أقساما .. فمنها ما خصوا به خدّام أصنامهم، وفيها من الأنعام ما سيّبوه وامتنعوا عن ركوبه واستخدامه حسبة لأصنامهم، ومنها ما لا يذكرون اسم الله عليه عند ذبحه، بل يذكرون عليه اسم أصنامهم دونه، وكل ذلك جهالة وضلال وافتراء على الله .. فلذلك رد الله عليهم شرعية صنيعهم، وسماه افتراء، وتوعدهم بالعذاب عليه. المثال الثالث: قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ [سورة الأنعام: ١٣٦]، ثم عقب على هذا بقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ. وبيان معنى القول الكريم أن المشركين أفرزوا من أموالهم مما خلق الله لهم من الزرع والأنعام نصيبا قسموه قسمين: قسما جعلوه في سبيل الله للضيفان والمساكين، وقسما جعلوه في خدمة أصنامهم .. فإذا فضل فضل من المال مما جعلوه لله؛ أضافوه لخدمة أصنامهم، وإذا فضل فضل من المال مما جعلوه لشركائهم؛ لم يضيفوه لما جعل إحسانا في سبيل الله. ولا شك أن هذا العمل بهذه الصورة خطأ وباطل .. فنبه القرآن بعد حكايته على أنه من سوء الحكم وباطل المعتقد.

стр. 143

المثال الرابع: قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [سورة يس: ٤٧] استهزاء بالمؤمنين وتعنيتا لهم .. فرد الله عليهم بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سورة يس: ٤٧]. واختلفت طريقة المشايخ في بيان كونهم بهذا القول في ضلال مبين .. فذهب الشاطبي إلى أن هذا القول منهم إنما كان حيدة عن سنن الجواب الصحيح. فقد كان طريق الجواب الصحيح الامتثال أو عدم الامتثال، بقول" نعم" أو" لا" .. لكنهم عدلوا عن ذلك إلى الاحتجاج بالمشيئة الإلهية التي لا تعارض، فقالوا: لم يشأ الله أن يطعمهم؛ فلا قدرة لنا على إطعامهم! فانقلب هذا الاحتجاج عليهم: إذا احتججتم بالمشيئة الإلهية المطلقة التي لا تعارض؛ فكيف أقدمتم على معارضة مشيئته بالامتناع عما كلفكم به من إطعامهم؟ فهل هذا إلا التناقض المبين، وهو عين الضلال المبين؟ (١). وذهب الإمام الرازي إلى أن المقصود من قولهم: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ أحد احتمالين .. أحدهما: أن يكون إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم؛ كان يطعمهم .. فلا نقدر على إطعامهم؛ لأنه حينئذ من تحصيل الحاصل. وإن شاء عدم إطعامهم؛ فلا يقدر أحد على إطعامهم؛ فإطعامهم- المأمور به- غير مقدور لهم على كلّ من الفرضين .. فكيف يؤمرون بما لا تتسع له قدرتهم؟

стр. 144

وثانيهما: أن يكون معنى كلامهم هو أن الله أراد تجويع هؤلاء بعدم إطعامهم .. فلو أطعمناهم؛ يكون سعيا في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز. ثم أجاب بقوله:" إن هؤلاء المشركين نظروا بمقالتهم هذه إلى إرادة الأمر، ولم ينظروا إلى الأمر والطلب. وذلك أن السيد إذا أمر العبد بأمر لا ينبغي أن يكشف له سبب الأمر، والاطلاع على المقصود الذي أمر لأجله. مثاله: الملك إذا أراد الركوب للهجوم على عدو بحيث لا يطلع عليه أحد، وقال لعبده: أحضر المركوب .. فلو تطلع العبد، واستكشف المقصود الذي لأجله كان الركوب؛ لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه، وكشف سره. قال: فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر، لا تتّبع المراد. فالله إذا قال: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ [سورة يس: ٤٧]؛ فلا يجوز لهم أن يقولوا: لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه؟ " (١). يقول الأستاذ الجليل سعاد جلال:" والذي يظهر لنا من وراء ما يقول هؤلاء الأئمة في رد إشكال قول المشركين في هذه الآية أن نقول: ليس من الصحيح أن الله لم يشأ إطعام أولئك المساكين المطلوب إطعامهم. والمشركون غالطون في نسبة هذه الدعوى إلى الله. بل إن الله يشاء إطعامهم، بدليل قوله في آية أخرى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [سورة هود: ٦]، فأثبت بهذه الآية أنه ألزم نفسه برزق جميع أفراد الإنسان وكلّ من له حركة يدب بها على الأرض، ولم يزل- سبحانه- قيوما بهذا الالتزام، لكنه جعل رزق الفقراء والعاجزين مقتطعا من أموال الأغنياء. فملكية الأغنياء في أموالهم مكفوفة عما

стр. 145

جعله الله حقّا للفقراء في هذه الأموال، فمقدار هذا الحق غير مملوك لهم على الحقيقة. فحاجة الفقراء إلى الإطعام غير ناشئة عن عدم مشيئة الله إطعامهم لأنه- سبحانه- لم يشأ إطعامهم، بل هي ناشئة من حبس هؤلاء المشركين طعام الفقراء عنهم بغير حق. فاعتراض هؤلاء المشركين بوضع مسئولية حرمان الفقراء على مشيئة الله مردود عليهم، من حيث تقع مسئولية ذلك عليهم أنفسهم" (١). أمثلة النوع الثاني: وأما النوع الثاني من حكايات القرآن (ونذكّر بأنه ما حكاه القرآن من الأحداث وسكت عن تفنيده، فكان مصادقة عليه .. بخلاف النوع الأول)؛ فأمثلته كثيرة .. منها ما حكاه القرآن الكريم من شريعة بني إسرائيل وسكت عنه، كقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [سورة المائدة: ٤٥]. ومنها قوله في حكاية قصة أهل الكهف: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [سورة الكهف: ٢٢] .. ففي هذه الآية شاهد على النوع الأول، وشاهد على النوع الثاني.
следующие страницы →