فليرجع إلى بيانهما- أي الظاهر والباطن- على التفسير المذكور- أي الذي ارتضينا-" (١).
ثم ينتقل الشاطبي، فيعقد فصلا لتقرير أن كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر .. فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ظاهر القرآن (٢).
ثم قال:" وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية؛ فذلك هو" الباطن" المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله" (٣).
ولنبدأ الآن في ذكر وصف المعاني الظاهرة أولا، وطرقا من طرق استفادتها من القرآن، ثم نعقّب على ذكرها بذكر المعاني الخفية المعتبرة، وطرق استفادتها من القرآن أيضا.
لكن قبل وصف المعاني الظاهرة، وطرق استفادتها، أقول:
إن الألفاظ العربية وضعت للدلالة على إفادة المعاني الموضوعة لها وضعا إفراديّا، كالألفاظ الدالة على معانيها بطريق الحقيقة، أو وضعا نوعيّا بطريق المجاز. كذلك .. وضعت الجمل العربية في صور مختلفة، تحتمل كل صورة منها بعض المعاني البلاغية الزائدة على المعنى الوضعي لكل لفظ بانفراده، كإفادة الحصر في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة: ٥]،
стр. 72
وإظهار العناية بتقديم الموضوع" المبتدأ، المسند إليه" في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [سورة الفتح: ٢٩] .. على ما سبق بيانه في المعاني الأصلية والثانوية.
ومن ذلك في القرآن: الاختلافات في صور الألفاظ الوضعية، التي تدل من المعاني الأصلية، على ما يشبه المعاني الزائدة في اختلاف صور الجمل المركبة .. من ذلك قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [سورة الأنعام: ١٢٥].
والشاهد في قوله" ضيقا حرجا" إذا قورن بقوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [سورة هود: ١٢]، وموضع الشاهد:" وضائق به صدرك" .. فما هو الفرق بين استعمال" ضيق" في الآية الأولى، واستعمال" ضائق" في الآية الثانية؟
يعلق الأستاذ الجليل الدكتور محمد سعاد جلال على هذا الموضع بقوله:" إن" ضيق" صفة مشبّهة، تدل على ثبوت معناها في نفس القائمة به، واستعمالها في موضعها- هنا- موضع البلاغة؛ لأن المقصود هو الكشف عن الضيق الشديد المعربد في نفس من أضله الله بخذلان نفسه له، فانصرف عن الدخول في الإسلام منصرفا إلى عبادة الأصنام التي لا يجد منها ولاية ولا سكينة.
أما" ضائق" .. فهو صيغة اسم فاعل، يدل على قيام معناه بالموصوف به، من غير ثبات ولا استمرار، وهو موضع البلاغة في موضعه أيضا؛ لأن المقصود:
أن تضايق نفس النبي من عناد المشركين وكيدهم حال طارئة، لا تلبث أن
стр. 73
تعرض له- بحكم الطّبع البشري- حتى تزول عنه؛ لأن رغبته في إنجاز الرسالة وإبلاغ الدعوة أقوى باعثا في نفسه من كل شيء" (١).
هذه إشارة لما يدل عليه اختلاف الصيغ الوضعية الإفرادية من زيادة المعاني.
وأما أثر اختلاف صور الجملة، وما نشأ عنه من المعاني الثانوية- وهو اصطلاح الشاطبي كما سبق- التي هي مناط البلاغة وأساس الإعجاز اللغوي ..
فالقرآن مشحون من أوله لآخره بهذا العلم. من ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة البقرة: ٣، ٤]، ثم قال- وهو موضع الشاهد-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [سورة البقرة: ٦] بغير عطف. ثم نقارن: نظم هذه الآية بآية سورة لقمان: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة لقمان: ٥]، ثم قال- وهو موضع الشاهد-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [سورة لقمان: ٦] معطوفة بالواو .. فما سر الفرق بين موضع عدم العطف بالواو في سورة البقرة، وبين ذكره في آية سورة لقمان؟
والجواب- كما قال الأستاذ المحقق الشيخ عبد الله دراز: إن المقصود في الأساس في سورة" البقرة" هو بيان حال الكتاب، تقريرا لكونه يقينا لا شك فيه، وفي ضمن هذا البيان ذكر اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال، بحيث لا يجدي فيهم الإنذار، ولا يستفيدون من الكتاب. فالآية تكميل لما قبلها، كأنها جزء منها، ولا
стр. 74
يحسن العطف بين أجزاء الشيء الواحد .. فكان مقتضى البلاغة ترك العطف في هذا الموضع. أما بالنسبة لآية سورة لقمان؛ فالمقصود منها مع سابقتها أن الناس على قسمين:" مهتد هاد" .. وهم الموصوفون بالهدى والفلاح، و" ضالّ مضلّ" .. وهم المشترون لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله. وبين القسمين- كما ترى- تضادّ ملحوظ .. فكانت صحة المناسبة أن يفصل بينهما بواو العطف (١).
ومن ذلك: الفرق بين قوله تعالى في سورة الشعراء: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [سورة الشعراء: ١٥٣، ١٥٤]، وبين الآية الأخرى من نفس السورة: قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [سورة الشعراء:
١٨٥، ١٨٦] .. فالآية الأولى بدون ذكر الواو" ما أنت"، والثانية بالواو" وما أنت" ..
فما الفرق؟
والجواب: أما حيث ذكر العطف؛ فالدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة، فكلّ منهما زعم مستقل، فيناسب هذا الإيراد؛ أعني إيراد العطف بين الأمرين. وأما في آية" ما أنت"؛ فذلك لأنهم اعتبروا التسحير هو وحده المنافي للرسالة، وأكدوه بالبشرية، ولا يصح العطف بين هذا وهذا (٢).
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [سورة الأعراف: ٢٠١] فيسأل عن الفرق من الاستعمال بين: إيثار التذكر بصيغة الفعل الماضي" تذكروا"، والإتيان
стр. 75
ب" مبصرون" على مثال اسم الفاعل بدلا من الفعل المضارع" يبصرون"؟ وقد كان الاستعمال خليقا أن يجيء على مقتضى المشاكلة مع قوله" تذكروا" ..
والجواب: أن التّذكّر يحدث بعد مسّ الشيطان، ويتجدد بتجدد هذا المس، وذلك بخلاف الإبصار" بالحق" .. فإنه ثابت لهم، قائم بهم؛ لأن اسم الفاعل حقيقة فيمن قام به الفعل، وقد يغطيه مس الشيطان، فتجدّد التذكر يكشف لهم هذا الغطاء، ليتجلى لهم الحق- الذي عهدوه- قائما بنفوسهم. أي يفاجئهم قيام عمل البصيرة بهم دفعة .. بخلاف التذكر (١). فكأنما الإبصار بالحق مصباح كهربائي مضيء، قائم في قلوب المتقين، بينه وبين مس الشيطان حجاب من الغفلة. وكأنما التذكر أداة ترفع هذا الحجاب عنهم كلما حدث مسّ من الشيطان لهم، فينطلق عندئذ نور الإبصار بالحق دفعة على مس الشيطان فيمحوه دفعة.
ومنه قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [سورة الأعراف: ١٣١] .. فيقال: لماذا صدّر" الحسنة" بلفظ" إذا" وجاء بلفظها معرّفا، وقد صدّر" السيئة" بلفظة" إن" وجاء بلفظها منكرا؟
والجواب: أن الحسنات من: الخصب، والرخاء، والعافية هي العطاء الأكثر في العالم، وأن السيئات- وهي كما تطلق على المعاصي تطلق على المضارّ، كالجدب والشدة والمرض- هي الأمر الأقل- بالنسبة للحسنات- حدوثا في العالم. ولما كان لفظ" إذا" يدل على تحقق معنى المذكور بعده، ولفظ" أل" يدل
стр. 76
على عموم المذكور بعده .. كما أن لفظ" إن" يدل على الشك في وجود المذكور بعده، وتنكير اللفظ يدل على التقليل من المعنى في بعض الوجوه؛ فقد بان لك وجه المناسبة في استحقاق الحسنة بلفظ" إذا"، وإدخال لفظ التعريف عليها في الاستعمال.
وهكذا تجد في القرآن فيضا من هذه الشواهد الفاحصة عن مدلولات الأساليب العربية وأسرارها، ومن ثمّ .. فكل معنى ينبني عليه فهم القرآن، ويرجع إلى المدلولات اللغوية الوضعية والمنازع البيانية والبلاغية، ويكون جاريا على وفق القواعد والشواهد العربية؛ فهو المعنى الظاهر الذي يعنيه الشاطبي وغيره ويعوّل من هذه الجهة عليه.
" أما المعنى الخفي؛ فيفسّر بأنه المعنى المراد لله من خطابه فيما يكون أبعد مرمى من مجرد دلالات الألفاظ على معانيها. وذلك بطريقين:
أحدهما: إعمال الذهن مع نفاذ البصيرة، ووفور الملكة اللغوية في فهم النص القرآني.
وثانيها: الاستعانة- إلى جانب ذلك- بالربط بين النصوص المتعلقة بالموضوع الواحد" (١).
ولنعرض في هذا الصدد واقعتين ذكرهما الشاطبي:
أولاهما: ما روي عن ابن عباس قال:" كان عمر ﵁ يدخلني مع أصحاب رسول الله ﷺ " فقال له عبد الرحمن بن عوف:" أتدخله ولنا بنون مثله؟! ". فقال له عمر:" إنه من حيث تعلم"- أي إنه من حيث تعلم مكانته الكبيرة في العلم
стр. 77
يستحق ذلك- قال ابن عباس: ثم سألني عمر عن قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [سورة النصر: ١ - ٣]. فقلت: إنما هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه". فقال عمر:" والله .. ما أعلم منها إلا ما تعلم".
فالمعنى الظاهر من دلالة الألفاظ لهذه السورة لا يفيد إلا بيان نعمة الله على النبي ﷺ بسوق الفتح والنصر له، ودخول الناس في دين الله أفواجا، وأمره بالتسبيح بحمد الله للشكر على هذه النعمة العظيمة.
أما المعنى الخفي؛ فهو الدلالة على اقتراب أجل النبي ﷺ ؛ لأن لقاءه بحيث يفترض أن ينتهي بانتهاء رسالته، وقد دلت السورة- بمعناها الخفي- على هذا الانتهاء.
ثانيتهما: أنه لما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [سورة المائدة: ٣] فرح الصحابة، وبكى عمر ﵁ وقال:" ما بعد الكمال إلا النقصان! " .. مستشعرا نعيه ﷺ . وما عاش بعدها ﷺ إلا واحدا وثمانين يوما.
فالمعنى الخفي الذي فطن إليه عمر، وابن عباس ﵄ إنما هو راجع إلى حدّة الذهن، ونفاذ البصيرة التي تلمح من المعاني ما يكون لازما للمعاني التي وضعت الألفاظ بإزائها.
стр. 78
ومن هذا يتبين أن المقصود ب" باطن" القرآن عند أهل الحق:" كل ما كان من المعاني راجعا إلى تحقق العبد بوصف العبودية، والإقرار لله بحق الربوبية؛ فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله" (١).
ويقول الشاطبي:" ومن زاغ ومال عن الصراط المستقيم .. فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما. وكل من أصاب الحق، وصادف الصواب .. فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه" (٢).
الشاطبي يستنكر المنازع البعيدة عن مدلول لغة العرب ومقاصد الشرع:
قال الشاطبي:" كون الظاهر هو المفهوم العربي مجردا لا إشكال فيه؛ لأن الموالف والمخالف اتفقوا على أنه منزّل بلسان عربي مبين" (٣).
" فإذن .. كل معنى مستنبط من القرآن، غير جار على اللسان العربي؛ فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك؛ فهو في دعواه مبطل" (٤).
ثم قال:" وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر ... ، ولكن يشترط فيه شرطان:
أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية.
стр. 79
ثانيهما: أن يكون له شاهد- نصّا أو ظاهرا- في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض".
ثم قال:" وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن؛ لأنهما موفوران فيه، بخلاف ما فسّر به الباطنية؛ فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم الظاهر" (١).
ومن أمثلة ذلك التفسير الباطني المردود عند أهل الحق- بل هو مردود لكل ذي عينين! - ما ذكره الشاطبي من ادعاء من لا خلاق له، من أنه مسمّى في القرآن كبيان بن سمعان (٢)، حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران: ١٣٨]. إن هذا التأويل الفاسد يجعل الآية الكريمة قلقة في موضعها، منقطعة الصلة بما قبلها وما بعدها، فضلا عن أن الإشارة إليه إذن تكون قبل مولده بكذا وكذا من عشرات السنين، وأن خيار الأمة- رسولها وصحابته والتابعين جميعا- قاصرون عن فهم القرآن ومقصرون في عدم الدعوة إلى هذا الفاجر!
وكذلك يقال في ذلك الفاجر الآخر الذي تسمى ب" الكسف" (٣)، وقال أتباعه أنه المراد بقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً [سورة الطور: ٤٤] ..
فأي معنى للآية على هذا الزعم الفاسد؟! أيكون المعنى: وإن يروا رجلا ساقطا؛ يقولوا سحاب مركوم؟! تعالى الله عن ذلك.
стр. 80
ومن ذلك أيضا من فسّر" غوى" في قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [سورة طه: ١٢١] بأن معناه: تخم من أكل الشجرة .. من قول العرب:
" غوي الفصيل، يغوى، غوى، فهو غو" إذا بشم من شرب اللبن! وهو فاسد؛ لأن" غوي الفصيل" على وزن" فعل"، والذي في القرآن على وزن" فعل" فمادة الفعلين مختلفة.
فإن قيل: ما اعتبره الشاطبي فاسدا من الممكن أن نجد له محملا سائغا في اللغة العربية، وذلك بأن يكون ما في القرآن على" فعل"- بفتح العين- هو عينه ما على" فعل"- بكسرها .. غاية الأمر أنه إذ ذاك يكون سيرا على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا، فيقول في بقي: بقى (وهم قبيلة طيء) .. ومما يرجح هذا أنه قد قرئ بهذا- أعني ما على" فعل" بكسر العين ولا معنى له إلا هذا- وتفسير قراءة بأخرى- إذا أمكن الجمع بينهما- مما لا ينكر رجحانه ..
إن قيل ذلك؛ فإنا نقول: إنه لا يعدل بالحرف من القرآن عن أفصح الأوجه إلى ما دونه في الفصاحة إلا حيث يتعذر الأخذ بذلك الأفصح .. دع عنك أن يترك الأفصح ويقال بالضعيف الذي لم يسلكه القرآن من أقصاه إلى أقصاه في أيّ من حروفه كما هنا! فمن أين لعاقل بتعذر الأفصح في هذا الحرف والظاهر المتبادر فيه كأبلغ ما يكون التبادر؟! فأما أمر هذه القراءة؛ فإنه إنما يؤخذ بمقتضى القراءة إذا تواترت. فأما إذا كانت من الشذوذ، بحيث لم يستجز العلماء القول بمقتضاها؛ فمن معرض عن ذكرها بالكلية، ومن طاعن عليها أعظم الطعن ..
فإنها إن لم تجلب ضررا؛ فلا تجدي نفعا.
стр. 81
قال أبو البقاء:" وقرئ شاذّا بالياء وكسر الواو، وهو من غوي الفصيل إذا بشم من اللبن .. وليست بشيء".
ولا بدع كذلك ألا يعبأ بها الزمخشري- ﵀ حيث قال:" وهذا؛ يعني هذا الوجه، إن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا، تفسير ضعيف" (١).
وفسّر بعضهم قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [سورة الأعراف: ١٧٩] ب" ألقينا فيها"، مع أن المادة في الفعلين مختلفة .. ف" ذرا" غير مهموز، و" ذرأ" مهموز.
ومن ذلك ما فسّر به الباطنية قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [سورة النمل: ١٦] ..
قالوا: إنه" الإمام" .. ورث النّبيّ علمه.
وقالوا في الجنابة: إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق.
وفسروا الغسل: بتجديد العهد على من فعل ذلك.
والطّهور: بالتبري والتنظيف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام.
والتيمم: بالأخذ من المأذون إلى أن يشهد الداعي أو الإمام.
والصيام: بالإمساك عن كشف السر.
والكعبة: بالنبي.
والباب: بعليّ.
والصفا: بالنبي. والمروة: بعليّ.
стр. 82
وغير ذلك كثير مما هو مسطّر في كتاب" الموافقات" و" فضائح الباطنية" للإمام الغزالي.
تفاسير مشكلة مترددة بين الباطن الصحيح والفاسد:
تقرر سابقا أن المقصود ب" باطن القرآن" عند أهل الحق: ما كان من المعاني راجعا إلى تحقيق العبد لوصف العبودية، والإقرار لله بحق الربوبية.
وقد حاد أقوام عن هذا النهج، ففسّروا القرآن- كما زعموا- تفسيرا باطنا لا تتسع له قواعد اللغة، ولا أصول الشرع، وهو" التفسير الباطني" المردود عند أهل الحق وسبقت له أمثلة آنفا.
وهنا .. يسوق الشاطبي تفاسير مشكلة، يمكن أن تكون من قبيل الباطن الفاسد، أو من قبيل الباطن الصحيح.
" فمن ذلك: فواتح السور، نحو:" الم" و" المص" و" حم" .. ونحوها. فسّرت بأشياء: منها ما يظهر جريانه على مفهوم صحيح، ومنها ما ليس كذلك" (١).
وبداية، وقبل أن ننقل الأقوال التي ذكرها في تفسير الحروف المقطعة أوائل السور .. فإننا نقول: لم يختلف أحد من أهل الفقه بالقرآن في أن جميع الألفاظ التي يتهجّى بها- والتي منها الحروف المقطعة أوائل السور- أسماء، مسمّياتها الحروف التي ركّبت منها الكلم، بحيث إذا أطلق أيّ لفظ من هذه الألفاظ دون قرينة صارفة له عن مدلوله الأصلي لم يفهم منه غير ذلك المدلول. ثم إن المناسبة بين المعنى المتبادر الواضح لهذه الأسماء- الذي هو مسمياتها" حروف المعجم"- وبين المعاني التي تليها، بل بين القرآن عامة، هي أنه لمّا كانت هذه
стр. 83
المسمّيات عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها؛ افتتح الله تسعا وعشرين سورة من سور القرآن، تمثل عدد الحروف العربية كلها، بطائفة من أسماء الحروف .. تسجيلا لعجزهم، وإظهارا لتعنتهم في عدم إيمانهم. فإن الله يقول لهم بلسان هذه الحروف:" إن هذا القرآن الذي عجزتم عن الإتيان بما يدانيه- فضلا عما يساويه- لم يأتكم بلغة غير لغتكم، وإنما أتاكم بنظم عربي اللّحمة والسّدى، لا تتركب كلماته إلا من نفس حروفكم العربية التي تنطقون بها، فعجزكم عن الإتيان بمثله وأنتم أساطين البيان ليس إلا لكونه صادرا عن قدرة إلهية،
هي- وحدها- القادرة على تركيب هذا النظم العجيب الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه!
وهذا القدر لا خلاف فيه.
أما الاختلاف الكثير والمتشعب في كتب التفسير وعلوم القرآن؛ فليس اختلافا في أصل المعنى الوضعي لهذه الحروف المقطعة، وإنما هو خلاف في المعنى المراد منها في مستهل السور .. أهو ذلك المعنى الوضعي نفسه؟ أم أنها نقلت فوضعت، بإزاء معنى آخر هو مراد الله منها؟
ومن هنا .. تعددت الأقوال التي ذكرها الشاطبي وغيره.
من ذلك: ما نقل عن ابن عباس في الم (١):" الألف: الله، واللام:
جبريل، والميم: محمد ﷺ ". والمعنى: أن الله أنزل جبريل ﵇ على محمد ﷺ . قال
стр. 84
الشاطبي:" وهذا إن صح في النقل؛ فمشكل؛ لأن هذا النمط من التصرف لم يثبت في كلام العرب هكذا مطلقا" (١).
وتكلف بعض الناس؛ فجعلها دالة على مدة بقاء هذه الأمة. قال الشاطبي:" وهو قول يفتقر إلى إثبات أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف المقطعة أن تدل بها على أعدادها، وربما لا يوجد مثل هذا لها البتة؛ وإنما كان أصله في اليهود" (٢).
كما زعم البعض أنها دالة على أمور وأحوال الدنيا والآخرة، وأنها مجمل كلّ مفصّل، وعنصر كلّ موجود. وهذا القول محال على دعوى الكشف والاطلاع. ويعقب الشاطبي على ذلك بأن:" دعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال، كما أنه لا يعدّ دليلا في غيرها" (٣).
وأظهر الأقوال عند الشاطبي في الأحرف المقطعة أنها أسرار لا يعلمها إلا الله.
قلت: زعمه أنها أسرار غير صحيح؛ إذ لا يجوز أن يكون في كتاب الله- بل في شرعه جميعا- ما لا يعرف مدلوله فلا يعقل إذن أن تكون هذه الحروف مما استأثر الله بعلم مدلوله- على ما طنطن به الكثيرون- فليست من المتشابه كما ذهب؛ إذ معناها- كما سبق- عين مسمياتها المعروفة؛ وأنها مسوقة لغرض التحدي، وأنها محكمة لاستعمالها فيما هي راجحة الدلالة عليه على ما هو التحقيق- كما ذكره الإمام الرازي- في أمر المحكم والمتشابه، من أن المحكم هو
стр. 85
ما كان راجح الدلالة على معناه بنفسه .. احتمل مرجوحا" كالظاهر"، أو لم يحتمل" كالنص". وأن المتشابه ما ليس كذلك، أي ما كان غير راجح الدلالة بنفسه .. مرجوحا كان" كالمؤوّل"، أو مستوي الدلالة" كالمجمل" (١).
وكأني بك الآن قد علمت من مجرى الحديث عن هذه الحروف أن أقربها هو ما ذكرناه أولا؛ إذ الأصل في الألفاظ استعمالها فيما وضعت له، ولا يجوز أن تخرج عن هذا الأصل إلا إذا صرفت عنه أدلة أو قرائن معتبرة. على أنه ليس في لغة العرب شاهد قوي يؤيد هذه الأقوال التي
ذكرها الشاطبي وغيره، وليس في سياق القرآن قرينة تسندها. ولا تقولنّ إنها مروية عن السلف؛ إذ قد روي عنهم السكوت أيضا والتوقف، على أن من المقرر في أصول الحديث أنه لا تلازم بين السند والمتن .. فليس كل ما روي بسند صحيح؛ يكون صحيح الدلالة على معناه.
ولله درّ الأستاذ الجليل الدكتور محمد عبد الله دراز حيث يقول:" وإذا ثبت الاختلاف في المسألة عنه- أي ابن عباس- بل عن كلّ منهم؛ فقد أصبحت مسألة اجتهادية، وجب على الناظر أن يتخير أقواها مدركا، وأقربها إلى ذوق العربية" (٢).
стр. 86
الفرق بين التأويل الباطني الفاسد والتفسير الإشاري:
التفسير الإشاري هو تأويل القرآن بغير ظاهره؛ لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والفيض ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد. وهذا هو عين مراد الشاطبي من" التفسير الباطني الصحيح" الذي سبق ذكره.
غير أن بعض الناس قد يخلط لدى النظرة العجلى بين التأويل الباطني الفاسد وبين ما اصطلح على تسميته بالتفسير الإشاري، مع ما بينهما من فرق نبّه عليه المحققون من أهل الفقه في كتاب الله.
يقول الشيخ الجليل محمد الخضر حسين:" إن" أصحاب الإشارات" غير من يسمونهم" الباطنية". فالباطنية يصرفون الآية عن معناها المنقول أو المعقول إلى ما يوافق بغيتهم، بدعوى أن هذا هو مراد الله دون ما سواه. وأما أصحاب الإشارات؛ فإنهم كما قال أبو بكر بن العربي في كتابه" العواصم والقواصم" جاءوا بألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها .. لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية وقعت الإشارة إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر.
فأصحاب الإشارات لا ينفون- كما ينفي الباطنية وأذنابهم- المعنى الذي يدل عليه اللفظ العربي من نحو الأحكام، والقصص، والمعجزات .. وإنما يقولون:
إنهم يستفيدون من وراء تلك المعاني، وعلى طريق الاعتبار، معاني فيها موعظة وذكرى.
وعلى ما بين مذهبهم ومذهب الباطنية من فرق واضح ترى في أهل العلم من نازعهم في إلصاق تلك المعاني بألفاظ القرآن، وقال: إن ما جاء في صريح القرآن والسنة من مواعظ وحكم يغني عن ارتكاب هذه الطرق البعيدة، التي هي
стр. 87
في الأصل نزعة قوم شأنهم الصّدّ عن هدى الله، وتعطيل أحكام شريعته الغرّاء" (١).
وأيّا ما كان .. فإن الميزان المحكّم في تفسير القرآن الكريم يقتضي التزام قواعد اللغة العربية، وأصول الشريعة الإسلامية. فتفسير النص القرآني بما تتخيله الأوهام وسمادير الأحلام- بأي اسم كان- دون الانضباط بأصول اللغة والشريعة .. باطل من القول وزور.
ومن ثمّ .. فإننا سنحكّم هذا الميزان فيما نقله الشاطبي من تأويلات عن بعض أهل العلم؛ إذ القرآن الكريم ليس خاضعا لتأييد ما تصبو إليه الآراء والأهواء.
من ذلك .. ما نقل عن سهل بن عبد الله في قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [سورة البقرة: ٢٢] .. أي أضدادا، وأكبر الأنداد: النفس الأمارة بالسوء. وكذلك تأويله قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [سورة البقرة: ٣٥] بأنه لم يرد معنى الأكل حقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غير الله .
فهذه المعاني الإشارية التي ذكرت في هاتين الآيتين صحيحة في ذاتها؛ إذ دلت عليها أدلة من القرآن والسنة. لكنّ الآية التي ذكر تحتها ذلك المعنى لا تدل عليه بظاهر لفظها.
وأما تأويله قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران:
٩٦] بأن:" باطن البيت: قلب محمد ﷺ .. يؤمن به من أثبت لله في قلبه التوحيد، واقتدى بهدايته" فقد قال عنه الشاطبي:" هذا التفسير يحتاج إلى بيان .. فإن
стр. 88
هذا المعنى لا تعرفه العرب، ولا فيه من جهتها وضع مجازيّ مناسب، ولا يلائمه مساق بحال" (١).
وكذلك ما نقل عنه في تفسير قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [سورة النساء: ٣٦]. فقد فسّر" الجار ذا القربى" على أن المراد به: القلب، و" الجار الجنب": النفس الطبيعية، و" الصاحب بالجنب": العقل المقتدي بعمل الشرع، و" ابن السبيل": الجوارح المطيعة لله. وهذا طراز من التفسير الباطني الفاسد، المردود عند أهل الحق. قال الشاطبي:" وذلك لأن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر من أن المراد ب" الجار ذي القربى" وما ذكر معه ما يفهم منه ابتداء، وغير ذلك لا يعرفه العرب ... " .. " وليس- أيضا- ثمّ دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية- بل إنه ينافيه- ولا من خارج- إذ لا دليل عليه كذلك-. بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت ردّه ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية" (٢).
وقال في قوله: صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [سورة النمل: ٤٤] الصرح: نفس الطبع. والممرّد: الهوى، إذا كان غالبا؛ ستر أنوار الهدى.
وحمل بعضهم قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [سورة البقرة: ١١٤] على أن المساجد: القلوب .. تمنع بالمعاصي من ذكر الله.
стр. 89
ونقل في قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [سورة طه: ١٢] أن باطن النعلين هو الكونان: الدنيا والآخرة. وذكر عن الشّبلي أن المعنى: اخلع الكلّ منك؛ تصل إلينا بالكلية.
ثم قال الشاطبي:" وهذا كله- إن صح نقله- خارج عما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في مراد الله بكلامه" (١).
стр. 90
الأصل الثاني فيما يعوّل عليه من الشرع في علوم القرآن
(١) العلوم المضافة للقرآن
ذكر الشاطبي أن العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: قسم هو كالأداة لفهمه، واستخراج ما فيه من الفوائد، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه. كعلوم" اللغة العربية" التي لا بدّ منها، و" علم القراءات"، و" الناسخ والمنسوخ"، و" قواعد أصول الفقه".
الثاني: قسم مأخوذ من جملته من حيث هو كلام، لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي أو غيرهما، بل من جهة ما هو هو. وذلك ما فيه من دلالة النبوة، وهو كونه معجزة لرسول الله ﷺ ، فإن هذا المعنى ليس مأخوذا من تفاصيل القرآن، كما تؤخذ منه الأحكام الشرعية.
الثالث: قسم مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله، وخطاب الخلق به، ومعاملته لهم بالرفق والحسنى، من جعله عربيّا يدخل تحت نيل أفهامهم- مع أنه المنزه القديم- وكونه تنزّل لهم بالتقريب والملاطفة، والتعليم في نفس المعاملة به، قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات.
قال:" وهذا نظر خارج عما تضمنه القرآن من العلوم ... ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية، والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية ... "، وذكر أمثلة يستعان بها في فهم المراد من كلامه، منها: عدم المؤاخذة قبل الإنذار .. قال:" ودل على ذلك إخباره تعالى عن نفسه بقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [سورة الإسراء: ١٥]، فجزت
стр. 91
عادته في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكلّ جزاء مثله.
ومنها: كثرة مجيء النداء باسم الرّبّ المقتضي القيام بأمور العباد وإصلاحها، فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان، قائلا: يا من هو المصلح لشئوننا على الإطلاق .. أتمّ لنا ذلك بكذا .. قال:" وإنما أتى" اللهم" في مواضع قليلة، ولمعان اقتضتها الأحوال".
قال:" ومنها: تقديم الوسيلة بين يدي الطلب، كقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الفاتحة: ٥، ٦].
الرابع: وهو الأخير، قسم هو المقصود الأول بالذكر، وهو الذي نبه عليه العلماء، وعرفوه مأخوذا من نصوص الكتاب- منطوقها ومفهومها- على حسب ما أدّاه اللسان العربي فيه.
قال:" وذلك أنه محتو من العلوم على ثلاثة أجناس هي المقصود الأول:
أحدها: معرفة المتوجّه إليه، وهو الله المعبود سبحانه.
الثاني: معرفة كيفية التوجه إليه.
الثالث: معرفة مآل العبد، ليخاف الله به ويرجوه".
قال:" وهذه الأجناس الثلاثة داخلة تحت جنس واحد هو المقصود، عبّر عنه قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات: ٥٦] " (١).
لقد كان القسم الأول عنده في ذكر العلوم العربية التي لا بدّ منها، وهي من علوم القرآن، وقد وضعت في الأصل لخدمة هذا الكتاب الكريم- على ما سبق بيانه في الأصل الأول- و" علم القراءات"- وهو علم خاص بالقرآن الكريم ...
стр. 92
و" علم أصول الفقه" من علوم القرآن أيضا؛ إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط. وقد عدّ الغزالي علم الأصول من جملة العلوم التي تتعلق بالقرآن وأحكامه.
وفي القسم الثاني إشارة إلى نوع من أنواع علوم القرآن، وهو" إعجازه"، وهو دليل على ثبوت التكليف، وبرهان على لزوم الأخذ بأدلة الأحكام التكليفية الفقهية. وهذا بناء على ثبوت صدق الرسول ﷺ ، المبني على ثبوت برهان معجزة القرآن (١).
وفي القسم الثالث ذكر أن القرآن احتوى من هذا النوع من الفوائد والمحاسن، التي تقتضيها القواعد الشرعية، على كثير يشهد بها شاهد الاعتبار، وتصححها نصوص الآيات والأخبار (٢).
والمتأمل .. يجد أن الشاطبي أخرج هذه المعلومات عن النظر فيما تضمنه القرآن من العلوم (٣)، ثم جعلها مما احتوى عليه القرآن الكريم (٤).
ولا بدّ أن نقول هنا كلمة وجيزة، نضمّنها عصارة ما يقوله الشاطبي في مناط استفادة الأحكام من نوعي المعاني الأصلية والتبعية، والتي سبق ذكرها في الأصل الأول.
فيذهب الشيخ إلى أنه لا إشكال في صحة اعتبار جهة المعنى الأصلي في الدلالة على الأحكام بإطلاق، ولا يسع فيه خلاف بحال. ومثال ذلك:" صيغ
стр. 93
الأوامر والنواهي، والعمومات والخصوصات ... وما أشبه ذلك" مجردا من القرائن الصارفة لها عن مقتضى الوضع الأول.
أما اعتبار المعنى التبعي؛ فهذا محل تردد، ولكل واحد من الطرفين وجه من النظر (١).
ثم عرض بعد ذلك أدلة المانعين دون المناقشة، ولكنه نقد أدلة القائلين باستفادة أحكام زائدة من المعاني الثواني (٢).
ولا يعنيني- في هذا المقام- أن أبحث عن أقرب الاجتهادين إلى الصواب، إنما الذي يعنيني أن أبيّن كيف أخرج الشاطبي هذه المعلومات عن النظر فيما تضمنه القرآن ثم جعلها مما احتواه.
أما إخراجها .. فمعناه أنها ليست مما يدل عليه القرآن بالدلالة الأولية المعروفة عند الأصوليين، فلا نظر فيها في هذا المقام- مقام الدلالة بالوضع- إذ مهما قيل:
إنها مدلول عليها بالدلالة التبعية؛ فهي لا تؤخذ منها الأحكام عند الشاطبي.
وإن كانت منازعة الشاطبي على منع القول باستفادة أحكام زائدة من المعاني الثواني مدفوعة بواقع استنباط العلماء أحكاما شرعية مستقلة بدلالة المعاني التي هي من الجهة الثانية في دلالة النظم، كدلالة الإشارة، والفحوى، والإيماء، والاقتضاء.
ومدفوعة كذلك بما قرره هو نفسه من أنّ الأوامر والنواهي ضربان:
стр. 94
صريح، وغير صريح، وأن الصريح منهما إما أن يعتبر من حيث مجرده دون علة مصلحته، وإما على اعتبار علة مصلحته .. ثم قرر:" أن الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساو في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب، وما هو منها تحريم أو كراهة لا يعلم من النصوص، وإن علم منها بعض؛ فالأكثر منها غير معلوم. وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني، والنظر في المصالح، وفي أي مرتبة تقع، وبالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلا ..
يلزم في الأمر ألا يكون في الشريعة إلا على قسم واحد لا على أقسام متعددة. والنهي كذلك. بل نقول: كلام العرب على الإطلاق لا بدّ فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ، وإلّا .. صار ضحكة وهزأة! ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار، أو عظيم الرماد، أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط؟! فلو اعتبر اللفظ بمجرده؛ لم يكن له معنى معقول .. فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله؟! " (١).
وأرى ما رآه الشاطبي من أن هذه الأمثلة السبعة: نداء العبد لله بحذف حرف النداء؛ لأنه للتنبيه، والله في غير حاجة إليه، ولقربه سبحانه من العبد- ونداء الله للعبد بحرف النداء لتنبيه الغافل، وإشعاره بالبعد- وإتيان القرآن بالكناية عما يستقبح التصريح به، كما كنّى عن الجماع ب" اللباس"- وأسلوب الالتفات- والأقرب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله- والأدب في المناظرة، كما في
стр. 95
قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سورة سبأ: ٢٤]- والأدب في إجراء الأمور حسب العادات (١) ..
أقول: أرى ما رآه من أن هذه الأمثلة آداب شرعية، لا أحكام شرعية تندرج تحت الحلّ والحرمة.
أما الذي لا يسلّم له؛ فهو أن هذه الدلالة ليست من قبيل الدلالة الوضعية. اللهم إلا إن أراد بالوضع الوضع التحقيقي. أما إن أراد أنها ليست من قبيل الدلالة اللفظية من أي وجه؛ فذلك مدفوع؛ إذ إن ما ذكره من معان إنما هو من قبيل خصائص التراكيب ومستتبعاته (٢).
وفي القسم الرابع: إشارة إلى المنطوق والمفهوم، وهذا من أنواع علوم القرآن بلا ريب.
وقبل أن ننفض أيدينا من هذا البحث نذكر عصارة ما قاله علماء القرآن في بيانه ..
قال السيوطي:" المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق. فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره؛ فالنص، نحو: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [سورة البقرة: ١٩٦] ... ، أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا؛ فالظاهر، نحو فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [سورة البقرة: ١٧٣]، فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [سورة البقرة: ٢٢٢]، فإنه يقال لانقطاع طهر، وللوضوء والغسل، وهو في الثاني أظهر.
فإن حمل على المرجوح لدليل؛ فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا،
стр. 96
كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤]، فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه من ذلك إلى حمله على القدرة والعلم أو على الحفظ والرعاية ... ، وقد يكون مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصلح عليهما جميعا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ في معنييه أو لا، ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا، ومن أمثلته وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [سورة البقرة: ٢٨٢]، فإنه يحتمل: لا يضارّ الكاتب والشهيد صاحب الحق بجوز في الكتابة والشهادة، ولا يضارّ بالفتح، أي: لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما وإجبارهما على الكتابة والشهادة ...
والمفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق. وهو قسمان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.
فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق. فإن كان أولى؛ سمي فحوى الخطاب، كدلالة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [سورة الإسراء: ٢٣] على تحريم الضرب؛ لأنه أشد. وإن كان مساويا؛ سمي
لحن الخطاب، أي معناه، كدلالة إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [سورة النساء: ١٠] على تحريم الإحراق؛ لأنه مساو للأكل في الإتلاف. واختلف: هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية، مجازية أو حقيقة؟ ...
والثاني: ما يخالف حكمه حكم المنطوق. وهو أنواع:
مفهوم صفة، نعتا كان أو حالا أو ظرفا أو عددا، نحو: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [سورة الحجرات: ٦] مفهومه: أن غير الفاسق لا يجب التبيّن في خبره، فيجب قبول خبر الواحد العدل. وحال نحو: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ [سورة البقرة: ١٨٧]، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [سورة البقرة: ١٩٧] أي: فلا
стр. 97
يصح الإحرام به في غيرها، فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [سورة البقرة:
١٩٨] أي: فالذكر عند غيره ليس محصلا للمطلوب: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [سورة النور: ٤] أي: لا أقل ولا أكثر.
وشرط نحو: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [سورة الطلاق: ٦]، أي: فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن.
وغاية نحو: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [سورة البقرة: ٢٣٠]، أي: فإذا نكحته تحل للأول بشرطه.
وحصر نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [سورة الصافات: ٣٥]، إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ [سورة طه: ٩٨] أي فغيره ليس بإله، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [سورة الشورى: ٩] أي: فغيره ليس بولي، لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [سورة آل عمران: ١٥٨] أي: لا إلى غيره، إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة: ٥] أي: لا غيرك.
واختلف في الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة. والأصح في الجملة أنها كلها حجة بشروط، منها: ألا يكون المذكور خرج للغالب، ومن ثم .. لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [سورة النساء: ٢٣]؛ فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، فلا مفهوم له؛ لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن. وألا يكون موافقا للواقع، ومن ثم .. لا مفهوم لقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [سورة المؤمنون: ١١٧]، وقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران: ٢٨] " (١).
стр. 98
(٢) المكي والمدني
المكي من آيات القرآن الكريم: ما نزل قبل الهجرة. والمدني: ما نزل بعدها.
وهذا أشهر أقوال ثلاثة ذكرها الزركشي في" برهانه".
ومن المعلوم أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها جاءت متدرجة في تشريع الأحكام. ثم إن سور القرآن الكريم وآياته تابعة في النزول لمراحل تدرج الشريعة في تكوينها، فكل مرحلة من هذه المراحل تقتضي صنفا معينا من بلاغ القرآن. وكل مرحلة من هذه المراحل تعدّ أصلا وأسّا للمرحلة التالية التي تنبني عليها، وعلى هذا المنوال كانت سور القرآن في التنزيل، حيث ينبني فهم لاحقها على فهم سابقها ..
وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" المدني من القرآن يفهم مرتّبا على المكي السابق في النزول عليه. وكذلك تفهم آيات المكي .. المتأخر منها يفهم مرتبا على المتقدم، وكذلك شأن الآيات المدنية بعضها مع بعض. والدليل على ذلك استقراء منهج القرآن، وذلك إنما يكون ببيان مجمل، أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله.
والشاهد المقرر لصحة هذا المعنى هو أن الشريعة كلها جاءت مبنية على الشرائع السابقة في الأصول، متممة لها في الفروع، مصلحة لما فسد من دين إبراهيم ﵇.
ويتلو ذلك في النظر أن سورة الأنعام- وهي سورة مكية- نزلت مبينة لقواعد العقائد، وأصول الدين، حتى قال المتكلمون: إنها تضمنت جميع العقائد من أول مبحث إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة ..
стр. 99
ثم لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة نزلت عليه سورة البقرة، مؤصّلة بسورة الأنعام، ومقررة لقواعد التقوى وأصولها. فبينما كانت سورة الأنعام المكية تقرر أصول التوحيد، والنبوة، والمعاد، ودلائلها .. كانت سورة البقرة تؤصل العبادات، وقواعد الإسلام، وتقرر أحكام المعاملات من البيوع والأنكحة، والعادات من أصل المأكول والمشروب وما أشبههما، وأحكام الديات والدماء وما يليها، وما زاد على ذلك من فروع التقوى من التكاليف مما جاء بعدها ولم يذكر فيها، فقد جاء مكملا لما جاء فيها مردودا إليه، مثلما كانت سورة الأنعام تأصيلا للعقائد، وما لم يذكر فيها من العقائد- وجاء بعد نزولها- اعتبر داخلا تحت أصولها ... ، وكذلك نرى هذا المعنى متقررا بين كل سورة من المكي والمدني، والترتيب بين السور والآيات يشير إلى ابتناء اللاحق على السابق، والمتأخر على المتقدم.
فلا يغيبن على الناظر في الكتاب هذا المعنى، فإنه من أسرار علوم التفسير.
وللسنة في هذا الترتيب مدخل للحفظ؛ إذ هي مبينة للكتاب، فهي تابعة له في ترتيب نزوله (١).
стр. 100
(٣) المحكم والمتشابه
١ - إطلاقات المحكم والمتشابه:
قال الشاطبي:" يطلق المحكم بإطلاقين: عام، وسيأتي بيانه. وخاص، ويراد به خلاف المنسوخ، وهي عبارة علماء الناسخ والمنسوخ، سواء علينا أكان ذلك الحكم ناسخا أم لا، فيقولون: هذه الآية محكمة، وهذه الآية منسوخة" (١).
ويطلق المتشابه ويراد منه خصوص ما يرد من القصة الواحدة في سور شتى وفواصل مختلفة.
قال الزركشي:" ويكثر في إيراد القصص والأنباء. وحكمته: التصرف في الكلام، وإتيانه على ضرب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدا به ومتكررا" (٢).
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى في قصة بني إسرائيل: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [سورة البقرة: ٥٨، ٥٩].
ويقول في القصة عينها في موضع آخر: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي
стр. 101
قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ [سورة الأعراف: ١٦١، ١٦٢].
كما يطلق المتشابه- مقابلا للإطلاق الخاص عند الشاطبي- على المنسوخ. فهذا أحد إطلاقاته، وهو في غير القرآن.
أما في القرآن؛ فيطلق كل منهما بإطلاقين:
أحدهما: يطلق كلّ منهما وصفا لجميع القرآن، قال تعالى في بيانه الإلهي:
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود: ١]، وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [سورة الزمر: ٢٣].
فكلّ من وصفي الإحكام والتشابه في هاتين الآيتين صفة مدح لجميع القرآن، لا دلالة في أحدهما على ما يضاد الآخر. فمعنى كون القرآن كله محكما- كما في قوله:
أُحْكِمَتْ آياتُهُ: الإتقان، والمنع من الفساد، وجعله تعالى آيات كتابه حكيمة.
وهذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها المفسرون كلها سائغة من حيث اللغة، ومن حيث صحة الإرادة كذلك. غير أن الوجه الثالث هو خيرها جميعا على ما حققه أستاذنا الجليل الدكتور إبراهيم خليفة، حيث يقول:" إن فعل" أحكمت" بمعنى جعلت حكيمة، بوصفه مطلقا عن القيد، تذهب النفس- الفاقهة لمقام إيراده وصف مدح لآيات الكتاب العزيز- في اجتلاء عظمة كنهه كلّ مذهب، فلا تلبث أن تصرفه إلى الفرد الكامل، وذلك يعني أن الآيات وضعت كل شيء في أحسن مواضعه السليمة اللائقة. ولا يتم هذا إلا إذا كان كلّ من نظمها ومعناها وغايتها
стр. 102
موضوعا في أسلم المواضع وأحسنها بحيث تكون من بلاغة النظم وشرف المعنى وسموّ الغاية" (١).
وأما معنى كون القرآن كله متشابها؛ فإن من الجلي أن صوغ مادة التشابه به في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [سورة الزمر: ٢٣]، على صورة التفاعل يقضي بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء كلها يشبه بعضها بعضا، على ما هو الكثير الغالب في صورة التفاعل.
وقد بين المفسرون الكمالات التي تتشابه فيه أبعاض الكتاب العزيز.
قال الزمخشري:" و" متشابها" مطلق في مشابهة بعضه بعضا. فكان متناولا لتشابه معانيه في الصحة، والإحكام، والبناء على الحق والصدق، ومنفعته الخلق، وتناسب ألفاظه، وتناسقها في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت" (٢).
وبهذا يتبين أن كلا من الإحكام في آية هود والتشابه في آية الزمر نعت كمال للقرآن جميعا، وأنه ليس بينهما أدنى قدر من التضاد، بحيث يقتضي الاتصاف بأحدهما التجرد من الآخر. بل في اجتماعهما شاهد حقية القرآن وكماله، وآية: لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢).
стр. 103
٢ - تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه وتعريف كلّ منهما:
وهذا هو الإطلاق الثاني الذي وقع فيه النزاع بين علماء القرآن:
دلت آية هود- كما قلنا سابقا- على أن جميع القرآن محكم بالمعنى الذي ذكرناه آنفا. وآية الزمر أن جميعه متشابه بالمعنى الذي ذكرناه أيضا.
أما قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران: ٧]؛ فإنها تدل على أن بعض القرآن محكم- أي إحكاما خاصّا لا تشابه فيه- وبعضه متشابه أي تشابها خاصّا لا إحكام فيه. ومن ثمّ .. كثر الخلاف بين علماء القرآن في شرح حقيقة كلّ منهما.
والمختار لدى المحققين ما ذهب إليه الإمام الرازي حيث قال:" ولا بدّ لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، ثم تفسيرهما في عرف الشريعة" ..
ثم قال:" الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه، ونحن نذكر الوجه الملخّص الذي عليه أكثر المحققين، فنقول: اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى .. فإما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى، وإما ألّا يكون. فإذا كان موضوعا لمعنى، ولا يكون محتملا لغيره؛ فهذا هو النص. وأما إن كان محتملا لغيره؛ فلا يخلو .. إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر، وإما ألّا يكون كذلك .. فيكون احتماله لهما بالنسبة للراجح ظاهرا، وبالنسبة للمرجوح مؤولا. وأما إن كان احتماله لهما على السّويّة؛ كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملا.
فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصّا، أو ظاهرا، أو مؤوّلا، أو مشتركا، أو مجملا. أما النص والظاهر؛ فيشتركان في
стр. 104
حصول الترجيح .. إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير. فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم. وأما المجمل والمؤول؛ فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه- المعنى- غير راجحة. وإن لم يكن راجحا، لكنه غير مرجوح؛ فهو المجمل. والمؤول، مع أنه غير راجح، فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد. فهذا القدر المشترك هو المسمّى بالمتشابه".
ثم قال:" .. فلا بد من قانون يرجع إليه في هذا الباب .. فنقول: اللفظ إذا كان محتملا معنيين، وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحا، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحا، ولم نحمله على المرجوح؛ لا بدّ فيه من دليل منفصل. وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيّا، وإما أن يكون عقليّا. أما القسم الأول؛ فنقول: هذا إنما يتم إذا حصل بين هذين الدليلين اللفظيين تعارض. وإذا وقع التعارض بينهما؛ فليس ترك ظاهر أحدهما- رعاية لظاهر الآخر- أولى من العكس ...
فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال. وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذّر حمله على ظاهره، فعند هذا يتعين التأويل. فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلا" (١).
والخلاصة من كلام الإمام .. أن المحكم: ما كان راجح الدلالة على معناه بنفسه .. احتمل مرجوحا كالظاهر، أو لم يحتمل كالنص. وأن المتشابه: ما ليس
стр. 105
كذلك، أي ما كان غير راجح الدلالة بنفسه. مرجوحا كان كالمؤوّل، أو مستوي الدلالة كالمجمل. وهو كلام سديد؛ لأن مدار الإحكام على ما يفهم من الآية نفسها إنما هو على الوضوح. وكذلك شأن النص والظاهر .. اللذين جعل المحكم هو القدر المشترك بينهما. وأن مدار التشابه به يدور على كون الكلام خفيّا يتبعه الزائغ ابتغاء الفتنة، وإنما يظفر الزائغ بها- الفتنة- في المجمل والمؤوّل ..
اللذين جعل التشابه هو القدر المشترك بينهما.
هذا ما نراه تحقيقا في أمر المحكم والمتشابه ...
أما الشاطبي؛ فقد عرّف المحكم بمعناه العام أنه:" البيّن، الواضح الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره. والمتشابه: هو الذي لا يتبين المراد به من لفظه ..
كان مما يدرك مثله بالبحث والنظر، أم لا" (١).
ثم إننا لا نجد من سبيل إلى موافقة الشاطبي في إدراج الظاهر تحت معنى المتشابه، والمؤول تحت معنى المحكم؛ إذ إن الظاهر راجح بنفسه في معناه عند عدم القرينة الصارفة عنه، قضاء بما علم من كون العدول عن المعنى الظاهر من غير دليل عبثا، وقضاء بتعريف الشاطبي نفسه للمحكم. وبناء على ذلك .. فإننا نرى- كما قرر الإمام الرازي- إدراج الظاهر تحت المحكم لا تحت المتشابه.
وقلنا بتشابه المؤول لا بإحكامه- كما يدعي الشاطبي- حتى مع الموجب؛ لبقاء تشابهه ببقاء دلالته على الأصل المتروك، وخفاء موجبه، دع عنك ما عرفته من تأتّي حصوله في النفس مع الذهول .. بل الجهل التام بهذا الموجب.
стр. 106
اللهم إلا ما استثني من المؤول بأنه لا تشابه فيه، وذلك بسبب معلومية المراد منه بالضرورة، لا بسبب مجرد إيجاب الموجب لمعناه المرجوح.
٣ - التشابه في الأدلة قليل:
المتشابه المقابل للمحكم بعض القرآن كمقابله، وهو على بعضيته قليل في القرآن الكريم.
أما أنه بعض القرآن؛ فلقوله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران: ٧] معطوفا على قوله: آياتٌ مُحْكَماتٌ [سورة آل عمران: ٧] المخبر عنه، أو المعنون له بكونه من الكتاب- أي بعضه- فلا بد أن يكون مثله في حكم البعضية ..
قضاء بما يوجبه العطف من التشريك في الحكم.
وأما أنه قليل في القرآن؛ فلأمور:
أحدها: وصف الله الآيات المحكمات بكونها" أمّ الكتاب"، فإن" الأم"- هنا- معناه: المعظم، قال الشاطبي:" فقوله في المحكمات: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [سورة آل عمران: ٧] يدل على أنها المعظم والجمهور. و" أمّ الشيء" معظمه وعامته، كما قالوا:" أمّ الطريق" بمعنى معظمه، و" أم الدماغ" بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه" (١).
وما قاله الشاطبي في تفسير" الأم" هو المقرر كذلك في لغة العرب .. ففي" اللسان": و" أمّ الطريق" معظمه، إذا كان طريقا عظيما وحوله طرق صغار.
فالأعظم: أمّ الطريق. فإذا كانت المحكمات معظم القرآن؛ فالمتشابهات- لا ريب- أقله (٢).
стр. 107
الثاني: أن المتشابه لو كان كثيرا؛ لكان الالتباس والإشكال كثيرا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى، وكيف .. وقد سماه الله كذلك فقال:
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [سورة آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: ٢]، وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل: ٤٤]؟! وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس.
والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة، لا بيان وهدى .. لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى؛ فدل على أنه ليس بكثير.
ثم يقول الشاطبي- بعد أن ساق هذا الدليل:" ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها؛ لم يصح القول به" (١).
وأما ثالث الأمور القاضية بقلة المتشابه في القرآن الكريم؛ فالاستقراء ..
وذلك أن المجتهد العارف بكلام العرب وعاداتهم، الواقف على المقامات والوقائع التي أنزلت فيهما، إذا تأمل في هذا الكتاب الكريم؛ وجد الغالب من مفرداته وتراكيبه من الوضوح بحيث لا يخفى على عامة المتدبرين.
فإن قيل: كيف تزعم أن الالتباس والإشكال في القرآن قليل، وما أكثر ما يختلف مفسروه- على تعدد مشاربهم- في معاني مفرداته وتراكيبه؟! ألم تر إلى المعربين، والمتكلمين، والفقهاء .. كم يختلفون فيه؟! وكم فيه من عام يحتاج إلى مخصّص، ومطلق يحتاج إلى مقيّد، ومجمل يحتاج إلى مبيّن، وظاهر يحتاج إلى تأويل! فإذا ثبت أن فيه كل هذا الالتباس؛ فهل مثاره إلا التشابه الذي يحول
стр. 108
دون الفهم، ويوقع في الإشكال؟! فكيف تزعم- بعد ذلك- أن المتشابه في القرآن قليل؟!
وأجيب: بأن معظم ما قيل مما أشير إليه من الاختلاف لا يدل على الالتباس المفضي إلى التشابه في الواقع ونفس الأمر؛ وذلك لأن كثيرا من هذه الاختلافات يرجع إلى إيراد طائفة من الأوجه هي كثير بحسب الصناعة، واحد بحسب لبّ المعنى .. ولا ريب أنه ليس في مثل ذلك تشابه ولا التباس.
ومنها ما يرجع إلى التقصير في إجراء القرآن على أحسن ما يقضي به اللسان العربي المبين، من الذهاب في تأويل الكلمة أو الجملة إلى وجه شاذ أو ضعيف في منطق العرب الخلّص، أو عدم مراعاة مقامات الخطاب بالآيات، أو عدم العناية بتناسق التراكيب، وأخذ بعضها بحجزة بعض.
ومنها ما يرجع إلى تقصير المرء في تطلب ما يدفع إشكاله، من نحو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو بيان مجمل .. وغير ذلك. ولو عني بتطلب ذلك؛ لتيسر له الظفر به من الكتاب أو السنة، أو دليل الحس أو العقل.
ومنها ما يرجع إلى قصر القرآن في التأويل على قوانين علوم ومذاهب مستحدثة ما أنزل عليها، ولا كان نزوله من أجلها.
وكل هذه الأنواع من الاختلاف ليست من المتشابه في واقع الأمر، فإنه لو زايل التقصير أولئك، والتّنطّع هؤلاء؛ ما اختلفوا فيه، ولا التبس عليهم .. فالتشابه في عقولهم وأفهامهم، لا في القرآن المجيد!
وقد سمّى الشاطبي هذا النوع من التشابه ب" التشابه الإضافي".
وإنما المتشابه بحق مما اختلفوا فيه: ما كان معناه في غاية الالتباس والغموض بحيث يشكل، ولا يقدر على درك تأويله وإدحاض شبهة الزائغين فيه من خلق
стр. 109
الله إلا الراسخون في العلم. ولا ريب أن ذلك- مما اختلفوا فيه- قليل لا كثير (١).
٤ - لا يدخل التشابه قواعد الشرع الكلية:
لا يدخل التشابه بالمعنى الذي قررناه في قواعد الشرع الكلية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية، كربوبيته تعالى، وتنزهه عن النقائص، وصدق رسوله ﷺ فيما بلغه إلى خلقه، وحقية ما أخبر به من اليوم الآخر، وكون هذه الشريعة الإسلامية الغراء حقّا من عند الله تعالى.
هذه الأصول الكلية وما إليها لا إجمال فيها ولا خفاء، كما هي خصيصة المتشابه. وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما يقع في الفروع الجزئية. والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: الاستقراء أن الأمر كذلك.
والثاني: أن الأصول لو دخلها التشابه؛ لكان أكثر الشريعة من المتشابه.
وهذا باطل. وبيان ذلك: أن الفرع مبني على أصله .. يصح بصحته، ويفسد بفساده، ويتضح بإيضاحه، ويخفى بخفائه. وعلى الجملة .. فكل وصف في الأصل مثبت في الفرع؛ إذ كل فرع فيه ما في الأصل. وذلك يقتضي أن الفروع المبنية على الأصول المتشابهة متشابهة. ومعلوم أن الأصول منوط- مرتبط- بعضها ببعض في التفريع عليها، فلو وقع في أصل من الأصول اشتباه؛ لزم سريانه في جميعها، فلا يكون المحكم أمّ الكتاب. لكن ثبت أنه كذلك؛ فدل على أن المتشابه لا
стр. 110
يكون في شيء من الأصول- وهي القواعد الكلية- .. سواء في ذلك ما كان في أصول الأعمال، أو أصول الاعتقادات.
فإن قيل: فقد وقع في الأصول أيضا .. فإن أكثر الزائغين عن الحق إنما زاغوا في الأصول لا في الفروع! ولو كان زيغهم في الفروع؛ لكان الأمر أسهل عليهم ..
فالجواب: أن المراد ب" الأصول" هو القواعد الكلية .. كانت في أصول الدين، أو في أصول الفقه، أو في غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية.
وعند ذلك لا نسلّم أن التشابه وقع فيها البتة، وإنما في فروعها. فالآيات الموهمة للتشبيه؛ والأحاديث التي جاءت مثلها، فروع عن أصل التنزيه، الذي هو قاعدة من قواعد العلم الإلهي" ..
ثم قال: .. " فإذا اعتبر هذا المعنى؛ لم يوجد التشابه في قاعدة كلية، ولا في أصل عام. اللهم إلا أن يؤخذ التشابه على أنه الإضافي .. فعند ذلك [لا] (١) فرق بين الأصول والفروع في ذلك. ومن تلك الجهة حصل في العقائد الزيغ والضلال. وليس هو المقصود هنا إنما المقصود بنفيه عن الأصول هو التشابه الحقيقي، ولا هو مقصود وصريح اللفظ .. وإن كان مقصودا بالمعنى؛ لأنه تعالى