ويملك قلبك. وسوء الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتى تمجّه أذنك، وتغثي منه نفسك، وينفر منه طبعك".
ثم يقول- رحمة الله عليه:" .. فالجديد في لغة القرآن أنه في كل شأن يتناوله من شئون القول يتخير له أشرف الموادّ، وأمسّها رحما بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به ... بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة، وصورته الكاملة، ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين. لا يوما أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلا، ولا الساكن يبغي عن منزله حولا .. وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان".
ثم ينتقل إلى خصائص الأسلوب القرآني، فيبين الأسباب التي بلغ بها درجة الإعجاز .. ونجتزئ من كلماته النيّرة الفذة .. قال- رحمة الله عليه:
خطاب العامة وخطاب الخاصة:
وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس. فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء؛ لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب. ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء؛ لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم. فلا غنى لك (إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظّها كاملا من بيانك) أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال. فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغنياء، وإلى السّوقة والملوك .. فيراها كلّ منهم مقدّرة على مقياس عقله وعلى وفق
стр. 37
حاجته؛ فذلك ما لا تجده على أتمّه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد .. يراه البلغاء أو فى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم ..
لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة .. فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسّر لكل من أراد: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [سورة القمر: ١٧].
إقناع العقل وإمتاع العاطفة:
وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان. وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها. فأما إحداهما؛ فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به. وأما الأخرى؛ فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم. والبيان التام هو الذي يوفّي لك هاتين الحاجتين، ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا.
فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟
لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء .. فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوّا في جانب، وقصورا في جانب! فأما الحكماء .. فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك، فتراهم حين يقدّمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوّ عن الطباع.
وأما الشعراء .. فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّا أو رشدا، وأن يكون حقيقة أو تخيلا .. فتراهم جادّين وهم هازلون .. يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويطربون وإن كانوا لا يطربون! وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ
стр. 38
فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [سورة الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦].
وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير. وكل امرئ حين يحس ويشعر فإنما هو شاعر صغير. فسل علماء النفس: هل رأيتم أحدا تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟ ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس .. فهل ترونها تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة؟ يجيبوك بلسان واحد: كلا. بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال. وكلما تسلطت واحدة منهن؛ اضمحلت الأخرى وكاد ينمحي أثرها.
فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره. وهكذا .. لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصدا واحدا، وإلا؛ لكانت مقبلة مدبرة معا! وصدق الله: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [سورة الأحزاب: ٤].
فكيف تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطّلبتين على سواء، وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء؟!
وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من بين تلك الأحوال.
هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعا لها حين قال أو كتب .. فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية؛ قلت: هذا ثمرة الفكرة. وإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها وبسطها، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها؛ قلت: هذا ثمرة العاطفة. وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر، فتفرّغ له بعد ما قضى وطره
стр. 39
من سابقه- كما ينتقل من غرض إلى غرض- عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه.
وأما أن أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا، ويجمع في يديك هذين الطرفين معا .. كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقا وأزهارا وأثمارا معا، أو كما يسري الروح في الجسد، والماء في العود الأخضر؛ فذلك ما لم تظفر به في كلام البشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.
فمن لك إذن بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟
ذلك .. الله رب العالمين. فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان، وأن يمزج الحق والجمال معا .. يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابا خالصا سائغا للشاربين.
وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت ..
ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟!
أولا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظّ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب .. يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها؟! .. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [سورة الزمر: ٢٣]، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) [سورة الطارق: ١٣ - ١٤] " (١).
стр. 40
والآن .. نعود إلى أصل مسألتنا (أعنى اتباع معهود العرب في تلقى الخطاب) ..
وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" إنه لا بدّ في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين؛ وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم" (١).
ويقول الإمام الشافعي في هذا أيضا:" إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيه" (٢).
ومن الضروري في تحديد معهود الخطاب معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها المصاحبة لنزول القرآن الكريم؛ إذ إنّ كثيرا من الألفاظ إذا أريد تفسيرها بمجرد لغة العرب من غير الرجوع إلى هذه العادات توقع المفسّر أو المستنبط للقرآن الكريم في الغلط والجهل.
يقول الشاطبي:" لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن والسنة من معرفة عادات العرب في أقوالها، ومجاري عاداتها حالة التنزيل من عند الله والبيان من رسوله ﷺ ؛ لأن الجهل بها موقع في الشّبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة" (٣).
ومن ذلك قوله تعالى في بيانه الإلهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [سورة آل عمران: ١٣٠] .. فإن ظاهر الآية يوهم تقييد الربا المحرم بها إذا كان أضعافا مضاعفة؛ لكن إذا علم أن الغالب من عادات العرب
стр. 41
التعامل بالربا المضاعف، وأن الرجل منهم كان يربي أجل، فإذا حلّ قال للمدين:
زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فيفعل .. وهكذا عند محل كل أجل كان يستأصل ما له بالدين الطفيف .. أقول: إذا علم هذا؛ علم أن الآية جاءت مراعاة لعاداتهم، وتنديدا بشنيع معاملاتهم. فليس الربا مخصوصا بالمضاعف .. بل هو حرام قليله وكثيره، والقيد لبيان الواقع كما يقولون.
ومن ذلك قوله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [سورة النحل: ٥٠]، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [سورة الملك: ١٦]، وأشباه ذلك .. فإنها جري على معتادهم من اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرّين بألوهية الواحد الحق .. فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه؛ تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض من الأوثان، فلا يكون فيه دليل البتة على إثبات الجهة لله سبحانه.
ومن ذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [سورة النجم: ٤٩] .. فعين هذا الكوكب مع أنه رب الكواكب كلها؛ لأن العرب عبدته، وهم خزاعة، ابتدع لهم ذلك أبو كبشة.
هذا. ولقد صوّر الشاطبي طرفا من معهود العرب في لسانها في التراوح بين المعاني والألفاظ والأساليب، فقال:" ومن معهودهم: ألا ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضا، فليس أحد الأمرين عندها بملتزم؛ بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحا في صحة كلامها واستقامته" (١).
стр. 42
واستدل على ذلك بأدلة:
أولا: خروج العرب في كثير من كلامها على أحكام القوانين المضطردة، والضوابط المستمرة.
ورده صاحب" سبل الاستنباط" بأن العرب كانت تخرج في كلامها- شعرا ونثرا- عما هو الكثير الغالب في أنماط الصياغة .. أما البيان القرآني؛ فليس فيه خروج عن كل أنماط اللسان العربي ومذاهبه في القول. وما قد يظن أنه خروج هو في حقيقته اصطفاء لنهج من العربية يتنافى مع فيض دلالي، وقصد بياني (١).
ثانيا: استغناء العرب ببعض الألفاظ عمّا يرادفها أو يقاربها.
ولا يعدّ ذلك اختلافا ولا اضطرابا إذا كان المعنى المقصود على استقامته، والكافي من ذلك: نزول القرآن على سبعة أحرف (٢).
استدلاله- ﵀ بأن ثمّة ألفاظا تفي بحق ما أقيمت مكانه في البيان العالي إبداعا أو إعجازا مسلّم في بعض وجوه البيان الإبداعي، لكنه لا يكون البتة في البيان القرآني. فما يكون لكلمة اقتضاها السياق المقالي أو المقامي في أفقه أن تفي غيرها بما تفيض هي به من صنوف الدلالة والهدى على لاحبه، فليس في معجم البيان القرآني مترادفات البتة، لا في مفرداته ولا تراكيبه (٣). ولو أنك
стр. 43
أدرت ألفاظ اللغة على موضع لفظة واحدة من القرآن الكريم بحثا عن بديل ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
أما دعواه دلالة نزول القرآن على سبعة أحرف على وفاء كلمة مكان أخرى؛ فهي دعوى غير مسلّمة. ولسنا هنا في صدد بيان أقوال العلماء في المراد من السبعة الأحرف ..
ولكنّ الذي ينبغي التّنبّه إليه أن المقصود بالحرف هو الوجه من وجوه القراءات، وهي لا تخرج عن سبعة أوجه على ما ذهب إليه الإمام أبو الفضل الرازي وغيره:
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث .. وذلك كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [سورة المعارج: ٣٢]. قرئ:
" لأماناتهم" جمعا، و" لأمانتهم" إفرادا.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سورة سبأ: ١٩] .. وقرئ:" ربّنا بعّد".
الثالث: وجوه الإعراب: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [سورة البقرة: ٢٨٢] .. قرئ بفتح الراء وضمها.
الرابع: الزيادة والنقص: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [سورة الليل: ٣] .. قرئ:
" والذكر والأنثى".
الخامس: التقديم والتأخير: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [سورة ق: ١٩]. قرئ:" وجاءت سكرة الحق بالموت".
السادس: القلب والإبدال: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [سورة البقرة: ٢٥٩] .. قرئ:" ننشرها".
стр. 44
السابع: اختلاف اللغات من فتح، وإمالة، وترقيق، وتفخيم وتحقيق، وتسهيل .. وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى [سورة طه: ٩] .. قرئ بالفتح والإمالة في" أتى" ولفظ" موسى" (١).
والخلاصة: أن القراءات السبع هي بعض أحرف القرآن السبعة لا كلها، وأن القراءات العشر المشهورة بين أيدي الناس اليوم هي جميع الأحرف السبعة التي أنزل الله عليها القرآن. وإن شئت قلت: الأحرف السبعة هي القراءات العشر .. بلا أدنى فرق (٢).
فالأحرف السبعة هي القراءات العشر المتواترة. وكل قراءة متواترة ذات معنى لا يكون هو معنى غيرها من القراءات الأخرى المتواترة، وإلا .. لكان من العبث (الذي ينزّه عنه العقلاء. فضلا عن الله الحكيم) أن تنزل قراءات قرآنية متعددة كل واحدة منها هي عين الأخرى في المعنى.
ثالثا: استدلاله بأن العرب قد تهمل بعض أحكام اللفظ؛ وإن كانت تعتبره على الجملة (٣).
رابعا: استدلاله بأن الممدوح من كلام العرب عند أرباب العربية ما كان بعيدا عن تكلف الاصطناع، وأن شأن الشاعر العربي إذا اشتغل بالتنقيح اختلفوا في الأخذ عنه. وإذا كان كذلك؛ فلا يستقيم للمتكلم في كتاب الله، أو
стр. 45
سنة رسوله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب، وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن تعتني العرب به، والوقوف عند ما حدّته (١).
وكان مقتضى هذا الدليل، والذي قبله أن يأتي الشاطبي من الكتاب والسنة بما فيه إهمال بعض أحكام اللفظ، أو ما رمى به الكلام على عواهنه، هكذا يقول الشيخ دراز .. لكنّ الشاطبي رتب على هذين الدليلين نتيجة لا علاقة لها بهما، فقال:
" لا يستقيم في كتاب الله، أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب".
وتعقبه صاحب" سبل الاستنباط":" بأن حديثه في فقه النص على معهود العرب في بيانها، فأدخل فيه ذم التكلف في الفهم. والواقع أن ثمّ تناقضا بين التكلف والفهم .. إنهما لا يلتقيان؛ لأن الفهم ينبثق من النص، والتكلف يسقط عليه من خارجه" (٢).
وبعد ذلك كله فإنّا نقول: إن كل ما ذكرناه هنا، يتلخص في أن عربية القرآن تعني أنه يفهم من خلال معهود العرب في تلقي الخطاب أيام التشريع.
هذا ما أكده المفسرون والأصوليون. قال صاحب" المنار":" على المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر النزول" (٣).
فمن غفل عن ذلك وأخذ ألفاظ القرآن دون مراعاة أوضاع اللغة عند العرب زلّ فهمه، وجانب الصواب. ودونك .. فانظر ما يسمى ب" التأويل
стр. 46
الباطني" قديما، و" القراءة المعاصرة" حديثا مما لا يخضع لدلالات اللغة العربية، وأصولها البيانية، على ما سيأتي بيانه.
إن من السّبل السديدة لفهم القرآن الكريم التحصن بحصن قواعد اللغة العربية، وأوجه دلالاتها كما أراده الشارع الحكيم.
стр. 47
(٣) أنواع معاني العربية ومراتبها
ومن معهود العرب في الخطاب- كما يذكر الشاطبي- أن للغة العربية دلالتين:
الأولى: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة، دالة على معان مطلقة ..
وهي الدلالة الأصلية، وهذه تشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمة دون أخرى، وهي التي يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى، ومنها صح تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه.
والثانية: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة، دالة على معان خادمة ..
وهي الدلالة التابعة للدلالة الأصلية. وهذه الدلالة يختص بها لسان العرب .. " فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورا خادمة لذلك بحسب المخبر، والمخبر عنه، والمخبر به، ونفس الإخبار، في الحال والمساق، ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء، والإيجاز والإطناب، وبحسب الكناية عنه، والتصريح به، وبحسب ما يقصد في مساق الإخبار، وما يعطيه مقتضى الحال .. إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها. فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هي المقصود الأصلي، ولكنها من مكملاته ومتمماته، وبطول الباع في هذا النوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر".
" ومن هذه الجهة في الدلالة لا يمكن ترجمة كلام من الكلام العربي بكلام العجم على حال .. فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربي.
стр. 48
والدلالة في هذه الجهة كوصف من أوصاف الدلالة في الجهة الأولى، سواء أكان وصفا من الأوصاف الذاتية أو غير الذاتية" (١).
وبيان ذلك: أن للغة العربية دلالة أصلية تحصل من مجرد نسبة الفعل إلى الفاعل، أو الخبر إلى المبتدأ، فالمعنى الأصلي في قوله تعالى مثلا: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [سورة البقرة: ١٧٩]: أن من قتل نفسا بغير حق يقتل؛ وذلك حفظا لحياة الناس، فالقصاص زاجر عن قتل النفس بغير الحق، فكل عارف بمدلولات الألفاظ يدرك هذا المعنى.
وللغة دلالة أخرى ثانوية، وهي ما يبحث عنها في علم البلاغة، ويسميها البلاغيون" مستتبعات التراكيب" وهي خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام.
وإذا كان للقرآن باعتباره ألفاظا لغوية دلالة أصلية، وأخرى تابعة (هي مظهر بلاغته، وملاك إعجازه)؛ فإن ترجمته بالنظر إلى المعنى الثانوي غير ميسورة، قال الزمخشري في" الكشاف":" إنّ في كلام العرب- خصوصا القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان".
أما الذي يمكن نقله إلى لغة أخرى؛ فهو المعنى الأصلي، حيث لا تقصر اللغات الأجنبية عن تأديتها. هذا ما قرره الشاطبي في مسألة ترجمة القرآن.
ويعلق الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضر حسين- ﵀ على ما قاله الشاطبي بقوله:" وترجمة المعاني الأصلية وحدها، وتسميتها" ترجمة للقرآن"، يوهم أن المترجم أخذ معاني القرآن من أطرافها، ونقلها إلى اللغة الأجنبية، كما يقال في ترجمة غيره: ترجمة طبق الأصل.
стр. 49
أما المفسّر؛ فإنه يتكلم بلهجة المبيّن لمعنى الكلام على حسب فهمه، فكأنه يقول للناس: هذا ما أفهمه من الآية. أما المترجم؛ فإنه يتكلم بلهجة من أحاط بمعنى الكلام، وصبّه في ألفاظ لغة أخرى.
والعمل الذي يصان به القرآن من تحريف أو وهم يتسرب إليه من طريق الترجمة أن يترجم تفسيره" (١).
شبهتان وردّهما:
إنه على الرغم من اتفاق العلماء المعتبرين على الالتزام بفهم القرآن الكريم من خلال معهود العرب في الخطاب .. فإن ثمّة مغالطتين تثاران حول هذه القاعدة:
المغالطة الأولى، مؤداها: إذا كان القرآن قد ورد على معهود العرب في الخطاب؛ فلم كانت الحاجة إلى التفسير؟
والجواب: صحيح أن القرآن كله نزل على معهود العرب بلا ريب؛ لكنّ دلالات الألفاظ على معانيها تتعدد وجوهها ومناحيها في لغة العرب، فهناك الحقيقة والمجاز والمشترك. فليس كل نص تكون دلالته بعبارته .. بل قد تكون بالمنطوق والمفهوم، أو بالإشارة والاقتضاء.
وهناك الدلالات التي تتفاوت درجاتها من حيث القوة والضعف: كالمحكم والمفسّر، والنص، والظاهر والخفي، والمشكل والمجمل.
وهناك الدلالات التي ينقسم اللفظ فيها إلى: خاص وعام، ومطلق ومقيد، وغير ذلك مما هو من معهود العرب في الخطاب، ومن ثمّ تكون منافذ الاجتهاد منفتحة أمام المفسر.
стр. 50
ويجيب كذلك عن هذه المغالطة السيوطي- ﵀ بقوله:" إنّ القرآن إنما نزل بلسان عربي، في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه.
أما دقائق باطنه؛ فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر، مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر، كسؤالهم لمّا نزل قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [سورة الأنعام: ٨٢]، فقالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟! ففسره النبي ﷺ بالشرك، واستدل عليه بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان: ١٣]، وكسؤال عائشة إياه عن الحساب اليسير فقال:" ذلك العرض"، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود، وغير ذلك مما سأل عنه آحاد منهم. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر؛ لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير" .. ثم يقول:" وأما القرآن .. فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا أن يسمع من الرسول ﷺ ، وذلك متعذر، إلا في آيات قلائل، فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل" (١).
أما المغالطة الثانية؛ فمؤداها: الدعوة إلى عزل الاستخدام اللغوي القرآني عن المعهود من لغة العرب، وعن السنّة النبوية كذلك، وتبني المعهود الغريب والحديث ونقله في فهم القرآن الكريم (٢).
والجواب: لا يخفى أن القرآن الكريم بيان الله لمراده التشريعي، نزل بلسان عربي مبين- على ما سبق- ولما كانت المعاني المودعة في البيان القرآني ذات
стр. 51
دقة وغور؛ كانت الحاجة في تفسيره واستنباط الأحكام منه تحتاج إلى دقة وأناة كذلك، فليس الأمر ضربة لازب، بل له قواعد وضوابط وسبل، تستمد من حقيقة هذا الوحي وما أودع فيه من مراد الله، ومن خصائص اللسان الذي نزل به. ومن ثمّ .. قرر أهل التفسير والأصول واللغة أنه لا يجوز لأحد أن يفسر ذلك البيان من دون فقه ذلك اللسان العربي؛ لأن القرآن- كما قلنا- لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم من حيث الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، وقوانينها العامة.
ومن ثمّ .. فتفسير النص القرآني بما لا يكون معهودا من لغته كذب. فمثلا:
لو فسرت" النجدين" في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [سورة البلد: ٨، ٩، ١٠] بأن النجدين- كما يقول أحد أصحاب" القراءة المعاصرة"- أعضاء بمعنى الثديين؛ فإنك تكون كذبت على لغة العرب، وبالتالي على القرآن الذي نزل على لغة العرب، ويترتب على ذلك القول بقصور أفهام العرب عن إدراك تامّ لمعاني القرآن أو عدم إدراكها بالمرة.
فتحميل النص ما لا يحتمل من الدلالة اللغوية كذب في بيان المراد الإلهي منه.
ثم إن تنزيل القرآن على غير معهود العرب سوف يجرد القرآن من الإعجاز من وجهه البياني، وهو أهم وجوه الإعجاز، إن لم يكن هو الوجه الوحيد.
ومن العجيب أن صاحب هذه الدعوة يسقط البيان النبوي للقرآن الكريم، مع أن السنّة هي بيان القرآن بنص القرآن، وهي تأخذ حجيتها من إقرار القرآن للرسول ﷺ ، فالنبي ﷺ لا يأمرنا ولا ينهانا إلا بالذي يأمرنا به الله .
стр. 52
ويترتب على ذلك- أعني إسقاط السّنة- التشكيك في صحة التطبيقات المبنية على المفاهيم التي استفادها الصحابة الكرام، أو المسلمون عبر القرون من القرآن الكريم، كما أن هذا القول سيجعل القرآن قاموسا لنفسه دون حاجته إلى مرجعية أخرى في فهمه- كالبيان النبوي- كما أنه سيجعل القرآن كذلك كتابا نظريّا تتحدد معانيه بمحدود طيّاته.
فإن قلت: إن لغة القرآن التي جاءت على معهود العرب خاضعة في ألفاظها واستعمالاتها لسنة التطور طالما هي متداولة في التاريخ، وهذا يعني تعرض ألفاظها للتحول إلى معان جديدة لم تكن مقصودة في زمن التنزيل.
قلت: نحن لا نغفل جوانب الاستفادة من ذلك التطور واستثماره في الفهم، شريطة أن يختزن اللفظ العربي المعنى الذي يراد أخذه من اللفظ. فإذا كان اللفظ بحسب معناه اللغوي أو العرفي يتسع لذلك؛ فلا إشكال.
стр. 53
(٤) مناسبات النزول
القرآن الكريم هو الكلام العربي الذي سما- كما قلنا آنفا- إلى أعلى درجات البلاغة. والبلاغة: هي مطابقة الكلام لمقتضيات الأحوال. فلا بد لمعرفة معاني القرآن على الحقيقة من معرفة هذه المقتضيات والمناسبات التي اقترن نزول الآيات بها.
فمناسبات النزول، بما أنها مقتضيات الأحوال التي نزل بعض آيات القرآن الكريم استجابة لها، تلقي ضوءا على وجوه الإعجاز البياني. فضلا عن أنها من عناصر الاسترشاد والاستيضاح التي تعين على فهم المراد من الآية الكريمة. ومن ثمّ .. قرر الشاطبي أن معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أن علم المعاني والبيان (الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب) إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين .. وغير ذلك، فلفظ الاستفهام- مثلا- واحد، ولكنه يختلف إلى: حقيقي، وإنكاري، وتوبيخي، وتعجبي. ولفظ الأمر واحد، ولكنه يختلف معناه إلى ما هو: للطلب، أو للتهديد، أو للإباحة.
стр. 54
وليست القرائن الدالة على هذا كلها في القرآن، بل أكثرها قرائن خارجية مستوحاة من أسباب النزول، ومقتضيات الأحوال (١).
وتوضيح هذا الذي يقوله الشاطبي يتجلى في أن كلا من علم المعاني والبيان موضوعة مسائلهما للاقتدار على معرفة معاني القرآن، والاستشراف على مقاصده، فضلا عن معرفة كلام العرب، والوقوف على أغراضها في مخاطباتها.
وإنما كان علم المعاني والبيان بهذه المثابة؛ لأن فقه مسائلهما يدل على الأسباب التي تجعل الكلام مطابقا لمقتضى الحال.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو" البلاغة". ومن ثمّ .. فلا يفهم الكلام الذي يجيء على نهج البلاغة إلا بمعرفة الحال التي صدر كلام البليغ قاصدا لمطابقتها، وذلك .. أن الكلام يكون واحدا، ثم يختلف باختلاف الخطاب المستعمل فيه، وباختلاف المتكلم، وباختلاف السامع كذلك.
فمعرفة مقتضيات الأحوال أمر لا بدّ منه في معرفة معاني القرآن العظيم المعجز، وإدراك مقاصده البعيدة. وما أسباب النزول إلا إعلام بالحال والمناسبة التي نزلت فيها الآيات الكريمة، فهي كاشفة لمعاني القرآن، معينة على بيان مقاصده، وصحة دلالته، وتفهّم أسرار بلاغته.
الأمر الثاني- وهو مبني على الأول: أن الجهل بأسباب النزول موقع في الجهل بمعاني القرآن، ومؤدّ إلى الشّبه والخلاف في معناه (٢).
стр. 55
ويدل على ذلك جملة وقائع ظهرت أثناء نظر الصحابة للقرآن، وإرادة فهمهم مجرى خطابه. ومن ذلك ما نقله الشاطبي أن مروان بن الحكم أشكل عليه قوله تعالى:
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [سورة آل عمران:
١٨٨]، فأرسل إلى ابن عباس يقول له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي ويحب أن يحمد بما لم يفعل معذّبا؛ لنعذّبن أجمعون! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما دعا النبي ﷺ يهود، فسألهم عن شيء من التوراة فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وفرحوا بما فعلوا، وأحبوا أن يحمدهم الرسول ﷺ على هذه الأخبار الكاذبة .. ثم قرأ قول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [سورة آل عمران: ١٨٧].
فهذا السبب يظهر أن المقصود من الآية تعذيب المنافقين الكاتمين لأحكام الله، لا ما فهمه مروان بن الحكم.
ومن ذلك: ما روي أن عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود يخبر عمر أن قدامة شرب فسكر، فقال له عمر: ومن يشهد على ذلك؟ فقال: أبو هريرة. فقال عمر: يا قدامة .. إني جالدك. فقال:
والله .. لو شربت- كما يقولون- لما كان لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟!
قال: لأن الله يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [سورة المائدة: ٩٣] .. قال قدامة: فأنا من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا .. شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على
стр. 56
الباقين .. فعذر الماضين: أن الله أنزل هذه الآيات قبل أن تحرّم عليهم الخمر، وحجة على الباقين: لأن الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة المائدة: ٩٠] .. ثم قرأ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر. فقال عمر: صدقت.
وسر الغلط- كما يقولون- أن قدامة بن مظعون غفل عن موضع نزول الآية الأولى، وأنها كانت فيمن مات من الصحابة قبل نزول الآية في تحريم الخمر.
هكذا يقول الشاطبي في" الموافقات" في هذا الموضع، وسلمه له شارحه العالم الجليل الشيخ عبد الله دراز، وكذلك غيرهما من الكاتبين في علوم القرآن، قديما وحديثا.
غير أن الأستاذ الجليل الدكتور محمد سعاد جلال تعقبهم بأن" هذه المسألة ليست من قبيل الجهل بمعرفة السبب؛ لأن المراد بالسبب (الذي تنزل بعض الآيات جوابا عليه) إنما هو سبب محدد. أما هذه الواقعة؛ فلا يعدو الحال أن تكون الآية الأولى نزلت في تاريخ سابق عامة في جميع المؤمنين، وفي جميع أجزاء الزمان الذي كانوا فيه، بحيث لو لم تنزل الآية الثانية لما أمكن القول بأن الآية الأولى جاءت موضوعة على سبب خاص. وإنما هذه الواقعة ترد إلى قاعدة العام، وتخصيص العام. ذلك .. أن كلمة" فيما طعموا" تنحلّ إلى كلمتين:" ما" الموصولة، وهي تفيد العموم. و" طعموا" صلتها المفسّرة لمعناه. ومعنى" طعموا":
تناولوا. والمعنى الكلي للجملة: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في أي شيء تناولوه، ولو كان هو الخمر، لمن كان متصفا بالإيمان والتقوى
стр. 57
والإحسان. فهذه قضية عموم الآية الذي استشهد قدامة به، وأجابه ابن عباس بأن هذا العموم ليس جاريا على إطلاقه، ولكنه عموم دخله التخصيص بالآية الثانية، فكأنه قال: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ..
إلا إن كان خمرا؛ فاجتنبوه" (١).
هذا .. ومن فوائد معرفة أسباب النزول: معرفة مقاصد الأحكام التي اشتملت عليها الآيات التي نزلت على أسبابها، ووجه الحكمة فيها. وبذلك يدفع المفسر الشّبه عن القرآن الكريم، ويستطيع المجتهد استنباط علل الأحكام كما في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [سورة النساء: ٤٣] .. فإن سبب النزول يبين أن الحكمة هي المنع من حصول التخليط في الصلاة، والتغيير في القرآن.
وأخيرا .. فإن مما ينبغي التنبه له أن سبب النزول مجرد معين على فهم الآيات القرآنية التي نزلت على أسباب، وليس السبب منشئا للآيات، ولا هو العلة في الإنزال أو التشريع.
فالوقائع مناسبات للنزول، وظرف زمان نزلت فيه الآية، فالعلاقة بين الواقعة والنص القرآني لا تعدو علاقة الاقتران، ولا تدخل أبدا في باب" العلة العقلية" التي يلزم من وجودها وجود المعلول، ومن انتفائها انتفاؤه.
أما قول بعض الحداثيين بأن: القرآن كله نزل على أسباب، وهذه الأسباب أسباب تاريخية منقضية تجاوزها الواقع والتاريخ، وهي علة الحكم. والمعلولات- أي الأحكام القرآنية- منقضية بانقضاء العلل، ومن ثمّ .. يقررون رفض إطلاق
стр. 58
" التشريع القرآني" وخلود أحكامه، وذلك منذ طوى التاريخ صفحة أسباب النزول من الوجود ..
أقول: كل ذلك زور من القول قد استوفينا الرد عليه في كتابنا:" أسباب النزول: تحديد مفاهيم، ورد شبهات".
كما أنبّه إلى أن الأصل في الصيغ التي يفيد ظاهرها العموم" التعميم"؛ إذ ذلك هو المتبادر من الصيغة عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، فما زلنا نعلم بالبداهة أن الصيغ العامة والمطلقة (عن قيود الزمان والمكان والأحوال والأشخاص) لا تصلح للدلالة على أكثر من المعنى الذي وضعت له، ولا سلطان للعصور أو الظروف في تغيير شيء من قانون هذه الدلالة أو تضييق شيء من عمومها.
فالأسباب- كما قلنا- تعين على حسن تفهّم الآيات التي نزلت مقترنة بها، من غير أن تكون ذات سلطان على دلالته العامة، فتحدّها وتمنع امتدادها؛ إذ وظيفة السبب- كما قلنا- وظيفة كشف وإبانة عن حركة المعنى في النظم، وهادية لمسالك الفهم، وليست مانعة طلاقة المعنى، وشمول سلطانه على ما يستحدث.
فالقول بحصر الدلالة فيما جاءت به أسباب النزول وأد لدلالة النص، وهي دعوى يتسلل منها إلى بيان أن نصوص القرآن لا تتجاوز دلالتها زمن الوحي. وهذا ما نبّه إليه الأصوليون وعلماء القرآن من أن" العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" .. فاحذر ما يقوله ملاحدة هذا العصر، عبيد يهود، من أن ارتباط الآيات بأسباب نزولها يرفع عنا التكليف بما فيها.
стр. 59
فإن قيل: بل الخلاف قائم في هذه القاعدة .. فإن من علماء الأصول من قال بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
وعند هذا أقول: هيا بنا نلق الضوء على هذه القاعدة مبينين وجه الحق في هذه المسألة الأصولية، وهي أن اللفظ الوارد على سبب: هل يكون حكمه على قدر ذلك السبب؟
وفي الجواب عن هذا السؤال يقول الأصوليون: إن ذلك اللفظ المذكور، إما أن يكون قضية تامة مستقلة بنفسها بحيث يمكن الابتداء بها لو لم يوجد سبب، وإما أن يكون عبارة تابعة للسبب غير مستقلة بنفسها، كنعم أو لا.
فأما غير المستقل؛ فلا خلاف في أن حكمه على وفق سببه .. إن عامّا؛ فعام، وإن خاصّا فخاص. ومثاله أن يسأل سائل: أيحل الوضوء بماء البحر؟
فيقال:" نعم". فهذا حكم يعم السائل وغيره؛ لأن السؤال كان عامّا وقد جاء على وفقه. وإن قال السائل: أيحل لي الوضوء بماء البحر؟، فقيل له:" نعم"؛ فهذا حكم خاص يخص السائل بصيغته؛ لأن السؤال كان كذلك، وإن تعداه إلى غيره من المكلفين؛ فإنما يتعدى بالقياس أو بنص آخر من النصوص الدالة على أن أحكام الشريعة أصلها العموم ما لم يقم دليل التخصيص.
وأما المستقل .. فإن كانت صيغته خاصة؛ فالحكم خاص حتى ولو كان السبب عامّا،، كأن يسأل سائل: أيحل الوضوء بماء البحر؟ فيجاب:" يحل لك الوضوء بماء البحر".
وإن كانت صيغته عامة .. فهل يعم حكمها حتى ولو كان السبب خاصّا؟
مثاله أنه- ﵊ سئل عن بئر بضاعة التي كانت تلقى فيها
стр. 60
الخرق، فقال:" خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء"، وأنه مر بشاة ميتة فقال:
" أيما إهاب دبغ؛ فقد طهر" .. فهل العبرة في هذا وأمثاله بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ هذا هو قطع المسألة في الأصول.
وقد فرضوا في هذا الشق الأخير خلافا بين الجمهور القائلين باعتبار عموم اللفظ، وبين الشافعي القائل- فيما زعموا- باعتبار خصوص السبب (١).
والواقع كما يقول الأستاذ المحقق الشيخ عبد الله دراز أنه لم يصح عن الشافعي، ولا عن أحد من الأئمة، القول بقصر العمومات على أشخاص أسبابها. وإن روي ذلك عن بعض أصحاب الشافعي؛ فلعله لم يثبت عنهم أيضا.
فقد نص الشافعي في" الأم" على أن السبب لا يصنع شيئا، إنما تصنعه الألفاظ ..
فهذا صريح في موافقة الشافعي للجمهور. على أننا إذا رجعنا إلى أنفسنا وسمعنا سؤالا خاصّا يقابله جواب عام، ونظرنا في حكمة هذا التفاوت بين السؤال والجواب؛ فإننا ندرك على البديهة المغزى الذي يقصده المجيب من تعبيره باللفظ العام في هذا المقام، وهو أنه أراد تعدية حكمه إلى أفراد أخرى غير شخص السبب. وإلا .. فلماذا عدل عن صيغة الخصوص، وهي تقضي ظاهر الحال ومطلوب السائل، مع قربها واختصارها، إلى هذه العبارة الكلية وإلى هذا التطويل بغير طائل؟!
стр. 61
ولو افترضنا العبارتين سواء في كلام عامة الناس؛ فكيف يكونان سواء في البلاغة القرآنية والفصاحة النبوية؟! لست أدري كيف يختلف في هذا أحد من أهل العربية، فضلا عن إمام كالشافعي؟!
هكذا يتفق الكل على أن النص العام الوارد على سبب لا يجوز الوقوف به عند أخص الخاص- وهو شخص سببه- بل يجب تعميمه البتة إلى نوع ذلك السبب، بحيث إذا دل
دليل على إخراج بعض ذلك العام عن قصد المتكلم؛ فلا يكون ذلك البعض هو شخص السبب ولا نوعه القريب. فالشافعي وإن عمد إلى بعض العمومات الواردة على سبب، فخصصها مراعاة لأسبابها، لم يقل بحصرها في الحادثة العينية أو الشخص المعين الذي وردت فيه حتى تتوجه عليه الحجة بإجماع الأئمة على تعدية الأحكام لغير أسبابها. فهو مثلا في حديث" الماء طهور" لم يقصره على ماء تلك البئر التي سيق الحديث من أجلها، ولم يجعله قاصرا على ماء الآبار، بل جعله عامّا في كل ماء كثير، واستثنى منه الماء اليسير.
وكذلك فعل في حديث" أيما إهاب دبغ فقد طهر" .. لم يجعله خاصّا بجلد شاة ميمونة، ولا بنوع جلود الأغنام، وإنما استثنى منه جلد الكلب ونحوه.
بل نقول: إن الكل متفقون أيضا على الطرف الآخر من المسألة. إنهم متفقون على أن النص العام الوارد على سبب لا يجب الذهاب به دائما إلى أعم معانيه، حتى التي لا تشبه السبب في مناط حكمه، وهذا أبو حنيفة (وهو في مقدمة القائلين باعتبار عموم اللفظ) قد عمد إلى حديث:" الولد للفراش"، فلم يجعله عامّا كلّ فراش، بل جعله خاصّا بالزوجة وأم الولد، وما ذلك إلا أنه راعى سبب الحديث وهو وليدة زمعة- أي أم ولده- فعدى حكمه إلى كل
стр. 62
وليدة، وإلى الزوجة بالأولى، وأخرج عنه الأمة التي لم يثبت لها أمومة الولد؛ لضعف معنى الفراش فيها، وإذا كان بعض الأئمة ذهب إلى طهورية كل ماء لم يتغير، وطهارة كل جلد دبغ، وأنهم يوجبون حمل عمومات الشارع كلها على أوسع معانيها الوضعية من غير نظر إلى مساقاتها؛ فذلك ما لا قائل به من أهل السنة، وإنما المعنى أنهم يوجبون تعدية الحكم إلى مرتبة من مراتب العموم يظنّ قصد الشارع إليها، قريبة أو بعيدة أو متوسطة.
وهذا قدر متفق عليه في الجملة. ففيم الخلاف إذن؟! هل إذا جاء المجتهدون لتطبيق هذه القاعدة، فاختلفت أنظارهم في تحري مراتب العموم أيها أنسب بفرع فرع، يعد ذلك اختلافا في أصل القاعدة كما صوره الأصوليون؟ أكبر الظن أن غلبة شهوة الجدل هي السبب في تصويرها قاعدة خلافية!
قلنا: إن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يخلو من جهة عموم قطعا.
ثم قلنا: إن لهذا العموم مراتب متفاوتة يجتهد الناظر في اختيار أيها أنسب بموضع دون موضع.
فهل هناك ضابط يضبط هذه المراتب ويبين طريقة تنزيل النصوص القرآنية عليها حسبما فهمه العرب؟
لقد وقفنا على تحقيق نفيس في هذا المقام بسطه الشاطبي- ﵀ في فصل العموم والخصوص، ونحن نكتفي هنا بعرض خلاصته، وهي أن مراتب العموم ثلاثة:
المرتبة الأولى: مرتبة العموم الوضعي، وهو استغراق ما يدل عليه اللفظ بحسب أصله الإفرادي وحقيقته اللغوية. وهذه هي أوسع المراتب وأعمها.
стр. 63
المرتبة الثانية: مرتبة العموم في الاستعمال اللغوي، وهو استغراق ما يدل عليه الكلام بحسب عرف التخاطب عند العرب، وما يغلب قصدهم إليه في محاوراتهم، حتى صار فيه كأنه حقيقة عرفية عامة.
المرتبة الثالثة: مرتبة العموم في الاستعمال الشرعي، وهو استغراق ما يدل عليه الكلام بحسب ما عرف من مقاصد الشارع وقواعده، حتى صار كأنه فيه حقيقة عرفية خاصة" حقيقة شرعية".
وطريقة تنزيل النصوص على هذه المراتب ألا ينتقل بها عن مرتبة من العموم إلى مرتبة أوسع منها إلا حيث لا يوجد داع للوقوف عند تلك المرتبة الدنيا.
فينبغي في كل موضع أن ينظر إلى النص: هل للشارع فيه عرف خاص يحد من عمومه ويضيق من دائرته؟ فإن كان؛ وجب تنزيل النص على قدر تلك المرتبة، ومن جاوزها إلى ما وراءها؛ فقد زاد في الشرع ما ليس منه. وإن لم يكن للشارع عرف خاص؛ وجب أن ينظر مرة أخرى: هل جرى عرف العرب في محاوراتها بحمل ذلك النص على وجه لا يستوعب كل حقيقة؟ فإن وجد؛ فليقتصر عليه دون زيادة ولا مجاوزة. وأما إذا لم يكن عرف خاص شرعي، ولا عرف عام لغوي؛ فيفسّر النص ببعض متناولاته، فإنه يجب أن يرجع به إلى أصل وضع اللغة، فتؤخذ القضية فيه بأوسع معاني العموم التي تقبلها صيغتها. ومن وقف بالعموم حينئذ دون غايته؛ فقد نقص من الشرع ما هو فيه.
стр. 64
وهذا الترتيب، وإن كان متفقا عليه في الجملة، إلا أن العلماء قد يختلفون في المرتبة اللائقة بنصّ، بناء على أن بعضهم قد يفهم في الاستعمال أو الشرعي من القرائن المخصصة ما لا يفهمه غيره، فيأخذ هذا بالخصوص وذاك بالعموم.
ولنمثل لكل مرتبة من هذه المراتب بمثال يوضحها ..
- فمثال ما تأخذه العرب بالعموم الوضعي قولنا:" كل شيء ما خلا الله باطل".
- ومثال ما جرى للعرب فيه عرف عام يقصر به دون غايته الوضعية قولك:" من دخل داري أكرمته"، وقولك:" رأيت الناس .. فما رأيت أكرم من زيد". فلفظ" من" في المثال الأول يعم كل عاقل، وهو متناول- بحسب الوضع- شخص المتكلم وغيره، ولكن المتكلم لا يريد دخوله في هذا الحكم فيما عرف من استعمال العرب.
قال ابن خروف: لو حلف رجل بالطلاق والعتق ليضربن جميع من في الدار وهو معهم فيها، فضربهم ولم يضرب نفسه؛ برّ ولم يلزمه شيء. قال: فكذلك لا يدخل شيء من صفات الباري تحت الإخبار في قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة غافر: ٦٢]، لأن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه. قال: ومثله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة البقرة: ٢٨٢]، وإن كان عالما بنفسه وصفاته، لكن الإخبار إنما وقع عن جميع المحدثات، وعلمه بنفسه وصفاته شيء آخر. قال:
وهذا معلوم من لسان العرب .. لذلك لا يصح استثناء هذه الأشياء بحسب
стр. 65
اللسان، فلا يقال: من دخل أكرمته إلا نفسي. وإنما ينبغي استثناء شيء يتوهم دخوله لو لم يستثن.
وكذلك نقول: إن لفظ" الناس" في المثال الثاني يعم كل من لقيت ومن لم تلق، وليس ذلك بمراد، وإنما يراد ما شأنه أن يتناوله الحكم المذكور عادة. ومن هنا كان قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [سورة الأحقاف: ٢٥]، ليس مقصودا به أنها تدمر السموات والأرض والجبال، وإنما قصد ما شأنه أن تؤثر فيه الريح عادة كالحيوان والزرع، ولذلك قال بعدها: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [سورة الأحقاف: ٢٥].
قال الإمام الغزالي في قوله ﷺ :" أيما إهاب دبغ فقد طهر": إنه لا يبعد أن يكون التعرض للدباغ نفسه مخرجا لجلود الكلاب ونحوها، بحيث لا تخطر بذهن المتكلم ولا السامع، وقد قال طائفة من أهل الأصول: إن ما لا يخطر ببال المتكلم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه عند التعميم.
- ومثال ما جرى فيه للشارع عرف خاص يقف به دون الأوضاع والاستعمالات اللغوية: ما ورد من عمومات الوعيد على الذنوب التي هي بمفردها دون الشرك، ولكنها في الأصل من مساوئ أعمال الكفار، وقبائح صفاتهم، فلما توعّد فاعلوها؛ لم يستثن منهم أحد اتّكالا على ما عرف من كليات الشرع القطعية أن كل ذنب دون الشرك لا بأس من مغفرته، كقوله تعالى خالِدِينَ فِيها أَبَداً [سورة التغابن: ٩]، ونحوها. فمن لم يعرف معهود الشارع ومقاصده حمل تلك العمومات على ظاهرها في المؤمنين وغيرهم، ومن
стр. 66
هنا توقف مروان بن الحكم في قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [سورة آل عمران: ١٨٨]، حتى سأل ابن عباس فقال له: ما لكم ولهذه الآية؟! .. إلى آخر القصة. وكذلك توقف الصحابة في آية الأنعام: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [سورة الأنعام: ٨٢] حتى فسرها لهم النبي ﷺ بأن" الظلم" هنا" الشرك". حتى إن الشاطبي نفسه أورد على هذا الترتيب إشكالا قويّا بما عرف عن السلف الصالح من أخذ العمومات على معنى أوسع من معهود اللسان والشريعة جميعا، وهم العارفون بلسان العرب، الواقفون على قواعد الشرع ومقاصده، وضرب لذلك أمثلة ..
منها أن عمر بن الخطاب كان يتخذ الخشن من الطعام، فقيل له: لو اتخذت طعاما ألين من هذا! فقال: أخشى أن تعجل طيباتي .. يقول الله تعالى أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها [سورة الأحقاف: ٢٠]. وقال لبعض أصحابه وقد توسع في الإنفاق شيئا: أين تذهب بكم هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، إلخ. ذلك مع أن الخطاب في الآية صريح في أنه موجه للكفار، حيث يقول: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وختام الآية لا يليق- بحسب قواعد الشرع- إلا بالكفار، حيث يقول:
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ.
стр. 67
ومنها: أن معاوية ﵁ لما سمع حديث المنفق ماله رياء، والمستشهد في الجهاد رياء، ومعلم الخير رياء، وأنهم هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة؛ قال: صدق الله ورسوله .. مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها [سورة هود: ١٥]. فحمل القضية على عمومها حتى للمسلمين، مع مخالفة ذلك للقواعد الشرعية.
ومنها: أن الصحابة لما نزل وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [سورة البقرة: ٢٨٥] لم يقفوا بها عند نوع سببها من إبداء الشهادة وكتمانها، ولا عند جنسها القريب من إعلان الغرائم وإخفائها، بل حملوها على العموم (كل ما تحدثت به النفس مما يطاق، ومما لا يطاق)، ولذلك انزعجوا منها انزعاجا شديدا، مع أن من القواعد الكلية قوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج: ٨٧]. وقد أقرّهم النبي ﷺ على ذلك حتى نزل قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [سورة البقرة: ٢٨٦].
ومنها: أن عامة العلماء استدلوا بآية: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة النساء: ١١٥] على أن الإجماع حجة وأن مخالفه عاص، مع أنها نازلة في المرتد عن دين الإسلام، وصدرها يدل على أنها في الكفار، لقوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ....
стр. 68
والجواب عن ذلك إجمالا: أن السلف- رضوان الله عليهم- لم يأخذوا هذه المعاني مأخذ المنصوص عليه الداخل تحت العمومات، بل فهموا- فهم الراسخين في العلم- أن ما لم يذكر من الآية مشترك مع المذكور فيها في وصف ما، فأجروها فيما لم تنزل فيه ولم يقصد منها، اعتبارا للشيء بما يجامعه أو يقاربه.
ذلك .. أن الله تعالى إنما ذكر الكفار في القرآن بأسوإ أعمالهم، والمؤمنين بأحسن أعمالهم ليعتبر أولو الأبصار وليجتهدوا في الفرار من مثل أعمال المسيئين، وفي اللحاق بدرجات المحسنين، سيرا على قدمي الخوف والرجاء .. غير آمنين من مكر الله ولا يائسين من رحمته، وهذا هو معنى قول العلماء: إن كل آية وردت في حق الكفار فإنها تجرّ بذيلها على عصاة المؤمنين .. فما أدقّ هذا التعبير! حيث قالوا" تجر بذيلها" ولم يقولوا: تطبق بنصها، وذلك لأن العقوبات فيها لا تنطبق بنصها على المؤمنين كما هي، وإنما يصيب العاصي طرف منها إن لم يعف الله عنه.
وإلى هذا المعنى- والله أعلم- كان قصد ابن عباس في إجابته مروان، حيث قال له: ما لك ولهذه الآية؟! ... إلخ. كأنه يريد أن ما فيها من القطع بالعذاب واليأس من النجاة خاص بأهلها ومن يشبههم من الذين يفترون على الله الكذب ويكذبون بآياته. وهذا لا ينافي أن غيرهم ممن ألمّ بذنوبهم قد يصيبه العذاب أيضا، لكن إلى أجل محدود،
وإلى مفازة في النهاية (١).
стр. 69
(٥) معرفة الظاهر والباطن من معاني القرآن الكريم
بداية .. فإن حصيلة ما ذكرناه من قبل أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وعلى معهودهم في الخطاب. وعليه .. فإنه لا بدّ أن يسلك في فهمه واستنباط معانيه مسلك العرب في فهمهم واستنباطهم. ومن عادة العرب وجوب العمل بما تقضي به دلالة اللّفظ المتبادرة منه، أخذا بحكم العمل بما هو مترجح في القلب: من كون الأصل هو بقاء اللفظ على معناه المعين بإزائه. ومن إيجاب حكم العلم: الأخذ بالراجح ما لم تقم قرينة صارفة إلى خلافه.
وبناء على ذلك فإنه يجب العمل بما يدل عليه ظاهر كل لفظ؛ لأنه حجة لظهور تبادره منه لغة، ما لم تصرف أدلة أو قرائن معتبرة عن ذلك الظاهر، وذلك لما أنّ في العدول عن الظاهر- مع إمكانه- طرحا للدليل لغير شيء.
والشاطبي في حديث له عن القرآن يعرض لقضية أن للقرآن ظاهرا وباطنا فيفسرها ويناقشها. إلا أننا قبل أن نذكر نص كلامه نحرر محل النزاع في هذه المسألة الخطرة.
ذهبت طوائف من الناس إلى أن للقرآن معنى باطنا يحملون لفظ القرآن عليه. أما أن يكون للقرآن معان ظاهرة؛ فهذا ما لا يختلف فيه أحد من أهل العلم. وأما أن يكون للقرآن معان باطنة؛ فهو ما وقع فيه الخلاف .. لكن لا من جهة أن يكون للقرآن معان باطنة، فهذا أيضا محل اتفاق بين أهل الحق .. ولكن خلافهم كان في تعيين ما هو المعنى الباطن الذي يصار إليه.
هذا هو تشخيص المسألة. ولنبدأ الآن في ذكر ما يقوله الشاطبي:
стр. 70
" من الناس من زعم أن في معاني القرآن ما هو ظاهر وما هو باطن، وربما نقلوا في ذلك عن الحسن حديثا مرسلا يقول:" إن للقرآن ظهرا وبطنا- أي- ظاهرا وباطنا-، وكل حرف حدّ، وكل حدّ مطلع". وفسّر بأن الظاهر: هو ظاهر التلاوة، والباطن: هو الفهم عن الله لمراده؛ لأن الله يقول: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [سورة النساء: ٧٨]، والمعنى: لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام .. كيف وهو منزّل بلسانهم؟! ولكنهم لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام .. وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [سورة النساء: ٨٢].
فظاهر المعنى شيء" وهم عارفون به؛ لأنهم عرب"، والمراد شيء آخر" وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله". وإذا حصل التدبر؛ لم يوجد في القرآن اختلاف البتة، فهذا الوجه" الذي من جهته يفهم الاتفاق، وينزاح الاختلاف" هو الباطن المشار إليه. فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد".
" وحاصل هذا الكلام: أن المراد ب" الظاهر" هو المفهوم العربي، وب" الباطن" مراد الله تعالى من كلامه وخطابه. فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسّر؛ فصحيح، ولا نزاع فيه، وإن أرادوا غير ذلك؛ فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم. فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى؛ لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب، فلا يكون ظنيّا. وما استدل به إنما غايته- إذا صح سنده- أن ينتظم في سلك المراسيل. وإذا تقرر هذا؛
стр. 71
فليرجع إلى بيانهما- أي الظاهر والباطن- على التفسير المذكور- أي الذي ارتضينا-" (١).
ثم ينتقل الشاطبي، فيعقد فصلا لتقرير أن كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر .. فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ظاهر القرآن (٢).
ثم قال:" وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية؛ فذلك هو" الباطن" المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله" (٣).
ولنبدأ الآن في ذكر وصف المعاني الظاهرة أولا، وطرقا من طرق استفادتها من القرآن، ثم نعقّب على ذكرها بذكر المعاني الخفية المعتبرة، وطرق استفادتها من القرآن أيضا.
لكن قبل وصف المعاني الظاهرة، وطرق استفادتها، أقول:
إن الألفاظ العربية وضعت للدلالة على إفادة المعاني الموضوعة لها وضعا إفراديّا، كالألفاظ الدالة على معانيها بطريق الحقيقة، أو وضعا نوعيّا بطريق المجاز. كذلك .. وضعت الجمل العربية في صور مختلفة، تحتمل كل صورة منها بعض المعاني البلاغية الزائدة على المعنى الوضعي لكل لفظ بانفراده، كإفادة الحصر في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة: ٥]،
стр. 72
وإظهار العناية بتقديم الموضوع" المبتدأ، المسند إليه" في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [سورة الفتح: ٢٩] .. على ما سبق بيانه في المعاني الأصلية والثانوية.
ومن ذلك في القرآن: الاختلافات في صور الألفاظ الوضعية، التي تدل من المعاني الأصلية، على ما يشبه المعاني الزائدة في اختلاف صور الجمل المركبة .. من ذلك قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [سورة الأنعام: ١٢٥].
والشاهد في قوله" ضيقا حرجا" إذا قورن بقوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [سورة هود: ١٢]، وموضع الشاهد:" وضائق به صدرك" .. فما هو الفرق بين استعمال" ضيق" في الآية الأولى، واستعمال" ضائق" في الآية الثانية؟
يعلق الأستاذ الجليل الدكتور محمد سعاد جلال على هذا الموضع بقوله:" إن" ضيق" صفة مشبّهة، تدل على ثبوت معناها في نفس القائمة به، واستعمالها في موضعها- هنا- موضع البلاغة؛ لأن المقصود هو الكشف عن الضيق الشديد المعربد في نفس من أضله الله بخذلان نفسه له، فانصرف عن الدخول في الإسلام منصرفا إلى عبادة الأصنام التي لا يجد منها ولاية ولا سكينة.
أما" ضائق" .. فهو صيغة اسم فاعل، يدل على قيام معناه بالموصوف به، من غير ثبات ولا استمرار، وهو موضع البلاغة في موضعه أيضا؛ لأن المقصود:
أن تضايق نفس النبي من عناد المشركين وكيدهم حال طارئة، لا تلبث أن
стр. 73
تعرض له- بحكم الطّبع البشري- حتى تزول عنه؛ لأن رغبته في إنجاز الرسالة وإبلاغ الدعوة أقوى باعثا في نفسه من كل شيء" (١).
هذه إشارة لما يدل عليه اختلاف الصيغ الوضعية الإفرادية من زيادة المعاني.
وأما أثر اختلاف صور الجملة، وما نشأ عنه من المعاني الثانوية- وهو اصطلاح الشاطبي كما سبق- التي هي مناط البلاغة وأساس الإعجاز اللغوي ..
فالقرآن مشحون من أوله لآخره بهذا العلم. من ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة البقرة: ٣، ٤]، ثم قال- وهو موضع الشاهد-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [سورة البقرة: ٦] بغير عطف. ثم نقارن: نظم هذه الآية بآية سورة لقمان: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة لقمان: ٥]، ثم قال- وهو موضع الشاهد-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [سورة لقمان: ٦] معطوفة بالواو .. فما سر الفرق بين موضع عدم العطف بالواو في سورة البقرة، وبين ذكره في آية سورة لقمان؟
والجواب- كما قال الأستاذ المحقق الشيخ عبد الله دراز: إن المقصود في الأساس في سورة" البقرة" هو بيان حال الكتاب، تقريرا لكونه يقينا لا شك فيه، وفي ضمن هذا البيان ذكر اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال، بحيث لا يجدي فيهم الإنذار، ولا يستفيدون من الكتاب. فالآية تكميل لما قبلها، كأنها جزء منها، ولا
стр. 74
يحسن العطف بين أجزاء الشيء الواحد .. فكان مقتضى البلاغة ترك العطف في هذا الموضع. أما بالنسبة لآية سورة لقمان؛ فالمقصود منها مع سابقتها أن الناس على قسمين:" مهتد هاد" .. وهم الموصوفون بالهدى والفلاح، و" ضالّ مضلّ" .. وهم المشترون لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله. وبين القسمين- كما ترى- تضادّ ملحوظ .. فكانت صحة المناسبة أن يفصل بينهما بواو العطف (١).
ومن ذلك: الفرق بين قوله تعالى في سورة الشعراء: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [سورة الشعراء: ١٥٣، ١٥٤]، وبين الآية الأخرى من نفس السورة: قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [سورة الشعراء:
١٨٥، ١٨٦] .. فالآية الأولى بدون ذكر الواو" ما أنت"، والثانية بالواو" وما أنت" ..
فما الفرق؟
والجواب: أما حيث ذكر العطف؛ فالدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة، فكلّ منهما زعم مستقل، فيناسب هذا الإيراد؛ أعني إيراد العطف بين الأمرين. وأما في آية" ما أنت"؛ فذلك لأنهم اعتبروا التسحير هو وحده المنافي للرسالة، وأكدوه بالبشرية، ولا يصح العطف بين هذا وهذا (٢).
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [سورة الأعراف: ٢٠١] فيسأل عن الفرق من الاستعمال بين: إيثار التذكر بصيغة الفعل الماضي" تذكروا"، والإتيان
стр. 75
ب" مبصرون" على مثال اسم الفاعل بدلا من الفعل المضارع" يبصرون"؟ وقد كان الاستعمال خليقا أن يجيء على مقتضى المشاكلة مع قوله" تذكروا" ..
والجواب: أن التّذكّر يحدث بعد مسّ الشيطان، ويتجدد بتجدد هذا المس، وذلك بخلاف الإبصار" بالحق" .. فإنه ثابت لهم، قائم بهم؛ لأن اسم الفاعل حقيقة فيمن قام به الفعل، وقد يغطيه مس الشيطان، فتجدّد التذكر يكشف لهم هذا الغطاء، ليتجلى لهم الحق- الذي عهدوه- قائما بنفوسهم. أي يفاجئهم قيام عمل البصيرة بهم دفعة .. بخلاف التذكر (١). فكأنما الإبصار بالحق مصباح كهربائي مضيء، قائم في قلوب المتقين، بينه وبين مس الشيطان حجاب من الغفلة. وكأنما التذكر أداة ترفع هذا الحجاب عنهم كلما حدث مسّ من الشيطان لهم، فينطلق عندئذ نور الإبصار بالحق دفعة على مس الشيطان فيمحوه دفعة.
ومنه قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [سورة الأعراف: ١٣١] .. فيقال: لماذا صدّر" الحسنة" بلفظ" إذا" وجاء بلفظها معرّفا، وقد صدّر" السيئة" بلفظة" إن" وجاء بلفظها منكرا؟
والجواب: أن الحسنات من: الخصب، والرخاء، والعافية هي العطاء الأكثر في العالم، وأن السيئات- وهي كما تطلق على المعاصي تطلق على المضارّ، كالجدب والشدة والمرض- هي الأمر الأقل- بالنسبة للحسنات- حدوثا في العالم. ولما كان لفظ" إذا" يدل على تحقق معنى المذكور بعده، ولفظ" أل" يدل