← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38000

عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن

على أحمد عبد العال الطهطاوى

Полный текст (286 стр.). Показаны 281–286 · переход к 286.

стр. 281

ولقد عرّفنا المنهج القرآنى منذ أربعة عشر قرنا من الزمن ما يجب على المؤمن العارف بربه أن يستعد لآخرته، بإعداد تلك الكنانة التى تحوى الأعمال الصالحة، وأفعال الخير قبل أن يقف بين يدى ربه يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠]. وإذا نجحت كل تلك الخطوات فى سبيل تحمل المسئوليات، وإسناد الأمر إلى صاحبه القوى الكفيل بإنجاحه بما يملك من قيادة بصيرة، ترى الأمر وتعالجه، وتضع خطواتها على الطريق الأكمل المأمون، البعيد عن المزالق والمخاطر، والمسلح بقوى الإيمان، والمعرفة، وتحمل الصعاب، كان ذلك هو طريق الفوز والنجاح له ولغيره. وقد عبر عن ذلك المعنى مثل عربى قديم له دلالته النافعة فى مثل هذا الموقف، يقول: ٨ - عند الصباح يحمد القوم السّرى: وأصل هذا المثل أن خليفة رسول الله ﷺ ، أبا بكر الصديق، رضى الله عنه، أمر قائده خالد بن الوليد، رضى الله عنه، وهو سيف الله المسلول، أن يسرع إلى معاونة جيش المسلمين بالعراق، وإلى نجدتهم، فأراد خالد أن يجتاز طريق الصحراء اختصارا للوقت، وتلبية لأمر الخليفة، وإحساسا بالمسئولية إزاء هذا العمل الجسيم، فعرض الأمر على معاونيه، فقال له رافع بن عمرو الطائى: لقد سلكتها فى الجاهلية، وتحتاج إلى خمس ليال للإبل الواردة التى شربت وارتوت، فاشترى خالد بن الوليد مائة من الإبل، وعطشها، ثم سقاها الماء حتى رويت، ثم كمم أفواهها، وسلك بها الصحراء، حتى إذا كان اليوم الثالث خاف العطش على الناس، والخيل، فنحر الإبل، واستخرج ما فى بطونها من الماء، فسقى الناس والخيل، ومضى فى طريقه، حتى إذا كانت الليلة الرابعة، قال رافع: انظروا هل ترون سدرا عظاما، فإن رأيتموها، وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس، فرأوا السدر، فأخبروه، فكبّر، وكبّر الناس، ثم هجموا على الماء، فقال خالد بن الوليد: لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قرار إلى سرى خمسا إذا سار به الجيش بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى عند الصباح يحمد القوم السّرى (١) ... وتنجلى عنهم غيابات الكرى (٢)

стр. 282

ينجو بنفسه وقومه، ويحقق الأمان والطمأنينة، وتكشف أمامه الحقائق، وتتضح الأمور بلا لبس ولا غموض بعد مخاطرة، واقتحام للشدائد، وخبرات بالطريق ومسالكه، وحذر ... إلخ، كل هذا كان عدة للقوم، فكانت النتائج فى جانبهم، والدولة لهم، والغلبة على الأعداء. أما إذا استنام الجميع إلى لهواتهم، وشهوات نفوسهم، وانغمسوا فى ملذات الحياة دون بصر بالعواقب، وحذر من مغبات الأيام، فلن تكون النتائج إلا فى صالح أعداء الحياة، وأعداء البلاد، والعقيدة، والوطن، وليس أمر الهزيمة المرة التى حاقت بالبلاد عام ١٩٦٧ م عنا ببعيد. ج- طريق التربية الناجحة: إذا تحدد أمامنا الطريق إلى بناء الحياة، وتكوين المجتمع الصالح، بتلك اللبنات السليمة فى تفكيرها وعملها، وبالرجل الخبير بعمله، والعالم بأسراره، والثقة فى نواياه، فإن طريقة إخراج هذه النماذج البشرية لحياتنا تختلف من حين لآخر، تبعا لاختلاف الأساليب والأدوات، وتبعا لنماذج القيادات التى تتولى تربيتها وتعليمها، وما قد يصل إلينا فى وقتنا الحاضر من مذاهب عديدة، شرقية وغربية، وتجارب تستخدم فيها ألوان عديدة من النظريات والآراء، والتفكير الفلسفى والنفسى، لا تقتصر على وطن ولا جنس، وإنما تصل إلى دراسة كل ما يتعلق بنوازع النفس، وقدرات العقل، وطاقات الإنسان الكامنة، وكل ذلك لكى تصل إلى تربية سليمة للإنسان، تتسامى بغرائزه، وترتفع بطاقاته العقلية إلى ما يجب أن يكون عليه الإنسان فى عصره الحديث. وهناك طريقان فى الحياة والتربية، كان لهما أثرهما فى وقتنا الحاضر فى اهتزاز القيم والمثل العليا التى تحرص عليها الأمم والشعوب، ولكن يبقى هناك سؤال يفرض نفسه على طريق الموازنة والمقارنة بين أحوال متعددة فى اتجاهاتها، وهو كيف كانت النظرة إلى الأفراد والجماعات فى تربيتها وبناء أشخاصها ومجتمعاتها؟ لا ننتظر أن نضع أمام ناظريك يا أخى فى هذه العجالة منهجا محدد الاتجاهات، واضح القسمات لما نريد، وإنما هى قبسات من تلك النماذج التى حوتها الأمثال العربية التى تهتم بالناشئة، وتحرص على مصالح الأفراد والجماعات على حد سواء، مهتدية

стр. 283

بتعاليم القرآن والسنة المحمدية، وواقع الحياة وما تفرضه من أمور تحكم ميزان الحياة، وننظر إليها من خلال المعايشة والاختلاط، حتى يشب الصغير ويتكون المجتمع، وتصلح أحوال الحياة. ومما لا شك فيه أن للمنزل والمجتمع دورهما فى البناء لهذه الحياة، بدءا بالطفولة وما تحتاج إليه من رعاية وحنو، وإعطاء حق كل فرد فى الحياة الحقيقة، وما تستلزمه من اهتمامات عديدة فى المطعم، والمأكل، والمشرب، والتعليم، والتربية، وإعداده للمستقبل، يشترك فى ذلك كل من يملك هيمنة، ومسئولية إخراجه إلى عالم الوجود، من أب، وأم، ومجتمع، وقبيلة، وحكومة، ومربين. كلمة أخيرة: وإذا نظرنا إلى ما تعانى منه بيوتنا ومجتمعاتنا من تخريب وتدمير لشبابنا وزوجاتنا، وما يجرى من أحداث تنبئ بشر مستطير، إنما ينجم ذلك كله عن فقدان الرعاية من جانب الآباء وأولياء الأمر، ممن أعطاهم الله القيادة لهؤلاء الشباب والزوجات، فلا هيبة، ولا احترام، ولا خوف، ولا تقدير، انعدمت الرقابة، كما انعدم الجزاء، تفشت فى المجتمع وسائل التخريب للأجسام والعقول، من مخدرات تعصف بالقوى، وتهلك الأجساد، وكثرت حوادث القتل من الأبناء للآباء، والاغتصاب بين الفتيات، ألوان كثيرة من الفساد الذى لا يعلم مداه إلا الله . أعلاج ذلك فى تلك القوانين الكثيرة الثغرات فى بنودها ونصوصها؟ أعلاج ذلك فى تلك القوانين التى يكثر التحايل عليها، والتى لا تحظى بتقدير؟ إن شبابا، وزوجات، وفتيات، يتلقون تعليمهم ويأخذون تعليمهم ويأخذون منهج حياتهم من تلك الصور البغيضة المنقولة إليهم عبر وسائل التلقى التى تصدع آذانهم فى كل لحظة بأخبارها وأنبائها، وتشغل عيونهم بالمرائى المختلفة الناطقة والمسطورة فى تمثيليات وقصص، وأحداث من مختلف أنحاء العالم، لن ننتظر من وراء ذلك إلا التأثير المقيت المتمثل فى تقليد ما يرون، وما يسمعون، وما يقرءون. ينطبع ذلك كله فى حركاتهم، وأفعالهم، وأزيائهم، وألسنتهم، وضغط الحياة عليهم

стр. 284

بكل أثقالها، فلا يكون نتيجة ذلك إلا إهمال الشأن، والتراخى فى التربية، والجهل بوسائل العلاج، والنقص فى الخبرات التى تنجح فى مثل هذه الحال. فإذا أردنا أن نخطط لإقامة بناء إنسانى مدعوم بالقيم، والمبادئ، والأخلاق، ومتسلح بالعلم النافع، وبعيد عن تنافرات الحياة، فلا بد أن نعيد للمنزل دوره فى البناء، فالرجل يتحمل مسئولياته فى التربية والإرشاد، والأم تقوم بدورها المؤثر بنفسها فى حضانة أطفالها منذ الصغر حتى الكبر. مسئولية كاملة عبر عنها رسول الله ﷺ : «كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته»، مسئولية كاملة عما يقع فى الحياة من تقصير، وإهمال، وتأخير، مسئولية عن هزات الحياة بكل ما يتفشى فيها من عادات قبيحة، ورذائل تصيب الأفراد، صغارهم وكبارهم، مسئولية كاملة إيجابية فى نفعها ودفعها، تزويد بكل نافع من القول، وقدوة فى السلوك، وتربية حصينة لمجابهة المستقبل بكل ما فيه، ودفع ووقاية من كل أمر مدمر، ومخدر، ومهلك. المسئولية ريادة، وحكمة، وبصر بالأمور، توجب على القائم بالأمر، والمسئول عنه ألا يخدع، ولا يورد أتباعه موارد الحتوف والهلاك من أسرة، ومجتمع، ودولة. لا يتبادر إلى الذهن أننا ندعو إلى أن ترجع المرأة إلى سابق ما كانت عليه فى الجاهلية الأولى، من إهدار لكرامتها، وهضم لحقوقها، وإهمال لشأنها، إنما ندعو إلى إبراز ما أنعم الله به عليها من فطرة حانية على بيتها، وأداء صحيح لرسالتها فى الحياة، وصيانة لنفسها وزوجها من كل أمر شائن يغض من مكانتها، ففي ذلك كله شفاء لنفوس مزقتها أمراض الحياة المادية، واهتمام بأطفال حرموا الرعاية فى دراستهم، وتولى أمرهم خادمات جاهلات بشئون التربية والتعليم، ومراقبة لشباب وفتيات يحتاجون إلى دراسة احتياجاتهم المادية والمعنوية، ويرغبون فى اللجوء إلى الشخص الواعى الذى يسدى إليهم النصح والتوجيه، دون حساسية أو غلظة فى المعاملة، أو سوء فهم لأمور العلاج. من أولى بذلك كله؟ من يستطيع أن يقدم هذا العون؟ إن الأب وقد شغلته مسئوليات الحياة، جدير بأن يضيف إلى أعبائه المادية ما يستطيعه من نصح وإرشاد،

стр. 285

ويأتى بعد ذلك وقبله أيضا الدور الفعال الذى تقوم به الأم فى المراقبة والرعاية، وتهيئة البيت السعيد الذى يمكنه أن يحقق ما تصبو إليه كل أسرة سعيدة من سكينة النفس، ورقى العقل، وتوفير النجاح فى الحياة لكل فرد من أفرادها، رجلا أو امرأة، شابا أو فتاة، وبذلك تكمل الوظيفة الحقيقية للأم فى الحياة الناجحة التى نبتغيها اليوم لمجتمعاتنا الحاضرة والمستقبلة.

стр. 286

محتويات الكتاب المقدمة ٣ الفصل الأول التمهيد القرآن الكريم وظيفته الأصلية، وكيف يتخذه المسلمون ٧ انتفاع الموتى بقراءة القرآن ١٠ بدع حول القرآن ١١ الغاية من إنزال القرآن ١٢ وجوب طاعة الله وطاعة رسوله، ووعيد المخالفين ١٦ الأمر بتدبر وتفهم القرآن ١٧ وعيد المعرضين عن القرآن ١٨ فضائل قراءة القرآن وفضائل بعض سوره وآياته ١٩ تحزيب القرآن ٢٤ لا تعرض عن قراءة القرآن ٢٤ بدعية جمع القراءات فى سورة أو آية واحدة ٢٧ بدع وضلالات متعلقة بالقرآن العظيم ٢٧ ذكر أسباب إعراض الناس عن القرآن ٣٢ حكم الجهر بقراءة سورة الكهف بالمسجد، وسماعها من المذياع فى المسجد ٣٧ الفصل الثانى إلزام القرآن للماديين والمليّين ٣٩ ١ - معنى المادة والماديين ٣٩ ٢ - إلزام القرآن للمليين ٨٠ كلمة للتاريخ ١٣٦ الفصل الثانى الأمثال فى القرآن الكريم ١٤٦ محتويات الكتاب ٢٨٨