← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38000

عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن

على أحمد عبد العال الطهطاوى

Полный текст (286 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شك بحاجة ملحة إلى الحذر، والدهاء، والمكر، وكل ألوان الأسلحة التى تستخدم استخداما كريما فى مدافعة الحياة دون أذى أو إضرار بالآخرين، فهذه الصفات تكسب صاحبها تفوقا وتميزا على الآخرين، يكتسبها من ممارسة الحياة، ومخالطة الآخرين، وكثرة التجارب، مع يقظة فى العقل، ودقة ملاحظة للأمور، وبصر بالمواقف، بهذا يكون المؤمن عامل نفع فى الحياة لا معول هدم يلحق الأذى بالآخرين، ويضر نفسه ومجتمعه، كما كان يظهر سابقا فى أخلاق اليهود، وما لهم من كيد وتدبير جرّ عليهم الكثير من المتاعب، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]. مكر، ومكر موازنة، ونتيجة واضحة، وغلبة لله فى هذا الموقف، وهكذا كل موقف مشابه. ويحضرنا فى هذا الموقف كيف تستغل هذه الصفات استغلالا طيبا تؤدى إلى النفع لأصحابها ولغيرهم، من شخصيات لها دورها فى المكر والدهاء فى تاريخنا العربى، تذكر كتب الأدب أن داهية من دهاة العرب وهو معاوية بن أبى سفيان، صاحب المقولة الشهيرة: لو كان بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ لأنهم إذا شدوا أرخيت، وإذا أرخوا شددت. التقى وهو مؤسس دولة بنى أمية، مع قائده زياد بن أبيه، واليه على الكوفة، فى موقف فيه إرشاد وتعليم، فقد توفى المغيرة والى الكوفة، وخاف زياد أن يولى معاوية مكانه رجلا آخر يسمى عبد الله بن عامر، فأرسل إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة، ويشير عليه بتولية رجل آخر يسمى الضحاك بن قيس مكانه. ففطن معاوية لما يدور فى خلد زياد، فكتب إليه: قد فهمت كتابك فليفرخ روعك (١) بالمغيرة، لسنا نستعمل ابن عامر على الكوفة، وقد ضممناها إليك مع البصرة. فلما ورد كتاب معاوية، قال زياد: النبغ (٢) يقرع بعضه بعضا. ٢ - قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (٣) فِيها

стр. 247

مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ (١) يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ (٢) يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ (٣) يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور: ٣٥] جاءت الآية السابقة لهذا المثل ممهدة لتوضيح حقيقة أن الله قد أنزل إلى المؤمنين آيات واضحات، مفصلات لكل حاجيات الإنسان فى حياته الدنيوية من شرائع، ومعاملات، وعقائد، ثم عرض الله سبحانه أمثلة لما حدث للسابقين فى مواقفهم من أحداث الحياة، ومن الرسل، وما حلّ بالمكذبين من عقاب، جزاء عنادهم وكفرهم وعدم استجابتهم للدعوات الصالحات التى دعو إليها، وما كان فى مقابل ذلك من مواقف لمؤمنين نعموا فى دنياهم بصفاء العقائد، والقلوب، والأرواح، وسعدوا بها فى معاملاتهم، كما سعدوا بها فى أخراهم بما حظوا به من رضا الله ، عليهم، وما أعده لهم من جزاء وفضل عميم. وكل هذا الذى عرض مجملا فى آية واحدة إنما سيق ليكون طريق عظة واعتبار يهتدى به كل من يعبد الله، ويتقيه، ويؤمن بكل ما جاء من مثله على أيدى رسله، فالمؤمن هو حصيلة هذه الدعوات التى نزلت على رسل الله، والتى خصه الله بها وكرمه، من الله نور السموات والأرض. وسورة النور قد حوت الكثير من أوضاع هذه النفس البشرية، وبخاصة المتدنية التى ترتكب الموبقات من قذف، وشهوة، وفاحشة، ووضعت لها الضوابط التى تقيم من عوجها، وتردعها حتى تعود إلى صفائها ونقائها، وتستعد لاستقبال النور الإلهى الذى يفيض فى الكون الكبير، أرضه وسمائه، ويسبح فيه، فتلتقى هذه النفس بمشاعرها بهذا النور فى ألفة ومعرفة وفرح؛ لأنها من خلق الله، وقد هيأها الله لتكون نقطة اتصال بين السماء والأرض عن طريق وحى الله الذى كرمها به، وجعلها أهلا لتحمل أمانته من رسالة، وإرادة، واختيار، وبذلك كان تمييزها، وتقديرها بهذا التصوير الرائع الذى عرضته الآية القرآنية.

стр. 248

فقد قال ابن كثير فى (ص ٦٠)، المجلد السادس من تفسيره: شبه الله قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، فى صفائه فى نفسه، بالقنديل من الزجاج الشفاف، وما يستهديه من القرآن والشرع، بالزيت الصافى الذى لا تكدره كدرة. والضمير فى قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ يعود على الله ، أى مثل هداه فى قلب المؤمن كمشكاة، أو يعود إلى المؤمن الذى يدل عليه السياق، وتقدير الكلام: مثل نور المؤمن الذى فى قلبه كمشكاة. ورأى صاحب الظلال: أن هذا النور، نور الله الذى لا ندرك كنهه، ولا حقيقته، ولا مداه، نور أشرقت به الظلمات، ويتجلى فى بيوت الله التى تتصل فيها القلوب بالله حين تذكره وتخشاه، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور: ٣٦]، فتلتقى مع النور المتألق فى السماء والأرض، مع قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ويقول الأستاذ أحمد بدوى (١): المراد بالنور هنا هو النور الذى يغمر القلب، ويشرق على الضمير، فيهدى إلى سواء السبيل، أو لا ترى أن القلب ليس فى حاجة إلى أكثر من هذا المصباح يلقى عليه ضوءه فيهتدى إلى الحق، وأقوم السبل؟ ثم ألا ترى فى اختيار هذا التشبيه إيحاء بحالة القلب، وقد لفه الظلام والشك، فهو متردد، قلق، خائف، ثم لا يلبث نور اليقين أن يشرق عليه، فيجد الراحة والأمن والاستقرار؟ فهو كسارى الليل يخبط فى الظلام على غير هدى، حتى إذا أوى إلى بيته، فوجد هذا المصباح فى المشكاة، وجد الأمن سبيله إلى قلبه، واستقرت الطمأنينة فى نفسه، وشعر بالسرور يغمر فؤاده. وهكذا كان النور فى القلب، والفهم، والعقل، والعقيدة، والشرع، طريقا إلى الإيمان الصحيح الذى لا ينحرف ولا يضل، ويجد سبيله إلى الهدى والتطبيق فى الحياة العملية والروحية، وحتى يقضى على عوامل الشك، والكفر، والزيغ، والإلحاد، وبهذا النور تتحقق تلك الشخصية السوية الإنسانية التى ميزها الله ، وجعل الملائكة تسجد لها، وقال: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠].

стр. 249

نور يهدى ولا يضل، يرفع ولا يضع، يحقق للإنسان الحائر فى دنيا القلق، والتوتر، والمتاعب الصحية النفسية، والعقلية، والروحية، التى تأخذ بيده إلى مرفإ الأمن والأمان اللذين امتن الله بهما على قريش فى سابق عهدها: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٤]. إن ما يعانى منه العالم الآن هو الحرمان من الأمن والأمان، والخوف من التعرض للمحن التى تحمل فى طياتها الكوارث المخفية التى تلحق بالعالم، كوارث الحروب، والتلوث، والجوع، والتصحر ... إلخ، لذا فإن الدول تتسابق وتتعاون، وبخاصة تلك الدول التى تقدمت علما وتطبيقا فى إجراء بحوثها وتوجيه طاقاتها إلى بث الطمأنينة فى نفوس شعوبها، وتحقيق الطمأنينة النفسية بجانب الطمأنينة المادية من مأكل ومشرب ومسكن فى الحياة. ولكن هل تنجح تلك الجهود فى تحقيق ما يريدون إلا على أشلاء شعوب أخرى ضعيفة عانت وتعانى من الظلم والإرهاب. المنهج: مقدمة: ماذا نقصد بالمنهج؟ أهو ما تعارف عليه الناس فى اقتصاره على ما هو مألوف وموضوع لتلك المواد والمقررات الدراسية التى يضعها المربون والأخصّائيون للمراحل المختلفة حسب السن؟ أهو ما يركز عليه ذلك المنهج العلمى من إعطاء المعلومة، والاهتمام بالتلقين، والحفظ، وتخزين المعلومات؟ كل هذا ليس بالوارد فى موضوعنا، وإنما نقصد ذلك المنهج الذى يبنى الحياة بكل متطلباتها، ويبنى الإنسان بقيمه وبثقافاته العديدة، ويحقق رسالة العلم الحقيقة، ويبتعد عن تلك الأطر الضيقة التى تهتم بمرحلة من العمر ضيقة، وتنسى المراحل الأخرى من العمر، وهى جديرة بالعناية والرعاية، حتى تكون مناهج مستوعبة، شاملة عامة، تخرج من حدود الزمان والمكان، ولا تهتم بجنس دون آخر. إن هذا المنهج الذى نهدف إليه إنما يتحقق عن طريق رؤيتنا الواعية لمشكلات عصرنا، وإحاطتنا بكل احتياجات حياتنا، إن المنهج الذى نقصد إليه هو التربية الناجحة التى تهتم بالعلم وأساليبه من أجل تنمية الفكر والتفكير، وتشجيع المبادأة والإبداع، وإيجاد روح التنافس الشريف، والقدوة الصالحة فى المجتمع، وبناء الأمة على أساس من

стр. 250

المستقبل القائم على النقاء، والطهارة، والإيمان، والعمل، والعلم، وكل ما من شأنه تملك زمام النفس والحياة. وإذا أردنا أن نخطط لبناء مجتمع أو أمة، فلن يكون الأمر إلا عن طريق بناء الفرد النواة التى يتكون منها ذلك المجتمع، وتكوين الوعى لدى جماهير الأمة يستحيل بناؤه بمعزل عن الدين، والفهم العميق له، ودوره فى التقدم، فإذا كانت المجتمعات الغربية قد أفلست فى الماضى عن أن تحقق نجاحا فى أن تتخذ من الدين وسيلة إلى النهوض والتقدم والرقى، فدفعها ذلك إلى تنحيته عن معارك الحياة، وإبعاد من اتخذوه سلعة وتجارة، فإن الدين الإسلامى ليس على هذا النحو، فهو الحياة بكل ما فيها من متطلبات، تعنى بشأن الفرد والجماعة، والأخذ بيد الإنسان كى يحيا حياته التى خلقه الله من أجلها، فالدين ليس حكرا على أحد، وليس نزعة للتسلط، وإنما هو أول مصدر من مصادر الوعى لدى الإنسان بحقيقة الحياة الكونية والاجتماعية، والمتمشى مع فطرته التى فطره الله عليها، يعدل من مساره ويتسامى بغرائزه، ولا يقف ضد حاجيات نفسه المادية، والروحية، والسلوكية، والنفسية، إلا بمقدار ما يوجه ويرشد. لذا كانت لتعاليمه التى نزلت من أربعة عشر قرنا من الزمن، سمة الصلاحية والاستمرار، لا يدخلها تغيير أو تبديل، بخلاف ما نرى من نظريات تقوم العقول البشرية بوضعها لتنقذ الإنسان فى اعتقادهم من براثن الحياة، ومن شر ما يحيط به فى أجوائها تحت أسماء الاشتراكية أو الرأسمالية، إلى آخر ما يصنفون ويبدعون، ثم ما تلبث أن تتهاوى تلك النظريات بفعل التطبيق، وتظهر الأيام قصورها، وحاجاتها إلى التغيير والتبديل لتوائم الحياة بأحداثها ومتطلباتها. رسالة الإسلام تحقيق الهداية للبشر فى اعتقادهم، وتوجيه حركة الحياة للفرد والجماعة، عن طريق ما تثبته من قيم نبيلة للأفراد والجماعات. ١ - قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها (١) فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ (٢) فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها (٣) وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ (٤)

стр. 251

وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ (١) يَلْهَثْ (٢) أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧]. جاء هذا المثل القرآنى بعد آيات تعرضت لموقف الخلق من لدن آدم، ﵇، حيث أخذ الله عليهم العهد بعبادته وحده، والإيمان بربوبيته، وإقرارهم على ذلك، وتنصلهم مما يفعله المجرمون من غفلتهم عن هذه الحقيقة، واتباعهم لغيرهم فى عبادات فاسدة، وإقرارات أخرى زينها لهم الشيطان ومن اتبعه، فضلوا عن سواء السبيل، فصلت الآيات ذلك حتى يكون الاهتداء إلى الحق طريق من يطلبه ويسعى إليه، ويهديه الله إليه بالفهم الواعى، والعلم النافع، والقلب السليم. قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٤]. وإذا كان أول طريق إلى تحقيق هذه الهداية هو العلم والانتفاع به فى مجال الإيمان بآيات الله المنزلة على رسوله ﷺ وما يساندها من آيات ودلائل كونية ونقلية، فإذا كان عالما بها، حافظا لقواعدها، عارفا بأصولها وأحكامها، عاملا بها، كان الإنسان مؤمنا حقا، أما إذا تباين عمله مع عمله، ولم ينظر فى تلك الآيات نظر اعتبار، فلا بد وأن يسلب هذه النعمة، وهذا المعنى يظهر فى تلك الآيات البينات التى تعرض المثل القرآنى، فقد صور المثل حال الذى أعطى العلم، ولم يعمل به، فسلبه الله تلك النعمة، فأشبه فى حالته تلك الحية التى تنسلخ من جلدها، وتتركه على الأرض. صورة معجزة، واضحة الدلالة لهؤلاء المكذبين بالرسول مع ما أتى به من آيات واضحات وحجج قاطعة، الذين يشبهون حال ذلك العالم الذى حرم ثمرة علمه، فكل منهما لم يستفد شيئا ولم ينظر نظر اعتبار، فخرج من الآيات، وكفر بها، ومال إلى الدنيا وحطامها، وما فيها من شهوات، وتمتع بلذائذها، وقد كان فى إمكان ذلك العالم أن

стр. 252

يكون فى راحة بال وطمأنينة نفس بما آتاه الله من علم، ولكن هكذا الدنيا، فكلما زاد الإنسان غنى ازداد رغبة وطمعا، فهو كمن يشرب من ماء البحر ليروى عطشه، ولكن هيهات، وكذلك العالم الذى لا يستهدى بعلمه، ولا يتخذ منه طريق دلالة يظلم نفسه، فلا هو استراح بالمعرفة والعلم، ولا استراح الجاهل بجهله. ولذلك يأمر الله رسوله أن يحذر من يعلمون شيئا أن ينتهوا إلى تلك النهاية البائسة، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذى لا ينقطع أبدا، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذى لا يظلمه لعدوه، فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم، فالعلم بكل صوره وأشكاله يحقق الهدف من المعرفة والإيمان، ويبحث فى الوجود والطبيعة، وفى كل ما ينفع الناس دنيا وأخرى، وهو قوة وزاد لا يدخل عقل إنسان، إلا وينتقل إلى نفسه وأسلوب حياته، ومعيشته، وطريقة تعامله فى مجتمعه مع تباين الناس فى علمهم، هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، وأمر الله رسوله، ﵇، أن يدعو قائلا: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤]. فإذا نظر الإنسان إلى الكون وما فيه بالتأمل، وحاول أن يفهم السنن التى جرت وتجرى فى تسخيره، لاهتدى إلى مفتاح الكون لإدارته بقدرة الله، وهذا يزيده قربى من الله، وقد كان ذلك أول خطوة خطاها أبو الأنبياء، ﵇، كما ذكرت ذلك الآيات القرآنية: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥]. وبهذا الأسلوب استطاع الإنسان الهداية إلى خالقه الأعظم، وتحرر من أسر العادات الباطلة، والخرافات الجاهلة، والخضوع للآخرين، وقد أثبتت التجارب أن العلماء بأبحاثهم واكتشافاتهم هم أقرب الناس إلى الإيمان الصحيح القائم على الأدلة والبراهين، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨]. ٢ - قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [التحريم: ١٠ - ١٢].

стр. 253

سبقت هذه الآيات بأمر للرسول، ﵊، بمجاهدة تلك العناصر المناهضة للدعوة، والتى تمثلت فى عنصرى الكافرين والمنافقين، وهذه المجاهدة هى لون من ألوان العلاج لهؤلاء وأمثالهم فى كل عصر وحين، تختلف فى أشكالها وأنواعها، فلا بد وأن الجزاء من جنس العمل، والدواء مما يتناسب مع المرض مرارة وشدة، فقد أمر الرسول بمجاهدة فى طياتها غلظة وشدة لا تعرف الرحمة والشفقة، فهم نماذج سيئة للإنسان الذى ضل سواء السبيل، ولم يتبع الهدى، لذلك كان مأواهم جهنم وبئس المصير. ثم جاءت الأمثال أيضا بنماذج من الأعمال الطالحة، والأعمال الصالحة من أقوام سابقين تحمل فى ثناياها العظة والاعتبار، نماذج من جنس النساء تمثل نزعتين من النزعات اختلفتا هداية، وضلالا، ومسلكا، وعاقبة، وطباعا، وأخلاقا، وتحملت كل نفس وزر عملها، فلم تنفعها صلة قربى، أو وشيجة نسب، كما لم تضرها سيئة ليست من كسب يدها. هذا هو الصرح الثانى فى هذا المنهج القرآنى بعد العلم، واستخدام العقل والتدبر، وهو إبراز ذاتية الإنسان، وحريته فى العمل، وتحمله للمسئولية فى نشاطاته المختلفة فى الحياة، والعمل من أجل الكرامة والعقيدة. امرأة نوح، وامرأة لوط، انفصمتا عن زوجيهما الصالحين بأعمالهما الفاسدة، فكانتا من الكافرين، ولم تنفعهما صلة الزوج، ولم تنقذهما من عذاب الله؛ لأنهما تآمرتا على زوجيهما، وأفشيا سرهما إلى قومهما، فكانا عونا للكافرين، ومشاركين للباطل فى وقفته ضد الحق وأهله. هذه القرابة الأسرية مرفوضة؛ لأنها قامت على غير هدى وطاعة، وقد وقف نوح، ﵇، هذا الموقف من ابنه، وهو يوشك على الغرق حينما أراد الاعتصام بالجبل ليحميه من الطوفان والغرق، وكان من جملة الكافرين، فقال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: ٤٥، ٤٦]، صدق الله العظيم. فالقرابة هى الطاعة والدين، ولا قرابة لعاص، ولا لخارج عن أوامر الله.

стр. 254

ثم ذكرت الآية ذلك المثل الرائع لوقفة الحق ضد هجمة الباطل، وما له من أعوان من العتاد، والفكر، لامرأة فرعون، ومريم ابنة عمران فى الطاعة لله، والإيمان برسله، والصلاحية من الأمر، والثبات فى المواجهة الظالمة التى تتعرض لهما ولسمعتهما. من خلال النموذجين نرى تربية القرآن الكريم للمؤمن الذى يتحمل نتيجة أعماله أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: ٣٨ - ٤١]. وعلى المؤمن أن يندمج فى مجتمعه، ويفهم حياته وما تستوجبه من عمل لغده، وتحرير لإرادته ونفسه من عوامل المهانة والذل، ومن كل الموبقات التى تؤدى به إلى المهالك، فقد رأينا خائن العقيدة لا تنفعه قرابة، ولا تغنى عنه صلة نسب، ولو كان برسول الله: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١]. وهذه النماذج الناطقة المصورة التى ضربت وتضرب، حتى فى مستقبل الأيام، للكافرين والمؤمنين تقدم أيضا الدرس لزوجات الرسول، ﵊، وللنساء فى كل جيل، لتتحمل كل واحدة تبعة أعمالها، ومسئولية ما يقع منهن. بل إن القرآن أوضح فى مجالات لا تحتمل اللبس أن هذه القربى لها تبعاتها العظمى فى مضاعفة الأجر إذا كان العمل صالحا، ومضاعفة العذاب إذا كان الأمر سيئا: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً [الأحزاب: ٣٠، ٣١]، صدق الله العظيم. ٣ - قال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح: ٢٩]. تقدمت آية قرآنية ذلك المثل تفيد تفضل الله على عباده بإرسال رسول إليهم، يحمل الهداية والنور إلى الناس، برسالة هى الرسالة الخاتمة لكل ما سبقها من رسالات تحمل توصياتها وشرائعها، وتشمل كل ما تفرق على أيدى الأنبياء والرسل، وذلك لتكون

стр. 255

مشعلا على طريق الحياة، وتبصرة بالمواقف الجادة التى تنتصر على كل فكرة سابقة لا تحمل ضوءها ونورها من الله جل فى علاه، ويكفى أن الله شهيد على ذلك: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [الفتح: ٢٨]. هذه مكرمة خص الله بها رسوله، والذى تتضح صورته، وصورة صحبه ومن آزره ونصره فى دعوته، وإعلاء كلمة الله فى المثل الذى نعرضه فى الآية. فالله يضرب المثل بأولئك الذين خلصت نياتهم، وأخلصوا أعمالهم لوجه الله، وفى سبيل دعوته بمحمد ﷺ وصحابته الذين آزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذى أنزل معه، فكانوا من المفلحين الذين يتراحمون فيما بينهم، ويتآخون برباط الإسلام، ويكثرون من العبادة والطاعة لله، ولا يقصدون من أدائها إلا ابتغاء وجه الله ورضوانه، قد صفت وخلصت من الغرض، وهم يهبون أنفسهم للدفاع عن الدين والعقيدة، والاستشهاد فى سبيل الله، وهم أشداء على الكفار أعداء الله. ظهرت آثار أعمالهم الصالحة على صفحات وجوههم، وهكذا المؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله، أصلح الله ظاهره للناس. قلة قليلة بدأت بمحمد ﷺ ، ثم قويت واستحكمت، وترقى أمرها يوما بعد يوم، فكانت كما قال صاحب الكشاف: كما يقوى الطاقة الأولى ما يحتف بها مما يتولد منها. وظاهر المثل: أن الزرع هو محمد ﷺ ، والشطء: أصحابه. قيادة حكيمة اختارها الله من بين خلقه لتؤدى أمانة الوحى بالقدوة الطيبة والموعظة الحسنة، وتحمل الرسول الكريم الكثير من ألوان الإيذاء، والعنت فى سبيل تبليغ دعوة الحق، ومحاربة الباطل، وكان حريصا على هداية القوم، يتعرض لهم فى كل مكان، ويسلك لذلك كل طريق، حتى نزل قول الله : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة: ٩٩]. القائد والجند تجمعهما رابطة العقيدة، وبينهما مدد مشترك يبعث فيهما القوة والنماء والروح، مدد روحى من القرآن الكريم، ومن نور الله يستمد الضوء، فيكون الزرع الذى استغلظ واستوى على سوقه، ويكون الشطء الذى آزره، وكان عونا له فى سير الحياة. مثل للمؤازرة الحميمة، والمساندة التى لا يمكن أن تنفصم إلا بفعل الله سبحانه

стр. 256

وتعالى. هذه الصورة ذكرت فى الكتب السماوية القديمة، التوراة، والإنجيل، وأبرزت صفات محمد وصحبه فى جهاد الدعوة بتلك الصورة المشرقة التى تدعو إلى الاقتداء بجليل الأعمال، والإخلاص فى الدعوة وتحمل تبعاتها، استجابة لأمر الله وإتماما لنوره، حتى يصل إلى كل قلب واع، وروح متفتح إلى الإيمان بالله، والتنزه عن دنس الشرك، ووسوسة الشيطان، واتباع الهوى. ومن الملاحظ أن تلك الصفات التى وصف بها محمد وصحبه إنما تناولت تلك القيم النفسية، من قوة فى الحق، وتراحم بين الناس، ومؤاخاة، وإخلاص طاعة، وكلها صفات وقيم تغطى على تلك القيم التى تواضع الناس عليها فى وقتنا الحاضر من تفاخر بالمال وكثرته، وطغيان بالمركز والجاه، وتعالى على الآخرين باللون والحسب والنسب، قيم باطلة زائفة لا تصمد على الأيام، وهى ما تلبث أن تذروها الرياح ولا يبقى منها شىء. ولكن هل استطاعت هذه الصورة أن تصل إلى تلك القلوب الغلف فتهديها إلى سواء السبيل؟ هل وجدت الأرض ممهدة؟ هل أرست دعوتها فى بناء هذه الأمة دون مكابدة وعناء؟. ٤ - قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢]. سبق هذا المثل بآية قرآنية تلفت النظر إلى ذلك اليوم الذى يجب أن يعمل حسابه كلّ مخلوق، وأن يزن أعماله قبل أن توزن عليه، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب فيه، وهو يوم القيامة الذى تقف فيه الأنفس والخلائق خاشعة بين يدى ربها ذليلة، تحاول أن تبرئ ساحتها مما لحق بها من سيئات، وأن تنفض عنها غبار الذنوب والآثام، وتحاول أن تظهر حسن نياتها بما عملت فى دنياها، والله عليم بكل نفس، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: ٤٩]، فهو يعطى لكل ذى حق حقه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]. هذا هو اليوم، وهو موقف تتعرى فيه النفس الإنسانية، وتظهر على حقيقتها، قال الله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل: ١١١].

стр. 257

ثم جاء المثل عقب ذلك ليسوق ما يحمله من حقيقة تلك القرية وقاطنيها، المنعمين بخيراتها، الرافلين فى حلل الأمن والطمأنينة النفسية والمادية، ثم تتبدل بهم الأحوال بفعل أنفسهم، وتغير أخلاقهم، فيكفرون بنعم الله، فيذيقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. والمثل يضرب لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة، وكفروا وتولوا، فأنزل الله نقمته بهم، وهؤلاء القوم قد يراد بهم أهل مكة التى كانت آمنة مطمئنة، مستقرة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ويتخطف الناس من حولها، وهى آمنة، ثم كفرت بأنعم الله عليها، وجحدت فضله، فلم تشكر الله على ما أعطاها من نعم، وخصها به من منح، وليست هناك منحة أعظم، ولا نعمة أوفى من بعثة محمد ﷺ ، ولكنها استقبلتها بالجحود والنكران، فكانت نقمة الله عليها شديدة، إذ بدل حالها، فألبسها الله لباس الجوع والخوف بعصيان أهلها لأمر الله وكفرانهم، فدعا عليهم رسول الله بسنين كسنى يوسف، ﵇، فأصابتهم سنة أذهبت كل شىء، وسيطر عليهم الخوف بما حققه رسول الله ﷺ من انتصارات فى غزواته المختلفة، حتى تم فتح مكة، وذلك بسبب تكذيبهم لرسول الله الذى بعثه الله من بين أظهرهم داعيا، ومبشرا، ونذيرا، وعاد عاقبة الظلم على أهله. وإذا كانت هذه صورة قائمة لذلك المجتمع المكى الذى ساند بعضه بعضا على الباطل، ووقف ضد نور الله يحاول أن يطفئه، فكانت يد الله الغالبة، وجاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وتكسرت الأصنام، وحطمت تلك المعبودات يوم فتح مكة، كما تحطمت معها أنصارها وأعوانها من مفسدين وظالمين بما كانوا يصنعون. فهى أيضا صورة لكل من سار على درب الضلال فى كل حين، ضلال الفكر والاعتقاد، وضلال العمل، والفسوق، والعصيان، والمصير هو المصير، فالقانون الإلهى يجرى على الناس جميعا لا يتخلف، فما دام هناك كفر وعصيان وابتعاد عن الحق وأهله، كانت هناك نقمات من الله من جوع يؤدى إلى نقص فى الأموال، والأنفس، والثمرات، والإمكانات المادية، وخوف يسيطر على الأفئدة، فتحرم نعمة الأمن والأمان فى الحياة، وتتبدد القوى المادية والمعنوية التى هى عماد الحياة الحقيقية، وذلك كله جزاء تلك الأعمال السيئة التى اقترفتها الأيدى، والنوايا الخبيثة التى أضمرتها القلوب.

стр. 258

٥ - قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً [٢ لكهف: ٣٢ - ٤٣]. تعرض الآيات السابقة لهذا المثل لحال من ذاق حلاوة الإيمان، وعرف الطريق إلى الله، ولم ينضم لحظيرة الكافرين والمنافقين، بل كان منه العمل الصالح، والمسارعة إلى الخيرات، والجهاد فى سبيل الله، فحفظ الله له أعماله فيما كتبه له من ثواب عميم، وأجر عظيم، فى جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وأسبغ عليهم من نعيمه وخيراته ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذلك كله فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف: ٣٠، ٣١]. أما ما سيق فى هذا المثل القرآنى، فهو الجدير بإعمال النظر والفكر، فعن طريق الموازنة يعرف العاقل طريقه، وفى أى الفريقين يتمنى أن يكون، ومع من يعمل فى دنياه، وبأى سلاح يتسلح لمواجهة أخراه، ذلكم ما نراه فى هذه الرؤية العاقلة، والحوار البناء. بصيص من نور فى قلب وفكر يعرف طريق الحق، فينصح ويبذل الخير لغيره حتى يهتدى.

стр. 259

يضرب الله هذا المثل لأولئك المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، الذين آمنوا بالله ورسوله، أخذ هؤلاء الكفار يفتخرون عليهم بما عندهم من كثرة مال، وضياع، وتجارة، وأحساب، وأنساب، يصور هذا كله فى صورة رجلين، أحدهما له جنتان مثمرتان، وقد حوتا ألوان الثمار، وزخرتا بكل ألوان الجمال البادى فى المياه الجارية، والزروع، والنخيل، والأعناب، مما كان دافعا بصاحبها إلى الغرور، والتباهى على الآخر بكثرة ما لديه، وأنه لن يفنى أبدا، وأن حظه فى الآخرة، إن كانت هناك آخرة، سيكون أوفر ثراء، وأكثر رزقا، ظلم نفسه بهذا التفكير الأخرق، وبكفره، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا، ونسيانه للآخرة، وبذلك عرضها للعقاب يوم القيامة. صورة مؤلمة لمن يخدع بالمظاهر البراقة التى قد تخدع، وتغرى بما لا يحمل فى طياته من القيم الرفيعة التى يعتز بها الإنسان، يخدع بمتاع زائل، وجاه عريض، وسلطان مزيف، ولذائذ رخيصة، وينسى تلك القيم التى تعلى من شأن الإنسان، وإن كان فقيرا مجردا من المال والسلطان، من جهاد النفس، والزهد فى الحياة، والعلم، والعمل، والبذل فى سبيل الدعوة. عرف الرجل الظالم لنفسه هذه الحقائق بعد أن اتضحت الصورة أمام عينيه، وتكشفت الحقائق، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها، ويقول: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف: ٤٢]. أما النموذج الآخر، فقد استطاع أن يسبر أغوار الحقيقة، وأن يفهم بتوفيق الله إياه جوهر الأمور، وأن المظاهر خادعة، وأن وراء المظاهر منشئها وخالقها الأول، الجدير بالعبادة والطاعة، وأن هذه النعم هى: فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [المائدة: ٥٤]، ولا يحرم على النفس إلا ما كان ضارا بها، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢]. أحلّ الطيبات، وحرّم الخبائث، ليست هذه الطيبات غاية فى ذاتها، ولكنها سبيل إلى غاية أجل وأعظم من تقوية للبدن، والجسم، فقوى الإيمان لا ينظر للمال والحطام إلا نظره للأمور المتنقلة، والأعراض الزائلة المتحولة، فلو منحها شكر، ولو حرمها صبر،

стр. 260

وهو فى كل ذلك عزيز النفس، بعيد عن الدنايا وارتكاب الخطايا (١). وهكذا تكاملت أمامنا فيما عرضناه صورة المجتمع الرافض للخير، وما كان له من عاقبة سيئة، ثم ظهور تلك النبتة الخضراء التى تحمل فى ثناياها الإيمان والفكر المستنير، فتأخذ بيد الحائر فى متاهات الحياة، والفكر، والعقل. ويبدأ يتكون ذلك المجتمع المتكامل المؤمن، الذى يشق طريقه إلى تحقيق حرية الحياة، والعقيدة، والفكر، ويبذل فى سبيل ذلك كل مرتخص وغال من دم ومال، وهذا طريق البناء الصحيح فى تحمل أعباء الحياة، كما يبدو فى الآيات التالية. ٦ - قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]. سبقت ذلك آيات بينات مهدت وفرشت لما يأتى به المثل القرآنى، فقد تعرضت إلى حكمة الله جل وعلا، التى اقتضت أن تكون هناك مجموعة من الخلائق خلقها الله فى أحسن تقويم؛ لتقوم بدورها العبادى عن طريق ما وهبت من تفكير وعقل، وما حباها الله به من مبعث أنبياء مبشرين لهم بالجنة، وحسن المآب، إذا صلحت منهم الأعمال، ومخوفين لهم من عذاب الله إذا أساءوا السلوك، وانحرفوا عن النهج، ولم يكتف بإرسال الرسل، بل أرسل مع هؤلاء الأنبياء كتبا تبين حقيقة العبادة، وجوهر الدين، وما يجب أن يكون عليه الحكم بين الناس فى القضاء والمعاملات والعبادات ... إلخ من ألوان الفرائض التى فرضت وشرعت على يدى إبراهيم، وموسى، وعيسى ... إلخ، هذه المواكب من الرسل والأنبياء الذين اصطفاهم الله من بين خلقه. ولكن بعض النفوس التى جبلت على الكفر والعناد، أبت إلا أن تذهب فى فهمها لهذه الكتب مذهب المصلحة الخاصة، والبعد عن روح الدين، والتأويل للمقروء منها، حتى خرجوا بها عن صفائها ونقائها إلى غير المقصود منها، وقد جر هذا الاختلاف الكثير من المتاعب للرسل والأنبياء، والبعد بالرسالات إلى غير ما وجهت إليه، وقد هدى الله القلة القليلة التى أحسنت الفهم، ولم تخرج عن المنهج الذى وضع من قبل الله فى كتبه ورسالاته، واستطاعت أن تواصل حمل مشاعل الهداية على طريق الله وصراطه المستقيم.

стр. 261

قال الله تعالى فى هذه الآيات: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣]. ويلى هذا مقارنة فى المثل القرآنى بين حالين، وعرض لنموذجين، تظهر من خلالهما تلك الدعوة النبيلة من الله للمؤمن أن يكون أهلا لتحمل أعباء الحياة، وما تستلزمه من جهاد ومشقات فى سبيل الوصول إلى الغاية والفوز. فالابتلاءات والاختبارات هى المحك الطبيعى لإفراز النفس المؤمنة الجديرة بالانتماء للإسلام، لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦]. يصدق هذا على السابقين فى عهد الرسول ﷺ وصحابته، وعلى اللاحقين الذين أتوا بعده، وعلى كل جيل يأتى، فليس الانتماء بالاسم موجبا لاستحقاق الرحمة يوم القيامة ودخول الجنة، بل طريق ذلك تحمل الإيذاء فى سبيل الله، وفى طريق الحق وهداية الخلق: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]. هذه سنة الله الجارية فى خلقه، لا تتغير ولا تتبدل، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢]، وقد جرت سنة الله على أن الإيمان الحقيقى لمن اعتبر واتعظ بما حدث للسابقين الذين نزلت بهم الشدائد، وأحاطت بهم قوى الأعداء، ولم يروا بادرة من بوادر الفوز تلوح لهم، واعتقدوا أن وقت العناية الإلهية والنصر الذى وعدهم الله به قد حان، أو أبطأ حدوثه، فاستعجلوه بقولهم: مَتى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: ٢١٤]. منهج تعرضه الآيات، جدير بالاعتبار والتقدير، وهو طريق إلى التربية الصحيحة للأفراد والمجتمعات والشعوب، إذا أرادت أن يكتب لها نجاح فى هذه الحياة، ففي تجارب الآخرين وأحداثهم، وبخاصة المتماثلون فى النهج والطريق والمشكلات، سبيل إلى التعلم والاستفادة، ولا خير فى شعوب وأمم وأفراد، أصمت آذانها عن سماع القول والحق، وعميت عن رؤية الأحداث، وإن تحقيق أى فوز فى الحياة مرهون بالتدبير،

стр. 262

والأخذ بالأسباب، بعد الاعتماد على الله خالق الأسباب والمسببات، فلا يأتى عشوائيا، ولا عن طريق الصدفة كما يدعى الماديون والقائلون بهذه المقولات الفاسدة التى لا تدل على إيمان، ويأخذون بظاهر الأمور. فالفوز بالآخرة مرتبط بالعمل، والصبر على صنوف الآلام والمتاعب والإيذاء، وأما التمنى والتغنى بالشعارات دون أن يصحب ذلك جهاد ومشقة، فبضاعة خاسرة لا تجد لها وزنا وتقديرا يوم توزن الأعمال، وتجد كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: ٣٠]. وأسمى ما يقدمه المؤمن من عمل فى دنياه تلك الروح التى تحررت من الخوف، والذل، والحرص على الحياة، والاسترخاء إلى الدعة وطيب العيش، كما يتحمل المسئوليات فى الأعمال المنوطة به. ومن الأشياء التى توجه الآيات الأنظار والعقول إليها، أن آصرة العقيدة هى التى تربط المجتمع المسلم برباط التحابّ، والأخوة، والأخذ بتعاليم الإسلام وآدابه القائمة على التكاليف التى فرضها الإسلام، كما أن العلم الذى يكوّن النفوس المسلمة، ويصنع الحياة، هو القائم على النظر والاستدلال، ويربط بين العقل والقلب والعمل. والدارس لمشكلات الشعب، والحياة الحاضرة، وما يجدّ من أزمات تأخذ بخناقنا، وبشبابنا وأولادنا وزوجاتنا، ومقارنة ذلك بما عرضناه من صور نابضة بالحياة، ومجاهدة النفس، والجهاد فى سبيل الله، والعمل على إيقاد جذوة الحياة بما فيها من قيم ومثل رفيعة، يرى من خلال هذه الموازنة والمقارنة أن أسباب ما نكابد وما نجد فى حياتنا من أزمات ومشكلات يرجع فى أساسه إلى تلك المصادر التى تولت تغذية عقولنا وأرواحنا بلبانها، وأرضعتنا بثقافتها، وأمدتنا بنماذجها البشرية؛ لتكون قدوة لنا فى الحياة، والعمل، والسلوك، والخلق. إن هؤلاء الذين يعانون من تلك المآسى إنما يتلقون زادهم الفكرى وقيمهم المثلى من مصادر تشبع فيهم النهم، وتروى الظمأ الذى يستبد بنفوسهم وأرواحهم، مصادر لا يستطيع أى إنسان أن ينكر تأثيرها وإسهامها فى صنع قيم الإنسان، وتنمية عقله، وتغيير سلوكه، وبخاصة بعد تلك النقلة الجبارة فى العلم، والتقدم الحديث فى الاتصالات التى قربت بين الشعوب على اختلاف لغاتها ومذاهبها، وما تمارسه من عادات وأخلاق.

стр. 263

فإذا نظرنا إلى الإذاعة المرئية واستمعنا إلى المسموعة منها، وجدنا أنها تتجه فى الكثير من برامجها إلى إرضاء الجوانب الشهوانية التى تسيطر على اتجاهات الشباب، وتغذى عقله بتلك الآراء الفجة المسمومة التى تؤلف خصيصا لهذه الفئات، كى تفسد من تفكيرها، وتغرس فيها قيما بعيدة كل البعد عن معتقداتها، وما مشكلات الأحداث، وكثرة حوادث اغتصاب الفتيات، ومسلسل قتل الأزواج، إلا ولادة طبيعية لما يجرى أمام الأبصار فى برامج مهزوزة، فلا يجد من أصاب العطن عقله بالعقم، وشلت يده عن العمل نتيجة البطالة والكساد، وسقمت البرامج التعليمية عن تقديم ما يتناسب مع إدراكه وحاجياته الحقيقية فى الحياة، فلا يملك إزاء هذا إلا أن يقلد ما يرى ويسمع فى ليله ونهاره، وقد يدفعه ذلك أيضا إلى تلمس الغيبوبة عن الحياة التى يحياها، ولا يشعر بجدواها فيما يتناوله من مخدر، وأقراص تنسيه آلامه وقلقه وحيرته فى الحياة. إنها مسئوليتنا جميعا، ولا نملك أن نحول بين هذا الشاب ونظائره ممن يتفقون معه أو يختلفون سلوكا ومنهجا، ويقعون فريسة التقليد فى المظهر، والمشرب، والمأكل، ولا نملك أن نحول بين سمعه وبصره ورؤية الأشياء المبثوثة فى جهاز التليفزيون، وشرائط الفيديو، والإذاعات الأجنبية، وبخاصة تلك الإذاعات التى تعمل عملها على تقويض دعائم الأمة الإسلامية بتقويض شبابها، وبث روح الانحلال فى أخلاق رجالها ونسائها، وإذا لم يكن قد كتب لها النجاح فى حروبها المستمرة، فإنها تملك ولا شك الوسائل الكفيلة بتحقيق انتصارات أخرى أقوى تأثيرا، وأشد تفتيتا لعضد هذه الأمة ومعقل قواها بالتأثير فى أرواحها، وتغيير سلوكها واتجاهاتها فى الحياة. لقد أتاح التقدم العلمى لكل إنسان أن يشاهد وأن يسمع ما يقع فى الحياة بلغته وبغير لغته، ما يثير فيه الانتباه، ويغرس فيه القيم، ويشحذ منه الفكر، ويؤدى به إلى الانطلاق، ولكن ما الضمانات التى تكفل لنا نجاح هذه الأدوات فيما ترسله، وما تذيعه من برامج ومعلومات؟ لا سبيل إلى إنكار ما تقدمه من نجاحات علمية تفيد الحياة، والدارس، وتربط بين عقول العلماء والشعوب برباط المصلحة والنفع، وهو هدف نبيل لا ينكره إلا مكابر. ولكن علينا أن نحسن استقبال ما يرسل إلينا عبر هذه الأقمار الصناعية، والإذاعات المسموعة، كما أحسنوا إرسالها، وذلك بحسن التطبيق والفهم المشترك بين العلماء الذى يخدم الحياة، وسرعة الاستجابة للمتغيرات التى تنشأ عن ذلك، ومحاولة إشراك الشباب

стр. 264

والأجيال فى هذه الطفرات العلمية بوضعها فى البرامج التعليمية، وتدريب أبنائنا على حسن استخدامها لتيسير سبيل الحياة. أما الجانب الآخر، فهو ما يتعلق بالعادات والتقاليد والقيم التى تتصل بما لنا من أصالة، وترتبط بما نتلقى من تعاليم سماوية خصنا الله بها، وجعل لنا كتابا فيه هداية لنا وتبصرة بشئوننا، فهذا ما يجب أن يغرس فى النفوس؛ لتكون وقاية لنا ولأولادنا ضد هذه التيارات الوافدة إلينا ولا نملك لها منعا، كما لا نملك لأنفسنا ولا لشبابنا حجزا وحرمانا. وبجانب تلك الوسائل المسموعة والمرئية، تقف وسيلة أخرى أسبق فى التأثير والوجود، وهى: الصحافة، فما كانت تلك الصحف التى تلقاها إبراهيم، وموسى، وعيسى، من قبل الله ، إلا تربية للأمم والشعوب والأفراد، بما تحمله من تعاليم السماء، ووصايا تعلى من شأن القيم، وترفع من درجة الأعمال الصالحة إلى أن تكون المعيار الحقيقى الذى يميز بين إنسان وإنسان. هذه الوسيلة مع تطور الأيام وظهور الطباعة والمطبعة، لعبت دورها البارز فى إثارة الأذهان، وتعميق الفكر، واستطاعت بما ينشر فيها على أيدى محرريها أن يشكلوا من طاقات الإنسان، وأن يوجهوا السلوك إلى اتجاه معين حكمته ظروف الحياة القديمة بما لها من تقاليد، ودفعت إليه من سياسات، كانت طريق هداية، ورسول بناء، ونداء حرية، وتحرير مستضعفين، أدت رسالتها؛ لأنها أحست بواجبها نحو نفسها، وشعبها، وحاجيات أمتها. أما إذا أسىء استغلالها، كما يحدث فى تلك الصحافة الرخيصة، فإنها ولا شك تصبح معول هدم يفسد على الإنسان دينه، وخلقه، وقيمه، بما تبثه من فكر رخيص، وقصص منحل، وأحداث تقع فى الشرق والغرب تغرى بالتتبع والتقليد، وبخاصة ممن يخدعون بالتقليد فى المظاهر البراقة، وأشكال المجون والترف، وأخطار هذا لا تقع تحت حصر فى حياتنا اليومية. والشارع بما فيه ومن فيه من مجريات، وأحداث، وأناس، وما يقع من صراعات وتدافعات، يلقى على أذن الطفل الكثير من الكلمات، ويعرض على عينيه الكثير من المشاهد، ويوحى إليه بأمور تغاير طبعه، ويثبت فى أعماقه الكثير من المظاهر التى تعج

стр. 265

بها الحياة، وفيها ما فيها من المفسدات، من تهالك على المتع واللذائذ، وما ينتشر فى بيئات كثيرة من مخدرات تفعل فعلها فى إفساد الأسر والشباب، وما تعوّدهم من عادات الإدمان التى لا يفلح معها علاج، ولا ينفع فى كبح شرورها قانون، أو استشفاء. ولذا نجد فى أحداث هذه الأيام، أن كثيرا من الأحداث الصغار السن قد قبض عليهم جهاز الشرطة فى تلك المواطن التى تنتشر فيها هذه المخدرات، يقدمون للمدمنين المخدرات، ويعلمون تحت أيدى عصابات توجههم هذا التوجيه الشائن الذى يفسد عليهم أنفسهم، وحياتهم، وأسرهم. هذه أبرز المصادر الفعالة التى تؤثر فى صنع هذا الشباب، وما تؤدى إليه من سوء استخدام يعمل على زيادة هذه المشكلات التى يعانى منها المجتمع، ويعانى منها الشباب. وقد ساعد على ذلك ظروف أخرى اقتصادية قاسية مرت بهذا المجتمع عقب تلك الحروب العديدة التى خاضها الشعب، والشباب، والمجتمع، ضد أعداء الحياة، فكانت هذه المآسى وهذه المشكلات، وكلها من خارج النفس، ومن صنع أيدينا؛ لذا كانت العثرات والسقطات، والبعد عن الصواب. وبعد: أئمة ترابط بين الأمثال القرآنية؟ أتوجد بينها وحدة فى الأهداف، والاتجاهات، والمعالجة؟ هذه تساؤلات تجيب عنها تلك الدراسة المطولة التى سبقت، فهى على اختلاف صيغها ومضمونها ومواقعها، تهدف إلى استكناه حقيقة الإنسان، ووظيفته فى الحياة، والحكمة من وجوده، وتبيان خصائصه التى يستحق بموجبها عمارة الكون، وخلافة الله فى الأرض. لقد سخرت مظاهر الكون بأرضه، وسمائه، وجباله، وأنهاره، ودوابه، ومخلوقاته، من أجل هذا الإنسان الذى ميزه الله بالعقل، وكرمه بإرسال الرسل، وفضله على بقية مخلوقاته، وجعله أهلا لتحمل الأمانة التى عرضها على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، حملها بما له من إمكانات التدبير، والعقل، والفهم، والحرية، والاختيار فى الأمور، وتحمل المسئوليات التى يترتب عليها الثواب والعقاب، والجزاء فى الدنيا والآخرة.

стр. 266

انفرد ذلك الإنسان بتلك الميزة التى تجعله يعيش حياتين: دنيوية يكابد فيها، يسعد ويشقى، ويمرض ويصح، ويتطور فى خلقته من صغر إلى كبر، وحياة أخروية يجد فيها جزاء سعيه فى دنياه، ونتيجة عمله الذى قام به، وحريته التى اكتسبها، وهكذا ينفرد بتلك الخاصية التى لا تحظى بها مخلوقات أخرى من دواب ومخلوقات، وأرض وسماء. بل إن هذه المخلوقات إنما جعلت فى هذه الدنيا لتخدم ذلك الإنسان الذى يبحث عن مصيره فى دنياه وأخراه، وعن ذاته، وكيف تتحقق، وعن وجوده، وكيف يكون، تخدمه بلا مقابل ولا جهد، فالزرع ينبت فى الأرض ويستوى على سوقه ويعطى ثماره، والشمس تشرق فترسل الدفء إلى الأجسام المقرورة، وتثير الرياح والسحاب كى يحمل فى طياته المطر الذى يبعث النماء والخير، كى يحيا الإنسان، عطاءات عديدة من قبل خالق الخلق بمقتضى ربوبيته لهذا الإنسان، والذى أمر ملائكته بالسجود له، وقال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠]، لا يسأل عما يفعل، فقد خلق ذلك الإنسان وهو يعلم بحقائقه علم انكشاف وإحاطة، وإدراك لما يتطلبه، لحكمة إلهية وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٥]. هذا هو المحور الذى تدور حوله الأمثال القرآنية، والترابط بين غاياتها فى تحرير هذا الإنسان من كل إصر يعوق عقيدته، من أن تنطلق نحو الإيمان الحق بالله الواحد، والابتعاد عن مواطن الأهواء، والنزعات الضارة المفسدة لتلك الفطرة النقية الصافية التى خلقها الله ، لتتشرب روح الحياة كما خلقها خالقها، ولتسير فى ضوء هداه، واضحة المنهج، متمتعة بطيبات ما أحل الله، بعيدة عن نزعات الشيطان، محققة ذلك الإنسان المميز بعقله، وحريته، واختياره، والذى يستحق كلمة الله فى حقه: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠]. المقارنة بين الأمثال القرآنية: بالقراءة المتأنية والواعية لسور القرآن الكريم، يستطيع الإنسان القارئ أن يجد ألوانا من التفاوت والاختلاف فى الأمثال التى عرضت، تفاوت واختلاف يرجعان إلى طبيعة المكان، والزمان، والناس، والموضوع المعالج، إلى غير ذلك من أوجه الاختلاف، وقد استطعت بتوفيق من الله جل فى علاه، أن أحدد بعض هذه الأوجه، أعرضها فى الآتى:

стр. 267

١ - الأمثال التى وردت فى القرآن الكريم فى السور المكية أكثر من التى وردت فى السور المدينة، ويرجع ذلك إلى بدء الدعوة فى مكة، وحاجة الناس إلى وسائل عديدة من الإرشاد والتوجه، حتى تصل الدعوة إلى نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، عن طريق الاسترشاد بالأحداث والوقائع، وبخاصة أن الأمية والجهالة فاشية فى القوم، وكانت التقاليد والعادات آخذة برقابهم، ومهيمنة على عقولهم، فهم لا ينفكون يقولون: هذا ما وجدنا عليه آباءنا. والتغلب على هذه العقدة المسيطرة جد عسير، ما لم تستخدم تلك الوسائل المؤثرة فى النفس والعقل، فهم بمثابة أطفال وجدوا أنفسهم فى مقاعد للسمع، ويحتاجون إلى إدراك ما يزيل ما بهم من جهالة، ويرفع عنهم الغشاوة، ويفتح أعينهم على أنوار الحياة بكل معطياتها، ولا يتأتى ذلك بالتعليم المباشر، وبالنصح الغالب، وإنما تقوم وسائل الإيضاح بمهمتها خير قيام بعرض بعض قصص السابقين، ووصف أحوال الغابرين بتلك الصورة الموحية التى تستخلص نتائجها، ويستهدى بها العقل إذا وصلت إلى سمعه، واستقرت فى أعماقه، وقد تكون كما نفعل الآن بمثابة فيلم يعرض على الصغار، فيثبت فى أذهانهم المعلومة، وينقل إليهم التجربة، ويعرفون النتيجة بتلك الصور التى تستولى على مشاعرهم، هم فى دور التكوين والتعليم، فلتؤد وسيلة الإيضاح مهمتها بكل طريق. ومن التجارب والأحداث والوقائع تكون الخبرات الصادقة، والنتائج القربية، ولم لا؟ أليس هؤلاء الناس أقرب إلى جو هذه الأمثال، وما بها من صدق وفكر، وتأثير بما يشتهر على ألسنتهم من حكمة صادقة يرسلونها إرسالا، فتدوى مع الزمن، وتصدق فى كل حين، أليست الحكمة التى يتحدثون بها فى ندواتهم ويتناشدونها فى أشعارهم إلا قسيما لذلك المثل الذى يردد بين الحين والحين، فيكون له تأثيره وأثره؟ إن الأمثال الحكمية بما ترسله من إشعاعات الفكر، وتأثيرات القول، وعمق التجربة، لتعلى من شأن قائلها على مدى العصور والأيام، وتعلى من شأن معتنقيها ومصدقيها لو ساروا على نهجها وهداها، لذلك كانت الأمثال فى هذا الجو، وفى هذا الميدان، من متطلبات الدعوة، تأتى فى آيات الله لتنزع الجهل والجهالة، وتقتلع بذور الشرك، وتضع اللبنات الأولى فى بناء ذلك المجتمع الذى يحتاج إلى كثير من مواد البناء من مثل، وحكمة، وأمر، ونهى، وتبيان ... إلخ.

стр. 268

وعن طريق هذا المثل الذى يقوم على التشابه بين قصتين، وحالتين، دعوة لأولئك الناس إلى استخدام عقولهم فى التفكير الذى يقوم على الموازنة والتمييز بين شيئين ليختار العاقل الصالح من الأمر، وإعلامهم بأن العقل والفكر علامتان للإنسان الجديد الذى يدين بدين الإسلام، فلا خضوع لتقاليد، ولا إرهاب لسلطة مهما كانت مراكزها، ولا بجنس أو لون، وإنما الناس جميعا إخوة سواسية، إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]. فى هذه البيئة الصخرية الحجرية فى طبيعتها، وفكر أصحابها، وتقاليد أسرها وعائلاتها، وتكوين مجتمعاتها، كان من الحكمة الإلهية أن يكثر قرع الآذان بتلك الدقات الشديدة من الأمثال؛ لتصل إلى مجامع القلوب، فتقوم من غفوتها، وتستيقظ من سباتها العميق الذى يحجب عنها الرؤية لذلك النور الإلهى الذى بدد الظلام، وأزال الغشاوة عما لحق بالصدور والقلوب من الشرك بالله، والانتماء للباطل بصوره وأشكاله. وإذا كانت الفترة الزمنية الأولى فى بدء الدعوة قد امتدت إلى ثلاث عشرة سنة، مما أتاح للرسول، ﵊، أن يعمل على نشر الدعوة بين ربوع مكة وما جاورها، وأن يهيئ أولئك الرجال الذين اتبعوه وآمنوا بالقرآن الكريم ليحملوا رسالته فى كل مكان، فإن المجتمع الجديد الذى ستنتقل إليه الدعوة تختلف فيه الصورة عن المجتمع المكى، فهذا المجتمع المدنى يقوم على الزراعة، وطبيعته تختلف عن طبيعة مكة، فالأرض الخصبة تعطى، وتنبت الخير والرزق، وتنعكس تلك الطبيعة على أهلها برا، وسماحة، ولينا، واستجابة لدعوة الخير من أول نداء وجهه الرسول إليهم فى بيعاتهم التى بايعوا فيها رسول الله ﷺ ، فهذا المجتمع تفتح ذهنه لهذا الفكر الوافد، وبدت ملامح اليقظة فى حركاته بفعل تأثره بغيره من المجتمعات الأخرى التى اختلطت به، وتميزت بفكرها، وكتبها السماوية، فكان الأمر سهلا، لا يحتاج إلى كبير معاناة فى توصيل الحقائق المباشرة التى تبنى الحياة بكل اتجاهاتها المختلفة. فليس فيها ذلك الفكر المتسلط، ولا رهبة أصحاب السلطة الدينية، كما فى مكة، ولا تلك التقاليد البالية التى تعوق الفكر الجديد عن الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم. وكان القرب من اليهود فى ذلك الوقت سبيلا إلى معرفة مظاهرهم الدينية،

стр. 269

واختلاطهم بهم، وتناقلهم لأمثالهم وأقوالهم، لذلك كانت منهم الاستجابة السريعة لكلمة الإسلام والإصغاء لتعاليمه دون حاجة ماسة إلى ضرب الأمثال الكثيرة التى يحتاج إليها المعاندون والجاحدون لآيات الله. ٢ - تتشابه صياغة المثل المكى والمدنى فى كثير من المظاهر الخارجية، من حيث اشتمالها على المتمثل له، والمتمثل به، والإتيان بكاف التشبيه، الأداة، فى صورة قصصية، وصفة مجازية تصور حال كل منهما. إلا أن هناك أشياء جديرة بالملاحظة تعطى فروقا لها دلالتها، مثل: (أ) يكثر فى المثل المكى استخدام الفعل ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا [إبراهيم: ٢٤]، وما أخذ من هذا الفعل من المضارع والمصدر، وما لهذا الاستخدام من وقع، فهو يقرع الأسماع، فيدعوها إلى الالتفات والتنبه. (ب) يكثر فى المثل المكى أيضا التعقيب بقوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ [البقرة: ٢١٩]، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ [الأنعام: ١٢٢]، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ [الأعراف: ١٧٦]، ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: ١٨]، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧]. وهذا التعقيب بعد ذكر المثل له دلالته، فهو يبين الحكمة من إيراد المثل، ويوقظ فى النفوس والعقول ما هى بحاجة إليه من رغبة فى الهداية وبعد عن الجهل والضلال. (ج) البدء فى المثل المدنى يكثر فيه استعمال المثل: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة: ١٧]. ٣ - اعتمدت الأمثال المكية فى أدواتها التأثيرية على كثير من مظاهر الحياة المكية، فهذا المجتمع يقوم التعامل فيه على التجارة، والقوافل، والعبيد، واستغلال مواسم الحج، وما يجلبه ذلك من نفع مادى يعود على الجميع، ونفع ثقافى، حيث تتناقل فيه السير والأحداث التى تلوكها الألسنة، وتبقى فى عقول الناس راسبة، بالإضافة إلى أسواق أدبية شهيرة، تعقد فيها حلقات الشعر، وتعرض فيها نماذج الشعر الجيد، ويتبارى فى ذلك الكثيرون، حتى إذا حكم لأحدهم بالتفوق، كتبت قصيدته بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، أسواق شهيرة، أسواق عكاظ، وذى المجنة، وذى المجاز. فى هذا الجو المفعم بالتأثيرات المادية والثقافية، كان لا بدّ وأن تكون الأمثال القرآنية

стр. 270

معرضا لما تريد أن تقتلعه من النفوس من أفكار سقيمة، وتفرقة ظالمة، وقيم جاهلة، وهضم للحقوق، وأن تكثر من ذكر الأحداث للاعتبار والاتعاظ فى تلك الحياة التى انغمسوا فيها، تتكلم عن البعيد، وتذكر الأحداث التاريخية، وتندد بالشركاء فى التجارة، والشرك فى العقيدة، والكفر، والعناد. أما فى المجتمع المدنى، فتساق الأمثال معتمدة على مظاهر الحياة التى تحيط بالناس، فتأخذ من مظاهر الطبيعة، وما فيها من ظلمة ونور، ورياح وغيث، ونباتات وجمادات، وأصوات ومخلوقات، ما توجه إليه أنظار الناس؛ ليكون محل تدبر وإبصار، فتكون الهداية، وكما تأخذ من مظاهر الحياة الخارجية التى تحيط بفكرهم، كاليهود وأشياعهم، فتندد بمواقف أصحاب هذه الكتب من الرسول ودعوته، وذكر أحوال الأمم السابقة، وما حل بهم جزاء كفرهم وعنادهم، وما يجب أن يكون عليه المؤمن الحق من صفات، وإخلاص الإيمان بالله صاحب القدرة المطلقة، والاهتمام بالقيم النبيلة، وعدم الاغترار بالحياة الدنيا وما فيها. ٤ - أما مضمون الأمثال وموضوعاتها، فتختلف اختلافا واضحا بين المكى والمدنى، اختلافا دعت إليه ظروف الدعوة الإسلامية، واختلاف الناس والمجتمع، والحالات التى تستدعى علاجا معينا، ويبدو ذلك فى الآتى: المجتمع المكى مجتمع جاهلى تتحكم فيه تلك العادات الباطلة، والتقاليد البالية، وتسيطر عليه أفكار وثنية خائبة تلغى العقل ودوره، وتسمح للطبقية أن تعلو، وللعنصرية أن توجد، وللرأسمالية الظالمة الباغية أن تتحكم، كل هذه العناصر جعلت صوت الحق يخبو، ونور الله يتبدد بين قوم قساة القلوب، غلاظ الأكباد، نفوسهم قدت من صخر، لا تلين لدعوة، ولا تستجيب لنداء كريم، حتى كانت كلمة الله، ونزل الوحى على محمد ﷺ ابن هذه البيئة، ولكن الله اختاره من صفوة خلقه ليعالج هذا الأمر بالقرآن الذى يوحى إليه، وبكل الطرق التى يسلكها رسول الله، فكانت هذه الأمثال وهذه الآيات التى تعالج الكفر بالله، وتندد بدعاة هذا الكفر وأصحابه، وتقبح أعمال الكفار الذين يتخذون الأصنام آلهة من دون الله، ويلغون عقولهم وتفكيرهم، وتقبح لهم اتخاذ الشركاء، وتزجرهم عن المعاصى، وتحبب إليهم الإيمان، وتكره إليهم الكفر، والفسوق، والعصيان.

стр. 271

كما تناولت الأمثال أيضا البعد عن موجبات غضب الله التى تصيب الفرد والجماعة، ودعتهم إلى الإيمان بالبعث، والحساب، واليوم الآخر، وأظهرت قدرة الله فى عقاب من يستحق العقاب، ونددت بموقف الكفار من الرسول، وعنادهم، ومعاملتهم له ... إلخ. دارت كل هذه المعانى فى أثواب الآيات القرآنية وأساليبها، وكان للمثل المكى دوره البارز فى هذا المجال، يعالج السلوك الإنسانى إزاء رسالة الله ودعوته. أما فى المجتمع المدنى، فالأمر مختلف، فقد عالجت الأمثال الكثير من العيوب التى تبرز فى هذا المجتمع المتحضر من نفاق، وخداع، وبخل، وشح، وجبن، وقعود عن الجهاد. لم تتعرض مباشرة لسلوك الناس وتصرفاتهم إزاء الرسالة، وإنما هى بيان لما فى الكون والملكوت الواسع الذى يدبر الله أمره، فهذه الحياة الدنيا مثلها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [يونس: ٢٤]. اختلفت البيئة، فاختلف الاتجاه والعلاج، واختلف الزمان، فكان لكل وقت دواء، واختلف الناس، فكان لكل دواء. الأمثال العربية: من خلال دراستنا للأمثال القرآنية، وما تناولته من اتجاهات عليا لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ لأنها من التنزيل، تنزيل رب العالمين، الرحيم بعباده الذى خلقهم، وعرف احتياجاتهم، وما يعلى من مكانتهم وشأنهم، فوضع لهم الأسس الحكيمة التى يسيرون عليها، ورسم للإنسان طريق النجاة بما ساقه له من قيم، وقدمه من مثل، ودعا إليه من أوامر، وما وضعه من تكاليف. من خلال هذا كله، اشرأبت النفس إلى محاولة إيجاد علاقة وترابط بين الأمثال القرآنية وما تعرضه علينا كتب التراث والأدب من تراث إنسانى نطقت به الألسنة، وحفظته العقول، وسجلته فى صفحات التاريخ من أمثال كان لها صداها وتأثيرها فى الفكر الإسلامى، حقيقة ما روته الكتب الأدبية يحوى بين جنباته الكثير من الأمثال العربية التى وصلت إلينا من العصر الجاهلى، وفيها ما فى هذا العصر من عادات وأمور قد لا تتفق مع القيم الإسلامية وما يدعو إليه القرآن، ولذا فإننا سنحاول بإذن

стр. 272

الله أن نعرض نماذج من بعض الأمثال التى تتشابه فى نزعاتها واتجاهاتها البناءة فى الحياة مع الأمثال القرآنية فى سمو أهدافها، ونبل أغراضها، وهذه الأمثال عاشت وتعيش فى أفكارنا، وترتبط بعقائدنا، وتصلنا بماضينا. وقد يكون فيما نذهب إليه من إيجاد علاقة فى الهدف والاتجاه، لون من التكلف والعسر؛ لأن المصادر القديمة لم تتعرض لهذه المناحى ولم تقدم لنا ما يرضى عقولنا من موازنات ومقارنات بين هذا وذاك، ولكن ما دامت النية قد خلصت لخدمة هذا الطريق، فإن فى إفراد باب بتعلق بالمنهج القرآنى وارتباطه بالأمثال العربية المتفقة معه فى الاتجاه والمأخذ، ما قد يغنى القارئ اللبيب الذى يستطيع أن يتبين من التقارب الذى نطقت به الألسنة التى تشربت حب الإسلام، وتعلقت به أرواحها وقلوبها، وعقولها، وعقائدها، فنطقت بذلك معبرة، وجرى على ألسنتها من لفظها الخاص ما ينبئ عن شدة الحب والارتباط بتعاليم الإسلام، وارتباط الناس به فى حياتهم الخاصة والعامة، وفيما يجرى بينهم من تعامل وعلاقات. وفيما أسوقه من نماذج أمثال، إنما أعطى دليلا على أن الخلق المسلم إنما استوحى فيما نطق وفيما عمل طريق القرآن، ودعوته، ومنهجه. وقبل أن نعرض لهذه النماذج المختارة التى تعتبر نواة لدراسة أوسع فى أنواعها، وأقسامها، وأغراضها، والتى عقدنا العزم بمشيئة الله أن نجعلها مبسوطة بين يدى القراء فى دراسة مستقلة، أن نعرض لبعض الحقائق العامة التى تنير الطريق لما سيطرح من أمثال عربية، تعالج مواقف الحياة، وتعرض أحداثها، ووقائعها، وعظاتها، وهى تكمن فى الآتى: ١ - هذه الأمثال فى أغلبها مجهولة الصاحب، لا يعرف لها قائل، ولا تسند إلى شخص معروف، ولكنها سلكت طريقها إلى الحياة عن طريق المشافهة والرواة حتى وصلت إلينا فى تراث له فى النفس إعزاز وتقدير، قد استحوذ على هذا الفضل، وهذه المكانة بالنظر إلى مضمونه ومعناه، أما معرفة الصاحب، وكيف نشأ المثل، فلم يحظ ذلك باهتمام الرواة. ٢ - كان من أساليب بقاء هذه الأمثال، والمحافظة عليها، ما تتسم به من صدق، ومن توافق مع الحياة فى تطبيقاتها، وما تحويه من قيم رفيعة، واتجاهات بناءة مقتبسة من القرآن الكريم، والحديث النبوى.

стр. 273

٣ - إيجاز هذه الأمثال، واعتمادها على اللفظ القليل، والمعنى الكثير، أغرى بسرعة تداولها وحفظها، والتمثل بها، فى اللحظات المشابهة لما قيلت فيه. ٤ - تعرضت هذه الأمثال لأحداث حدثت، ونطقت بها ألسنة المشاركين لهذه الأحداث، أو المشاهدين لها، أو السامعين لأوصافها، فكان ذلك دافعا إلى الحرص عليها، والتمسك بمعرفة أصولها ومناسباتها. ٥ - كانت هذه الأمثال صورة واضحة لأحداث الحياة، وشخصياتها المتباينة، ففيها الرجل والمرأة، والكبير والصغير، والفتى والفتاة، والعالم والجاهل، والحاكم والمحكوم. حقائق كثيرة نورد بعضها فى هذا المقام، تاركين لما نختاره من نماذج مهمة ألقت الضوء على ما تزخر به من صور رائعة لقيم رفيعة من القرآن والحديث، وما يعد أنموذجا للفكر العربى والعقلية العربية، وأسلوب الحياة فى تطبيقاتها العديدة على أيدى أفراد وجماعات، وأحداث فى الحياة، دون تكلف أو حاجة إلى معرفة قواعد نحوية، أو أوزان عروضية، أو أنماط من الأساليب تبعها الأدباء والعلماء. هذا بالإضافة إلى أنها اتخذت فى أسلوبها الأعم والأغلب، أسلوب الأمثال الحكمية التى تعرض المعنى فى ثوب موجز من اللفظ، ولا تعرض صياغتها اللفظية على طريق الأمثال القرآنية القائمة على التشبيه التمثيلى، ومن وجود مشابهة بين حالين مختلفين، وإنما تكتفى بذكر قضايا مسلّمة محكوم بصحتها من واقع الحياة، ويمكن اللجوء إليها والاستشهاد بذكرها إذا كانت هناك حال مشابهة لها. ١ - المنهج الذى قامت عليه الأمثال: أ- بناء الإنسان: حددت هذه الأمثال بصورتها الموجزة، طريقها فى خدمة الحياة بكل متطلباتها، وذلك بالنظر إلى الإنسان وواقعه، ولم تخرج به إلى عالم الخيال، والعيش مع الأحلام والتمنيات، دعته إلى أن يكون إنسانا مكتمل الإنسانية، بعيدا عن الانزواء والجهالة، وأن يكون ذا شخصية لها سماتها البشرية من عقل مفكر، مبدع، مالك لزمام نفسه، متحكم فى نزواته وشهواته، له منهجه الواضح فى الحياة، لا يلتوى به الطريق، ولا تخدعه الأمانى والآمال الزائفة.

стр. 274

وبناء هذه الشخصية على أسس من الواقع والصلاحية للحياة عن طريق خبراتهم، وتجاربهم، ودعوات الحياة، وعلى هدى ما رسمه منهج القرآن الكريم، وما وصفه لنا من خلال الأمثال القرآنية التى تكلمت عن هذه الشخصية المسلمة، والنفس المسلمة التى صاغها القرآن الكريم فى أوامره وتكاليفه، وطبقها محمد وصحبه الكرام فى معالجة أوضار الحياة. ونحن إذ نعرض لهذه الاتجاهات من خلال الأمثال العربية التى نسوقها فى ثوبها الذى وردت به، نلمس جانبا من تيارات ثقافتنا العربية له فى تكويننا العقلى مكانة لا تقل شأنا وأثرا عن مكانة الشعر، وبقية ألوان النثر، ولا أغالى إذ قلت: إن هذا الأثر سيظل قوى المفعول، محفورا مع الزمن فى العقل والوجدان؛ لأنه مأخوذ من الحياة، ومستمد من الأحداث، ومرتبط بالوقائع والواقع، فقد تلفظت به شفاه، وطبقه أشخاص، ورسمته فى دنيا الواقع أحداث كانت من الحياة وإلى الحياة تعود، وخاطبت العقلاء من القوم، صغيرهم وكبيرهم. قامت الأمثال على مخاطبة الإنسان، والنظر إليه، وسبر أغواره، والإحاطة بشأنه، وتصوير أحواله النفسية، والوجدانية، والاجتماعية، والعقلية، وكل ما يتعلق به فى حياته الخاصة والعامة، خاطبت الإنسان الذى حظى بالتكريم من خالقه، ففضله على بقية مخلوقاته بتلك القيم التى يتمثلها فى حياته، ويطبقها فى معاملاته. خلق الله الإنسان حرا، له إرادته الخاصة، واختياره فى الحياة، فهما، وسلوكا، وعملا، وعقيدة، دون أن يقع تحت تأثير معتقدات بالية تأتيه من كبير أو صغير، أو معبودات باطلة تسيء إلى آدميته، وفطرته، فطرة متحررة تعطيه هذا المدد من الحرية والاختيار فيما يملك من أدوات، واستخدام حواس خلقها الله له، وهيأها لخدمته، وقد لا تكون هذه الأدوات كافية للهداية والتوجيه فى الحياة، وقد يكون العقل قاصرا، فلا يبلغ بصاحبه إلى برّ الأمان الفكرى والعقدى، لذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يعالج هذا القصور البادى فى الإنسان بإرسال الرسل الداعية إلى الخير، وعدم الاغترار بالعقل، والاستفادة من تجارب الآخرين فى الإلمام بشئون الحياة، وعدم الاستبداد بالرأى، والأخذ بنصح الناصح ما دام خالصا، هذا هو الإنسان السوىّ الذى يهدف إلى إبرازه وتكوينه المثل العربى فى تعبيره ورأيه. يتصدر المثل العربى قائمة هذه النظرة بقوله:

стр. 275

١ - دع امرأ وما اختار: يرى ذلك التنديد بمن يهدرون قيمة الإنسان فى فكره المتحرر، ورأيه الذى ينبع من عقله، ويحاولون السيطرة عليه بالإرهاب الفكرى، وإملاء الإرادة، حتى لا تكون هناك شخصية متميزة متحررة، إنهم بذلك يمسخون هذه الشخصية، ويلغون صفاتها المتميزة فى فكرها الحر، وعملها المنطلق فى رحاب الحياة دون قيد أو عائق، يريدون أن يرسموا له الطريق، ويحددوا له الاتجاه، حتى يكون كالآلة الصماء التى تدور وتعمل تبعا لأوامر صانعيها. وما هكذا الإنسان وما خلق له من تعمير للكون والحياة، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: ٣٩ - ٤١]. فالإنسان مجزى بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والجزاء من جنس العمل، ف كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]، وقد عبر عن ذلك مثل عربى آخر بقوله: ٢ - يداك أوكتا وفوك نفخ: ويضرب هذا المثل لمن يجنى على نفسه بأفعاله وأعماله، فهو بقصوره وتقصيره يتسبب فى إيذاء نفسه. والإنسان بمسئولياته، وبتحمله لأعباء الحياة، وتفكيره، والجزاء فى الدنيا والآخرة مبنى على ما قدم بنفسه وبتفكيره الحر، دون سيطرة أو رقيب إلا من داخله، من أعماق نفسه، ومن معتقده، وهكذا تكون الانطلاقة الحرة المتمثلة مع الحياة المتطورة، وما تستدعيه من الفكر الحر، والاختيار المطلق الذى لا يتقيد إلا بتعاليم الدين وما يضعه من قواعد وتكاليف يحاسب عليها الإنسان من رب الإنسان ورب الأرض والسماء، رب العالمين يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: ٣٠]. وأصل هذا المثل أن رجلا كان بجزيرة، فأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه، فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرج منه الهواء المضغوط، فغرق الزق، فاستغاث صاحب الزق برجل، فقال له: يداك أوكتا وفوك نفخ. وإذا كانت الانغلاقة فى الفكر، والتقوقع فى الزمان والمكان، من الأمور المرفوضة

стр. 276

فى حياتنا الحاضرة، فالانطلاقة البهيمية فى الشذوذ الفكرى، والتحرر من كل معتقد صائب، ومن كل دين وقيمة، لها من الخطورة والضياع ما للأولى من المهانة والاستخفاف بالإنسان وإمكانياته، وأولى بالإنسان أن يأخذ طريقه فى الحياة دون جهالة مميتة، أو عجب قاتل، حتى يكون كما قال الشاعر: إذا المرء لم يدر ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أزينه وأعجبه العجب فاقتاده ... وتاه به العجب فاستحسنه فدعه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يوما ويبكى سنه وإذا كانت الحرية هى اللبنة الأولى فى بناء الإنسان، فإنها لا تكمل إلا إذا صحبتها عزمات قوية، وإحساسات بالكرامة التى ترتقى بالإنسان إلى عزة تنزهت عن الهون، وابتعدت عما يشين خلق الإنسان، أو يجعله مضغة فى الأفواه، أو يصمه بوصمة عار تنتقل من نفسه إلى عقبه، قوانين للحياة ليست غريبة عن دعوات الأديان، بل هى فى صميمها وجوهرها. فكم من نداء ودعوة سمعناها من أفواه الرسل، عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهم يدعون قومهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم دون انتظار لمكسب مادى رخيص، أو ابتغاء أجر على دعوتهم، لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ [الأنعام: ٩٠]، فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [غافر: ٤٤]. وما لنا لا نذكر هذا الموقف لرسول الله ﷺ وهو يستعرض ما تفتقت عنه حيل المشركين وتفكيرهم المريض، ليثنوه عن طريقه ودعوته، وقوله: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه»، مغريات الدنيا بما فيها من مال، ومكانة، وملك، لا تقف بصاحب العقيدة عن طريقه، أو تبعده عن مسلكه الذى هيأه الله. وهكذا طريق الإنسان الحر الكريم على نفسه وعلى قومه، سواء كان رجلا أو امرأة، طريق سلكه أولئك العظماء من الذين مهدوا الطريق وساروا، فلم يهنوا ولم يضعفوا، ولم يقفوا أمام مغريات الدنيا بمختلف ألوانها وصنوفها، موقف الخاضع لها، الذليل أمام مغرياتها، وقد نطقت بذلك أمثال العرب فى هذا المنحى الكريم، فقالت كما روت ذلك كتب الأدب:

стр. 277

٣ - تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها (١): وتفسيره: أى لا تأكل بما يدره عليها ثدياها من أجرة الرضاع للأطفال، وإن آلمها الجوع. وأصل هذا المثل أن الحارث بن سليل الأسدي زار حليفه علقمة بن خصفة الطائى، فرأى ابنته الزباء، فأعجب بها، وطلب من أبيها أن يزوجه إياها، فقال له أبوها: أنت كفء كريم، ولك من حسبك ومنصبك وبيتك ما يرغب فيك، ولكن أقم حتى ننظر فى أمرك، ودخل على زوجته يستشيرها فى الأمر، ويعلمها بعزمه على تزويج ابنته بالخاطب، فقالت له: لا تفعل حتى نعرض الأمر على ابنتنا، فقالت الأم لابنتها: أىّ الرجال أحبّ إليك؟ الكهل المتاح، أم الفتى الوضاح؟ قالت: لا، بل الفتى الوضاح (٢)، قالت: إن الفتى يغيرك، وإن الشيخ يميرك (٣)، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحدث السن الكثير المنّ، قالت: يا أماه، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاء أينق الكلأ، قالت: أى بنية، إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، قالت: إن الشيخ يبلى شبابى، ويشمت بى أترابى. فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على أمرها، فتزوجها الحارث، ورحل بها إلى قومه، وبينما هو جالس فى فناء بيته، إذ أقبل بعض الشباب من بنى أسد قومه، فى فتوتهم وقوتهم، فتذكرت حالها، وقارنت بين حاليها، فبكت على شبابها الضائع مع رجل كهل، فلما رأى زوجها ذلك قال لها: ثكلتك أمك، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ثم قال لها: الحقى بأهلك، لا حاجة لى فيك، وقال: تهزأت أن رأتنى لابسا كبرا ... وغاية الناس بين الموت والكبر فإن بقيت لقيت الشيب راغمة ... وفى التعرف ما يمضى مع العبر فإن يكن قد علا رأسى وغيره ... صرف الزمان وتغيير من الشعر فقد أرواح للذات الفتى جذلا ... وقد أصيب بها عينا من البقر

стр. 278

عنى إليك (١) فإنى لا يوافقنى ... عور الكلام (٢) ولا شرب على الكدر وإذا كانت سمة الإنسان فى الحياة، إرادة وكرامة فوق حرية يتمتع بها، فى قوله وعمله ومسلكه، فإنها أيضا لا تكمل بمعناها الواسع إلا إذا اتصلت بالحياة بناء وعملا نافعا، ومشاركة إيجابية فى الحياة تمد يد العون لمن يحتاج، وتقدم الخير للجميع، ولا تبخل بعطاء، ولا تضن عن مشاركة، هو إنسان لم يخلق لنفسه فقط، وإنما هو سبيل سعادة الآخرين، وحياة لمن يبغى الحياة، وسلم لمن يريد الطمأنينة فى يومه وغده، وهو كما عبر رسول الله ﷺ فى حديثه، جليس صالح بكل ما تحمله هذه الكلمة البناءة من معانى النفع، والخير، والهداية، والأثر الطيب فى النفس وفى الآخرين: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافح الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ... ». إنسان يعمل ويحفظ ماء وجهه من السؤال والشحاذة، ويحفظ غيره من الضياع، ويفيد الآخرين بألوان الخير والمنفعة، ويترك بصماته فى كل شىء علما، ورزقا، وخيرا، واجتهادا، وقدوة، أليس هذا هو ما يدعو إليه القرآن والرسول فى العمل الطيب، والنفقة، والبذل، والعطاء، والأجر المضاعف لصاحبه فى جميع مجالات الحياة. وقد جاء المثل العربى مصورا هذا الاتجاه فى قوله: ٤ - رب زارع لنفسه حاصد سواه: وأصل هذا المثل أن صعصعة بن معاوية ذهب إلى عامر بن الظرب، يخطب ابنته، فقال: يا صعصعة، إنك جئت تشترى منى كبدى، وأرحم ولدى عندى، النكاح خير من الأيمة، والحسيب كفء الحسيب، والزوج الصالح يعد أبا، وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك. ثم قال لقومه: يا معشر عدوان، أخرجت من بين أظهركم كريمتكم على غير رغبة عنكم، ولكن من خط له شىء جاءه، رب زارع لنفسه حاصد سواه. فلولا قسم الحظوظ على غير الحدود ما أدرك الآخر من الأول شيئا يعيش به، ولكن

стр. 279

الذى أرسل الحيا (١) أنبت المرعى، ثم قسمه أكلا، لكل فم بقلة، ومن الماء جرعة. وقد يعمل الإنسان عملا صالحا يحتاج إلى تأن فى جنى ثماره، والوصول إلى نتائجه، فأولى به أن لا ييأس من بلوغ الهدف، وأن يقف موقف الآمل فى تحقيق الرجاء، دون استسلام لهوى، واستعجال لنتائج قد تتأخر، أو قد يعوقها عائق عن سرعة الإنجاز وتحقيق المراد، وأما إذا تحكمت فيه شراهة النفس، وتعجل أموره، فلن يكون حاله إلا كحال من عبر عنه المثل العربى: ٥ - استعجلت قديرها فامتلت: فقد أبت نفسها الشرهة إلا أن تحقق مغنمها سريعا دون انتظار لنضج اللحم فوق النار فى قدرها، فأخذت بعض ما فيه ووضعته فى الرماد الحار لتأكله سريعا، وبذلك فاتها الكثير من أجل القليل. ب- الإنسان والمجتمع: وهكذا تصور الأمثال العربية النفس السوية فى منهجها فى الحياة، وطريقتها فى معالجة شئونها، ويبقى بعد ذلك أن تتلاءم مع الآخرين الذين يعيشون معها فى ظل مسئوليات ضخام تحتاج إلى أسلحة مادية، وطريقة ناجحة، وإعداد نفسى. وقد يستدعى ذلك بعض التنازلات من قبل صاحبها فى سبيل اندماجه فى محيطه، وتحمله لأعباء الآخرين. وهكذا الحياة بقوانينها والتزاماتها تأبى إلا أن تستوفى حقها كاملا من الإنسان السوى بإتمام العمل وإتقانه، والشجاعة فى تحمل مسئولياته، والإخلاص فى إنفاذه، والخبرة بأموره. وكل هذه وفق منهج قرآنى استقر فى أعماق النفس البشرية والإنسانية من قديم الزمن وحديثه، وتعرضه الأمثال العربية بتلك الكلمات البسيطة: ٦ - أعط القوس باريها: فصانع القوس أدرى بأسراره، وأعلم بإمكاناته، وهو الذى يستطيع أن يصلح عيوبه.

стр. 280

قوانين صادقة من الحياة فى ماضيها وحاضرها، حياة لا تقوم على جهالة وجاهلين، إنما على علم بأسرارها، وحذق بأمورها المختلفة، سياسيا، واقتصاديا، وعسكريا، ودينيا، وتربويا، والاستعانة بكل هذه الخبرات لإدارة شئون الحياة، وللنجاح فى تسلم زمامها. أما إذا تدخلت الأهواء، وتحكمت النزوات فى الاختيار، وتغلبت الأغراض الخاصة على العامة، فهو أمر مؤذن بانتهاء الحياة، وعلامة من علامات الساعة، حينما يسند الأمر إلى غير أهله، فتضيع الأمانات. وأمثله ذلك كثيرة فى الحياة والمجتمع، فأولئك الذين يتصدون للفتيا دون سند من دليل أو علم بشريعة، أو فقه لقانون، وأولئك الذين يتصدرون واجهات الحياة الاقتصادية والمالية، أو يقودون الأمة إلى معاركها العديدة فى الحرب، والسياسة، والتخطيط، والتربية، والتعليم، دون بصر بالحياة، واستعداد لمجابهة أزماتها بما تستحقه من أسلحة مناسبة من علم، ومعرفة، وإخلاص فى العمل، وشجاعة فى تحمل المسئوليات، إنما يسيئون إلى أنفسهم وإلى دينهم، ومجتمعهم، ووطنهم بأعمالهم هذه التى تهدم ولا تبنى. ومن الأمور التى تحقق النجاح المنشود، أن يستعد المرء لكل ما يقع فى الحياة من أمور حسنة أو سيئة، يتلقاها ويحسن فهمها ووضع نتائجها موضع التنفيذ فى مكانها اللائق بها، حتى لا يؤخذ على غرة، فيجلب على نفسه هزات تؤثر فى تفكيره، وتقضى على نشاط جسمه وعقله، وقد تفضى به إلى عثرات فى طريق حياته، واضطراب فى تفكيره، وما يصدق على الفرد يصدق على الجماعة، والمجتمع، والدولة. والمثل العربى: ٧ - قبل الرماء تملأ الكنائن: فالاستعداد واجب لملاقاة كل أمر صعب، وكم تعرضنا لكثير من ألوان المحن والأزمات فى معيشتنا التى لم نحسن التخطيط لها، فما نعانيه من ازدياد عدد، وتضخم سكان، وكثرة ديون من قبل من يتحكم فى رقابنا، ويمنع عنا ما نحتاج إليه من غذاء، وسلاح، ومال، إنما يرجع إلى أننا لم نضع كل هذه الأمور موضع حساباتنا وتقديرنا، فكان من ورائها ما نلاقى من متاعب وآلام.

стр. 281

ولقد عرّفنا المنهج القرآنى منذ أربعة عشر قرنا من الزمن ما يجب على المؤمن العارف بربه أن يستعد لآخرته، بإعداد تلك الكنانة التى تحوى الأعمال الصالحة، وأفعال الخير قبل أن يقف بين يدى ربه يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠]. وإذا نجحت كل تلك الخطوات فى سبيل تحمل المسئوليات، وإسناد الأمر إلى صاحبه القوى الكفيل بإنجاحه بما يملك من قيادة بصيرة، ترى الأمر وتعالجه، وتضع خطواتها على الطريق الأكمل المأمون، البعيد عن المزالق والمخاطر، والمسلح بقوى الإيمان، والمعرفة، وتحمل الصعاب، كان ذلك هو طريق الفوز والنجاح له ولغيره. وقد عبر عن ذلك المعنى مثل عربى قديم له دلالته النافعة فى مثل هذا الموقف، يقول: ٨ - عند الصباح يحمد القوم السّرى: وأصل هذا المثل أن خليفة رسول الله ﷺ ، أبا بكر الصديق، رضى الله عنه، أمر قائده خالد بن الوليد، رضى الله عنه، وهو سيف الله المسلول، أن يسرع إلى معاونة جيش المسلمين بالعراق، وإلى نجدتهم، فأراد خالد أن يجتاز طريق الصحراء اختصارا للوقت، وتلبية لأمر الخليفة، وإحساسا بالمسئولية إزاء هذا العمل الجسيم، فعرض الأمر على معاونيه، فقال له رافع بن عمرو الطائى: لقد سلكتها فى الجاهلية، وتحتاج إلى خمس ليال للإبل الواردة التى شربت وارتوت، فاشترى خالد بن الوليد مائة من الإبل، وعطشها، ثم سقاها الماء حتى رويت، ثم كمم أفواهها، وسلك بها الصحراء، حتى إذا كان اليوم الثالث خاف العطش على الناس، والخيل، فنحر الإبل، واستخرج ما فى بطونها من الماء، فسقى الناس والخيل، ومضى فى طريقه، حتى إذا كانت الليلة الرابعة، قال رافع: انظروا هل ترون سدرا عظاما، فإن رأيتموها، وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس، فرأوا السدر، فأخبروه، فكبّر، وكبّر الناس، ثم هجموا على الماء، فقال خالد بن الوليد: لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قرار إلى سرى خمسا إذا سار به الجيش بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى عند الصباح يحمد القوم السّرى (١) ... وتنجلى عنهم غيابات الكرى (٢)

стр. 282

ينجو بنفسه وقومه، ويحقق الأمان والطمأنينة، وتكشف أمامه الحقائق، وتتضح الأمور بلا لبس ولا غموض بعد مخاطرة، واقتحام للشدائد، وخبرات بالطريق ومسالكه، وحذر ... إلخ، كل هذا كان عدة للقوم، فكانت النتائج فى جانبهم، والدولة لهم، والغلبة على الأعداء. أما إذا استنام الجميع إلى لهواتهم، وشهوات نفوسهم، وانغمسوا فى ملذات الحياة دون بصر بالعواقب، وحذر من مغبات الأيام، فلن تكون النتائج إلا فى صالح أعداء الحياة، وأعداء البلاد، والعقيدة، والوطن، وليس أمر الهزيمة المرة التى حاقت بالبلاد عام ١٩٦٧ م عنا ببعيد. ج- طريق التربية الناجحة: إذا تحدد أمامنا الطريق إلى بناء الحياة، وتكوين المجتمع الصالح، بتلك اللبنات السليمة فى تفكيرها وعملها، وبالرجل الخبير بعمله، والعالم بأسراره، والثقة فى نواياه، فإن طريقة إخراج هذه النماذج البشرية لحياتنا تختلف من حين لآخر، تبعا لاختلاف الأساليب والأدوات، وتبعا لنماذج القيادات التى تتولى تربيتها وتعليمها، وما قد يصل إلينا فى وقتنا الحاضر من مذاهب عديدة، شرقية وغربية، وتجارب تستخدم فيها ألوان عديدة من النظريات والآراء، والتفكير الفلسفى والنفسى، لا تقتصر على وطن ولا جنس، وإنما تصل إلى دراسة كل ما يتعلق بنوازع النفس، وقدرات العقل، وطاقات الإنسان الكامنة، وكل ذلك لكى تصل إلى تربية سليمة للإنسان، تتسامى بغرائزه، وترتفع بطاقاته العقلية إلى ما يجب أن يكون عليه الإنسان فى عصره الحديث. وهناك طريقان فى الحياة والتربية، كان لهما أثرهما فى وقتنا الحاضر فى اهتزاز القيم والمثل العليا التى تحرص عليها الأمم والشعوب، ولكن يبقى هناك سؤال يفرض نفسه على طريق الموازنة والمقارنة بين أحوال متعددة فى اتجاهاتها، وهو كيف كانت النظرة إلى الأفراد والجماعات فى تربيتها وبناء أشخاصها ومجتمعاتها؟ لا ننتظر أن نضع أمام ناظريك يا أخى فى هذه العجالة منهجا محدد الاتجاهات، واضح القسمات لما نريد، وإنما هى قبسات من تلك النماذج التى حوتها الأمثال العربية التى تهتم بالناشئة، وتحرص على مصالح الأفراد والجماعات على حد سواء، مهتدية

стр. 283

بتعاليم القرآن والسنة المحمدية، وواقع الحياة وما تفرضه من أمور تحكم ميزان الحياة، وننظر إليها من خلال المعايشة والاختلاط، حتى يشب الصغير ويتكون المجتمع، وتصلح أحوال الحياة. ومما لا شك فيه أن للمنزل والمجتمع دورهما فى البناء لهذه الحياة، بدءا بالطفولة وما تحتاج إليه من رعاية وحنو، وإعطاء حق كل فرد فى الحياة الحقيقة، وما تستلزمه من اهتمامات عديدة فى المطعم، والمأكل، والمشرب، والتعليم، والتربية، وإعداده للمستقبل، يشترك فى ذلك كل من يملك هيمنة، ومسئولية إخراجه إلى عالم الوجود، من أب، وأم، ومجتمع، وقبيلة، وحكومة، ومربين. كلمة أخيرة: وإذا نظرنا إلى ما تعانى منه بيوتنا ومجتمعاتنا من تخريب وتدمير لشبابنا وزوجاتنا، وما يجرى من أحداث تنبئ بشر مستطير، إنما ينجم ذلك كله عن فقدان الرعاية من جانب الآباء وأولياء الأمر، ممن أعطاهم الله القيادة لهؤلاء الشباب والزوجات، فلا هيبة، ولا احترام، ولا خوف، ولا تقدير، انعدمت الرقابة، كما انعدم الجزاء، تفشت فى المجتمع وسائل التخريب للأجسام والعقول، من مخدرات تعصف بالقوى، وتهلك الأجساد، وكثرت حوادث القتل من الأبناء للآباء، والاغتصاب بين الفتيات، ألوان كثيرة من الفساد الذى لا يعلم مداه إلا الله . أعلاج ذلك فى تلك القوانين الكثيرة الثغرات فى بنودها ونصوصها؟ أعلاج ذلك فى تلك القوانين التى يكثر التحايل عليها، والتى لا تحظى بتقدير؟ إن شبابا، وزوجات، وفتيات، يتلقون تعليمهم ويأخذون تعليمهم ويأخذون منهج حياتهم من تلك الصور البغيضة المنقولة إليهم عبر وسائل التلقى التى تصدع آذانهم فى كل لحظة بأخبارها وأنبائها، وتشغل عيونهم بالمرائى المختلفة الناطقة والمسطورة فى تمثيليات وقصص، وأحداث من مختلف أنحاء العالم، لن ننتظر من وراء ذلك إلا التأثير المقيت المتمثل فى تقليد ما يرون، وما يسمعون، وما يقرءون. ينطبع ذلك كله فى حركاتهم، وأفعالهم، وأزيائهم، وألسنتهم، وضغط الحياة عليهم

стр. 284

بكل أثقالها، فلا يكون نتيجة ذلك إلا إهمال الشأن، والتراخى فى التربية، والجهل بوسائل العلاج، والنقص فى الخبرات التى تنجح فى مثل هذه الحال. فإذا أردنا أن نخطط لإقامة بناء إنسانى مدعوم بالقيم، والمبادئ، والأخلاق، ومتسلح بالعلم النافع، وبعيد عن تنافرات الحياة، فلا بد أن نعيد للمنزل دوره فى البناء، فالرجل يتحمل مسئولياته فى التربية والإرشاد، والأم تقوم بدورها المؤثر بنفسها فى حضانة أطفالها منذ الصغر حتى الكبر. مسئولية كاملة عبر عنها رسول الله ﷺ : «كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته»، مسئولية كاملة عما يقع فى الحياة من تقصير، وإهمال، وتأخير، مسئولية عن هزات الحياة بكل ما يتفشى فيها من عادات قبيحة، ورذائل تصيب الأفراد، صغارهم وكبارهم، مسئولية كاملة إيجابية فى نفعها ودفعها، تزويد بكل نافع من القول، وقدوة فى السلوك، وتربية حصينة لمجابهة المستقبل بكل ما فيه، ودفع ووقاية من كل أمر مدمر، ومخدر، ومهلك. المسئولية ريادة، وحكمة، وبصر بالأمور، توجب على القائم بالأمر، والمسئول عنه ألا يخدع، ولا يورد أتباعه موارد الحتوف والهلاك من أسرة، ومجتمع، ودولة. لا يتبادر إلى الذهن أننا ندعو إلى أن ترجع المرأة إلى سابق ما كانت عليه فى الجاهلية الأولى، من إهدار لكرامتها، وهضم لحقوقها، وإهمال لشأنها، إنما ندعو إلى إبراز ما أنعم الله به عليها من فطرة حانية على بيتها، وأداء صحيح لرسالتها فى الحياة، وصيانة لنفسها وزوجها من كل أمر شائن يغض من مكانتها، ففي ذلك كله شفاء لنفوس مزقتها أمراض الحياة المادية، واهتمام بأطفال حرموا الرعاية فى دراستهم، وتولى أمرهم خادمات جاهلات بشئون التربية والتعليم، ومراقبة لشباب وفتيات يحتاجون إلى دراسة احتياجاتهم المادية والمعنوية، ويرغبون فى اللجوء إلى الشخص الواعى الذى يسدى إليهم النصح والتوجيه، دون حساسية أو غلظة فى المعاملة، أو سوء فهم لأمور العلاج. من أولى بذلك كله؟ من يستطيع أن يقدم هذا العون؟ إن الأب وقد شغلته مسئوليات الحياة، جدير بأن يضيف إلى أعبائه المادية ما يستطيعه من نصح وإرشاد،

стр. 285

ويأتى بعد ذلك وقبله أيضا الدور الفعال الذى تقوم به الأم فى المراقبة والرعاية، وتهيئة البيت السعيد الذى يمكنه أن يحقق ما تصبو إليه كل أسرة سعيدة من سكينة النفس، ورقى العقل، وتوفير النجاح فى الحياة لكل فرد من أفرادها، رجلا أو امرأة، شابا أو فتاة، وبذلك تكمل الوظيفة الحقيقية للأم فى الحياة الناجحة التى نبتغيها اليوم لمجتمعاتنا الحاضرة والمستقبلة.
следующие страницы →