← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38000

عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن

على أحمد عبد العال الطهطاوى

Полный текст (286 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المرتبة الثالثة: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج: ٥]، أى قطعة دم حمراء جامدة ليس فيها أهلية للسيلان، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. المرتبة الرابعة: ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، أى قطعة لحم صغيرة، وهى فى الأصل قدر ما يمضغ، قوله تعالى: مُخَلَّقَةٍ، أى مسوّاة لا نقض فيها ولا عيب، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: ٥]، أى غير مسوّاة، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة وأملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، ويتبع هذا التفاوت تفاوت الناس فى خلقهم، وصورهم، وطولهم، وقصرهم ... إلخ. وقيل فى معنى المخلّقة غير ذلك، والذى اخترناه أوفق لوجود بناء تفضيل التخليق الدال على تكثير الخلق، فإن الإنسان ذو أعضاء متباينة، وقوى متفاوتة، فإذا أكمل فيه جميع ما يتم به خلقة النوع، فقد كثر فيه الخلق. وقوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [الحج: ٥]، معناه إنا فعلنا لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من التراب والماء، ثم من نطفة ثانيا، ولا تناسب بينهما، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، وفيها تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، من قدر على ذلك قدر على إعادة ما بدأه، بل هو أدخل فى القدرة وأهون فى القياس. وأما قوله: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج: ٥]، فهو معطوف على (نبين) فى إحدى القراءتين، ومعناه إنا خلقناكم من حال إلى حال، ومن خلق إلى خلق، لأمرين اثنين: أحدهما: تبيين قدرتنا على الإعادة، كما تقدم آنفا. وثانيهما: الإقرار فى الرحم لغاية التمام، ثم الخروج طفلا حتى يبلغ الأشد، أى حد التكليف، فيكلفوا معرفة الله وتوحيده وطاعته، فينالوا سعادة الآخرة. المرتبة الخامسة: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥]، أى تولدوا فى حالة الطفولة، من صغر الجثة، وضعف البدن، والسمع، والبصر، وجميع الحواس، لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم وعظم أجسامكم. المرتبة السادسة: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [الحج: ٥]، وقد دخلت اللام هنا تأكيدا لها،

стр. 72

كما فى لِنُبَيِّنَ اعتناء ببلوغ الأشد، حيث يكون عنده التكليف، إذ هو المقصود من الإقرار فى الرحم، والمعنى: نمد أجلكم لتصلوا بهذا الانتقال إلى كمالكم فى القوة والعقل. المرتبة السابعة: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [الحج: ٥]، أى ومنكم من يتوفّى عند بلوغ الأشد أو قبله، ومنكم من يرد بالشيخوخة إلى أخس العمر، وهو سن الهرم، فتنقص جميع قواه، ويعود كهيئته الأولى فى أوان الطفولة من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه وينكر من عرفه، فما أعظم هذه الدلالات على المراد، وما أوضح هذه الحالات على المقصود، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. ولما تم هذا الدليل بأحكم المقدمات وأصح النتائج، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد، وهو قوله تعالى: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: ٥]، ذكر سبحانه دليلا آخر على البعث مشاهدا فى كل أحواله وملابساته، وهو قوله جل شأنه: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، أى ساكنة يابسة، فَإِذا أَنْزَلْنا بما لنا من القدرة، عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وتأهلت لإخراج النبات وَرَبَتْ أى ارتفعت، وذلك أول ما يظهر منها للعين، ونمت بما يخرج منها من النبات الناشئ من التراب والماء وَأَنْبَتَتْ فيه مجاز؛ لأن الله تعالى هو المنبت، وأضيف إلى الأرض توسعا، مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ [الحج: ٥] حسن المنظر، نضير باختلاف الألوان، والطعوم، والروائح، والأشكال، والمنافع، والمقادير. الموضع الثالث من سورة الروم: قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: ٨]. قوله تعالى: فِي أَنْفُسِهِمْ، إما أن يكون ظرفا للتفكير، والمعنى: أو لم يشغلوا قلوبهم الفارغة عن الفكر بالفكرة الصالحة، والتفكير وإن كان محله القلب، إلا أنه زيد قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ لزيادة تصوير حال المتفكرين، كما يقال: أبصره بعينه وأضمره فى نفسه، وعلى هذا يكون المتفكر فيه هو قوله: ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون المتقن، فيعلموا أن الله تعالى لم يخلقهما

стр. 73

عبثا ولا جزافا، ولكن ليعتبر بها عباده، وليستدلوا بها على وحدانيته سبحانه، وكمال قدرته، وأنه إنما خلقها لمنافع العباد، بلاغا لهم فى دار التكليف، وعونا لهم على اكتساب ما يسعدهم فى دار الجزاء، وهو معنى قوله: بِالْحَقِّ والباء فيه إما سببية، أو حالية، أى ما خلقهما إلا للحق، أو ملتبسة بالحق مقرونة به، لا باطلا، ولا عبثا خاليا عن حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مؤجلة بأجل مسمى، بعده يكون البعث، وفى قوله: وَما بَيْنَهُما ما يفيد أن هناك مخلوقات بين السماء والأرض بها كمال المنافع، وتمام النظام. وإما أن يكون قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ هو متعلق التفكير وموضوعه، والمعنى عليه: هلا تفكروا فى أمر أنفسهم التى هى أقرب المخلوقات إليهم، وهم أعلم بأحوالها، حتى يتضح لهم كمال قدرة الله تعالى، فإن من تفكر فى تشريح بدن الإنسان، وما أودع فيه من غرائب التدبير الإلهى، حصل له العلم القطعى بأن الله تعالى فاعل مختار، كامل العلم والقدرة، منزه عن الشركاء والأنداد، وحصل له كذلك العلم بحقيقة البعث والجزاء؛ لأنه إذا تفكر فى نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال، وأجزاءه ماثلة إلى الانحلال، فيقطع، بأنه سيفنى عن قريب، فلو لم يكن له حياة أخرى، لكان خلقه على هذا النحو عبثا، كما أشير إليه بقوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، وهذا ظاهر؛ لأن من بالغ فى تدبير شىء سيفنى عن قريب بالكلية، وصوره أحسن تصوير، واعتنى فى انتظام أحواله أبلغ ما يمكن من الاعتناء، مع علمه بأنه يصير عن قريب كأن لم يكن شيئا مذكورا، لا شك أن يضحك منه ويتعجب من سفاهته، فمن تفكر فى شأن نفسه على هذا الوجه علم أنه تعالى خلقه للبقاء، ولا بقاء إلا بالحشر، فظهر أن تفكر الإنسان فى أمر نفسه يؤديه إلى القطع بأن العالم كله له، إله واحد قادر على الإبداء والإعادة، ويكون قوله تعالى: ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: ٨]، جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها، ذكرت بعد إقامة دليل الأنفس استدلالا بدليل الآفاق. وبعد، فهذه براهين يقينية قطعية على إمكان البعث وجوازه، وأما تحقق الوقوع، فليس له إلا إخبار الصادق المصدوق الذى قامت المعجزة القاهرة على صدقه، وهو الرسول محمد ﷺ ، وهذا ما يستدعينا أن نتكلم عن المطلب الثالث الذى أنكره الماديون، وهو إثبات رسالة محمد، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 74

المطلب الثالث: إثبات رسالة محمد ﷺ : يضطرنا إثبات هذا المطلب، أن نبين فى وجازة ضرورة النبوّات للبشر. قال ابن سينا، كما نقله العلامة القاسمى فى كتابه دلائل التوحيد: من المعلوم أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع وشركة فى ضروريات حاجاته، مكفيا بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به، ولا تتم الشركة إلا بمعاملة ومعاوضة يجريان بينهما، يفرغ كل واحد منهما صاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير، ولا بد فى المعاملة من سنة وعدل، ولا بدّ من سان معدل، ولا بدّ من أن يكون إنسانا، ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم فى ذلك فيختلفون، ويرى كل واحد منهم ما له عدلا وما عليه جورا وظلما، فالحاجة إلى هذا الإنسان فى بقاء النوع الإنسانى أشد من الحاجة إلى إثبات الشعر على الأشفار والحاجبين، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضى هذه وتدع تلك التى هى أثبتها، فلا بد إذن من نبى هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند الله، يدعوهم إلى التوحيد، ويمنعهم من الشرك، ويسنّ لهم الشرائع والأحكام، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن التباغض والتحاسد، ويرغبهم فى الآخرة وثوابها، ثم يكرر عليهم العبادات ليحصل لهم تذكر المعبود بالتكرير، واستفادة ملكة الالتفات إلى الحق والإعراض عن الباطل. وفى هذا المطلب أيضا يسلك القرآن الكريم بالجاحدين والمنكرين مسلك الحث على النظر والاستدلال، وذلك فيما لابسه من أحوال شريفة، وما اتصف به من خلال كريمة. قال الله تعالى فى سورة يونس: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦]، جاءت هذه الآية الكريمة ردا على اقتراح المنكرين فى الآية السابقة: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: ١٥]، وفى هذا الاقتراح منهم رمز وإشارة بأنه إنما أتى بهذا الكتاب من عنده لا من جهة الوحى. وبيان ذلك أن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علما، ولم يشاهد عالما، ولم ينشئ قريضا ولا خطبة، ثم قرأ عليهم كتابا بذت فصاحته كل منطق، وعلا على كل منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد علمى الأصول والفروع، وأعرب عن

стр. 75

أقاصيص الأولين، وأحاديث الآخرين على ما هى عليه، علم أنه معلم به من الله تعالى. وما أبدع قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦]، أى أفلا تستعملون عقولكم لتعلموا أن مثل هذا الكتاب العظيم ممن لم يتعلم ولم يتتلمذ، ولم يطالع كتابا، ولم يمارس مجادلة، إنه لا يكون إلا على سبيل الوحى. والآية فى فحواها ومعناها جواب عما دسوه تحت قولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: ١٥] من إضافة الافتراء إليه ﷺ ، فهذا محمد قد انقضى شبابه وولى، وأشرف على نهاية العقد الرابع من عمره، دون أن يبدو من أمره شىء خارق، أو يند عن المألوف فى قومه إلا اشتهاره بالصدق والأمانة. وفجأة، وفى هذه الفجاءة السر كل السر، إذا هذا الرجل الذى قطع ثلثى عمره هادئا ساكنا، يصبح داعية حق، فيقذف بالحق الإلهى على الباطل الجاهلى فيدمغه، آخذا بيد قومه إلى حيث نور الحقيقة الكبرى. ثم لم يلبث أن اتصل ﷺ بملوك الأرض وأباطرتها عن طريق الكتب والرسائل، يدعوهم إلى الهدى والرشاد، منذرا لهم بعذاب أليم، إن هم صموا آذانهم عن سماع دعوته، واعدا إياهم جنة النعيم إن هم آمنوا برسالته، ثم أتبع القول العمل، فسيّر جيوشه فى غزوة تبوك إلى حدود الشام. وإن هو إلا وقت يسير بعد وفاته، حتى قام خلفاؤه الذين استقوا من نبعه واهتدوا بهديه يكتسحون الدنيا شرقا وغربا، وما هى إلا ثمانون سنة على ما قدره المؤرخون حتى كان أكثر من مائة مليون من البشر يدينون بدين هذا الأمى العربى عن طواعية واختيار وحب وإكبار. واليوم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان يزيد أتباعه عن ألف مليون من البشر، وهم فى ازدياد مستمر. وهذا أمر منقطع النظير، وحدث لم تشهد الدنيا له مثيلا بإجماع أهل الرواية والنقل الذين أنصفوا الحقيقة وصانوا لها حرمتها وقداستها. هذا بالنسبة لتأسيس الدولة وقيامها فى تلك المدة الوجيزة، أما ما احتوته الدعوة من حقائق ونظم وتشريع، فهو أمر فوق القدر، ولا يأتى به إلا خالق البشر، فلو نظرنا إلى ما فى القرآن من تشريع لوجدنا فيه من القوانين والمبادئ الأساسية لتنظيم حياة الفرد والجماعة فى حالتى السلم والحرب ما لا زيادة عليه لمستزيد، فالحرية، والإخاء، والمساواة، والشورى، والتعاون الفردى والجماعى، كل ذلك نبه عليه القرآن وجلاه منذ

стр. 76

أربعة عشر قرنا من الزمان، فالحاكم والمحكوم أمام قانون الشريعة سواء، يقام الحد على أعظم الملوك سلطانا، وعلى أقل الناس شأنا، وفى فرض الزكاة تعاون جماعى بين المسلمين وترابط قوى بينهم، يقيهم مصارع الهلكة، ومأساة البغى والحسد، كما أنه لا تفاضل فى الإسلام الذى جاء به محمد ﷺ بالنسب، والمنصب، والجاه، بل بالتقوى، أعنى معرفة الله وتوحيده وطاعته، وما أبدع قول من قال: لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على الحسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الحسيب أبا لهب وفى هذا المعنى يقول عمر فى شأن أبى بكر الذى أعتق بلالا، رضى الله عن الجميع: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، إلى غير ذلك مما تضيق به الصحائف، ولا يتسع له الوقت، فالحق أنا لا نجد تفسيرا لهذا الذى جاء به محمد ﷺ إلا أنه وحى من عند الله رب العالمين الذى أحاط بكل شىء علما. ونسوق كذلك بعض آيات من القرآن الكريم تضمنت شيئا من الأبحاث الكونية والطبيعية التى لا مفر للماديين من الاعتراف بها، وبذلك يكونون محجوجين ملزمين بأن ما أتى به محمد ﷺ وحى إلهى، وبالتالى أنه رسول حقا ويقينا. ١ - قال الله تعالى فى سورة يونس: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: ٥]. ففي قوله: ضِياءً إشارة إلى ما قرره الباحثون فى هذا الباب من أن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس، حيث أن لفظ: ضِياءً يدل على معنى أجمع وأقوى من كلمة: «نور»، وفى قوله: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، إشارة إلى علم الهيئات الذى هو فرع مهم من فروع علم الفلك، تدور عليه مصالح الناس ومواقيتهم. ٢ - قال تعالى فى سورة الحجر: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الحجر: ١٩]، وقال بعد آية واحدة من نفس السورة: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: ٢١]. فالآيتان تشملان ما قاله الباحثون فى الطبيعيات، من أن العناصر الداخلة فى تركيب الأجسام تكون على نسب معينة، وموازين مقدرة، كما قال تعالى فى سورة

стр. 77

الرعد: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرعد: ٨]، فالماء مثلا مركب من أوكسجين وهيدروجين بنسبة (١ - ٢) وهكذا. ٣ - قال الله سبحانه فى سورة الأنعام: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: ٣٨]، وفى ذلك إشارة إلى علم التاريخ الطبيعى، فبين الإنسان وهذه الكائنات تشابه فى الأجهزة الهضمية والتنفسية ... إلخ. ٤ - قال الله جل شأنه فى سورة الأعراف: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١]، ونلمح هنا مبدأ هاما من مبادئ علم الصحة الغذائى. ٥ - قال تعالى فى سورة المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: ٣]، وفى ذلك إشارة إلى ما يسمى بالطب الوقائى. ٦ - قال سبحانه فى سورة النساء: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: ١١٠]. وفى ذلك إشارة إلى مبدأ هام من مبادئ الطب النفسى، ولقد عد علماء المسلمين اليأس من رحمة الله كبيرة من الكبائر، أخذا من قوله تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: ٨٧]، كما عدوا الأمن من العقوبة كبيرة من الكبائر، إذ فى ذلك انتشار الفوضى، وانتهاك الحرمات، والجناية على الأنفس والأموال، ومن هنا قال القرآن الذى جاء به محمد ﷺ فى صفة المؤمن الصادق: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩]. ٧ - يقول ﷻ فى سورة مريم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨]. وفى ذلك إشارة إلى علم الوراثة وقوانينها، غير أنه لا يغيب عن البال ما قدمناه سابقا أثناء الكلام عن المطلب الأول عند الحديث عن مظاهر التدبير الإلهى، من أن عوامل الوراثة ليست ذاتية، بل هى سبب عادى يصح تخلفه.

стр. 78

٢ - إلزام القرآن للمليين ويتضمن هذا القسم: بحث آيات القرآن التى تخص اليهود وحدهم بالخطاب، وتلزمهم الحجة والبرهان، وآيات تخص النصارى وحدهم، ثم آيات تجمع بينهم فى خطاب واحد، تدعو كلا من الفريقين إلى الإيمان والتوحيد على مقتضى رسالة محمد ﷺ . ولما رأينا بعض المعاصرين، وهو المحامى أحمد حسين، فى كتابه: فى الإيمان والإسلام، قد خالف صريح النص القرآنى الناطق بكفر أهل الكتاب من اليهود والنصارى، نبهنا على ذلك، ورددنا عليه بمقتضى الأصول والموازين الصادقة، وقد قدمنا بين يدى البحث تمهيدا نبين فيه ما يجب على المكلف اعتقاده كما وضحته الآيات القرآنية. كانت سورة البقرة من السور الطوال التى فصلت فيها الأصول، والأدلة، والأحكام، ولذلك وجدنا فيها المطالب الثلاثة التى تلزم كل مكلف، وتتحتم عليه مؤيدة بالدليل والبرهان، وهذه المطالب هى: ١ - التوحيد. ٢ - نبوّة سيدنا محمد ﷺ . ٣ - المعاد. أما الأول: وهو التوحيد: فقد ذكره الله تعالى فى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، إلى قوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، فإنه لما ذكر فى أول السورة قبل ذلك فرق المكلفين من: المؤمنون، والكافرين، والمنافقين، وصفتهم وأحوالهم، وما اختصت به كل فرقة، أقبل عليهم بالخطاب ملتفتا عن الغيبة، فأمر ونهى، ودعا إلى عبادته وحده، ثم وصف نفسه بأوصاف دالة على وحدانيته من خلقهم وخلق من قبلهم أحياء قادرين، وخلق مفترشهم ومستقرهم الذى لا بدّ لهم منه، وخلق ما هو كالخيمة المضروبة على هذا المستقر، ومن ربط المظلة على المقلة بإنزال الماء، والإخراج به من بطنها فى أشباه النسل الناتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبنى

стр. 79

آدم تذكيرا لهم بأعظم نعمه؛ ليستدلوا به على وحدانية المنعم من حيث إنه لا يقدر عليه غيره، فإن تذكير النعمة يوجب المحبة، وترك المنازعة، وحصول الانقياد، ويدعو إلى مقابلتها بالشكر لمنعمها. وتخصيص نعمة الوجود، وما تتوقف عليه الحياة من المسكن والمعاش لكونها أدعى إلى التفكير فى أن هذه النعم المخلوقة لا يقدر على إيجاد شىء منها إلا خالق ليس كمثله شىء، حتى يتيقنوا بأن ربهم إله واحد منزه عن الشركاء والأنداد، ولا يجعلوا شيئا من المخلوقات ندا له، وهم يعلمون أن شيئا منها لا يقدر على نحو ما هو قادر عليه. أما الثانى: وهو نبوّة محمد ﷺ : فقد أفصح له سبحانه بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة: ٢٣]، ففي هذه الآية الكريمة احتجاج قائم على نفى الريب عن القرآن، وهو يتضمن فى الوقت نفسه الاحتجاج على صدق محمد ﷺ فيما ادعاه من النبوّة؛ لأن حقيقة القرآن تستلزم ذلك، فكانت هذه الآية من دلائل النبوّة بهذا الاعتبار. والآية تعلم الكافة بنبوّة سيدنا محمد ﷺ من حيث القرآن المعجز بفصاحته وإفحامه من طولب بمعارضته، إلا أنهم لقصور نظرهم لم يتفطنوا لإعجازه، وقالوا: إنه مختلق مفترى، ويبعد كونه كلام الله تعالى؛ لأنه لو كان من عند الله تعالى، لأنزل جملة واحدة مخالفا ما يكون من عند الناس؛ لأن ما يوجد عندهم من الكلام المنظوم والمنثور إنما يوجد مفرقا منجما حينا بعد حين، شيئا بعد شىء، حسبما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة. فلما رأوا القرآن العظيم هكذا نجوما، سورة بعد سورة، وآيات بعد آيات، حسب النوازل، وكذا الحوادث، قالوا: هذا لا يشبه كلام الله تعالى، وإنا لفى شك منه مريب؛ لأنه لو كان كلام الله تعالى لأنزله جملة واحدة على خلاف عادة الناس، كما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢]، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ... [البقرة: ٢٣] الآية، أى إن ارتبتم فى هذا الذى نزل على التدريج، فهاتوا أنتم نجما من نجومه، فإنه أيسر عليكم من أن ينزل دفعة، فيتحدى بالمجموع، فيكون التحدى حينئذ بكل القرآن لا ببعضه كما

стр. 80

هو الحال فى نزوله منجما، فقد جعل ما اتخذوه وسيلة إلى القدح وسيلة إلى تبكيتهم وإلزامهم، وهى غاية التبكيت والإلزام، فإنهم طولبوا مرة بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨]. ومرة بأن قيل لهم: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣]، فالحجة فى إثبات نبوّته، ﵊، هى القرآن، إلا أنهم لما ارتابوا فى حجته، وطعنوا فيه باحتمال كونه مفترى، أزال شبههم بهذه الآية التى بيّن بها إعجازه، فإنهم إذا عجزوا عن الإتيان بما يوازى أقصر سورة منه، ظهر كذبهم فى تجويز الاختلاق والافتراء، وتبين كونه من عند الله تعالى، كما يدعيه من نزل عليه، وقد عرفهم الله تعالى بهذه الآية ما يتعرفون به إعجازه وكونه نازلا من عند الله تعالى كما يدعيه من نزل عليه، وهو أن يمتحنوا أنفسهم ويجربوا طبائعهم هل يقدرون على إتيان ما يوازى أقصر سورة مما أتى به من لم يكتب، ولم يقرأ، ولم يخالط القراءة. فهو تعالى لما بين بهذه الآية ما هو الحجة على نبوّته، ﵊، بعد ذكره الحجة على وحدانيته، صارت الآيتان بمنزلة أن يقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأما الثالث: وهو ثبوت المعاد: فإن الله تعالى ذكر الدليل عليه بقوله سبحانه: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: ٢٤]، أى فاتقوا الفساد المستلزم له دخول النار، فاتقاء النار كناية عن اتقاء الفساد المستلزم له. وبيان ذلك وإيضاحه: أنه تعالى لما بيّن لهم ما يتعرفون به أمر الرسول ﷺ ، وما جاء به، وميز لهم الحق من الباطل، رتب عليه ما هو كالخلاصة والفذلكة له، وهو أنكم إذا اجتهدتم فى معارضته وعجزتم جميعا عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه، ظهر أنه معجز، والتصديق به واجب، فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب، وفى هذا إثبات للمعاد من حيث إنهم لن تكون منهم معارضة أبدا، وعليه فالواجب عقلا ومنطقا أن يصدقوا بالقرآن وبكل ما جاء فيه مما يعم الوعد والوعيد فى دار البقاء. ولا بدّ لنا من أن نبين، ونحن فى هذا المقام، كيف أفاد لفظ النَّاسُ فى الآية السابقة العموم، فنقول: استدل العلماء على أن الجموع المحلاة بالألف واللام نحو: الرجال، والنساء، وأسماء الجموع نحو: القوم، والرهط، والناس تفيد العموم والاستغراق بثلاثة أوجه:

стр. 81

الوجه الأول: صحة الاستثناء منها، وقد تقرر أن الاستثناء لا يكون إلا من العام؛ لأنه يخرج ما لولاه لدخل، فلو قلت: رأيت الناس، لصح استثناء كل واحد من أفراد الناس من الناس، ولو قلت: كلمت القوم، لصح استثناء كل واحد من أفراد القوم من القوم، قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [الحجر: ٤٢]، فإنه استثنى من الجمع المضاف إلى المعرفة، فعلم أنه للعموم كالجمع المحلى بالألف واللام. الوجه الثانى: أنه يصح تأكيدها بما يفيد العموم، كقوله سبحانه: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: ٣٠]، والتأكيد تقرير ما يفيده المتبوع، فلو لم يكن لفظ الْمَلائِكَةُ للعموم لما كان قوله: كُلُّهُمْ تأكيدا له. الوجه الثالث: استدلال الصحابة بعمومها من غير نكير، فإنه لما وقع الاختلاف بعد رسول الله ﷺ فى أمر الخلافة، فقال الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، تمسك أبو بكر، رضى الله تعالى عنه، بقوله ﷺ : «الأئمة من قريش»، ولم ينكره أحد، يعنى أن جمهور الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، سلموا أن الجمع المعرف بالألف واللام، وهو لفظ الأئمة الواقع فى الحديث يفيد العموم والقصر عليهم. وبناء على هذا فكلمة النَّاسُ فى الآية الكريمة تعم الموجودين وقت النزول عموما مستفادا من النظر إلى جانب اللفظ، واعتبار كونه موضوعا للعموم مع قطع النظر عن القرائن الخارجية، بخلاف من سيوجد بعد وقت النزول، فإن لفظ النَّاسُ وإن كان يعمهم أيضا، إلا أن عمومه ليس بجهة لفظ فقط، بل بالنظر إلى القرينة الخارجية، وهو ما تواتر من دينه، ﵊، أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين، ثابت إلى قيام الساعة، إلا ما خصه الدليل وأخرجه عن الدخول تحت مقتضى خطابه وأحكامه ممن لا يفهم الخطاب كالصبى، والمجنون، والمغمى عليه، والناسى، ومن لا يقدر على إتيان المأمور به وترك المنهى عنه. وإنما كان لفظ النَّاسُ فى هذه الآية لا يتناول بجهة لفظه من سيوجد بعد وقت الخطاب؛ لأنه خطاب مشافهة، فهو لا يتعلق بالمعدوم، وإنما يتعلق بمن وجد فى ذلك العصر، ولا يثبت الحكم لمن وجد بعدهم إلا بدليل آخر، نصا كان، أو إجماعا، أو قياسا، فإنا قد عرفنا بالتواتر كما تقدمت الإشارة إليه آنفا أن الخطابات المتعلقة بالموجودين فى عصر النبوّة ثابتة فى حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة.

стр. 82

هذا ولا ينافى عموم لفظ النَّاسُ الشامل للمؤمن والمنافق، ما روى عن علقمة والحسن، وهما تابعيان جليلان، أن كل حكم وخطاب نزل فيه: يا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة: ٢١] فمكى، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ١٠٤] فمدنى، فإنه يدل على تخصيص الناس بالكفار الكائنين بمكة، لأنا نقول: إن كان ذلك رأيا لهما، فلا يعترض به على عموم لفظ الآية، وإن كان مرفوعا إلى النبى ﷺ ، فلا يوجب تخصيصه بالكفار، فإن كونه مكيا لا يوجب كون الخطاب متوجها إلى من فى مكة من الكفار فقط؛ لأن أهل مكة ليسوا بمشركين جميعا، بل منهم من هو مؤمن خالص. وقد يقال بناء على هذا العموم: كيف يوجه الأمر بالعبادة إلى الكفار، وليسوا مكلفين بها حال كفرهم؛ لانتفاء شرط صحتها، وهو الإيمان، وهذا الحكم متفق عليه بين الأئمة الشافعية والحنفية. فنقول: أن أمر الكفار بالعبادة معناه أمر بتحصيل شرطها، وهو الإسلام، كأنه قيل لهم: حصلوا أولا شرط العبادة، ثم ائتوا بها، فإن الأمر بالشىء يتضمن الأمر بإتيان ما يتوقف عليه أيضا، كما إذا أمر المحدث بالصلاة، فإنه مأمور بالتوضؤ أيضا ضمن أمره بالصلاة ضرورة أن وجوب الشيء يوجب وجوب ما لا يتم ذلك الشيء إلا به، وقد يقال أيضا، بناء على هذا العموم: أن خطاب اعْبُدُوا على تقدير عمومه لفرق المكلفين من مؤمنين، وكافرين، ومنافقين، يستلزم إما استعمال اللفظ المشترك فيما وضع له عموما، وإما عموم المجاز، فإن العبادة التى أمر بها كل فريق غير العبادة التى أمر بها الفرق الباقية. فنقول: استعمل لفظ اعْبُدُوا فى المعانى المختلفة للفظ العبادة، وظاهر أن أحداث العبادة فى المستقبل معنى حقيقى له، فإن كانت المعانى الأخرى كذلك يلزم الأمر الأول، وإلا يلزم الأمر الثانى، فإن المأمور به هو القدر المشترك بين تلك المعانى، وليس له معان متعددة حتى يلزم أحد المحظورين، بل له معنى واحد وهو القدر المشترك بين أفراده، فالمطلوب على هذا من المؤمن، والكافر، والمنافق، قدر مشترك بينها، وهو الاتجاه إلى الله تعالى، فيكون معناه بالنسبة للكفار، إحداث العبادة بعد تحصيل شرطها على ما تقدم، وبالنسبة للمؤمن زيادته فى العبادة واستمراره فيها، وبالنسبة للمنافق تخليص قلبه من غير الله تعالى.

стр. 83

وإذا ما قيل بعد هذا: أن سورة البقرة مدنية باتفاق، قلنا معناه: أن أغلبها لا كلها، أو إن القاعدة أكثرية لا كلية، فقد يكون بعض السور مدنيا وفيه: يا أَيُّهَا النَّاسُ كسورة البقرة، وقد يكون بعض السور مكيا وفيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كسورة الحج. تأكيد وتقرير لهذه المطالب الثلاث: نعم أكد القرآن الكريم هذه المطالب الثلاثة، حيث أورد الله تعالى عقب تلك المطالب تعداد النعم العامة لجميع بنى آدم، حيث قال جل شأنه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ إلى قوله سبحانه: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨، ٢٩]، فقد سيقت هاتان الآيتان تعدادا لنعم بنى آدم، وهذه النعم تقرر دليل الوحدانية من حيث إنها أمور حادثة لا بدّ لها من محدث منفرد بوجوب الوجود، وصفات الكمال، وتقرر دليل المعاد أيضا من حيث إن تلك النعم مشتملة على خلق الإنسان وأصوله، فإنهم كانوا فى الأصل أجساما لا حياة لها، عناصر وأغذية، وأخلاطا نطفا ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة، تامة الخلق، وغير تامة الخلق، ثم أحياها الله تعالى بخلق الأرواح ونفخها فيها، ومشتملة على خلق ما هو أعظم من ذلك، وهو ما فى الأرض والسموات، ولا شك أن من قدر على خلق هذه الأمور ابتداء قادر على خلقها إعادة. وأما تقرير نبوّة سيدنا محمد ﷺ ، فيؤكده ويقرره قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠]، إلى آخر القصة من حيث إن نبينا، ﵊، أخبر عن أحوال آدم وحواء، وما وقع لهما من الحوادث والجزئيات التى لم يقف عليها إلا من له المعرفة بالكتب السماوية، فإنها مذكورة فيها، وهو ﵊، نشأ بين قوم أميين ولم يعرف بالاختلاف إلى أحد من أهل الكتاب، ولم يكن له معرفة بألسن الذين ذكرت القصص فى كتبهم، ولم يغترب عن وطنه مدة يمكن التعلم منها، ولم يوجد النكير ممن له المعرفة بالكتب فى شىء مما أخبر به. فدل ذلك على أنه علم من طريق الوحى من الله تعالى إليه، فكان ذلك دليلا قطيعا على نبوّته، إذ لا يعلم الغيب إلا الله تعالى ومن ارتضاه لرسالته، فيظهر الغيب عليه ليبلغه إلى الخلق لينتفعوا بما فيه من إصلاح دينهم ودنياهم.

стр. 84

ولا شك بعد هذا البيان والإيضاح، أن القرآن حجة بينة عامة شاملة، لا تختص بطائفة دون أخرى، ولا مذهب دون سواه، من حيث إنه نزل وهو يحمل فى طيه وبين ثناياه الدليل على أنه من عند الله تعالى، حيث إن أحدا لم يستطع أن يحاكيه، ولا أن يعارضه فى أى ناحية من النواحى فى نظمه ومعانيه، فى تشريعه وأحكامه، فى قصصه وأخباره، فكان ذلك حجة بالغة وآية بينة لكل مكلف فيما طلب إليه أن يقوم به من عقيدة، وامتثال أمر، واجتناب نهى. نعم، عجز الكل عن معارضته وهم يرونه مكتوبا، ويسمعونه مقروءا بلسان عربى مبين، فليس هو من الأحاجى والألغاز، ولا من الطلاسم والأسرار، وليس محجوبا عنهم ولا خافيا عليهم. وكم تكرر وصف الله تعالى له بأنه كتاب مبين، وبأنه قرآن عربى، عجزوا عن معارضته، وهو يصف من كذب به بأنه أصم، وأبكم، وأعمى، وأنه فى الظلمات ليس بخارج منها، وأنه شر من الدواب، وأن له فى الآخرة نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى. عجزوا عن معارضته وهو يبين أن أعمال الخير الصادرة ممن كفر به: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور: ٣٩]، فما كان أيسر لهم أن يعارضوه لو استطاعوا ليزيلوا عن أنفسهم هذه النقائص، ويريحوا أفئدتهم من هذا العناء، ويخلصوا وجودهم من هذا الشقاء المضنى الأليم. عجزوا عن معارضته وهو يقول لهم: لَنْ تَفْعَلُوا المعارضة ولن تستطيعوها، فأربى بذلك على الغاية، وأتى على ما فوق النهاية، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]. عجزوا عن معارضته وهو يقول فى محكم آياته: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]، ويقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤]. فهو يأمرهم بمقتضى هذه الآيات أن يتدبروه، وأن يتفهموه، وأن ينظروا فيه حتى لا تبقى لهم شبهة يتعللون بها، ولا وهم يتمسكون به، يعنى فالقرآن العظيم مصدق لنفسه فيما جاء به من نفائس علم التوحيد، وحقائق علم الأحكام، وأسرار قصص الأولين، بسبب الإعجاز الذى هو حقيقة من حقيقته، وركن من أركان معناه، وهذا ما يجب ألا

стр. 85

يغيب عن البال، وأن يكون فى قرارة كل نفس مؤمنة بالقرآن. فالملحد حين يقول: إنى لا أومن بما جاء فى القرآن من حقائق وعلوم، إلا إذا ثبت ذلك عندى بالدليل العقلى، نقوله له: إن القرآن يحمل معه الدليل العقلى على أنه من عند الله تعالى، وهو تحديه لكل الخلائق وعجزهم عن المعارضة كما بينا، فهات ما عندك من المعارضة، وإلا فأنت محجوج بالبرهان الصادق، وملزم بالدليل الصحيح. وإن لم يكن فى استطاعتك وحدك أن تأتى بالمعارضة، فضم إلى نفسك من يساويك، أو أعلى منك من عموم الإنس والجن إن أمكنك، ونعلمك من الآن أنكم جميعا عاجزون مقهورون، فسلم دون مكابرة، ولا معاندة، واعلم أنه تنزيل من رب العالمين، وسيبقى القرآن كذلك غالبا غير مغلوب، قاهرا غير مقهور، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. وأما إذا لم تكن من أهل البحث والنظر، فألق قيادك لأهل العلم، وانضو تحت لوائهم، فهم العارفون بالحقيقة والأمناء عليها، وهم حماتها والحراس عليها، وصدق القائل إذ يقول: وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار هذا وليعلم أن هذا الإعجاز خاص بالقرآن دون الكتب السابقة، فكل واحد منها وإن تعين صدقه بأن صدق الله تعالى مبلغه بأن أظهر على يديه من المعجزات القاهرة ليس معجزا مصدقا لنفسه، ومن هنا، أى من حيث إن القرآن العظيم مصدق لنفسه بسبب كونه معجزا كان مصدقا للكتب المتقدمة، معيارا عليها، شاهدا على مضمونها، وصحتها. تلكم هى المطالب الثلاث مع أدلتها، والتى تلزم جميع فرق المكلفين، بما فى ذلك اليهود والنصارى، إلا أن الله تعالى خص اليهود والنصارى بالذكر؛ لما لهم من شرع سماوى سابق، ووحى إلهى ماض، فكان كفرهم أفظع، ومخالفتهم أفحش، وهو ما نذكره فيما يلى. هذا وقد قدمنا لك بسطا وإيضاحا لهذه المطالب الثلاثة من حيث إثباتها، والرد على من أنكرها وكفر بها من الماديين فى القسم الأول.

стр. 86

محاجة القرآن لليهود: قال الله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٤٠ - ٤٢]. بنو إسرائيل: بنو إسرائيل هم اليهود خاصة، وإن كانت الكلمة بأصل وضعها تشمل اليهود والنصارى، من حيث إن إسرائيل لقب يعقوب، ﵇، فمعنى إسرا بالعبرانية عبد، وإيل الله، فمعناه عبد الله، وقيل: صفوة الله، ولا شك أن النصارى من أبنائه، وهم فى الأصل قوم من اليهود آمنوا بعيسى، ﵇. ودليل هذا الاستعمال أن القرآن حين قال هنا: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [البقرة: ٤٠]، ذكر ما أنعم على أسلافهم من فلق البحر، وإنجائهم من فرعون، وغير ذلك من النعم التى لم تعرف إلا عند اليهود، دون النصارى، كذلك قال تعالى فى سورة المائدة: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة: ١٢]، إلى أن قال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٤]، ثم جمعهما فى خطاب واحد بعد ذلك حيث قال جل شأنه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ [المائدة: ١٥]، وكذلك قال فى هذه السورة أيضا: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ [المائدة: ٧٠]، ثم قال بعد ذلك: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: ١٧]، ثم جمعهما فى خطاب واحد، فقال: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء: ١٧١]. وهؤلاء اليهود خصهم الله تعالى بالذكر، وطالبهم بالإيمان بما أنزل على محمد ﷺ ، وأتى لهم بأدلة خاصة تلزمهم بعد أن أدخلوا فى عموم الخطاب السابق فى قوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١]، وذلك لما لهم من العلم والإيمان بالتوراة، فالخطاب فى قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ [البقرة: ٤٠] لعلماء اليهود، بقرينة قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: ٤١]، أى لا تكونوا أئمة فى الكفر

стр. 87

يقتدى بكم أتباعكم، فتكونوا حاملين لأوزاركم وأوزارهم، كما قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل: ٢٥]، والجهال لا يقتدى بهم، فلا يكونون أول الكفار، خاطبهم الله تعالى، وأمرهم أن يذكروا نعم الله عليهم، استمالة لقلوبهم، وتحريضا على أداء شكرها، وتوبيخا على إعراضهم عنه، وأمرهم بعد تذكير النعم أن يوفوا بعهوده؛ ليكونوا أئمة فى الإيمان به، ﵇، وبما أنزل عليه. نعم الله على بنى إسرائيل: والنعم على بنى إسرائيل كثيرة، منها أنه تعالى استنقذهم من فرعون وقومه، وأورثهم أرضهم وديارهم، وأنزل عليهم الكتب، وجعل فيهم أنبياء، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وهذه النعم وإن كانت على أسلافهم، فهى نعم عليهم أيضا؛ لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء، من حيث إن الأبناء يشرفون بشرف الآباء. وقيل: أراد بالنعم ما أنعم الله به على آبائهم وعليهم، حيث أدركوا زمن النبى ﷺ ، وبناء على هذا يكون انتظام الآية بما قبلها حسنا جدا من جهة أنه تعالى لما عرض لهم من أول هذه السورة إلى هذا الموضع مرارا متعددة، حيث ذكر نفاقهم، وعذابهم الأليم على هذا النفاق، وعدد ما أنعم به على كافة البشر من نعمه العامة التى من جملتها تكريم أبيهم آدم، ﵇، وأنكر قبح حال من يكفر بالله الذى أنعم بمثل هذه النعم، ثم خاطب الكل بقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٣٨]. ومن هنا كان تخصيصهم بالخطاب من بين المخاطبين بعد ذكر الخطاب العام فى قوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة: ٢١] حسن الموقع جدا من حيث إنهم قد آتاهم الهدى، وتمكنوا من الانتفاع بالنعمة العظمى، وهى نعمة من أرسله الله تعالى رحمة للعالمين فى وقت اختلافهم وتغييرهم الكتاب، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، وقد خص أسلافهم من جلائل النعم بما لم يظفر بمثله أحد، فأمروا بشكر هذه النعم حتى يكونوا ممن أدى شكر سوابق النعم ولواحقها. ولم يرض بعض العلماء بهذا القول بناء على أن حمل النعمة على ما ذكر يحتاج إلى

стр. 88

تكلف، إما أن يحمل قوله تعالى: الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٤٠] على حذف كلمة (وعلى آبائكم)، وإما أن يجعل الخطاب لجميع بنى إسرائيل الحاضرين والغائبين بتغليب الحاضرين، فإنه لو لم يتكلف أحد هذين الوجهين، للزم أن يجمع بين الحقيقة والمجاز فى قوله تعالى: عَلَيْكُمْ بأن يراد ما أنعم به عليهم وعلى آبائهم. وقيل: أراد بقوله تعالى: أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ما أنعم به على جميع البشر من خلقهم أحياء قادرين، ومن خلق جميع ما فى الأرض، ثم تسوية السموات السبع لينتظم جميع ما يصلح به أمر معاشهم ومعادهم، إلى غير ذلك من النعم الشاملة لجميع المكلفين، فعلى هذا فالخطاب وإن كان خاصا ببنى إسرائيل لكونهم مقصودين بالتبكيت، حيث إن هذه السورة أول سورة نزلت بالمدينة، وقد آمن من أجلها من آمن، ولم يبق إلا معاند، ونعنى ببنى إسرائيل اليهود الذى نسوا نعمة الله عليهم، وتركوا شكرها، إلا أن جميع الناس يشاركونهم فى حكم هذا الخطاب، وهو وجوب ذكر نعمته تعالى عليهم لما رزقوا من فنون النعم التى لا تحصى، وعلى هذا يقال: ما دام المراد بالنعمة النعمة العامة لكل البشر، فلم قيدت النعمة بهم، حيث وصفها بقوله تعالى: الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ؟. فنقول: قصد بهذا استمالة قلوبهم، وحملهم على أداء شكرها فيما أمر به ونهى عنه، وهذا المقصود إنما يتم إذا لوحظت النعم باعتبار وصولها إلى المنعم عليه، مع قطع النظر عن حصولها لغيره، فإن هذه الملاحظة بهذه الجهة توجب استمالة قلوبهم، وتحملهم على أداء شكرها. والذى يتخلص فى بيان المراد من النعمة عليهم: إما أن يكون المراد بالنعمة عليهم نعم آبائهم خاصة، ويكون المراد من قوله سبحانه فيما بعد: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة: ٤٩] التأكيد والتقوية لهذا المعنى، وإما أن يكون المراد نعم آبائهم الماضين، ونعمه سبحانه عليهم فى إدراكهم زمن محمد ﷺ ، ويكون قوله سبحانه: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ تأكيدا أيضا بالنسبة لنعم الآباء الماضين على ما هو ظاهر، وإما أن يكون المراد بالنعمة عليهم ما أنعم به على جميع البشر، كما تقدم إيضاحه، ويكون قوله: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ تأسيسا لا تأكيدا كما لا يخفى. ثم ليعلم أن الكلام جرى معهم من هنا يا بَنِي إِسْرائِيلَ [البقرة: ٤٠] إلى

стр. 89

حزب: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [البقرة: ١٤٢]، فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم كما بينا، وتارة بتوبيخهم على سوء أعمالهم وذكر عقوبتهم التى عاقبهم بها، وكان فى ذكر هذا كله وإيضاحه وتفصيله على لسان نبينا محمد ﷺ ، وهو النبى الأمى الذى لم يقرأ، ولم يكتب، ولم يخالط أحدا ممن له دراية بالقراءة والكتابة، أصدق شاهد وأكبر برهان على نبوّته ﷺ وصحة دعوته لهم ولغيرهم، وعلى وجوب الانضواء تحت لوائه، والتصديق بما جاء به. قال سيدى عبد الرحمن الثعالبى الجزائرى فى تفسيره المرسوم بالجواهر الحسان فى تفسير القرآن ما نصه: قال الطبرى: وفى إخبار القرآن على لسان النبى ﷺ بهذه المغيبات التى لم تكن من علم العرب، ولا وقعت إلا فى خفى علم بنى إسرائيل دليل واضح عند بنى إسرائيل وقائم عليهم بنبوّة نبينا محمد ﷺ . تصديق القرآن لما سبقة: ولنتكلم على قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: ٤١]، اندرج الأمر بالإيمان بالقرآن فى قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: ٤٠] فى الآية قبل، إلا أنه أفرد الأمر به على طريق عطف الخاص على العام، تنبيها على شرفه من حيث إنه طاعة مقصودة فى نفسها، متعبدة بذاتها، لا تتوقف صحته واعتباره على شىء آخر من الطاعات، بل هو عمدة يعتمد عليه سائر الطاعات، وبه اعتبارها، وأنها من فروعه وثمراته. ولما كان أصلا مقصودا بالذات من التكليف، ورعاية الوفاء بالعهود، صار كأنه أمر مغاير للعهود المأمور بإيفائها. وقوله: مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ، وجه تصديقه لما معهم من الكتب من حيث إنه نازل حسبما نعت فيها، أو مطابق لها فى الدعاء إلى التوحيد، والأمر بالعبادة، والعدل بين الناس، والنهى عن المعاصى والفواحش، وغير ذلك من الأمور التى لا تتبدل باختلاف الأمم والأديان، فلا يجرى فيها النسخ، فهو مصدق لها فى هذه الأمور، ومصدق لها كذلك فيما يخالفها من جزئيات الأحكام وفروعها بسبب اقتضاء مصلحة كل قوم وزمانهم، من حيث إن كل واحدة منها حق بالنسبة إلى زمانها، ومنسوخة عند انقضاء زمانها، فالجزئيات المخالفة بحسب الزمان كحل فعل ما، وحرمته متطابقة من حيث إن كل واحدة منها حق تقتضيه مصلحة كل قوم وزمانهم.

стр. 90

قال الإمام زادة (١): قال الراغب: لا منافاة بين ما أتى به الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، من أصول العبادات، وأنهم كنفس واحدة، من حيث إنه يتساوى دعاؤهم إلى التوحيد والأركان الثلاثة من الشرائع، التى هى العبادات الخمس، وأحكام الحلال والحرام، والمزاجر، وإنما الاختلاف بينهم فى جزئيات الأحكام وفروعها، كيفما تقتضيه مصلحة كل قوم وزمانهم، فكل نبى مصدق للآخر فيما أتى به، من حيث إن كليات شرائعهم متساوية، وأن فروعها حق بالإضافة إلى زمان كل واحد منهم وأمته، حتى لو كان أحدهم فى زمن الآخر لم ير المصلحة إلا فيما أتى به الآخر، ولذلك قال ﷺ فى حق موسى بن عمران: «ما وسعه إلا اتباعى»، فعلى هذا وإن كانت فى القرآن أحكام جزئية مخالفة لما فى الزمان الأول والكتب السابقة صورة، فإنها موافقة من حيث إن كل واحد منها مقتضى الحكمة والمصلحة، فظهر من هذا أن المنسوخ موافق للناسخ حقيقة، من حيث إن كل واحد منها مقتضى الحكمة. أ. هـ. والحديث المشار إليه نصه: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى»، وقد رواه الإمام أحمد فى مسنده، كما ذكره الخطيب الشربينى فى تفسيره، فما دام القرآن الكريم مصدقا للكتب السماوية، فاتباع هذه الكتب لا ينافى الإيمان بالقرآن، بل يوجب الإيمان به؛ لكونه مطابقا لها ومصدقا، ولذلك قال جل شأنه: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: ٤١]، فالمقصود به تأكيد الأمر بالإيمان به، وتقوية لإيجابه، كأنه قيل: آمنوا بما أنزلت، بل كان الواجب عليكم أن تكونوا أول من آمن به، لكونه مصدقا لما معهم من الكتب المنزلة عليهم، وواجب عليهم اتباع ما يطابقها بعد الاعتقاد بحقيقته وحقيقة ما فيه من الأحكام، وإلا لم يكونوا معتقدين بحقيقة كتابهم ومتبعين إياه. وقد عرف أهل الكتاب موافقة القرآن الكريم لكتبهم، حيث لم يتكلفوا جمع القرآن إلى كتبهم، ومقابلة البعض بالبعض، ولو كان مخالفا لهم فى زعمهم لفعلوا ذلك حتى يظهر الخلاف، فيظهر كذبه، ﵊، فى قوله: إن القرآن منزل عليه، فينجوا من تعرضه لها، فلما لم يفعلوا، دل ذلك على أنهم عرفوا أن القرآن موافق لكتبهم. نعم عليهم أن يكونوا أول من آمن به؛ لما تقدم من مطابقة القرآن الكريم لما معهم، ولأنهم كانوا أهل نظر فى معجزاته ﷺ ، والعلم بنشأته؛ لأنه قد مرّ أن الخطاب فى

стр. 91

قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ [البقرة: ٤٠] لعلماء أهل الكتاب، فهم أهل النظر والاستدلال بخلاف المشركين وجهلة أهل الكتاب، فإنهم ليسوا مثل هؤلاء العلماء فى أهلية النظر والاستدلال، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، أى يطلبون الفتح والنصرة على المشركين، ويقولون: قد آن بعث النبى الأمى الذى نجده فى التوراة والإنجيل، فإذا بعث فنحن نؤمن به أول الناس كلهم ونقاتلكم معه، وهو ما يصرح به قوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩]، كما أنهم كانوا يبشرون العرب بزمانه ﷺ ، ويقولون: قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا من طلب الاستفتاح والنصر، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فهذه الأمور تقتضى أن يكونوا أول من آمن بالقرآن، وبواسطة اقتضائها يؤمنوا بمحمد ﷺ قبل المشركين والجهلة منهم. تبديل اليهود لآيات الله: وقوله سبحانه: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: ٤١]، اختلف فى الثمن الذى نهوا أن يشتروه بالآيات، فقالت طائفة: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك، وقيل: كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم، وقال قوم: إن الأحبار أخذوا رشى من الحكام على تغيير صفة محمد ﷺ ، وقال قوم: معنى الآية لا تشتروا بأوامرى ونواهى وآياتى ثمنا قليلا، يعنى الدنيا ومدتها، والعيش الذى هو نزر لا خطر له، وهذا القول الأخير هو الأليق، فإن معناه أنهم كفروا بمحمد ﷺ حقدا، وحسدا، وجحدا، وعنادا. كفروا به مخافة أن يفوتهم ما هم فيه من رئاسة، وسيطرة على العامة، يعنى غرتهم الدنيا، ومالت بهم عن الحق الواضح والصراط المستقيم، نعم لو ثبت أنهم كانوا يأخذون الرشوة، أو كانت لهم مآكل على العامة، أو كانوا يأخذون على تعليم التوراة أجرا وهم منهيون عن ذلك، وجب المصير إليه، وإلا فالقول الأخير أوفق وأحكم كما تقدم، ولذلك قال بعض الأئمة: واعلم أن هذا النهى صحيح، سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشى على كتمان أمر الرسول ﷺ وتحريف ما يدل على ذلك كان الكلام أبين.

стр. 92

ثم وبخهم الله تعالى على سوء صنيعهم، وإضلالهم أمر العامة، فقال: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٤٢]، أمروا أولا بتكميل نفوسهم بالإيمان، واتباع الآيات، وترك الضلال، ثم نهوا عن إضلال غيرهم، وإضلال الغير له طريقان، وذلك لأنه إن كان قد سمع دلائل الحق، فإضلاله إنما يكون بتشويش تلك الدلائل عليه بالشبهات الباطلة، وإذا كان لم يسمعها، فإضلاله إنما يكون بكتمها وإخفائها عنه حتى لا يصل إليها ويستدل بها على الحق. فقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، نهى عن الطريق الأول بالإضلال، وقوله: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، نهى عن الطريق الثانى، وهو منعه من الوصول إلى الدلائل، واللبس الخلط، يقال: لبس الحق بالباطل، من باب ضرب، أى خلطه به، وقد يلزمه جعل الشيء شبيها بغيره، وقد لا يلزمه، كما فى خلط التفاح بالزبيب، فإن خلطه به لا يؤدى إلى الاشتباه والالتباس، كما فى خلط الباطل بالحق، بحيث يشتبه أحدهما بالآخر حتى لا يميز بينهما، فيستعمل اللبس الذى فى الآية فى لازم معناه الأصلى، وهو الاشتباه وعدم الامتياز، حتى لا يقال: إنهم لم يخلطوا الحق بالباطل، بل جعلوا الباطل موضع الحق، فإن جعل الباطل موضع الحق يؤدى إلى اشتباه كل منهما بالآخر، وهو المراد المنهى عنه فى الآية الكريمة، فالباء على هذا تكون للاستعانة، كالتى فى: كتبت بالقلم. يعنى أنهم استعانوا على جعل الحق شبيها بالباطل بكتابة الباطل موضع الحق. ولبعض العلماء ملحظ آخر فى توجيه معنى الاستعانة، أنهم لم يكتبوا الباطل موضع الحق، بل أبقوا الحق فى التوراة، ولكنهم صرفوه بالتأويل الفاسد إلى غير معناه المقصود، مثل قولهم: محمد رسول، ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثته حق، وجحدهم أنه ما بعث إليهم باطل، ولعل هذا التوجيه أسلم. فإذا ما قالوا: إنا لم نكتب باطلا موضع الحق، قلنا لهم: ومع ذلك فإنكم صرفتم اللفظ عن غير المراد من غير دليل، ولا برهان، ولذلك استبعد بعض العلماء أيضا كون الباء للتعدية، إذ المعنى عليه: لا تخلطوا الحق الذى فى التوراة بالباطل الذى تكتبونه فيها، فلهم أن يقولوا: لم نكتب باطلا بجانب حق، يعنى فلم يلزمهم، ولم يقطع عليهم كل أعذارهم، إلا أن يكون المعنى: ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التى أوردتموها على السامعين، وذلك لأن النصوص الواردة فى التوراة فى أمر محمد ﷺ كانت

стр. 93

نصوصا خفية يحتاج فى معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يحتالون فيها ويشوشون أوجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، وأما قوله: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، فمعناه إخفاءه عمن لم يسمعه، كما أن قوله: وَلا تَلْبِسُوا معناه التشويش على من سمعه، كما هو واضح مما تقدم، وهذا هو السر فى الجمع بينهما، فلكل منها اتجاه يغاير اتجاه الآخر ويخالفه. ولا بدّ لنا من الكلام على إعراب هذه الجملة: وَتَكْتُمُوا، وبيان هل هى مجزومة عطفا على النهى السابق فى قوله: وَلا تَلْبِسُوا، أو منصوبة فى جواب هذا النهى بأن مضمرة وجوبا بعد واو المعية، إذ المعنى يختلف على كل منهما؟ فنقول: قال فريق: إنها مجزومة داخلة تحت حكم النهى، كأنه قيل: لا تكتموا الحق، فيكون النهى متوجها إلى كل واحد من الفعلين على حدة، أى لا تفعلوا هذا ولا هذا، إذ كل واحد منهما مستقل بالقبح، ووجوب الانتهاء عنه. وقال فريق: إنها منصوبة بإضمار أن فى جواب النهى بعد الواو التى تقتضى المعية، فإن النهى حينئذ هو الجمع بين الفعلين، كأنه قيل: لا تجمعوا بين لبس الحق والباطل وكتمانه، كما فى قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ومعلوم أن «أن» مع ما فى حيزها، تكون فى تأويل المصدر، فلا بد من تأويل الفعل الذى قبلها بالمصدر أيضا؛ ليكون من قبيل عطف الاسم على مثله، والتقدير: لا يكن منكم لبس الحق بالباطل مع كتمانه، وعلى هذا لا يعلم النهى على كل واحد من الفعلين إلا بدليل خارجى. لا يقال: يلزم عليه جواز تلبيسهم بدون الكتمان وعكسه، كما فى: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؛ لأنا نمنع ذلك، إذ النهى عن الجمع لا يدل على جواز البعض ولا على عدمه، وإنما يدل عليه دليل آخر، أما فى مسألة السمك فللطب، وأما فى الآية فلقبح كل منها، وفائدة الجمع المبالغة فى النعى عليهم، وإظهار القبح فى أفعالهم من كونهم جامعين بين فعلين، إن انفرد كل منهما عن صاحبه كان قبيحا، يعنى فالطب فى مسألة السمك هو الذى أجاز أحد الفعلين منفردا عن الآخر، ولم يجوز ذلك النهى عن الجمع فى قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وقبح كل واحد من الفعلين فى الآية منع جواز أحدهما، ولم يمنعه النهى عن الجمع فيها كذلك. وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

стр. 94

جملة اسمية فى محل نصب حال، وعاملها إما تَلْبِسُوا أو تَكْتُمُوا، والمعنى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم لابسون الحق بالباطل كاتمون، فإنه أقبح، إذ الجاهل قد يعذر. تكذيب القرآن لدعاوى اليهود: هذا وقد استمر الكلام مع اليهود إلى حزب «سيقول» كما قلنا قبل ذلك، وفيه الرد عليهم وإلزامهم الحجة ما هو فوق الكفاية، ولنأت من هذا بآيتين سيقتا لغرض واحد وهو: تكذيب القرآن لليهود فى ادعائهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة: ٩٤، ٩٥]، يعنى أن من جملة قبائحهم أنهم كانوا يأمنون من سوء الخاتمة ولا يخافون منها، بل يحكمون بأن الدار الآخرة وما أعد الله تعالى لعباده من الملك العظيم والنعيم المقيم لهم دون غيرهم، كما قال تعالى حكاية عنهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١]، وقولهم: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [البقرة: ١٣٥]، وقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]. وقولهم: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يقول لهم: إن كانت الدار الآخرة لكم كما تزعمون، وإن كنتم أبناء الله وأحباءه كما تدعون، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [البقرة: ٩٤]، وذلك لأن المرء لا يكره الانتقال إلى داره وبستانه، بل يتمنى ذلك، وكذلك المرء لا يكره القدوم على الله تعالى، ولا على حبيبه، ولا يخاف منهما النقمة، بل يتوقع عندهما الكرامات، والدرجات، والعطايا، والهدايا، فإن كان الأمر كما تقولون، فتمنوا الموت حتى تنجوا من غم الدنيا ومن تحمل الشدائد التى أنتم فيها، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٩٤] فى زعمكم بأن الآخرة لكم وأنكم أبناء الله وأحباؤه. فإذا ما قال اليهود اعتراضا على هذا الإلزام: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، فلم لا نرى أن أحدا من المؤمنين يتمنى الموت إذا قيل له: تمن الموت، فكل عذر لاح لكم فهو عذر لنا، فلا معنى لاحتجاجكم بذلك علينا، قلنا: أجاب العلماء عن هذا الإشكال بوجهين: أحدهما: أن المؤمنين لم يجعلوا لأنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله تعالى مثل ما

стр. 95

جعل اليهود لأنفسهم، بل المؤمنين، وإن جل قدرهم، غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لا يزول عنهم خوف الخاتمة، ومن كان قد ابتلى بشيء من الخطايا، فهو مفتقر إلى زمن يتدارك فيه ما فاته، فلهذا لم يتمن المؤمنون الموت، فأما اليهود، فقد ادعوا أنهم من أهل الجنة، وليس بها شىء من الشدة، والدنيا دار شدة وبلية، فلا معنى لامتناعهم عن تمنى الموت لو كانوا صادقين فى دعواهم. وثانيهما: أنهم كانوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وفى تمنيهم الموت وصول إلى أبيهم وحبيبهم فى زعمهم، ولا أحد يرغب ولا ينفر عن الحبيب والأب، فدل امتناعهم من ذلك على كذبهم فى دعواهم، وأما المسلمون فلا يدعون ذلك، ولا يتمنون الموت، بل يرغبون فى امتداد الحياة لمزيد الأعمال الصالحة كما هو ظاهر. وقوله: خالِصَةً الخالص كالصافى، لكن الصافى يقال فيما لم يكن فيه شوب قبل ذلك، ولا يقال: خالص، إلا إذا كان فيه شوب من قبل فزال، وقوله: مِنْ دُونِ النَّاسِ لفظ دُونِ لما كان فى الأصل اسما للقاصر عن الشيء، اعتبر ذلك فى المكان تارة، وفى الشرف تارة، وفى الاختصاص تارة، فيقال فى المكان: دونك هذا، أى خذه من أدنى مكان منك. ويقال فى الاختصاص: هذا إلى دونك، ويقال فى الشرف: فلان دون فلان، أى أقل منه رتبة ومنزلة. فإن قيل: كيف قال: مِنْ دُونِ النَّاسِ والمخاطبون أيضا هم الناس؟ قيل: المراد بالناس أكثرهم، إذ لفظه عام، ومعناه خاص، أى دون باقى الناس وسائرهم. وقال بعضهم: فيه لطيفة، وهى أنه ﷻ يعرض بهم، ويشير بأنهم ليسوا من الناس، والكلمة بأصل وضعها تحتمل المدح والذم، فالمدح نحو قولك: فلان ليس بإنسان، بل هو ملك كريم، والذم نحو قولك: يغرنك من فلان مظهر صلاحه، فهو ليس بإنسان، إذ المعنى أنه أحط إلى درجة الحيوانية، ولا شك أنهم من القبيل الثانى، فهذه هى اللطيفة التى فى الآية التى قال بها البعض. وقد أخبر الله تعالى أنهم لن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم، وفى هذا بيان للعلة التى بسببها لا يتمنون الموت، فإنهم عالمون بما صنعوا من الكفر بعيسى والإنجيل، وبمحمد ﷺ وبالقرآن، وبتحريف التوراة، فيعلمون بما لهم عند الله تعالى من العذاب الأليم والعقاب الدائم، وأنه لا نصيب لهم فى الجنة، وإنما قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ

стр. 96

[المائدة: ١٨]، وأنهم من أهل الجنة على الخصوص بطريق النعت والمكابرة، ولذلك لم يتمنوا الموت. وقد روى عنه ﷺ : «أنهم لو تمنوا الموت، لغض كل إنسان بريقه، فمات مكانه، وما بقى على وجه الأرض يهودى»، والغصة: الشجى، وهو ما تعلق بالحق من العظم ونحوه، ولم ينزل إلى الجوف، والمعنى: لا يقدر على أن يبتلع ريقه فيموت فى مكانه. من دلائل النبوة المحمدية: وهذه الجملة وهى قوله سبحانه: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] إخبار بالغيب، فإن عدم تمنيهم فى المستقبل، وهو غيب لا يعلم بالحس، ولا ببديهة العقل، ولم ينصب عليه دليل أيضا، فكانت الآية من المعجزات الدالة على حقية رسالة سيدنا محمد ﷺ ، فإنه لما أخبر الله تعالى أنهم لا يتمنون الموت أبدا، كان الأمر كما قال، مع أن تكذيبه، ﵇، أهم الأمور عندهم، وأن ما يدعوهم إليه ممكن متوفر بالنسبة إليهم، وأن قولهم: تمنينا الموت، سهل وغير متعسر عليهم، فلو قال أحد منهم، لظهر كذبه، ﵇، فيما أخبر به عن الله تعالى، ولتبين بذلك كذبه فى دعوى الرسالة أيضا، ومع ذلك امتنعوا من أن يقولوا ذلك، وكان الأمر كما قال، فعلم بذلك أنه، ﵇، إنما علم ذلك، وأخبر به، بأن أوحى إليه من عند الله تعالى، وأنه رسول حقا. هذا وقد جاء فى الشفا للقاضى عياض حسبما نقله صاحب تفسير الجواهر الحسان عند هذه الآية ما نصه: ومن الوجوه البينة فى إعجاز القرآن آى وردت بتعجيز قوم فى قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك، كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ ... الآية. قال أبو إسحاق الزجاج: فى هذه الآية أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة الرسالة؛ لأنه قال لهم: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [البقرة: ٩٤]، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا، فلم يتمنه واحد منهم. وعن النبى ﷺ : «والذى نفسى بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه»، يعنى يموت مكانه. قال أبو محمد الأصيلى: من أعجب أمرهم أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله تعالى نبيه بذلك يقدم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنهم. المراد بتمنى الموت:

стр. 97

قال جماعة: هو إرادة بالقلب، مع السؤال باللسان. وقال البعض: هو السؤال باللسان فقط. فإن قلت: من أعلمك أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأنهم لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كما نقل سائر الحوادث، ولكثر ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن فى الإسلام، وهم أكثر من الذر، وليس أحد منهم نقل ذلك. فإن قيل: التمنى من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد، فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا!؟ أجيب: بأن التمنى ليس من أعمال القلوب، إنما هو قول الإنسان باللسان: ليت لى كذا، فإذا قاله، قالوا: تمنى، وليت كلمة تمن، ومحال أن يقع التحدى بما فى الضمائر والقلوب، ولو كان التمنى بالقلوب وتمنوا، لقالوا: تمنينا الموت فى قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. فإن قيل: لم يقولوه؛ لأنهم علموا أنهم لا يصدقون. أجيب: بأنه كم حكى عنهم من أشياء قالوها للمسلمين من الافتراء على الله، وتحريف كتابه، وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه، ولا محمل له إلا الكذب الصرف، ولم يبالوا، فكيف يمنعون من أن يقولوا: إن التمنى من أفعال القلوب، وقد فعلناه مع احتمال أن يكونوا صادقين فى قولهم، وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كاذبا؛ لأنه أمر خفى ولا سبيل إلى الاطلاع عليه. فإن قيل: عدم نقل تمنيهم الموت إلى الآن لا يدل على عدم تمنيهم أبدا. أجيب: بأنه لا محيص عن هذا الإشكال إلا أن يكون الخطاب مع المعاصرين، وقد انقرضوا ولم يتمنوا، وإلا لنقل ذلك واشتهر، فلما لم ينقل، علم أنهم لم يتمنوه. ولعل هذا القول يخالف ما تقدم آنفا عن الشفا نقلا عن أبى محمد الأصيلى، من أن عدم التمنى ثابت للاحقين منهم أيضا، والحاصل أن التمنى إما فعل اللسان، وإما فعل القلب، وأيا ما كان يثبت وهو أنهم لم يتمنوه. من أنباء الغيب: كذلك من الإخبار بالغيب الذى يلزمهم ولا يستطيعون رده، ما أشارت إليه الآية الكريمة فى قوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤]. أنباء الغيب هى ما تقدم قبل هذه الآية من ذكر قصة زكريا، ويحيى، ومريم، وأمها

стр. 98

امرأة عمران، وكل هؤلاء من بنى إسرائيل، ولا يمكن أن يعلمه الرسول ﷺ إلا بوحى إلهى، وهذا ولا شك دليل على بنى إسرائيل، وإلزام لهم بالحجة التى لا يستطيعون ردها، وبيان ذلك أن إخباره ﷺ بهذه الأنباء، وهى معلومة عندهم وحاصلة لديهم على الوجه المطابق للواقع من دلائل صدقه فى دعوى النبوة، بناء على أن الإخبار بالشىء على الوجه المطابق للواقع يتوقف على العلم به، وطريق العلم منحصر فى: ١ - المشاهدة. ٢ - الاستماع من أهل العلم وقراءة أسفارهم. ٣ - الوحى. وأن ما عدا الوحى من طريق العلم منتف عنه ﷺ ، فتعين أنه، ﵇، إنما أخبر بتلك الأنباء بالوحى، وأنه نبي حقا، ثم إنه تعالى لم ينف من طريق العلم فى الآية الكريمة، إلا أنه ﷺ لم يشاهد هذه الوقائع كما يصرح به قوله: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ... [آل عمران: ٤٤] إلخ، وفى ظاهر الحال أنه لا حاجة إلى نفى المشاهدة لكون انتفائها معلوما قطعا؛ لأن مشاهدة الإنسان ما سبق على وجوده سبقا زمانيا مستحيلة، واستحالتها معلومة لكل أحد، بخلاف الاستماع من أهل العلم وأصحاب التواريخ، فإنه وإن كان منفيا فى نفس الأمر أيضا كانتفاء المشاهدة، إلا أنه متوهم وليس استحالته كاستحالة المشاهدة، فالتصريح بنفى ما لا حاجة إلى نفيه، وترك التعرض بنفى ما ينبغى التعرض بنفيه خلاف مقتضى الظاهر، فما الوجه؟ قال العلماء فى تحقيق ذلك: إن الآية صرحت بنفى المشاهدة مع عدم الحاجة إليه، وتركت التعرض بنفى السماع، مع أن العقل يجوزه فى الجملة لنكتة، وهى التهكم باليهود المنكرين لنبوته ﷺ ؛ ولأن يوحى إليه. وطريق التهكم أن العلم منحصر فى الثلاثة المذكورة لا محالة، وأنهم ينكرون الوحى إليه، ويعترفون أيضا بأنه ﷺ ليس من أهل السماع، وقراءة كتب التواريخ للقطع بأنه، ﵇، لم يخالط أهل الكتاب، ولم يصاحب منهم أحدا، فلم يبق من طريق العلم فى حقه ﷺ إلا مشاهدة ما أخبر به من الوقائع، وذلك أنهم كما ينكرون الوحى إليه ﷺ مع اعترافهم له بأنه لم يصاحب أحدا من أهل الكتاب، فإذا نفت الآية المشاهدة، وانتفاؤها معلوم قطعا ويقينا عند كل أحد، كان المقصود التهكم بمنكر الوحى، كأنه قيل لهم: أيها المنكرون، أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم

стр. 99

والمتهمون له فى دعوى نبوته ليس لكم سبب فى اتهامكم سوى أنكم تجوزون أن يكون إخباره ﷺ بذلك مبنيا على مشاهدته ومعاينته ذلك، وأنه غاية فى السفاهة، ونهاية الجنون والجهالة، ومن أضل ممن عدل عن الاحتمال الثابت بالمعجزات القاطعة والبراهين القطعية، وهو أنه ﷺ يوحى إليه إلى احتمال لا يذهب إليه وهم أحد، وهو أنه ﷺ أخبر عن هذه الحقائق بالمشاهدة. محاجة القرآن للنصارى فى عبادة عيسى: قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: ٥٩] الآية. سبب النزول: روى أن وفد نصارى نجران جادلوا رسول الله ﷺ ، وقالوا: ما لك تشتم صاحبنا، قال: «وما أقول؟»، قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله، قال: «أجل، إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول»، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب، فإن كنت صادقا فأرنا مثله، فنزل قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: ٥٩]. كأنهم قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر، وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم، ولم يلزم من ذلك أن يكون أبوه هو الله تعالى، وأن يكون هو ابنا له تعالى، فكذا القول فى عيسى، ﵊. ولعله من الواضح بعد بيان هذه المشابهة الواقعة بين عيسى وآدم، ﵈، أن تبطل شبهتهم فى قولهم فى عيسى: إنه ابن الله تعالى، وعليهم بمقتضى هذا أن ينزلوا عن اعتقادهم فى بنوة عيسى، وأنه ابن الله تعالى، ولم يستطيعوا أن يفروا من هذا أبدا، اللهم إلا ما كان من عنادهم واستكبارهم. آية المباهلة: ثم قال تعالى زيادة فى الإلزام وتأكيدا لإظهار الحجة عليهم: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [آل عمران: ٦١]، المراد بالعلم

стр. 100

البينات الموجبة له من الدلائل والبراهين، مثل قوله تعالى قبل ذلك: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [آل عمران: ٤٦]، وما أشبه ذلك مما يدل على أنه وجد بعد أن كان معدوما، واستقر فى مضيق الرحم، ثم ترعرع وصار شابا يأكل، ويشرب، ويحدث، وينام، ويستيقظ. وإنما فسر العلم بالبينات والبراهين؛ لأن العلم الذى حصل فى قلبه، ﵊، لا يوجب إفحامهم، وانقطاع جدالهم وشبهاتهم، ولا إقدامهم على المباهلة والملاعنة، بل الذى يوجب ذلك هو إيراد الدلائل عليهم، بحيث يلجئهم إلى الاعتراف بالحق وقبوله، أو إلى إصرارهم على إنكاره وتكذيبه، عنادا واستكبارا، مع أن نفس العلم لا يتصف بالمجىء والانتقال من موضعه، بخلاف الدليل، فإنه يوصف بالورود والقيام. والمراد بالمباهلة الملاعنة، بأن يقال: بهلة الله، أى لعنته على الكاذبين منا ومنكم بأمر عيسى، ﵇. والبهلة، بضم الباء وفتحها، وأصله الترك، من قولهم: بهلت الناقلة إذا تركت بلا صرار (١)، ومعنى قوله: تَعالَوْا أى بالرأى والعزم، لا بالأجساد والأشخاص؛ لأنهم حاضرون عنده، ﵊، بأجسادهم حيث إنهم يجادلونه ﷺ فى شأن عيسى، ﵇. قوله: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ... الآية، أى ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله، وإنما قدمهم على النفس؛ لأن الرجل يخاطر بنفسه لأجلهم، ويحارب دونهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر فى أمرنا، ثم نأتيك غدا. فخلا بعضهم ببعض، وقالوا للعاقب، وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبى مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لنهلكن، فإن أبيتم إلا الإقامة على دينكم وعلى ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم، فوادعوا هذا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله ﷺ ، وقد غدا محتضنا للحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشى خلفه، وعلى بن أبى الخطاب خلفها،

стр. 101

رضى الله تعالى عنهم، وهو ﷺ يقول لهم: «إذا أنا دعوت فأمنوا». فقال أسقف نجران، وهو اسم سريانى لرئيس النصارى وعالمهم، وهو غير العاقب: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصرانى إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أيا القاسم، رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا، فقال رسول الله ﷺ : «فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم»، فأبوا، فقال: «إنى أنابذكم»، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدى إليك كل عام ألفى حلة، ألف فى صفر، وألف فى رجب، نؤديها للمسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يؤدوها، فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك، وقال: «والذى نفسى بيده، إن العذاب تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولأضرم عليهم الوادى نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله، حتى الطير على رءوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا كلهم». وجاء فى بعض الروايات عن عائشة، رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علىّ، رضى الله عنهم، ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣]، وفى ذلك دليل على نبوته ﷺ ، وعلى فضل أهل الكساء، رضى الله تعالى عنهم، وعن بقية الصحابة أجمعين. نعم انقطعوا عن المباهلة وخافوها، ولم يجرءوا بعد مشاورة أهل الرأى فيهم على الدخول فى ساحتها، وذلك أعظم دليل ملزم وقاطع لشبههم، وإلا فما كان أسهل عليهم وأيسر لهم أن يلاعنوا ويقولوا فى تضرع: لعنة الله على الكاذبين منا ومنكم بأمر عيسى. قال بعض العلماء: فإن قيل: الأولاد إذا كانوا صغارا لم يجز نزول العذاب بهم، وقد ورد فى الخبر أنه ﷺ أدخل فى المباهلة الحسن والحسين، رضى الله عنهما، فما الفائدة؟ والجواب: أن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلك معهم

стр. 102

الأولاد والنساء، فيكون ذلك فى حق البالغين عقابا، وفى حق الصبيان والنساء لا يكون عقابا، بل يكون جاريا مجرى إهانتهم، وإيصال الإيلام إليهم، ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده شديدة جدا، وربما جعل الإنسان نفسه فداء لهم، وإذا كان كذلك فهو، ﵊، أخذ صبيانه ونساءه معه، وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك، ليكون أدعى للخصم إلى قبول الحق، وأبلغ فى الزجر عن المخالفة، وأقوى فى تخويفهم، وأدل على وثوقه، ﵊، بأن الحق معه. انتهى. عيسى عبد الله ورسوله: ثم يأتى بعد ذلك قوله سبحانه: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٦٢]. ونرى فى صدر هذه الآية الكريمة، أن ما قصه الله تعالى فى شأن عيسى، وأنه عبد الله ورسوله، هو الإخبار الصحيح، والقول الحق، دون ما ادعته النصارى، من أنه ابن الله تعالى والله سبحانه أبوه، ونرى فى قوله تعالى: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ نفى الإلهية فى عموم واستغراق عن غير الله تعالى وإثباتها له وحده، ﷻ ، وعظم شأنه. ثم يأتى ختام الآية: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لنرى فيه ردا قويا على إلهية عيسى، وإلزاما لا مفر منه بأنه عبد الله ورسوله، وبيانه كالآتى: إن تعريف كل من المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما، يفيد الحصر والتخصيص، ويدل على انتفاء القدرة التامة، والحكمة البالغة عن عيسى، ﵇، فالنصارى لما اعتمدوا فى زعمهم إلهية عيسى، ﵇، على قدرته على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وعلى إخباره بالمغيبات من أحوالهم، أجاب الله تعالى عن هذه الشبهات بأن هذا القدر من القدرة لا يكفى فى الإلهية، بل لا بدّ أن يكون القادر عزيزا غالبا لا يقهر، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى، ﵇، ما كان كذلك، بل قلتم إن اليهود قتلوه، وأيضا فإن ما فيه من علمه بالمغيبات وإخباره عنه لا يكفى أيضا فى إلهيته، بل لا بدّ أن يكون العالم حكيما، أى عالما بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمور، فقوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ باعتبار دلالته على أن عيسى، ﵇، بمعزل عن القدرة التامة، والحكمة البالغة، فهو جواب عن شبهة النصارى واستدلالهم بقدرته على إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وبعلمه

стр. 103

المغيبات وإخباره عنها على إلهيته. وفى هذا بيان لواقع محسوس، ومشاهد ملموس، وهو أن قدرة عيسى، ﵇، ليست تامة، وعلمه ليس شاملا، وليس فى وسعهم إنكار هذا أبدا، إلا فى إصرار على الباطل وعناد مع الحق، نعم عاندوا وأصروا على ما هم عليه من الزعم الفاسد والاعتقاد الباطل فى حق عيسى، ﵇، وأعرضوا عن الحجج والبينات المؤدية إلى الاعتقاد الحق، والتدين بالدين القويم، فأوعدهم الله بقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٦٣]، أى فإن أعرضوا عن التمسك بالحجج والاعتقاد بوحدانية الإله، فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك عنهم، وفوّض أمرك إلى الله تعالى، فإنه تعالى مطلع على ما فى قلوبهم من التمرد والعناد، قادر على مجازاتهم، ثم إن قوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ فيه وضع للظاهر موضع المضمر ليدل على أن التولى عن الحجج والإعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد، المؤدى إلى فساد النفس، بل إلى فساد العالم. إلى كلمة سواء: ثم إن القوم لما أعرضوا على المباهلة خوفا من أن يهلكهم الله تعالى بطريق الاستئصال، وأظهروا بعض الانقياد والصغار، حيث التزموا بأداء الجزية كما تقدم ذلك، أعرض الله تعالى عن المجادلة معهم بتجهيلهم وبيان سخافة عقولهم، وسلك سبيل الرشاد باللطف والإنصاف، بحيث لا يميل فيه إلى جانب، ولا يشوبه شىء من التعصب والتحكم، فقال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤]، أى هلموا إلى كلمة ذات استواء وعدل، وسواء مصدر، كذهاب وصلاح وفساد، ومعناه الاستواء والاعتدال، وصفت الكلمة به مبالغة فى استوائها، وعدم الاختلاف فيها بين الكتب المنزلة من السماء وبين الأنبياء المرسلين، فهو من قبيل رجل عدل. والمعنى: تعالوا إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية بين أهل الشرائع الإلهية، إذا أتينا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة، سمى الكلام التام المفيد للمقصود كَلِمَةٍ على طريق تسمية الكل باسم جزئه، ومن تسميتهم القصيدة بتمامها قافية، مع أن

стр. 104

القافية جزء منها، وفى الحديث: «أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل ثم إنه تعالى فسر الكلمة بقوله : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، ووجه كونه تفسيرا لها أن قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إما بدل من كَلِمَةٍ بدل كل من كل، أو أنه خبر مبتدأ محذوف، أى هى ألا نعبد، والجملة استئنافية، فإنه لما قيل: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ قال قائل: ما هى؟ فقيل: هى أَلَّا نَعْبُدَ، فعلى التقديرين صح كونها مفسرا لما قبلها. وأما قوله سبحانه: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعنى: ولا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحليل والتحريم؛ لأن كلا منهم بشر مثلنا. روى أنه لما نزلت: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١]، قال عدى بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: «أليس كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟»، قال: نعم، قال: «هو ذاك». قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، يعنى: فإن تولوا عن كلمة التوحيد المجمع عليها بين الشرائع والكتب السماوية، فقولوا لهم: قد لزمتكم الحجة وأصبحتم مغلوبين بها، إلا أنه دل على هذا الجواب بلازمه، وهو قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، أى قولوا اشهدوا واعترفوا بأن من أتى بالكلمة السواء وعمل بمدلولها فهو المسلم، دون من خالفها وتولى عن العمل بمدلولها. ويصح أن يكون قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا هو الجواب، ويكون فيه تعريض بكفرهم، أى اعترفوا يا أهل الكتاب بأنكم كافرون من حيث إنكم أعرضتم عن الحق المتفق عليه بين العقلاء. قال العلماء: والمعنى: فإن تولوا وأعرضوا عن الإجابة لما دعوتهم إليه، فليس إعراضهم ذلك لأجل مساعدة الحجة إياهم، فقل لهم: قد أسفر الصبح وتبين لذى عينين، فاعترفوا بأنا مسلمون منقادون للحق دونكم، ونظيره قول الغالب فى جهاد، أو صراع، أو نحوهما: اعترف بأنى أنا الغالب، وسلم إلى الغلبة. أ. هـ. قال الخطيب الشربينى فى تفسيره: قال البيضاوى: تنبيه: انظر إلى ما راعى الله سبحانه فى هذه القصة من المبالغة، والإرشاد، وحسن التدريج فى الحجاج، فبين أولا أحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للإلهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيل

стр. 105

شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد، دعاهم بالإرشاد، وسلك طريقا أسهل وألزم، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى، والإنجيل، وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك أيضا عليهم، وعلم أن الآيات والنذر لا تغنى عنهم، أعرض عن ذلك، وقال: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. انتهى. بيان ما احتواه التنبيه: قوله: بين أولا أحوال عيسى ... إلخ، هو قوله سبحانه: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٤٦] ونحوه على ما ذكرناه سابقا. وقوله: ثم ذكر ما يحل عقدتهم، هو قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩]. وقوله: بنوع من الإعجاز، وهو تقديم ذكر من يخاطر المرء بنفسه لأجلهم ويحارب دونهم. طوائف النصارى: قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٧٢، ٧٣]. تبين الآية الأولى من هاتين الآيتين رأى طائفة من النصارى فى شأن عيسى، وهم اليعقوبية، القائلون باتحاد الإله مع عيسى، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وتبين الآية الثانية رأى طائفتين منهم، وهما النسطورية والملكانية، ويبين الله تعالى فى كلتا الآيتين، الرد على هذه المزاعم الفاسدة، من تلكم الطوائف الكافرة، ففي الآية الأولى حكم الله تعالى عن عيسى، ﵇، أنه متبرئ من هذه الاعتقادات، آمرا لهم بعبادة الله تعالى رب الجميع وخالق الكل، اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [المائدة: ٧٢]، ثم

стр. 106

توعدهم وهددهم، حيث قال: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٧٣]، وهذا الرد فى هاتين الآيتين هو عين الحقيقة، ونفس الصواب، لو كان لهم عقول تفكر، وقلوب تسمع وتتدبر. حقيقة المسيح وأمه: ولكن الله تعالى، وهو الرحيم بخلقه، الرءوف بعباده، يزيد الأمر إيضاحا، وتأكيدا، وكشفا، وتبيانا، فيلزمهم برد واقعى محسوس لا يقدرون على الفكاك منه، ولا يستطيعون أن يخرجوا من دائرته إلى دائرة الوهم والباطل، وهذا هو ما جاء بعد ذلك من الآيتين الكريمتين وهما: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٥، ٧٦]. قوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أى ليس هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، وما من خارق إلا وقد كان مثله أو أعجب منه لمن كان قبله، فإن كان الله قد أحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا، وجعلها حية تسعى على يد موسى، وهو أعجب، وإن كان قد خلقه من غير أب، فقد خلق آدم من غير أب وأم، وهو أغرب. وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ، أى بليغة الصدق فى نفسها كسائر النساء اللاتى يلازمن الصدق فى الأقوال والأفعال فى المعاملة مع الخلق، وصدق الأفعال والأقوال فى المعاملة مع الخالق لا يصدر منهن ما يكذب دعوى العبودية والطاعة، فإن من كان مجتهدا فى إقامة وظائف العبودية وملازمة الإنابة والطاعة يسمى صديقا أو صديقة، تصدق الأنبياء، كما قال تعالى فى وصفها: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [التحريم: ١٢]. قال بعض العلماء: وهذه الآية من أدلة من قال: إن مريم، ﵍، لم تكن نبية، فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها فى معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى ما هو الحق فى اعتقاد ما لها من أعلى الصفات، فإن أعظم صفات عيسى، ﵇، الرسالة، وأكمل صفات أمه، ﵍، الصديقية. ولما بين سبحانه أقصى ما لهما من الكمالات، بين أن ذلك لا يوجب لهما الإلهية

стр. 107

بقوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ؛ لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم، ولحم، وعروق، وأعصاب، وأخلاط، وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع ومؤلف مدبر كغيره من الأجساد، فكيف يكون إلها، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات، والإله لا يكون محتاجا، وقيل: هذا كناية عن الحدث؛ لأن من أكل وشرب لا بدّ له من البول والغائط، ومن كانت هذه صفته، كيف يكون إلها؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة فى أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادعوا فيهما أتبعه التعجب بقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ على وحدانيتنا. ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، أى يصرفون عن الحق مع قيام البرهان، وكان العطف ب ثُمَّ للتفاوت بين العجب من بيان الله للآيات على التوحيد، وبين العجب من إعراضهم عن هذا البيان، وأن إعراضهم أعجب. قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى غيره، يعنى عيسى، ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً، أى لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضر الله تعالى به من البلايا، والمصائب فى الأنفس، والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله تعالى به من صحة الأبدان، والسعة، والخصب، وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع، فبإقدار الله تعالى وتمكينه. وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا، وصفة الرب تعالى أن يكون قادرا على كل شىء، لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى، وإنما قال: ما فى حق من يعقل مع أن أصله يطلق على غير العاقل، نظرا إلى ما هو عليه فى ذاته فإنه، ﵇، فى أول أحواله لا يوصف بعقل ولا بشيء من الفضائل، وإنما ظهر على يديه من بعض المنافع، وإزالة بعض المضار بإقدار الله تعالى على ذلك وتمكينه إياه، فكيف يكون إلها؟ وكان التعبير ب ما تنبيها على أنه من جنس ما لا يعقل، بمعنى أنه فى ذاته لا يملك ضرا ولا نفعا إلا بتمليك الله له وإقداره كما بينا. وهذا القدر مشترك بينه وبين غيره وأنه، ﵇، واحد من آحاد تلك الحقيقة، ومن كانت له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة، فبمعزل عن الإلهية، وبيان ذلك وتوضيحه

стр. 108

أن من كان له حقيقة يشارك بها غيره، لا بدّ أن يكون له ما يتميز به عن غيره، فيتركب مما به الاشتراك، وما به الامتياز، والتركيب ينافى الإلهية، فعيسى، ﵇، باعتبار ذاته لا يملك شيئا نفعا ولا ضرا، وهو بهذا الاعتبار يشترك مع آحاد كل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فإذا ما انضم إليه خصيصة تميزه عن بقية آحاد هذه الحقيقة، بأن قدر بأقدار الله تعالى على جلب نفع، أو دفع ضر، كان مركبا، والتركيب ينافى الإلهية كما قدمنا آنفا. غلو اليهود والنصارى: ثم يقول الله تعالى بعد ذلك خطابا لأهل الكتاب عامة من يهود ونصارى، كما هو رأى الأكثر: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]، الغلو نقيض التقصير. وقوله تعالى: غَيْرَ الْحَقِّ يفيد أن الغلو فى الدين نوعان: غلو حق، وهو أن يجتهد فى تحصيل حججه، كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة، فيرفعوا عيسى، ﵇، إلى أن يدّعوا له الإلهية. وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ فى غلوهم، وهم أسلافهم الذين قد ضلوا بتماديهم فى الباطل من التثليث وغيره، حتى ظن حقا ضَلُّوا أى بعد مبعث رسول الله ﷺ ، عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، أى طريق الحق، وهو الإسلام، والسواء فى الأصل هو الوسط، والأهواء هاهنا المذاهب التى تدعوا إليها الشهوة دون الحجة. قال أبو عبيد: لم يذكر الهوى إلا فى موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال: يريد الخير ويحبه، وقيل: سمى الهوى هوى؛ لأنه يهوى بصاحبه إلى النار، وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذى جعل هواى على هواك، فقال: كل هوى ضلالة. وبعد فما أصدق هذه الحقائق القرآنية، وما أعظم هذه الآيات التنزيلية، وما أشد إلزامها لليهود والنصارى فى انحرافهم عن التوحيد وبعدهم عما جاء به القرآن الكريم من العقيدة الحقة، والأعمال التشريعية الصالحة، وما أصدق قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣].

стр. 109

محاجة القرآن لليهود والنصارى معا: هذا وإذا كانت الآيات السابقة قد ألزمت الحجة كلا من اليهود والنصارى على حدة وانفراد، فهناك آيات جمعتهما فى خطاب واحد، وألزمتهما الحجة والبرهان، نسوق منها ما يلى: أولا: قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥]. حكى الله تعالى قبل ذلك عن اليهود والنصارى نقضهم العهد، وتركهم ما أمروا به، ثم دعاهم بعد ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ ، فقال: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ... الآية، فهى دعوة صريحة خاصة لهم، وخطاب قوى موجه إليهم، وإيرادهم بعنوان أَهْلَ الْكِتابِ لانطواء الكلام المصدر به على ما يتعلق بالكتاب، وللمبالغة فى التشنيع عليهم، فإن أهلية الكتاب من موجبات مراعاته، والعمل بمقتضاه، وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا من الكتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون، فقد أخفت اليهود آية الرجم، كما أخفت النصارى بشارة الإنجيل بمحمد ﷺ . وفى إعلامه ﷺ يخفى ما فى كتبهم، وهو أمى لا يكتب ولا يصحب القرّاء، دليل على صحة نبوته، لو ألهمهم الله الخير، وقوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، يعنى مما يكتمونه، فلا يتعرض له ولا يؤاخذهم به؛ لأنه لا حاجة إلى إظهاره، والفائدة فى ذلك أنهم يعلمون كون النبى ﷺ عالما بما يخفون، وهو معجزة له أيضا، فيكون ذلك داعيا إلى الإيمان به. وفى قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يعنى القرآن، فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال، والكتاب الواضح الإعجاز، فالنور والكتاب المبين متحدان بالذات، وعطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف الصفة على الصفة، مع اتحاد الموصوف بهما، وهو القرآن. وقيل: يريد بالنور محمدا ﷺ ، وعلى ذلك فالعطف من قبيل عطف الذات على الذات، وأيا ما كان، فالمراد بهذه الجملة المستأنفة أن فائدة مجىء الرسول ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل إنه جاء لهم نورا يهتدون به فى معرفة الحق، ويسترشدون به إلى الغاية المنشودة.

стр. 110

ثانيا: قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٩]. نص هو فى غاية البيان أنه ﷺ أرسل لليهود والنصارى، وليس معنى إرساله إليهم إلا أن يؤمنوا بما جاء به من توحيد خالص، ويعبدوا الله على شريعته التى رسمها وبينها من صلاة وصيام، وما إلى ذلك، وما أروع قوله فى الآية الكريمة: أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فهو يدل على أنهم فيما هم عليه من شريعة حرّفوها، ودين أضاعوه فى أمس الحاجة إلى بيان شاف، وإيضاح للحق كامل، فمعنى الآية هو الامتنان عليهم بأن الرسول بعث إليهم حين انطماس آثار الوحى، وهم أحوج إليه لإزالة العذر، وإلزام الحجة، فعليهم أن يعوا ذلك نعمة من الله عليهم، ورحمة منه بهم. ثالثا: قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٨]. بعد أن أمرهم الله تعالى فى الآيتين السابقتين باتباع محمد ﷺ ، وبين لهم أنه ﷺ إنما جاء لهم ليصحح العقيدة، ويرشدهم إلى السبيل السوى، قال لهم فى هذه الآية الكريمة: أن ما هم عليه من دين باطل لا يعتد به إطلاقا، حتى يكون ذلك حافزا لهم إلى الدخول فى دين محمد ﷺ ، فإن المرء يأنف أن يكون على عقيدة باطلة، أو عبادة فاسدة، ما دام سليم الطبع، بعيدا عن التعصب والتمسك بالباطل، فقوله تعالى: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أى يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء، تريد تحقيره وتصغيره، وفى أمثالهم: أقل من لا شىء. حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، أى بأن تعملوا بما فيها، ومنها الإيمان بمحمد ﷺ ، والإذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة الناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد بقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ هو القرآن الكريم، وما أبدع قوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، يعنى فالقرآن أنزل إليهم ولهم، وهم مقصودون به ضمن من قصد، ومطالبون بالعمل بأحكامه ضمن من طلب إليه ذلك من بقية المكلفين. وأما قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ... إلى آخره، فهو بيان لما هم عليه من كفر
следующие страницы →