← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38000

عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن

على أحمد عبد العال الطهطاوى

Полный текст (286 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

توعدهم وهددهم، حيث قال: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٧٣]، وهذا الرد فى هاتين الآيتين هو عين الحقيقة، ونفس الصواب، لو كان لهم عقول تفكر، وقلوب تسمع وتتدبر. حقيقة المسيح وأمه: ولكن الله تعالى، وهو الرحيم بخلقه، الرءوف بعباده، يزيد الأمر إيضاحا، وتأكيدا، وكشفا، وتبيانا، فيلزمهم برد واقعى محسوس لا يقدرون على الفكاك منه، ولا يستطيعون أن يخرجوا من دائرته إلى دائرة الوهم والباطل، وهذا هو ما جاء بعد ذلك من الآيتين الكريمتين وهما: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٥، ٧٦]. قوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أى ليس هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، وما من خارق إلا وقد كان مثله أو أعجب منه لمن كان قبله، فإن كان الله قد أحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا، وجعلها حية تسعى على يد موسى، وهو أعجب، وإن كان قد خلقه من غير أب، فقد خلق آدم من غير أب وأم، وهو أغرب. وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ، أى بليغة الصدق فى نفسها كسائر النساء اللاتى يلازمن الصدق فى الأقوال والأفعال فى المعاملة مع الخلق، وصدق الأفعال والأقوال فى المعاملة مع الخالق لا يصدر منهن ما يكذب دعوى العبودية والطاعة، فإن من كان مجتهدا فى إقامة وظائف العبودية وملازمة الإنابة والطاعة يسمى صديقا أو صديقة، تصدق الأنبياء، كما قال تعالى فى وصفها: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [التحريم: ١٢]. قال بعض العلماء: وهذه الآية من أدلة من قال: إن مريم، ﵍، لم تكن نبية، فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها فى معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى ما هو الحق فى اعتقاد ما لها من أعلى الصفات، فإن أعظم صفات عيسى، ﵇، الرسالة، وأكمل صفات أمه، ﵍، الصديقية. ولما بين سبحانه أقصى ما لهما من الكمالات، بين أن ذلك لا يوجب لهما الإلهية

стр. 107

بقوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ؛ لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم، ولحم، وعروق، وأعصاب، وأخلاط، وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع ومؤلف مدبر كغيره من الأجساد، فكيف يكون إلها، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات، والإله لا يكون محتاجا، وقيل: هذا كناية عن الحدث؛ لأن من أكل وشرب لا بدّ له من البول والغائط، ومن كانت هذه صفته، كيف يكون إلها؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة فى أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادعوا فيهما أتبعه التعجب بقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ على وحدانيتنا. ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، أى يصرفون عن الحق مع قيام البرهان، وكان العطف ب ثُمَّ للتفاوت بين العجب من بيان الله للآيات على التوحيد، وبين العجب من إعراضهم عن هذا البيان، وأن إعراضهم أعجب. قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى غيره، يعنى عيسى، ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً، أى لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضر الله تعالى به من البلايا، والمصائب فى الأنفس، والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله تعالى به من صحة الأبدان، والسعة، والخصب، وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع، فبإقدار الله تعالى وتمكينه. وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا، وصفة الرب تعالى أن يكون قادرا على كل شىء، لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى، وإنما قال: ما فى حق من يعقل مع أن أصله يطلق على غير العاقل، نظرا إلى ما هو عليه فى ذاته فإنه، ﵇، فى أول أحواله لا يوصف بعقل ولا بشيء من الفضائل، وإنما ظهر على يديه من بعض المنافع، وإزالة بعض المضار بإقدار الله تعالى على ذلك وتمكينه إياه، فكيف يكون إلها؟ وكان التعبير ب ما تنبيها على أنه من جنس ما لا يعقل، بمعنى أنه فى ذاته لا يملك ضرا ولا نفعا إلا بتمليك الله له وإقداره كما بينا. وهذا القدر مشترك بينه وبين غيره وأنه، ﵇، واحد من آحاد تلك الحقيقة، ومن كانت له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة، فبمعزل عن الإلهية، وبيان ذلك وتوضيحه

стр. 108

أن من كان له حقيقة يشارك بها غيره، لا بدّ أن يكون له ما يتميز به عن غيره، فيتركب مما به الاشتراك، وما به الامتياز، والتركيب ينافى الإلهية، فعيسى، ﵇، باعتبار ذاته لا يملك شيئا نفعا ولا ضرا، وهو بهذا الاعتبار يشترك مع آحاد كل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فإذا ما انضم إليه خصيصة تميزه عن بقية آحاد هذه الحقيقة، بأن قدر بأقدار الله تعالى على جلب نفع، أو دفع ضر، كان مركبا، والتركيب ينافى الإلهية كما قدمنا آنفا. غلو اليهود والنصارى: ثم يقول الله تعالى بعد ذلك خطابا لأهل الكتاب عامة من يهود ونصارى، كما هو رأى الأكثر: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]، الغلو نقيض التقصير. وقوله تعالى: غَيْرَ الْحَقِّ يفيد أن الغلو فى الدين نوعان: غلو حق، وهو أن يجتهد فى تحصيل حججه، كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة، فيرفعوا عيسى، ﵇، إلى أن يدّعوا له الإلهية. وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ فى غلوهم، وهم أسلافهم الذين قد ضلوا بتماديهم فى الباطل من التثليث وغيره، حتى ظن حقا ضَلُّوا أى بعد مبعث رسول الله ﷺ ، عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، أى طريق الحق، وهو الإسلام، والسواء فى الأصل هو الوسط، والأهواء هاهنا المذاهب التى تدعوا إليها الشهوة دون الحجة. قال أبو عبيد: لم يذكر الهوى إلا فى موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال: يريد الخير ويحبه، وقيل: سمى الهوى هوى؛ لأنه يهوى بصاحبه إلى النار، وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذى جعل هواى على هواك، فقال: كل هوى ضلالة. وبعد فما أصدق هذه الحقائق القرآنية، وما أعظم هذه الآيات التنزيلية، وما أشد إلزامها لليهود والنصارى فى انحرافهم عن التوحيد وبعدهم عما جاء به القرآن الكريم من العقيدة الحقة، والأعمال التشريعية الصالحة، وما أصدق قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣].

стр. 109

محاجة القرآن لليهود والنصارى معا: هذا وإذا كانت الآيات السابقة قد ألزمت الحجة كلا من اليهود والنصارى على حدة وانفراد، فهناك آيات جمعتهما فى خطاب واحد، وألزمتهما الحجة والبرهان، نسوق منها ما يلى: أولا: قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥]. حكى الله تعالى قبل ذلك عن اليهود والنصارى نقضهم العهد، وتركهم ما أمروا به، ثم دعاهم بعد ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ ، فقال: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ... الآية، فهى دعوة صريحة خاصة لهم، وخطاب قوى موجه إليهم، وإيرادهم بعنوان أَهْلَ الْكِتابِ لانطواء الكلام المصدر به على ما يتعلق بالكتاب، وللمبالغة فى التشنيع عليهم، فإن أهلية الكتاب من موجبات مراعاته، والعمل بمقتضاه، وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا من الكتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون، فقد أخفت اليهود آية الرجم، كما أخفت النصارى بشارة الإنجيل بمحمد ﷺ . وفى إعلامه ﷺ يخفى ما فى كتبهم، وهو أمى لا يكتب ولا يصحب القرّاء، دليل على صحة نبوته، لو ألهمهم الله الخير، وقوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، يعنى مما يكتمونه، فلا يتعرض له ولا يؤاخذهم به؛ لأنه لا حاجة إلى إظهاره، والفائدة فى ذلك أنهم يعلمون كون النبى ﷺ عالما بما يخفون، وهو معجزة له أيضا، فيكون ذلك داعيا إلى الإيمان به. وفى قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يعنى القرآن، فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال، والكتاب الواضح الإعجاز، فالنور والكتاب المبين متحدان بالذات، وعطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف الصفة على الصفة، مع اتحاد الموصوف بهما، وهو القرآن. وقيل: يريد بالنور محمدا ﷺ ، وعلى ذلك فالعطف من قبيل عطف الذات على الذات، وأيا ما كان، فالمراد بهذه الجملة المستأنفة أن فائدة مجىء الرسول ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل إنه جاء لهم نورا يهتدون به فى معرفة الحق، ويسترشدون به إلى الغاية المنشودة.

стр. 110

ثانيا: قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٩]. نص هو فى غاية البيان أنه ﷺ أرسل لليهود والنصارى، وليس معنى إرساله إليهم إلا أن يؤمنوا بما جاء به من توحيد خالص، ويعبدوا الله على شريعته التى رسمها وبينها من صلاة وصيام، وما إلى ذلك، وما أروع قوله فى الآية الكريمة: أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فهو يدل على أنهم فيما هم عليه من شريعة حرّفوها، ودين أضاعوه فى أمس الحاجة إلى بيان شاف، وإيضاح للحق كامل، فمعنى الآية هو الامتنان عليهم بأن الرسول بعث إليهم حين انطماس آثار الوحى، وهم أحوج إليه لإزالة العذر، وإلزام الحجة، فعليهم أن يعوا ذلك نعمة من الله عليهم، ورحمة منه بهم. ثالثا: قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٨]. بعد أن أمرهم الله تعالى فى الآيتين السابقتين باتباع محمد ﷺ ، وبين لهم أنه ﷺ إنما جاء لهم ليصحح العقيدة، ويرشدهم إلى السبيل السوى، قال لهم فى هذه الآية الكريمة: أن ما هم عليه من دين باطل لا يعتد به إطلاقا، حتى يكون ذلك حافزا لهم إلى الدخول فى دين محمد ﷺ ، فإن المرء يأنف أن يكون على عقيدة باطلة، أو عبادة فاسدة، ما دام سليم الطبع، بعيدا عن التعصب والتمسك بالباطل، فقوله تعالى: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أى يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء، تريد تحقيره وتصغيره، وفى أمثالهم: أقل من لا شىء. حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، أى بأن تعملوا بما فيها، ومنها الإيمان بمحمد ﷺ ، والإذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة الناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد بقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ هو القرآن الكريم، وما أبدع قوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، يعنى فالقرآن أنزل إليهم ولهم، وهم مقصودون به ضمن من قصد، ومطالبون بالعمل بأحكامه ضمن من طلب إليه ذلك من بقية المكلفين. وأما قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ... إلى آخره، فهو بيان لما هم عليه من كفر

стр. 111

بالقرآن، وحقد على من جاء به، وقد سماهم الله تعالى كافرين، حيث لم يؤمنوا به، وقد نهى النبى ﷺ عن أن يحزن على كفرهم، ففي المؤمنين مندوحة عنهم وغناء، أى غناء له ﷺ ، يعنى فهم كفار بمقتضى هذه الآية القرآنية وغيرها من النصوص القرآنية الأخرى التى ذكرنا بعضها سابقا، وما داموا كذلك، فليس لهم فى الآخرة أدنى نصيب من رحمة الله تعالى. رابعا: ويؤكد هذا ويوضحه ويزيده بيانا ما جاء فى قوله ﷻ : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨]. قال العلماء: هذا النص من أبين الأدلة على عموم رسالته ﷺ وشمولها لكل الطوائف وجميع الأجناس على تباين مذاهبها واختلاف نحلها. ونسوق تفسير هذا النص، وبيان ما فيه من عظيم الفوائد، وجليل المنافع، الأمر الذى هو موضوع بحثنا، ومرتبط به أتم الارتباط، فقوله سبحانه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ سيق هذا الكلام جوابا لدعاء سيدنا موسى فى قوله قبل ذلك: أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٥، ١٥٦]. فجاء قوله تعالى بعد ذلك: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أى من خلقى فى الدنيا، ما من مسلم، ولا كافر، ولا مطيع، ولا عاص، إلا وهو متقلب فى نعمتى، وهذا معنى حديث أبى هريرة فى الصحيحين: «إن رحمتى سبقت غضبى»، وفى رواية: «غلبت غضبى»، وأما فى الآخرة، فقال تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وخصها بالذكر لنفعها المتعدى، ولأنها كانت أشق عليهم. روى أنه لما أنزل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ، ولا

стр. 112

يكفرون بشيء منها، فأيس إبليس منها، وتمناها اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقى ونؤمن بآيات ربنا، فأخرجهما الله تعالى بقوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، ومعنى الأمى أنه لا يقرأ ولا يكتب، وهى صفة نبينا محمد ﷺ ، قال ﷺ : «نحن أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب»، والعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرءون، أى الخط، والنبى ﷺ كان كذلك. قال أهل التحقيق: وكونه أميا بهذا التفسير، كان من جملة معجزاته، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه ﷺ كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما مرة بعد أخرى، من غير تبديل ألفاظه، ولا تغيير كلماته، والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها، فلا بد وأن يزيد فيها، أو ينقص عنها بالقليل والكثير، ثم إنه ﷺ مع أنه ما كان يكتب ولا يقرأ يتلو كتاب الله تعالى من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تغيير، فكان ذلك معجزة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى: ٦]. ثانيا: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة، لكان متهما فى أنه ربما طالع كتب الأولين، فحصل على هذه العلوم من تلك المطالعة، فلما أتى بالقرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم أو مطالعة، كان ذلك من المعجزات، وهذا هو المراد من قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]. ثالثا: تعلم الخط شىء سهل، فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم فى الفهم، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين، وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من الخلق، ومع تلك القوة العظيمة فى العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذى يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المادتين جاريا مجرى المعجزات. انتهى. ثم إن هذا الاتباع الذى وصف به اليهود والنصارى تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه ﷺ ، وتارة يخرج من القوة إلى الفعل كمن لحق زمانه زمان دعوته، فمن علم الله تعالى منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له، ولو عمل جميع الطاعات، وقد عرفه سبحانه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق عند مجيئه ريبة، ولا يتعلل أحد فى أمره بعلة،

стр. 113

ولذلك اتبعه الَّذِي يَجِدُونَهُ أى علماء اليهود مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ باسمه ونعته، ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسدا منهم وخوفا على زوال رياستهم، وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه، فقد زالت رياستهم ووقعوا فى الذل والهوان. وقوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يجوز أن يكون استئنافا، ويجوز أن يكون المعنى يجدونه مكتوبا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ... إلخ، ويحتمل أن يكون متعلقا ب يَجِدُونَهُ فى موضع حال على تجوز، أى يجدونه فى التوراة آمرا بشرط وجوده. حقيقة المعروف والمنكر: المعروف ما عرف بالشرع، وكل معروف من جهة المروءة فهو معروف بالشرع، والمنكر مقابله. قال الرازى: ومجامع المعروف فى قوله ﷺ : «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله»، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن لذاته. أما الواجب لذاته: فهو الله تعالى، لا معروف أشرف من تعظيمه، وإظهار الخشوع، والخضوع على باب عزته، والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال، مبرءا عن النقصان والآفات، منزها عن الأنداد والأضداد. وأما الممكن لذاته: فإن لم يكن حيوانا، فلا سبيل إلى ايصال الخير إليه؛ لأن الانتفاع مشروط بالحياة، ومع ذلك فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله، ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا ظاهرا، وبرهانا باهرا على توحيده وتنزيهه، فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام، ومن حيث إن لله فى كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية، فيجب النظر إليها بعين الاحترام. وأما إن كان المخلوق من جنس الحيوان، فإنه يجب الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه، ويدخل فيه بر الوالدين، وصلة الأرحام، وبث المعروف، فيثبت أن قوله ﷺ : «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله»، كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف. ولا شك أن المنكر هو ضد الأمور المذكورة. قوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أى ما حرّم عليهم فى شرعهم، كالشحوم،

стр. 114

ويحرّم عليهم الخبائث، أى كالدم، ولحم الخنزير، والربا، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، أى ثقلهم الذى كان يحمل عليهم، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ من الدين والشريعة، وذلك مثل قتل النفس فى التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة من البدن، والثوب بالمقراض، وغير ذلك من الشدائد التى كانت على بنى إسرائيل، شبهت بالأغلال التى تجمع اليد إلى العنق، كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل، فكذلك لا تمتد على الحرام الذى نهيت عنه، وكانت هذه الأثقال فى شريعة موسى، ﵇، فلما جاء محمد ﷺ نسخ ذلك كله، ويدل عليه قوله ﷺ : «بعثت بالحنفية السهلة السمحة». فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أى بمحمد ﷺ ، وَعَزَّرُوهُ أى وقّروه وعظموه، وأصل التعزير المنع والنصرة، وتعزير النبى ﷺ تعظيمه، وإجلاله، ودفع الأعداء عنه، وَنَصَرُوهُ على أعدائه وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أى القرآن، سمى نورا لأنه به تستنير قلوب المؤمنين، فتخرج من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم. ولا يقال: إن القرآن ما أنزل مع شخص محمد ﷺ ، وإنما نزل مع جبريل. لأنا نقول: معناه لأنه أنزل مع شخصه ﷺ ؛ لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات، قال: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أى الفائزون بالمطلوب فى الدنيا والآخرة. عموم الدعوة الإسلامية: وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨]، هذا أمر الله تعالى لنبيه بإشهار دعوته، وهذه من خصائصه ﷺ من بين سائر الرسل، فإنه ﷺ بعث إلى الناس كافة، وإلى الجن عامة، وكل نبى بعث إلى قومه خاصة، لقوله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى: أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت على عدوى بالرعب منى مسيرة شهر، وأطعمت الغنيمة دون من قبلى، وقيل لى: سل تعطه، واختبأت شفاعتى لأمتى». فإن قيل: كان آدم، ﵇، مبعوثا إلى جميع أولاده، ونوح لما خرج من السفينة كان مبعوثا إلى الذين كانوا معه، مع أن جميع الناس فى ذلك الزمان ما كانوا إلا ذلك القوم. أجيب بأن ذلك لم يكن لعموم رسالتهما، بل للحصر المذكور، فليس ذلك من باب عموم الرسالة.

стр. 115

قوله تعالى: جَمِيعاً حال من إليكم، أى أن الكل يشترط عليهم الإيمان بى والاتباع لى، قال بعض الفضلاء: وقد طار الخبر بشريعة محمد ﷺ إلى كل أفق وتغلغل فى كل نفق، ولم يبق الله تعالى أهل مدر، ولا وبر، ولا سهل، ولا جبل، ولا بحر، ولا بر، فى مشارق الأرض ومغاربها، إلا وقد ألقاه إليهم، وملأ به مسامعهم، وألزمهم به الحجة، وهو سائلهم عنه يوم القيامة. فهذه الآيات القرآنية الصادقة، وتلكم البراهين التنزيلية الحقة، تلزم اليهود والنصارى بالإيمان بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد الذى انحرفوا عنه وضيّعوه، ومن التعبد والخضوع لله تعالى على وفق ما رسم القرآن، وبين من أحكام وشريعة تخالف وتغاير ما جاء فى كتبهم على ما اقتضته الحكمة الإلهية من نزول الشرائع على ما يناسب كل أمة مع رسولها. فما قالوه عن إيمانهم بالله تعالى، فقد تبين فساده، حيث ثلثوا وأثبتوا له البنوّة ﷻ ، وما قالوه عن إيمانهم باليوم الآخر، فهو فاسد كذلك، حيث لم يؤمنوا به على حقيقة ما أخبر الله عنه، بل على ما فهموه زورا وبهتانا، كما أنهم ليس لهم يقين فيما فهموه، إذ اليقين هو العلم المتقين بالدليل، وإنما اعتقادهم خيال فاسد، وجهل محض، ولذلك قال عز من قائل فى وصف المتقين فى أول سورة البقرة: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ٤]، قال المفسرون: إن قوله: بِالْآخِرَةِ متعلق ب يُوقِنُونَ فلم قدم عليه؟ وإن قوله: هُمْ فاعل فى المعنى ل يُوقِنُونَ فلم جعل مبتدأ وقدم عليه؟ ومحصول الجواب أنه عدل إلى كل واحد من المتقدمين ليفيد التقدم الأول، وهو تقديم بالآخرة، أن إيقانهم مقصور على ما هو حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى ما هو خلاف حقيقتها كما يزعم اليهود، كأنه قيل: يوقنون بالآخرة لا بغيرها، وفيه تعريض بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالقرآن بأن ما كانوا عليه ليس من الإيمان بحقيقة الآخرة لعدم خلوص علمهم بالآخرة عن الشبهة الباطلة، فإن اعتقادهم فى أمر الآخرة غير مطابق لحقيقة الآخرة. وليفيد تقديم الفاعل المعنوى أن الإيقان بالآخرة مقصور على المؤمنين، لا يتجاوزهم إلى أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالقرآن، وفيه تعريض لهم بأن اعتقادهم

стр. 116

الذى يزعمون أنه إيقان ليس إيقانا أصلا، بل هو جهل محض، كما أن معتقدهم خيال باطل، وإنما الإيقان ما عليه المؤمنون، كما أن الآخرة هى التى يعتقدونها، فإن أهل الكتاب يقولون: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن اليهود قالوا: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، إلى آخر مفترياتهم الباطلة، والله يقول الحق، وهو يهدى السبيل. الرد على المحامى أحمد حسين: لقد رأينا كتابا بعنوان: فى الإيمان والإسلام (١)، وضعه أحد المحامين فى هذا العصر، وهو الأستاذ أحمد حسين، وفيه ما لا يتفق مع النصوص القرآنية السابقة، لذلك رأينا من الواجب علينا إزاء الدعوة الإسلامية أن نبين ما فيه، إخلاصا للحقيقة، ووضعا للحق فى نصابه، فنقول مستعينين بالله وحده، ومتوكلين دائما عليه: قال الكاتب فى صفحة (١٧٤، ١٧٥) من هذا الكتاب تحت عنوان: الإسلام يؤاخى بين الأديان ويوفق بينها، بعد كلام ما نصه: فجاء الإسلام على خلاف جميع العقائد التى سبقته يؤاخى بين الأديان كلها. الإسلام والأديان: نقول: إن الإسلام كما هو معلوم وثابت يوافق الأديان السابقة كلها، ويتآخى معها ويرتبط بها أشد الارتباط فى أمر التوحيد بنص قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، ويتآخى معها كذلك فى أصول العبادات دون هيئاتها وأشكالها، قال تعالى حكاية عن بنى إسرائيل: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، إلى أن قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٨٣]. وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣]، أما هيئات العبادة وأشكالها، فمختلف فيها قطعا، حيث إن لكل أمة مع رسولها تشريعا خاصا فى هذه العبادات اقتضته الحكمة الإلهية، كما أوضحناه سابقا فى أول البحث، ودليل هذا الاختلاف فى التشريع قوله ﷻ : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨]. قال العلامة أبو السعود عند هذه الآية ما نصه: والمعنى: لكل أمة كائنة منكم أيها

стр. 117

الأمم الباقية والخالية جَعَلْنا أى عينا ووضعنا شِرْعَةً وَمِنْهاجاً خاصين بتلك الأمة، لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التى عينت لها، فالأمة التى كانت من مبعث موسى إلى عيسى، ﵉، شرعتهم التوراة، والتى كانت من مبعث عيسى إلى النبى ﷺ شرعتهم الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون من سائر المخلوقات، فشرعتكم القرآن ليس إلا، فآمنوا به وآمنوا بما فيه. وقال العلامة الجمل فى حواشيه على الجلالين: قال ابن عباس: قوله: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً سنة وسبيلا. وقال قتادة: سبيلا وسنة، فالسنن مختلفة، فللتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة يحل الله بها فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذى لا يقبل التغير هو التوحيد والإخلاص لله تعالى والإيمان بما جاءت به جميع الرسل، ﵈. وقال علىّ بن أبى طالب: الإيمان منذ بعث آدم، ﵇، شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، ولكل قوم شرعة ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالة على عدم التباين بين طرق الأنبياء، منها قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً إلى قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣]، ومنها قوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]. وردت آيات دالة على حصول التباين بينها، منها هذه الآية، وهى قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، وطريق الجمع بين هذه الآيات أن كل آية دلت على عدم التباين، فهى محمولة على أصول الدين من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فكل ذلك جاءت به الرسل من عند الله تعالى، فلم يختلفوا فيه. وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينها، فمحمول على الفروع وما يتعلق بمظاهر العبادات، فجائز أن يتعبد الله عباده فى كل وقت بما شاء، فهذا هو طريق الجمع بين الآيات، والله أعلم بأسرار كتابه. انتهى. هذا هو القرآن الحكيم، وهذا هو فهم الراسخين من أولى العلم فيه، نقلناه ليكون حجة نيرة، وبرهانا ساطعا على من انحرف فى القول وخلط فيه، وبعد عن الصواب والمنهج المستقيم.

стр. 118

كذلك ذكر الإمام القرطبى فى تفسير قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: ١٣] فى بيان حكمة اقتصار الآية الكريمة على البدء بنوح بدون آدم، نقلا عن القاضى ابن العربى ما نصه: ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى ﷺ قال فى حديث الشفاعة المشهور الكبير: «ولكن ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله تعالى إلى الأرض، فيأتون نوحا، فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض»، وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول رسول نبى بغير إشكال، إلا أن آدم لم يكن معه إلا بنوه، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان شرعه تنبيها على بعض الأمور، واقتصارا على ضروريات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء، واستمر هذا إلى نوح، فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء، صلوات الله عليهم، واحدا بعد واحد، وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله تعالى بخير الملل، ملتنا، على لسان أكرم الرسل، نبينا محمد ﷺ . وكأن المعنى: أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا، يعنى فى الأصول التى لا تختلف فيها الشرائع، وهى التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والزنا، والإذاية للخلق كيفما تصورت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينا واحدا، وملة متحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، أى اجعلوه دائما، قائما، مستمرا، محفوظا، مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك، ومنهم من نكث، ومن ينكث فإنما ينكث على نفسه، واختلفت الشرائع وراء هذه فى أحكامها حسبما أراد الله تعالى مما اقتضت المصلحة، وأوجبت الحكمة وضعه فى الأزمنة على الأمم، والله أعلم. فهذا هو التوحيد بين الأديان والاختلاف بينها، وقد تبين بوضوح أن ذلك لازم لكل دين، وضرورى فى كل رسالة سبقت الإسلام وتقدمت عليه، على خلاف ما يفهم من عبارة الكاتب التى نقلناها عنه سابقا فى قوله: فجاء الإسلام على خلاف جميع العقائد التى سبقته يؤاخى بين الأديان كلها، فقوله: على خلاف جميع العقائد، يقصد به جميع الأديان، وهو كلام لا سند له ولا دليل، بل الدليل يبطله ويأتى عليه من أساسه، قال

стр. 119

تعالى: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ [المائدة: ٤٦] الآية، فقوله: مُصَدِّقاً فى الموضعين حال، الأول من «عيسى»، والثانى من «الإنجيل». قال العلماء: إنها حال مؤكدة، إذ مقتضى أن عيسى رسول من الله تعالى، أن يكون مؤمنا بما فى التوراة، ومقتضى أن الإنجيل كتاب من الله، أن يكون مصدقا للتوراة التى هى من عند الله كذلك. وقال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ [المائدة: ٤٨]، قال الخطيب الشربينى فى تفسيره عند هذه الآية ما نصه: ولما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها كالشيء الواحد، عبر تعالى بالمفرد، فقال: مِنَ الْكِتابِ، أى الكتب المنزلة التى جاء بها الأنبياء من قبل، فاللام الأولى فى الكتاب للعهد؛ لأنه عنى به القرآن، والثانية للجنس؛ لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة. فثبت بهذا بطلان قول الكاتب أن العقائد السابقة لا تآخى بينها، ويجب أن لا يغيب عن البال أن تصادقها إنما هو على ما أوضحناه وبيناه من التوحيد بينها فى الأصول والاختلاف بينها فى الفروع، وإلا لما قال تعالى فى شأن التوراة: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا [المائدة: ٤٤]. ولما قال سبحانه فى شأن الإنجيل: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [المائدة: ٤٧]، وبناء على ما بينها من تصادق واتحاد يجب على كل أصحاب ديانة سابقة أن يدخلوا فى الديانة اللاحقة لها، متعبدين لله على ما فيها من فروع الأحكام التى تخالف الشريعة السابقة، وإلا فهم كافرون مخلدون فى النار. فإن أراد الكاتب بتآخى الإسلام مع بقية الأديان هذا الذى أوضحناه وبيناه لهو صحيح ثم صحيح، وإن أراد غير ذلك بأن أراد أن ما فى الأديان الأخرى من تشريع يخالف تشريع القرآن صحيح يتعبد به وينال به عند الله الثواب الجزيل والنعيم الدائم، وأن من صلى من أهل الديانات الأخرى، وصام، وحج على وفق ما جاء فى شريعته، يساوى ويعادل من صلى، وصام، وحج على وفق شريعة القرآن، وأن كلا منهما يرضى عنه الله فى دار البقاء، فهذا كفر صريح لا شبهة فيه على ما قدمنا من الأدلة والبراهين الملزمة بالدخول فى الإسلام والانضواء تحت لوائه.

стр. 120

جدال أهل الكتاب: وقال الكاتب فى صفحة (١٧٨) ما نصه: ولقد أمر الإسلام معتنقيه أمرا ألا يجادلوا أصحاب الديانات الأخرى إلا بالتى هى أحسن، وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦]، وما ذلك إلا ليشعروا أن المتدين أخو المتدين، وإن اختلفا فى بعض الآراء والأفكار. وذكر الكاتب قبل كلامه هذا أن من أصحاب الديانات أتباع كنفشيوس فى الصين، وبوذا فى الهند، وزاردشت بالفرس، وإخناتون المصرى القديم، وقال: إنه لا يحق لمسلم أن يزدريهم أو أن يحقرهم، فقد يكونون من الرسل الذين لم يقص القرآن قصصهم. ونقول له قبل أن نتكلم معه فى الآية الكريمة التى ساقها دليلا على دعواه: إن الرسل الذين لم يقصهم الله تعالى علينا فى القرآن هم ضمن الغيب الذى لم يطلعنا الله عليه لحكمة يعلمها هو، فعلينا أن نؤمن بأن هناك رسلا دعت الناس إلى توحيد الله وعبادته دون أن نعرف أشخاصهم وأزمنتهم وما لابس وجودهم من وقائع وحوادث، فقد قال العلماء فى قوله تعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء: ١٦٤]، معناه أن هناك رسلا سميناهم لك فى القرآن، وعرفناك أخبارهم، وإلى من بعثوا من الأمم، وما حصل لهم من قومهم، وقوله: لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، أى لم نسمهم لك، ولم نعرفك أخبارهم، فمجرد تجويز أنهم رسل لا يكفى أبدا لإعطائهم قداسة الرسل. ولنتكلم معه فى الآية: نقول: إنه لم يسق الآية بتمامها، وفى ذلك تغطية للحقيقة وستر لها عن أعين المتطلعين إليها والراغبين فى معرفتها، فالآية فى سوقها هذا تدل على أن لا نجادل إلا بالتى هى أحسن دائما أبدا، وهذا غير مراد قطعا بدليل قوله سبحانه بعد هذا مباشرة: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولنذكر معنى الآية بعد ذلك، فنقول: قوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ [العنكبوت: ٤٦]، أى اليهود والنصارى ظنا منكم أن الجدال ينفع، أو يزيد فى اليقين، أو يرد واحدا عن ضلال مبين، إِلَّا بِالَّتِي، أى المجادلة التى هِيَ أَحْسَنُ، كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم والدعاء إلى الله تعالى بآياته، والتنبيه على حججه كما قال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [المؤمنون: ٩٦].

стр. 121

إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية، فجادلوهم بالسيف إلى أن يسلموا، أو يعطوا الجزية، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ ، وقيل: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك، والاستثناء فى قوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا متصل، وإنما فسر الظلم فى الآية بمحاربتهم المؤمنين حتى لا يقال: كيف قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مع أن أهل الكتاب جميعا ظالمون؛ لأنهم كافرون، قال تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. فالآية الكريمة شروع فى بيان إرشاد أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام بعد بيان إرشاد أهل الشرك فى قوله تعالى قبل ذلك: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: ٤١] الآية، فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى معناه دعوتهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ وما جاء به؛ لأن هذا هو المتعين المفروض الذى يلزم كل مكلف من المسلمين فى حدود الاستطاعة والقدرة كما هو واضح، وما أبدع قوله فى هذه الآية: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ بعد قوله سبحانه فيها: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ. قال الخطيب الشربينى عندها ما نصه: أى خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع، سواء كانت موافقة لفروعكم، كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفا لكتابه وسنة نبيه ﷺ . انتهى هذا هو معنى الآية، وهذا هو ما يفهم منها على مقتضى الموازين الصحيحة والضوابط الدقيقة، هذا هو ما تعطيه الآية على وفق ما قاله أئمة الهدى والراسخون فى التحقيق والمعرفة. قلنا فيما تقدم: إن الآية فى دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، والكاتب يقول: إن المجادلة للإشعار أن المسلم فى دينه أخو اليهودى والمسيحى فى دينهما. ولا ندرى من أين جاءت هذه الأخوة وهم يتجهون إلى بيت المقدس، ونحن نتوجه إلى الكعبة، وصلاتنا تخالف صلاتهم، وصيامنا يخالف صيامهم، إلى غير ذلك. وقد نطق القرآن بكفرهم كما يصرح به قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، اللهم إلا إذا أمكن أن يقال فى المتضادات: إن بينها أخوة، وفى المتباينات: إن فيها صلة ورابطة.

стр. 122

الإيمان والعمل الصالح: وقال فى صفحة (١٧٩) تحت عنوان: الإيمان والعمل الصالح، بعد كلامه ما نصه: فكل من آمن وعمل صالحا فى هذه الدنيا فله أجره عند ربه، سواء فى ذلك المسلم، أو المسيحى، أو اليهودى، أو المتدين بأى دين من الأديان، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. قلنا فيما تقدم عند ردنا عليه فى قوله: الإسلام يؤاخى بين الديان، ما نصه: فإن أراد الكاتب بتآخى الإسلام مع بقية الأديان الأخرى، هذا الذى أوضحناه، فهو صحيح، وإن أراد غير ذلك بأن أراد أن ما فى الأديان الأخرى من تشريع يخالف تشريع القرآن صحيح يتعبد به، وينال به عند الله تعالى الثواب الجزيل، والنعيم الدائم، وأن من صلى من أهل الديانات الأخرى وصام وحج على وفق ما جاء فى شريعته يساوى ويعادل من صلى وصام وحج على وفق شريعة القرآن، وأن كلا منهما يرضى عنه الله فى دار البقاء، فهذا كفر صريح لا شبهة فيه. أما هنا وفى هذا الموضع، فقد انكشف لنا الغطاء عما يقول الكاتب من أن الإسلام يؤاخى بين الأديان، وأنه لا يقصد بتآخى الإسلام مع بقية الأديان إلا هذا الذى يصرح به هنا من أن كل من عمل صالحا على أى دين، فله أجره عند ربه، وقد تأيد هذا بما ذكره الكاتب فى مقدمة الطبعة الأولى فى كتابه هذا، فقال فى صفحتى (١٣ و ١٤) تحت عنوان: المادية هى الخطر المشترك، ما نصه: وعلى أية حال، فقد حان الوقت ليدرك كل صاحب عقيدة دينية أيا كان موضعها ومحورها، أن الخطر الذى أصبح يهدد عقيدته ليس ما يقول به دين آخر. إلى أن قال: وإنما الخطر الذى أوشك أن يهدد العقائد ويقتلعها من جذورها هو هذه المادية الطاغية الجارفة المسعورة. فهو يرى أن الأديان كلها متآخية، وأن أصحابها ناجون، يرضى الله عنهم جميعا دون الماديين الذين استهوتهم المادة وغلبهم حبها، وتغلغل هذا الرأى فى نفس الكاتب إلى حد أنه رسم على غلاف كتابه ما ينبئ عن هذا التآخى ويشير إليه، فقد رسم على الغلاف مئذنة وصليبا بجانبها، وبجانب الصليب من فوق رسم شمسا، وبجانب الصليب من أسفل رسم نجمة، وبين الشمس والنجمة فى محازاة الصليب وبجانبه رسم شخصا فرعونيا، يعنى فهو يدعو إلى الفكرة قولا، وكتابة، ورسما، وتصويرا، وتفسير هذا

стр. 123

الرسم على حسب ما جاء فى كلامه الذى ذكرناه قريبا أن الرجل الفرعونى والشمس رمزان إلى أخناتون المصرى، والنجمة هى رمز وشعار اليهودية، أما الصليب فهو معروف أنه للنصارى، والمئذنة معلوم أنها للمسلمين، ولا ندرى ما رمز الزرادشتية، ولا رمز الكونفشيوسية، ولا رمز البوذية، وعلى كل، فهذا الذى ذكرناه هو ما أمكننا أن نستخلصه من هذا الرسم، ولعله يقول فيما لم يرمز إليه أنه محمول على غيره ومقصود معه، بدليل كلامه السابق الذى ذكرناه. ونقول نحن من جانبنا: كل من يقول وهو غير مؤمن بالقرآن وبرسالة محمد ﷺ أنه من أهل الجنة، وأن الله تعالى عنه راض، وأنه تعالى يثيبه على عقيدته أو عبادته فى دار البقاء، فهو كاذب خاطئ، قال تعالى حاكيا عن اليهود والنصارى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١١، ١١٢]. سمى الله تعالى هذا القول منهم أمنية تمنوها، وشهوة رغبوا فيها، يعنى فلا دليل على ذلك ولا برهان، ثم أمر نبيه ﷺ أن يطلب منهم البرهان فى ذلك، وأن يظهروا ما عندهم من حجة إن كانت لهم حجة أو برهان، وكانت الإجابة ب بَلى لإثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وبين سبحانه بهذا أن الجنة لن تكون إلا لمن أسلم وانقاد لله تعالى بقلبه باطنا، وبجوارحه ظاهرا. وقال بعد ذلك أيضا حاكيا عنهم: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة: ١٣٥]، فالله سبحانه بهذه الآيات يكذبهم تكذيبا صريحا، ويبين لهم كيف يكون الوصول إلى الجنة ونيل ما عند الله تعالى من الثواب، وإذا كان القرآن يكذب اليهود والنصارى فى هذه الدعاوى التى قالوها، وهم أصحاب شرع سماوى سابق، فغيرهم ممن لم يعلم له كتاب ولم يعرف له رسول من سائر المذاهب والأديان التى ذكرها الكاتب، أولى بهذا التكذيب وأحق به، وعلى الكل أن ينضوى تحت لواء القرآن، وأن يصدق بما جاء فيه من تشريع وأحكام. فحقيقة الإيمان الصحيح اللازم لكل مكلف فى أى جنس، وعلى أى ملة ومذهب، الإيمان المعتبر عند الله تعالى فى النجاة من الخلود فى النار، وفى نيل الثواب الدائم

стр. 124

والنعيم المقيم فى الجنة، هو الإيمان بالقرآن وسائر الكتب السماوية السابقة عليه، قال تعالى فى أول سورة البقرة فى بيان وصف المتقين: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: ٤]، قال المفسرون عند هذه الآية: والإيمان بالإنزالين جملة فرض عين، وبالأول دون الثانى تفصيلا من حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض، ولكن على الكفاية؛ لأن وجوبه على كل أحد يوجب الحرج ويشوش المعاش. قال تعالى من هذه السورة أيضا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]. وَالْأَسْباطِ جمع سبط، وهو الحافد، والمراد حفدة يعقوب وأبناؤه وذراريه، فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق، وقد نسبت صحف إبراهيم إلى الأسباط؛ لأنهم كانوا متعبدين بتفاصيلها، داخلين تحت أحكامها، فكأنها أنزلت إليهم، كما أن القرآن لهذا الاعتبار نزل إلينا. ثم قال تعالى كذلك فى هذه السورة: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]. اختلف نظر المفسرين فى بيان المخاطب بهذه الآية، وعلى أى قول منها، فهى دليل واضح على أن الإيمان لن تكون له حقيقة منجية إلا إذا كان بجميع الأنبياء وما نزل إليهم. قال فريق: إن المراد بالمخاطب أهل الكتاب، وعليه يكون المعنى: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب، وصلاة النصارى إلى المشرق، فإنهم أكثروا الخوض فى أمر القبلة حين حوّلت، وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله تعالى عليهم وقال: ليس البر ما أنتم عليه، فإنه منسوخ، ولكن البر ما فى هذه الآية. وقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ على تأويل حذف مضاف، أى بر من آمن، أو بتأويل البر بمعنى ذى البر، أى ولكن البر الذى ينبغى أن يهتم به بر من آمن، أو لكن ذا البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب، أى الكتب، إن أريد به الجنس، وإلا فالقرآن. ويرى البعض أن المخاطبين هم المسلمون، والمعنى عليه: ليس البر كله فى الصلاة،

стр. 125

ولكن البر ما فى هذه الآية. وبعضهم عمها فى المسلمين وأهل الكتابين، أى ليس البر مقصورا بأمر القبلة. ومقصودنا من هذه الآية لا يختلف على أى قول من الأقوال كما قدمنا آنفا. كذلك جاء فى آخر هذه السورة قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ. فهذه دلائل صادقة وبراهين قوية دامغة على ما قلناه فى بيان حقيقة الإيمان المنجى، من أخل بجزئية من هذه الحقيقة، فإيمانه غير صحيح ولا معتبر شرعا، بمعنى أن من فرّق فى إيمانه بين كتاب وكتاب، أو رسول ورسول، أو ما إلى ذلك، فهو كافر. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [النساء: ١٥٠، ١٥١]. وقال حكاية عن اليهود خاصة: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩]، إلى أن قال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ [البقرة: ٩١]. فالفروق التى ذكرها الكاتب فى كلامه الذى ذكرناه قبل لا تؤمن بمحمد ﷺ ولا بقرآنه، فهى كافرة بمقتضى هذه النصوص القرآنية، وما دامت كافرة فلن يقبل الله تعالى لها عملا عنده فى دار البقاء، قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: ١٨]، يعنى: فكل عمل طيب يصدر عن الكافر من صدقة، وصلة رحم، وفك أسير، وإقراء ضيف، وبر والد، فى عدم الانتفاع به، كرماد اشتدت به الريح، فلم تبق له عينا ولا أثرا، فهم لا يجدون لهذا العمل ثوابا عند الله تعالى لفقد شرطه، وهو الإيمان الصحيح، وقال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٣]، يعنى قصدنا إلى أعمالهم التى عملوها من مكارم الأخلاق، كالجود، وإغاثة الملهوف، ونحو ذلك، فَجَعَلْناهُ، لكونها لم تؤسس على الإيمان، هَباءً وهو ما يرى من شعاع الشمس الداخل من كوة مما يشبه الغبار

стр. 126

مَنْثُوراً أى مفرقا فهو مثله فى عدم النفع، إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه. قال العلماء: وإن كانوا قد يجازون عليه فى الدنيا. وما دامت أعمالهم الصالحة لا ثواب عليها لفقد شرطها وهو الإيمان، فليس لهم إلا النار مستقرا ومقيلا. ثم إن الكاتب لما استشهد على دعواه بالآية الكريمة، قال بعدها مباشرة: وقد تكررت هذه الآية فى القرآن بنصها ومعناها أكثر من مرة حتى أصبحت بمثابة قاعدة أساسية من قواعد الدين الإسلامى، حتى لقد جعل منها تشريعا قائما عند ما أباح للمسلم أن يتزوج بكتابية على غير دينه، وأن تبقى على دينها. أما بالنسبة للآية، فنقول: لا يمكن أبدا فى ميزان العقل السليم والمنطق الصحيح أن تفهم الآية على ما يبدو منها للكاتب بعد أن بين القرآن حقيقة الإيمان، وما يجب على المكلف أن يؤمن به، وبعد أن حكم بالكفر على من كذّب وفرّق بين رسول ورسول، كما قدمنا كل ذلك صريحا دون لبس أو غموض، وإلا لكان القرآن من عند غير الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإذن فلا بد من فهمها على هذه الحقائق، وعلى أساس هذه الأصول، وتلكم الحجج القوية الدامغة. قال أئمة التفسير: اختلف فى الذين آمنوا فى هذه الآية، فقالت فرقة: «الَّذِينَ آمَنُوا» هم المؤمنون حقا بنبينا محمد ﷺ ، وقوله: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ» يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفى سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وقالت فرقة: المراد بالذين آمنوا، المؤمنون بالأنبياء قبل بعثة نبينا محمد ﷺ ، ويكون المعنى: أن الذين آمنوا على التحقيق فى زمن الفترة مثل: قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبحيرا الراهب، وأبى ذر الغفارى، وسلمان الفارسى، وهؤلاء هم أصحاب الإيمان الحق قبل ظهور النبى ﷺ ، والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وبمحمد ﷺ عند إدراكهم زمنه، فلهم أجرهم ... إلخ. فالآية تبين بهذا أن أى دين قبل ظهور محمد ﷺ لو كان صحيحا لا ينفع المتدينين به عند ظهوره ﷺ ، وعليهم أن يؤمنوا بالقرآن، وبما جاء به، ﵇، إذا أدركوا زمنه، وإلا فهم هالكون، ومن باب أولى ما إذا كان باطلا ومبدلا كدين اليهود والنصارى، فلو فرض أن إنسانا قبل ظهور بعثة النبى ﷺ كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى

стр. 127

رسول الله، على معناها الصحيح الصادق، لم تنفعه هذه الشهادة عند ظهور البعثة المحمدية، وعليه إذا أدرك زمانها أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالأديان كلها لاغية وباطلة، سواء كانت صحيحة أو فاسدة عند ظهور الدعوة المحمدية. هذا ما تعطيه الآية على ما قدمنا من كلام أئمة التفسير، إذن فهى ضد ما قال الكاتب، وضد دعواه، وهى عليه لا له. وقفة مع آية: بقى قوله: وقد تكررت هذه الآية فى القرآن بنصها ومعناها أكثر من مرة، حتى أصبحت بمثابة قاعدة أساسية من قواعد الدين الإسلامى، حتى لقد جعل منها تشريعا قائما عند ما أباح للمسلم أن يتزوج بكتابية على غير دينه، وأن تبقى على دينها. نقول: أما عن تكرار آية فى القرآن بنصها ومعناها أكثر من مرة، فنحن نطالبه بالدليل على ذلك، ولا يكلفه الدليل أكثر من أن يتصفح المصحف الشريف سوره وآياته، حتى يأتى لنا بمواضع التكرار التى قالها وادعاها، وسوف لا يجد بعد أن يتقصى القرآن كله أوّله وآخره، ووسطه وطرفيه، ما يثبت له هذا الذى قاله، ولا ذلك الذى ادعاه. فمقتضى كلامه أن الآية كررت ثلاث مرات على الأقل، إذا راعينا المعنى الموضوع للعبارة، أما إذا راعينا المعنى العرفى لهذا التعبير، فالمعنى أن الآية كررت مرات ومرات. والحقيقة والواقع أن هذه الآية الكريمة بالنص السابق الذى ذكرناه قبل قد ذكرت فى سورة البقرة، وذكرت أيضا فى سورة المائدة، ونصها فى سورة المائدة هو هذا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة: ٦٩]، ونرى فى هذه مع سابقتها اختلافا فى موضعين: أولا: قال: وَالصَّابِئُونَ بالرفع وهناك: وَالصَّابِئِينَ بالنصب. ثانيا: قال هنا: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة: ٦٩]، وقال هناك: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، وعبارة الكاتب تفيد أن التكرار كان بنص الأولى، وهذا غير الواقع المحسوس كما بينا، يعنى أن الآية الكريمة ذكرت مرتين فى القرآن الكريم فقط دون ما زيادة على ذلك، أما توجيه

стр. 128

قراءة: وَالصَّابِئُونَ بالرفع، وهى قراءة الجمهور، فقد قال العلماء فى بيان ذلك أنه من المقدم الذى معناه التأخير، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك. وأما قوله: حتى لقد جعل منها تشريعا قائما عند ما أباح للمسلم أن يتزوج بكتابية على غير دينه، وأن تبقى على دينها. فنقول: لقد بينا المعنى الصحيح للآية، ذلك المعنى الذى لا يجوز فهم غيره منها، وهو الذى قال به أئمة المفسرين، وليس فى هذا المعنى ما يدل أقل دلالة ولا يشير أدنى إشارة إلى زواج المسلم من الكتابية، حتى ولا فى مذهبه الفاسد الذى أبطلناه لا توجد هذه الدلالة، فلا يلزم من مذهبه هذا، كل من آمن وعمل صالحا من أى دين فله أجره عند ربه، لا يلزم منه زواج المسلم من الكتابية؛ لأنه لو جاز زواج المسلم من الكتابية بمقتضى هذا المذهب لجاز للمسلم أيضا زواج المرأة الزرادشتية والكونفشيوسية، ولا يقول بذلك مسلم. نعم أباح الله تعالى زواج المسلم من الكتابية بآية أخرى من سورة المائدة، وهى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ إلى أن قال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥]. قال الخطيب الشربينى عند هذه الآية فى قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، قال: هم اليهود والنصارى، أى أحل لكم أن تنكحوهم وإن كن حربيات. وقال ابن عباس: لا تحل الحربيات، وأما الإماء المسلمات، فيحل نكاحهن فى الجملة، بخلاف الإماء الكتابيات، فلا يحل نكاحهن عند أبى حنيفة، رحمه الله تعالى. هذا وقد جاء فى مجلة «منبر الإسلام» عدد جمادى الأول سنة (١٣٨٤ هـ) مقال بعنوان: حول ترجمة القرآن، للأستاذ محمد وصفى، فيه ما يأتى: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]. لقد ذهب المستشرقون إلى ترجمة هذه الآية الكريمة ترجمة مضللة بعيدة كل البعد عن المعنى الحقيقى الذى هدفت إليه، ومناقضة لتعاليم الإسلام وعقائد المسلمين صريحا إلى

стр. 129

أبعد الحدود. وقبل أن نناقش الترجمة، نرى لزاما علينا أن نذكر نص هذه الترجمة، ضاربين مثلا بترجمة «رودل» مثلا، هذا مع العلم بأن ترجمة من التراجم التى بأيدينا، لم تأت بالترجمة الصحيحة، وإنه ليؤسفنا أن محمد بقول، المسلم، جارى المستشرقين من غير المسلمين فى نفس الخطأ الذى وقعوا فيه، ثم ذكر الكاتب نص الترجمة بالإنجليزية، فليراجعها من شاء. وهذه الترجمة تعنى أن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعلمون عملا طيبا سيكافئون من سيدهم، وسوف لا يلحقهم خوف أو حزن، سواء كانوا مسلمين، أو متبعين للديانة الإسرائيلية، أو صليبيين أو صابئين. ويفهم من هذه الترجمة أن جميع من على الأرض اليوم من الإسرائيليين وأهل التثليث والصابئين، هم كالمسلمين سواء، ولن يصيبهم حزن أو خوف يوم القيامة ما داموا مؤمنين بوجود الله، وأن سيرهم حسن فى الدنيا حسب أديانهم التى يعتنقونها، وهو ما يتناقض كل التناقض مع قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]. إن الآية الكريمة معناها أن المسلمين الذين آمنوا برسالة خاتم النبيين، واليهود الذين اتبعوا شريعة موسى وآمنوا برسالته فى زمنه، وساروا على تعاليم التوراة الحقيقة، ودعوا الله قائلين: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]، والنصارى الذين ما بعث إليهم المسيح عيسى ابن مريم حتى آمنوا برسالته، واتبعوا الإنجيل الحقيقى طوال الزمن المحدد لرسالته، والصابئين الذين آمنوا برسالة رسولهم فى زمنه، كل أولئك لهم أجر عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ لأنهم هم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعلمون الأعمال الصالحة التى جاءت بها الكتب التى أرسلت إليهم على يد رسل الله الذين أرسلوا لهدايتهم، فمن كان اليهود زمن المسيح عيسى ابن مريم ولم يؤمن به، فقد حبط عمله؛ لأن رسالة موسى تتضمن وجوب الإيمان برسالة عيسى ونبوّته، واتباع تعاليم شريعته متى جاءت، والمفروض كذلك على النصارى الذين وجدوا أيام نزول القرآن الكريم أن يؤمنوا برسالة خاتم النبيين. ولقد حكى الله تعالى عن الذين آمنوا بالرسول الكريم من النصارى عند نزول

стр. 130

القرآن الكريم، فقال: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: ٥١ - ٥٤]. فالمؤمنون من أهل الكتاب الذين يكافئهم الله تعالى ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هم الذين يقيمون التوراة والإنجيل والقرآن، ولا يكفرون بأحدها، هذا مع العلم بأنها جميعا تفرض الإيمان برسالة محمد الكريم. قال تعالى: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧] الآية. أ. هـ. ونرجع إلى الكاتب أحمد حسين، فنراه يقول فى صفحة (١٨٠) بعد أن ذكر الآية الكريمة، وهى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨] استشهادا على مذهبه ما نصه: وتطبيقا لذلك، فإن أهل الكتاب كالمسلمين سواء بسواء، من يفعل منهم مثقال ذرة من الخير، فإن الله يثيبه عليه، وما يفعله من شر فإن الله يجازيه عليه، واقرءوا إن شئتم: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١١٣ - ١١٥]. نقول: إن آية وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ... [الزلزلة: ٧] إلخ، لا تنطبق على أهل الكتاب إطلاقا؛ لأنهم كافرون بالقرآن وبرسالة محمد ﷺ ، وشرط العمل الصالح كما قدمنا الإيمان بجميع الكتب المنزلة والرسل جميعا، خص الكاتب هنا أهل الكتاب بالذكر بعد أن جعلهم فيما مضى ضمن أهل الأديان كلها، وأن الكل ناجون، مستشهدا على هذا بآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى [البقرة: ٦٢] على ما مر بيانه. واستشهد هنا بآية كريمة أخرى على دعواه حسبما نقلناه عنه آنفا. ونحن بعون الله تعالى ننقض القول فى بيان وإيضاح، فنقول زيادة على ما تقدم فى أول البحث: إن الله تعالى قد خاطب أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن، وتوعدهم على تركه

стр. 131

بأقصى وأشد أنواع العقوبات، وهم بهذا يتساوون مع المشركين الماديين فى أن الله تعالى طالبهم بالإيمان بالقرآن، كذلك قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء: ٤٧]. وقال جل ذكره فى سورة التغابن بعد أن حكى عن المشركين أنهم ينكرون البعث: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [التغابن: ٨]، يعنى فالمليّون والماديون متساوون فى التكليف من الله تعالى بالإيمان بالقرآن، ولذلك أمر الله تعالى نبيه، ﵇، أن يوبخ الفريقين على ترك الإيمان به، فقال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٢٠]. وقد جعل الله تعالى أهل الكتاب فى عداد من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، قال تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]. قال سيدى عبد الرحمن الثعالبى الجزائرى فى تفسيره عند هذه الآية ما نصه: ونفى سبحانه عن أهل الكتاب الإيمان بالله واليوم الآخر، حيث تركوا شرع الإسلام، وأيضا فكانت اعتقاداتهم غير مستقيمة؛ لأنهم تشعبوا وقالوا: عزير ابن الله، والله ثالث ثلاثة، وغير ذلك، ولهم أيضا فى البعث آراء فاسدة، كشراء منازل الجنة من الرهبان، إلى غير ذلك من الهذيان، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة: ٢٩]، أى لا يطيعون ولا يمتثلون، ومنه قول عائشة، رضى الله عنها: «وما عقلت أبوى إلا وهما يدينان الدين»، والدين هنا الشريعة. فصار المعنى: ولا يطيعون ولا يمتثلون شريعة الحق، وشريعة الحق هى ما جاء به النبى ﷺ ؛ لأنها نسخت جميع الأديان وجميع الشرائع السابقة، بدليل قوله تعالى بعد ذلك فى هذه السورة أيضا: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣]. فتبين بهذا أن أهل الكتاب ليسوا كالمسلمين سواء بسواء كما ادعى الكاتب، وإنما هم

стр. 132

كافرون كالمشركين سواء بسواء، ما داموا لم يؤمنوا بالقرآن وشريعته، بل كفرهم يزيد قبحا على كفر بقية الكافرين، ولذلك يقول الخطيب الشربينى عند تفسير قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ [آل عمران: ٩٨] ما نصه: وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أن كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل، فهم كافرون بهما. أما عن الآية والاستشهاد بها، فبعد أن أبطلنا قوله: إن أهل الكتاب كالمسلمين بما تقدم إيضاحه، فقد أصبحت الآية لا تتصل بدعواه إطلاقا، وأما عن معناها وتفسيرها فهو هذا، ونسوق الآية بكمالها، قال تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ... [آل عمران: ١١٣] الآيات. جاء قبل هذه الآية قوله تعالى: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمران: ١١٠]، يعنى لو آمن أهل الكتاب بالله ورسوله ﷺ ، لكان الإيمان خيرا لهم مما هم عليه؛ لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرئاسة واستتباع العوام، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه، وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ، أى المتمردون فى الكفر. وقيل خيرا لهم من الكفر الذى هم عليه، فالخيرية إنما هى باعتبار زعمهم، وفى ضرب من التهكم بهم ولم يتعرض لما يؤمنون به إشعارا بشهرته، ثم قال هنا: لَيْسُوا سَواءً [آل عمران: ١١٣]، الواو فى قوله: لَيْسُوا تعود على أهل الكتاب، وهى اسم ليس، وسواء خبرها، فالوقف عليه تام. والمعنى أنهم ينقسمون إلى مؤمن وكافر؛ لقوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمران: ١١٠]، فانتفى استواؤهم، وقد سيقت هذه الجملة تمهيدا وتوطئة لتعداد محاسن مؤمنى أهل الكتاب. وقوله تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [آل عمران: ١١٣] استئناف مبين لكيفية عدم تساويهم، ومزيل لما فيه من الإبهام ووضع أهل الكتاب موضع الضمير العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراك بين الفريقين وللإيذان بأن تلك الأمة ممن أوتى نصيبا وافرا من الكتاب لا من أراذلهم. وقوله: قائِمَةٌ معناه المستقيمة العادلة، من أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهذه الأمة، كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود الذين أسلموا، وكالنجاشى

стр. 133

وأصحابه من النصارى الذى أسلموا أيضا، فكل صفات الخير التى أتت بعد ذلك فى الآيات الكريمة إنما هى لمن آمن منهم بالقرآن ودخل فى حوزة الإسلام، وعبد الله تعالى على شريعة النبى محمد ﷺ لا كما زعمه الكاتب فى تحريفه الآيات، وحملها على من لم يؤمن من أهل الكتاب، ولو قرأ سابق الآية وتدبره حق التدبر، لاهتدى إلى المعنى الصحيح الذى قال به أئمة الهدى وأعلام المحققين. وأما القسم الآخر من أهل الكتاب الذى أشارت إليه الآية، فلم يذكر فى الآية، اكتفاء بذكر أحد الفريقين. قال الخطيب الشربينى فى تفسيره عند هذه الآية ما نصه: أى والأمة الأخرى غير قائمة، بل منحرفون عن الحق، غير متعبدين بالليل، مشركون بالله، ملحدون فى صفاته، واصفون لليوم الآخر بغير صفته، متباطئون عن الخيرات، فترك هذه اكتفاء بذكر أحد الفريقين. فأى مطمع للكاتب بعد هذا البيان فى هذه الآيات وأمثالها مما ادعى فيه أنه يؤيد رأيه الذى لم يقل به أحد، ولم يشهد له أى دليل من نقل صحيح، أو عقل سليم، والله يقول الحق، وهو يهدى السبيل.

стр. 134

كلمة للتاريخ أحمد حسين فى سطور: - والده ريفى من كفر البطيخ، أما والدته فمن سمنود. - ولد هو فى القاهرة فى ١٨ مارس ١٩١١ م، إن كان لا يفتأ يصرح أنه ولد قبل هذا التاريخ. - تلقى علومه فى كتاب الحى بطولون، ثم التحق بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية الابتدائية، وانتقل منها إلى مدرسة محمد على الأميرية، حيث ألف فى هذه الفترة جمعية: نصر الدين الإسلامى. - تلقى تعليمه الثانوى فى المدرسة الخديوية، وانخرط فى نشاطها المدرسى، وكان التمثيل هو النشاط المسيطر، فقدم لهم مسرحية: أبو مسلم الخراسانى، كما أشرف على إصدار مجلة المدرسة. - التحق عام ١٩٢٩ م بكلية الحقوق. - دعا عام ١٩٣١ م إلى تصنيع مصر بجهود الشعب، مما أطلق عليه فى حينه: مشروع القرش. - أسس عام ١٩٣٣ م جمعية مصر الفتاة، التى تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى الحزب الاشتراكى، وكانت التعاليم الإسلامية هى نبراسه دائما، فدعا عام ١٩٣٨ م إلى تطبيق أحكام الشريعة، واتهم ونفر من أعضاء جماعته، فيما اشتهر آنذاك باسم: تحطيم الحانات. - كان له دور كبير فى محاربة الملك السابق وكل فساد وطغيان، مما جعل حكام ذلك الزمان يعلمون على التخلص منه، فانتهزوا فرصة حريق القاهرة فى يناير ١٩٥٢ م لكى يعتبروه مسئولا عن هذا العمل. - كان لقيام الثورة فى ٢٣ يوليو ١٩٥٢ م الفضل فى إنقاذه من حبل المشنقة. - هاجر من مصر عام ١٩٥٥ م، ولكنه لم يلبث أن عاد إليها، فلما أن خاب أمله مرة أخرى اعتزل الحياة وأوى إلى بيته عام ١٩٦٠ م.

стр. 135

- وفى بيته تفرغ للمطالعة والتأليف، فأصدر ثلاثة من ألمع كتبه: ١ - الطاقة الإنسانية. ٢ - الأمة الإنسانية. ٣ - نبى الإنسانية. - جاوزت مؤلفاته الأربعين كتابا، أحدها يقع فى ألفى صفحة، وهو موسوعة تاريخ مصر. - ولكن عمله الأكبر، والذى يعتبره تتويجا لحياته كلها، هو تفسيره للقرآن الكريم. - أصيب بالشلل الكامل الذى أعجزه عن الحركة تماما، فيما خلا الكتابة، وهو ما يجعله يقول: ما بقى الله يحفظ لى عقلى، ويقدرنى على الكتابة، فسوف أكتب لنهضة المسلمين. - يعتز باللقب الذى أطلقته عليه مجلة الأزهر من أنه: الكاتب الإسلامى. رسالة إلى المجاهد: بعد هذا التعريف الذى نشر فى مجلة الأزهر، عدد جمادى الأولى عام ١٣٩٩ هـ، عقب عرض لكتابه: وصيتى وإيمانى، أقول كلمة للتاريخ: فعند إخراج هذا الكتاب فى طبعته الأولى عام ١٩٧٩ م، قلت فى نفسى: إن الأستاذ أحمد حسين ما زال حيا يرزق، وبالتأكيد فهو لم يطلع على ما كتبه المرحوم فضيلة الدكتور سيد أحمد المسير، ومن الأمانة العلمية أن أضع هذا الرد أمامه ليقول كلمته، ولكن كيف أتصل بالأستاذ أحمد حسين؟. هنا يسر الله الأحوال، وطرأت على ذهنى فكرة، إن الأستاذ أحمد حسين يكتب مقالا شهريا فى مجلة «منبر الإسلام» فى تفسير القرآن الكريم، وإن رئيس التحرير حينئذ هو الأستاذ الدكتور عبد المعطى بيومى، وهو أستاذ معنا فى كلية أصول الدين بالقاهرة، فلماذا لا أرسل له الكتاب عن طريقه؟! فعرضت الفكرة على الأستاذ عبد المعطى بيومى، فرحب بها، وحملته أمانة توصيل الكتاب ورسالة خطية منى إلى الأستاذ أحمد حسين.

стр. 136

وقد أخبرنى الدكتور رئيس التحرير أنه عند عرض الموضوع على أسرة التحرير فى مجلة «منبر الإسلام» اعترض البعض على إرسال الكتاب والخطاب إلى الأستاذ أحمد حسين، بدعوى أن الرجل مريض وفى آخر أيامه، ولا يصح أن نؤرق الرجل أكثر مما هو فيه. فرد الأستاذ الدكتور عبد المعطى بيومى قائلا: لأن نصحح للرجل عقيدته، ويلقى الله على عقيدة صحيحة، خير من أن ندعه هكذا. وفعلا، وكما أخبرنى الدكتور عبد المعطى بيومى، فقد أرسل إليه الكتاب والخطاب، وهذا هو نص الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم السيد الأستاذ المجاهد الكبير أحمد حسين، السلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فأستأذن سيادتكم فى الكتابة إليكم رغم عدم سابق معرفتنا، ولكن رابطة الإسلام أقوى، وواجب التواصى بالحق هو الذى يمنحنى الإذن العام فى مراسلتكم. وفى البداية فإنى أحيى فيكم جهادكم الطويل المتواصل، وأشكر لكم توجيهاتكم السديدة لجيل اليوم، ونصائحكم الرشيدة لحكام الوطن، وأدعو الله لكم بالصحة، وتمام العافية، وحسن العواقب فى الأمور كلها. هذا وقد كان السيد الوالد المرحوم فضيلة الدكتور سيد أحمد المسير أستاذا للتفسير والحديث بكلية أصول الدين، وذات يوم اطلع على كتاب لسيادتكم هو «فى الإيمان والإسلام»، والكتاب فى مضمونه العام ومنهجه ثمرة طيبة، وغيرة مشكورة، ولكنه اتخذ موقفا من أهل الكتاب، رآه المرحوم والدى ونراه معه، مجانبا للصواب، وبعيدا عن منطق القرآن الكريم. وقد أملى المرحوم والدى بعض التعليقات على هذا الموقف لطلاب العلم الذين تتلمذوا على يديه، وعند ما انتقل إلى رحمة الله، رأيت أن من الوفاء لوالدى وللعلم أن أنشر مذكراته العلمية لينتفع بها المسلمون، وكان هذا الكتاب الذى أرسله اليوم لسيادتكم مع الأستاذ الدكتور عبد المعطى بيومى. رجاء أن تطلعوا عليه، وتتفضلوا بكتابة تعليق أعدكم، إن شاء الله، بنشره فى الطبعة الثانية، حتى تتجلى الحقيقة.

стр. 137

والله يرعاكم ويسدد خطاكم، مع أطيب أمانى الصحة والسعادة، وكل عام وأنتم بخير. ٧ من المحرم عام ١٤٠٠ هـ دكتور ٢٧/ ١١/ ١٩٧٩ م محمد سيد أحمد المسير رجوع إلى الحق: انتظرت ردا من الأستاذ أحمد حسين، فلم يصل، ولعل عذرا منعه، ولكن الرجل، رحمه الله تعالى، وقد أصبح فى ذمة التاريخ بعد وفاته فى السادس والعشرين من سبتمبر عام ١٩٨٢ م، قد كتب ردا عاما سجله فى مجلة «منبر الإسلام»، أعلن فيه الرأى الصحيح والعقيدة الحقة فى تفسير آيات القرآن الكريم التى كان قد أخطأ فى فهمها، وأضع أمام القارئ نصا لما سجله المرحوم الأستاذ أحمد حسين فى مجلة «منبر الإسلام» فى عدد جمادى الأولى سنة ١٤٠٠ هـ، وفيه يقول: وقد وهم أقوام، فتصوروا أن اليهود والنصارى سواء بسواء والمسلمين آمنوا بسيدنا محمد، ﵊، أم لم يؤمنوا، ما داموا يعملون الصالحات، ونقول: إن الإيمان بسيدنا محمد هو الشرط الأساسى لكمال الإيمان. كذلك ما سجله فى عدد رمضان سنة ١٤٠٠ هـ، وفيه يقول: ويساوى ما تقدم من حيث الكفر بالله محاولة التفريق بين الرسل، فيقال على سبيل المثال: نؤمن بموسى أو بعيسى، ولكنا نكفر بمحمد، فمثل هذا القول هو كفر صراح. وبهذا يكون الرجل، رحمه الله تعالى، قد رد أبلغ رد على رسالتى إليه، ورجع إلى الحق الذى لقى الله عليه مؤمنا صادقا. من تفسير الأستاذ أحمد حسين: أ- الدين والفطرة (١): شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ

стр. 138

وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣]. فالدين واحد، وهو لا يمكن أن يكون إلا كذلك، ما دام المصدر واحدا، وهو الله، والهدف منه واحد، وهو عبادة الله بعمل الصالحات فى هذه الدنيا، هذه الحقيقة الناصعة البسيطة هى ما يقررها الإسلام فى هذه الآية التى نحن بصددها وفى غيرها من الآيات، فوعاها المسلمون كل الوعى، وجهلها أتباع اليهودية والنصرانية، ومن هنا يتفوق الإسلام على سائر الأديان، إذ يعترف بها كلها، ويلقن المسلمين أحسن ما فيها كلها وهو جوهرها، عبادة الله الواحد الأحد، والعمل الصالح فى الدنيا، ليتلقى الجزاء الحسن على ذلك فى الآخرة. فشل الاستشراق والتبشير بين المسلمين: ومن هنا فشلت كل وسائل الاستشراق والتبشير فى تحويل مسلم واحد من الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية، فالمسيح، وإبراهيم، وموسى، ويعقوب، وإسحاق، كل هؤلاء رسل الله، وحملة الوحى الإلهى، وأيا ما قاموا به من معجزات وخوارق، فقد فعلوه بإذن الله لخدمة الله. لا يكمل إيمان اليهودى أو المسيحى إلا بإيمانه بمحمد: وقد وهم أقوام، فتصوروا أن اليهود والنصارى سواء بسواء والمسلمين، آمنوا بسيدنا محمد، ﵊، أم لم يؤمنوا، ما داموا يعلمون الصالحات، ونقول: إن الإيمان بسيدنا محمد هو الشرط الأساسى لكمال الإيمان؛ لأنه إذا كان من المتصور عقلا للملحدين الذين ينكرون الأديان جملة؛ لأنهم ينكرون الله، والوحى، والبعث، والحياة الأخرى، فإنه من غير المتصور أن ينكر مؤمن بكل هذا نبوّة سيدنا محمد، ﵊، والتى لم تخرج رسالته عن هذا الإطار. ب- من غير المنطق الإيمان بالوحى ثم الكفر بمحمد (١): إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: ١٥٠]، لا يجب أن يبرح الذهن أن القرآن الكريم قد نزل فى المناسبات لمواقف معينة محدودة، ومع ذلك، فإن آياته تظل تتحدث إلى أبد الآبدين عن أحداث عامة تتكرر على اختلاف الزمان والمكان، فهذه الآية على سبيل المثال، تتحدث عن يهود المدينة على زمن رسول الله ﷺ ، فهم يزعمون أنهم يؤمنون

стр. 139

بالله وبموسى كنبى مرسل، ولكنهم لا يؤمنون برسالة سيدنا محمد، ﵊، ولكن الآية صيغت بحيث تنطبق على كل زمان ومكان. لا إيمان بالله بدون الإيمان برسله: فلا يمكن لزاعم أن يزعم أنه يؤمن بالله، ولكنه لا يؤمن برسله؛ لأن معنى الإيمان بالله، أنه هو الذى خلق الإنسان، وخلقه لغاية، والرسل هم الذين عرّفونا بهذه الغاية، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، ويكون معنى عدم تحقيق هذه الغاية التى جاء بها الرسل، هو عدم الإيمان بالله، وإلا كان الإيمان بالله وعدمه سواء بسواء، فما جدوى إيمان لا يترتب عليه شىء على الإطلاق، وما أشنعه من كفر أن نقول: أن الله قد خلق الخلق، ثم تركهم لشأنهم لا يعرفون ما يأمرهم به وما ينهاهم عنه، وهو ما لا نعرفه إلا عن طريق الرسل، فعبث وسفسطة، أن يقول قائل: أؤمن بالله، ولكنى لا أؤمن برسله، فأحدهما لازم للآخر، بحيث يزول بزواله، ولقد قلنا من قبل، ونقول: أن لا فكاك للإنسان، أى إنسان، من الإقرار بوجود قوة عظمى وراء هذا الكون، يسميها من لا يؤمنون بالله: الطبيعة، أو المادة، أو المادية الجدلية، فمن يؤمن بالله دون الإيمان برسله وما جاءوا به من تعاليم، فهم لا يزيدون عن كونهم أضافوا كلمة جديدة إلى جوار كلمات الطبيعة والمادة ... إلخ. وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: ١٥٠]، ويساوى ما تقدم من حيث الكفر بالله، محاولة التفريق بين الرسل، فيقال على سبيل المثال: نؤمن بموسى، أو بعيسى، ولكنا نكفر بمحمد، فمثل هذا القول هو كفر صراح. كما سوف ينص القرآن فى الآية التالية، ذلك أن الإيمان برسول واحد يعنى الإيمان بالوحى، باعتباره الواسطة بين الله والإنسان، فإذا جاء إنسان يقول: إنه يوحى إليه، وكان ما يقول هو من نوع ما جاء به الرسول الأول، وأثبتت الأحداث أن كل ما قاله ويقوله هو صدق فى صدق، ومن فوقه ومن قبله صدق، فعلى أى أساس تنكر رسالته، إلا أن يكون إنكار الوحى، وبهذا نعود إلى الكفر بالله، وأنه يوحى إلى البشر. سئل السيد المسيح: يا معلم، سيكون من بعدك أنبياء كذبة، فكيف نعرفهم؟ فكان جوابه: من نمارهم تعرفونهم، فعند ما يجيء سيدنا محمد ﷺ يدعو للتوحيد، ويحارب الوثنة والأصنام، ويعذب ويضطهد هو ومن اتبعه، فلا يزيدهم ذلك إلا إصرارا على

стр. 140

عبادة الله الواحد الأحد، وعند ما يعرض الجاه، والسؤدد، والمال، والغنى فيرفض، فمن يكون الرسول إلا هذا، الحق أن الملاحدة الماديين عند ما ينكرون كل شىء: الله، والرسل، والوحى، هم أكثر منطقا من هؤلاء الذين يؤمنون بالله وبالوحى، ثم يكفرون برسول ينزل عليه الوحى من عند الله فعلا. تفوق الإسلام على سائر الأديان: ومن هنا قلنا من قبل، ونكرّر تفوّق المسلمين على سائر معتنقى الأديان الأخرى، فهم يؤمنون بأن جوهر الديان واحد، والاختلاف لا يكون إلا فى التفاصيل، حيث ينسخ المتأخر المتقدم، ويقولون بقول القرآن، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]. ومعلوم أن هذه الآيات التى نحن بصددها قد جاءت فى سياق الحديث عن النفاق، وهو إظهار خلاف الباطن، والتربص لاستغلال الفرص والمناسبات. وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [النساء: ١٥٠]: وهذا هو النفاق بعينه، والحديث هنا عن يهود المدينة، ولكنه صالح لكل زمان ومكان، كما قدمنا، فهم يريدون أن يقولوا لسيدنا محمد: أنهم يؤمنون بالله، وإبراهيم، وموسى، ويقولون للمشركين: أنهم يكفرون بمحمد، ولكن الله ينزل حكمه على هذا النوع من السلوك. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥١]: فهذا هو الكفر الصراح، إذ يعبر القرآن بكلمة حَقًّا. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [النساء: ١٥١]: أى وأعددنا لِلْكافِرِينَ، ولقد ذكر لفظ الكافرين مرة ثانية؛ ليكون أمعن فى التوكيد وأشد عَذاباً مُهِيناً، أى أنه عذاب لا يقتصر على الناحية المادية، وهو الألم، بل إنه عذاب معنوى كذلك، إذ هو مهين، أى مذل من الإهانة. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء: ١٥٢]: وفى مقابل اليهود والنصارى الذين زعم كل منهما أنه يؤمن برسوله فقط، يقوم المسلمون الذين يؤمنون بالله، وموسى، وعيسى، وإبراهيم ... إلخ، وهذا ما يجعل الرسالة الإسلامية أشد تكاملا، وأكثر منطقية، فمتى آمن إنسان بالله، وأنه يوحى لبعض عباده بمشيئته، فعلى أى أساس يكون الإيمان بالبعض والإنكار على البعض الآخر إلا أن يكون التعصب الأعمى.

стр. 141

لماذا نقول بانتصار الإسلام: إن كثيرين يروننا نسرف فى التفاؤل عند ما نتحدث عن قرب انتصار الإسلام وغلبته على سائر الأديان، ومن يحسنون الظن بنا يتصورون أن ما نقوله هو من قبيل الأمانى، حيث نقرر ما نقرر باعتباره حقا مؤكدا، ودليلنا الواقع والتجربة. فقد جاء وقت لا يعرفه شباب الوقت الحاضر، أو حتى رجاله، كان التبشير بالمسيحية على أشده، وكان يقف خلف المبشرين الإمبراطورية الإنجليزية بكل جلالها، بل أوروبا كلها بكل نجاح حققته فى القرن التاسع عشر، وكان رجل التبشير خريج أعظم جامعات أوروبا، وكل ما كان ينجح فيه هو زعزعة العقيدة الدينية من أساسها، ولكنه لا يكاد يتحدث عن المسيحية، وعن كون المسيح إلها، حتى يرد عليه أبسط مسلم: اسم الله عليك يا خواجة، سيدنا عيسى ده رسول الله وليس هو الله!! وهكذا يتحول أبسط مسلم إلى معلم لخريج أكبر جامعات أوروبا، وهذا هو سر عظمة الإسلام. فليقل المسيحيون عن معجزات سيدنا عيسى ما يقولون، إن المسلم لا ينكر شيئا من ذلك، فالمسيح هو رسول الله، وقد زوّده الله بالقدرة على فعل ما فعل. وليتكلم اليهود عن موسى بأعظم ما يتكلمون، فالمسلم يقول مثل قولهم، ومن هنا عاش المسيحيون واليهود فى ظل الدولة الإسلامية، بل وازدهروا، حيث لا يستطيع المسلمون أن يعيشوا فى ظل دولة غير إسلامية إلا إذا تناسى المجتمع شأن الدين، كما هو الحال فى أوروبا وأمريكا، ولما كان ذلك يستحيل أن يدوم، إذ يستحيل قيام المجتمعات على غير دين. ومن هنا قلنا: إن المستقبل للإسلام؛ لأنه يعترف بالأديان السماوية الأخرى، ولا تعترف هى به، فهو الأقوى والأصلح، وبالتالى هو الأبقى، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧]. فنحن لا نتكلم لغة التفاؤل فضلا عن لغة التمنى، وإنما نتحدث العلم، وفوق ذلك نتحدث بما وعد به الله . أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [النساء: ١٥٢]: وإعطاء الله الأجر للمحسنين فى الآخرة، أى يوم القيامة، مسألة مؤكدة ومحققة، وهى محور الإيمان، ولكن الله سبحانه

стр. 142

وتعالى قد يعجل بعض هذا الأجر فى الدنيا، وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف: ١٣]. وهو ما فعله للمسلمين أيام نبيهم وعقب أن غادرهم ليلحق بالرفيق الأعلى، حيث فتحوا الدنيا التى كانت معروفة فى ذلك الزمان، وعند ما يعود المسلمون إلى سابق إيمانهم، فسوف يعودون لما كانوا عليه إن شاء الله. رسالة إلى الرئيس الأمريكى كارتر: ويبدو أن الأستاذ أحمد حسين أدرك خطأه حين سوى بين الإسلام وبين اليهودية والنصرانية الموجودتين الآن قبل أن أبعث إليه خطابى، فقد وجه رسالة إلى الرئيس الأمريكى كارتر، نشرها فى مجلة «الدعوة» العدد الرابع والعشرين، غرة جمادى الثانية سنة ١٣٩٨ هـ، مايو سنة ١٩٧٨ م، يدعوه فيها إلى الإسلام، ويقول له صراحة: أسلم تسلم، وإلا وقع عليك إثم الأمريكان جميعا، واتهم المسيحية بالشرك والوثنية، وذهب إلى أن الخطيئة والفداء أسطورة كنسية، وقال: إذا كان موضوع المسيح هو هذه القصة، قصة الفداء والكفارة، فلماذا لم يصرح بها المسيح مرة واحدة لا عن قرب أو بعد، وترك الأمر للكنيسة لتصوغه بعد أربعة قرون، لتفرضه على الناس بقوة الحديد والنار ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. ثم يتهم الأستاذ أحمد حسين النصارى فى عقولهم حين يقبلون عقيدة انتشار الخطيئة فى آدم وذريته، ويقول: ولم يقف مسيحى واحد ليسأل نفسه، وما هو ذنب البشر منذ أيام آدم حتى مجىء المسيح، وهم مئات وألوف الملايين، حتى يحملوا خطيئة آدم مهما كانوا محسنين؟! ولم يسأل مسيحى واحد نفسه: وماذا كان الشأن بالنسبة للأنبياء والرسل قبل المسيح؟! ما هو الشأن بالنسبة لإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وكل الأنبياء الذين سبقوا السيد المسيح، أكل هؤلاء كانوا يعيشون فى الخطيئة باعتبارهم سابقين على عملية الكفارة؟! ويواصل الأستاذ أحمد حسين، رحمه الله تعالى، بيانه للوثنية التى تسربت إلى العقيدة النصرانية، فيقول: وقد فزعت المسيحية للكنيسة من القول بتعدد الآلهة، فاخترعت لذلك تعبير الأقانيم

стр. 143

الثلاثة، وأنها مظاهر لله الواحد، وضربوا لذلك الأمثلة، ولكن مضمون هذه الأقانيم يدل على أن الذوات متباينة، فالقول على أنه فى يوم الدينونة يجلس الابن على يمين الأب لمحاكمة البشر ومحاسبتهم، أى أنه يوجد للابن دور خاص يقوم به، وتشخيص متميز يبدو عليه، وهكذا نرى أن حيلة الأب والابن والروح القدس، الكل إله واحد، لا تخرجنا من دائرة تعدد الآلهة الذى هو عقيدة وثنية، وأسطورة أوزوريس وإيزيس وحورس، هى عقيدة مصرية قديمة، وقد سادت عبادة إيزيس حوض البحر الأبيض المتوسط قبيل ظهور المسيحية.

стр. 144

الفصل الثالث الأمثال فى القرآن الكريم (١) قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]. وقال أيضا فى محكم قرآنه: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر: ٢٧]. وقال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]. فى ضوء هذه الآيات البينات، وما ترسله من هدايات، سيكون الحديث والفهم لما تهدف إليه، وما تثيره فى النفس الإنسانية المسلمة من يقظات روحية، وإشراقات وجدانية، وما تغرسه فى العقل من هداية وتوجيه، وما توحى به من تعاليم هادية لخيرى الدنيا والآخرة. لقد كان من فضل الله على عباده المؤمنين، أن عصم رسوله الأمين محمد بن عبد الله من كيد الكائدين، وتدبير المنافقين، وأذى المشركين فى كل المحاولات التى صنعوها، والمؤمرات التى حاكوها، والمعارك التى خاضوها؛ إطفاء لنور الله، وصدا للناس عن الهداية إلى دين الحق، كانت يد الله هى العليا، فحفظ رسوله، وشد أزره، ونصره على أعدائه، أعداء الحق، وحفظ رسالته، وصان وحيه وقرآنه من عبث العابثين، وتدبير الخائنين، فلم يلحقه تغيير أو تبديل كما لحق الكتب السماوية الأخرى، حفظ الله قرآنه من الضياع، والتحريف، والتشكيك، والافتراءات، بذلك الوعد القرآنى الذى نردده فى كل حين: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]، ولن يخلف الله وعده، فهو مصون بقدرته القاهرة؛ لأنه: ١ - كلام الله ، وهو القادر وحده على حفظه.

стр. 145

٢ - الذكر الذى يعرض هذه القدرة فى ملكوت الله الواسع فى مظاهرها العديدة. ٣ - يعرض قصص السابقين من الأنبياء والرسل، وأنباء من سبقوا وجاهدوا فى الله حق جهاده، ودعوا إلى كلمة الحق فى العصور السابقة، وما كان لهم مع قومهم من صولات وجولات. ٤ - يعرض أيضا ما لمحمد، ﵊، من مكانة ومنزلة عنده، وما لقومه من شأن فى مجالات التقوى والإيمان، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤]، فهو ذكر لا يتطرق إليه نسيان، ولا يلحقه نقصان. لكل هذه الأمور استوجب وحى الله وقرآنه، الحفظ والصيانة من كل كيد يراد به، والنجاة من كل مكر على مر الأيام إلى يوم الدين، هذا بالإضافة إلى أن سبيل إلى التذكير بنعم الله على عباده الظاهرة والباطنة، والتذكير بطرق العبادة التى يجب أن يسلكها ويتبعها كل مؤمن بربه، وبما أوحى به من أمور فيها صلاحية للإنسان فى دنياه وأخراه، وتبيان للحق فى كل صوره ومجالاته. فالقرآن من الله، ومعجزته الكبرى التى خص بها محمدا، ﵊، وأرسل بها إلى الإنسان لكى يرتفع بإنسانيته فوق شهوات الحياة، ويسمو بإمكاناته التى وهبه الله إياها إلى مرقى أعلى، ومستوى أفضل، بتوظيفها فى فهم الأمور، واستغلال الطاقات الفعالة التى خلقها الله فيه، من ذلك العقل الواعى، والعلم الذى ينير له طريق الهداية والرشاد. المعجزات: من وسائل توضيح الأفكار، وتبيان المعانى، أن يلجأ الكاتب، أو المتكلم، إلى استخدام المقارنات، والموازنات، والمقابلات، حتى يسهل الفهم، وتتضح الحقيقة، وتنجلى الغوامض فى الأفكار المطروحة، والآراء المعروضة، وبدون استخدام لذلك يصعب على القارئ أو السامع الإلمام بالمراد، أو الفهم السريع لما يعرض من رأى أو فكر. وقد درج الناس من قديم الزمن أن يعرفوا الشيء بنقيضه، فلا يحس الإنسان بقيمة الضياء والإشراق، وما يرسله من طمأنينة إلى النفس وراحة وهدوء، إلا إذا خيم عليه الظلام بكل ما يحويه من فزع، ورعب، وخوف، يعكر على النفس هدوؤها، ويجعلها
следующие страницы →