من القرآن والسنة
من القرآن الكريم: قال تعالى:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩)
(الإسراء: ٩)
من السنة المطهرة: قال رسول الله ﷺ :
«من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف».
أخرجه الترمذى والحاكم بسند صحيح من حديث ابن مسعود، انظر صحيح الجامع (ج ٢ ص ١١٠٤) رقم (٦٤٦٩)
стр. 2
مقدمة فضيلة الأستاذ الشيخ/ محمد الفقى
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الذى أنزل عليه كتاب لا يخلق من كثرة الرد ولا يزيد القارئ له إلا إجلالا وإعظاما. وبعد ...
فقد أتاح لى الأخ الكريم أبو خالد- سعيد عبد الجليل يوسف الاطلاع على ما قام به من جهد مشكور وبحث طيب فى «فقه قراءة القرآن الكريم» سبقه إلى القول فيه علماء أجلاء أفنوا زهرة عمر هم فى خدمة كتاب الله إلا أن آراءهم والمسائل التي أثاروها جاءت متفرقة في ثنايا موسوعاتهم مما كان يكلف الطالب لشىء منها مشقة، فجاء أخونا- نفعه الله بما قدم- يجمع هذه المتفرقات من مصادرها ونظمها فى سلك من التبويب والمعالجة السهلة الميسرة للمسائل التى سبق بها أو مسائل ذات صلة بعلوم القرآن أو أخرى رآها مطروحة على الساحة وكان عليه أن يناقشها بما تيسر له من أدوات البحث والاجتهاد والاستنباط الأمر الذى جعل من إصداره هذا مرجعا سهلا ميسرا، وفقها طيبا لقارئ القرآن وسامعه وغنية يكتفى بها فى حدود رغبته فى الوقوف على الجواب الشافى دون حاجة إلى إطالة أو إملال. كما يتيح لمن يقتنى هذا البحث أن يضعه فى مكتبته وأن يحتل منها مكانا بارزا يسهل له الرجوع إليه متى أراد ..
لقد جاء جهده المشكور انطلاقا من دعوته الجميع بضرورة العناية أولا بكتاب الله حفظا وفهما ومدارسة باعتباره المصدر الأول، وإنى إذ أحيى دعوته صادقا فإننى كذلك أعلن اعتزازى بالجهود المخلصة الأخرى التى تهتم بالسنة النبوية رواية ودراية، ولعل هذين الاتجاهين المتآزرين ينفعان شباب الإسلام فى أيامنا هذه ويخدمان القرآن والسنة مصداقا لقول رسول الله ﷺ : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتى».
هذا والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
كتبه أبو أنس/ محمد الفقى
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار وبعد.
فلمّا كان القرآن الكريم هو المنهج الذى ارتضاه الله لعباده دستورا لحياتهم فى جميع شئون الحياة لذا ضمنه مقومات الحياة كلها على أكمل وأحسن وجه وأودع فيه علم كل شىء بحيث يفى بمطالب هذه البشرية فى حياتها الفردية والجماعية ويهديها إلى طريق الكمال فى الحياة الدنيا بقدر ما تطيق ثم إلى الحياة الأخرى فى نهاية المطاف.
فلمّا غفل المسلمون عن هذا المنهج واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة وكتاب تعبد للتلاوة فحسب لا منهج تربية للتوجيه والتكيّف ومنهج حياة للعمل والتنفيذ لم ينتفعوا من القرآن بشيء لأنهم خرجوا عن منهجه الذى رسمه العليم الخبير.
والقرآن بخصائصه الموضوعية والتعبيرية، بهذا الكمال فى تناسقه وبهذا الكمال فى العقيدة التى جاء بها، وبهذا المنهج المبرأ من القصور والنقص ومن آثار الجهل والعجز كان الحجة التى أظهرها الله على يد نبينا محمد ﷺ وجعله تصديقا لما بين يديه من الكتب المتقدمة- فى أصل العقيدة والدعوة إلى الخير ومهيمنا عليها ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وتحدى الناس جميعا أن يأتوا بمثله أو أن يأتوا بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله أو بحديث مثله فما استطاعوا ولن يستطيعوا، ولا يزال التحدى قائما حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 4
قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (١).
وفى هذا بيان لإعجاز القرآن وأنه لا يستطيع أحد أن يأتى بشيء من جنسه لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعانى النافعة فى الدنيا والآخرة لا يكون إلا من عند الله الذى لا يشبهه شىء فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين فهذا القرآن لا يكون إلا من عند الله.
قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٢).
وكان القرآن ينزل على النبى ﷺ منجما بعضه فى إثر بعض والنبى ﷺ يتلقاه بروحه وجوارحه معا، فكان قرآنا يمشى على الأرض وكان خلقه القرآن، وكذا تلقاه الجيل الأول من أصحاب النبى ﷺ ورضى الله عنهم ف (كان الرجل منهم إذا تعلم عشر آيات من كتاب الله لا يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ) (٣).
وقد ثبت أن «عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أخذ فى تحصيل سورة البقرة ثمانى سنين يتعلمها بأحكامها ومعانيها وأخبارها فكذلك طال مكثه فيها» (٤).
ففتح الله لهم آفاقا من الفهم والمعرفة لم تكن لتفتح لهم لو أنهم قصدوا إلى كتاب الله بقصد القراءة أو الحفظ فحسب فهذا القرآن لا يمنح كنوزه ودرره إلا لمن يقبل عليه بهذا الشعور وبهذه الروح شعور التلقى للتنفيذ وروح المعرفة المنشئة للعمل (٥).
وكان لهذا المنهج- منهج التلقى والتعليم للتنفيذ والعمل- أكبر الأثر فى فهم هذا
стр. 5
الدين ثم تمكّنه وتملّكه من قلوبهم فضربوا بذلك أروع الأمثلة لجيل لم يشهد له التاريخ مثيلا، فتح الله بهم مشارق الأرض ومغاربها فرضى الله عنهم ورضوا عنه.
لكن الناظر فى حال أمة القرآن فى هذه الأزمنة يجدها بعيدة كل البعد عن هدى نبينا محمد ﷺ وأصحابه فقد هجر القرآن أنواعا شتى من الهجر، بداية من هجر قراءته وسماعه، مرورا بهجر تدبره وتفهمه والعمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وانتهاء بهجر تحكيمه والتحاكم إليه، وقد جاء ليكون منهاج حياة ليقود الأمة إلى طريق أقوم، لذا فإن أعظم جريمة على وجه هذه الأرض وأكبر كبيرة على ظهر هذه الأرض أن ينحّى كتاب الله.
قال تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (١) فلا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا تناسق مع سنن الكون إلا بالرجوع إلى كتاب الله ولن يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح به عليه أولها، ولقد كان صلاح حال أول هذه الأمة هو التزامهم كتاب الله- وتمسكهم به تلاوة وفهما وعملا.
لذا كان هذا الكتاب- فقه قراءة القرآن الكريم- والذى آمل أن يفتح الله به آفاقا واسعة لفهم كتاب الله وماذا أراد الله به منا.
ولقد اشتمل هذا السّفر على أبواب ثلاثة، عرضت فى الباب الأول منها لأمور مهمة يحتاج كل مسلم إلى معرفتها عن القرآن الكريم ليكون عند قراءته لهذا الكتاب العزيز على علم به، وفهم له. تبعه الباب الثانى والذى نظمت فيه هدى رسول الله ﷺ فى قراءة القرآن وعند استماعه وتوابع ذلك ليكون هديه ﷺ نموذجا يقتدى به المسلم ويستعين به على فهم كتاب الله، وتلاوته حق التلاوة، تلاوة ينعكس أثرها فى العمل والسلوك. أخيرا الباب الثالث والذى أشرت فيه لطرف من فضائل القرآن وفضائل أهله العاملين به المتمسكين بأمره المجتنبين لنهيه فكانت
стр. 6
هذه الأبواب الثلاثة بمجموعها إرشادا للسالك إلى أقرب وأوضح المسالك لتلقى كتاب الله وفهمه والعمل به كما تلقاه الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ ، فالعامل بما فيه عامل- إن شاء الله- بهدى رسول الله ﷺ وصحابته رضى الله عنهم.
وكما هو دأبى فقد التزمت فيما أوردته بين دفتى هذا السّفر كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ الصحيحة مع إثبات مواضع الآيات من السور، ومواضع الأحاديث من كتب السنة والتحقق من صحة سندها عن رسول الله ﷺ وإتماما للفائدة قمت بفهرست الآيات والأحاديث والآثار مرتبة حسب ورودها فى الكتاب مع اعتبار السور فى ترتيب الآيات وأحرف الهجاء فى ترتيب الأحاديث والآثار.
أما بالنسبة للمسائل الفقهية فإننى لم آل جهدا فى تحرى الأصوب واختيار الأصح وعدم التقيد بمذهب إمام خاص بل اعتماد الرأى الذى تقوم به الأدلة مع عزو القول الراجع إلى قائله والإرشاد إلى موضعه من كتب الفقه، مثل ذلك فعلت فيما له علاقة بالأصول أو القراءات أو التفسير كلّ ذلك مع التزام السهولة فى الأسلوب ومحاولة تجنب مواضع الخلاف قدر المستطاع.
فعلى كل راع من أب وأم وزوج أن يتقى الله فى نفسه وفى أولاده وبناته وزوجته ويعلمهم كتاب الله ففيه العقائد والمفاهيم والقيم والموازين والعبادات والشعائر والأخلاق والآداب فى أسلوب رائع معجز هو نور من الكلام أو كلام من النور.
كما أننى أهيب بمشايخنا الفضلاء وبإخوانى طلبة العلم المشتغلين بتعلم المصطلح والحديث عن تعلم كتاب الله المنشغلين بحفظ المتون والمنظومات عن حفظ كتاب الله أن يهتموا أولا بكتاب الله تعالى فالقرآن القرآن يا طالب العلم ولست أقرر جديدا فى هذا الميدان حين أدعو وأؤكد على ضرورة العناية بالقرآن الكريم أولا، فإن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور فى إدراك معانيه نقص لا يجبره القراءة فى كتب الحديث فإن السنة تجىء بعد القرآن وحسن فقهها يجيء من حسن الفقه من الكتاب نفسه، فكل ما قاله أو حكم به الرسول ﷺ فهو مما فهمه من القرآن
стр. 7
فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟ (١).
فيا طالب العلم- بارك الله فيك وفى علمك- كن سلفيا على جادة السلف الصالح من صحابة رسول الله ﷺ والتابعين من بعدهم.
ولتعلم أن النبع الذى استقى منه ذلك الجيل الذى رباه النبى ﷺ هو نبع القرآن نعم .. القرآن وحده، فما كان حديث رسول الله ﷺ إلا أثرا من آثار ذلك النبع، وما سنة رسول الله ﷺ إلا ترجمة لما فهمه النبى ﷺ من القرآن الكريم وعلمه ربه إياه فلنصحّح الترتيب فالقرآن أولا والسّنة الصحيحة مفسرة له ومبينة وموضحة أى تابعة له والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (٢) ومن يفعل ذلك فقد ألهم رشده.
وأنا أعلم يقينا أن مثلى ربّما لا يعطى هذا الموضوع حقه نظرا لقلة البضاعة وسعة الموضوع- ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه- ولكننى بذلت جهد المقل فإن أصبت فذاك ما أردت والفضل لله أولا وآخرا.
وإن كانت الأخرى فأستغفر الله لذنبى، ويسعدنى أن أتلقى أى تنبيه أو نصيحة أو تصحيح خطا من مشايخنا وعلمائنا- حفظهم الله- أو من إخوانى طلبة العلم.
ورحم الله امرأ أهدى إلىّ عيوبى.
وأخيرا أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من أسهم بجهد أو أعان على إتمام هذا العمل وتنقيحه ونشره بين المسلمين أخص بالذكر الوالد الفاضل الأستاذ: محمد الفقى- حفظه الله- لما أسداه إلىّ من نصح وتوجيه وإرشاد وتنبيه سائلا الله العلى القدير أن يجزل له الأجر والمثوبة.
والله الكريم أسأل أن يجعل عملى صوابا خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز
стр. 8
بجنات النعيم، وأن يتم النعمة بقبوله وينفع به النفع العميم إخوانى وأحبائى وعموم المسلمين. وأن يهب لىّ نصيبا موفورا من التوفيق والاسترشاد بهديه كما خصّنا بتعليم القرآن العظيم، وبالله تعالى التوفيق وهو المستعان سبحانه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
كتبه أبو خالد/ سعيد عبد الجليل يوسف صخر ج. م. ع الغربية- سمنود
стр. 9
الباب الأول فى ظلال القرآن
فها أنا ذا أستلم قلمي لأقيد الباب الأول من معالم هذا الكتاب المبارك (١) فاتل ما أرقم لك زادك الله رشدا، وأنعم بك عينا. وإن أول ما سأسوقه بين يدى هذا الباب هو بعض التعاريف والمصطلحات ومعانى الكلمات التى ذكرت بين ثنايا هذا الكتاب مع إلقاء الضوء حول بعض أسماء وأوصاف القرآن العظيم وأقسام سوره، ثم أعرض بعض ما تميز به القرآن الكريم من خصائص، وأختم هذا الباب بلمحة تاريخية عن جمع القرآن ومنشأ القراءات، وكيف وصلنا المصحف الإمام. فأقول وبالله التوفيق.
فصل فى بعض التعاريف والمصطلحات الهامة
الفقه: لغة: العلم بالشىء والفهم له، ولكن استعماله فى القرآن الكريم يرشد إلى أن المراد منه ليس مطلق العلم، بل دقة الفهم، ولطف الإدراك، ومعرفة غرض المتكلم.
اصطلاحا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (٢).
* الباب: لغة: ما يتوصّل منه إلى غيره، اصطلاحا: اسم الجملة مختصة من الكتاب مشتملة على فصول غالبا.
стр. 10
الفصل: لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحا: اسم لجملة مختصة من الباب مشتملة على فروع ومسائل غالبا (١).
* القرآن: لغة مصدر «قرأ» وتأتى بمعنى الجمع والضم ومنه سمى القرآن لأنه يجمع السور ويضمها.
واصطلاحا: هو كلام الله المعجز المنزل على محمد ﷺ المكتوب بالمصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته (٢).
أسماء القرآن:
وقد سمّاه الله بأسماء كثيرة: منها (القرآن) ... وهو فى قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٣) وفيه إشارة إلى جمعه وحفظه فى الصدور.
و (الكتاب) ... وهو فى قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ (٤) وفيه إشارة إلى كتابته فى السطور.
و (الفرقان) ... وهو فى قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (٥) وذلك لكونه فرق بين الحق والباطل.
و (الذكر) ... وهو فى قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦) وذلك لاشتماله على المواعظ وأخبار الأمم الماضية.
(التنزيل) ... وهو فى قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧) إلى غير ذلك مما ورد فى القرآن من أسماء.
стр. 11
* أوصاف القرآن:
وقد وصفه الله بأوصاف كثيرة: منها أنه (نور) ... وهو فى قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١). وذلك لأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام.
وأنه (مبين) ... وهو فى قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (٢) وذلك لأنه أبان أى أظهر الحق من الباطل.
وأنه (شفاء) ... وهو فى قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣).
وأما الشفاء فلأنه يشفى من جميع الأدواء القلبية والبدنية فإذا أحسن العليل التداوى به لم يقاومه الداء أبدا.
وأنه (هدى) ... وهو فى قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٤) وأما الهدى فلأن فيه الدلالة على الحق.
وأنه (روح) ... وهو فى قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (٥) وأما الروح فلأنه تحيا به القلوب والأنفس، وكل تسمية أو وصف فهو باعتبار معنى من معانى القرآن (٦).
* أقسام القرآن:
بداية فإن الحكمة من تسوير القرآن سورا تحقيق كون السورة بمفردها معجزة وآية من آيات الله، ومنها أن القارئ لكتاب الله إذا ختم سورة يشعر أنه قد أخذ من
стр. 12
كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيعظم عنده ما حفظه ولا يخفى ما فى ذلك من التيسير ومن الحمل على التعليم.
وسور القرآن باعتبار ما سبق وأن أشرت إليه أربعة أقسام لكل قسم منها اسم وسوف أوجز أرجح الأقوال فيها (١).
١ - السبع الطوال:
وهى البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والسابعة قيل الأنفال وبراءة معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة، وقيل هى يونس.
٢ - المئون:
وهى التى تليها، وسميت بذلك لأن كل سورة تزيد على مائة آية أو ما يقاربها.
٣ - المثانى:
وهى التى آياتها أقل من مائة آية، وسميت بذلك لأنها تثنى فى القراءة وتكرر أكثر من الطوال والمئين.
٤ - المفصّل: «ويسمى أيضا بالمحكم» (٢).
وقيل بأن بدايته من سورة «ق» وقيل من بداية «الحجرات» ووجه تسميته بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
والمفصّل ثلاثة أقسام: طوالة- أوساطه- قصاره.
стр. 13
فطواله إلى «عم»، وأوساطه إلى «الضحى»، ومنها إلى آخر القرآن قصاره، وهذا أقرب ما قيل فيه.
فائدة فى تقسيم المصحف وتجزئته:
قامت طائفة من العلماء فقسمت القرآن ثلاثين قسما وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء، ثم قسموا الجزء إلى حزبين وقسموا الحزب إلى أربعة أقسام، كل قسم منها يسمى ربعا وجرى العمل على هذه الأقسام.
ولا شك أن هذا العمل فيه من التشويق والترغيب للقارئ ما يدفعه للاستزادة فى القراءة كلما علم أنه ختم ربعا دفعه إلى قراءة الربع الثانى حتى يتم جزءا، وهكذا.
وأما تعداد سور القرآن فإنه مائة وأربع عشرة سورة بإجماع من يعتد بهم، وقيل ثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، وثمّ أقوال أخر لا تعويل عليها.
وأما تعداد الآيات: فقد أفرده جماعة من القراء بالتصنيف وعدد الآيات توقيفى لا مجال للقياس فيه.
وعدد آيات القرآن ستة آلاف ومائتا آية وست وثلاثون (١) وأطول آية فى القرآن هى آية الدّين وأطول سورة هى البقرة.
* فائدة: يترتب على معرفة الآى وعدها وفواصلها أحكام فقهية منها:
١ - اعتبارها فيمن جهل الفاتحة فإنه يجب عليه بدلها سبع آيات فمن لم يستطع لعجز فى طبعه أو سوء فى فهمه فعليه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ثم يركع (٢).
стр. 14
٢ - اعتبارها فى الخطبة عند من قال بوجوب قراءة آية كاملة فيها كالإمام الشافعى- ﵀ وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب وهو الحق (١).
٣ - اعتبارها فى السورة التى تقرأ فى الصلاة وفى قيام الليل.
٤ - اعتبارها فى الوقف كما سيأتى بيانه فى موضعه، والله الموفق للصواب.
стр. 15
فصل فى بعض خصائص القرآن الكريم
إنه ما من نبى من الأنبياء إلا وأعطى ما مثله آمن عليه البشر من كلام الله الخاص وآياته المعجزات إلى من اصطفى من رسله غير أن آيات الأنبياء السابقين ومعجزاتهم كانت حسية وقتية يؤمن بها من عاصرها وشاهدها دون من نأى بهم المكان أو تأخر بهم الزمان، وكان التشريع فيها خاصا بفئة معينة وموقوتة بزمن معين، وقد ذكر القرآن الكريم من الكتب السابقة صحف إبراهيم وصحف موسى، وثلاثة كتب هى توراة موسى وزبور داود، وإنجيل عيسى.
وهذه الصحف والكتب السابقة جميعا قد داخلها التحريف والتبديل وليس فيها ما يجزم بصحة نسبته إلى الله تعالى وممّا لا شك فيه أن للقرآن الكريم المنزلة العلية الرفيعة بين سائر الكتب التى تقدمته فى النزول، وتتجلى هذه المنزلة له بكونه شاملا لأصول الهداية البشرية مع احتوائه على أعظم منهج ربانى محقق لسعادة الإنسان فى الدنيا والآخرة، منهج حياة كامل ملحوظ فيه نواميس الفطرة التى تصرف النفس البشرية فى كل جوانب حياتها، وإعجازه أبعد مدى من كونه إعجازا فى النظم أو المعانى بل إعجاز عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به.
ولم لا. وهو يحمل رسالة الرشد البشرى الذى يخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل، ولله درّ من قال.
لا تذكر الكتب السوالف عنده ... طلع النهار فأطفئ القنديلا
والقرآن بهذه الطبيعة المنهجية صنع الأمة المسلمة أول مرة وبها يصنع الأمة المسلمة فى كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود بعد أن واراها ركام الجاهلية بما فيها من تصورات أوضاع وقوانين وأنظمة لا صلة لها بالإسلام (١).
стр. 16
ولقد خص الله القرآن الكريم بخصائص كثيرة ينبغى لمن أراد أن يفهم القرآن أن يعيها ويدركها بعقله وبقلبه.
وإن أول هذه الخصائص أنه- أى القرآن الكريم- كلام الله الخالص غير مخلوق ولا مفترى، غير مشوب بأوهام البشر ولا بأهواء البشر، فكله من الله من ألفه إلى يائه.
ليس لجبريل منه إلا النزول به، ولا لمحمد ﷺ إلا التلقى والتبليغ قال تعالى:
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١).
إذن فلا غرو أن تتصف أخبار هذا الكتاب بالصدق الكامل وأحكامه بالعدل المطلق. فكل ما فى القرآن من أخبار، ومواعظ وأوامر، ونواه، وتوجيهات، وتشريعات يتجلى فيها الحق كله، والخير كله والجمال كله والحكمة كلها والمصلحة كلها لأنها كلها صادرة من لدن حكيم خبير.
والخصيصة الثانية للقرآن هى التيسير فهو كتاب يسره منزله، يسر تلاوته ويسر فهمه ويسر العمل به لمن أراد، لا يكلف الإنسان شططا ولا يرهقه من أمره عسرا.
قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢).
فيستطيع كل إنسان سليم الفطرة. يقرأ القرآن أو يسمعه- أن يفهم منه ويتأثر ويستقى من منهله بقدر ما يتسع واديه.
ومن خصائص القرآن: أنه كتاب معجز على مر الأيام وتعاقب الأزمان فهو آية محمد ﷺ العظمى ومعجزته الخالدة، وللإعجاز القرآنى أوجه وجوانب عديدة فهو معجز فى لفظه وأسلوبه ونظمه وعباراته وألفاظه معجز فى موضوعه
стр. 17
ومنهجه وتشريعه معجز فيما أرشد إليه من حقائق علمية كشف وما زال يكشف عنها العلم الحديث يوما بعد يوم إلى غير ذلك من وجوه الإعجاز.
قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (١).
ومن خصائص القرآن: أنه كتاب الخلود وليس كتاب جيل ما ولا كتاب عصر ما بل هو كتاب الزمن كله قيض له الله رجالا أمناء حفظوه فى صدورهم وسطورهم، فلن تقوى عليه يد الزمان، ومن دلائل ذلك أن أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن مرت على نزول هذا القرآن ولم يزل كما أنزله الله وكما بلغه محمد ﷺ وكما تلقاه الصحابة ومن بعدهم جيلا إثر جيل محفوظا فى الصدور، متلوا بالألسنة مكتوبا بالمصاحف يستظهره مئات الآلاف من أبناء المسلمين حتى الصبيان منهم، بل حتى الأعاجم الذين لا يعرفون لغته.
قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٢).
ومن خصائص كتاب الله العزيز الشمول فهو كتاب الحياة كلها وكتاب الإنسانية كلها فليس هو لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، ولا لطائفة دون طائفة، إنه كتاب الجميع ودستور الجميع فى نسق فريد ونظم بديع، ومن شمول القرآن: أن طالب الحقيقة العقلية يجد فى القرآن ما يرضى منطقه ويأخذ بلبه، والباحث عن الحقيقة الروحية يجد فى القرآن ما يرضى ذوقه ويغذى وجدانه، والحريص على القيم الأخلاقية يجد فى القرآن ضالته وطلبه.
وعاشق القيم الجمالية يجد فى القرآن ما ينمى حاسته الجمالية ويغذى شعوره، ومن شمول القرآن: أنه لا يخاطب العقل وحده ولا القلب وحده، بل يخاطب الكيان الإنسانى كله فيقنع العقل ويحرك القلب فى وقت واحد كذلك.
стр. 18
فالقرآن دستور شامل وصفه منزّله بأنه تبيان لكل شىء.
قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١).
ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة (٢)
...
стр. 19
فصل فى جمع القرآن ومنشأ القراءات
نزل القرآن الكريم جملة واحدة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فكان نزوله حدثا جليلا أشعر العالم العلوى من ملائكة الله بشرف الأمة المحمدية التى أكرمها الله بهذه الرسالة لتكون خير أمة أخرجت للناس، ثم بدأ ينزل منجما أى مفرقا فى ثلاث وعشرين سنة: منها ثلاث عشرة بمكة- على الرأى الراجح (١) - وعشر بالمدينة، فكان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل من ذلك لحكم بليغة منها تثبيت فؤاد رسول الله ﷺ ، وتيسير وتسهيل حفظه وفهمه، والتدرّج فى التشريع، وغير ذلك ...
وكان نزول القرآن آنذاك على سبعة أحرف لتيسير قراءته وحفظه على قوم أميين لكل قبيل منهم لهجة ولسان، ولا عهد لهم بحفظ الشرائع، وتحقيقا لقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢).
والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة حتى تواتر عن رسول الله ﷺ أن القرآن أنزل على سبعة أحرف أذكر منها ما صح من حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأنى جبريل ﵇ على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (٣).
وقد اختلف أهل العلم فى معنى هذه السبعة أحرف على أقوال كثيرة، أورد منها الإمام ابن كثير فى ذيل تفسيره خمسة أقوال (٤) أرجحها وهو قول أكثر أهل
стр. 20
العلم كسفيان بن عيينة وابن وهب وابن جرير والطحاوى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه من المعانى المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو (أقبل، تعال، هلم) ونحو (أقوم، أصوب، أهيأ) فهى ألفاظ مختلفة بمعنى واحد أو متقارب.
وكان لرسول الله ﷺ كتّاب للوحى من أجلاء الصحابة كعلى بن أبى طالب، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت وغيرهم. تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها ويرشدهم إلى موضوعها من سورتها، فيقول لهم: ضعوا هذه الآية فى الموضع المعين بين آية كذا وآية كذا، وضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة وكانوا يكتبونه فى العسب- وهو جريد النخل، واللخاف- وهى الحجارة الرقاق- والرقاع من جلد أو ورق، وكان ذلك موزعا فى بيوت الصحابة لم يجمع فى مكان واحد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان محفوظا فى صدور الصحابة رضى الله عنهم أجمعين.
وكان جبريل ﵇ يعارض رسول الله ﷺ القرآن حين يلقاه فى كل ليلة فى شهر رمضان، والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقى ويذهب ما نسخ توكيدا واستثباتا وحفظا، ولهذا عرضه فى السنة الأخيرة من عمره ﷺ على جبريل مرتين. وعارضه جبريل كذلك، وكان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظا وكتابة كذلك.
وجمع القرآن كله بهذه الصورة على عهد رسول الله ﷺ وإنما لم يجمع القرآن فى مصحف واحد فى عهده ﷺ لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته كما أن ترتيب الآيات لم يكن بترتيب النزول، بل تكتب الآية بعد نزولها على حسب ما يرشد ﷺ إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا فى سورة كذا.
فتم كتابة القرآن فى السطور وجمعه فى الصدور ويسمى هذا الجمع فى عهد النبى ﷺ حفظا وكتابة (الجمع الأول).
فلمّا كمل القرآن وانتهى نزوله بوفاته ﷺ ألهم الله الخلفاء الراشدين جمع كتابه
стр. 21
وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر رضى الله عنهما.
روى الإمام البخارى بسنده أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحر (١) بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء فى الموطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر:
كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر، قال زيد:
قال أبو بكر: إنك رجل شاب لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان علىّ أثقل مما أمرنى به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع غيره (٣) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ حتى خاتمة براءة (٢).
وهذا الجمع هو المسمى (بالجمع الثانى)، فكانت تلك الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضى الله عنهم أجمعين.
فلمّا كانت خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه والذى اتسعت الفتوحات الإسلامية فى عهده وتفرق القراء فى الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عمّن وفد
стр. 22
إليهم قراءته وكانت وجوه القراءة مختلفة باختلاف الأحرف التى أنزل عليها، فكانوا إذا ضمهم موطن من مواطن الغزو ظهر الاختلاف فى وجوه القراءة مع إلف كل لقراءته ووقوفه عندها حتى خطأ بعضهم بعضا، وكان هذا باب لفتنة لا بدّ لها من علاج.
روى الإمام البخارى- ﵀ بسنده أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ابن عفان رضى الله عنهما، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلى إلينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد ابن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فى المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن (١). فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (٤)(٢).
وجمع عثمان للقرآن هو المسمى (بالجمع الثالث) وكان سنة (٢٥ هـ).
...
стр. 23
فائدة فى الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان
إن الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شىء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد، فجمعه فى صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبى ﷺ مشتملا علي الأحرف السبعة التى أنزل بها القرآن.
أما جمع عثمان، فكان لمّا كثر الاختلاف فى وجوه القراءة فجمع قراءات الناس على مصحف واحد، واقتصر فيه من سائر اللغات على حرف واحد وسمى ذلك (بالمصحف الإمام) وأجمع عليه سائر الصحابة، وتلقت الأمة ذلك بالقبول وتم إرسال المصحف الإمام إلى سائر الأقطار الإسلامية كمكة، والشام، واليمن، والكوفة وبقى واحد بالمدينة.
***
стр. 24
فائدة حول منشأ القراءات وصلة القراءات السبع بالأحرف السبعة
لم يكتف أمير المؤمنين عثمان بن عفان بإرسال المصاحف وحدها إلى الأمصار وإنما أرسل معها جماعة من قراء الصحابة يعلمون الناس، ولمّا لم تكن المصاحف العثمانية ملزمة بقراءة معينة لخلوها من النقط والشكل، لذا فقد أقرأ كل صحابى أهل إقليمه بما سمعه تلقيا من رسول الله ﷺ ما دامت هذه القراءة يحتملها المصحف العثمانى الذى أرسل منه نسخ إلى جميع الآفاق، فمثلا لفظ (فتبينوا) من قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (١) من غير نقط يحتمل قراءة (فتثبتوا) ... ومن هنا كان منشأ القراءات.
وأما عن صلة القراءات السبع بالأحرف السبعة المذكورة فى الحديث، فليعلم أن الأحرف السبعة نزلت فى أول الأمر للتيسير على الأمة. فالعرب ألسنتهم مختلفة ولهجاتهم متباينة، ويتعذّر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التى درج عليها، ثم نسخ منها الكثير بالعرضة الأخيرة، وليس الأمر كما توهمه بعض الناس من أن القراءات السبع هى الأحرف السبعة. والصواب أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التى يقرأ بها الناس اليوم هى جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن وهذه القراءات جميعها موافقة لخط المصاحف التى بعث بها الخليفة عثمان إلى الأمصار. وقد سوّغ كل واحد من القراء قراءة الآخر وأجازها وانعقد الإجماع على أن جميع القرآن الذى أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو هذا الذى بين الدفتين الذى حواه المصحف العثمانى الإمام، وأنه لم ينقص منه
стр. 25
شىء، ولا زيد فيه شىء، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله ﷺ من آى السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر مقدم وهذا ما تيسر (١) من البيان والسلام.
...
стр. 26
الباب الثانى هدى رسول الله ﷺ فى قراءة القرآن وعند استماعه وتوابع ذلك
فى هذا الباب المهم من أبواب هذا الكتاب نعيش مع خير الهدى، وأطيبه وأنفعه هدى محمد ﷺ نستقى من منهله (فقه قراءة القرآن الكريم) كما استقاه الجيل الأول من صحابته الكرام الذين تعلموا العلم والعمل معا.
فكان هذا الباب (هدى النبى ﷺ فى قراءة القرآن وعند استماعه، وتوابع ذلك) هدى تنفتح معه أقفال القلوب لتقتبس من أنوار المعرفة وتجنى ثمار الفهم.
وفقنا الله لذلك، وبالله نستعين ومنه نستمد الحول والقوة فأقول وبالله تعالى التوفيق:
فصل فى هديه ﷺ فى الاستعاذة
كان رسول الله ﷺ إذا همّ بقراءة القرآن الكريم امتثل أمر ربه بالاستعاذة من الشيطان الرجيم.
قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (١) فكان ﷺ يستعيذ عند بدئه للقراءة فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
стр. 27
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أى أستنجد بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرنى فى دينى أو دنياى، أو يصدنى عن فعل ما أمرت به، أو يحثنى على فعل ما نهيت عنه).
وإن المتأمل للقرآن والسنة يجد اعتناءهما بذكر التحذير من الشيطان وكيده والعمل على محاربته كثيرا وذلك لشدة الحاجة إلى التعوذ منه عند قراءة القرآن وغيره من سبل الخير التى يسلكها الإنسان، فالشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها، فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك ويثبطه عنه ويفسده عليه، وما من طريق سوء إلا والشيطان قاعد عليه يأمره به ويحثه عليه ويزينه فى عينه والمعصوم من عصمه الله تعالى.
وفى الاستعاذة قول كثير انتشرت فروعه فى علم أصول الفقه وأصول الحديث وأصول القراءات. فأما أصول الفقه فيبحث فيها عن التعوذ من حيث أن الأمر به فى الآية. هل هو للوجوب أم الندب؟ وهل الآية واضحة الدلالة فيتعين لفظها أم مجملة فيصلح كل لفظ يدلّ على التعوذ؟
وأما أصول الحديث فيبحث فيها عن درجة الأحاديث الدالة على التعوذ وعن سندها وحال رواتها.
وأما أصول القراءات فيبحث فيها عن التعوذ من حيث الجهر به والإخفاء ومن حيث الوقف عليه أو وصله بما بعده.
وفيما يلى أوجز أرجح الأقوال وعلى الله الاتكال:
أولا: فمن حيث التعوذ فى الآية، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه أمر ندب- أى استحباب- وليس بواجب (١).
стр. 28
حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وذهب فريق آخر من العلماء إلى أنها واجبة عند ابتداء القراءة وحكى الرازى عن عطاء بن رباح ذلك، واحتج بظاهر الأمر فى الآية (١).
قلت: والصواب ما قاله الجمهور من أن الأمر بالتعوذ فى الآية أمر ندب وليس بواجب، والذى صرفه عن الوجوب- حيث أن كل أمر من الشارع يقع موقع الوجوب إلا إذا صرفه صارف- والصارف عن الوجوب هنا هو حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا فى المسجد، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما قلنا: ما أضحكك يا رسول الله. قال: «لقد أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ثم قال: «أتدرون ما الكوثر ... الحديث» (٢).
والشاهد: أنه ﷺ لم يستعذ ولو كانت الاستعاذة واجبة لما تركها.
وعن كون الاستعاذة هل هى قبل التلاوة أو بعدها؟ قالت طائفة من القراء وغيرهم، يتعوذ بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، والمشهور (٤) الذى عليه الجمهور
أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها ومعنى الآية عندهم (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم) أى: إذا أردت القراءة كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ (٣) أى إذا أردتم القيام. والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
ذلك لأن المقصد من الاستعاذة عند ابتداء القراءة. لئلا يلبّس الشيطان على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر، كما أن فيها تمهيدا للجو
стр. 29
الذى يتلى فيه كتاب الله وتطهيرا له من الوسوسة، واتجاها بالمشاعر إلى الله خالصة لا يشغلها شاغل من عالم الرجس، والشر الذى يمثله الشيطان (١).
وأما عن الصفة المختارة للاستعاذة فهى قول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) قاله النووى (٢).
وقال صاحب النشر: هى الصفة المختارة لجميع القراء من حيث الرواية (٣).
قلت: نعم وهى أقرب لمطابقة لفظ القرآن ... لكن بغير تقييد القارئ بلفظها، بل يجوز له النقص عنه كأن يقول (أعوذ بالله من الشيطان) والزيادة عليه كأن يقول (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فالآية مجملة. أى مطلقة- تحتمل أن يزاد عليها أو ينقص.
وبالبحث عن الأحاديث الدالة عن التعوذ وعن سندها وحال رواتها وفى ذلك تفصيل ملخصه:
أن الأحاديث الدالة على ترك الزيادة عن آية النحل ضعيفة معارضة بأصح منها سندا (٤).
وفى الجهر بالاستعاذة أو إخفائها أقوال للعلماء، وفصل الخطاب فى هذه المسألة هو أن التعوذ يستحب إخفاؤه فى مواطن، والجهر به فى مواطن أخرى .. فمواطن الإخفاء.
١ - إذا كان القارئ يقرأ سرا، سواء كان منفردا أم فى مجلس.
٢ - إذا كان خاليا- أى ليس معه أحد، سواء قرأ سرا أم جهرا.
стр. 30
٣ - إذا كان فى الصلاة سواء كان إماما، أم مأموما، أم منفردا. ولا سيما إذا كانت الصلاة جهرية.
٤ - إذا كان يقرأ وسط جماعة يتدارسون القرآن- كأن يكون فى مقرأة- ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة.
وما عدا هذه المواطن يستحب الجهر بالتعوذ فيها سواء كان البدء بأول سورة أو فى أثنائها إجماعا عند القراء. ففيه إظهار لشعار القراءة، ويمكّن السامع من الإصغاء للقراءة من أولها فلا يفوته شىء منها (١).
فائدة:
١ - دلت السنة على أن الاستعاذة فى الصلاة إنما تكون قبل الركعة الأولى فقط.
وفى ذلك تفصيل علمت ملخصه فالزمه زادك الله رشدا (٢).
٢ - لو عرض للقارئ ما يقطع قراءته من الأمور الضرورية كعطاس أو تنحنح أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة فلا يعيد الاستعاذة، أما لو قطع القراءة بنية الإعراض عنها أو لكلام لا تعلق له بها فيستحب له أن يعيد الاستعاذة (٣).
٣ - يبقى للتعوذ مسألة واحدة وهى حالتها مع ما بعدها من حيث الوقوف عليه أو وصله بما بعده وسيأتى بيان ذلك عند الحديث- فى الفصل الذى يلى هذا- عن البسملة، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
...
стр. 31
فصل فى هديه ﷺ فى البسملة
كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» (١) وسبق الإشارة إلى ذلك فى قوله ﷺ لقد أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ حتى ختمها (٢).
ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم: أى أبدأ (بسم الله) وبعونه وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها حتى يكون الافتتاح ببركة الله .
وهى تستحب فى أول كل عمل وقول تيمنا وتبركا واستعانة على الإتمام والتقبل فتشرع التسمية عند ابتداء الطعام، وعلى الذبيحة، وعند دخول البيت، وعند الخروج منه، وعند الوضوء، وعند النوم ... إلى غير ذلك، فباسمه إذن يكون كل ابتداء، وباسمه إذن تكون كلّ حركة وكلّ اتجاه.
وقد افتتح بها الصحابة كتاب الله تعالى واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل من قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣).
كما أنه لا خلاف فى إثباتها خطا فى أوائل السور فى المصحف إلا فى أول
стр. 32
سورة التوبة وذلك لما انطوت عليه هذه السورة من الأمر بالأخذ والعذاب والنكال على الكفار، ولا يناسب ذلك ما تحمله البسملة من أمان ورحمة.
أما التلاوة فقد أجمع القراء على الإتيان بها أول فاتحة الكتاب وعدّها البعض آية من سورة الفاتحة كما سيأتى بيانه ... كذا اتفقوا على الإتيان بها عند ابتداء القراءة بأول كل سورة ما عدا سورة التوبة (براءة)، وأما فى أجزاء السور فالقارئ مخير بين الإتيان بها من عدمه (١).
وللبسملة مبحثان أحدهما يتعلق بحكمها فى الصلاة، والآخر خاص بأوجه الابتداء من حيث وصلها بالاستعاذة وبما بعدها، أو قطع ذلك ...
أولا: بالنسبة لحكم البسملة فى الصلاة:
فأقوال أهل العلم وأئمة المذاهب فى هذه المسألة كثيرة ومتباينة فذهب ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير وأبو هريرة، وعلىّ إلى أنها آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة سوى سورة براءة (التوبة). وبه يقول سعيد بن جبير، والزهرى، وابن المبارك، والشافعى، وأحمد بن حنبل فى رواية عنه.
وقال الشافعى فى قول فى بعض طرق مذهبه: هى آية من الفاتحة وليست من غيرها (٢).
واستدل أصحاب هذا القول بجملة أحاديث عن رسول الله ﷺ أذكر منها ما رواه أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبى ﷺ فقال: «كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (٣).
وحكى عن الأوزاعى ومالك وأبو حنيفة أنها ليست آية فى الفاتحة ولا فى أوائل السور.
стр. 33
واستدل أصحاب هذا القول بجملة أحاديث عن رسول الله ﷺ أذكر منها حديث أنس رضى الله عنه: (أن النبى ﷺ وأبا بكر، وعمر- رضى الله عنهما- كانوا يفتتحون الصلاة ب الحمد لله ربّ العالمين) (١).
وأما القول فى الجهر بها أو الإسرار فمداره على هذا فمن قال بأنها آية قال بالجهر بها فذهب الشافعىّ ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفا وخلفا، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومن التابعين عكرمة والزهرى وابن المسيب ومجاهد وغيرهم ومن رأى أنها ليست آية قال بعدم الجهر بها، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مغفل، وطوائف من سلف التابعين، والخلف وهو مذهب أبى حنيفة، والثورى، وأحمد بن حنبل (٢).
فهذه أقوال الأئمة ﵏ فى هذه المسألة وهى قريبة لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسربها وقد أجمعت الأمة لذلك أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه يكفر بالإجماع.
* قلت: والجمع بين هذه الأقوال هو الراجح وحاصله أنه ﷺ كان يجهر ب بسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، وهو قول الإمام ابن
القيم الجوزية (٣).
ثانيا: بالنسبة لأوجه الابتداء من حيث وصلها بالاستعاذة وبما بعدها أو قطع ذلك ففيها أربعة أوجه (٤):
стр. 34
١ - الوقف على الاستعاذة ثم الوقف على البسملة ثم الابتداء بأول السورة وهذا الوجه أحسنها وهو فعل النبى ﷺ كما سيأتى بيانه.
٢ - الوقف على الاستعاذة ثم وصل البسملة بأول السورة وهو يلى الوجه الأول فى الأفضلية.
٣ - وصل الاستعاذة بالبسملة والوقف عليها ثم الابتداء بأول السورة وهو أفضل من الأخير.
٤ - وصل الاستعاذة بالبسملة بأول السورة ...
يستثنى من ذلك سورة براءة لامتناع البسملة فى أولها بالاتفاق، فإذا كان القارئ مبتدئا بأول (براءة) فله فيها وجهان.
١ - الوقف على الاستعاذة وفصلها عن أول السورة بدون بسملة.
٢ - وصل الاستعاذة بأول السورة بدون بسملة كذلك.
هذا إن كان ما بعد البسملة أول السورة وأما إن كان فى أثناء السورة- أى غير افتتاح السورة- ولو الآية الثانية ففي هذه الحالة يجوز الإتيان بالبسملة أو تركها كما سبق الإشارة لذلك آنفا.
فإذا أتى بها ففيها الأوجه الأربعة السالفة، وأما إن تركت البسملة ففيها وجهان.
١ - الوقف على الاستعاذة وفصلها عن أول الآية المبتدأ بها.
٢ - وصل الاستعاذة بالآية المبتدأ بها، إلا إذا كانت مبدوءة بلفظ الجلالة فالأولى عدم الصلة لما فى ذلك من البشاعة.
فائدة فى أوجه ما بين السورتين
إذا وصل القارئ آخر سورة يقرؤها بالتى بعدها سوى سورة (براءة) فله ثلاثة أوجه:
стр. 35
١ - الوقف على آخر السورة وعلى البسملة ثم الابتداء بأول السورة.
٢ - الوقف على آخر السورة ثم وصل البسملة بأول السورة التالية.
٣ - وصل آخر السورة بالبسملة بأول السورة التالية.
* أما الوجه الجائز عقلا وهو وصل آخر السورة بالبسملة والوقف عليها فهو ممتنع اتفاقا لأن البسملة شرعت لأوائل السور لا لأواخرها.
أما إذا وصل القارئ آخر سورة (الأنفال) بأول سورة (براءة) وهى التى تلا (الأنفال) فى ترتيب سور المصحف، فله ثلاثة أوجه لجميع القراء:
١ - القطع ... أى الوقف على آخر الأنفال مع التنفس.
٢ - السكت .. أى قطع الصوت بين السورتين لمدة يسيرة بدون تنفس.
٣ - الوصل ... أى وصل (الأنفال) بأول (التوبة) وكل ذلك بغير بسملة. كما تقدم ولله الحمد والمنة.
***
стр. 36
فصل فى هديه ﷺ فى أحوال قراءته القرآن
كان له ﷺ حزب يقرؤه، ولا يخلّ به، وكان يقرأ القرآن قائما، وقاعدا، ومضجعا، ومتوضئا، ومحدثا، وفى سيره، وركوبه، وسائر أحواله، ولم يكن يمنعه من القراءة شىء ﷺ .
وهكذا ينبغى أن يكون المسلم والمسلمة. فمع النظر ومع اعتبار الأعذار، لا بد لكل مسلم ومسلمة من تلاوة فى كتاب الله لا بد لكل يوم من نظرة فى كتاب الله ..
قال تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (١).
وعن عبد الله بن المغفل رضى الله عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح» (٢).
وهذه سنة أحياها كثير من الصالحين فى هذه الأيام فترى الواحد منهم وهو فى طريقه للعمل أو الدراسة، فى القطار أو السيارة يفتح كتاب الله يقرأ فيه ... زادهم الله رشدا.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرآن» (٣).
قلت: وهذه من الأفعال التى كان يعملها رسول الله ﷺ أحيانا لبيان إباحتها فلا تتّخذ دائما ...
стр. 37
وأما القراءة فى الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها فإن التهى كرهت ولو قرأ قائما أو مضجعا، أو فى فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال، جاز وله أجر، ولكن دون الأول يعنى دون من جلس متخشعا بسكينة فهذا هو الأكمل ولا شك (١).
وهنا تتوارد بعض المسائل الفقهية: المسألة الأولى: (وهى هل يجوز للحائض أو النفساء والجنب قراءة القرآن؟).
للعلماء فى هذه المسألة ثلاثة أقوال مشهورة أعرضها ثم أذكر الراجح منها الذى تقوم به الأدلة ..
القول الأول فى هذه المسألة:
فهو المنع واستدل المانعون بحديثين لا يصلحان للاحتجاج بهما باتفاق أهل المعرفة بالحديث وذلك لعدم ثبوتهما عن رسول الله ﷺ لما اعتراهما من ضعف فى السند فلا يغتر بهما المانعون ومن سلك مسلكهم.
فالحديث الأول: عن علىّ رضى الله عنه وفيه أن النبى ﷺ «كان يقضى حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه من القرآن شىء إلا الجنابة».
فهذا الحديث فيه أنه موقوف (٢) على علىّ رضى الله عنه- ثم إنه ليس فيه نهى عن قراءة الجنب والحائض، بل هو مجرد فعل، واستدل على المنع أيضا بحديث جابر، وابن عمر- رضى الله عنهما- مرفوعا (٣) «لا يقرأ الجنب ولا
стр. 38
الحائض شيئا من القرآن» وهو حديث ضعيف السند لا يثبت عن رسول الله ﷺ (١).
فلا يعول على هذا القول ولا يصار إلى القول بالمنع أو التحريم فى هذه المسألة أو فى غيرها إلا بدليل.
أما القول الثانى:
فهو إباحة القراءة حال الحيض والجنابة بشرط أن تكون القراءة نظرا بالعين أو تأملا بالقلب بدون نطق باللسان مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فينظر إلى الآيات وتقرأ بالقلب. نقل هذا القول عن بعض أهل العلم (٢).
أما القول الثالث:
فهو القول بجواز القراءة والتلفظ للحائض والجنب وأصحاب هذا القول هم الأكثرون فقال به الإمام البخارى، وابن جرير الطبرىّ، وابن المنذر، وحكى عن مالك، والشافعى- ﵏ جميعا (٣) - وذلك لما ثبت عن عائشة رضى الله عنها أنها قال (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ فى تحقيق هذه المسألة: «ليس فى منعها من القرآن سنة أصلا فإن قوله لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث وقد كان النساء يحضن على عهد النبى ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبى ﷺ لأمته وتعلّمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه فى الناس، فلمّا لم ينقل أحد عن النبى ﷺ فى ذلك نهيا لم يجز أن تجعل حراما مع العلم أنه لم ينه عن ذلك،
стр. 39
وإذ لم ينه عنه مع كثرة الحيض فى زمنه. علم أنه ليس بمحرم) (١).
قلت: (وجواز قراءة القرآن للحائض والجنب هو الرأى الراجح عندى، والذى تقوم به الأدلة وترتاح له النفس ... والله أعلم).
أما المسألة الثانية: والتى تدعو الحاجة لذكرها لأهميتها:
«فهى هل يجوز للحائض أو الجنب مس المصحف؟».
وفى هذه المسألة قولان لأهل العلم أعرضهما ثم أذكر الراجح منهما ...
* القول الأول بعدم جواز المس: واستدل المانعون بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٢) وأجيب على هذا القول بأن المراد بالضمير فى قوله «لا يمسه» هو الكتاب المكنون الذى فى السماء «والمطهّرون» هم الملائكة، وهو قول أكثر المفسرين وحتى لو سلم رجوع الضمير إلى القرآن لكانت دلالته على المطلوب من المنع من مسه غير مسلمة لأن المطهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائما لحديث «إن المؤمن لا ينجس» (٣) وعليه فلا يصلح حمل المطهّر على من ليس بجنب ولا حائض بل يتعين حمله على من ليس بمشرك لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (٤).
واستدل المانعون أيضا بما روى عن النبى ﷺ من قوله: «لا يمس القرآن إلا الطاهر» (٥) وكل طرق هذا الحديث ضعيفة، فالحديث سنده ضعيف وهو لا يصلح أصلا للاحتجاج للقول السابق فى معنى لفظ (طاهر) وقد عرفته.
стр. 40
أما القول الثانى فهو رأى القائلين بجواز مس المصحف حال الحيض (أو النفاس) والجنابة:
وحجتهم هى كون الأدلة الواردة على المنع لا يتم بها الاستدلال. ومن القائلين بجواز مس المصحف للحائض والجنب داود وابن حزم.
قلت: والقول بجواز مس المصحف أو حمله حال الحيض أو الجنابة هو الذى تقوم به الأدلة فليس الدين بالاستحسان أو الرأى فى شىء.
لكن مع اعتبار جواز المس: فماذا يمنع الحائض إن هى أرادت أن تمس المصحف لتقرأ القرآن أن ترتدى فى يدها قفازا إعظاما منها وإكبارا لكتاب الله.
وماذا يمنع الجنب إن أراد أن يقرأ أن يغتسل ويزيل الأذى. فالأكمل فى حق كتاب الله أن يقرأ على وضوء مع تنظيف الفم بالسواك، والتطيب إن أمكن. وأن تكون القراءة فى جو تتحقق فيه النظافة وترفرف عليه السكينة، فهذه الأفعال وغيرها من مظاهر تعظيم كتاب الله .
ولقد كان الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ اغتسل وتطيب ولبس أحسن ثيابه ثم خرج فحدث ...
وهناك بعض المسائل التى تهم قارئ القرآن سأذكرها مفصلة فى الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب- إن شاء الله- والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل.