← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38007

فقه قراءة القرآن

سعيد عبد الجليل يوسف صخر

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فصل فى هديه ﷺ فى أحوال قراءته القرآن كان له ﷺ حزب يقرؤه، ولا يخلّ به، وكان يقرأ القرآن قائما، وقاعدا، ومضجعا، ومتوضئا، ومحدثا، وفى سيره، وركوبه، وسائر أحواله، ولم يكن يمنعه من القراءة شىء ﷺ . وهكذا ينبغى أن يكون المسلم والمسلمة. فمع النظر ومع اعتبار الأعذار، لا بد لكل مسلم ومسلمة من تلاوة فى كتاب الله لا بد لكل يوم من نظرة فى كتاب الله .. قال تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (١). وعن عبد الله بن المغفل رضى الله عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح» (٢). وهذه سنة أحياها كثير من الصالحين فى هذه الأيام فترى الواحد منهم وهو فى طريقه للعمل أو الدراسة، فى القطار أو السيارة يفتح كتاب الله يقرأ فيه ... زادهم الله رشدا. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرآن» (٣). قلت: وهذه من الأفعال التى كان يعملها رسول الله ﷺ أحيانا لبيان إباحتها فلا تتّخذ دائما ...

стр. 37

وأما القراءة فى الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها فإن التهى كرهت ولو قرأ قائما أو مضجعا، أو فى فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال، جاز وله أجر، ولكن دون الأول يعنى دون من جلس متخشعا بسكينة فهذا هو الأكمل ولا شك (١). وهنا تتوارد بعض المسائل الفقهية: المسألة الأولى: (وهى هل يجوز للحائض أو النفساء والجنب قراءة القرآن؟). للعلماء فى هذه المسألة ثلاثة أقوال مشهورة أعرضها ثم أذكر الراجح منها الذى تقوم به الأدلة .. القول الأول فى هذه المسألة: فهو المنع واستدل المانعون بحديثين لا يصلحان للاحتجاج بهما باتفاق أهل المعرفة بالحديث وذلك لعدم ثبوتهما عن رسول الله ﷺ لما اعتراهما من ضعف فى السند فلا يغتر بهما المانعون ومن سلك مسلكهم. فالحديث الأول: عن علىّ رضى الله عنه وفيه أن النبى ﷺ «كان يقضى حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه من القرآن شىء إلا الجنابة». فهذا الحديث فيه أنه موقوف (٢) على علىّ رضى الله عنه- ثم إنه ليس فيه نهى عن قراءة الجنب والحائض، بل هو مجرد فعل، واستدل على المنع أيضا بحديث جابر، وابن عمر- رضى الله عنهما- مرفوعا (٣) «لا يقرأ الجنب ولا

стр. 38

الحائض شيئا من القرآن» وهو حديث ضعيف السند لا يثبت عن رسول الله ﷺ (١). فلا يعول على هذا القول ولا يصار إلى القول بالمنع أو التحريم فى هذه المسألة أو فى غيرها إلا بدليل. أما القول الثانى: فهو إباحة القراءة حال الحيض والجنابة بشرط أن تكون القراءة نظرا بالعين أو تأملا بالقلب بدون نطق باللسان مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فينظر إلى الآيات وتقرأ بالقلب. نقل هذا القول عن بعض أهل العلم (٢). أما القول الثالث: فهو القول بجواز القراءة والتلفظ للحائض والجنب وأصحاب هذا القول هم الأكثرون فقال به الإمام البخارى، وابن جرير الطبرىّ، وابن المنذر، وحكى عن مالك، والشافعى- ﵏ جميعا (٣) - وذلك لما ثبت عن عائشة رضى الله عنها أنها قال (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ فى تحقيق هذه المسألة: «ليس فى منعها من القرآن سنة أصلا فإن قوله لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث وقد كان النساء يحضن على عهد النبى ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبى ﷺ لأمته وتعلّمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه فى الناس، فلمّا لم ينقل أحد عن النبى ﷺ فى ذلك نهيا لم يجز أن تجعل حراما مع العلم أنه لم ينه عن ذلك،

стр. 39

وإذ لم ينه عنه مع كثرة الحيض فى زمنه. علم أنه ليس بمحرم) (١). قلت: (وجواز قراءة القرآن للحائض والجنب هو الرأى الراجح عندى، والذى تقوم به الأدلة وترتاح له النفس ... والله أعلم). أما المسألة الثانية: والتى تدعو الحاجة لذكرها لأهميتها: «فهى هل يجوز للحائض أو الجنب مس المصحف؟». وفى هذه المسألة قولان لأهل العلم أعرضهما ثم أذكر الراجح منهما ... * القول الأول بعدم جواز المس: واستدل المانعون بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٢) وأجيب على هذا القول بأن المراد بالضمير فى قوله «لا يمسه» هو الكتاب المكنون الذى فى السماء «والمطهّرون» هم الملائكة، وهو قول أكثر المفسرين وحتى لو سلم رجوع الضمير إلى القرآن لكانت دلالته على المطلوب من المنع من مسه غير مسلمة لأن المطهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائما لحديث «إن المؤمن لا ينجس» (٣) وعليه فلا يصلح حمل المطهّر على من ليس بجنب ولا حائض بل يتعين حمله على من ليس بمشرك لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (٤). واستدل المانعون أيضا بما روى عن النبى ﷺ من قوله: «لا يمس القرآن إلا الطاهر» (٥) وكل طرق هذا الحديث ضعيفة، فالحديث سنده ضعيف وهو لا يصلح أصلا للاحتجاج للقول السابق فى معنى لفظ (طاهر) وقد عرفته.

стр. 40

أما القول الثانى فهو رأى القائلين بجواز مس المصحف حال الحيض (أو النفاس) والجنابة: وحجتهم هى كون الأدلة الواردة على المنع لا يتم بها الاستدلال. ومن القائلين بجواز مس المصحف للحائض والجنب داود وابن حزم. قلت: والقول بجواز مس المصحف أو حمله حال الحيض أو الجنابة هو الذى تقوم به الأدلة فليس الدين بالاستحسان أو الرأى فى شىء. لكن مع اعتبار جواز المس: فماذا يمنع الحائض إن هى أرادت أن تمس المصحف لتقرأ القرآن أن ترتدى فى يدها قفازا إعظاما منها وإكبارا لكتاب الله. وماذا يمنع الجنب إن أراد أن يقرأ أن يغتسل ويزيل الأذى. فالأكمل فى حق كتاب الله أن يقرأ على وضوء مع تنظيف الفم بالسواك، والتطيب إن أمكن. وأن تكون القراءة فى جو تتحقق فيه النظافة وترفرف عليه السكينة، فهذه الأفعال وغيرها من مظاهر تعظيم كتاب الله . ولقد كان الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ اغتسل وتطيب ولبس أحسن ثيابه ثم خرج فحدث ... وهناك بعض المسائل التى تهم قارئ القرآن سأذكرها مفصلة فى الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب- إن شاء الله- والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل.

стр. 41

فصل فى هديه ﷺ فى تجويد القرآن كانت قراءته ﷺ ترتيلا لا هذّا كهذّ الشعر، ولا عجلة بالإسراع فى القراءة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا. قراءة لينة سهلة، وكان ﷺ يقطّع قراءته آية آية يقف على رءوس الآى، ولا يصلها بما بعدها ويمد بها صوته. وهذا يدل على أن هناك صفة معينة وكيفية ثابتة لقراءة القرآن الكريم، لا بد لكل مسلم ومسلمة من تعلمها والاجتهاد فى تحققها عند تلاوته لكتاب الله تعالى: قال تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (١). وعن أم سلمة رضى الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: «قراءة رسول الله ﷺ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقطّع قراءته آية آية». وفى رواية «كان إذا قرأ قطع آية آية. يقول: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ثم يقف. ثم يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» * ثم يقف ... الحديث» (٢). وعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبى ﷺ فقال: «كان يمدّ مدّا» (٣).

стр. 42

وهكذا كانت صفة قراءته ﷺ والتى علمها أصحابه- رضى الله عنهم- فكان يتعاهدهم بإسماعهم القراءة أحيانا، وبالاستماع لهم أحيانا أخرى، ومن هؤلاء النفر من الصحابة من أتقنوا القراءة حتى صاروا فيها أعلاما يقتدى بهم، ويؤخذ عنهم كأبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعلى بن أبى طالب ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبى حذيفة وغيرهم. وبدأ الناس يتعلمون القراءة منهم، وتواتر تلقى القرآن عن طريق المشافهة، وصارت قراءة القرآن سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، وقد ثبت عن زيد بن ثابت قوله: «القراءة سنة ... » (١). فعن موسى بن يزيد الكندى- رضى الله عنه- قال: كان ابن مسعود- رضى الله عنه- يقرئ رجلا، فقرأ الرجل: «إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين» مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقال الرجل: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها هكذا: «إنّما الصّداقات للفقراء والمساكين» ومدها (٢). وهكذا أنكر ابن مسعود- رضى الله عنه- على الرجل أن يقرأ كلمة (الفقراء) بالقصر لأن النبى ﷺ قرأها وأقرأه إياها بإطالة الصوت عند الألف، وهو من حروف المد الثلاثة مع الواو والياء. وصفة القراءة التى سبق الإشارة إليها، والتى تلقاها النبى ﷺ عن أمين الوحى جبريل ﵇. وكان يعارضه إياها فى كل عام مرة، وفى العام الذى توفى فيه مرتين، والتى أقرأها أصحابه- رضى الله عنهم- وعلمهم إياها، وحثهم على تعلمها، والقراءة، والإقراء بها.

стр. 43

وتواتر نقلها جيلا بعد جيل بأعلى درجات الرواية وهى المشافهة، حيث يتلقى القارئ القرآن عن المقرئ، والمقرئ قد تلقاه عن شيخه، وشيخه عن شيخه، وهكذا ... حتى تنتهى السلسلة إلى النبى ﷺ . هذه الصفة هى التى اصطلح على تسميتها بعد ذلك (بعلم التجويد). وإن أول من وضع قواعد التجويد العلمية أئمة القراءة واللغة فى ابتداء عصر التأليف فى القرن الثالث الهجرى وذلك بعد ما كثرت الفتوحات الإسلامية وانضوى تحت راية الإسلام كثير من الأعاجم واختلط اللسان الأعجمى باللسان العربى وفشا اللحن على الألسنة. فخشى ولاة المسلمين أن يفضى ذلك إلى التحريف فى كتاب الله تعالى، فعملوا على تلافى ذلك، وأحدثوا من الوسائل ما يكفل صيانة كتاب الله من اللحن. فأحدثوا فيه النقط والشكل. بعد أن كان المصحف العثمانى خاليا منهما، ثم وضعوا قواعد التجويد حتى يلتزم كل قارئ بها عند ما يتلو شيئا من كتاب الله. وهذا العلم- ولا شك- هو حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة، وهو إعطاء الحروف حقها من الصفات اللازمة لها، ومستحقها من الأحكام الناشئة عن تلك الصفات. كما أن لتعلمه أهمية كبيرة حيث يعين المسلم، والمسلمة على تلاوة كتاب الله غضا كما أنزل. وعلم التجويد وإن كان صناعة علمية لها قواعدها. فإنه لا يكتسب بالدراسة بقدر ما يكتسب بالممارسة، والمرانة، والسماع من المشايخ، وقراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه ... قال ابن الجزرى- ﵀ وهو من أئمة القراءات: «ولا أعلم لبلوغ النهاية فى التجويد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ

стр. 44

المتلقى من فم المحسن» (١) هذا وقد عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا- أى خطأ فى القراءة وميلا عن الصواب- سواء كان هذا اللحن جليا ظاهرا يتعلق بمبنى الكلمة كالخطإ الإعرابى أو الصرفى أو لحنا خفيا يتعلق بعرف القراءة كترك بعض أحكام التجويد أثناء القراءة. أما اللحن الجلى الظاهر: فهو حرام ولا سيما إذا تعمده القارئ أو تساهل فيه فأخل بالمعنى. وأما اللحن الخفى: فحكمه بين الكراهة والتحريم بحسب تعمد القارئ له وتساهله فيه ولكونه يذهب برونق القراءة. قال ابن الجزرى فى النشر: (والناس فى ذلك بين محسن مأجور، ومسىء آثم، أو معذور. فمن قدر على تصحيح كلام الله باللفظ الصحيح العربى الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد استغناء بنفسه واتكالا على ما ألفه من حفظه واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه. فإنه مقصر- بلا شك- وآثم- بلا ريب، وأما من كان لا يطاوعه لسانه أو لا يجد من يهديه إلى الصواب (فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها) (٢). قلت: على الجانب الآخر فإنى أحذر من المبالغة فى التجويد إلى حد الإفراط، والتكلف فى النطق، أو التعسف. فهذه المبالغة ليست أقل من اللحن، لأنها زيادة فى الحروف فى غير مواضعها. إذا القراءة كالبياض إن قل صار سمرة، وإن زاد صار برصا ومن تأمل هدى

стр. 45

رسول الله ﷺ وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق فى إخراج الحروف ليس من سنته. إذن فلتكن القراءة بالطبع والسليقة التى جبل عليها المرء من غير زيادة، ولا نقص، حتى يجاوز الحناجر إلى القلوب. فتعيه وتعمل به وذلك هو حق تلاوته. قال تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (١). ومن يؤمن به ويتبعه يهبط به على رياض الجنة. فائدة فى مراتب القراءة وللقراءة بحسب الصفة التى سبق الإشارة إليها ثلاث مراتب: الترتيل، التدوير، الحدر:- فالترتيل: هو قراءة القرآن بتؤدة، وطمأنينة مع تدبر المعانى، وتجويد الحروف، ومراعاة الوقوف، وهذه المرتبة هى أفضل المراتب الثلاث لقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٢). والتدوير: هو قراءة القرآن بحالة متوسطة بين الاطمئنان والسرعة مع مراعاة أحكام التجويد. وهى تلى الترتيل فى الأفضلية.

стр. 46

أما الحدر: فهو قراءة القرآن بسرعة بشرط المحافظة على الأحكام أيضا. ذكر بعض العلماء مرتبة رابعة وهى مرتبة (التحقيق). وقالوا بأنها أكثر تؤدة وأشد اطمئنانا من مرتبة (الترتيل) وهى تستحسن فى مقام التعليم. وهذه المراتب كلها جائزة، لمن أراد أن يقرأ كتاب الله. والله أعلم (١). فائدة فى الوقف والابتداء القارئ للقرآن الكريم لا يستطيع أن يقرأ السورة أو الآية أحيانا فى نفس واحد. علما بأنه لا يجوز التنفس بين الكلمتين حالة الوصل، ولا فى أثناء الكلمة، لذا تظهر أهمية معرفة ما ينبغى أن يوقف عنده منها وما لا يوقف. وليس أصلا فى القرآن من وقف واجب، ولا ممنوع. وإنما يرجع ذلك إلى ما يترتب على الوقف، والابتداء من إيضاح المعنى المراد أو إيهام غيره. فإن كان الوصل يغير المعنى لزم الوقف، وإن كان الوقف يغير المعنى لزم الوصل. والذى ثبت عن رسول الله ﷺ فى هذا الصدد وقوفه على رءوس الآى. وما عداها جائز ما لم يوهم خلاف المعنى المراد وكذلك القول فى الابتداء.

стр. 47

فينبغى أن يكون بكلام مستقل فى المعنى موف بالمقصود، بحيث لا يغير ما أراده الله تعالى. ويمتنع الابتداء بكلام يفسد المعنى أو يغير المقصود منه.

стр. 48

فائدة فى علامات الوقف فى الطباعة الحديثة للمصاحف جعل العلماء لأقسام الوقف رموزا وعلامات فى المصاحف يعرف بها حتى يسهل على القارئ لكتاب الله أن يقرأه على الوجه الصحيح وفيما يلى بيان لهذه العلامات ومدلولاتها. (م): علامة الوقف اللازم. نحو: قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (١). (لا): علامة الوقف الممنوع. نحو: قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ (٢). (قلى): علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى من الوصل. نحو: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ (٣). (صلى): علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى من الوقف. نحو: قوله تعالى: قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤).

стр. 49

(ج): علامة الوقف الجائز جوازا مستوى الطرفين. نحو: قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١). ( ... ): علامة تعانق الوقف بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقف على الآخر. نحو: قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢). وبالله تعالى التوفيق. ...

стр. 50

فصل فى هديه ﷺ فى تدبر القرآن كان رسول الله ﷺ إذا شرع فى قراءة القرآن شأنه التدبر والخشوع والتفكر. والدلائل على فعله ذلك وصحابته وسلف هذه الأمة أكثر من أن تحصر. والحث على ذلك من الله. أجلى وأظهر- فبه تنفتح القلوب فتدرك المقاصد الصحيحة والآيات العقلية الصريحة قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (١). وصفة ذلك أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر فى معنى ما يقرأ، ويتجاوب مع كل آية بمشاعره، وعواطفه، ويتأمل الأوامر، والنواهى ويعتقد قبول ذلك. فإن كان ممن قصر فيه فيما مضى اعتذر، واستغفر. وإن كان ممن وفق للعمل به شكر، وكبر. وإذا مر بآية رحمة استبشر، وسأل وإذا مر بآية عذاب أشفق وتعوذ. إلى غير ذلك من معانى الآيات. ويستعان على كشف هذه المعانى وإبانتها بأحد كتب التفسير (٢) فإن تفاوت الإدراك بين الناس أمر لا مراء فيه. فعن حذيفة بن اليمان قال «صليت مع النبى ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقرأها ثم النساء فقرأها ثم آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ... الحديث» (٣).

стр. 51

روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران وأرتلهما وأتدبرهما أحب إلىّ من أن أقرأ القرآن كله هذرمة أى (بسرعة) (١). وذكر الإمام السيوطى عن ابن مسعود قوله: قفوا على عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة (٢). وقال الحسن البصرى رحمه الله تعالى: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده. حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله. ما يرى له القرآن فى خلق ولا عمل (٣). وهكذا ينبغى لتالى القرآن أن ينظر كيف لطف الله بخلقه فى إيصال معانى كلامه إلى أفهامهم وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه، ويتفهم معانيه، وما أراد الله منا بهذا القرآن، ويطبع نفسه على قبول ما جاء به قبولا ينعكس أثره، ويظهر فى العمل والتنفيذ، وأن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك. فإذا تلا قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ (٤) فليعلم عظمته يتلمّح قدرته فى كل ما يراه فهذه السماء من ذا رفعها بلا عمد؟ ونثر فيها النجوم بلا عدد وهذه الأرض من ذا الذى سطحها ومهدها وشق فيها البحار والأنهار وأخرج من بطنها الثمار والأزهار فأيّا كان حظ الإنسان من العلم. فهذه المشاهد يمكن أن يدركها فتحرك قلبه ووجدانه وجوارحه نحو الخالق المبدع . وإذا تلا أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥) فليفكر فى

стр. 52

نفسه، وكيف خلق الله هذه النطفة، وكيف خلق منها السمع والبصر والعظام واللحم. أم هل يدعى أحد أنه خلقها؟ وهذا أمر لا يدعيه أحد ولذا فهو لا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل فلا سبيل لرد هذا الاستفهام فى هذه الآية من آيات القرآن وما يماثلها إلا بالإذعان الكامل لله رب العالمين الواحد- الذى لا يشاركه أحد فى الخلق، والإنشاء. فلا يجوز أن يشاركه أحد فى الربوبية، والعبادة. وهذا منطق واضح بسيط يدركه كل إنسان أيا كان حظه من العلم. فالنظرة الواعية، وتدبر الآية وحدها يكفى. وليتخل التالى لكتاب الله تعالى عن موانع الفهم، والتى من أعظمها الذنوب، والهوى. فالعلم نور فى القلب، ونور الله لا يهدى لعاصى. ومن موانع الفهم. كذلك. ما سبق وأن أشرت إليه، حين حذرت من المبالغة فى النطق بالحروف مثل أن يخيل الشيطان للقارئ أنه ما حقق تلاوة الحرف، ولا أخرجه من مخرجه. فيكرره التالى فيصرف همته عن فهم المعنى. ومن أهم موانع الفهم- أيضا- ما سوف يأتى ذكره فى الفصل التالى من سماع اللغو والغناء. فقبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده. وسر ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء، ولا فهم لحديثه. ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة. ***

стр. 53

فصل فى هديه ﷺ فى استماع القرآن كان رسول الله ﷺ يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود فقرأ عليه وهو يسمع، وخشع ﷺ لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه ﷺ . فعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: «قال لى رسول الله ﷺ «اقرأ علىّ القرآن». فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: «إنى أحب أن أسمعه من غيرى». فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية «فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا» قال: «حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» (١). وطلب استماع القراءة من القارئ حسن الصوت الذى يجيد التلاوة ويفصّلها أمر متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار، والصالحين من سلف هذه الأمة. فللتلاوة الجيدة أكبر الأثر فى فهم معانى القرآن لكن لا بد من تقييد ذلك بهدى رسول الله ﷺ عند الاستماع من الإنصات لتلقى الموحيات المؤثرة فى القرآن الكريم والاستجابة لها ثم التدبر الذى يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ ويسكب النور، ويحرك المشاعر ويطمئن القلوب. أما ما يفعله بعض الناس عند سماعهم للقرآن من رفع الأصوات وقولهم (الله) أو ما شابه ذلك مما هو معلوم فهو بدعة منكرة ومصرفة عن فهم وتدبر القرآن الكريم. ولمّا كان القرآن الكريم هو الذكر الإلهى، الذى تحيا به قلوب المؤمنين. فتتفتح

стр. 54

وتنشرح، وتأنس، وتطمئن، وتلين لذكر الله، وما نزل من الحق فتفهمه، وتنقاد له، وتسمع له، وتطيعه، جاء التوجيه من الله لعباده المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن فى الأمر بالإنصات له عند تلاوته إعظاما له وإكبارا، ومخالفة للمشركين، الذين كانوا يتواصون فيما بينهم بعدم سماعه- فقالوا كما حكاه القرآن عنهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (١). لمّا عجزوا عن مغالبته لعقولهم وقلوبهم رغم كفرهم. قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢) وفى الآية أقوال كثيرة لأهل العلم تدور حول موضع الإنصات بمعناه فى الآية «وهو السكوت عن الكلام مع الاستماع» (٣). - أعرض لهذه الأقوال ثم أذكر الراجح منها: قال القاسمىّ فى محاسن التأويل: (وظاهر الآية يقتضى وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن فى الصلاة وغيرها. وعليه أهل الظاهر وهو قول الحسن البصرى، وأبى موسى الأصفهانى). * وهو أيضا قول الإمام القرطبى فى الجامع لأحكام القرآن، والشوكانى فى فتح القدير، والسعدى فى تفسيره وغيرهم (٤). وقال أبو جعفر بن جرير الطبرى فى جامع البيان: ( ... وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال أمروا باستماع القرآن فى الصلاة إذا قرأ الإمام وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه ... ).

стр. 55

* وتبعه فى ذلك الإمام ابن كثير فى تفسيره حيث قال: لكن يتأكد ذلك فى الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة وحجة من خص الأمر بالإنصات على الصلاة حديث رسول الله ﷺ «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (١). قلت: والجمع بين هذه الأقوال هو الراجح لدى وهو كون الاستماع والإنصات للقرآن الكريم يدور حكمه بحسب المقام الذى يقرأ فيه. فإن كان فى الصلاة، أو كان المقام الذى يقرأ فيه مقام قراءة للقرآن، كأن يكون الإنسان فى مقرأة مثلا وجب وتأكد الاستماع والإنصات. أما ما عداها من الأحوال المختلفة التى يتنقل بينها الإنسان من عمل، أو حديث أهل، أو جلوس على طعام، أو ما شابه ذلك. فالاستماع، والإنصات بالمعنى الذى سبق الإشارة إليه يستحب ولا يجب. فلا يقل أحد: بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحد يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع وينصت إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع. فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله، وهذا لا يصح بحال. والله أعلم. ثم يسوق الله . لنا مشهدا من عالم الغيب وهو حكاية استماع نفر من الجن للقرآن ويصور لنا ما وقع فى حسهم منه من التأثر والخشوع. فتعالوا بنا ننظر ماذا قالوا .... قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢). فإن أول ما قالوا حينما طرق القرآن أسماعهم أن تنادوا بالإنصات فكانت الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن مع الإنصات له. اطمأنت قلوبهم إلى

стр. 56

الإيمان وانصرفوا بعد ذلك متأثرين بجاذبية القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح هذا التأثر دعاهم منذ أول وهلة أن يكونوا دعاة إلى الله فانصرفوا بعد ما قضى إلى قومهم مبشرين ومنذرين. فعلا لقد كان لهذا النفر من الجن قلوب يعقلون بها، وذوق ذواق، ومشاعر مرهفة. فليعتبر بهم من دونهم من بنى البشر ممن يقولون بعدم تأثرهم بسماع القرآن وعدم تحرك قلوبهم به. والعيب كل العيب فى هذه القلوب الغافلة. يا ترى ما الذى صرفها عن التذوق والتأثر بكتاب لا يثبت له شىء يتلقاه بحقيقته حتى لو كان هذا الشيء هو الجبل بعظمته وغلظته وشموخه. قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١). فعند ما يصل هذا الإيقاع إلى الحس البشرى بلا عائق يعوقه ولا مانع يمنعه فإنه سوف يهزه هزا ويؤثر فيه تأثيرا ويفعل فيه الأفاعيل مما لا يدركه إلا من ذاقه وعرفه ... وها هو الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- (خرج ذات ليلة يتفقد أحوال الرعية يعس بالمدينة. فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلى، فوقف يستمع قراءته وكان الرجل يقرأ من سورة (الطور) فلما بلغ قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ قال رضى الله عنه قسم ورب الكعبة حق فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليا ثم رجع إلى منزله فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه» (٢). وذلك سر القرآن. فهناك لحظات خاصة غير مرقوبة تمس فيها الآية أو السورة موضع الاستجابة فإذا وافقت قلبا مكشوفا وحسا مرهفا مفتوحا نفذت إليه وفعلت به الذى فعلت فيكون منها ما يكون.

стр. 57

ومن تأثير هذا القرآن العجيب فى النفوس ووقعه الهائل على القلوب أن تأثيره لا يقتصر على المؤمنين به فحسب، بل يتعداه لغيرهم. وكم سمعنا ورأينا الداخلين فى دين الله أفواجا بفعل عمل القرآن فى قلوبهم، وقوة سلطانه الذى لا يتحمله الجبل- لولا تثبيت الله له- فضلا عن هذا القلب البشرى. وها هم أولاء مشركو قريش، قد ضربوا لنا المثل على وقع كتاب الله على قلوبهم- رغم كفرهم- والنماذج على تقرير هذه الحقيقة كثيرة، لا يسع المقام لسردها جميعا. أذكر منها على سبيل المثال: * حادثة سجود المشركين مع المسلمين، عند ما قرأ رسول الله ﷺ سورة (النجم) فلما كان عند آخر آية منها وهى قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا لم يتمالك المشركون أنفسهم. ومن ثم سجدوا، سجدوا وهم مشركون، وهم يمارون فى الوحى والقرآن، وهم يجادلون فى الله ورسوله، إنما سجدوا تحت وطأة القرآن، وسلطانه على الوجود (١). وعن جبير بن مطعم قال: «سمعت النبى ﷺ يقرأ فى المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية «أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون» كاد قلبى أن يطير» (٢). وكان جبير إذ ذاك مشركا فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول فى الإسلام بعد ذلك. * وإنه لمن عظيم نعم الله علينا أن هيأ لنا فى هذه الأيام مع تقدم العلم الحديث فرصة أوسع لخدمة كتاب الله من حيث سهولة استماعه عى المذياع، والمسجل. ولعل الله يقيض لهذه الأمة أمر رشد. فتكون هناك قناة تليفزيونية للقرآن الكريم بدلا من اللغو، واللهو الذى يبث فى البيوت على مدار الساعة. والذى صرف الناس عن دينهم حتى صارت مزامير الشيطان احب إليهم من استماع سور القرآن. فلما انصرفوا صرف الله قلوبهم عن فهم كتابه. فلا يجتمع بهتان الشيطان، وقرآن

стр. 58

الرحمن فى قلب أبدا .. وها هى أقوال الأئمة والعلماء فى ذم الغناء وتحريمه، وكونه صادا عن ذكر الله، وعن فهم كتاب الله. فهل أنتم منتهون؟ * سئل الإمام مالك عن الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. * وقال الشافعى فى كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه، يشبه الباطل والمحال. ومن استكثر منه سفيه ترد شهادته. * وقال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق فى القلب، لا يعجبنى. * وأما الإمام أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وصرح أصحابه بتحريم المعازف كلها (١). ...

стр. 59

فائدة جليلة فى شروط الانتفاع بالقرآن (١) ونختم بها هذا الفصل. * فإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألف سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك وإن تمام التأثير موقوف على مؤثر مقتضى وهو القرآن، ومحل قابل وهو القلب الحىّ، وشرط التأثر بالكلام وهو الاستماع والإصغاء، وانتفاء المانع عن الانتفاع، والله أعلم وأحكم.

стр. 60

فصل فى هديه ﷺ فى قراءته فى الصلاة كان رسول الله ﷺ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم- على حسب التفصيل السابق- قبل بدئه للقراءة فى الصلاة، ثم يقرأ الفاتحة ويقطّعها آية آية يقف على رءوس الآى. ولا يصلها بما بعدها. فيقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يجهر بها تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ثم يقف، ثم يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يقف، وهكذا إلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته ﷺ مدا، يقف عند كل آية ويمد بها صوته (١). فإذا فرغ من الفاتحة، أخذ فى سورة غيرها، وكان يطيلها تارة، ويخففها لعارض من سفر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء طفل، ويتوسط فيها غالبا. وكان يقول ﷺ : «إنى لأدخل فى الصلاة، وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبىّ فأتجوّز فى صلاتى، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» (٢). وكان ﷺ لا يعين سورة فى الصلاة بعينها لا يقرأ إلا بها إلا فى الجمعة والعيدين. وكان من هديه ﷺ قراءة السورة كاملة، وربما قرأها فى الركعتين، وربما قرأ أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأواسطها. فلم يحفظ عنه. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما القراءة بأواخر السور وأوساطها فلم يكن غالبا عليهم ... إلى أن قال ومن أعدل الأقوال قول من قال يكره اعتياد

стр. 61

ذلك دون فعله أحيانا لئلا يخرج عما مضت به السنة، وعادة السلف من الصحابة والتابعين (١). وها أنا سوف أشير إلى بعض ما كان يقرأه النبى ﷺ من السور، والآيات فى الصلوات الخمس المكتوبات وفى الجمعة، والعيدين (٢). ولا يتوهمن أحد أننى أقصد بذكر هذه الأحاديث أن يتقيد العبد بهذه السور فى صلواته ففي الأمر سعة ويسر فمن قرأ بها وبمثيلاتها فى صلواته فقد أصاب الهدى ومن لم يستطع فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. * قراءته ﷺ فى صلاة الفجر (الصبح): كان ﷺ يقرأ فى الفجر بنحو ستين إلى مائة آية يجهر فيها بالقراءة وصلاها بسورة (ق)، وصلاها ب (الرّوم)، وصلاها ب إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وصلاها ب إِذا زُلْزِلَتِ فى الركعتين كليهما، وصلاها ب (المعوذتين) وكان فى السفر، وصلاها فافتتح بسورة (المؤمنين) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون فى الركعة الأولى أخذته سعلة فركع وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات. وهذا لأن قرآن الفجر مشهود وأيضا فإنها تكون عقب نوم والناس مستريحون لم ينشغلوا بعد فى استقبال المعاش، وأسباب الدنيا إلى غير ذلك. وكان ﷺ يطيل فى الركعة الأولى ويقصر فى الثانية وكان يصليها يوم الجمعة بالم تنزيل ... السجدة وسورة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ كاملتين ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه فى الركعتين أو قراءة (السّجدة) وحدها فى الركعتين، وهو خلاف السنة.

стр. 62

وكان ﷺ يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، وذكر الجنة والنار، وذلك مما كان ويكون فى يوم الجمعة (١). * قراءته ﷺ فى صلاة الظهر: كان ﷺ يقرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، ويطيل فى الركعة الأولى، ما لا يطيل فى الثانية. يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، وكان يقرأ فيها تارة بقدر ثلاثين آية، قدر قراءة (الم. السّجدة) وتارة ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وتارة ب وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ، ونحوها من السور بعد فاتحة الكتاب وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدر النصف قدر خمس عشرة آية (٢)، وربما اقتصر فيهما على الفاتحة. * قراءته ﷺ فى صلاة العصر: كان ﷺ يقرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، ويطيل فى الركعة الأولى أكثر منها فى الثانية. يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة ويقرأ فيها قدر نصف ما يقرأ فى الركعتين الأوليين من الظهر. وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدر نصفهما، وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب. * قراءته ﷺ فى صلاة المغرب: كان ﷺ يقرأ فيها أحيانا بقصار المفصل يجهر بالركعتين الأوليين منها بالقراءة فقرأ فيها ب وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وكان أحيانا يقرأ بطوال المفصل فكان تارة يقرأ

стр. 63

ب (الطّور) ومرة ب (المرسلات) وصلاها مرة ب (الأعراف) فرقها فى الركعتين. فالمحافظة فيها على الآية القصيرة، والسور من قصار المفصل خلاف السنة وهو فعل مروان بن الحكم وقد أنكر عليه زيد بن ثابت. * قراءته ﷺ فى صلاة العشاء: كان ﷺ يقرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة العشاء من وسط المفصل يجهر فيها بالقراءة. وكان مما يقرأ فيها ﷺ ب وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وب إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وب وَالشَّمْسِ وَضُحاها وأشباهها من السور، ونهى عن إطالة القراءة فيها. فائدة فى فقه قوله ﷺ «إذا أمّ أحدكم الناس فليخفّف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض ... الحديث» (١). التخفيف فى الصلاة أمر نسبى يرجع إلى ما فعله النبى ﷺ وواظب عليه لا إلى هوى المأمومين، فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه وقد علم أن من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة. فالذى فعله هو التخفيف الذى أمر به. فهداه ﷺ هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون. * قراءته ﷺ فى الجمعة والأعياد: أما الجمعة، فكان يقرأ فيها بسورتى (الجمعة) و (المنافقون) كاملتين وسورة (سبّح) و (الغاشية) وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيّها الّذين آمنوا .. ) إلى آخرها، فلم يفعله قط. وهو مخالف لهديه الذى كان يحافظ عليه. وأما قراءته فى الأعياد، فتارة كان يقرأ سورتى (ق) واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ كاملتين، وتارة سورتى (سبّح) و (الغاشية) وهذا هو الهدى الذى استمر ﷺ عليه إلى أن لقى الله- لم ينسخه شىء ... والحمد لله فى البدء والختام، والصلاة والسلام على خير الأنام.

стр. 64

الباب الثالث قطوف من فضائل القرآن هذا باب واسع كبير، ألّف فيه العلماء كتبا كثيرة، أنتقى من ذلك نكتا تدل على فضله، وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه، وعملوا به، وهذا أوان الشروع فى المقصود بعون الملك المعبود، فأقول وبالله التوفيق. فصل فى فضل قراءة القرآن * عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (١). لغة الحديث: شفيعا: أى شافعا طالبا المغفرة لأصحابه. لأصحابه: أى القارئين له والعاملين بأحكامه، وهديه، والمتمسكين بأمره ونهيه. - أفاد الحديث: فضل تلاوة القرآن وأن القرآن يشفع لقارئه العامل بما فيه يوم القيامة. - فيا أخى المسلم ترى كيف بك إذا جاء لك القرآن شفيعا؟ * وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ حرفا من

стр. 65

كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها. لا أقول: الم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١). - لغة الحديث: كتاب الله: أى القرآن المنزل على رسوله ﷺ . - أفاد الحديث: الحث على تلاوة القرآن الكريم، وأن للقارئ بكل حرف من كل كلمة يتلوها حسنة مضاعفة. فائدة فى بعض المسائل التى يحتاج إليها قارئ القرآن (٢): * مراعاة الأدب مع القرآن: فينبغى أن يستحضر القارئ فى نفسه أنه يناجى الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى. فإنه إن لم يكن يراه، فإن الله يراه. فيتأكد الأمر باحترام القرآن الكريم، واجتناب الضحك، أو اللهو عنده، وترك الحديث فى خلال القراءة إلا كلاما يضطر إليه. - فإذا شرع فى القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر مع ترتيله للقراءة، وتحسين الصوت بها بقدر ما تيسر. * اختلف أهل العلم، هل الجهر بالقراءة أفضل أم الإسرار ؟ فيه تفصيل وتقديم أحدهما على الآخر مداره بحسب المصالح والمفاسد المترتبة عليه. - قال الإمام الغزالى ﵀: الوجه فى الجمع بين هذه الأقوال أن الإسرار أبعد عن الرياء، والتصنع. فهو أفضل فى حق من يخاف ذلك على نفسه

стр. 66

فإن لم يخف الرياء، فالجهر ورفع الصوت أفضل لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى غيره. ولأنه يوقظ قلب القارئ ويزيد فى نشاطه (١). * وتستحب القراءة على ترتيب المصحف: فتقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب. ولو خالف الموالاة، وقرأ سورة لا تلى الأولى أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز ذلك. * وحول مسألة هل قراءة القرآن من المصحف أفضل أم القراءة عن ظهر قلب؟ فيه تفصيل والمدار فى هذه المسألة على الخشوع. فإن كان الخشوع أكثر عند القراءة عن ظهر قلب فهو أفضل، وإن كان عند النظر فى المصحف أكثر فهو أفضل. فإن استويا فالقراءة نظرا أولى- لمن كان قادرا على ذلك، وإلا فهو معذور- لأنها أثبت وتمتاز بالنظر إلى المصحف. - قال الإمام النووى ﵀: والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل (٢). * وحول مقدار القراءة: فقد اختلفت فيه عادات السلف. فمنهم من كان يختم القرآن كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم فى اليوم والليلة أكثر من ذلك، ومنهم من كان يختم فى كل ثلاث ختمة، ومنهم من كان يختم فى كل أسبوع، ومنهم من كان يختم فى كل شهر اشتغالا بالتدبر، أو بنشر العلم، أو بتعليمه، أو بغيره من اكتساب الدنيا، وأولى الأمر ما لا يمنع الإنسان عن أشغاله المهمة ولا يؤذيه فى بدنه، ولا يفوته معه الترتيل والفهم. المهم وكما سبق الإشارة أن يكون لكل يوم نظرة فى كتاب الله. * يسن لمن قرأ آية السجدة أو سمعها أن يكبر ويسجد سجدة وكان ﷺ

стр. 67

يقول: «سجد وجهى للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته» (١) ثم يرفع من السجود- ولم يذكر عنه ﷺ أنه كان يكبر للرفع من السجود- وهذا يسمى سجود التلاوة. ولا تشهد فيه ولا تسليم وليس فى أحاديث سجود التلاوة- فى غير الصلاة- ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئا. - والمختار الذى قاله الشافعى والجماهير فى بيان عدد السجدات أنها أربع عشرة سجدة مشار إليها بقول (سجدة) فى مواضعها من سورها بالمصحف وهى فى: الأعراف- الرعد- النحل- الإسراء- مريم- الحج (وفيه سجدتان) الفرقان- النمل- السجدة- النجم- الانشقاق- الأعلى- وزاد البعض عليها سجدة سورة ص، ويسبح فى سجوده بما يسبح به فى سجود الصلاة ويدعو بما شاء (٢). * من الأوقات الفاضلة التى يستحب فيها الإكثار من قراءة القرآن: شهر رمضان، وخاصة العشر الأواخر منه. ولذلك كان السلف- رضى الله عنهم- يخصصون جزءا كبيرا من وقتهم فى رمضان لقراءة القرآن. - حتى قال الزهرى ﵀: إذا دخل رمضان إنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام. - وكان الإمام مالك ﵀: إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف. - وكان الشافعى ﵀: يختم القرآن فى كل يوم وليلة من شهر رمضان ختمتين. فهذه المواسم قد خصها الله بمزيد من الفضل، والمثوبة على الطاعات، ولا سبيل لاغتنامها أعظم من قراءة القرآن. لما له من الفضيلة على غيره من الأذكار والأعمال.

стр. 68

وحول مسألة قراءة القرآن عند القبور، وهل يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ؟ * أما قراءة القرآن عند القبور حال الدفن وبعده: فلا أصل له فى السنة، بل الأحاديث المذكورة فى المسألة تشعر بعدم مشروعيتها. إذا لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه. ولا سيما وقد سألته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها عما تقول، إذا زارت القبور؟ فعلّمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن. فلو كانت القراءة مشروعة لما كتم ذلك عنها ولو أنه ﷺ علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع ومما يقوى عدم المشروعية قوله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذى تقرأ فيه سورة البقرة» (١). فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا لذلك حض على قراءة القرآن فى البيوت، وحذر من جعلها كالمقابر التى لا يقرأ فيها. والنهى عن القراءة عند القبور هو مذهب جمهور السلف كأبى حنيفة ومالك وغيرهم، وقد سئل الإمام أحمد عن القراءة عند القبر؟ قال: لا وهو عند الإمام الشافعى بدعة (٢). * وأما وصول ثواب ما يقرأ إلى الميت: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: « .. ومن قال إن الميت ينتفع بسماع القرآن ويؤجر على ذلك، فقد غلط. فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا غيره، غير ما استثنى من قوله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (٣) .. والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 69

* وحول مسألة القراءة من المصحف فى الصلاة: فالبعض كرهها والمختار أنها جائزة. وذكر الحافظ محمد بن نصر المروزى بسنده (أن عائشة كان يؤمها غلام لها فى المصحف- وكان يقال له ذكوان- فى رمضان بالليل) (١). قال الإمام النووى- ﵀: « .. لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته سواء كان يحفظه أم لا، ولو قلب أوراقه، وهو مذهب الشافعى ومالك وأحمد» (٢). * وحول مسألة. هل يشرع المحافظة على قول «صدق الله العظيم» عقب تلاوة القرآن؟ لم يرد عن رسول الله ﷺ دليل يفيد ذلك وخير الهدى هدى محمد ﷺ وسبق الإشارة إلى ذلك فى حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال لى رسول الله ﷺ «اقرأ علىّ القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنى أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية «فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد ... الآية» قال حسبك الآن» (٣). - الشاهد من الحديث ... لو كان قول (صدق الله العظيم) عقب انتهاء القراءة مشروعا، لأوقفه النبى ﷺ بقول: (قل صدق الله العظيم). - أما من يستشهد على مشروعية قول صدق الله العظيم عقب تلاوة القرآن بقوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ (٤) فقد غلط فهذه الآية رد على اليهود والنصارى- قبحهم الله تعالى- فى باطل دعواهم المتقدم ذكره فى الآية قبلها وما يماثلها. وبهذا

стр. 70

يكون معنى قوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ أى: قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه فى القرآن. فصل فى فضل تعلم القرآن وتعليمه * عن عقبة بن عامر- رضى الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن فى الصفة فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق. فيأتى منه بناقتين كوماوين فى غير إثم، ولا قطع رحم. فقلنا يا رسول الله: نحب ذلك قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهنّ من الإبل» (١). - لغة الحديث: الصفة: موضع مظلل من المسجد النبوى كان فقراء المهاجرين يأوون إليه. يغدو: أى يذهب فى الغدوة وهو أول النهار. بطحان: بضم الباء وإسكان الطاء، موضع بقرب المدينة. الكوماء من الإبل: بفتح الكاف أى العظيمة السنام. - أفاد الحديث: الندب والحث على قصد بيوت الله لتعلم العلم، وحفظ القرآن، لما فيها من السكينة مما لا تجده فى غيره من الأماكن، ولقطع علائق القلب عن شواغل الدنيا التى هى من أعظم موانع الحفظ والتدبر وليعلم أن آية واحدة يقرأها المسلم، أو

стр. 71

يحفظها خير من الدنيا، وما فيها. وقد ضرب ﷺ لهذا المثل للترغيب، والحث على حفظ كتاب الله، وتعلمه. * وعن عثمان بن عفان رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفى رواية «إن من أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» (١). - لغة الحديث: خيركم: أى يا معشر القراء. تعلم القرآن: يطلق على بعضه وعلى كله. - أفاد الحديث أن خير المتعلمين من كان تعلمه، وتعليمه فى القرآن، لا فى غيره. لأن خير الكلام كلام الله. فلذلك كان خير الناس بعد النبيين من اشتغل به. - قال الحافظ فى الفتح: (وقد سئل سفيان الثورى عن الجهاد، وعن إقراء القرآن: أى تعليمه للناس. فرجح الثانى. واحتج بهذا الحديث) (٢). - قلت: لا شك أن هذا الكلام إنما ينسحب على الجهاد غير المتعين أما إذا انتهكت حرمات المسلمين وتعين الجهاد قدم على إقراء القرآن، وهكذا تنزل الأمور وتقدر الأحكام بقدرها، والله أعلم. ...

стр. 72

فائدة فى آداب معلم القرآن ومتعلمه * أول وأهم ما ينبغى للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله وإخلاص النية له سبحانه فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، وآفة العلم الرياء. فاحذر أن تقع فيها، وقى الله أهل القرآن شرها. * التحلى ب (رونق العلم) من حسن السمت والهدى الصالح مع دوام السكينة والوقار، والخشوع، والتواضع، والرفق، والقناعة، والزهادة، والمروءة، والتخلى عن نواقضها. وقانا الله وإياك العثرات. * تعاهد المحفوظات: تعاهد علمك من وقت لآخر، فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان. فصاحب القرآن إن داوم على تعهده بالتلاوة قرّ وإن ترك ذلك فرّ منه حفظه، ولا يقدر على عوده إلا بعد غاية الكلفة، والمشقة فعلى كل تعهد ما عنده حتى لا يفقده (١). * العمل بالعلم: فالمقصود من العلم العمل. فإذا تعلمت آية من كتاب الله فاحرص جهدك أن تعلمها لولدك، وأهلك، وأن تطبقها على نفسك. نسأل الله العمل بالعلم، والعون على ذلك. * احذر من القيل والقال وكثرة السؤال: واقصر خطاك عن جميع المحرمات والمحارم وأقبل على القرآن على طريقة السلف. فالإسلام كله لك جادة ومنهج، ولا تأخذ عن مبتدع، أو صوفى أو قبورى

стр. 73

ولا تكن خراجا ولاجا فى الجماعات، فتخرج من سعة الإسلام إلى ضيق الجماعات فلا طائفية ولا حزبية فى الإسلام بل كن من أصحاب العبودية المطلقة، وانهل من ميراث النبوة صافيا. سدد الله الخطى، ومنح الجميع التقى. * وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه على أقوال أعرضها، ثم أذكر الراجح منها: (القول الأول): هو رأى القائلين بمنع أخذ الأجرة عليه. وهو قول جماعة من العلماء منهم الزهرى، وأبو حنيفة، واحتج المانعون بحديث فى إسناده مقال. (أما القول الثانى): فهو رأى القائلين بجواز أخذ الأجرة عليه. وفيه تفصيل. فقد ذهب البعض إلى أنه يجوز إن لم يشترطه، وهو قول الحسن البصرى والشعبى وابن سيرين وذهب عطاء ومالك والشافعى إلى الجواز وإن شارطه واستأجره إجارة صحيحة، وقد جاء بالجواز الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ : «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (١). الراجح: جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ويستحب عدم الاشتراط. ...

стр. 74

فصل فى فضل تجويد القرآن وإتقان قراءته وتحسين الصوت به * عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذى يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران» (١). - لغة الحديث: ماهر به: أى يجيد تلاوته ويطبق أحكام تجويده. السفرة: أى الملائكة الرسل لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات ربهم، وقيل السفرة: الملائكة الكتبة الذين يحصون الأعمال لأنهم بكتابتهم سفرة بين الله وخلقه. الكرام: لأنهم مطهّرون من دنس المعاصى. البررة: المطيعون. يتتعتع فيه: يتردد فى قراءته، ويثقل عليه. - أفاد الحديث: بيان فضل من يجيد تلاوة القرآن، ويتقن قراءته، وأنه مع الملائكة الكرام السفرة فى منازلهم، وأن من تردد فى قراءته لثقله عليه له أجران: أجر القراءة، وأجر التعتعة.

стр. 75

* وعن أبى هريرة رضى الله عنه. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» (١). - لغة الحديث: ما أذن: أى ما استمع وفيه إشارة إلى الرضى والقبول. يتغنى بالقرآن: يحسن قراءته ويرتلها، وقيل الإفصاح بألفاظه. - أفاد الحديث: الحث على تحسين الصوت عند قراءة القرآن، وترتيله ترتيلا وأن هذا من أسباب إجزال المثوبة من الله فإن لكل شىء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع. وأن الجهر بالقراءة فى بعض الأوقات لمقصود صحيح إما لتثبيت الحفظ، أو ليصرف عن نفسه الكسل والنوم من غير تشويش بالقراءة على الغير من المقاصد الطيبة.
следующие страницы →