← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38014

في علوم القرآن دراسات ومحاضرات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (332 стр.). Показаны 316–332 · переход к 321.

стр. 316

طريقته في التفسير يعتبر الاستاذ الامام، الأول الذي قام وحده من بين رجال الازهر بالدعوة إلى التحرر من قيود التقليد، وإلى التجديد، فاستعمل عقله الحر في كتاباته وبحوثه، ولم يجر على ما جمد عليه غيره من افكار المتقدمين، واقوال السابقين، فكان له من وراء ذلك آراء وأفكار خالف بها من سبقه، فأغضبت عليه الكثير من أهل العلم، وجمعت حوله قلوب مريديه والمعجبين به. هذه الحرية العقلية، وهذه الثورة على القديم، كان لهما أثر بالغ في المنهج الذي نهجه الشيخ لنفسه، وسار عليه في تفسيره. فهو قد اتخذ لنفسه مبدأ يسير عليه في تفسير القرآن الكريم، ويخالف به جماعة المفسرين المتقدمين. إذ يفهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، «لأنه يرى أن هذا هو المقصد الأعلى للقرآن، وما وراء ذلك من المباحث فهو تابع له، أو وسيلة لتحصيله. (١) والاستاذ الإمام يقسم التفسير إلى قسمين:- أولا: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الالفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمي اليه تلك العبارات والاشارات من النكت الفنيّة. قال: وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون، كالنحو والمعاني وغيرهما. ثانيا: أن يذهب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام؛ ليتحقق فيه معنى قول الله تعالى (هدى ورحمة) ونحوهما من الأوصاف. وفي هذا يقول: «وهذا هو الغرض الأول الذي ارمي إليه في قراءة التفسير (٢).

стр. 317

العقيدة تؤخذ من القرآن يرى الاستاذ الامام، أن القرآن الكريم هو الميزان الذي توزن به العقائد لتعرف قيمتها، ويقرر انه يجب على من ينظر في القرآن أن ينظر إليه كأصل تؤخذ منه العقيدة، ويستنبط منه الرأي، وينعي على ما كان من اكثر المفسرين، من تسلط العقيدة عليهم، ونظرتهم للقرآن من خلالها، حتى تأولوا القرآن بما يشهد لعقائدهم، ويتمشى معها. وفي هذا يقول «إذا وزنّا ما في أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى، من غير أن ندخلها اولا فيه، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين. وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يدري ما هو الموزون به. «أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون (١) طريقة الأستاذ الامام في دروس التفسير يحدثنا تلميذه السيد محمد رشيد رضا عن طريقة الاستاذ الإمام في دروس التفسير فيقول: «كانت طريقته في قراءة الدرس على مقربة مما ارتآه في كتابة التفسير، وهو أن يتوسع فيما أغفله أو قصر فيه المفسرون، ويختصر فيما برزوا فيه من مباحث الالفاظ، والاعراب، ونكت البلاغة، وفي الروايات التي تدل عليها، ولا تتوقف على فهمها الآيات (٢) وكان الاستاذ الإمام يعتمد في دروسه وكتابته في التفسير على عقله الحر، وكان- كما يقول عنه بعض الكاتبين- «لا يلتزم في التفسير كتابا، وإنما يقرأ في المصحف، ويلقي ما يفيض الله على قلبه (٣)

стр. 318

وكان من دأبه أنه لا يرجع إلى كتاب التفسير قبل إلقاء دروسه، حتى لا يتأثر بفهم غيره، وكل ما كان منه أنه إذا ما عرض له وجه غريب من الاعراب او كلمة غريبة في اللغة، رجع إلى بعض كتب التفسير، ليرى ما كتب في ذلك، وقد حدث عن نفسه بذلك فقال «إنني لا أطالع عند ما أقرأ، لكنني ربما أتصفح كتاب تفسير إذا كان هناك وجه غريب في الاعراب، أو كلمة غريبة في اللغة (١). ثم نجد تلميذه السيد محمد رشيد رضا يذكر أن الاستاذ الامام كان «يتوكأ في ذلك يعني في دروسه في التفسير- على عبارة تفسير الجلالين الذي هو أوجز التفاسير، فكان يقرأ عبارته فيقرّها، أو ينتقد منها ما يراه منتقدا ثم يتكلّم في الآية أو الآيات المنزلة في معنى واحد بما فتح الله عليه، ما فيه هداية وعبرة (٢). والاستاذ الإمام لم يقف عند ما كتبه قدماء المفسرين، ولم يلغ عقله أمام عقولهم، بل ندّد بمن يكتفي في التفسير بالنظر في اقوال المتقدمين فيقول «التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون، هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب المفسرين على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٣) وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه، ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيلها عن حدّ الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل.

стр. 319

«إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن اقوال الناس وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنّة نبيّنا الذي بين لنا ما نزل إلينا «وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم (١) «يسألنا هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبرتم ما بلغتم؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به امرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن، واهتديتم بهدي النبي، واتبعتم سنته؟ عجبا لنا ننتظر هذا السؤال ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه، فيا للغفلة والغرور (٢). والاستاذ الإمام يعرّف الفهم الصحيح للقرآن ويحدّده بقوله « ... وأعني بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه. لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان. اللذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر (٣). موقف الاستاذ الإمام محمد عبده من مبهمات القرآن نلاحظ أنه كان ينفر من شرح مبهمات القرآن فلا يخوض فيها، فلم يكن كغيره من المفسرين الذين كلفوا بالاسرائيليات فجعلوا منها شروحا وتفصيلات، وذلك لاعتقاده بأن الله تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات لما جاء به مبهما في كتابه، ولو أراد الله منا ذلك لدلنا عليه في كتابه أو على لسان نبيّه «مذهبه في جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعي لا يتعداه ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه» (٤) فهو عند تفسيره لقول الله تعالى

стр. 320

وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ (١). يقول: «ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه: أنّ علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أي شيء خلقوا، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومواد كالمعهود عندنا ... وهو يبعد فهمه؟ أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال؟ وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد؟ أو إنما هي أرواح تتجلى لها الاعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث الله الناس؟ كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر في معناه إلى الله، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا، هو: أنّ أعمالنا تحفظ وتحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير» (٢). وعند ما تعرّض لقول الله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٣) نجده يقول: «وقد يروي المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد، كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم، ونظرت في هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه» (٤). معالجة القضايا الاجتماعية والاستاذ الإمام يقف عند بعض آيات القرآن التي يمكن أن تؤخذ منها طرق

стр. 321

معالجة الامراض الاجتماعية، فيفيض في تصوير خطر العلة الاجتماعية التي يتحدث عنها، ويرشد إلى وسائل علاجها والتخلص منها بوحي مما يفهمه من القرآن الكريم نفسه. أنظر إليه عند تفسير قول الله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١) كيف يوضع معنى البرّ وما يكون به الانسان من الأبرار، فيقول: «فلا يعد الشخص برا ولا بارا حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب، فلا يغترن أولئك الكسالى الخاملون، الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات؛ وصيحات غير لائقات بأهل المروءة من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات، لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الدين قام أم سقط، ارتفع أو انحط، ومع حرصه وطمعه وتطلعه لما في أيدي الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم، لا لشىء سوى أنهم عاملون في كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سنة الحق وهو مستمسك بسنة الباطل، وهم يتجملون بحلية العمل وهو منها عاطل، فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونوا من الفجار» (٢) ومثلا عند ما تعرض لقوله تعالى ... وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) تجده يقرر «أن قوله تعالى ولا يحض على طعام المسكين، كناية عن الذي لا

стр. 322

يجود بشيء من ماله على الفقير المحتاج الى القوت الذي لا يستطيع له كسبا ... ثم يقول: «وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين، ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه. وفيه حث للمصدقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم، وهي طريقة الجمعيات الخيرية، فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية، وبه قوله تعالى من سورة الفجر كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ونعمت الطريقة هي لإغاثة الفقراء، وسد شيء من حاجات المساكين ... » (١) شرح القرآن على ضوء العلم الحديث يلاحظ أن الاستاذ الامام- ﵀ يتناول بعض آيات القرآن فيشرحها شرحا يقوم على أساس من نظريات العلم الحديث، وغرضه في ذلك، أن يوفق بين معاني القرآن التي قد تبدو مستبعدة في نظر بعض الناس، وبين ما عندهم من معلومات تكاد تكون من المسلّمات عندهم، أو هي مسلّمة بالفعل، وهو- وإن كان يقصد بشرحه هذا غاية نبيلة- يخرج في بعض الأحيان بمثل هذا الشرح والبيان عن مألوف العرب، وما عهد لديهم وقت نزول القرآن. يقول عند تفسير قول الله تعالى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (٢) «انشقاق السماء، قبل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة إذا السماء انفطرت وهو فساد تركيبها، واختلاف نظامها، عند ما يريد الله خراب هذا العالم الذي

стр. 323

نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجرّ إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره (١). وهو تفسير اجتهادي غايته منه تقريب معاني القرآن من بعض ما تحدث به أصحاب العلوم الطبيعية في زمانه عن ظواهر الكون وقرروا ثبوته. ولكن .. هل يا ترى، لا بد من حدوث هذه الظاهرة الكونية، حتى يفسد الكون؟ وهل ربّ العالمين بحاجة إلى ذلك أو إلى بعضه ليتم أمره وينفذ قضاءه؟ الأجدر بنا أن نؤمن بما جاء به من القرآن، ولا نخوض فيما وراء ذلك من تفصيلات أو جزئيات. موقف الإمام من السحر: لقد وقف الإمام من السحر موقفا عقليا صريحا، نراه يقول في تفسيره لقول الله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٢) بعد أن شرح معنى النفث والعقد، المراد بهم هنا- يقصد النفّاثات- هم النمامون، المقطعون لروابط الألفة، المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم، وإنما جاءت العبارة كما في الآية، لأن الله جلّ شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السّحرة المشعوذين، الذين إذا أردوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجته- مثلا- فيما يوهمون به العامة، عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحلوها، ليكون ذلك حلا للعقدة التي بين الزوجين. والنميمة تشبه أن تكون ضربا من السحر، لأنها تحول

стр. 324

ما بين الصديقين من محبّة إلى عداوة، بوسيلة خفية كاذبة، والنميمة تضلل وجدان الصديقين، كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الفاسق ... ». وقد ضعف بعض الأحاديث التي وردت في الصحيحين حول إصابة الرسول بالسحر، ولم يأخذ بها لأنها روايات آحاد قال: «والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم ﷺ ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته، وعدم الاعتقاد بما ينفيه، وقد جاء ينفي السحر عنه ﵇، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبخهم على زعمهم هذا، فإذا هو ليس بمسحور قطعا. وأما الحديث فعلى فرض صحته، هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها الظن والمظنون، على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال، فلنا بل علينا أن نفوّض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا، وناخذ بنص الكتاب وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبي في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئا وهو لم يبلغه، أو أن شيئا نزل عليه وهو لم ينزل عليه، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان ... » (١) وهذا الحديث ليس وحده الذي يضعفه الشيخ، أو يتخلص منه بأنه- رواية آحاد، فهناك أحاديث كثيرة نالها هذا الحكم، كحديث الشيخين «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» فإنه قال فيه «إذا صح هذا الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة» (٢) فهو لا يثق بصحة

стр. 325

الحديث برغم رواية الشيخين له، ويرى أنه- لو صح- من باب التمثيل، وهو في هذا متفق مع المعتزلة الذين يرون أن الشيطان لا تسلط له على الانسان إلّا بالوسوسة والإغواء فقط. هذه لمحة عن إنتاج الاستاذ الإمام في التفسير، الذي يعتبر صاحب مدرسة لمفسري العصر الحديث، قائمة على النظر الى القرآن نظرة بعيدة عن التأثر بمذهب من المذاهب، بعيدة عن التأثر أيضا باصطلاحات العلوم والفنون، التي زجّ بها في التفسير بدون أن يكون في حاجة إليها. ولم يتناول تلاميذ الإمام ذلك إلا بمقدار الحاجة، وعلى حسب الضرورة.

стр. 326

تفسير القرآن الكريم المشهور «بالمنار» للشيخ محمد رشيد رضا التعريف بالمؤلف هو الشيخ محمد رشيد رضا، ولد في طرابلس الشام عام ١٢٨٢ هـ ونشأ بها، وتلقى علومه عن شيوخها وعلمائها، وجلس للناس يعطيهم من علمه، ويعظهم بنصائحه وإرشاداته، حتى وقعت يده على نسخة من جريدة العروة الوثقى، وهي التي أخرجها وكتب فيها السيد جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الاستاذ الإمام محمد عبده، فقرأها الشيخ رشيد، وأعجب بالرجلين إعجابا شديدا، وسعى للاتصال بالسيد جمال الدين الأفغاني ولكنه لم يوفق، فاتصل بخليفته الشيخ محمد عبده، وقابله، وعرض عليه اقتراحا، بأن يكتب للقرآن الكريم تفسيرا على منهج ما كان يكتبه في جريدة العروة الوثقى. وبعد محاورة وتداول، اقتنع الاستاذ الإمام، بأن يقرأ دروسا في التفسير بالجامع الأزهر الشريف. وكان الشيخ رشيد- ﵀ أكثر الناس حرصا على ملازمة الإمام محمد عبده في دروسه، وتلقيها وضبطها، فكان يكتب بعض ما يسمع، ثم يزيد عليه بما يذكره من دروس الشيخ بعد ذلك، حتى قام بنشر ما كتبه على الناس في مجلته (المنار)، بعد أن راجع شيخه فيما كتب، وبعد أن نقّحه وهذّبه. (١)

стр. 327

ولذا، قال بعض العلماء: إن الشيخ رشيد هو الوارث الأول لعلم الاستاذ الإمام، إذ أنه أخذ عنه فوعى ما أخذ، وألف في حياته وبعد وفاته، ناهجا منهجه. وسالكا طريق فكره، حتى روي أن الإمام محمد عبده- ﵀ كان يقول: «صاحب المنار ترجمان أفكاري». (١) ووصفه مرّة بقوله: «إنه متّحد معي في العقيدة، والفكر، والرأي، والخلق، والعمل». (٢) توفي ﵀ في سنة ١٣٥٤ هـ. إنتاج الشيخ رشيد في التفسير باعتبار أنه اكثر رجال مدرسة الاستاذ الامام محمد عبده إنتاجا في التفسير، فقد كتب تفسيره (المنار) مبتدئا بأول القرآن الكريم، ومنتهيا عند قوله تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٣) حيث عاجلته المنية قبل أن يتم تفسير القرآن كله. وقد فسّر الشيخ بعض قصار السور، كالإخلاص، والكوثر، والكافرون، والمعوّذتين، ولم يعرف له انتاج تفسيري أكثر من هذا. وفيه تبدو روح الامام محمد عبده ممزوجة بروح تلميذه، فالمنهج واحد، والأفكار واحدة، والمصادر واحدة، والهدف واحد، وقلّ أن يوجد فرق بين الرجلين.

стр. 328

الهدف من تفسيره وهو مماثل لهدف الاستاذ الإمام سدّا لحاجة النّاس، وهداية وإصلاحا، بعد أن أقحم كثير من المفسرين، تفصيلات العلوم، وموضوعات الحديث، وخرافات الاسرائيليات، في تفسيراتهم، مما يصرف الناس عن هداية القرآن. يقول في ذلك: «إن حاجة الناس صارت شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة، المنزلة في وصفه، وما أنزل لأجله، من الانذار، والتبشير، والهداية، والإصلاح (١) وكان الاستاذ الإمام قد صرّح قبله بأنّ هدفه من التفسير هو: «فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة» (٢). طريقته في التفسير: وهي نفس الطريقة التي سلكها استاذه الإمام، لا يتقيد بأقوال المفسرين، ولا يخوض في الاسرائيليات، ولا يتعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم. يشرح آيات القرآن بأسلوب جيّد، يكشف فيه المعنى بعبارة سهلة مقبولة، ويوضح مشكلات القرآن مدافعا عنه، ورادّا على ما أثير حوله من شبهات. وهو في ذلك يبيّن هدى القرآن، ويدل على عظيم ارشاده، ويظهر معالجته لأمراض المجتمع بالدواء الناجع، كما يبيّن سنة الله في خليقته. ومع هذا، فقد حاد الشيخ رشيد- ﵀ عن منهج استاذه بعض الشيء، وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل. يحدثنا بذلك فيقول: «وإنني لما

стр. 329

استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه- ﵀ بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرا لها، أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو بحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس». (١) رأيه في أصحاب الكبائر: عند ما تعرض لقوله تعالى وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢) وهي في شأن المرابين، نجده يخالف أهل السنّة، ويؤكد أن صاحب الكبيرة التي في درجة أكل الربا وقتل العمد، إذا مات ولم يتب منها يخلد في النار، ولا يخرج منها أبدا فيقول «أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فأولئك البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم، الذي لا ينهاهم إلا عما يضرهم في أفرادهم أو جمعهم، هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه، فيكونون فيها خالدين ... ثم يقول: ما كل ما يسمى ايمانا يعصم صاحبه من الخلود في النار، الإيمان إيمانان: إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه، ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه. وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالايمان، متمكنة في العقل بالبرهان مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الارادة المصرفة للجوارح في الأعمال

стр. 330

بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال، إلا ما لا يخلو عنه الانسان من غلبة جهالة أو نسيان. وليس الربا من المعاصي التي تنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش، كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والفطرة، فهذا هو الايمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الاقدام على كبائر الاثم والفواحش عمدا، إيثارا لحب المال واللذة، عن دين الله وما فيه من الحكم والمصالح. وأما الايمان الاول: فهو صوري فقط، فلا قيمة له عند الله تعالى، لأنه تعالى لا ينظر الى الصور والاقوال، ولكنه ينظر الى القلوب والأفعال، كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قرّرناه في كتاب الله تعالى كثيرة جدا، فهو مذهب السلف الصالح، وإن جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة، حتى جرأوا الناس على هدم الدين، بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين، وإن لم يعمل به، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات، مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرّم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر إنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته أنّه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه يرضى أن يكون محاربا لله ولرسوله، وظالما لنفسه وللناس». (١) رأيه في بعض المسائل الفقهية: نرى في تفسير المنار، أن الشيخ رشيد يعطي نفسه حريّة واسعة في استنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم، مخالفا بذلك جمهور الفقهاء، معترضا على ما ذهبوا إليه، حاملا عليهم حملة شديدة. ففي تفسيره لقول الله تعالى:

стр. 331

وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (١) تراه يقرر: أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه، ولا علّة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافرا، مع أن جماعة الفقهاء ذهبوا إلى أنّ المسافر لا يجوز له التيمم مع وجود الماء، يقول صاحب المنار: «سيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم ... إن الآية واضحة المعنى، كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء. وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين؟ ويعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها اليه؟ .. ولنا أن نقول لمثل هؤلاء- وإن كان المقلد لا يحاجّ لأنه لا علم له- وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلا مشكلا؟ وأي الأمرين أولى بالترجيح؛ الطعن ببلاغة القرآن وبيانه، لحمله على كلام الفقهاء؟ أو تجويز الخطأ على الفقهاء، لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر، التي فيها قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر في رمضان؟ فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين؟ ... إلى أن قال: «ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام ... وإذا ثبت أن التيمم رخصة للمسافر بلا شرط ولا قيد، بطلت كل تلك التشديدات التي توسعوا في بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوا من وجوب طلبه في السفر (٢)

стр. 332

وصاحب المنار كان كثير التوسع فيما يتعقب به أحيانا قدماء المفسرين، مع قسوة منه عليهم في الكثير الغالب. دفاعه عن الإسلام: ولا يفوتنا أخيرا، أن صاحب المنار، قد دافع عن الاسلام والقرآن، وكشف عما أحاط بهما من شكوك ومشاكل، وقد استعمل في ذلك لسانه وقلمه؛ وضمنه مجلته وتفسيره، وتلك مزية للرجل يحمد عليها، أمام ما له من أفكار جريئة وآراء متطرفة. تمّ الكتاب