بأن الرواية ضعيفة وبعيدة عن الصحة ولاعتقاده بأنها من الاسرائيليات، أما إذا كانت الرواية ذات مساس بالدين وتعلق به فقد كان ينبّه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف ولو بطريق الإجمال.
يقول في تفسير قول الله تعالى:
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً ... (١)
«روي أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيده حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله تعالى جبريل ﵇ عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشّابه إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فردت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث الله جبريل ﵇ لهدمه والله أعلم بصحته» (٢) فنحن نلاحظ هنا أن القصة صدّرها بقوله «روي» وعقب عليها بقوله «والله أعلم بصحته» مما يدل على أنه متشكك في صحة هذه الرواية.
(٢) حملة صاحب الكشاف على أهل السنّة:
الزمخشري كما قلنا، عنيف في خصومته، حريص على أن يحوّل الآيات القرآنية التي وردت في حق الكفار إلى ناحية مخالفيه في العقيدة من أهل السنة،
стр. 282
يبالغ في السخرية والاستهزاء بهم، ويحقرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، وأحيانا يسميهم القدرية، تلك التسمية التي أطلقها أهل السنة على منكري القدر، فرماهم بها الزمخشري لأنهم يؤمنون بالقدر، حتى أنه جعل حديث رسول الله صلى عليه وسلم الذي حكم فيه على القدرية بأنهم مجوس هذه الأمة، منصبا عليهم.
يقول في تفسير قول الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١) «وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسّ لله تعالى، وأن تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس، فمن تعكيس القدرية الذين يوركون (٢) على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل الفاحشة ينسبونها إليه» (٣).
ويقول في تفسير قول الله تعالى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٤).
ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيّها ﷺ وكفى به شاهدا- إلا هذه الآية لكفى بها حجة» (٥).
فالزمخشريّ أراد أهل السنّة حين اعتبر الآية حجّة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة، وهي تسمية المعتزلة لهم بذلك لقولهم: جميع الحوادث- خيرا
стр. 283
كانت أو شرا من أفعال العباد الاختيارية أو غيرها- فهي بقضاء الله تعالى وقدره، خلافا للمعتزلة: حيث ذهبوا إلى أن جميع الأفعال الاختيارية ليست بقضائه تعالى وقدره، ولا تأثير له فيها أصلا.
(٣) التعصب للمعتزلة
وهو واضح جليّ في أكثر من موضع من كتابه، يقول في تفسير قول الله تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ... (١)
«فإن قلت ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم هذا التعظيم، حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد- يريد أهل مذهبه- فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد- يعني في قوله: إن الدين عند الله الإسلام- قلت: فائدته أنّ
قوله: لا إله إلا هو توحيد، وقوله قائما بالقسط تعديل، فإذا أردفه قوله «إنّ الدّين عند الله الإسلام، فقد أذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين.
وفيه أن من ذهب الى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو الاسلام». (٢)
ويقول في تفسير قول الله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٣):
стр. 284
«هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أنّ توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنّة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحوّ بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا، وفي الحديث (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم) وفيه (لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه) وفيه (إن هذا الانسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه). وفيه (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله). والعجب من قوم يقرءون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم لهواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (١).
فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما بين الدليل وهو تناوله له قوله (ومن يقتل) أي قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادّعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله). (٢)
وهو بهذا التفسير، إنما يتيه على خصومه من أهل السنّة نصرة لمذهبه، ويندد حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار.
стр. 285
(٤) حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة عند ما يصادم النصّ القرآني مذهب المعتزلة:
وهو مبدأ سار عليه الزمخشري، واعتمده في تفسيره، فإذا مرّ بآية تعارض مذهبه، وآية اخرى في موضوعها تشهد له بظاهرها نراه يدعي الاشتباه في الاول والإحكام في الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية، وبهذا يرضي هواه المذهبي، وعقيدته الاعتزالية.
فهو في تفسير قول الله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (١).
وقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢) يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، وعليه فيجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها وردها إليها، فمذهب المعتزلة يرى عدم جواز رؤية المخلوق لله تعالى، ومذهب أهل السنة يرى الجواز.
وإذا كان الزمخشري قد تأثر في تفسيره بعقيدته الاعتزالية، فمال بالألفاظ القرآنية إلى المعاني التي تشهد لمذهبه، أو تأولها بحيث لا تتنافى معه على الاقل، فإنه في محاولاته هذه قد برهن بحق على براعته وقوة ذهنه، وصوّر لنا مقدار ما كان من التأثر والتأثير بين التفسير وهوى العقيدة. وليس لنا أن نغضّ الطرف عن تفسير الزمخشري، تأثرا بمذهب السنّة، أو كراهة لمذهب المعتزلة، وبخاصة بعد
стр. 286
ان ثبت الثناء الكبير من علماء أهل السنّة عليه- فيما عدا ناحيته الاعتزالية- واعتماد معظم مفسريهم عليه وأخذهم منه.
فالزمخشري إمام الطريقة اللغوية في تفسير القرآن الكريم، وبها أمكنه أن يكشف عن وجه الإعجاز فيه، ومن أجلها طار كتابه في أقصى المشرق والمغرب، واشتهر في الآفاق، واستمد كل من جاء بعده من المفسرين من بحره الزاخر، وارتشف من معينه الفياض، واعتنى الأئمة المحققون بالكتابة عليه.
стр. 287
مجمع البيان لعلوم القرآن للطبرسي المتوفي عام ٥٣٨ ه ـ
ينتمي صاحب هذا الكتاب إلى مذهب الشيعة الإمامية، فتفسيره يمثل أتباع هذا المذهب في فهم كتاب الله.
التعريف بالمؤلف
هو أبو علي، الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهديّ (١)، الفقيه المحدث، الجليل الثقة، النبيل. وهو من بيت عرف أهله بالعلم، فهو وابنه رضي الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب مكارم الاخلاق، وسبطه أبو الفضل على ابن الحسن، وسائر أقربائه من اكابر العلماء. يروي عنه جماعة من العلماء منهم: القطب الراوندي، والشيخ منتجب الدين، ويروي هو عن الشيخ ابن علي بن الشيخ الطوسي.
قال صاحب مجالس المؤمنين فيه «إن عمدة المفسرين، أمين الدين، ثقة الاسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، كان من نحارير علماء التفسير، وتفسيره الكبير الموسوم بجمع البيان، بيان كاف، ودليل واف لجامعيته لفنون الفضل والكمال، ثم لما وصل إليه بعد هذا التأليف كتاب الكشاف واستحسن
стр. 288
طريقته، ألف تفسيرا آخر مختصرا، شاملا لفوائد تفسيره الأول ولطائف الكشاف وسماه الجوامع، وله تفسير ثالث أيضا أكثر اختصارا من الأولين، وتصانيف أخرى في الفقه والكلام.
يذكرون قصة هي غاية في الغرابة واللطافة، في سبب تأليفه لتفسيره مجمع البيان الذي نحن بصدده فيقولون: «ومن عجيب أمر هذا الطبرسي، بل من غريب كراماته، ما اشتهر بين الخاص والعام، أنه قد أصابته السكتة فظنوا به الوفاة، فغسلوه وكفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه في القبر ومسدودا عليه سبيل الخروج عنه من كل جهة، فنذر في تلك الحالة أنه إذا نجا من تلك الداهية ألف كتابا في تفسير القرآن. فاتفق أن بعض النباشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده، فتحير النباش ودهش مما رآه، ثم تكلم معه فازداد به قلقا، فقال له: لا تخف، أنا حي وقد أصابتني السكتة ففعلوا بي هذا، ولما لم يقدر على النهوض والمشي من غاية ضعفه، حمله النباش على عاتقه وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه الخلعة وأولاه مالا جزيلا، وتاب على يده النباش، ثم إنه بعد ذلك وفى بنذره الموصوف، وشرع في تأليف مجمع البيان».
الحوافز التي دفعت الطبرسي لتأليف كتابه
يقول الطبرسي في مقدمة كتابه « ... وقد خاض العلماء قديما وحديثا في علم تفسير القرآن، واجتهدوا في ابراز مكنونه وإظهار مضمونه، وألفوا فيه كتبا جما غاصوا في كثير منها إلى أعماق لججه، وشغفوا الشعر في إيضاح حججه، وحققوا في تفتيح أبوابه وتغلغل شعابه، إلا أن أصحابنا- ﵃ لم يدونوا في ذلك غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل إليهم في ذلك من الأخبار، ولم يعنوا ببسط المعاني فيه وكشف الأسرار، إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي من كتاب التبيان، فإنه الكتاب الذي يقتبس من ضيائه الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، وقد تضمن فيه من المعاني الأسرار البديعة، واختصر من الالفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبينها، ولا بتنميقها دون
стр. 289
تحقيقها، وهو القدوة أستضيء بأنواره، وأطأ مواقع آثاره، غير أنه خلط في أشياء مما ذكره في الإعراب والنحو الغثّ بالسمين، والخاثر بالزباد، ولم يميز الصلاح مما ذكر فيه والفساد، وأدى الالفاظ في مواضع من متضمناته قاصرة عن المراد، وأخل بحسن الترتيب وجودة التهذيب، فلم يقع له لذلك من القلوب السليمة الموقع المرضي، ولم يعل من الخواطر الكريمة المكان العلي».
«وقد كنت في ريعان الشباب وحداثة السن، وريان العيش ونضارة الغصن، كثير النزاع شديد التشوق إلى جمع كتاب في التفسير، ينظم أسرار النحو اللطيفة، ولمع اللغة الشريفة، ويفي موارد القراءات من متوجهاتها، مع بيان حججها الواردة من جميع جهاتها، ويجمع جوامع البيان في المعاني المستنبطة من معادنها، المستخرجة من كوامنها، إلى غير ذلك من علومه الجمة. وقد زرف سني على الستين واشتعل الرأس شيبا، وامتلأت العيبة عيبا، فحداني على تصميم هذه العزيمة ما رأيت من عناية مولانا الامير السيد الأجل العالم، ولي النعم جلال الدين ركن الاسلام ....
فخر آل رسول الله صلى الله عليه وآله، ابي منصور محمد بن يحيى بن هبة الله الحسين- أدام الله علاه- بهذا العلم، وصدق رغبته في معرفة هذا الفن، وقصر همه على تحقيق حقائقه، والاحتواء على جلائله ووثائقه، والله عز اسمه المسئول أن يحرس للاسلام والمسلمين رفيع حضرته، ويفيض على الفضل والفضلاء سجال سيادته، ويمد على العلم والعلماء أمداد سعادته ... فأوجبت على نفسي إجابته إلى مطلوبه، وإسعافه بمحبوبه، واستخرت الله تعالى، ثم قصرت وهمي وهمّي على اقتناء هذه الذخيرة الخطيرة، واكتساب هذه الفضيلة النبيلة، وشمرت عن ساق الجد، وبذلت غاية الجهد والكد، وأسهرت الناظر وأتعبت الخاطر وأطلت التفكير وأحضرت التفاسير، واستمددت من الله التوفيق والتيسير».
وفي المقدمة كما يبدو مخالفة صريحة لما ورد في القصة المتقدمة.
وتفسير الطبرسي كما وصفه صاحبه كتاب هو «غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، يجمع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوي قصوصه وعيونه،
стр. 290
من علم قراءاته ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعانيه وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين
فيه، وذكرنا ما يتفرد به أصحابنا- ﵃ من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الايجاز دون الاكثار، فإن الخواطر في هذا الزمان لا تحمل أعباء العلوم الكثيرة، وتضعف عن الإجراء في الحلبات الخطيرة، إذ لم يبق من العلماء إلا الأسماء، ومن العلوم إلا الذّماء» (١)
اسلوب الطبرسي في تفسيره
١ - تقديم ذكر المكي والمدني في مطلع كل سورة.
٢ - ذكر الاختلاف في عدد الآيات وأقوال تلاوتها وقراءاتها مع توضيح العلل والاحتجاجات.
٣ - ذكر الإعراب والمشكلات، وأسباب النزول ومعاني الاحكام والتأويلات.
٤ - سرد القصص والبراهين المبينة في المشكلات.
٥ - ذكر ما جاء من الاخبار المشهورة في فضل القرآن وأهله
نماذج من تفسير الطبرسي
(١) تأكيد الإمامة لعلي كرّم الله وجهه:
فالطبرسي يدين بإمامة علي ﵁، ويرى أنّه خليفة النبي ﷺ بلا فصل، لذا نراه يحاول بكل جهوده أن يثبت إمامته وولايته من القرآن فنراه عند تفسيره لقول الله تعالى:
стр. 291
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (١).
يبذل مجهودا كبيرا لاستخلاص وجوب إمامة علي ﵁ من هذه الآية، فنجده أولا يتكلم عن المعاني اللغوية لبعض مفردات الآية فيفسر الولي بقوله «الولي هو الذي يلي النصرة والمعونة، والولي هو الذي يلي تدبير الأمر. يقال:
فلان ولي أمر المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها. وولي الدم من كان إليه المطالبة بالقود والسلطان ولي امر الرعية. ويقال لمن يرشحه للخلافة عليهم بعده ولي عهد المسلمين. قال الكميت يمدح عليا:
ونعم ولي الأمر بعد وليه ... ومنتجع التقوى ونعم المؤدب
ثم فسّر الركوع وذكر الإعراب، ثم ذكر سبب النزول فقال: ( ... بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول قال رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل متعمّم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول الله ﷺ إلا قال الرجل: قال رسول الله، فقال ابن عباس، سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله ﷺ بهاتين وإلا صمّتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول (عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، ومنصور من نصره، ومخذول من خذله) أما إني صليت مع رسول الله ﷺ يوما من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده الى السماء فقال: اللهم إني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي راكعا فآوى بخنصره اليمين إليه- وكان يتختم فيها- فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله (صلى) فلما فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال
стр. 292
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (١).
فأنزلت عليه قرآنا ناطقا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما (٢) اللهم وأنا محمد نبيّك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليّا أشدد به ظهري. قال أبو ذر: فو الله ما استتم رسول الله ﷺ الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند ربه فقال:
يا محمد، اقرأ، قال: ما أقرأ قال: اقرأ؟
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الاسناد بعينه. وروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن- على ما حكاه المغربي عنه- والروماني، والطبري انها نزلت في عليّ حين تصدق بخاتمه وهو راكع، وهو قول مجاهد والسدي، والمروي عن ابي جعفر وأبي عبد الله وجميع علماء أهل البيت» (٣)(٢) إثبات عصمة الأئمة
لما كان الطبرسي يدين بعصمة الأئمة فإنا نراه عند تفسير قول الله تعالى
стр. 293
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (١) يقصر أهل البيت على النبي (صلى) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، ليثبت بأن الأئمة معصومون من جميع القبائح كالأنبياء سواء بسواء، فلهذا يقول بعد ما سرد من الروايات ما يشهد بقصر معنى أهل البيت ( ... والروايات في هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة، لو تصدينا لإيرادها لطال الكلام، وفيما أوردناه كفاية ...
واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة بأن قالوا: إن لفظة إنما محققة لما أثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإن قول القائل إنما لك عندي درهم، وإنما في الدار زيد، يقتضي أنه ليس عندي سوى الدرهم، وليس في الدار سوى زيد وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الارادة المحضة، أو الارادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس، ولا يجوز الوجه الأول، لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الارادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة، ولا مدح في الارادة المجردة، فثبت الوجه الثاني. وفي ثبوته ثبوت عصمة الأئمة بالآية من جميع القبائح، وقد علمنا أن من عدا ما ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته، فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم، ومتى قيل: إن صدر الآية وما بعدها في الازواج، فالقول فيه، إنّ هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون اليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم ... ) (٢)(٣) القول بمبدإ التقيّة
وهو جواز إظهار الموافقة على الكفر حين الخوف على النفس. في تفسير قول الله تعالى:
стр. 294
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (١).
يقول: «من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من الله في شيء، أي ليس هو من أولياء الله، والله بريء منه، وقيل: ليس هو من ولاية الله تعالى في شيء. وقيل: ليس من دين الله في شيء. ثم استثنى فقال:
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً والمعنى: الا أن يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم ولم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه، ومداراتهم تقية منهم ودفعا عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك. وفي هذه الآية دلالة على أنّ التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقال أصحابنا، إنها جائرة في الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح وليس تجوز من الأفعال في قتل المؤمن، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين.
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: وظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند لخوف على النفس- وقد روى رخصته في جواز الإفصاح بالحق عنده، وروى الحسن، أنّ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله. قال: نعم قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، ثم دعا بالآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟
قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمّ .. قالها ثلاثا، كل ذلك يجيبه بمثل الأول، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ
стр. 295
فقال: أما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه، فعلى هذا تكون التقيّة رخصة والإفصاح بالحق فضيلة). (١)(٤) - تأثر الطبرسي بفقه الشيعة في تفسيره
الطبرسي متأثر في تفسيره بفقه الإمامية الاثني عشرية وآرائهم الاجتهادية، فنراه يستشهد بكثير من الآيات على صحة مذهبه، أو يرد استدلال مخالفيه بآيات القرآن على
مذاهبهم، وهو في استدلاله وردّه، ودفاعه وجدله، عنيف كل العنف، قويّ إلى حد بعيد.
أ- في نكاح المتعة:
نجد الإمامية الاثني عشرية يقولون بجواز نكاح المتعة، ولا يقومون بنسخة كغيرهم من الأئمة، لهذا أخذ الطبرسي دليله على هذا المذهب من كتاب الله تعالى عند ما فسر قول الله:
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (٢).
في حين يرى أهل السنة غير ذلك، ويقولون بنسخ نكاح المتعة.
ب- في فرض الرجلين في الوضوء
يقول الطبرسي- كغيره من علماء مذهبه- بأن المسح هو فرض الرجلين في الوضوء، مدافعا في ذلك عن مذهبه، مناصرا بأدلة إن دلّت على شيء، فهو قوة عقليته، وسعة ذهنه، وكثرة اطلاعه، فقد أورد أقوال العلماء جميعها في تفسير قول الله تعالى
стр. 296
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... (١)
وبيّن خلاف العلماء في الفرض، هل هو المسح أم الغسل؟ باعتبار عطف الأرجل على الرءوس أو الوجوه والأيدي في الآية، بأسلوب يظهر قوته وتمكنه وإلمامه الشامل (٢)
ح- في الغنائم
لما كانت الإمامية الاثنا عشرية لهم في الغنائم نظام خاص، يخالفون به من عداهم، فيوجبون الخمس لمستحقيه في مطلق الغنيمة، فهو غير مختص عندهم بغنائم الحرب. بل يشمل أنواعا سبعة هي:- غنائم الحرب، وغنائم الغوص، والكنز الذي يعثر عليه، والمعدن الذي الذي يستنبط من الارض، وأرباح المكاسب، والحلال المختلط بالحرام، والارض المنتقلة من المسلم الى الذمي- وليس الخمس الهاشمي الذي يرون وجوبه فيما عدا الغنائم الحربية من الصدقات كما يتوهم البعض، ولكنهم يعتبرونه حقا امتيازيا لآل محمد الذين حرمت عليهم الصدقات نظير ما تمتاز به الأسر المالكة اليوم من التمتع بمخصصات خاصة، وقد تضافر الحديث عن الأئمة بأن الخمس حق سلطاني بارادة ملكية، هي إرادة مليك الكائنات لمستحقيه الذين ذكرهم القرآن (٣).
لهذا نجد الطبرسي ينزل ما ورد في الغنائم من الآيات على مذهبه، يقول في تفسير قول الله تعالى
стр. 297
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... (١):
«ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى» أي من أموال كفار أهل القرى «فلله» يأمركم فيه بما أحب «وللرسول» بتمليك الله إياه (ولذي القربى» يعني أهل بيت رسول الله وقرابته، وهم بنو هاشم «واليتامى والمساكين وابن السبيل» منهم؛ لأن التقدير ولذي قرباه، ويتامى أهل بيته ومساكينهم وابن السبيل منهم.
د- في ميراث الانبياء
يقول كغيره من علماء مذهبه بأن الانبياء ﵈ يورثون كما يورث سائر الناس، ولهذا نراه يتأثر بمذهبه هذا عند تفسيره، يقول في قول الله تعالى:
... وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (٢).
في هذا دلالة على أن الانبياء يورثون المال كتوريث غيرهم .. وهو قول الحسن- وقيل معناه أنه ورث علمه ونبوّته وملكه دون سائر اولاده. ومعنى الميراث هنا أنه قام مقامه في ذلك، فأطلق عليه اسم الارث كما اطلق على الجنة اسم الارث ... » (٣)
وفي قوله بوراثة الأنبياء رد على أهل السنة الذين أخذوا بما ذهب إليه أبو بكر من أن الانبياء لا يورثون، فمنع فاطمة من وراثة الرسول في ذلك.
هـ- عدم الأخذ بحجّية الإجماع
فعلماء الشيعة لا يعتبرون حجيّة الإجماع مهما كان نوعه إلا إذا كان كاشفا
стр. 298
عن رأي الامام أو كان الامام داخلا في جملة المجمعين. (١) فهو يرد الأدلة القرآنية التي استدل بها الجمهور على حجيّة الاجماع ويناقشهم في فهم هذه الآيات.
فمثلا عند تفسيره لقول الله تعالى:
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢) يقول: « ... واستدل بعضهم من قوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» على أن اجماع الأمة حجة بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنّة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا والإجماع حجة. وهذا الاستدلال إنما يصح لو فرض أن في الأمة معصوما حافظا للشرع، فأما إذا لم يفرض ذلك فلا يصح، لأن تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند اكثر العلماء، فكيف اعتمدوا عليه هاهنا. على أن الأمة لا تجمع على شيء إلا عن كتاب أو سنة.
وكيف يقال إنها إذا أجمعت على شيء لا يجب عليها الرد إلى الكتاب والسنّة وقد ردّت إليهما؟» (٣).
(٥) روايته للأحاديث الموضوعة
ان الطبرسي ﵀ كان راويا لكثير من الاحاديث في تفسيره، ومنها أحاديث موضوعة وردت في فضائل السور، فوقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين من الاغترار بما جاء من الأحاديث في فضائل السور مسندا إلى أبيّ
стр. 299
وغيره، ومرفوعا إلى رسول الله ﷺ ، وهي احاديث موضوعة باتفاق أهل العلم.
(٦) موقفه من الإسرائيليات
وكثيرا ما يروي الطبرسي في تفسيره الروايات الإسرائيلية، معزوّة إلى قائليها، ونلاحظ عليه أنه يذكرها بدون أن يعقب عليها، اللهم إلا إذا كانت مما يتنافى مع العقيدة، فإنه ينبّه على كذب الرواية، ويبيّن ما فيها من مجافاتها للحق وبعدها عن الصواب. فمثلا عند قول الله تعالى:
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ... (١)
نجده يقول: «واختلف في استغفار داود من أي شيء كان، فقيل: إنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع والتذلل بالعبادة والسجود، كما اخبر سبحانه عن إبراهيم بقوله:
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٢) ... قال: إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه، ثم إنهم اختلفوا في ذلك على وجوه:
أحدها: أن أوريا بن حيان خطب امرأة وكان أهلها أرادوا أن يزوجوها منه، فبلغ داود جمالها فخطبها ايضا فزوجوه منها، فقدموه على أوريا، فعوتب داود على الدنيا ..
ثانيها: أنه اخرج أوريا إلى بعض ثغوره فقتل فلم يجزع عليه جزعه على
стр. 300
أمثاله من جنده إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين.
وثالثها: أنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأته فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزوج بها، فحينئذ يجوز لغيرهم ان يتزوج بها، فلما قتل اوريا، خطب داود امرأته ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها فعوتب على ذلك.
ورابعها: أن داود كان متشاغلا بالعبادة فأتاه رجل وامرأة متحاكمين فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها وذلك نظر مباح، فمالت نفسه إليها ميل الطباع ففصل بينهما وعاد إلى عبادة ربه، فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله فعوتب.
وخامسها: أنه عوتب على عجلته في الحكم قبل التثبت، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ولا يحكم قبل ذلك، وإنما انساه التثبت في الحكم فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العبادة (١).
(٧) التفسير الرمزي
نلاحظ على الطبرسي أحيانا أنه يذكر التفسير الرمزي للآية، مع أنه في كتابه يفسر القرآن تفسيرا يتمشى مع الظاهر المتبادر إلى الذهن، مثال ذلك تفسيره لقول الله تعالى:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ .. (٢)
نجده يقول «واختلف في هذا المشبه والمشبه به على أقوال ... ثم ذكر هذه
стр. 301
الاقوال فكان من جملة ما ذكره ما روى عن الرضا أنه قال (نحن المشكاة فيها المصباح محمد ﷺ يهدي الله لولايتنا من أحب) وما نقله من كتاب التوحيد لأبي جعفر بن بابويه ﵀ بالاسناد عن عيسى بن راشد عن أبي جعفر الباقر في قوله (كمشكاة فيها مصباح) قال: نور العلم في صدر النبي المصباح (في زجاجة) الزجاجة صدر علي، صار علم النبي إلى صدر علي، علّم النبيّ عليا (يوقد من شجرة مباركة) نور العلم (لا شرقية ولا غربية) لا يهودية ولا نصرانية (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) قال: يكاد العالم من آل محمد يتكلم بالعلم قبل أن يسأل (نور على نور) اي إمام مؤيد بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد (صلى)، ذلك من النبي آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة. فهؤلاء الاوصياء الذين جعلهم الله خلفاء في أرضه، وحججه على خلقه، لا تخل الأرض في كل عصر من واحد منهم،
(٨) اعتداله في التشيع
والطبرسي معتدل في تشيعه غير مغال في، لا تلمس في تفسيره تعصبا كبيرا، ولا تأخذ عليه أنه كفّر أحدا من الصحابة أو طعن فيهم بما يذهب بعدالتهم ودينهم.
كما أنه لم يغال في شأن الإمام عليّ كرم الله وجهه- بما يجعله في مرتبة الإله أو في مصاف الانبياء، وإن كان يقول بالعصمة. ولقد وجدناه يروي عن رسول الله ﷺ حديثا في شأن من والى عليا ومن عاداه، وهو بصرف النظر عن درجته من الصحة يدل على أن الرجل وقف موقفا معتدلا، فقد أورده في الوجه الرابع من الوجوه التي سيقت في سبب نزول قوله تعالى:
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ... (١)
стр. 302
حيث قال:
( ... ورابعها: ما رواه سادة أهل البيت عن علي عليهم افضل الصلوات أنه قال: جئت إلى رسول الله ﷺ يوما فوجدته في ملأ من قريش فنظر إلي ثم قال: يا عليّ إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم أحبّه قوم فأفرطوا في حبّه فهلكوا، وابغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم فضحكوا وقال: يشبهه بالانبياء والرسل فنزلت الآية .. )
والحق أن تفسير الطبرسي كتاب عظيم في بابه، يدل على تبحر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة. والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه، في تناسق تام وترتيب جميل، وهو يجيد في كل ناحية من النواحي التي يتكلم عنها، فإذا تكلم عن المعاني اللغوية للمفردات أجاد، واذا تكلم عن وجوه الاعراب أجاد، وإذا تكلم عن القراءات أجاد، وإذا شرح المعنى الإجمالي أوضح المطلوب، واذا تحدث عن اسباب النزول وشرح القصص استوفى الاقوال وأفاض، واذا تناول الاحكام تعرض لمذاهب الفقهاء عن خبرة ودراية،.
وهو جملة، تفسير يجمع بين حسن الترتيب، وجمال التهذيب، ودقة التعليل، وقوة الحجّة. كما أنه يمثل وجهة نظر الشيعة الإمامية في فهم القرآن الكريم، ويبث مذهبهم في ثنايا تفسيره.
стр. 303
الجواهر في تفسير القرآن الكريم للشيخ طنطاوي جوهري
ولد سنة ١٨٧٠ م وتوفي سنة ١٩٤٠ م، وكان مغرما بالعجائب الكونية، متأملا في البدائع الطبيعية، يدفعه شوقه لمعرفة ما في السماء من جمال، وما في الارض من بهاء وكمال، لذلك نهج طريقة التفسير العلمي، الذي كثر رواجه لدى بعض المتأخرين من المفسرين، راميا إلى جعل القرآن مشتملا على سائر العلوم ما جدّ عنها وما يجدّ، استجابة للروح المهيمنة على بعض المثقفين الذين لهم عناية بالعلوم، وعناية بالقرآن الكريم، وكان من أكثر هذه النزعة التفسيرية التي تسلطت على قلوب أصحابها، أن أخرج لنا المشغوفون بها كثيرا من الكتب، يحاول أصحابها فيها أن يحملوا كل علوم الأرض والسماء وأن يجعلوه دالا عليها بطريق التصريح أو التلميح، اعتقادا منهم، بأن عملهم هذا فيه بيان صدق القرآن وإعجازه، وصلاحيته للبقاء.
وهو تفسير بدأه مؤلفه أيام كان مدرسا بمدرسة دار العلوم بالقاهرة، فكان يلقي تفسير بعض آيات على طلبتها، وبعضها كان في مجلة الملاجئ العباسية، ثم استمر في تفسير بقية القرآن حتى أخرج موسوعة كبيرة.
أسباب حملت المؤلف على كتابة هذا التفسير
يقول في مقدمة كتابه، بأنه تأمل الأمة الاسلامية وتعاليمها الدينية، فوجد
стр. 304
اكثر العقلاء وبعض أجلة العلماء معرضين عن تلك المعاني، ساهين لاهين عن التفرج عليها، فقليل منهم من فكر في خلق العوالم وما أودع فيها من الغرائب، مما دفعه إلى أن يؤلف كتبا كثيرة مزج فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعل آيات الوحي مطابقة لعجائب الصنع، وحكم الخلق، فتوجه إلى الله يسأله التوفيق إلى أن يفسر القرآن تفسيرا ينطوي على كل ما وصل إليه البشر من علوم، فاستجاب الله دعاءه، وتم له ما أراد.
منهج المؤلف في تفسيره
المؤلف في تفسيره هذا، يريد توجيه الفكر الاسلامي إلى التأمل في آيات القرآن التي ترشد إلى علوم الكون، حاثا على العمل بما فيها، منددا بمن يغفل عن هذه الآيات على كثرتها، وينعي على من أغفلها من السابقين الأولين، الذين وقفوا عند آيات الاحكام وغيرها مما يتعلق بأمور العقيدة.
يقول: يا أمة الاسلام: آيات معدودات في الفرائض اجتذبت فرعا من علم الرياضيات، فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلها ...
هذا زمان العلوم، وهذا زمان ظهور نور الاسلام، وهذا زمان رقيّه، يا ليت شعري .. لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟
ولكني أقول: الحمد لله .. الحمد لله، إنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض؛ لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة الله وهي فرض عين على كل قادر ... إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن، هي التي أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء في الاسلام، فهذا زمان الانقلاب، وظهور الحقائق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١) كما يرى الشيخ طنطاوي ضرورة ارتقاء نظام التعليم الإسلامي، لإظهار
стр. 305
ما في القرآن الكريم من علوم أظهرها الله في الأرض، وتتجاوب مع النظريات المستحدثة التي لم يكن للعرب عهد بها.
يقول في تفسيره « ... لماذا ألف علماء الاسلام عشرات الالوف من الكتب الاسلامية في علم الفقه .. وعلم الفقه ليس له في القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية؟ فلماذا كثر التأليف في علم الفقه، وقلّ جدا في علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة؟ بل هي تبلغ سبعمائة وخمسين آية صريحة، وهناك آيات أخرى دلالتها تقرب من الصراحة. فهل يجوز في عقل أو شرع أن يبرع المسلمون في علم آياته قليلة، ويجهلوا علما آياته كثيرة جدا؟ إن آباءنا برعوا في الفقه، فلنبرع نحن الآن في علم الكائنات .. لنقم به، لترقى الأمة .. ) (١)
أسلوب المؤلف في هذا التفسير
إنّ القارئ لتفسير الشيخ طنطاوي، يلاحظ طريقته التي سلكها، ويرى الصورة واضحة في الأسلوب الذي اتبعه وقصده. فهو يفسّر الآيات القرآنية تفسيرا لفظيا مختصرا، لا يخرج عما في كتب التفسير المتداولة، ولكنه يدخل في ابحاث علمية مستفيضة يسميها هو «اللطائف أو الجواهر.
هذه الابحاث عبارة عن مجموعة كبيرة من افكار العلماء في العصر الحديث، جاء بها المؤلف ليبيّن أنّ القرآن الكريم قد سبق إلى هذه الابحاث ونبّه إلى تلك العلوم قبل أن يصل إليها هؤلاء العلماء بعصور بعيدة.
تراه يضع في تفسيره كثيرا من صور الحيوانات والنباتات، ومناظر الطبيعة، وتجارب العلوم، ليوضح للقارئ توضيحا يجعل الحقيقة أمامه وكأنها أمر مشاهد محسوس. كما أنه ﵀ يستشهد أحيانا على ما يقول بما جاء في إنجيل برنابا- وهو في رأيه أصح الأناجيل- وفي تفسيره يعتمد على النظريات الحديثة، والعلوم الجديدة، التي لم يكن يعرفها العرب.
стр. 306
نماذج من تفسيره
نجده في تفسير قول الله تعالى في أول سورة آل عمران الم يعقد بحثا طويلا عنوانه «الأسرار الكيميائية، في الحروف الهجائية، للأمم الاسلامية، في أوائل السور القرآنية» وفيه يقول: «انظر رعاك الله .. تأمل .. يقول الله:
أ. ل. م. طس. حم. وهكذا يقول لنا: أيها الناس، إن الحروف الهجائية، إليها تحلّل الكلمات اللغوية، فما من لغة في الأرض إلا وأرجعها أهلها إلى حروفها الأصلية، سواء أكانت اللغة العربية العربية أم اللغات الأعجمية، شرقية، وغربية، فلا صرف، ولا إملاء، ولا اشتقاق إلا بتحليل الكلمات إلى حروفها، ولا سبيل لتعليم لغة وفهمها إلا بتحليلها، وهذا هو القانون المسنون في سائر العلوم والفنون.
ولا جرم أن العلوم قسمان: لغوية وغير لغوية، فالعلوم اللغوية مقدمة في التعليم، لأنها وسيلة إلى معرفة الحقائق العلمية من رياضية وطبيعية وإلهية، فإذا كانت العلوم التي
هي آلة لغيرها لا تعرف حقائقها إلا بتحليلها إلى أصولها، فكيف إذا تكون العلوم المقصودة لنتائجها المادية والمعنوية؟ فهي أولى بالتحليل وأجدر بإرجاعها إلى أصولها الأولية. لا يعرف الحساب إلا بمعرفة بسائط الاعداد، ولا الهندسة إلا بعد علم البسائط والمقدمات، ولا علوم الكيمياء إلا بمعرفة العناصر وتحليل المركبات إليها، فرجع الأمر إلى تحليل العلوم» (١) ومثلا عند ما تعرّض لقوله تعالى:
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٢) يقول: « ... قوله (وما بينهما) دخل في ذلك عوالم السحاب والكهرباء
стр. 307
وجميع العالم المسمى (الآثار العلوية) وهو من علوم الطبعية قديما وحديثا. وقوله (وما تحت الثرى) يشير لعلمين لم يعرفا إلا في زماننا، وهما علم طبقات الأرض، وعلم الآثار ... فالله هنا يقول: «وما تحت الثرى» ليحرص المسلمون على دراسة علوم المصريين التي تظهر الآن تحت الثرى .. » (١)
ومثلا عند قوله تعالى:
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (٢) نجده يقول: « ... والمارج المختلط بعضه ببعض، فيكون اللهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أن الإنسان من عناصر مختلفات، هكذا الجان من أنواع من اللهب مختلطات، ولقد ظهر في الكشف الحديث أن الضوء مركب من ألوان سبعة، غير ما لم يعلموه، فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أن اللهب مضطرب دائما، وإنما خلق الجنّ من ذلك المارج المضطرب، إشارة إلى أن نفوس الجان لا تزال في حاجة إلى التهذيب والتكميل. تأمل في مقال علماء الأرواح الذين استحضروها إذ أفادتهم بأن الروح الكاملة تكون عند استحضارها ساكنة هادئة، أما الروح الناقصة فإنها تكون قلقة مضطربة .. ) (٣).
ومثلا في تفسير سورة الزلزلة:
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ....
نجده يفسرها تفسيرا لفظيا مختصرا، ثم يذكر ما فيها من لطائف، مستعرضا
стр. 308
ما وقع من حوادث الزلزال في مختلف البلاد، وما وصل اليه العلم الحديث من استخراج البترول والفحم من الأرض، وما كثر في هذا الزمان من استخراج الدفائن من الأرض، مثل ما كشف في مصر من آثار قدمائها، وفي اليونان وغيرها، ثم يقول بعد أن أفاض فيما سبق: « ... ألست ترى أن هذه السورة- وإن كانت واردة لأحوال الآخرة- تشير من طرف خفيّ إلى ما ذكرنا في الدنيا؟ فالأرض الآن كأنها في حال زلزلة، وقد أخرجت أثقالها وكنوزها وموتاها وغيرها، والناس الآن يتساءلون وها هم أولاء يلهمون الاختراع، وها هم اولاء مقبلون على زمان تنسيق الأعمال بحيث تكون كل أمة في عمل يناسبها، وكل إنسان في عمله الخاص به وينتفع به) (١) ومثلا عند ما تعرض لقول الله تعالى:
... وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ... الآية (٢).
نجده يقول: «الفوائد الطبية في هذه الآية- ثم يأخذ في بيان ما أثبته الطب الحديث من نظريات طبية، ويذكر مناهج أطباء أوروبا في الطب، ثم يقول- أو ليست هذه المناهج هي التي نحا نحوها القرآن؟ أو ليس قوله «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير رمزا لذلك؟ كأنّه يقول: العيشة البدوية على المن والسلوى ... وهما الطعامان الخفيفان اللذان لا مرض يتبعهما، مع الهواء النقي والحياة الحرّة، أفضل من حياة شقية في المدن بأكل التوابل واللحم، والإكثار
стр. 309
من الوان الطعام، مع الذلة وجور الحكام، والجبن وطمع الجيران من الممالك فتحتطفكم على حين غفلة وانتم لا تشعرون. بمثل هذا تفسر هذه الآيات.
بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله ... » (١)
وهكذا نرى أن تفسير الشيخ طنطاوي، أخذ يوضح اشتمال القرآن على ما جدّ من نظريات علمية تؤيد إعجاز القرآن، باعتبار أن العلم كشف في القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة، تعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء العصر، والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد التصريح أو التلميح به في القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخلفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن، شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه.
وذلك بأن العلماء اكتشفوا الأثير وهو مادة الكون، وقد وصف القرآن بدء التكوين فقال:
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ (٢).
واكتشفوا أن الكائنات في حركة دائمة دائبة، والقرآن يقول:
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها ... (إلى أن يقول) وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣) وحققوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض، وترتجّ في دورتها، والقرآن يقول:
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (٤).
стр. 310
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات علم الهيئة والنواميس الطبيعية.
والكتاب- كما ترى- موسوعة علمية، ضربت في كل من فنون العلم بسهم وافر، مما جعل هذا التفسير يوصف بما وصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه: (فيه كل شيء إلا التفسير) بل هو أحق من تفسير الفخر الرازي بهذا الوصف، وأولى به.
والكتاب يدل على أن المؤلف- ﵀ كان كثير التجوال في ملكوت السموات والأرض بفكره، يطوف في شتى نواحي العلم بعقله وقلبه قاصدا تفسير آيات الله في الآفاق وفي نفوس الناس، هادفا إلى إثبات أنّ القرآن تضمّن ما جاء وما قد يجيء به الانسان من علوم ونظريات، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث، تحقيقا لقول الله تعالى في كتابه:
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (١).
ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه.
إن الذين يعتبرون أن التفسير العلمي هو الذي يبيّن إعجاز القرآن مخطئون ولا شك. فالاستناد إلى ما تناولته بعض آيات القرآن من حقائق الكون ومشاهده، أو إلى دعوة الله للناس بالنظر في كتاب الكون وآياته التي بثها في الآفاق وفي أنفسهم، لإظهار أن القرآن قد جمع علوم الأولين والآخرين، تأويل غير صحيح؛ ذلك لأن تناول القرآن لحقائق الكون ومشاهده، ودعوته إلى النظر في ملكوت السموات والأرض وفي أنفسهم، لا يراد منه إلا رياضة وجدانات الناس، وتوجيه عامتهم وخاصتهم إلى مكان العظة والعبرة، ولفتهم إلى آيات قدرة الله ودلائل وحدانيته، من جهة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة في النفس وجلال
стр. 311
في القلب، لا من جهة ما لها من دقائق النظريات وضوابط القوانين، فليس القرآن كتاب طب أو فلسفة أو هندسة ...
وليعلم أصحاب هذا اللون من التفسير، أن القرآن غنيّ عن أن يعتز بمثل هذا التكليف، الذي يوشك أن يخرج به عن هدفه الانساني الاجتماعي، في اصلاح الحياة، ورياضة النفس، والرجوع بها إلى الله تعالى.
فليس من الخير أن ننهج بالقرآن هذا النهج في التفسير، رغبة في إظهار إعجاز القرآن وصلاحيته للتمشي مع التطور الزمني، وحسبنا أن لا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جدّ ويجدّ من نظريات وقوانين علمية، تقوم على أساس من الحق وتستند إلى أصل من الصحة.
стр. 312
[تفسير] الاستاذ الإمام الشيخ محمد عبده
التعريف به
في قرية «محلة نصر» من إقليم البحيرة بمصر، ولد الشيخ محمد عبده بن حسن خير الله عام ١٨٤٩ م، ونشأ في أسرته المتوسطة الحال، نشأة أمثاله من القرويين، وترك بدون تعليم حتى ناهز العاشرة، ثم حفظ القرآن الكريم، والتحق طلبا للعلم بالجامع الأحمدي في طنطا، ثم انتقل إلى الجامع الأزهر في القاهرة.
في طليعة أيامه بالأزهر، مني بمعلمين غير أكفاء، رغبوه عن التعليم، ونفروه عن المعرفة، فسئم الدرس وفرّ، ولكنه أتيحت له ظروف جعلته يستسيغ حلاوة العلم، فصبر بعدها على مرارة التحصيل، وأقبل على الدرس بنهم وشغف، يسعفه عقل راجح، وذهن ثاقب، وبصيرة نافذة، حتى غدا نبراسا يضيء، وإماما يستفتى، وحجة من حجج الإسلام.
وحين وفد المصلح الكبير جمال الدين الافغاني على مصر، وأعاد إلى رحابها دروس الفلسفة والمنطق وعلوم الكلام والحكمة، كان «محمد عبده ألزم تلاميذه له، وأقر بهم منه، وأنبغهم فيما يأخذ عنه.
وفي عام ١٢٩٤ هـ نال اجازة العالمية من الازهر الشريف، وبعدها بعام
стр. 313
واحد، عين مدرسا للأدب والتاريخ العربي بمدرستي الألسن ودار العلوم؛ ولكن لحرية فكره، وجرأة كلمته، ومجاهرته بدعوة الإصلاح، فصل من عمله ولزم بلده فترة. ثم احتيج إليه ليشرف على إصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم أصبح رئيسا لتحريرها، وسارت به كفاءته إلى أن غدا مراقبا على كتابة الجرائد وتحريرها.
وحين نمت مبادئ الأفغاني، وزكت دعوته في القلوب، شبت الثورة العرابية، وكان الشيخ محمد عبده من مشايعيها، والمحركين لها، ولقد أفتى بخلع الخديوي فنفي من مصر وذهب إلى سوريا- لبنان- وأقام في بيروت، وتولى التدريس في مدارسها- وفي بيروت ألف رسالته المشهورة- رسالة التوحيد، ثم التحق بالسيد جمال الدين الأفغاني بباريس، وأنشأ معه جريدة العروة الوثقى ..
ثم عفا الخديوي عنه، وعاد لمصر وعين قاضيا بالمحاكم الأهلية، وبقي مثالا للقاضي النزيه، الصحيح النظر والحكم، حتى عين مفتيا للديار المصرية عام ١٣١٧ هـ وتولى التدريس بالأزهر، وبقي على ذلك حتى وافته منيته عام ١٣٢٣ هـ- ١٩٠٥ م.
والإمام محمد عبده، يعتبر من اكبر المصلحين الاسلاميين في العصر الحديث، فقد سلط من فكره ضياء على أباطيل البدع والأضاليل فبددها، وكشف للناس جوهر الاسلام ناصعا بعد أن غشيته سحب كثيفة من ظلمات الجهل، ووقف ببصيرة نفاذه يوفق بين العلم والدين كما فعل من قبله ابن سينا وابن رشد، وأخذ يفسر كتاب الله على ضوء من العلم والمعرفة والعقل، وكتب رسالة التوحيد ببلاغة متمكنة تقرب العقائد من الأفهام، وتخلص النفوس من الأسقام، وتصدى للمبشرين بسيف الحق، يرد كيدهم ويقطع السبيل على مفترياتهم، وكتاباه «الاسلام والرد على منتقديه» و «الاسلام والنصرانية» من أقوى ما كتب في هذا المجال.
لقد كان- ﵀ من الأخيار الذين يصطفيهم الله على فترات من
стр. 314
الزمان، ليجددوا إيمان الناس بالحق وقد سيته، وليخلصوا الفكر الإسلامي من الخبث الذي يتسرب إليه بفعل الأهواء، وسكوت الفصحاء.
إنتاجه في التفسير
إن المستقصي لما انتجه الاستاذ الإمام من عمل في التفسير، يجد له تفسيره المشهور لجزء (عمّ) الذي ألفه بمشورة من بعض أعضاء الجمعية الخيرية الاسلامية، ليكون مرجعا لاساتذة مدارس الجمعية في شرح ما يحفظ التلاميذ من سور هذا الجزء، وليكون عاملا للإصلاح في اعمالهم واخلاقهم.
أتم الاستاذ الامام تفسير هذا الجزء في سنة ١٣٢١ هـ ببلاد المغرب، وبذل جهده كما يقول (في أن تكون العبارة سهلة التناول، خالية من الخلاف وكثرة الوجوه في الاعراب، بحيث لا يحتاج في فهمها إلا أن يعرف القارئ كيف يقرأ، أو السامع كيف يسمع، مع حسن النية وسلامة الوجدان) (١) كما يجد له تفسيرا مطولا لسورة (العصر) كان قد ألقاه على هيئة محاضرات، أو دروس على علماء مدينة الجزائر ووجهائها في سنة ١٩٠٣ م كما يجد له بعض البحوث التفسيرية، التي عالج فيها بعض مشكلات القرآن، ودفع بها بعض ما أثير حول القرآن من شكوك وإشكالات، كشرحه لقوله تعالى:
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٢).
وقوله تعالى:
стр. 315
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١) حيث جمع بين الآيتين، ووفق بين ما يظن فيهما من تناف وتضاد، وهو نسبة أفعال العباد تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى العبد.
ومن آثار الاستاذ الامام في التفسير، تلك الدروس التي ألقاها في الازهر الشريف. على تلاميذه ومريديه، وكان ذلك بمشورة تلميذه السيد محمد رشيد رضا، وإقناعه به، كما يقول هو في مقدمة تفسيره (٢).
والاستاذ الامام، ابتدأ بأول القرآن في غرّة المحرم سنة ١٣١٧ هـ وانتهى عند تفسير قول الله تعالى:
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (٣) دروسا كان يلقيها على طلابه ولم يدون منها شيئا، لذلك اعتبرت أثرا من آثاره في التفسير، وذلك
لأن تلميذه السيد محمد رشيد رضا كان يكتب في اثناء إلقاء هذه الدروس مذكرات يودعها ما يراه أهم اقوال الاستاذ الامام، ثم يحفظ ما كتب ليمدّه بما يذكره من أقواله وقت الفراغ، ثم قام بعد ذلك بنشر ما كتب في مجلته (المنار) وكان- كما يقول في مقدمة تفسيره- يطلع الاستاذ الامام على ما أعده للطبع، كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه، فكان ينقح فيه بزيارة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات. قال: «ولا اذكر أنه انتقد شيئا مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضيا بالمكتوب بل معجبا به .. (٤)
стр. 316
طريقته في التفسير
يعتبر الاستاذ الامام، الأول الذي قام وحده من بين رجال الازهر بالدعوة إلى التحرر من قيود التقليد، وإلى التجديد، فاستعمل عقله الحر في كتاباته وبحوثه، ولم يجر على ما جمد عليه غيره من افكار المتقدمين، واقوال السابقين، فكان له من وراء ذلك آراء وأفكار خالف بها من سبقه، فأغضبت عليه الكثير من أهل العلم، وجمعت حوله قلوب مريديه والمعجبين به.
هذه الحرية العقلية، وهذه الثورة على القديم، كان لهما أثر بالغ في المنهج الذي نهجه الشيخ لنفسه، وسار عليه في تفسيره.
فهو قد اتخذ لنفسه مبدأ يسير عليه في تفسير القرآن الكريم، ويخالف به جماعة المفسرين المتقدمين. إذ يفهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، «لأنه يرى أن هذا هو المقصد الأعلى للقرآن، وما وراء ذلك من المباحث فهو تابع له، أو وسيلة لتحصيله. (١)
والاستاذ الإمام يقسم التفسير إلى قسمين:- أولا: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الالفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمي اليه تلك العبارات والاشارات من النكت الفنيّة.
قال: وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون، كالنحو والمعاني وغيرهما.
ثانيا: أن يذهب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام؛ ليتحقق فيه معنى قول الله تعالى (هدى ورحمة) ونحوهما من الأوصاف. وفي هذا يقول: «وهذا هو الغرض الأول الذي ارمي إليه في قراءة التفسير (٢).
стр. 317
العقيدة تؤخذ من القرآن
يرى الاستاذ الامام، أن القرآن الكريم هو الميزان الذي توزن به العقائد لتعرف قيمتها، ويقرر انه يجب على من ينظر في القرآن أن ينظر إليه كأصل تؤخذ منه العقيدة، ويستنبط منه الرأي، وينعي على ما كان من اكثر المفسرين، من تسلط العقيدة عليهم، ونظرتهم للقرآن من خلالها، حتى تأولوا القرآن بما يشهد لعقائدهم، ويتمشى معها. وفي هذا يقول «إذا وزنّا ما في أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى، من غير أن ندخلها اولا فيه، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين. وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يدري ما هو الموزون به.
«أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون (١)
طريقة الأستاذ الامام في دروس التفسير
يحدثنا تلميذه السيد محمد رشيد رضا عن طريقة الاستاذ الإمام في دروس التفسير فيقول: «كانت طريقته في قراءة الدرس على مقربة مما ارتآه في كتابة التفسير، وهو أن يتوسع فيما أغفله أو قصر فيه المفسرون، ويختصر فيما برزوا فيه من مباحث الالفاظ، والاعراب، ونكت البلاغة، وفي الروايات التي تدل عليها، ولا تتوقف على فهمها الآيات (٢) وكان الاستاذ الإمام يعتمد في دروسه وكتابته في التفسير على عقله الحر، وكان- كما يقول عنه بعض الكاتبين- «لا يلتزم في التفسير كتابا، وإنما يقرأ في المصحف، ويلقي ما يفيض الله على قلبه (٣)
стр. 318
وكان من دأبه أنه لا يرجع إلى كتاب التفسير قبل إلقاء دروسه، حتى لا يتأثر بفهم غيره، وكل ما كان منه أنه إذا ما عرض له وجه غريب من الاعراب او كلمة غريبة في اللغة، رجع إلى بعض كتب التفسير، ليرى ما كتب في ذلك، وقد حدث عن نفسه بذلك فقال «إنني لا أطالع عند ما أقرأ، لكنني ربما أتصفح كتاب تفسير إذا كان هناك وجه غريب في الاعراب، أو كلمة غريبة في اللغة (١).
ثم نجد تلميذه السيد محمد رشيد رضا يذكر أن الاستاذ الامام كان «يتوكأ في ذلك يعني في دروسه في التفسير- على عبارة تفسير الجلالين الذي هو أوجز التفاسير، فكان يقرأ عبارته فيقرّها، أو ينتقد منها ما يراه منتقدا ثم يتكلّم في الآية أو الآيات المنزلة في معنى واحد بما فتح الله عليه، ما فيه هداية وعبرة (٢).
والاستاذ الإمام لم يقف عند ما كتبه قدماء المفسرين، ولم يلغ عقله أمام عقولهم، بل ندّد بمن يكتفي في التفسير بالنظر في اقوال المتقدمين فيقول «التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون، هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب المفسرين على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن.
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٣) وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه، ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيلها عن حدّ الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل.
стр. 319
«إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن اقوال الناس وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنّة نبيّنا الذي بين لنا ما نزل إلينا «وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم (١) «يسألنا هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبرتم ما بلغتم؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به امرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن، واهتديتم بهدي النبي، واتبعتم سنته؟
عجبا لنا ننتظر هذا السؤال ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه، فيا للغفلة والغرور (٢).
والاستاذ الإمام يعرّف الفهم الصحيح للقرآن ويحدّده بقوله « ... وأعني بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه. لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان.
اللذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر (٣).
موقف الاستاذ الإمام محمد عبده من مبهمات القرآن
نلاحظ أنه كان ينفر من شرح مبهمات القرآن فلا يخوض فيها، فلم يكن كغيره من المفسرين الذين كلفوا بالاسرائيليات فجعلوا منها شروحا وتفصيلات، وذلك لاعتقاده بأن الله تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات لما جاء به مبهما في كتابه، ولو أراد الله منا ذلك لدلنا عليه في كتابه أو على لسان نبيّه «مذهبه في جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعي لا يتعداه ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه» (٤) فهو عند تفسيره لقول الله تعالى
стр. 320
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ (١).
يقول: «ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه: أنّ علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أي شيء خلقوا، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومواد كالمعهود عندنا ... وهو يبعد فهمه؟ أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال؟ وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد؟ أو إنما هي أرواح تتجلى لها الاعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث الله الناس؟ كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر في معناه إلى الله، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا، هو: أنّ أعمالنا تحفظ وتحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير» (٢).
وعند ما تعرّض لقول الله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٣) نجده يقول: «وقد يروي المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد، كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم، ونظرت في هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه» (٤).
معالجة القضايا الاجتماعية
والاستاذ الإمام يقف عند بعض آيات القرآن التي يمكن أن تؤخذ منها طرق