معنى وصف السورة بأنها مكية أو مدنية:
توصف السورة بأنها مكية أو مدنية تبعا لما يغلب عليها، أو تبعا لفاتحتها.
فإذا نزلت فاتحة سورة بمكة سميت مكية، وإن نزلت فاتحة السورة بالمدينة سميت مدينة. لكننا يجب أن ننتبه هنا إلى التفسير الاصطلاحي الذي أخذنا به، وهو أن المكي ما كان سابقا على الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة. فمعنى ذلك أن السورة التي نزلت فاتحتها قبل الهجرة تعتبر سورة مكية، والسورة التي نزلت فاتحتها بعد الهجرة تعتبر سورة مدنية، ويستثنى من كل سورة مدنية ما بها من آيات نزلت قبل الهجرة فهذه تعد مكية كما يستثنى من السور المكية ما بها من آيات نزلت بعد الهجرة لأن هذه الآيات تعد مدنية. فهناك سور اجتمع بها المكي والمدني، وسور كل آياتها مكية وأخرى كل آياتها مدنية. وهناك خلاف حول بعض السور من حيث وصفها بأنها مكية أو مدنية.
ومن الجدير بنا أن نذكر هنا أن ترتيب الآيات في مواضعها كان توقيفا، فالرسول هو الذي أمر به، بوحي من ربه.
وهناك روايات تعين السور المكية والسور المدنية وترتيب نزولها، وما يستثنى من المكية من آيات مدنية، وكذلك ما يستثنى من المدنية من آيات مكية.
ويورد الزركشي رواية تبين السور التي نزلت بمكة مرتبة بتاريخ نزولها على الوجه التالي:
أول ما نزل بمكة:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثم ن وَالْقَلَمِ، ثم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، ثم يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، ثم تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ، ثم إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، ثم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، ثم وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى،
стр. 37
ثم وَالْفَجْرِ، ثم وَالضُّحى، ثم أَلَمْ نَشْرَحْ، ثم وَالْعَصْرِ، ثم وَالْعادِياتِ، ثم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، ثم أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، ثم أَرَأَيْتَ الَّذِي، ثم قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم «سورة الفيل» ثم «الفلق»، ثم «النّاس»، ثم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، ثم عَبَسَ وَتَوَلَّى، ثم إِنَّا أَنْزَلْناهُ، ثم وَالشَّمْسِ وَضُحاها ثم وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ، ثم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، ثم لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، ثم الْقارِعَةُ، ثم لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، ثم الهمزة، ثم المرسلات، ثم ق وَالْقُرْآنِ، ثم لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، ثم الطارق ثم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، ثم ص وَالْقُرْآنِ، ثم
الأعراف، ثم الجن، ثم «يس» ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم مريم، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم بني اسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان،
стр. 38
ثم سبأ، ثم الزمر، ثم حم. المؤمن، ثم حم. السجدة، ثم حم. عسق، ثم حم. الزّخرف، ثم حم. الدخان، ثم حم. الجاثية، ثم حم. الأحقاف، ثم وَالذَّارِياتِ، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنون، ثم الم تَنْزِيلُ، ثم وَالطُّورِ ثم الملك، ثم الْحَاقَّةُ ثم سَأَلَ سائِلٌ، ثم عَمَّ يَتَساءَلُونَ، ثم وَالنَّازِعاتِ ثم إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، ثم إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، ثم الروم.
واختلفوا في آخر ما نزل بمكة، فقال ابن عباس:
العنكبوت، وقال الضحاك وعطاء: المؤمنون. وقال مجاهد وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ.
أما ما نزل بالمدينة:
فيذكره مرتبا على النحو التالي: سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إِذا زُلْزِلَتِ، ثم الحديد، ثم محمد، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم هَلْ أَتى، ثم الطلاق ثم
стр. 39
لَمْ يَكُنِ، ثم الحشر، ثم إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ، ثم الصفّ، ثم الجمعة، ثم التّغابن، ثم الفتح، ثم التّوبة، ثم المائدة (١).
ومنهم من يقدم التوبة على المائدة.
أما السور المختلف فيها فهي «فاتحة الكتاب» وكذلك وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (انظر البرهان، ج ١، ١٩٣، ١٩٤).
أما السيوطي فأورد في الإتقان أقوالا كثيرة. ومن بين ما ذكر أن السور المختلف فيها اثنتا عشرة سورة هي: الفاتحة، والرعد، والرحمن، والصف، والتغابن، والتطفيف، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، والإخلاص، والمعوذتان.
أما السور المدنية فيذكر- نقلا عن أبي الحسن الحصار- أنها عشرون سورة هي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والجمعة، والمنافقون، والطلاق، والتحريم، والنصر.
أما بقية السور فهي مكية، وهي اثنتان وثمانون سورة.
стр. 40
نماذج من السور المكية وما بها من آيات مدنية:
سورة الأنعام: وهي مكية وبها آيات مدنية هي الآيات ٢٠، ٢٣، ٩١، ٩٣، ١١٤، ١٤١، ١٥١، ١٥٣.
سورة الأعراف: وهي مكية ما عدا الآيات ١٦٣ - ١٧٠ فهي مدنية.
سورة يونس: وهي مكية ما عدا الآيات ٤٠، ٩٤، ٩٥، ٩٦.
سورة هود: وهي مكية ما عدا الآيات ١٢، ١٧، ١١٤، فهي مدنية.
نماذج من السور المدنية وما بها من آيات مكية:
سورة البقرة: وهي مدنية ما عدا الآية ٢٨١ فهي مكية.
سورة المائدة: وهي مدنية ما عدا الآية ٣ فهي مكية.
سورة الأنفال: وهي مدنية ما عدا الآيات من ٣٠ - ٣٦ فهي مكية.
سورة التوبة: وهي مدنية، أما المكي فيها فهما الآيتان الأخيرتان.
стр. 41
- ٨ - أسباب النزول
هذا مبحث جليل من مباحث علوم القرآن الكريم، يعتمد عليه في فهم قسم من القرآن نزل لأسباب معينة، إجابة لسؤال، أو بيانا لحكم، يتعلق بحادثة من الحوادث التي وقعت إبان حياة الرسول، وقد اهتم بهذا الموضوع بعض العلماء منذ وقت مبكر. وذكر السيوطي أهم من ألفوا فيه وهم علي بن المديني شيخ البخاري، والواحدي (وإن كان ينسب اليه القصور،)، والجعبري الذي اختصر كتاب الواحدي بحذف أسانيده، وابن حجر العسقلاني الذي ترك مسودة لكتاب في أسباب النزول لم يكتمل، وذكر
السيوطي بعد ذلك الكتاب الذي قام هو بتأليفه ودعاه لباب النقول في أسباب النزول.
وينقسم القرآن إزاء هذا الموضوع إلى قسمين، قسم نزل ابتداء، أي بدون سبب من الأسباب التي اصطلح على تسميتها بأسباب النزول، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال.
وقد زعم البعض أنه لا طائل وراء هذا البحث، إذ أنه لا يعدو- عند هذا البعض- أن يكون جاريا مجرى التاريخ، لكن هذا الرأي بعيد عن الصواب.
فسبب النزول يعين على معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. كما أن هناك أبحاثا في أصول الفقه استندت على معرفة سبب النزول، أو أفادت منها،
стр. 42
مثل «خصوص السبب» عند من يرى ذلك، ويعني هذا الاصطلاح تخصيص الحكم بناء على خصوص السبب. ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه، وإذ ذاك يلزم التخصيص.
وقد ذهب الواحدي- وهو على حق في ذلك- إلى أنه لا يمكن معرفة تفسير الآية بدون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. كما قال ابن دقيق العيد:
«بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن». وقال ابن تيمية:
«معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب (١)». وقال أبو الفتح القشيري: «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز (٢)».
فقد علمت إذن أن سبب النزول يعين على فهم الآيات التي نزلت في مناسبات مختلفة لأسباب معينة جرت إبان حياة الرسول الكريم. والأقوال التي نقلناها هنا عن علمائنا القدامى لا تحتاج إلى بيان.
أمثلة توضح أهمية العلم بأسباب النزول:
١) حكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معديكرب أنهما كانا يقولان:
الخمر مباحة، ويحتجان بقوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (المائدة: ٩٣) والواقع أنهما لو عرفا سبب نزول هذه الآية لما قالا ذلك. فسبب نزولها أن
стр. 43
أناسا قالوا لما حرّمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس. فنزلت هذه الآية. (أخرجه أحمد والنسائي).
٢) قال تعالى:
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: ١١٥) هذه الآية الكريمة يفهم منها أن للانسان أن يصلي موجها وجهه نحو أي جهة يشاء، وأنه لا يجب عليه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، يستوى في ذلك من كان مسافرا ومن كان مقيما. لكن الروايات التي وردت عن سبب نزول هذه الآية توضح أنها لا تعفى من وجوب التوجه في الصلاة إلى المسجد الحرام. وقد روي أنها نزلت في نافلة السفر خاصة، أو فيمن تحرّى القبلة وصلى، ثم تبين او خطأه. فحكم هذه الآية يقتصر على من يكون مسافرا ويؤدي نافلة الصلاة، أو المجتهد في تحري القبلة. إذا تبين له خطأه بعد أداء الصلاة. وروي عن ابن عمر أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. فسبب النزول هنا بوضح لنا أن حكم الآية يقتصر على أحوال معينة، وليس حكما عاما يعفي من التوجه إلى القبلة في الصلاة.
٣) قال تعالى:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (البقرة: ١٥٨)
стр. 44
من المعروف أن السعي بين الصفا والمروة جزء من شعائر الحج واجب الأداء، سنّه الرسول صلوات الله عليه. وعبارة: لا جناح في الآية الكريمة لا تفيد الفرضية. وقد أشكل الأمر على عروة بن الزبير في ذلك نظرا لصريح لفظ الآية الذي لا يفيد الفرضية.
وقد سأل خالته السيدة عائشة أم المؤمنين، فأفهمته أن نفي الجناح هنا ليس نفيا للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين- وهم في مطلع عصر الإيمان- من أن السعي بين الصفا والمروة كان من عمل الجاهلية، فلقد كان على الصفا صنم يقال له إساف وكان على المروة صنم يقال له نائلة. وكان المشركون في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة، ويتمسحون بالصنمين. ولقد حطم الصنما بعد أن ارتفعت كلمة الاسلام، لكنّ المسلمين تحرجوا في الطواف بينهما، فنزلت الآية.
وقد روي سبب نزول هذه الآية في صحيح البخاري بتفصيلات أكثر لا تخرج عن جوهر ما ذكرناه.
فمن هنا يتبين لنا أن سبب النزول أوضح لنا الأمر، وأنه رد على تحرج المسلمين في الطواف، وليس إلغاء لفرضية هذا الطواف.
٤) قال تعالى:
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (الأنعام: ١٤٥) هذه الآية الكريمة لا تحصر جميع ما حرّم أكله. فهناك على سبيل المثال
стр. 45
ما يفيد تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع. ولقد ورد تحريمها جميعا بصريح لفظ القرآن الكريم. قال تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (المائدة: الآية ٣)
تفسير الآية:
ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي ما رفع به الصوت لغير الله عند ذبحه، وَالْمَوْقُوذَةُ التي ضربت حتى ماتت.
وَالْمُتَرَدِّيَةُ أي التي سقطت، يقال تردّى ترديا أي سقط وهوى.
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي ما أدركتم ذكاته بالذبح وفيه بقية من حياة. والذكاة شرعا قطع الحلقوم والمريء بآلة حادة.
النُّصُبِ واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها.
стр. 46
من هنا يتبين لك أن الآية الكريمة التي وردت في سورة الأنعام، لا تحصر ما حرّم أكله، ومع ذلك يفهم من لفظها معنى الحصر. ودفع الحصر يستفاد من سبب نزول هذه الآية، فقد نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا إلا أن يحرموا ما أحل الله ويحلوا ما حرم. فنزلت الآية بهذا الحصر محادة للكفار ناقضة لقولهم، ولم تقصد إلى حقيقة الحصر، أي حصر المحرمات من الأطعمة فيما ذكرته الآية، لأنها لا تنحصر فيما ذكر، كما بينا. فكأنه تعالى يقول للكافرين: «لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به».
فهذه أمثلة توضح لنا أهمية معرفة أسباب النزول في فهم معاني القرآن الكريم واستنباط أحكامه.
وهناك أبحاث لعلماء أصول الفقه عن «عموم اللفظ» وخصوص السبب، أي ما نزل من القرآن الكريم بلفظ عام في سبب خاص، وهل العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب. وقد اختلفوا حول هذه المسائل، وهذا البحث وأمثاله مما اقتضاه عمل الأصوليين، لأن مهمة هؤلاء الاستدلال بألفاظ الشارع على الأحكام. وصلة هذا بموضوع أسباب النزول هي كيفية الإفادة من هذه الأسباب في استنباط الأحكام.
فهناك آيات نزلت في مناسبات خاصة بألفاظ عامة، مثل آيات «الظّهار» (المجادلة: ١ - ٤)، واللعان (النور: ٦)، والقذف (النور: ٤).
فأسباب نزول هذه الآيات كانت في مناسبات خاصة لكنّ لفظها كان عاما.
ولقد عممت أحكامها لعموم لفظها. وقال بعض الأصوليين الذين يذهبون إلى أن العبرة بخصوص السبب أن تعميم الحكم في هذه الآيات ليس مصدره عموم اللفظ، بل قام على أدلة أخرى.
وهناك حالات نزل فيها القرآن في مناسبات بلفظ عام وقصر حكمه على المناسبات الخاصة التي نزل فيها.
стр. 47
مثال لما نزل بلفظ عام في سبب خاص وعمم حكمه:
قال تعالى:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (النور: ٤) فهذه الآية نزلت في مناسبة خطيرة هي اتهام السيدة عائشة أم المؤمنين بالزنا، فنزل القرآن بتبرئتها، وعين حدا لمن يرمي المحصنات. فالحد الذي يجب أن يعاقب به قاذف المحصنات حكم عام، برغم أنه نزل في مناسبة خاصة.
مثال لما نزل بلفظ عام في سبب خاص وخصّص حكمه:
قال تعالى:
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (آل عمران: ١٨٨) ولقد أشكل على مروان بن الحكم معنى الآية الكريمة، فقال: «لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون»، فبين له ابن عباس أن هذه الآية ذات حكم خاص لأنها نزلت في أهل الكتاب
стр. 48
حين سأل النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك اليه» (أخرجه الشيخان). فلفظ الآية هنا عام لكنّ ابن عباس قصرها على ما أنزلت فيه من قصة أهل الكتاب.
(انظر: الزركشي: البرهان: ج ١، ص ٢٧.)
واختلاف الأصوليين حول عموم اللفظ وخصوص السبب من الأبحاث المفصلة في علم أصول الفقه. ولسنا نريد أن نحملكم مئونة الإحاطة بهذا في المرحلة الحاضرة من دراستكم، لأن هذه الأبحاث من صميم علم الأصول ولسنا هنا بصدد دراسة مشكلاته.
كيف يعرف سبب النزول:
النقل الصحيح وحده هو السبيل إلى معرفة سبب النزول. ويراد بالنقل الصحيح هنا النقل عن صحابي. فقول الصحابي المتعلق بأمر لا مجال للاجتهاد فيه يكون له حكم الحديث المرفوع إلى النبي. ذلك لأن سبب النزول لا يحتاج في ذكره إلى اجتهاد. وإنما اعتماده على النقل. وليس من المعقول أن يقوم صحابي بتزييف أسباب للنزول يقحمها على القرآن الكريم. فمن هنا يقبل في معرفة أسباب النزول ما يروى عن صحابي إذا صح سنده.
أما ما روى من أسباب النزول بسند ينتهي إلى تابعي فحكمه أنه لا يقبل إلا إذا أيدته رواية أخرى بسند عن تابعي آخر، وبشرط أن يكون الراوي لسبب النزول من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة أخذا مباشرا كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.
التمييز بين سبب النزول وبين الموضوع الذي تتحدث عنه الآية:
«سبب النزول» في معناه الاصطلاحي الذي تحدثنا عنه يكون من قبيل السؤال يوجه إلى الرسول أو الحادثة تقع في زمانه، فينزل الله ما يجيب
стр. 49
به عن هذا السؤال ويبيّن به الحكم في هذه الحادثة. أما ما ترويه الآيات من أخبار عن الأمم الماضية والأحداث السالفة. فليست هذه الأخبار مما يدخل في المعنى الاصطلاحي لسبب النزول. فقدوم الحبشة للتهجم على البيت ليس سببا لنزول سورة الفيل، إذا قصدنا المعنى الاصطلاحي لعبارة «سبب النزول»، لكن هذا القدوم هو موضوع هذه السورة، ذكره الله فيها. كما ذكر غيره من الأحداث السالفة، شأنه في ذلك شأن قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك (١)
التعبيرات التي يفهم منها تعيين سبب النزول:
لما كنا قد ذكرنا أن السبيل الوحيد لمعرفة أسباب النزول هو النقل، فوجب علينا الآن أن نحاول استقصاء العبارات التي تصدّر بها الروايات المعبرة عن تلك الأسباب. فمن هذه العبارات ما هو نص في السببية، فمثل هذه تصدر بعبارة «سبب نزول هذه الآية هو كذا» أو تذكر الحادثة التي نزلت من أجلها الآية مشفوعة بفاء السببية، كأن يقال «وقع كذا فنزل قوله تعالى ... »، وتذكر الآية التي تتعلق الرواية بسبب نزولها. وربما يفهم سبب النزول من قرينة واضحة، كأن يقال: سئل الرسول عن كذا، فنزل عليه الوحي جوابا على ذلك بقوله تعالى ..
وتذكر الآية. هذه الأحوال كلها نص في السببية.
لكن هناك أحوالا ترد فيها عبارة: «نزلت هذه الآية في كذا». ومثل هذه العبارة لا تعبر بالضرورة عن سبب النزول، بل ربما كانت مجرد تعبير عن مضمون الآية. فلو قيل مثلا إن سورة:
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ نزلت في محاربة الشرك الذي كان منتشرا بمكة، فليس هذا من قبيل التعبير
стр. 50
عن سبب النزول بالمعنى الاصطلاحي، بل هو تعبير عن مضمون السورة. فإذا وردت حول إحدى الآيات روايتان عن سبب نزولها إحداهما تتضمن نصا صريحا في السببية، والأخرى لا تتضمن نصا صريحا قدمت الرواية التي تعبر بصراحة عن السببية.
تعدد الأسباب المروية عن نازل واحد، وكيف يرجّح بينها:
قد تروى أسباب متعددة، كلها متضمنة نصا في السببية، حول نازل واحد.
ولا يخلو الأمر حينذاك من أن تكون إحدى الروايتين أقوى سندا، فهي بهذا ترجح الرواية الأخرى. وربما يكشف البحث عن صحة إحدى الروايتين وزيف الأخرى، وهنا تختار الرواية الصحيحة. وربما كان السببان صحيحين، وأنهما وقعا في زمانين متقاربين، فنزلت الآية للحكم فيهما معا. ولو صحت روايتان عن سبب نزول آية واحدة، وكان السبب المروي في إحداهما يبعد في زمان وقوعه عن السبب المروي في الأخرى، حمل الأمر هنا على تكرار نزول الآية، وربما تكرر نزول الشيء تعظيما لشأنه.
يقول الزركشي: «وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه، خوف نسيانه. وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة وأخرى بالمدينة ... وكذلك ما ورد في:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة.
стр. 51
- ٩ - جمع القرآن وتدوينه
نزل القرآن على الرسول خلال نيف وعشرين سنة، وكان نزوله منجّما. ولقد سهّل ذلك على الرسول وعلى صحبه حفظ ما كان ينزل من آي الذكر الحكيم. إن الرسول
الكريم كان أول الحفاظ وأجمعهم لكتاب الله. وكان إلى جانبه جمع من الصحابة يحفظون ما ينزل عليه من آيات الكتاب.
لكن الأمر لم يقف عند الحفظ بل قام إلى جانب الحفظ أيضا جهد دائب لتسجيل آيات الكتاب عقب نزولها. لقد جمع الرسول من حوله عددا من الكتّاب عرفوا بكتاب الوحي، وكان يملي على هؤلاء ما يوحى إليه فيكتبونه.
إن الكتابة لم تكن منتشرة في زمن الرسول. وكانت أدوات الكتابة نادرة، ولا عجب في ذلك، فالجزيرة العربية لم تعرف حينذاك الكتب ولا الكتّاب.
ولم تكن الكتابة في ذلك الوقت وسيلة الثقافة، ولا مصدر المعرفة. علينا أن نذكر أن الكتاب وليد عصر متأخر من عصور التطور الحضاري. وليست الكتابة من الأمور التي تعنى بها المجتمعات التي لم تبلغ درجة عالية من التطور الحضاري، وبخاصة قبل تيسير أدواتها، مما يسر صناعة الكتاب، وجعل له مكانة في المجتمعات الإنسانية.
стр. 52
إن حرص الرسول الكريم على تسجيل القرآن وحفظه كان عظيما. وقد تجلى هذا الحرص في اتخاذه كتابا للوحي، وإملائه عليهم كل ما كان ينزل عليه، وأمره الصريح للمسلمين ألا يكتبوا عنه شيئا غير القرآن.
ولقد سجّل القرآن الكريم على ما كان ميسورا من أدوات الكتابة كالعسب (جريد النخل)، واللخاف (الحجارة الرقاق)، والأديم والأكتاف (عظام الأكتاف)، والأقتاب (ما يوضع على ظهور الإبل). هذه السجلات المتنوعة كانت أول صورة لجمع الكتاب الكريم. وليس هناك خلاف على أن القرآن كله كان يسجل عقب نزوله، لكن هذا التسجيل لم يجعل في صورة تيسر وضع القرآن بين اللوحين أي في صورة كتاب مجموع بين الدفتين. ولعل تتابع نزول آيات الكتاب، واكتمال سوره على مراحل، وما كان يطرأ على بعض آياته من النسخ هي الأسباب التي أخّرت اتخاذ هذه الخطوة في حياة الرسول صلوات الله عليه.
جمع أبي بكر القرآن في المصاحف بعد رسول الله:
لقد جرت الحوادث في عصر أبي بكر، خليفة رسول الله، بما عجل بمهمة جمع القرآن الكريم.
روي عن زيد بن ثابت أنه قال: «بعث إلى أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال:
إن القتل قد استحرّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقال أبو بكر لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، فقال:
هو والله خير. فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح صدري بما شرح له صدر عمر، ورأيت الذي رأى. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك. قد كنت تكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فتتبع القرآن، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي من ذلك. قلت: فكيف
стр. 53
تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ . قال أبو بكر: هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر وعمر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما (صدر أبي بكر وعمر). فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف (يعني الحجارة)، وصدور الرجال. فوجدت آخر سورة التوبة (براءة) مع خزيمة بن ثابت:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١) (التوبة: ١٢٨، ١٢٩) وفي رواية أخرى أن زيد بن ثابت، وهو يجمع القرآن، فقد آية كان يسمعها من رسول الله فلم يجدها عند أحد، ثم وجدها عند رجل من الأنصار وهي قوله تعالى:
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (الاحزاب: ٢٣) فوضعها في سورتها (٢).
ولقد حفظت الصحف التي جمعت عند أبي بكر حتى مات ثم عند عمر حتى مات، ثم عند حفصة بنت عمر. وقد وصفت الصحف التي جمعت عند أبي بكر بأنها «قراطيس (٣)»، كما وصف عمل أبي بكر هذا بأنه أول جمع للقرآن
стр. 54
بين اللوحين، أي أنه اول جمع للقرآن في صورة كتاب. ولقد رويت عن عدد من الصحابة أحاديث تثني على أبي بكر لعمله هذا، منها قول عليّ: «رحمة الله على أبي بكر، كان أول من جمع بين اللوحين»، وقوله: «أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع بين اللوحين (١)».
هذه المحاولة التي قام بها أبو بكر- حين استحرّ القتل بالقراء في حرب اليمامة- ربما سبقت بمحاولات قام بها بعض الصحابة من تلقاء أنفسهم. ومن ذلك ما روى من أن علي بن أبي طالب «أقسم ألا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن، قال لا والله، إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع (٢)». ويشكك بعض المحققين في ورود كلمة «مصحف» بهذه الرواية، وهذا حق، لأن هذه الكلمة لم تكن قد استعملت بعد. كما فسر البعض جمع القرآن هنا بأنه حفظه (٣).
ولقد روي أن صحابة آخرين جمعوا القرآن في مصاحف. من هؤلاء أبيّ بن كعب، وسالم مولى حذيفة، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل وغيرهم. لكن عمل هؤلاء لم يتح له من التواتر والاستقصاء ما أتيح لمصحف أبي بكر.
هذا العمل الجليل الذي قام به أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت قام على ما كان محفوظا في صدور الرجال، كما أن هذا المحفوظ عورض على ما كان مدونا في السجلات التي دونت بين يدي الرسول. وكان على كل من يأتي بشيء مدون من القرآن الكريم أن يجيء بشاهدين على أن ما معه دون بين يدي رسول الله.
يقول السيوطي: «على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد
стр. 55
به من تلقاه سماعا، مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط والإتقان (١)».
وهكذا أدى عمل أبي بكر هذا إلى جمع القرآن بأدق وسائل التحري والضبط، مما جعل الكتاب الكريم في مأمن من ضياع أقسام منه بوفاة حفاظها، أو بفقدان سجلاتها. ولم تكن السجلات الأولى مما يتسنى حفظه في سهولة ويسر، نظرا لاختلاف مواد الكتابة من عسب ولخاف وأكتاف وغير ذلك، وإلا فكيف يتسنى أن تنظم هذه السجلات معا لتكون مرجعا يطلع الناس فيه على كتاب الله.
وقد صور الحارث بن أسد المحاسبي جمع أبي بكر القرآن بقوله: «كتابة القرآن ليست محدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ ، فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء (٢)».
عثمان بن عفان وجمع المصاحف:
اتسعت رقعة الأمصار الإسلامية في عهد عثمان. لقد حملت الغزوات المسلمين إلى أراض جديدة، وتفرق بعض الصحابة في الأمصار. وتعلم أهل كل مصر من هذه الأمصار قراءة القرآن على يد الصحابي الكبير الذي أقام بينهم، فاتفق أهل الكوفة على مصحف ابن مسعود وأهل البصرة على مصحف أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على مصحف أبيّ بن كعب وأهل دمشق على مصحف المقداد بن الأسود. وكان بين هذه المصاحف خلاف في القراءة. فلما اجتمع أهل العراق وأهل الشام لغزو ثغر أرمينية وآذربيجان ظهر الخلاف بينهم في القراءات، وأنكر بعضهم على بعض ما كانوا يقرءونه. وشهد ذلك حذيفة بن
стр. 56
اليمان، فركب إلى عثمان بن عفان وقال له: «يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة أن أرسلى إلى بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير أن انسخوا الصحف في المصاحف. وقال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا وأمر بسوى ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق ... قال الزهري: واختلفوا يومئذ في التابوت والتابوة فقال النفر القرشيون التابوت، وقال زيد التابوة، فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه: التابوت، فإنه لسان قريش (١)».
والظاهر أن الخلاف في القراءة قد ظهر بصورة واضحة في المدينة ذاتها.
فقد كان المعلمون يعلمون القرآن، فهذا يعلم قراءة رجل، وذاك يعلم قراءة رجل آخر، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين.
وبلغ ذلك عثمان فقام خطيبا، فقال: أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد ظنا. اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إماما (٢) (أي مصحفا اماما).
وروى عن مالك بن أنس (جد الفقيه المشهور) أنه قال: «كنت فيمن أملي عليهم، فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ﷺ ، ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها حتى يجيء، أو يرسل إليه (٣)».
стр. 57
ويذكر ابن حجر العسقلاني أن هذا الجمع تم عام ٢٥ للهجرة.
فالفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان «أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، فجمعه في صحائف، مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ . وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد، مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسّع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر. فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة (١)».
ويصف القاضي أبو بكر- في كتابه الانتصار- مصحف عثمان بأنه قصد إلى جمع الناس على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد.
أما عدد المصاحف التي نسخت فقيل إنها أربعة وقيل خمسة وقيل سبعة.
ولقد لقى عمل عثمان هذا معارضة- في أول الأمر- من عبد الله بن مسعود. لكن كثرة الصحابة تلقوا عمله بالقبول والرضا، ولم ينكر عليه أحد إحراقه المصاحف المخالفة للمصحف الإمام، بل عدوا ذلك من مناقبه، حتى قال علي: لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل (٢). وما لبث ابن مسعود بعد ذلك أن قبل ما قبله سواه من الصحابة.
стр. 58
وهكذا قضى عثمان على مصدر للفتنة والخلاف بين المسلمين، وكان عمله هذا من أعظم ما أقدم عليه في زمن خلافته.
ومع ذلك فقد حفظ التاريخ ذكرى لهذا الخلاف الذي قضى عليه عثمان.
فقد ذكر ابن النديم أسماء كتب عدة في اختلاف المصاحف وهي كتاب اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة عن الكسائي، وكتاب اختلاف المصاحف لخلف، وكتاب اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف للفراء، وكتاب اختلاف المصاحف لأبي داود السجستاني، وكتاب اختلاف المصاحف وجميع القراءات للمدائني، وكتاب اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق لابن عامر اليحصبي، وكتاب محمد بن عبد الرحمن الأصفهاني في اختلاف المصاحف. (١). ولعل التمسك بإحياء هذا التراث عند كثير من هؤلاء العلماء كان لحرصهم على دراسة اللغة العربية في مختلف لهجاتها القبلية.
وقد وصل إلينا أحد هذه الكتب، وهو كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني المتوفي سنة ٣١٦ هـ.
وكتب المصاحف التي ذكرها ابن النديم يتراوح ظهورها بين القرنين الثاني والرابع الهجريين.
وقد سبقها جميعا ظهور كتاب ابن عامر المتوفي عام ١١٨ هـ عن اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق.
وإن ما جمعه السجستاني في كتابه المصاحف من أوجه الخلاف بين مصاحف بعض الصحابة والمصحف الإمام لا يعدو أن يكون خلافا في بعض القراءات، كما أن بعض هذه المصاحف التي قامت على جهود أفراد، كانت تضم إلى جانب
стр. 59
آيات الكتاب بعض ما كان يراه أصحابها في تأويل هذه الآيات. ويضاف إلى ذلك أن بعضها سجّل ما كان منسوخ التلاوة من القرآن الكريم إن المصحف الإمام الذي نسخه عثمان قد لقى إجماعا من المسلمين، ولم نسمع بقيام أية مقاومة لعمل عثمان هذا في أي مجتمع من مجتمعات المسلمين، بل على العكس من ذلك هدأت فتن كادت تثور، وخلافات كادت تستعر، واجتمع المسلمون منذ ذلك التاريخ على مصحف واحد.
ولا عبرة لما تعلق به بعض المستشرقين من تشكيك في عمل عثمان، مستندين إلى ما روي عن المصاحف القديمة، وبخاصة ما جاء في كتاب السجستاني عن تلك المصاحف، فالأمة الإسلامية كلها عاصرت عمل عثمان، وكان هناك كثير من الصحابة الأفذاذ، ولم يروا خطأ فيما أقدم عليه، بل إنهم عدوا ذلك من حسناته، كما قدمناه، فلا عبرة لشكوك يثيرها بعض الدارسين الأجانب بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا، لم تقم خلالها شبهة حول هذا الأمر.
ترتيب الآيات والسور:
يقول السيوطي: «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك (١)».
يروى عن زيد بن ثابت أنه قال: «كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع ... (٢)».
وروي عن عثمان أنه قال: «وكان إذا نزل عليه (على الرسول) شيء دعا بعض من كان يكتبه فقال: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (٣) فترتيب آيات القرآن في المصحف ليس مماثلا لترتيب
стр. 60
النزول، لكنه لا خلاف على أن ترتيب الآيات على هذا النحو الذي نراه توقيفي، أمر به الرسول بوحي من ربه.
يقول أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار: «الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر، ولم يؤخر منه مقدم، وأن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة (١)».
فالاجماع تام على أن ترتيب الآيات توقيفي، وقد حصل بذلك اليقين من النقل المتواتر، بهذا الترتيب، من تلاوة رسول الله ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف (٢). أما ترتيب السور، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه كان باجتهاد الصحابة. ومن أدلة ذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب سور القرآن، «فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف علي، كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل ثم تبّت ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني.
وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران، على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبيّ وغيره (٣)».
وقد ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست ترتيب سور القرآن في مصحف عبد الله بن مسعود، كما ذكر ترتيب السور في مصحف أبيّ (٤). أما ترتيب مصحف علي فقد سقط من نص هذا الكتاب، لكن هذا الترتيب قد ورد في
стр. 61
تاريخ اليعقوبي (١). وقد تعددت الروايات بأن مصحف علي كان مرتبا على ترتيب النزول وتقديم المنسوخ على الناسخ.
ومن العلماء من ذهب إلى أنّ ترتيب السور توقيفي أيضا، ومنهم من ذهب إلى أن ترتيب بعض السور توقيفي، وأن البعض الآخر بني ترتيبه على اجتهاد الصحابة (٢).
عدد سور القرآن:
يتضمن القرآن الكريم مائة وأربع عشر سورة. وقيل إن عدد السور مائة وثلاث عشرة سورة على اعتبار أن سورتي الأنفال وبراءة سورة واحدة لأنهما لا تفصل بينهما البسملة.
ويقسم القرآن بحسب سوره إلى أربعة أقسام هي الطول، والمئون، والمثاني، والمفصّل.
فالطول
(جمع طولى، كما تجمع كبرى على كبر) أولها سورة البقرة، وآخرها براءة. ويعلل الزركشي ذلك بقوله: «إنهم كانوا يعدون الأنفال وبراءة سورة واحدة، ولذلك لم يفصلوا بينهما، لأنهما نزلتا جميعا في مغازي رسول الله ﷺ (٣)».
وإنما سميت هذه السور السبع الطول لطولها على سائر سور القرآن (٤).
وأما المئون
فهي ما كان من سور القرآن عدد آياته مائة آية أو تزيد عليها شيئا، أو تنقص منها شيئا يسيرا (٥)
стр. 62
وأما المثاني فهي ما ثنّى المئين فتلاها، وكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثواني. وقد قيل إن المثاني سميت مثاني، لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثال والخبر والعبر، وهو قول ابن عباس.
وروى عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: إنما سميت مثاني لأنها ثنّيت فيها الفرائض والحدود.
وقال جماعة يكثر تعدادهم: القرآن كله مثان (١). قال تعالى:
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
والمفصّل:
ما يلي المثاني من قصار السور، سمى مفصلا لكثرة الفصول التي بين السور. ويكون ذلك بقوله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقيل: لقلة المنسوخ فيه (٢).
وقد عدّ بعضهم آيات القرآن، كما عدّ كلماته، وعدّ حروفه. وهناك خلاف حول عدد الآيات.
يقول الزركشي: «وعدد آياته في قول علي ﵁: ستة آلاف ومائتان وثمان عشرة. وعطاء: ستة آلاف ومائة وسبع وسبعون. وحميد: ستة آلاف ومائتان واثنتا عشرة. وراشد: ستة آلاف ومائتان وأربع (٣)».
وسبب الخلاف في عدد الآيات مبني على الفصل والوصل بينهما. فربما لم يتنبه من استمع إلى النبي إلى عدد من أماكن الفصل بين الآيات. يقول الزركشي:
стр. 63
«إن النبي ﷺ كان يقف على رءوس الآي للتوقيف. فإذا علم محلها وصل للتمام، فيحسب السامع أنها ليست فاصلة (١)».
أما الخلاف حول عدد الكلمات وعدد الحروف فلا يفيدنا كثيرا أن نتحدث عنه.
المعنى الاصطلاحي لكلمتي «سورة» و «آية»
قال الطبري: (تسمى كل سورة من سور القرآن «سورة» وتجمع «سورا» على تقدير «خطبة وخطب»، «غرفة وغرف».
والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سور المدينة، سمي بذلك الحائط الذي يحويها، لارتفاعه على ما يحويه. غير أن «السورة» من سور المدينة لم يسمع في جمعها سور، كما سمع في جمع سورة من القرآن (٢)).
وسميت كذلك لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور. أما حدها الاصطلاحي فهي أنها «قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة. وأقلها ثلاث آيات (٣)». وأطول السور سورة البقرة وأقصرها سورة الكوثر.
وقد همز بعضهم السورة من القرآن فقال: السؤرة. وتأويلها في لغة من همزها: القطعة التي قد أفضلت من القرآن عما سواها وأبقيت، وذلك أن سؤر كل شيء البقية منه تبقى بعد الذي يؤخذ منه (٤). والرأي الأصوب عدم الهمز.
وأما الآية من آي القرآن، فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب:
أحدهما: أن تكون سميت آية، لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها
стр. 64
وابتداؤها، كالآية التي تكون دلالة على الشيء يستدل بها عليه (١). ولعل الأصوب أن الآية دلالة على نبوة محمد وصدق رسالته (٢).
والآية في معناها الاصطلاحي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها (٣).
الآيات هي الجمل أو الفقرات من القرآن الكريم التي تنقسم إليها سوره.
أسماء السور:
قد يكون للسورة اسم واحد، وقد يكون لها اسمان أو أكثر. فمن السور ذات الاسمين سورة الجاثية وتسمى الشريعة، وسورة محمد وتسمى القتال.
وقد يكون لها ثلاثة أسماء، كسورة المائدة، والعقود، والمنقذة.
وقد يكون لها أكثر من ذلك كسورة براءة، والتوبة، والفاضحة، والحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين (٤).
وقد أورد الزركشي بحثا طريفا عن ارتباط أسماء السور بموضوعاتها.
يقول: «ينبغي النظر في اختصاص كل سورة بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعي في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه ... وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها. وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء .... فإن قيل: قد ورد في سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى ﵈، فلم تختص باسم هود
стр. 65
وحده؟ وما وجه تسميتها به وقصة نوح فيها أطول وأوعب؟ قيل: تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء بأوعب مما وردت في غيرها، ولم يتكرر في واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود ﵇، كتكرره في هذه السورة، فإنه تكرر فيها عند ذكر قصته في أربعة مواضع، والتكرار من أقوى الأسباب التي ذكرنا.
وإن قيل: قد تكرر اسم نوح في هذه السورة في ستة مواضع فيها، وذلك أكثر من تكرار اسم هود، قيل: لما جرّدت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة برأسها فلم يقع فيها غير ذلك، كانت أولى بأن تسمى باسمه ﵇ من سورة تضمنت قصته وقصة غيره، وإن تكرر اسمه فيها. أما هو فكانت أولى السور بأن تسمى باسمه، ﵇ ... (١)».
وقد أورد صاحب المباني حديثا مرويا عن أبيّ بن كعب يذكر فيه الرسول القرآن سورة سورة بحسب ترتيبها في مصحف عثمان، ويذكر فضل كل سورة.
وما يكون للمؤمن من ثواب على قراءتها. ويستدل من هذا الحديث الطويل على أمور أربعة:
أولها: الترغيب في قراءة كل سورة.
وثانيها: أن الرسول قرأ القرآن على أبيّ مرتين في السنة التي مات فيها.
وثالثها: أن ترتيب السور- كما هو في المصحف- حفظ عن رسول الله، برغم أن كثيرا من الصحابة كان يقرأ السور على غير هذا الولاء.
ورابعها: أنّ عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة على التأليف الذي جمع بين الدفّتين (٢).
لكنّ هذا الحديث موضع شك عند عدد من العلماء الثقاة.
стр. 66
- ١٠ - الأحرف السبعة
روي عن الرسول- صلوات الله عليه- من طرق متعددة صحيحة قال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف.
يقول الزركشي: «ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته، ثم لم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».
وفي الصحيحين أيضا عن عمر بن الخطاب أنه قال: «سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها- وفي رواية: على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله، ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله، ﷺ ، فقلت كذبت، فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما اقرأتنيها. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ»، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 67
«هكذا أنزلت»، ثم قال لي: «أقرأ» فقرأت، فقال: «هكذا أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه (١)».
وفي مقدمة تفسير الطبري روايات بصور مختلفة لهذا الحديث. ومما روي في ذلك عن أبيّ أنه قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء (٢) فقال: «إني بعثت إلى أمة أميّين، فيهم الغلام والخادم، والشيخ العاسي (٣) والعجوز، فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف (٤)».
وفي رواية أخرى عن أبيّ بن كعب أنه قال: «دخلت المسجد فصليت، فقرأت النحل، ثم جاء رجل آخر فقرأها غير قراءتي، ثم جاء رجل آخر فقرأ خلاف قراءتنا، فدخل في نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كنت في الجاهلية.
فقلت يا رسول الله: استقرئ هذين. فقرأ أحدهما، فقال: أصبت. ثم استقرأ الآخر فقال: أصبت. فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب. فضرب رسول الله ﷺ صدري وقال: أعاذك الله من الشك، وأخسأ عنك الشيطان فقال: أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: إن أمتي لا تستطيع. حتى قال سبع مرات. فقال لي أقرأ على سبعة أحرف، ولك بكل ردّة رددتها مسألة. قال: فاحتاج فيها اليّ الخلائق، حتى إبراهيم ﷺ (٥)».
والروايات بعد ذلك كثيرة عن وصف القرآن الكريم بأنه نزل على سبعة أحرف.
ولقد ذهب العلماء مذاهب شتى في بيان المعنى المقصود من الأحرف السبعة التي ذكرتها الأحاديث الصحاح.
стр. 68
ولقد وقع خلاف كثير في شرح معنى الأحرف السبعة وروى الزركشي عن الحافظ أبي حاتم بن حبّان البستي أن الناس اختلفوا في بيان ذلك على خمسة وثلاثين قولا.
وليس من الميسور أن ننقل هنا كل هذه الأقوال، وإنما سنختار ذكر بعض منها، ونحاول ان نلقي بعض الضوء على هذا الموضوع الذي لم يستطع أحد علمائنا القدامى أن يقول فيه كلمة الفصل.
١ - فمن الآراء التي ذكرت أن هذا الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه، لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا، وتسمي القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف ايضا المعنى والجهة (١).
فخلاصة هذا القول هي الامتناع عن إبداء الرأي في معنى الحديث، واعتباره من المشكل الذي لا سبيل إلى معرفة المقصود منه، فهو شبيه بمتشابه القرآن.
٢ - الرأي الثاني- وهو عند العلماء من أضعف الآراء- أن المراد بالأحرف السبعة سبع قراءات. وقد بين الطبري- في مقدمة تفسيره- وغيره أن اختلاف القراء، إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وهو الحرف الذي كتب عثمان عليه المصحف (٢).
٣ - الرأي الثالث أن الأحرف السبعة سبعة أنواع من التعبير، فبعضها أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، وغيره (٣).
٤ - أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه من المعاني المتفقة، بالألفاظ المختلفة، نحو أقبل، وهلمّ، وتعال، وعجل، وأسرع، وأنظر، وأخّر،
стр. 69
وأمهل (١) ... الخ. أي أن الأحرف السبعة هي التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
٥ - أن المراد بالأحرف السبعة بعض الموضوعات القرآنية. يقول أصحاب هذا الرأي: «علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء: علم الإثبات والإيجاد، وعلم التوحيد، وعلم التنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات، وعلم الإمامات (٢).
والظاهر أن القائلين بهذا الرأي يعدون علم التنزيه والتوحيد علما واحدا، وكذلك العفو والعذاب والحشر والحساب تدخل تحت علم واحد،. وبهذا يكون عدد العلوم سبعة.
٦ - من الآراء ما يعطى الحديث تفسيرا فقهيا، فيرى أن الأحرف السبعة هي المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص والمؤول، والناسخ، والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والاستثناء وأقسامه.
٧ - من الآراء ما يعطي الحديث تفسيرا أسلوبيا، فيقول بأن المراد:
«الحذف والصلة، والتقديم والتأخير، والقلب والاستعارة، والتكرار، والكناية، والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر، والظاهر والغريب (٣).
٨ - وهناك تفسير نحوي للحديث يرى أن الأحرف السبعة هي: التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والتفريق،
والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى، وما لا يختلف في الأداء واللفظ جميعا (٤).
٩ - وهناك تفسير صوتي للحديث يرى أن الأحرف السبعة هي طرق
стр. 70
من الاداء الصوتي كالإظهار والإدغام والتفخيم، والترقيق، والإمالة والإشباع، والمدّ والقصر والتخفيف، والتليين، والتشديد.
١٠ - وهناك تفسير صوفي للحديث يربط الأحرف السبعة، ببعض أفعال الصوفية، وأحوالهم ومقاماتهم (١).
وهكذا نرى في هذه الأقوال المتعددة التي ذكرناها اتجاهات مختلفة من الدارسين، ربطت معنى الحديث بموضوع دراساتها.
وأرجح الآراء- فيما نعتقد- والله أعلم، أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات، من لغات القبائل العربية.
فالحديث كما ورد في عدد من رواياته يشير إلى خلافات لغوية في قراءة القرآن الكريم، أدت إلى نقاش بين بعض الصحابة، ثم احتكم المختلفون إلى الرسول، فأقر المتنازعين على قراءاتهم، وذكر لهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. فالمرجح إذن أن هذه الأحرف السبعة هي سبع لهجات لبعض القبائل العربية.
وقد يذهب البعض إلى حد تعيين لغات القبائل التي تعنيها الأحرف السبعة، مع العلم بأنهم لا يقصدون من وراء ذلك أن كل كلمة من القرآن الكريم كانت تحتمل سبعة أوجه، وإنما كانوا يرون أن القرآن نزل على سبع لغات متفرقة فيه «فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة، وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر، وكذلك سائر اللغات (٢)».
كما يذهبون أحيانا إلى البحث عن التعبيرات القرآنية التي تجلت فيها لغات تلك القبائل (٣). ومهما قيل في مثل هذه المحاولات لتعيين القبائل التي نزل القرآن
стр. 71
متضمنا عبارات من لغاتها، فنحن نرى أنها لا تتجاوز افتراضات لا تقوم على أساس من الدراسة الواضحة. وحسبنا أن نقول إن القرآن الكريم لم يخل من لغات قبائل أخرى إلى جانب لغة قريش.
ويمكن أن يستفاد من معنى الحديث- في كثير من رواياته- أن الرسول كان قد رخص لأبناء القبائل المختلفة الذين اعتنقوا الإسلام أن يقرءوا القرآن بلهجاتهم. فقد آمن بالقرآن كثير من غير قريش. وكان من هؤلاء، الشيخ والفتى والطفل، وكان من العسير على جميع المؤمنين أن يقرءوا القرآن بلغة قريش، فكانت الرخصة التي أتاحت لهم أن يقرءوه بلغاتهم.
وقد اختلف في مدى احتفاظ مصحف عثمان بالأحرف السبعة التي كان يقرأ بها على عهد الرسول.
فابن قتيبة يذهب إلى أن مصحف عثمان ضم هذه الأحرف السبعة، وقصده من ذلك أن القرآن يضم سبعا من لغات العرب. وهذه اللغات السبع لا يقصد بها أن كل كلمة تقرأ عن سبعة أوجه، بل المقصود أنها مفرقة في القرآن. ويسند رأيه هذا بذكر سبعة أسباب لاختلاف القراءات، ثم يعلل السماح بالأحرف السبعة بقوله: «ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا، لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه الا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة».
أما ابن جرير الطبري فيرى أن الأحرف السبعة لغات سبع سمح للقبائل أن تقرأ بها القرآن في حياة الرسول، نظرا لدخول قبائل عربية غير قريش في شريعة الإسلام. وكانت القراءة بالأحرف السبعة رخصة سمح بها إبان نشر الدعوة، لكن الأمة عدلت عن القراءة بستة من هذه الأحرف، واقتصرت على حرف واحد، حين ارتضت مصحف عثمان إماما، واجتمعت حوله. أما القراءات المتعددة التي نعرفها، فهي في رأي الطبري قراءات مختلفة لحرف واحد، هو الذي اجتمعت عليه الأمة.
стр. 72
ورأى الطبري هذا ينطوي على كثير من الصواب. فليس من شك أن هناك قدرا كبيرا من القراءة بلهجات القبائل قد عدل عنه في مصحف عثمان.
لكن هذا المصحف لا يخلو من قدر من لغات هذه القبائل غير القرشية.
والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذا البحث، هي أن الأحرف السبعة كانت- في أرجح الآراء- قراءات للقرآن بلهجات عدد من القبائل، وأن هذه القراءات لم تكن تتجاوز في الخلاف بينها نواحي لفظية طفيفة، لا تحل حراما، ولا تحرم حلالا، ولا تدعو إلى ترك أمر أو تنهي عن مباح. ومع أن كتابة المصحف قد غلبت فيها لغة قريش،
وهجر غيرها من اللغات، فإن قدرا من لغات القبائل الأخرى. قد بقي في مصحف عثمان.
стр. 73
- ١١ - رسم المصحف العثماني
المصحف أداة لتسجيل القرآن الكريم، لكنه لا يستطيع أن يقدم لنا كل ما يتعلق بقراءة القرآن وأصولها وأسرارها. ولا بد أن يؤخذ ذلك شفاها عن عالم بهذه الأمور خبير بأسرارها. ولقد كان رسم المصحف العثماني في بداية الأمر بدون نقط ولا شكل. وكانت بعض الكلمات تسمح بقراءات متعددة.
وفي عصر عبد الملك بن مروان، كانت رقعة الدولة الإسلامية قد اتسعت اتساعا عظيما. ولقد رأى هذا الخليفة أن اتساع الدولة على هذا النحو، واختلاط العرب بالأعاجم قد أصبحا مدعاة لإدخال التحسين على رسم المصحف، والعمل على ضبط قراءته بعد أن أصبح العالم الاسلامي خضما يموج بمختلف الأجناس، منها ما يحسن العربية، ومنها ما لا يحسنها. وقد ندب عبد الملك واليه الحجاج للقيام بهذه المهمة، فعهد بها الحجاج إلى رجلين هما نصر بن عاصم الليثي، ويحيي بن يعمر العدواني، وكان كل منهما تقيا ورعا، خبيرا بوجوه قراءة القرآن، عالما متبصرا في اللغة العربية. هذان الرجلان أعجما المصحف لأول مرة، ونقطا جميع حروفه المتشابهة والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف عن ثلاث.
ونحن حين ننظر اليوم في المصحف الشريف نجد أن رسمه يختلف عن طريقتنا في الكتابة مما جعل قراءة القرآن عسيرة على بعض أهل زماننا.
стр. 74
ولقد قلنا إن العبرة في تلقي القرآن إنما هي المشافهة، وما الكتابة والتسجيل سوى عاملين مساعدين في الحفظ والضبط. ومع ذلك فهناك حاجة ملحة إلى طبع القرآن الكريم وفقا لقواعد الإملاء الحديثة.
ولقد وقفت دون تعديل الرسم العثماني قداسة أضفيت على هذا الرسم، إلى حد أن بعض العلماء قال إنه توقيفي، أي بوحي من الله. وكان هذا القول منهم مغالاة في تقديس الصورة التي كتب بها المصحف في عهد عثمان. ولو كانت هذه الكتابة توقيفية لتشابهت من كل جهة في خطوط كتاب الوحي، وهو ما لم يقل به أحد. ولعل هذا التقديس لصورة الكتابة جاء خوفا من أن يقع تحريف في النقل، أو أن يكتب بصورة يعتريها التغير بعد فوات عصرها، فيكون العدول عن الرسم العثماني أمرا يؤدي إلى تغيير صورة اتفقت عليها كلمة الصحابة في عصر عثمان، وليس يؤدي إلى وضع رسم ثابت له قداسته، يبقى القرآن الكريم مسجلا به، من غير أن يمس هذا التسجيل المتفق عليه أي تغيير. وقد اختلف في جواز كتابة المصحف بما استحدث من الهجاء، وكانت الآراء كلها اجتهادا من أصحابها.
وليس منها ما بني على وحي أو نص.
وممن أباح مخالفة الرسم العثماني القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار، حيث يقول: «وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن، وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم، وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه. ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه. ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنّة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته. ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه
стр. 75
جاز أن يكتب بالحروف الكوفية، والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوّج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه. وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك.
وإذا كانت خطوط المصاحف، وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا ذلك، وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ على الناس في ذلك حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة والأذان ...
وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنّى له ذلك».
ولقد طبع المصحف الشريف في العصر الحديث بإشراف لجنة من العلماء المصريين، عنيت كل العناية بوجوب موافقة المصحف المطبوع للرسم القديم.
ولا يزال هذا المصحف محتفظا بكل أصول الرسم القديم. ولقد لقيت مشكلة طباعة المصحف وفق قواعد الهجاء الحديث عناية من بعض علماء العصر. ومنهم من رفض ذلك رفضا باتا، مستندا إلى ما نقل عن السلف من تقديس لرسم المصحف، كما ورثناه عن عصر عثمان. ومنهم من نادى بأن من الواجب أن ييسر كتاب الله. وألا نتمسك برسم لم تقم على ضرورة التمسك به نصوص من كتاب ولا سنة.
إن عصرنا هذا قد أصبح عصرا قارئا، والقرآن الكريم يقع في أيدي كثير من الناس قد لا يكونون على صلة بالحفاظ. وهم يقرءونه على قدر اجتهادهم.
والسبيل الوحيد لضبط القراءة هو الطباعة وفق الإملاء الحديث. وكثير من الأبحاث تتضمن نقولا من القرآن الكريم. ويكاد يجمع الباحثون الذين يقتبسون آيات الكتاب الكريم ليستشهدوا بها على نقل هذه الآيات إلى الهجاء الحديث. ولا أحسب أن هذا الأمر قد لقي معارضة تذكر. لكن طباعة المصحف بالهجاء الحديث لا تزال موضع خلاف، يقف بها حتى الآن عند الرسم القديم.