← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38014

في علوم القرآن دراسات ومحاضرات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (332 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

متضمنا عبارات من لغاتها، فنحن نرى أنها لا تتجاوز افتراضات لا تقوم على أساس من الدراسة الواضحة. وحسبنا أن نقول إن القرآن الكريم لم يخل من لغات قبائل أخرى إلى جانب لغة قريش. ويمكن أن يستفاد من معنى الحديث- في كثير من رواياته- أن الرسول كان قد رخص لأبناء القبائل المختلفة الذين اعتنقوا الإسلام أن يقرءوا القرآن بلهجاتهم. فقد آمن بالقرآن كثير من غير قريش. وكان من هؤلاء، الشيخ والفتى والطفل، وكان من العسير على جميع المؤمنين أن يقرءوا القرآن بلغة قريش، فكانت الرخصة التي أتاحت لهم أن يقرءوه بلغاتهم. وقد اختلف في مدى احتفاظ مصحف عثمان بالأحرف السبعة التي كان يقرأ بها على عهد الرسول. فابن قتيبة يذهب إلى أن مصحف عثمان ضم هذه الأحرف السبعة، وقصده من ذلك أن القرآن يضم سبعا من لغات العرب. وهذه اللغات السبع لا يقصد بها أن كل كلمة تقرأ عن سبعة أوجه، بل المقصود أنها مفرقة في القرآن. ويسند رأيه هذا بذكر سبعة أسباب لاختلاف القراءات، ثم يعلل السماح بالأحرف السبعة بقوله: «ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا، لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه الا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة». أما ابن جرير الطبري فيرى أن الأحرف السبعة لغات سبع سمح للقبائل أن تقرأ بها القرآن في حياة الرسول، نظرا لدخول قبائل عربية غير قريش في شريعة الإسلام. وكانت القراءة بالأحرف السبعة رخصة سمح بها إبان نشر الدعوة، لكن الأمة عدلت عن القراءة بستة من هذه الأحرف، واقتصرت على حرف واحد، حين ارتضت مصحف عثمان إماما، واجتمعت حوله. أما القراءات المتعددة التي نعرفها، فهي في رأي الطبري قراءات مختلفة لحرف واحد، هو الذي اجتمعت عليه الأمة.

стр. 72

ورأى الطبري هذا ينطوي على كثير من الصواب. فليس من شك أن هناك قدرا كبيرا من القراءة بلهجات القبائل قد عدل عنه في مصحف عثمان. لكن هذا المصحف لا يخلو من قدر من لغات هذه القبائل غير القرشية. والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذا البحث، هي أن الأحرف السبعة كانت- في أرجح الآراء- قراءات للقرآن بلهجات عدد من القبائل، وأن هذه القراءات لم تكن تتجاوز في الخلاف بينها نواحي لفظية طفيفة، لا تحل حراما، ولا تحرم حلالا، ولا تدعو إلى ترك أمر أو تنهي عن مباح. ومع أن كتابة المصحف قد غلبت فيها لغة قريش، وهجر غيرها من اللغات، فإن قدرا من لغات القبائل الأخرى. قد بقي في مصحف عثمان.

стр. 73

- ١١ - رسم المصحف العثماني المصحف أداة لتسجيل القرآن الكريم، لكنه لا يستطيع أن يقدم لنا كل ما يتعلق بقراءة القرآن وأصولها وأسرارها. ولا بد أن يؤخذ ذلك شفاها عن عالم بهذه الأمور خبير بأسرارها. ولقد كان رسم المصحف العثماني في بداية الأمر بدون نقط ولا شكل. وكانت بعض الكلمات تسمح بقراءات متعددة. وفي عصر عبد الملك بن مروان، كانت رقعة الدولة الإسلامية قد اتسعت اتساعا عظيما. ولقد رأى هذا الخليفة أن اتساع الدولة على هذا النحو، واختلاط العرب بالأعاجم قد أصبحا مدعاة لإدخال التحسين على رسم المصحف، والعمل على ضبط قراءته بعد أن أصبح العالم الاسلامي خضما يموج بمختلف الأجناس، منها ما يحسن العربية، ومنها ما لا يحسنها. وقد ندب عبد الملك واليه الحجاج للقيام بهذه المهمة، فعهد بها الحجاج إلى رجلين هما نصر بن عاصم الليثي، ويحيي بن يعمر العدواني، وكان كل منهما تقيا ورعا، خبيرا بوجوه قراءة القرآن، عالما متبصرا في اللغة العربية. هذان الرجلان أعجما المصحف لأول مرة، ونقطا جميع حروفه المتشابهة والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف عن ثلاث. ونحن حين ننظر اليوم في المصحف الشريف نجد أن رسمه يختلف عن طريقتنا في الكتابة مما جعل قراءة القرآن عسيرة على بعض أهل زماننا.

стр. 74

ولقد قلنا إن العبرة في تلقي القرآن إنما هي المشافهة، وما الكتابة والتسجيل سوى عاملين مساعدين في الحفظ والضبط. ومع ذلك فهناك حاجة ملحة إلى طبع القرآن الكريم وفقا لقواعد الإملاء الحديثة. ولقد وقفت دون تعديل الرسم العثماني قداسة أضفيت على هذا الرسم، إلى حد أن بعض العلماء قال إنه توقيفي، أي بوحي من الله. وكان هذا القول منهم مغالاة في تقديس الصورة التي كتب بها المصحف في عهد عثمان. ولو كانت هذه الكتابة توقيفية لتشابهت من كل جهة في خطوط كتاب الوحي، وهو ما لم يقل به أحد. ولعل هذا التقديس لصورة الكتابة جاء خوفا من أن يقع تحريف في النقل، أو أن يكتب بصورة يعتريها التغير بعد فوات عصرها، فيكون العدول عن الرسم العثماني أمرا يؤدي إلى تغيير صورة اتفقت عليها كلمة الصحابة في عصر عثمان، وليس يؤدي إلى وضع رسم ثابت له قداسته، يبقى القرآن الكريم مسجلا به، من غير أن يمس هذا التسجيل المتفق عليه أي تغيير. وقد اختلف في جواز كتابة المصحف بما استحدث من الهجاء، وكانت الآراء كلها اجتهادا من أصحابها. وليس منها ما بني على وحي أو نص. وممن أباح مخالفة الرسم العثماني القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار، حيث يقول: «وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن، وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم، وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه. ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه. ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنّة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته. ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه

стр. 75

جاز أن يكتب بالحروف الكوفية، والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوّج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه. وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. وإذا كانت خطوط المصاحف، وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا ذلك، وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ على الناس في ذلك حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة والأذان ... وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنّى له ذلك». ولقد طبع المصحف الشريف في العصر الحديث بإشراف لجنة من العلماء المصريين، عنيت كل العناية بوجوب موافقة المصحف المطبوع للرسم القديم. ولا يزال هذا المصحف محتفظا بكل أصول الرسم القديم. ولقد لقيت مشكلة طباعة المصحف وفق قواعد الهجاء الحديث عناية من بعض علماء العصر. ومنهم من رفض ذلك رفضا باتا، مستندا إلى ما نقل عن السلف من تقديس لرسم المصحف، كما ورثناه عن عصر عثمان. ومنهم من نادى بأن من الواجب أن ييسر كتاب الله. وألا نتمسك برسم لم تقم على ضرورة التمسك به نصوص من كتاب ولا سنة. إن عصرنا هذا قد أصبح عصرا قارئا، والقرآن الكريم يقع في أيدي كثير من الناس قد لا يكونون على صلة بالحفاظ. وهم يقرءونه على قدر اجتهادهم. والسبيل الوحيد لضبط القراءة هو الطباعة وفق الإملاء الحديث. وكثير من الأبحاث تتضمن نقولا من القرآن الكريم. ويكاد يجمع الباحثون الذين يقتبسون آيات الكتاب الكريم ليستشهدوا بها على نقل هذه الآيات إلى الهجاء الحديث. ولا أحسب أن هذا الأمر قد لقي معارضة تذكر. لكن طباعة المصحف بالهجاء الحديث لا تزال موضع خلاف، يقف بها حتى الآن عند الرسم القديم.

стр. 76

وقد انتقد ابن خلدون فكرة الإصرار على الرسم القديم في سياق حديثه عن الخط العربي فقال: «فكان خط العرب لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة والتوحش، وبعدهم عن الصنائع. وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير محكمة الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها. ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها، تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله، وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفى لهذا العهد خط ولى أو عالم تبركا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا. وأين نسبة ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم فيما كتبوه، فاتبع ذلك وأثبت رسما، ونبه علماء الرسم على مواضعه. ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل، بل لكلها وجه ... وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة رضوان الله عليهم، عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال، فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وليس ذلك بصحيح. واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين، ولا في الخلال. وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه، لأجل دلالته على ما في النفوس.

стр. 77

وقد كان ﷺ أميا، وكان ذلك كمالا في حقه، وبالنسبة إلى مقامه، لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها. وليست الأمية كمالا في حقنا نحن، إذ هو منقطع إلى ربه، ونحن متعاونون على الحياة الدنيا (١)». وفي كلام ابن خلدون هذا هجوم واضح على تقديس الخط القديم. والواقع أننا لو تتبعنا طريقة رسم المصحف لوجدنا أشياء لا يمكن تعليلها، ولا داعي للتمسك بها. من أمثلة ذلك قوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (الشعراء: ١٧٦) وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ (ق: ١٤) في سورة الشعراء رسمت الأيكة (لئيكة) وفي سورة ق رسمت «الأيكة» مع أنه لا فرق بين الكلمتين. وفي سورة النمل كتبت لام التوكيد بصورتين مختلفتين في آية واحدة هي قوله تعالى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (النمل: ٢١) فما الداعي لهذا الاختلاف في الرسم؟ وفي سورة البقرة رسم قوله تعالى:

стр. 78

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (البقرة: ٢٣١) فجاءت كلمة «نعمة» بتاء مفتوحة أي رسمت «نعمت» في حين أنها رسمت بتاء مربوطة في سورة المائدة، قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (المائدة: ٧) ورسمت كلمة سنّة بتاء مفتوحة هكذا في قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر: ٤٣) أما في سورة الفتح فرسمت كلمة سنة كما نرسمها في الوقت الحاضر. قال تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الفتح: ٢٣) فما الداعي لرسم كلمة سنة مرة بتاء مربوطة وأخرى بتاء مفتوحة. وهناك الأسماء مثل هارون وإسحاق، وهذه تحذف فيها ألف في الرسم ولا تحذف في النطق.

стр. 79

ومن المتبع في المصحف أيضا كتابة كلمات مثل الصلاة والزكاة والحياة بالواو بدلا من الألف على النحو التالي: الصلاة والزكوة والحيوة. والأقدمون أنفسهم لم يقتنعوا بهذه الطريقة في التهجي. يقول ابن قتيبة في نطاق حديثه عن بعض القراءات: «وإن كانت خطأ في الكتابة، فليس على الله ولا على رسوله جناية الكاتب في الخط. ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التهجي. فقد كتب في الإمام إنّ هذن لساحران بحذف ألف التثنية. وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان. وكتب كتاب المصحف: الصلاة الزكوة والحيوة بالواو. واتبعناهم في هذه الحروف خاصة على التيمن بهم» (تأويل مشكل القرآن، ص ٤٠، ٤١). وهناك كثير من المواضع التي يمكن أن نذكرها هنا حيث رسمت الكلمة الواحدة بصور مختلفة من غير مبرر لذلك. ومن هنا فنحن نرى أن طبع المصحف بالهجاء الحديث يعتبر من الأمور المهمة النافعة، فهذا يمكن أن يؤدي إلى رفع كثير من الخطأ الذي قد يقع فيه كثير من المثقفين اليوم حين يقرءون القرآن الكريم.

стр. 80

- ١٢ - القراءات القراءات جمع قراءة، ويقصد بالقراءة في معناها الاصطلاحي «مذهب يذهب إليه أحد أئمة القراءات في التلفظ بالقرآن الكريم». إن القرآن الكريم قد نزل على الرسول فخاطب به أمة كانت متعددة اللهجات. لقد كانت القبائل العربية تتحدث العربية بلهجات مختلفة. ولم يستطع الرسول الكريم أن يغير لهجات هذه القبائل بين يوم وليلة، فهذا من غير المعقول. وكان أن سمح للقبائل بقراءة القرآن بلهجاتها وهذا- كما ذكرنا- هو التفسير الأقرب إلى الصواب لقول الرسول ﵇ «أنزل القرآن على سبعة أحرف». فالأحرف السبعة التي يذكر الحديث الصحيح أن القرآن نزل بها كانت لهجت عربية مختلفة لقبائل أهمها قريش. وفي هذا المعنى يقول أبو شامة، نقلا عن بعض من أخذ عنهم: «أنزل القرآن بلسان قريش ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب (١)».

стр. 81

والروايات كثيرة عن قراءة أفراد من بعض القبائل بلهجاتهم بين يدي الرسول، وإقرار الرسول لتلك القراءة. فقد قرأ هذلي (عتّى حين) بين يدي الرسول وهو يقصد حَتَّى حِينٍ (١) وأجازه. وقرأ أسدي تَسْوَدُّ وُجُوهٌ (٢). أمام الرسول بكسر التاء في تَسْوَدُّ وأجازه كذلك. ومنهم من كان يقرأ أفعالا مثل «قيل» و «غيض» بإشمام الضم مع الكسر. ومنهم من كان يقرأ «عليهم» و «فيهم» بضم الهاء، كما كان منهم من يقرؤهما «عليهمو» و «فيهمو». ومثل هذه القراءات كانت تجاز. والأمثلة إلى جانب ذلك كثيرة. يقول ابن قتيبة: «لو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة».

стр. 82

وكانت كتابة المصحف- بناء على توجيه عثمان- بلغة قريش، وذلك حين أوصى كتبة المصحف بقوله: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم». وقد سبق أن ذكرنا أن الأحرف السبعة أو اللغات السبعة لم تكن تعني أن كل كلمة من المصحف كانت تقرأ بسبعة أوجه، وإنما كان الخلاف في مواضع محدودة. كان هذا الاختلاف بين لهجات القراء في عهد الرسول من الأسباب التي تولّد منها اختلاف القراءات على مر الزمن. وهناك سبب قوي لظهور القراءات، أن مصحف عثمان كتب بغير نقط ولا شكل، وظل كذلك حتى عصر عبد الملك بن مروان، حين قام الحجاج بن يوسف الثقفي بالإشراف على نقط المصاحف، وذلك بأن عهد بهذا الأمر إلى من كان خبيرا به من علماء عصره، كما ذكرنا. وهكذا خطا المصحف خطوة جديدة نحو ضبط الرسم. ومع ذلك فقد كانت الفترة التي بقي بها المصحف بدون نقط ولا شكل مصدرا من مصادر اختلاف القراءات. ونحن اليوم نسمع كثيرا عن القراءات السبع أو القراءات العشر. ونسمع قليلا عن القراءات الأربعة عشر. ولكن ليس معنى هذا أن عدد أئمة القراء كان منذ أقدم العصور محصورا في سبعة أو عشرة أو أربعة عشر. بل الأمر كان غير ذلك، وكان عدد القراءات أكثر من ذلك بكثير. ومن أوائل من ألف في علم القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفي سنة ٢٢٤ هـ. وقد أحصى من القراءات نحوا من خمس وعشرين قراءة وكتب غيره كتبا في القراءات زاد فيها هذا العدد أو نقص منه حتى جاء أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد في خاتمة القرن الثالث فجمع قراءات أئمة سبعة هم عبد الله بن كثير في مكة، ونافع بن أبي رويم في المدينة، وأبو عمرو بن العلاء في البصرة وعاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب الزيات، وعلى الكسائي في الكوفة، وعبد الله بن عامر في الشام. ومن بعد ابن مجاهد جاء من زاد عدد القراء إلى عشرة

стр. 83

فأضاف اليهم يزيد بن القعقاع في المدينة، ويعقوب الحضرمي في البصرة، وخلف البزّاز في الكوفة. وممن فعل ذلك الإمام ابن الجزيري المتوفي عام ٨٣٣ هـ. أما من قال بقراءات أربع عشرة فقد أضاف إلى أئمة القراء الحسن البصري، وابن محيصن، ويحيى اليزيدي، والشنبوذي (١). ومما يزيد أمر القراءات صعوبة أن كل امام من الأئمة المشهورين تروى قراءته بطرق متعددة، وقد بلغ عدد الطرق التي تروى بها القراءات العشر المشهورة ما يقارب الألف طريق. إن اتساع رقعة العالم الإسلامي، واختلاف لهجات القبائل، وبقاء المصحف الإمام غير منقوط مدة من الزمان، وصعوبة الاتصال بين أبناء الأمة الإسلامية لبعد المسافات، وقلة وسائل الاتصال، أدت إلى كل هذا التعدد في القراءات وطرقها. ونحن نجد أنفسنا الآن في غير هذا الموقف لأن المدنية الحديثة يسرت أمورا كثيرة. فهناك المصحف المطبوع. وهناك قراء القرآن الذين يجيدون القراءة يذيعون القرآن على الملايين بواسطة الراديو، وهناك التسجيل الذي أتاح لأهل الضبط من القراء تسجيل تلاوتهم ووضعها في متناول الدارسين. وأين موقفنا اليوم من موقف أسلافنا، حيث كانوا يعملون في ظروف عسيرة، ويسعى كل دارس إلى حفظ ما توارثه، معتقدا أنه الصواب، فيحرص على روايته، ويحرص غيره على أخذه عنه. وإن ما دوّن بين أيدينا من هذه القراءات أقل مما ضاع منها وذهبت به أحداث الزمان. وقد سعى علماء القراءات إلى ضبطها، فوضعوا لذلك ميزانا تقاس به صحتها، قالوا: كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، ووافقت العربية ولو بوجه، وصح إسنادها فهي القراءة الصحيحة. [القراءات من حيث صحة إسنادها] ولعلماء القراءات مقاييس لصحة الإسناد اقتبست من علم الحديث. فقد قسمت القراءات من حيث صحة إسنادها إلى خمسة أنواع على الوجه التالي:

стр. 84

أولا: المتواتر: وهو ما روته جماعة عن جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب. ثانيا: المشهور: وهو ما رواه عدل صحيح الرواية عن مثله، ووافق العربية ووافق أحد المصاحف العثمانية. ثالثا: ما صح سنده: وخالف رسم المصحف أو أصول العربية. وهذا لا يجوز قبوله برغم صحة سنده. وإلى جانب هذه الأنواع الثلاثة هناك «الشاذ» من القراءات. والقراءات الشاذة هي التي لم يصح سندها، ويجب إهمالها. وهناك «الموضوع» أي ما نسب إلى صاحبه على غير أساس، فهو من الزيف، ويرفض الأخذ به. وقد نقل الزركشي عن شهاب الدين أبي شامة قوله: «كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي قراءة صحيحة معتبرة. فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة (١)». ومما يبين رأينا في اختلاف حظّ الأقاليم الإسلامية من القراءات لاختلاف ظروفها، وقربها أو بعدها من مراكز الدراسات العربية قول أثير الدين أبو حيان في وصف كتابين أندلسيين من كتب القراءات هما «التيسير» و «الشاطبية». «لم يحويا جميع القراءات السبع، وإنما هي نزر يسير منها. ومن عنى بفن القراءات وطالع ما صنفه علماء الإسلام في ذلك، علم ذلك علم اليقين، وذلك أن بلادنا جزيرة الأندلس لم تكن من قديم الزمان بلاد إقراء السبع، لبعدها عن بلاد الإسلام. واجتازوا عند الحج بديار مصر، وتحفظوا ممن كان بها من المصريين شيئا يسيرا من حروف السبع، وكان المصريون إذ ذاك لم تكن لهم روايات

стр. 85

متسعة، ولا رحلة إلى غيرها من البلاد التي اتسعت فيها الروايات (١)». وللزركشي في دراسته للقراءات قول واضح، يبين أنها اجتهادات من أئمة القراء، وأن من الواجب أخذها على هذا الوجه وحده. يقول: «واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكورة في كتابة الحروف أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما ... والتحقيق أنها متواترة عن الائمة السبعة، أما تواترها عن النبي ففيه نظر (٢)». وجوه اختلاف القراءات: لابن قتيبة كلام مشهور عن وجوه اختلاف القراءات، نقله عنه الزركشي وغيره. وتتلخص هذه الوجوه فيما يلي: الأول: الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب، ولا يغير معناها. نحو «البخل» و «البخل» (٣). كذلك قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ قرئ وهل يجازى إلّا الكفور (سبأ: ١٧) فبعض القراء قرأ بالقراءة الأولى، والبعض الآخر بالقراءة الثانية.

стр. 86

الثاني: الاختلاف في إعراب الكلمة في حركات بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الخط نحو: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وقد قرئت رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا (سبأ: ١٩) الثالث: الاختلاف في تبديل حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها ولا غير صورة الخط في رأي العين. نحو كَيْفَ نُنْشِزُها وقد قرئت ننشرها (سورة البقرة: ٢٥٩) ومن الأمثلة على ذلك أيضا يَقُصُّ الْحَقَّ، ويقضي الحقّ (الانعام: ٥٧) الرابع: الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتابة ولا يغير معناها. كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (القارعة: ٥) وهي القراءة الثابتة. وقد قرئت كالصّوف المنفوش وهذه قراءة مرفوضة لمخالفتها خط المصحف.

стр. 87

الخامس: الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط ويزيل معناها. وهذا لا يقرأ به لمخالفته الخط الذي كتب به مصحف عثمان. السادس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، فالآية الكريمة وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (سورة ق: ١٩) قيل إن أبا بكر قرأها ساعة موته «وجاءت سكرة الحق بالموت» ولعل هذا من اضطراب عراه ساعة مفارقة الحياة. وهذا لا يقرأ به لمخالفته المصحف. السابع: الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم. مثل (تجري تحتها) وتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا* (التوبة: ١٠٠) وهذا يقرأ منه ما اتفقت عليه المصاحف في إثباته وحذفه. وهناك قراءات شاذة نبّه عليها أبو عبيدة في كتاب «فضائل القرآن» وبيّن أنها كانت تضيف الكلمة أو الكلمات لتفسير النص. فمن قبيل التفسير قراءة تنسب إلى عائشة وحفصة هي: حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى صلاة العصر (سورة البقرة: ٢٣٨) فمن الواضح أن عبارة «صلاة العصر» كانت تفسيرا لمعنى الصلاة الوسطى فأخذت على أنها قراءة. وهي مخالفة للمصحف الإمام، ولما أجمع عليه الحفاظ. ومهما يكن الأمر، فالموضوع الآن بالنسبة للقراءات أصبح من الدراسات

стр. 88

اللغوية التاريخية. ونحن الآن في عصر التسجيل نستطيع الأخذ بالقراءة التي تتفق كل الاتفاق مع خط المصحف، مع السماح بما جاز من القراءات لهذا الخط في أضيق الحدود. ومصحفنا المطبوع بين أيدينا اليوم يغنينا عن كل وجوه الخلاف التي حتمتها البيئات القديمة بما انطوت عليه من صعوبات في الضبط والتحقيق. كما أنني لا أحب أن أختم هذا البحث دون أن أنبهكم إلى حقيقتين: أولاهما: أن بحث ابن قتيبة في وجوه اختلاف القراءات لا يعني أن كل أنواع القراءات التي تضمنتها هذه الوجوه جائزة مقبولة بل إن من هذه القراءات ما هو صحيح مقبول ومنها ما هو شاذ. وابن قتيبة لم يكن يعني تحقيق الصحيح من الشاذ بقدر ما كان يعني في هذا البحث بالذات بيان أوجه الخلاف. ثانيهما: أن الخلاف في القراءات وقع في قدر يسير من القرآن الكريم. أما الاتفاق فهو الأغلب. وكل قراءة لقيت من التحقيق ما جعل قبولها خاضعا لقواعد دقيقة من الضبط العلمي، ونزه كتاب الله عن خطأ المجتهدين في هذا الباب.

стр. 89

- ١٣ - الناسخ والمنسوخ مادة النسخ وردت في القرآن الكريم دالة على معنيين، أحدهما النقل كما في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وثانيهما هو الإزالة كما في قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ النسخ بمعنى النقل هو من باب قولنا نسخت الكتاب أي نقلته، أما النسخ بمعنى الإزالة، فهو من باب قولنا: «نسخت الشمس الظل» أي أزالته. والنسخ الذي يهتم الأصوليون بدراسته هو الذي ورد في القرآن الكريم بمعنى الإزالة، فمعناه الاصطلاحي إبدال حكم شرعي بحكم آخر لحكمة يراها الله في مصلحة عباده، تكون في غالب الأمر للتخفيف عنهم، بعد ابتلائهم بأحكام، تكون في العادة أكثر تكليفا من الأحكام الناسخة. وقد أشار الكتاب الكريم إلى النسخ الذي يعني الإزالة أو الإبدال بقوله تعالى:

стр. 90

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (البقرة: ١٠٦) وكذلك بقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ. (النحل: ١٠١) ولقد تهجم بعض أعداء الإسلام على الكتاب الكريم، مدّعين أن النسخ هو من قبيل «البداء: والبداء فكرة قال بها بعض غلاة الفرق الإسلامية، وتعني أن الله يقدر أمرا، ثم يبدو له فيعدل عنه». إن القول بالنسخ في الشريعة بعيد كل البعد عن فكرة البداء التي قالت بها الفرق الغالية. فالله قد أنزل الكتاب على رسوله حلال أكثر من عشرين عاما. ولقد تعلم المسلمون أحكام الشريعة خلال هذه الأعوام، ونزل عليهم من الأحكام في مختلف الظروف ما اقتضت الحكمة الإلهية خفيفة أو تعديله، رعاية لصالح المجتمع الإنساني. يقول الزركشي: «والعلم به عظيم الشأن، وقد ألف فيه جماعة كثيرون منهم قتادة بن دعامة السدوسى (وكان من التابعين توفي عام ١٨٨ هـ)، وأبو سيد القاسم بن سلام (توفي عام ٢٢٣ هـ). وأبو داود السجستاني (توفي عام ٢١٥ هـ)، وأبو جعفر النحاس (المتوفي عام ٣٣٨ هـ)، وهبة الله بن سلام (المتوفي ٤١٠ هـ) وابن العربي (صاحب كتاب أحكام القرآن، توفي عام ٥٤٦ هـ)، وابن الخوزي (المتوفي عام ٥٩٧ هـ، وابن الأنباري (المتوفي عام ٣٢٨ هـ) ومكي بن أبي طالب المتوفي عام ٣١٣ هـ). (١)

стр. 91

فهذا العدد الكبير من المؤلفين في مختلف العصور، قد اهتموا بهذا العلم. وهم ينتمون إلى مذاهب فقهية مختلفة، وكذلك كانت إقامتهم في أقاليم مختلفة من العالم الإسلامي. وينقل الزركشي أيضا أن الامام علي بن أبي طالب قال لقاصّ: «أتعرف الناسخ والمنسوخ؟» قال: الله أعلم. فقال علي: هلكت وأهلكت (١)». معرفة الناسخ والمنسوخ إذن علم يجب على الفقيه أن يحيط به قبل التصدي لاستنباط الأحكام من الشريعة الإسلامية. وكما قيل بوجود النسخ في القرآن الكريم قيل أيضا بوجوده في السنة النبوية. وقسم بعض العلماء النسخ إلى ثلاثة أنواع: ١ - ما نسخ تلاوته وبقي حكمه، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول. فيروى أن سورة النور كانت بها آية هي: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله. وأن تلاوة هذه الآية قد نسخت وبقي حكمها. وكثير من العلماء يرى أن هذا القول كان من أحاديث الرسول، ولم يثبت بالتواتر أنه من القرآن الكريم، فلا معنى لأن يكون في القرآن الكريم ما تنسخ تلاوته ويبقى حكمه. ٢ - ما نسخ تلاوته وحكمه، فلا يجوز قراءته ولا العمل به. وهذا أيضا مما لم تثبت نسبته إلى القرآن الكريم، فكل ما يروى في ذلك أخبار آحاد لم يجتمع على نقلها وروايتها جمع من المسلمين كما هو الحال في مصحف عثمان. ٣ - ما نسخ حكمه وبقي تلاوته. وهذا هو النسخ الذي يسلم به كثير من

стр. 92

العلماء، وقالوا عنه إنه غالبا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة (١). ويعرف الناسخ من نصين ينقض أحدهما الآخر، ويعلم أن أحدهما متأخر، وذلك بنص منقول عن الرسول، أو بإجماع الأمة. يقول الشيخ محمد الخضري: «إذا ورد في الشريعة نصان متناقضان فلا بد أن يكون أحدهما منسوخا، إذ لا تناقض في الشريعة، والمنسوخ إنما هو المتقدم، ولا يعرف تقدم أحدهما وتأخر الثاني إلا بالنقل، وذلك إما أن يدل عليه لفظ الرسول نحو: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»، أو بإجماع الأمة على أن أحدهما متأخر ناسخ لأن الأمة معصومة من الخطأ، أو بأن يصرح الراوي بتاريخ الناسخ، كأن يقول: «سمعت عام الخندق كذا، وكان النص الآخر معلوما قبل ذلك (٢)». وهناك أحوال يجب التحري قبل قبولها. فإذا قال صحابي: «كان الحكم كذا ثم نسخ» فلا يعتبر قوله هذا حجة إن لم ينص على سماع وتاريخ. ذلك لأن الصحابي قد يقول ذلك عن اجتهاد. كذلك يجب أن ننتبه إلى أن ترتيب السور والآيات في المصحف ليس مطابقا لتاريخ النزول. فقد يوجد النص الناسخ في المصحف سابقا على النص المنسوخ. ولما كانت الآيات غير مرتبة ترتيبا تاريخيا فتقدم الناسخ على المنسوخ في المصحف لا يدل على تقدم تاريخي. فالعبرة في تعيين الناسخ والمنسوخ ليس في تقدم نص المنسوخ على الناسخ في المصحف، بل في تقدمه عليه في تاريخ النزول. وقد اختلف حول جواز نسخ السنة للقرآن، أو القرآن للسنة، فذهب الإمام الشافعي إلى أن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن والسنة لا تنسخ إلا بسنة. ومن الفقهاء من رأى جواز نسخ السنة للقرآن، لأن القرآن والسنة متكاملان في النص على أحكام الشريعة.

стр. 93

والواقع أننا لو تأملنا هذا الامر لم نجد تناقضا بين أحكام القرآن وأحكام السنة النبوية. فالواقع أن السنة النبوية تشتمل على كثير من التفصيلات لأحكام مجملة وردت في القرآن الكريم. فالصلاة مثلا وهي ركن من أركان الدين ورد النص على وجوب أدائها في القرآن الكريم، أما كيفية أدائها فذلك مما لا يعرف إلا من السنة النبوية. يقول الشيخ محمد أبو زهرة في هذا الشأن: «إن السنة هي المصدر الثاني للفقه الإسلامي. وهي مع هذا الاعتبار تالية للكتاب وتابعة له. فهي تبينه وتزيد أحكاما متصلة به ولذلك نقول إن الأحكام التي أتت بها السنة لها اتجاهات أربعة: أولها: أن تكون بيانا للقرآن الكريم. ثانيها: أنها تأتي بأحكام تثبت في القرآن بالنص، وزاد النبي ﷺ في مواضعها أحكاما بوحي من الله تترتب عليها أو متصلة بها. ثالثها: أن تأتي السنة بحكم ليس في القرآن نص عليه، وليس هو زيادة على نص قرآني. رابعها: وهو ما ذكره الشافعي وهو الاستدلال بالسنة على الناسخ والمنسوخ من الأحكام القرآنية» (١). ولقد بالغ بعض من تصدوا لدراسة الناسخ والمنسوخ فعدّوا أية زيادة للبيان أو التقييد تجيء في إحدى الآيات ناسخة للآية التي ورد فيها الحكم بلفظ الإطلاق أو العموم. ورفض الأصوليون الأخذ بهذا وعدوا بيان العموم أو تقييد المطلق من قبيل التفصيلات التي توضح الحكم وليست من قبيل النسخ. وتروى أمثلة كثيرة عن مغالاة بعض العلماء في الأخذ بفكرة النسخ. يقول الزركشي: «ومن ظريف ما حكي في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (سورة الانسان: ٨)

стр. 94

منسوخ من هذه الجملة «وأسيرا»، والمراد بذلك أسير المشركين، فقرئ الكتاب عليه وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت: «أخطأت يا أبت في هذا الكتاب! فقال لها: وكيف يا بنية؟ قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا (١)». وينقل ابن العربي عن بعض الفقهاء أنّهم قالوا في قوله تعالى في سورة البقرة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ*. أنه منسوخ، فنظر إلى أنه لما كان بهذا الوجه فرضا سوى الزكاة، وجاءت الزكاة المفروضة فنسخت كل صدقة جاءت في القرآن، كما نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الصلاة كل صلاة (٢)». وهذا كما ترون ينطوي على نظرة خاطئة، فكلام الله يعني أن الإنفاق من الرزق الحلال مستحب، سواء أكان هذا الإنفاق للتصدق، أو إنفاقا على الأهل، ولا شأن لذلك بفريضة الزكاة المنصوص عليها. فهناك ألوان من المغالاة في افتعال هذا النوع من الدراسة عند بعض الباحثين. ومن جهة أخرى يرفض بعض المحققين فكرة النسخ في القرآن الكريم، ومن هؤلاء أبو مسلم الأصفهاني. ويرون أن المقصود بالآية في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها. أن المقصود بالآية هنا هو المعجزة، ويرى هؤلاء أن ما يدّعى نسخه لا يتعذر التوفيق بينه، فلا ناسخ ولا منسوخ بل الأحكام جميعها متكاملة ثابتة (٣) ومما هو جدير بالذكر أن الآيات التي تحتاج إلى التوفيق بينها تكاد لا تزيد عن عشرين آية، أمّا ما ورد سوى ذلك فهو من قبيل التفصيل لحكم عام أو التقييد لحكم مطلق، وليس مما ينطبق عليه معنى النسخ، أي الإزالة.

стр. 95

- ١٤ - المحكم والمتشابه في آيات القرآن الكريم ما يصفه بأنه محكم. قال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ (هود: ١) ومنها ما يصفه بأنه متشابه. قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً (الزمر: ٢٣) ومنها ما وصفه بأن فيه المحكم والمتشابه: قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ

стр. 96

وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (آل عمران: ٧) والرأي الذي عليه الجمهور أن القرآن يحتوي على المحكم والمتشابه من الآيات. فمعنى الإحكام والتشابه في الآيتين الأولى والثانية غيرهما في الآية الثالثة. فالإحكام في الآية الأولى متانة البناء ودقة البيان والإعجاز، ومعناه في الآية الثانية أن كتاب الله متشابه في قوة بنائه وحكمته وروعة إعجازه وصدقه في كل ما جاء به وأنه من عند الله. أما الآية الثالثة فهي المصدر الذي أوحى بفكرة وجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم. ويفسّر المحكم فيها على أنه النص الذي لا يقبل التأويل، أو أنه ما أحكم بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام. فقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ (البقرة: ٤٣) مما لا يقبل التأويل ويعتبر بذلك من المحكم. لكن الباحثين القدامى على عاداتهم جاءوا بوجوه أخرى كثيرة في تأويل معنى المحكم. فقيل المحكم هو الناسخ، وقيل هو الفرائض والوعد والوعيد. وقيل هو ما يعرف عند سماعه مثل قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. أما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني.

стр. 97

يقول الزركشي: «والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره وشاكله (١)». وقيل في معنى المتشابه أقوال عدة هي أنه المنسوخ الذي لا يعمل به، وقيل القصص والأمثال، وقيل ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى الله، وقيل فواتح السور، وقيل ما لا يدرى إلا بالتأويل، وقيل: ما يحتمل وجوها في حين أن المحكم لا يحتمل إلا وجها واحدا. وإذا أردنا أن نخرج من كل هذه التفسيرات برأي فيمكننا أن نقول إن المحكم هو النص الظاهر الواضح الدلالة الذي لا يحتاج في فهم معناه إلى التأويل، أما المتشابه فهو ما لا يفهم معناه إلا بالتأويل، وقد يدل لفظه على أكثر من معنى واحد. واختلف حول قدرة العلماء على إدراك معنى المتشابه، وذلك بسبب الاختلاف في تفسير معنى الآية التي تنص على وجود محكم ومتشابه في القرآن الكريم. فقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. فمن المفسرين من يعتبر الواو في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دالة على العطف فيفهمون من الآية أن الله وكذلك الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه. ومنهم من يقف عند (الله) فيفهم من الآية أن الله وحده هو الذي يعلم تأويل المتشابه، أما الراسخون في العلم فذكرهم استئناف، وهؤلاء يقولون آمنا به، ولا يطيلون الوقوف عند التأويل.

стр. 98

ومثل هذين الرأيين يمثلان موقفين متناقضين لفريقين من علماء المسلمين. ففي القرآن آيات تتناول صفات الله، وتتحدث عن أمور غيبية لا يمكن الوصول في فهمها إلى رأي قاطع. وقد توقف بعض السلف عن الخوض في مثل هذه الآيات، ومحاولة تأويلها، معتبرين ذلك من البدع. فلم يحاولوا فهم استواء الله على العرش، في حين أن المعتزلة وغيرهم حاولوا فهم معاني القرآن، ولم يتوقفوا عند المتشابه، بل أولوه. نقل الامتناع من التأويل عن بعض الصحابة وعلماء السلف، فأم سلمة تحدثت عن الاستواء في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. فقالت: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب «وكذلك سئل الإمام مالك في هذا الأمر فأجاب بما أجابت به أم سلمة. وكذلك سئل سفيان الثوري فقال: أفهم من قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (طه: ٥) ما أفهم من قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ. (فصلت: ١١) وسئل الأوزاعي عن تفسير الآية فقال: الرحمن على العرش استوى، كما قال، وإني لأراك ضالا (١).

стр. 99

يقول الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: «وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه (١)». وقد ألف الغزالي كتابا بعنوان «إلجام العوام عن علم الكلام» حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم، إلا أن الغزالي لا يمنع العالم المحقق من البحث في كل ما يحتاج إلى التأويل. يقول: «فالصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف في الإيمان بالرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى وأخبر به رسوله من غير بحث وتفتيش عن لأدلة (٢)». أما المعتزلة ومتكلمو السنة وهم الأشعرية فاختاروا التأويل. وهؤلاء أيضا يستندون إلى بعض السلف فقد نقل التأويل عن علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم (٣). ورأي القائلين بوجوب التأويل، وأن الراسخين في العلم قادرون على الفهم راجع إلى مذهب هؤلاء في إعظام شأن العقل، إلى حد أنهم جعلوا كل حسن وقبيح من المدركات العقلية، وأن الشرائع جاءت مطابقة لما اهتدت إليه العقول، داعية إلى ما استحسنته، ناهية عما استقبحته- فمذهب المعتزلة والأشعرية متأثر بالمذاهب الفلسفية، لا يقبل التوقف عند النص، من غير محاولة لإدراك معناه. فهم يقولون في تأويل قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ (المائدة: ١١٦)

стр. 100

إن النفس هنا هي الغيب، تشبيها له بالنفس، لأنه مستتر كالنفس. ويقولون في تأويل قوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ أنه المعبود في السموات والأرض، أو أنه العالم بما فيهما. وقوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ يقولون فيه: «لم يرد سبحانه بنفي النوم والسنة عن نفسه إثبات اليقظة والحركة، لأنه لا يقال لله تعالى يقظان ولا نائم، لأن اليقظان لا يكون إلا عن نوم، ولا يجوز وصف القديم به، وإنما أراد بذلك نفي الجهل والغفلة (١)». وهكذا يمضون في تأويل آيات مثل: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (ص: ٧٥) وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ (الرحمن: ٢٧) فيؤولون اليد والوجه وما شابههما إلى معان تصرفها عن المعنى الحسي أو الجسدي. والخلاصة أن أرجح الأقوال في المحكم هو أنه ما كان واضح الدلالة

стр. 101

ظاهر المعنى، وأن المتشابه ما احتاج فهمه إلى تأويل، ولم يمكن القول في تأويله برأي قاطع، بل كان قابلا لأكثر من معنى، وإن رجح بعض هذه المعاني على سواه. وإلى مثل هذا ذهب الإمام الفخر الرازي في كتابه «أساس التقديس». وإلى هذا ذهب صاحب كتاب «المباني في نظم المعاني» (الذي ألف عام ٤٢٥ هـ) يقول: «أما القول في المحكم والمشابه، فإن القرآن كله محكم من جهة النظم والإعجاز، كما قال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ وكله متشابه من تشابه ألفاظه بعضها ببعض، فليس فيه ما ينفى ويردّ لنا، ويخرج عن النظم ويهمل، وذلك قوله تعالى: نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً وبعضه محكم من جهة احتماله وجها واحدا لا يرتاب فيه مرتاب، وبعضه متشابه من احتماله وجوها كثيرة لا يقطع على واحد منها قاطع، كما أنه في بابه علم ساطع، وذلك قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فاللاتي هن أم الكتاب مثل قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. (سورة ٦ آية ١٥١) وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (سورة ١١٣ آية ١)

стр. 102

وقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ (سورة ٥٩ آية ٢٣) فأما المتشابه، فإنه مثل قوله: عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (سورة ٣٩ آية ٥٦) وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ (سورة ٢ آية ٢١٠) وقوله: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (سورة ٨٩ آية ٢٢) وما أشبهها (١). أما الحكمة في وجود هذه الآيات المتشابهات فهي ما تقتضيه الضرورة في مخاطبة الآدميين، وكثير منهم لا يستطيعون تصور الذات الإلهية منزهة كل التنزيه، فكان الخطاب بأسلوب يقرّب تصور الذات من أفهام الناس، مع التحدث بصريح التنزيه عن الخالق في الآيات المحكمات. وبردّ المتشابه الى محكم آيات القرآن ينتفي التشبيه والتجسيد عن الذات الالهية، ويتضح الأمر أمام خاصة العلماء

стр. 103

الذين يناط بهم الإدراك الواضح لمعنى التنزيه. أما العوام فهم في العادة لا يستطيعون بلوغ هذه الغاية. وقد ساق صاحب كتاب المباني ثمانية أوجه لبيان الحكمة في متشابه القرآن، وسنذكر هذه الأوجه هنا بإيجاز. ١ - إن الله احتج على العرب بالقرآن، إذ كان فخرهم ورياستهم بالبلاغة، وحسن البيان والاختصار والإطناب. وكان كلامهم على ضربين: أحدهما: الواضح الموجز الذي لا يخفى على صاحبه، ولا يحتمل غير ظاهره. والآخر على المجاز والكنايات، والإشارات والتلويحات وهذا الضرب هو المستحلى عندهم، الغريب من ألفاظهم، البديع في كلامهم. فلما قرعهم الله سبحانه فعجزهم عن المعارضة بمثل سوره أو سورة منه أنزله على الضربين ليصح العجز منهم وتتأكد الحجج ولزومها إياهم، فكأنه قال: عارضوا محمدا في أي الضربين شئتم، في الواضح أو في المشكل. ولم يقدروا عليه. ولو أنزله كله واضحا محكما بحيث لا يخفى على أحد سمعه منه لوجد المشركون مقالا، وقالوا: ما باله لم ينزله بالضرب المستحسن عندنا، والمستحلى في طباعنا؟ لأن ما وقع فيه الإشارة والكناية والتشبيه والتعريض كان أفصح وأعرب. ثم يؤيد بعد ذلك رأيه هذا بأبيات من الشعر فيها الاستعارات والمجاز والكناية ويطبق بعض هذه المفهومات البلاغية على آيات من القرآن. ٢ - في الآيات المتشابهة اختبار لموقف المؤمن الذي يتقبل ما جاء بهذه الآيات ويردها إلى عالمها في حالة العجز عن إدراك معناها، في حين أن المنافق يتخذ من المتشابه سبيلا إلى بث عقائده الفاسدة، عن طريق التأويل السيّئ. ٣ - في المتشابه حث للعلماء على التدبر والتأمل وهؤلاء ينهضون بالتأويل، وينتفع العامة بعلمهم، ولو كان كله واضحا محكما لاستوى فيه العالم والجاهل. ٤ - في المتشابه من الآيات تدريب لعلماء الأمة على التدبر والتأمل، واستدعاء لهم لمداومة التفكر.

стр. 104

٥، ٦، ٧ - يمكن أن ترد هذه الأوجه إلى الوجه الرابع، فكلها مرتبط بفكرة البحث والتأمل، وما لهما من أثر في إظهار العلماء، الذين يوالون البحث فيه. ولو كانت كل معاني القرآن واضحة ظاهرة لانتهى القول فيها، وتوقفت دراسة القرآن الكريم عند حد، وربما أدى ذلك إلى الانصراف عنه. ٨ - في المتشابه اختبار يكشف عن المؤمنين الراسخين في الإيمان، وعن أهل العقيدة المتزعزعة. قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا. (سورة ٢ آية ٢٦) وهذا هو المقصود من قوله تعالى بعد ذلك: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً. وهذا الوجه مرتبط إلى حد بعيد بالوجه الثاني الذي ذكره صاحب كتاب المباني (١). وكل هذه الأقوال تدخل في باب الاجتهاد. فهي من قبيل المحاولات التي تساق لإيضاح بعض جوانب الدراسات المتصلة بالقرآن الكريم. ولسنا مطالبين بالأخذ بها على علاتها، بدون التفكير فيها، والبحث عن مدى اتفاقها مع النصوص القرآنية.

стр. 105

- ١٥ - فواتح السور يحصي الزركشي عشرة أنواع من الكلام افتتحت بها سور القرآن الكريم، نقلها عن الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي. ١ - فمن هذه الأنواع استفتاح الآيات بالثناء، بما يكون فيه إثبات لصفات المدح وتنزيه عن صفات النقص. ٢ - ومنها الاستفتاح بالنداء نحو: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (المائدة، والحجرات، والممتحنة)، ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ (الأحزاب والطلاق، والتحريم). ٣ - ومنها الاستفتاح بالجمل الخبرية نحو قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (سورة الأنفال)، بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ (سورة التوبة)، وهكذا. ٤ - ومنها الاستفتاح بالقسم مثل قوله تعالى:

стр. 106

وَالطُّورِ، وَالنَّجْمِ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ، وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَالْفَجْرِ، وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وهكذا. ٥ - الاستفتاح بالشرط نحو: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وهكذا. ٦ - الاستفتاح بالأمر مثل قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وهكذا. ٧ - الاستفتاح بالاستفهام مثل قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وهكذا. ٨ - الاستفتاح بالدعاء مثل قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. ٩ - الاستفتاح بالتعليل وقد ورد في موضع واحد هو لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. وكل هذه الأنواع التسعة واضحة الدلالة. أما النوع العاشر فهو:

стр. 107

الاستفتاح بحروف التهجي يحتاج هذا النوع من الاستفتاح لأن نقف عنده وقفة خاصة محاولين أن نرى بعض ما نقل عن الأقدمين في إيضاح أسراره. لقد افتتحت بعض سور القرآن الكريم بحروف التهجي، نحو الم، المص، الر، كهيعص، طه، طس، حم، حمعسق، ق، ن، وقد وقع هذا في تسع وعشرين سورة. وقد تراوح عدد الأحرف التي افتتحت بها هذه السور بين ثلاثة وخمسة. ومنها ما افتتح بحرف واحد. وقد أسرف المفسرون في استقصاء أنواع الحروف، ومحاولة النفاذ الى ما يكمن وراءها من أسرار. وحاول بعضهم دراسة قيمتها العددية أو الحديث عن خصائصها الصوتية. وقد اختلف البصريون والكوفيون حول اعتبار هذه الحروف آيات أو عدم اعتبارها. فأما البصريون فلم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون، فقد عدوا بعضها آيات، أما البعض الآخر فلم يعدوه من الآيات. وعندهم أن ما قالوه علم توقيفي لا مجال للقياس فيه. أما بالنسبة لتفسير معانيها فقد سلك العلماء إزاءها مسلكين: أحدهما: أنها علم مستور وسر محجوب استأثر الله به. وينسب أصحاب هذا الرأي إلى الصديق أنه قال: «في كل كتاب سر، وسرّه في القرآن أوائل السور». كما يروى عن الشعبي أنه قال: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله (١)». وثانيها: وهو اتجاه المتكلمين الذين ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن يرد في كتاب

стр. 108

الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره، والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه (١). فإذا انتقلنا إلى وجوه التفسير التي رويت عن هؤلاء وجدنا الكثير. ويذكر الزركشي وحده عشرين وجها. ومن قبله أفاض الطبري في تعداد الوجوه المنقولة عن أئمة التفسير من الصحابة والتابعين. وجاء بعض المستشرقين في الوقت الحاضر وحاولوا تقديم تفسيرات لهذه الحروف، وكذلك فعل بعض المحدثين من الدارسين المسلمين. ١ - ومن أوجه الآراء التي قرأتها بين هذه النقول أن هذه الأحرف أسماء للسور. فهذه الأحرف وضعت لتمييز السور بعضها عن بعض. وقد نقل الزمخشري ذلك عن كثير من العلماء، كما أن سيبويه نص على ذلك الرأي في كتابه. ووصفه فخر الدين الرازي بأنه قول أكثر المتكلمين. ومما يعترض به على ذلك أن بعض هذه الحروف قد ورد في افتتاح أكثر من سورة واحدة. فهناك مثلا الم. ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة) الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (آل عمران) وردّ على ذلك بأن ما جاء بعد «الم» يميز السورتين إحداها عن الأخرى، كما يميز الاسم الواحد لشخصين بما لكل منهما من صفات، فيقال زيد النحوي وزيد الفقيه.

стр. 109

٢ - ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من حروف الهجاء، فجاء بعضها مقطعا، وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين أتى القرآن بلغتهم على أن هذا القرآن المعجز مركب من الحروف التي يعقلونها ويبنون كلامهم منها. ٣ - ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف قصد بها جذب انتباه العرب لاستماع القرآن. يقول الزركشي: «إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه. وقال بعضهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (فصلت: ٢٦) فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب، وتلين الأفئدة. هذه تأويلات بدت لي معقولة بين ركام ضخم من التأويلات، لم أر داعيا لتكرارها هنا، فليرجع إليها من يشاء في كتاب الزركشي أو في تفسير الطبري. ومن الطريف أن بعض المستشرقين وكذلك بعض الكتاب المحدثين أدلوا بدلوهم في تفسير هذه الحروف. لكني لم أجد فيما قالوا به ما يستند الى أساس معقول، اللهم إلا إن كان راجعا لواحد من هذه الآراء التي أسلفت ذكرها.

стр. 110

- ١٦ - اعجاز القرآن من المعروف أن القرآن الكريم كان معجزة الرسول الكبرى. وربما تروى له معجزات أخرى، لكن المعجزة التي أجمع المؤرخون والعلماء على نسبتها إليه هي القرآن الكريم. وعلى هذا كان إعجاز القرآن طوال العصور موضوعا للدرس والبحث، وكان كل باحث يحاول أن يهتدي إلى سرّ هذا الإعجاز. وكم من كتب تناولت هذا الموضوع، فكان منها الكلامي، وكان منها البلاغي. وأعتقد بعد كل هذا البحث والدرس أننا لا نزال نفتقر إلى العمل العلمي الكامل الذي يضع يدنا على حقيقة الإعجاز في كتاب الله. لقد أراد الله أن تكون معجزة الرسول هي صميم رسالته. لم يجر الله على يد الرسول ما كان يجريه من قبل على يد أنبيائه، فموسى كان يلقي العصا فتصير حية، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء. وعيسى كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص أما الرسول فكانت معجزته الكتاب الذي أنزل عليه. ولقد كانت الجزيرة العربية إبان البعثة النبوية عامرة بالشعراء والخطباء والبلغاء.
следующие страницы →