← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38020

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

محمد الحبش

Полный текст (358 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة بقلم فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله منزل الكتاب، ومجري السحاب، ومعلّم العلوم والآداب، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسولنا المصطفى محمد بن عبد الله، أمين وحي الله، والمستنير بخزائن علم الله، ومبلّغه للأمة والناس كافة، وعلى آله وصحبه الهادين المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن العلم النافع والباقي الأثر، فتح وفتوح وتحصيل، وعلم الشريعة الإسلامية يحتاج لكل هذا، ليتحقق النضج، وتنمو المعارف وتترسخ، ويتحقق الهدف المنشود من العلم، ألا وهو القدوة الحسنة، وإعداد الأمة الإسلامية إعدادا كريما، حضاريا وثقافيا، دنيا وآخرة، ومصدر العلوم النافعة كلها هو كلام الله تعالى، لمن استطاع الاستنارة به، وإدراك معانيه ومقاصده، والإفادة من معينه. ولا تتحقق الإفادة من كتاب الله على الوجه الأمثل إلا بفتح متجدد يغترفه المؤمن من الكلام الإلهي الأزلي الموجّه لبني الإنسان، والفتح لا يكون إلا بفتوح وتوفيق من الله تعالى العلي الأعلى، فبه يتم الفتح وإنارة القلب والعقل، وكل من الفتح والفتوح لا يحصل إلا بتحصيل علوم الشريعة، وإتقانها، للتمكن من الإفادة من كلام الله الذي هو في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، والطريق الوحيد لإنقاذ الإنسان. ولقد كثرت التصانيف حول القرآن الكريم بالمئات لدى علمائنا من السلف الصالح والخلف المعتدل، ولكل عصر أسلوبه وتطلعاته، بحسب المستوى الثقافي والعلمي، وعصرنا يتطلب سهولة الأسلوب وإشراق العبارة، والإيجاز والبعد عن الاستطراد، وتبيان المعاني تبيانا مباشرا وقريب التناول، وشاملا للمطلوب. والدراسات المعاصرة حول القرآن العظيم مفيدة جدا إذا تميزت بالدقة والشمول وعقد

стр. 2

الموازنات، وتقريب المعاني ضمن إطار علمي سديد، ومن أجل تحقيق غرض مفيد، مع التزام ضوابط اللغة ومقاصد الشريعة. وهذه الرسالة التي أشرفت عليها، ونال بها من جامعة القرآن الكريم بالسودان الأخ الدكتور محمد الحبش درجة الدكتوراة بامتياز، أسهمت إسهاما طيبا وبارزا في إغناء الدراسات القرآنية، ولا سيما ما تفردت به من تحقيق وتدقيق في مقدماتها، ومن بيان أثر القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية، العقدية والفقهية، بل وفي نطاق الجوانب الأربعة التي وفّاها بحثا الأخ الحبش: وهي الرسم القرآني، واللغة العربية، والأحكام الاعتقادية والفقهية، التي تم إحصاؤها إحصاء دقيقا، مع بيان منشئها من دلالة القراءة المعتمدة للآية القرآنية، في حالات محصورة. وسبب النجاح البارز في هذه الرسالة: هو ما قدمته من توافر الأوصاف الثلاثة التي ذكرتها للعلم الصحيح، فالدكتور محمد توصل إلى فتح علمي واضح المعالم فيما تعرض له، وانضم إليه الفتوح الإلهي على بصيرته وقلبه بسبب إخلاصه في رفع راية كتاب الله تعالى، وتوّج الفتح والفتوح بتحصيله المكتمل من دراسة الشريعة والآداب في رحاب جامعة دمشق، وازداد شرفا ومعرفة بحفظه لكتاب الله ، وإتقانه القراءات ترتيلا، وإجادة، وتجويدا، وجمعا وتصنيفا، فحاز بذلك الفضل والتفوق، وأدت رسالته ما يصبو إليه كل مسلم غير متخصص أو بعيد الصلة عن قراءات القرآن الكريم، القراءات العشر المتواترة، وأفادت المتخصص أيضا بهذا التصنيف والجمع المفيد. وإني لأترقب للأخ الدكتور محمد الحبش مستقبلا زاهيا إذا تابع نشاطه العلمي، وثابر على اكتناه مدلولات كتاب الله سبحانه، ليستفيد منه إخوانه ومحبّوه، فهو ذكي ألمعي، ومتحدث جيد. ولا أنسى أن ما توّج به هذا الكتاب من تقديم فضيلة العلامة أستاذنا الجليل الشيخ محمد صادق حبنكة، يعدّ تزكية كافية، تعلو كل ما سواها، وفضيلته يتميز بالحسّ المرهف، والأدب العالي والتواضع الجم، ودقة العلم، والإخلاص لدين الله وشرعه تعليما وتدريسا، وممارسة، وتوجيها، فإن أثنى علي، فأنا تلميذه وثمرته، أحسن بي الظن، فجزاه الله عني وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء بما علّم وأرشد، ووجّه وأفاد، والله يتولى الصالحين. أ. د: وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق- كلية الشريعة

стр. 3

مقدمة بقلم فضيلة الشيخ صادق حبنكة رئيس مجلس قراء دمشق الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر باسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. والصلاة والسلام على من أنزل عليه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً، وعلى آله وصحبه الذين هم: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وعلى أتباعهم ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين. وبعد فقد ترك عندي الأخ الكريم. الصالح المستقيم. رسالته التي قدمها لحيازة الشهادة العالمية العالية التي تسمى (الدكتوراة) لأطلع عليها، فأنا شاكر له على حسن ظنه بي وحسن اختياره لموضوع الرسالة، فإنه موضوع جدير بأن ينشر بيد أمينة تقية نقية. تخشى الله، ولا يستهويها ما سواه، لأن النشر الإعلامي والكتابي أصبح في متناول الأيدي المختلفة: ومن الناس من يدس الدسائس، ويتلقط الشبه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، ومنهم من يتحامل على حملة القرآن. وهم أهل الله وأشراف أهل رسوله، فينكر عليهم التزامهم بما أخذوه بالسند الصحيح المتصل، وتقيدهم بما تلقوه من الشيوخ الثقات، ويعد ذلك من إضاعة الوقت، والتفريط بالجهود والملكات، ذاهلا عن أن الله شرفهم بخدمة كتابه المجيد، تحقيقا لقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ زاعما أن هذه الخدمة من الأشياء التقليدية الموروثة. وليس لها أصل ثابت، ناسيا قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، وقوله سبحانه: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، وقوله ﷻ : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ* وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً، ويرى هذا القائل أن الاشتغال بغير ما أقامهم الله به واختاره لهم أجدى وأولى جهلا منه بالحقيقة. ومن جهل شيئا عاداه كما أن من لم يدرس الفقه الإسلامي ويطلع على تمحيص مسائله، ودعم أحكامه بالأدلة الصحيحة، يعيب على الفقهاء دراستهم للفقه، وعنايتهم بفهم الأحكام الثابتة، متناسيا حاجة بل اضطرار المجتمع الإسلامي بل

стр. 4

الإنساني إلى الأحكام الفقهية المدروسة، ولو درس المعرضون عن دراسة الأحكام الشرعية، فقه الفقهاء لقدروا الجهود، واعترفوا بقيمة الإنتاج أي إني لا أتهم المنكر على أهل القرآن بضعف الإيمان ولا بالشك في رواية القرآن فقد يكون حديثه المشبوه. واتجاهه الخاطئ بسبب التحرر الفكري فهو في حاجة إلى الإيضاح، وحسن البيان. وإن في هذا الكتاب القيم الذي أصدره الأستاذ الفاضل الشيخ محمد الحبش، ما ينبه الغافلين، ويرشد المسترشدين. هذا، وقد تميز التشريع الإسلامي بحفظ قرآنه من التبديل والتحريف وأحكامه من الابتداع والتحريف، كما تميز بصحة الأسانيد وضبط الروايات فليس لأحد أن يبدل حرفا من كتاب الله. حتى ولا رسول الله. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي* وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا* ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ* قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وقال سبحانه: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، وقال تعالت قدرته وتقدست أسماؤه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فالقرآن الكريم، ألفاظه توقيفية، ورسمه توقيفي، وتأويله توقيفي، فقد ورد: «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ وإن أصاب»، وورد أيضا: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». أما إخواننا بل أشرافنا الذين حفظوا كتاب الله، وجمعوا القراءات حسب الأصول فهم على قسمين: القسم الأعلى هم العلماء الذين درسوا وحققوا، وعرفوا ودققوا، ولهم باللغة العربية معرفة دقيقة، وبعلوم الشريعة صلة وثيقة، وقد أخذوا القراءات وبحثوا عن توجيهها، وتدبروا الآيات واطلعوا على ما يستنبط منها من الحكم والأحكام، والعبر والمواعظ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. والقسم الثاني من الحفظة لم يحيطوا بما أحاط به الأولون السابقون، ولكنهم أتقنوا الأداء بالتلقي، فإذا تعرض لهم مشكك بما أخذوا أو مضلل عما سلكوا، تحيروا في الصواب، ولم يحوروا

стр. 5

بجواب. لهذا كله كان لموضوع هذا الكتاب الصادر الأهمية الضرورية، ليكون تبصرة للمستبصرين، وهداية للمنصفين التائهين، ومسرة للمؤمنين، وقرة عين للعلماء المخلصين. ولئن قال قائل إن التآليف المستحدثة الصحيحة، لم تأت بجديد، فذلك من المدح الذي يشبه الذم، فإن التقيد بصحيح النقول، من أمانة العلم وترك الفضول، وهو أرجح من الاعتماد على وحي الأفكار المتحررة، التي لم تتقيد بالأصول، ولا بما جاء عن الرسول، ويكفي لنتاج المستمسكين جدة وضاءة، وعملا صالحا متقبلا، حسن العرض وإحكام الترتيب والتنسيق، ومخاطبة العصر بأساليبه، وإن كسوة العروس وحليتها حين تجلى تميزها عن بقية المتجمعين والمتفرجين، والطعام الطيب يزيد طيبا ويشتهى بحسن اختيار أوانيه وترتيبه على الخوان. وليس في الخدمات الدينية أشرف من خدمة كتاب الله الكريم. على أني لم اقرأ الكتاب المعروض بحليته الجديدة إلّا تصفحا لبعض أقسامه واطلاعا على فهارسه، ولكن ثقتي الوثيقة بمخرجه ومنتجه الأستاذ الفاضل محمد الحبش، الذي عرفته من خلال استماعي لكلماته في المناسبات وسلوكه الديني واستقامته وانضباطه على قواعد الشرع: أولا، وشهادة العالم الجليل فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي .. الذي أحصى ما فيه واطلع على مبانيه ومعانيه ثانيا، جعلني هذا وذاك أشهد بصحة ما يحتوي، وأكبر هذا الإنتاج المفيد. ولا أخفي بهذه المناسبة أن الشيخ وهبة الزحيلي حفظه الله، وزاده بالشكر من خير ما أعطاه، له في قلبي مكانة مكينة، ملكه إياها وهو أحق بها تواضعه بلا مذلة، واستقامته بغير انحراف، ودأبه على العلم الناصح والعمل الصالح، وما عملت يداه من الكتب المجيدة، في المواضيع المفيدة، فشهادته لكتاب الأستاذ الفاضل الشيخ محمد الحبش سندى، وهي حسبي على أنني لو أردت أن أباشر التمحيص قبل الحكم لم أصل إلى ما يصل إليه الأستاذ الزحيلي من النتيجة، ولست من أهل الاختصاص، وبضاعتي مزجاة، فأرجو الله لهذا الكتاب الخير واليمن وأن يجعل هذه الباكورة فاتحة لأمثالها وأحسن منها كما أسأله تعالى أن ينفعنا جميعا بالعلم، ويزيننا بالحلم، ويكرمنا بالتقوى، ويمنحنا صفاء المعرفة، وصدق التوكل ويرزقنا حفظ كتابه الكريم وفهم معانيه، والعمل بما فيه، والإخلاص بالأعمال، وأن يمن علينا بحسن الختام، والتلاقي بالجنان، إنه كريم منان. طالب العلم صادق حبنكة الميداني

стр. 6

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خاتم النّبيّين، وإمام المرسلين، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراط مستقيم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فقد كتب الله سبحانه لي شرف المشاركة في خدمة القرآن العظيم، فأكرمني بحفظه طفلا حيث أجزت بقراءته من شيوخ قراء بلاد الشام، ثم شرفت بالعناية به وخدمة أهله الذين سمّاهم النّبي ﷺ أشراف الأمة، وأثنى عليهم المولى سبحانه في صريح التّنزيل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: ٣٥/ ٣٢]. لذلك فإنني لم أتردد في اختيار جهة البحث الذي سأطرقه في حقل الدراسات القرآنية، وكان أن أكرمني الله سبحانه بزيارة جمهورية السودان، وعرفت فيها جامعة القرآن الكريم، وهي من أهم المراكز العلمية المتخصصة في خدمة القرآن العظيم، حيث تضم اثنتي عشرة كلية علمية، تنتشر على ضفاف النيل، في عاصمة السودان، تتعاون جميعا في خدمة القرآن الكريم، إضافة إلى عدد من المراكز العلمية والمكتبات المتصلة بهذه الجامعة الكريمة. وقد كنت منذ أن اشتغلت بالقراءات القرآنية أقلّب الفكر في مسألة واحدة هي: ما الحكمة من تعدد القراءات المتواترة على الرغم من أن مصدرها واحد؟ ولماذا كتبت في المصاحف بوجه واحد؟ ولماذا غابت عن الرسم الوجوه المتواترة الأخرى؟ مع أن الشاهد منها ليس أوثق إسنادا من الغائب؛ ولا هو أثبت في الاستدلال من أخيه، إذ سائر المتواتر في الثبوت والدلالة سواء، فقد حسم الأئمة القرّاء هذه المسألة قديما، واستقرّ الإجماع على المتواتر، واعتقدته الأمّة قرآنا، وأصبح ما أثر عن الأوّل من ردّ متواتر أو الإنكار عليه، محمولا على سبب واحد وهو عدم ثبوت التواتر لديه لا غير. وقد كتب كثير من العلماء في حكمة القراءات المتواترة وأثرها في الرسم واللغة والفقه، ولكن بقي هذا الجهد في إطار العرض العام للمسألة، من غير أن يتناولها باحث بقلم الإحاطة والحصر،

стр. 7

وهو بحث لا بدّ منه ليتبين للناس ما غاب عنهم من دلالات المصحف الشريف الذي هو ولا ريب أساس التّشريع والأحكام لهذه الأمة عبر تاريخها التّشريعي. وهكذا فقد تبدّت لي معالم البحث الذي تخيّرته، ووافقت عليه الجامعة الكريمة، وعيّنت مديرها العلامة الدكتور أحمد علي الإمام مشرفا على الرسالة، ثم التمست الجامعة الكريمة من الأستاذ الدكتور المفسّر وهبة الزحيلي أن يتكرّم بمتابعة الإشراف العلمي على الرّسالة (١). ولدى موافقته الكريمة فإنني أكون استوفيت أسباب هذه الدراسة، والتي أعدّ نفسي قد شرعت فيها منذ وقت طويل. وعقب جلسات متواصلة خصّني بها أستاذي الدكتور وهبة، وجلّى لي فيها أصول البحث العلمي ووسائله، وحدّد لي منهج البحث وخطوطه العريضة استعنت بالله تعالى وشرعت بالمقصود. ويمكن تحديد أغراض الرّسالة في المقاصد التالية (٢): أولا: تقديم الأدلة العلمية الواضحة على أن الوحي هو المصدر الوحيد للقراءات المتواترة على اختلاف وجوهها، وبيان أنه ليس لأئمة القرّاء أدنى اجتهاد في اختراع أي وجه، أو ترجيح متواتر على متواتر. ثانيا: مناقشة الفكرة الشائعة حول التصنيف الثلاثي للقراءات: متواتر وآحاد وشاذ، وتقديم الأدلة والحجج على وجوب المصير إلى تسمية ثنائية وهي: متواتر وشاذ فقط. ثالثا: دفع توهم التناقض بين الرسم القرآني العثماني وبين الفرشيات المختلفة (وهي الكلمات التي قرئت على غير مثال، ولا تنمى إلى أصول قواعدية) الواردة بالتواتر، والتي يلزم التسليم بثبوتها عن المعصوم ﷺ .

стр. 8

رابعا: إجراء مسح دقيق للمواضع التي اختلفت فيها المصاحف التي وزعها عثمان ﵁ في الأمصار، وتحقيق ضبط عددها، وإظهار أهمية معرفتها وحصرها. خامسا: مناقشة الفكرة الشائعة بأن علم القراءات وقف على أهل الاختصاص؛ وهو توهم يدفع كثيرا من الباحثين إلى تجنّب الخوض في أي من مسائل علم القراءات على أساس أن هذا العلم ممنوع على غير أهله. - ولأجل ذلك فقد عقدت عدة فصول تضع هذا العلم بين يدي الراغبين بالاطلاع عليه من الباحثين بأسلوب قريب يتيح للباحث الاطّلاع على الضروري من مسائل هذا العلم؛ مع تسليمنا بأن الاختصاص في هذا الفن والإحاطة بمسائله يحتاج إلى تفرّغ تام (١). سادسا: بيان أثر القراءات المتواترة في المعارف الإسلامية من جوانب أربعة: - الرسم القرآني، ودور هذه القراءات المتواترة في حفظ بعض الحروف التي لا نجدها في الرسم العثماني الشائع اليوم، وكذلك تحديد مسئولية القراء والحفاظ في ضبط ذلك. - اللغة العربية، ودور هذه القراءات المتواترة في حفظ بعض اللهجات العربية التي توشك أن تندثر. - الأحكام الاعتقادية، وفائدة هذه القراءات المتواترة في كشف بعض مجملات التنزيل، والمساعدة على توضيح مراد المولى سبحانه فيها. - الأحكام الفقهية، وفائدة هذه القراءات المتواترة في تقرير بعض الأحكام الشرعية التي لا يمكن الاستدلال لها بالقراءة الواحدة. وقد تقدمت في أعقاب هذه الدراسة بجملة من الملاحق والاقتراحات التي تتصل بهذه المقاصد، وتضعها في موضع التحقيق بإذن الله. كما ألحقت بالبحث صورا هامة لمجموعة من المخطوطات القرآنية النادرة التي اعتمدت عليها في تقرير ما وصلت إليه، خاصة فيما يتصل بأثر القراءات في حفظ الرسم القرآني.

стр. 9

ولن يفوتني هنا أن أتوجّه بالشكر إلى معالي فضيلة الدكتور الشيخ أحمد علي الإمام مدير جامعة القرآن الكريم، لما وجدته لديه من علم وحلم، وسعة اطّلاع في مدار البحث الذي طرقته، إضافة إلى ما لمسته فيه من أخلاق العلماء وتواضعهم. وأكرّر الشكر للأستاذ الكبير، الفقيه المفسّر، الدكتور وهبة الزحيلي لتفضّله بالإشراف على هذه الرسالة، ولا شك أن ذلك مدعاة شرف وافتخار لأي باحث يجتهد في خدمة علوم الشريعة المطهرة. وكذلك أخصّ بالشكر الأستاذ الدكتور عباس المحجوب عميد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي، والداعية الإسلامي المؤثر، لما كان يرعاني به من تشجيع وتوجيه، ولما رأيته فيه من فطرة واعية رائدة لطموحات شباب الصحوة الإسلامية. والله أسأل أن يلهمني فيما قدمته الرشد، ويجنبني الزلل، ويكتب لي التوفيق فيما أرتجي، وما توفيقي إلا بالله ... ربّنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم. محمد الحبش دمشق في ١/ شعبان/ ١٤١٦ الموافق ٢٠/ ١٢/ ١٩٩٥

стр. 10

الباب الأول علم القراءات

стр. 11

الفصل الأول معنى القراءات وغاياتها المبحث الأول تمهيد في الحفظ الإلهي للنّص القرآني أنزل الله سبحانه القرآن الكريم رسالة عامة خاتمة، وجعل فيها سعادة الدارين، وحدّد للناس منهج حياتهم في الدنيا والآخرة. ولن تجد في وصف هذا الكتاب العظيم أبلغ من قول الله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٥٩/ ٢١]. وأوجز النّبي ﷺ خصائص هذا الكتاب العظيم بقوله: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن الرّد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته عن أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجنّ: ٧٢/ ١ - ٢]، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (١).

стр. 12

وفي رواية: «إن القرآن لا يليه من جبار فيعمل بغيره إلا قصمه الله، ولا يبتغي علما سواه إلا أضلّه الله، ولا يخلق عن ردّه، وهو الذي لا تفنى عجائبه، من يقل به صدق، ومن يحكم به يعدل، ومن يعمل به يؤجر، ومن يقسم به يقسط» (١). وفي رواية: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، ونبأ ما هو كائن بعدكم، وفيه الحكم بينكم، وهو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الصراط المستقيم، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب» (٢). وقد أجمع العلماء على مبدأ عصمة النّص القرآني من الزّيغ والعبث والأهواء، وأيقن الباحثون أن النّص الذي تنزل به جبريل الأمين على النبيّ ﷺ هو النّص عينه الذي قرأه الناس في القرون الخالية وهو الذي يقرؤه الناس اليوم. ومع أن كثيرا من الباحثين الغربيين تناولوا بالنقد والتحليل والجرأة سلامة النصوص المقدسة، وجزموا بتحريف كثير منها، غير أنهم لم يطالوا بنقدهم سلامة النّص القرآني إلا ما كان من بعض أصحاب الهوى الذين لم يجدوا من يهتم بأقوالهم وأفكارهم التي تفتقر إلى أدنى درجات التحقيق العلمي. ولعل أوضح تجربة معاصرة في هذا الاتجاه هي ذلك البحث العلمي الرصين الذي قام به المفكر الفرنسي (موريس بوكاي) تحت عنوان: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، والذي انتهى من خلاله- وعلى طريقة البحث الموضوعي المجرد- إلى إثبات التحريف في التوراة والإنجيل، ثم إثبات سلامة النّص القرآني من أي تبديل أو تحريف أو تغيير. وقد لخّص (موريس بوكاي) نتيجة بحثه بقوله: «إن لتنزيل القرآن تاريخا يختلف تماما عن تاريخ العهد القديم والأناجيل. فتنزيله يمتدّ على مدى عشرين عاما تقريبا، وبمجرد نزول جبريل به على النّبي ﷺ كان المؤمنون يحفظونه

стр. 13

عن ظهر قلب، بل قد سجّل كتابة حتى في حياة محمد ﷺ . إن التّجمعات الأخيرة للقرآن التي تمت في خلافة عثمان، فيما بين اثني عشر عاما وأربعة وعشرين عاما بعد وفاة النّبي ﷺ قد أفيدت من الرقابة التي مارسها هؤلاء الذين كانوا يعرفون النّص حفظا. بعد أن تعلّموه في زمن التّنزيل نفسه، وتلوه دائما فيما بعد، ومعروف أن النّص منذ ذلك العصر قد ظلّ محفوظا بشكل دقيق، وهكذا فإن القرآن لا يطرح مشاكل تتعلق بالصحة. إن القرآن- وقد استأنف التنزيلين اللذين سبقاه- لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البارزة في مختلف صياغات الأناجيل، بل يظهر أيضا لكل من يشرع في دراسته بموضوعية، وعلى ضوء العلوم طابعه الخاص، وهو التوافق التام مع المعطيات العلمية الحديثة، بل أكثر من ذلك- ولما أثبتناه- يكشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنسانا في عصر محمّد ﷺ قد استطاع أن يؤلّفها، وعلى هذا، فالمعارف العلمية الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن. إن مقارنة عديد من روايات التوراة مع روايات الموضوعات نفسها في القرآن، تبرز الفروق الأساسية بين دعاوى التوراة غير المقبولة علميّا، وبين مقولات القرآن التي تتوافق مع المعطيات الحديثة (١). وهذا التسليم بموثوقية النّص القرآني تظاهرت عليه الأدلة من العقل والنّقل والواقع، إلى حدّ لا مزيد عليه، وحسبك من ذلك أن نسخ القرآن العظيم التي تطبع اليوم في العالم، وتتجاوز نسخها آلاف الملايين، لا يختلف بعضها عن بعض في كلمة أو حرف أو نقطة أو شكل. ولعل المنفذ الوحيد الذي اتّخذه خصوم القرآن منفذا للحديث عن اختلاط مزعوم في النّص القرآني هو مسألة القراءات القرآنية، حيث يتوهم هؤلاء أنها ثغرة في عصمة النصوص، وأن الإقرار بها يستلزم القول بتوهين سلامة النّص القرآني، ووجود فقرات بشرية من صنع القرّاء ضمن التّنزيل القرآني الحكيم. ولعل الإجابة على هذا السؤال عينه هي التي كانت وراء اختياري هذه الدراسة.

стр. 14

المبحث الثاني الوحي هو المصدر الوحيد للقراءات المتواترة ينبغي أن ننبّه هنا على أن أي جهد نبذله في خدمة القراءات هو في الحقيقة؛ جهد في خدمة الوحي الأمين الذي جاءت عبره القراءات المتواترة؛ ذلك أن القراءات القرآنية المتواترة جميعا، قرأ بها النّبي ﷺ أصولا وفرشا، وقد تلقّاها عنه ﷺ خيار أصحابه من بعده وأقرءوا بها الناس، وبذلك فإن سائر القراءات المتواترة توقيفية، لا مجال فيها لأدنى اجتهاد. فالنّبي ﷺ هو الذي أقرأ أصحابه بتحقيق الهمزات وبتسهيلها، وكذلك بالفتح وبالإمالة، وبالإدغام وبالإظهار، وغير ذلك من أبواب القراءة المأذون بها والمروية بالتواتر، وهو الذي أذن بإقراء هذه الكلمة بوجه، وتلك بوجهين، وتلك بثلاث، وغيرها بأربع ... إلخ. وجرى كل وجه جاء به النّبي ﷺ في القراءة على أنه وحي معصوم، له ما لأخيه من منزلة في الحجة والدلالة وجواز التّعبّد به. وفي ذلك شاعت القاعدة المشهورة لعلماء القراءة: تعدد القراءات ينزل منزلة تعدد الآيات (١). وهكذا فإن القراءات المتواترة جميعا هي قراءة النّبي ﷺ ، ولا قيمة لأي قراءة لم تحظ بالإسناد المتواتر، المتصل إلى النّبي ﷺ ، وليس للأئمة القرّاء أدنى اجتهاد أو تحكم في نص القراءة المقبولة؛ بل إن مهمتهم تنحصر في ضبط الرواية وتوثيق النقل، وكان غاية ما فعله هؤلاء الأئمة أن تخصّص كل واحد منهم بنوع من أنواع القراءة التي سمعها عن أصحاب النّبي ﷺ كما نقلوها عنه ﷺ ، وخدمها، وتفرغ لإقرائها وتلقينها، فنسبت إليه لا على سبيل أنه أنشأها وابتكرها؛ بل على سبيل أنه قرأ بها وأقرأ عليها، وإلا فالمنشأ واحد وهو المصطفى ﷺ عن الروح الأمين عن ربّ العالمين. وهذه الحقيقة هي محلّ اتفاق بين علماء هذه الأمة، لم يقل بخلافها أحد، وسائر ما نقل عن المتقدمين محمول على أمر واحد لا غير؛ هو عدم ثبوت التواتر لديهم، كما سنأتي على تفصيله فيما بعد.

стр. 15

المبحث الثالث حكمة القراءات إذا استقرّ لديك اليقين على أن هذه القراءات المتواترة جميعا قد قرأ بها النّبي ﷺ وأقرأها؛ لم يكن لك أن تتوقف في إيمانك على العلة التي أدت إلى ذلك التّعدد، ولا أن تسأل عن الضرورة التي ألجأت إليه، فهو وحي أمين، وهي إرادة الله ، وهو لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢١/ ٢٣]. ولكن التسليم بربانيّة مصدر هذه القراءات في سائر وجوهها لا يتناقض مع البحث عن حكمها وأسرارها ودلالاتها، وهي التي يمكن أن يتلمسها المرء لدى دراسته لوجوه هذه القراءات ومعانيها. والنتيجة التي ينتهي إليها كل باحث، من خلال قراءة واقع اللغة العربية قبل الإسلام، هي أن اللغة العربية كانت في حالة مخاض عسير، ولم يكن بالإمكان تصوّر ما تنجلي عنه تلك الحالة الصعبة، فقد ترسّخت العقدة القبلية لدى كثير من العرب، وحلّت محلّ الإحساس القومي، وتوزع كثير من العرب في ولاءاتهم بين الفرس والرّوم والحبشة، وظهرت فيهم تيارات محلية ضمن قوقعة الذات؛ تدعو إلى إحلال اللهجات المحلية محل اللغة العربية الشاملة، وظهرت حينئذ لهجات عربية ضالّة لا يمكن أن تلتقي على أصول واحدة إلّا مع استثناءات كثيرة تفوق الحصر وتخرج عن المنهج المطّرد. ومما وصل إلينا من أشكال التقارب بين اللهجات العربية على سبيل المثال: كشكشة تميم، وسكسكة بكر، وشنشنة تغلب، وغمغمة قضاعة، وطمطمانية حمير، ورتة العراق، وهي كما نرى لهجات منسوبة إلى قبائل بعينها. وثمة انحرافات لغوية أخرى لم تنسب إلى قبائل بعينها، ولكنها كانت شائعة فاشية، كالفأفأة، واللثغة، والغنّة، واللّكنة، والعقلة، والحبسة، والتّرخيم، والتّمتمة، واللفف، والارتضاخ، والرّطانة.

стр. 16

ويطول بنا البحث لو أردنا أن نسرد أشكال الانحرافات التي انتهت إليها لهجات القبائل المتوزعة في أطراف الجزيرة العربية، ولعل من أهمها ما كشفت عنه الحفريات في جنوب الجزيرة العربية، حيث ثبت أن بعض عرب اليمن كانوا ينطقون ويكتبون لغة عربية، ولكن من دون الحروف الصوتية الثلاث: الألف، والواو، والياء ... !! ولقد نقل ابن عبد ربه وجوه هذه الانحرافات في موسوعته الكبيرة المسماة: العقد الفريد، وفيما يلي أنقل لك كلامه بنصه كما أورده في باب خاص، عقده تحت عنوان: آفات النّطق: «قال أبو العباس محمد بن يزيد النّحوي: التمتمة في المنطق: التّردد في التاء، والعقلة: التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة: تعذر الكلام عند إرادته، واللفف: إدخال حرف في حرف، والرّتة كالرّتج: تمنع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل به، والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف. فأما الرّتّة: فإنها تكون غريزية. قال الراجز: يا أيّها المخلّط الأرتّ وأمة الغمغمة: فإنها قد تكون من الكلام وغيره، لأنها صوت من لا يفهم تقطيع حروفه. واستأنف فقال: والطمطمة: أن يعدل بحرف إلى حرف، والغنّة: أن يشرب الحرف صوت الخيشوم، والخنّة: أشدّ منها، والتّرخيم: حذف الكلام، والفأفأة: التّردد في الفاء. وأما كشكشة تميم: فإن بني عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنث فوقفت عليها أبدلت منها شينا لقرب الشين من الكاف في المخرج. وأما سكسكة بكر: فقوم منهم يبدلون من الكاف سينا كما فعل التميميّون في الشين. وأما طمطمانية حمير ففيها يقول عنترة: تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزم يمانية لأعجم طمطم» (١) بل أخذت الانحرافات اللغوية أشكالا أبعد من ذلك حتى شاع لديهم تسميتها باللغات: لغة

стр. 17

هذيل، ولغة قيس، ولغة كندة، وإن كنا نرى أن تسميتها باللغات ليس منهجا مستقيما؛ إذ لم تخرج في عمومها عن مفردات العرب، ومناهج نطقهم. وذلك كله قبل الإسلام حيث كانت اللغة في مهدها في جزيرة العرب، وبوسعك أن تتصور مستقبل لغة فيها هذه الفوارق منذ أكثر من ألف وأربع مائة عام ... ! خصوصا إذا خرجت هذه اللغة عن إطارها التقليدي ضمن الجزيرة العربية لتمتد من خراسان وأذربيجان إلى الهلال الخصيب فالأندلس مرورا بالشمال الأفريقي كله، لا شك أنها ستصبح حينئذ ركاما هائلا من اللغات واللهجات التي لا يضبطها ضابط ولا يجمعا قانون. ومرارا كانت تأتي وفود العرب إلى النّبي ﷺ فتحدثه بلهجاتها ولغاتها فيخاطبها النّبي ﷺ بما تعوّدته من لهجاتها، فيكون ذلك مثار دهشة الأصحاب وعجبهم. من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، أن وفدا من حمير جاءوا إلى النّبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله أمن امبر امصيام في امسفر؟ فقال ﷺ : «ليس من امبر امصيام في امسفر». وتعجب الأصحاب مما سمعوا، حتى تبين لهم أن الوفد حي من العرب يبدلون اللام ميما، والميم لاما. وكان سؤالهم: أمن البر الصيام في السفر؟ فجاء جواب النّبي ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (١). ولولا القرآن الكريم، ودقة الضبط في روايته، وتلقيه ضمن حدود القراءات، لأصبحت العربية أثرا بعد عين، ولصار جمع العرب على لغة واحدة أشبه بجمع شعوب القارة الأفريقية اليوم على لغة واحدة. ولا ينبغي أن نتصور جراء ذلك أن العرب كانوا عطلا عن البلاغة والبيان، فذلك ما لم نقله ولم نقصد إليه، فقد أوتي العرب الفصاحة والبلاغة، وتبوأ خطباؤهم وشعراؤهم منزلة رفيعة في الترتيب الطبقي للقبيلة، وسارت بقصائد شعرائهم الركبان، وعلّقت روائعهم على جدران الكعبة، ولا تزال إلى اليوم تلهم النّقاد والأدباء ما رقّ ودقّ، وعزّ وشقّ من لطيف العبارة،

стр. 18

وعجيب البيان. ولكنهم على ذلك لم يكونوا يمتلكون كتابا أمّا يرجعون إليه في تمييز الصحيح من الدّخيل، ويقعّدون على أساسه قواعد نطقهم. كذلك فإنهم لم يعدموا لسانا مفهما، يتحاورون فيه، ويتبادلون على أساسه حوائجهم ومعارفهم وخبراتهم، ولكن إرهاصات الشقاق اللغوي كانت قد تهيأت تماما، ومضت في سبيلها المتناكس، وشجع على ذلك نمو العصبية القبلية، والاتصال بالعجم، وغياب أي شكل جدّي من أشكال الوحدة العربية المطلوبة. وبوسعك أن تتصور أي مستقبل كان ينتظر اللغة العربية في ضوء هذه المعطيات، لولا الثورة اللغوية التي أعقبت نزول القرآن الكريم، وانتشار قرّائه وحفّاظه في الأمصار، يجمعون الناس على منهج واحد، وبهم تبوأت اللغة العربية مكانها، وتأصّل الصحيح محل ما يجب هدمه من رطانة وانحراف، ولغات ضالة لا تنتمي إلى أصول الكلام العربي. وأمّا اللهجات العربية المحترمة، فقد تكفلت بحفظها القراءات القرآنية، التي أذن بها رسول الله ﷺ ، ولدى الاستقراء فإنك تجد أنها تحتوي على كثير من اللهجات العربية، ولكنها محكومة بضابط من القواعد يمكن ردّها إليها، والاحتكام على أساسها. لقد كانت اختيارات النّبي ﷺ في أمر القراءة المأذون بها، تتم فيما يمكن تسميته بمطبخ اللغة العربية على أساس الإجماع العربي، حيث تمّ تمييز الاصيل من الدّخيل من كلام العرب، وأمكن حينئذ أن تبدأ جهود علماء اللغة في تأصيل القواعد وتحريرها، الأمر الذي نتجت عنه علوم النحو والصرف والبلاغة والعروض وما لحق بها من معارف تفصيلية جعلت لغة العرب من أضبط اللغات قواعدا، وأكثرها تعليلا، وأوضحها معالجة. وعلى ضوء ذلك تمّ ترتيب البيت الداخلي للسان العرب، وتوفرت الوثيقة المعتمدة لضبط اللسان العربي- وهي القرآن الكريم- وفق ما رتّله النّبي ﷺ من وجوه القراءات، وتلقّاه عنه أصحابه الكرام. وهكذا فقد أصبحت الجزيرة العربية تعتمد لسانا عربيا واحدا، مهما اختلفت فيه من شيء ردته إلى الكتاب الإمام، بعد ذلك التفت العرب إلى أراضيهم المسلوخة عنهم في بلاد الشام والعراق والشمال الإفريقي، وقد تزاحمت فيها رطانات الأمم الغالبة، حتى لم يبق للعربية أثر يذكر في لغة

стр. 19

الحياة، فكانت بلاد الشام تتكلم لغات محلية إقليمية وأجنبية، فيها الآرامي، والسّرياني، والرّومي، وكان أهل العراق يتكلمون لسانا فارسيّا، وكان لبنان فينيقيّا، وكانت مصر ضائعة في لهجاتها الفرعونية القبطية والرومية، وكان الشمال الإفريقي يتكلم لسانا بربريا. على الرغم من الأصول العربية المؤكدة التي تنتمي إليها هذه الشعوب، ولم يكن ثمة شيء يكفل أن تعود تلك الشعوب إلى لسانها العربي بعد أن تركته قرونا كثيرة، لولا أن تمت نعمة الله على هذه الأمة بنزول القرآن الكريم، ولولا توفر الإرادة الكافية لدى الرعيل الأول في العهدين الراشدي والأموي لجمع القرآن العظيم- وثائق ومشافهات- ليصبح من ذلك الحين عماد اللسان العربي في النحو والنطق (١). كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصّلت: ٤١/ ٣]. وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرّعد: ١٣/ ٣٧].

стр. 20

المبحث الرابع الأصل اللغوي لكلمة (قراءة) القراءات جمع قراءة؛ من قرأ، وجرى إطلاق السلف لفظة (قراءة) للتعبير عن صنيع القرّاء في أداء نصّ القرآن المجيد. وقرأه يقرؤه قرءا وقراءة وقرآنا، والقراءة في اللغة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته- سمي القرآن قرآنا لأنّه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات- السور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغفران والكفران، واستقرأه: طلب إليه أن يقرأ، وأورد ابن منظور في اللسان عن ابن مسعود: تسمعت للقرأة فإذا هم متقارءون، أي يسمع بعضهم قراءة بعض. ولكني أرجح هنا اختيار السيوطي الذي ذهب إلى أن كلمة (قرآن) وضع إلهي، وليست اشتقاقا لغويا، ولذلك فإن الصحابة تحرجوا من جمعها على الجموع القياسية، واختاروا بدلا من ذلك كلمة: مصحف ومصاحف. وقد وجد الاصطلاح سبيله إلى هذا المعنى اللغوي، فأصبحت كلمة قراءة إذا أضيفت إلى واحد من أعلام القرّاء تدلّ على منهج معين لهذا القارئ في التّلقي والأداء، أو في فرش بعض الحروف (١). واشتهر من الصحابة قارئون كثير، فكان يقال: قراءة ابن مسعود، وقراءة أبيّ، وقراءة زيد بن ثابت، وقراءة أم سلمة. ولم تكن تلك القراءات تؤدي المعنى ذاته الذي أصبحت تؤديه فيما بعد، إذ لم يكن لكل صحابي أصول وفرش ينفرد به عن إخوانه، كما أن التدوين لم ينهض بوصف اختياراتهم في سائر الآي، بل غاية ما وصلنا عنهم اختيارات في قراءة بعض الآيات، أو انتهاج بعض الأصول.

стр. 21

المبحث الخامس الأصل الشّرعي لكلمة (قراءة) ولعل أقدم النصوص التي أشارت إلى تسمية الاختيار في التلاوة قراءة، ذلك الحديث المشهور المروي في الكتب الصحاح ونصّه: عن عمر ﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ؛ فكدت أساوره في الصلاة فانتظرته حتى سلّم فلبّبته (١)، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت له: كذبت، فو الله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك. فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ أقوده، فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وإنك أقرأتني سورة الفرقان. فقال: يا هشام اقرأها، فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأتها التي أقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله ﷺ : «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه» (٢). وهكذا فإن الأصحاب رضوان الله عليهم أطلقوا لفظ (قراءة) على ما تخيره القرّاء من تلاوات النّبي ﷺ من القرآن الكريم. ولم تجد هذه القراءات سبيلها إلى التدوين؛ إذ لم يجتمع للصحابي مذهب مستقلّ في الأصول والفرش؛ بل هي اختيارات متفرقة تلقوها عن المعصوم ﷺ في مناسبات متعددة. ويكشف لك الحديث السابق عن الإذن الشرعي الصادر من النّبي ﷺ ، والذي يأذن فيه للصحابة الكرام برواية القرآن الكريم عنه مع التّفاوت في الأداء أصولا وفرشا.

стр. 22

وثمة أحاديث أخرى في قراءة الصحابة بالقراءات نورد منها: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (١). وروى مسلم بسنده عن أبيّ بن كعب أن النّبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل ﵇ فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على حرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» (٢). وأخرج الإمام أحمد بسنده، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو أنّ رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنّبي ﷺ فقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا، أي لا تشكوا ولا تجادلوا» (٣). ويجب القول: إن المستند الشرعي للإقراء بالقراءات لا يقف عند حدود ما أوردناه من نصوص السّنة الشريفة، وهي في أعلى درج الصحيح، بل إن أقوى مستند لهذا الوجه إنما هو ذلك التواتر الذي تؤدى به هذه القراءات، وهو الذي لا رتبة فوقه من التواتر، والذي ما زالت جماهير الأمة تتلقاه وتلقّيه منذ عصر النّبوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 23

المبحث السادس القراءات والأحرف السبعة يقترن اسم القراءات بالأحرف السبعة، ويتبادر إلى الأذهان أن القراءات هي الأحرف، وبخاصة بعد أن اشتهرت القراءات السّبع في الأمصار، وأصبح الناس يتحدثون عن قراءات سبع، وأحرف سبعة. والأحرف السبعة هي التي جاء الحديث الصحيح بالإشارة إليها في قول النّبي ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسر» (١). وقد روي هذا الحديث عن جمع كبير من الصحابة (٢)، فقد روى الحافظ أبو يعلى: أن عثمان ﵁ قال يوما وهو على المنبر: «أذكّر الله رجلا سمع النّبي ﷺ قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك، فقال عثمان ﵁: وأنا أشهد معهم» (٣). وتوافق هذه الجموع التي لم تحص عددا على هذا الموضوع حمل بعض الأئمة على القول بتواتر الحديث، وفي طليعة هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام، وإذا لم يتوافر التواتر في الطبقات المتأخرة؛ فحسبنا صحة الأحاديث التي ذكرناها مؤكّدا لهذه الحقيقة الدينية التي نطق بها رسول الله ﷺ . ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة (٤). واختار القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني هذا الرأي وقال: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ ، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا (٥).

стр. 24

و (الأحرف) - وهي جمع حرف- الوارد في الحديث تقع على معان مختلفة، فقد تكون بمعنى القراءة كقول ابن الجزري: «كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر» (١)، وقد تفيد المعنى والجهة (٢) كما يقول أبو جعفر محمد بن سعدان النّحوي (٣). وحكي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي (٤) شيخ العربية أن القراءات هي الأحرف (٥)، ولن تجد كتابا تعرض لهذه المسألة إلا أشار لهذا القول بالتوهين والتضعيف. وأحب هنا أن أوضح رأي العلامة الجليل الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهو بلا ريب إمام العربية وحجة النّحاة، ولا شك أن انفراده بالرأي هنا لم ينتج من قلة إحاطة أو تدبر، ومثله لا يقول الرأي بلا استبصار، وانفراد مثله برأي لا يلزم منه وصف الرأي بالشذوذ أو الوهن! وغير غائب عن البال أن الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي توفي عام (١٧٠ هـ)، لم يدرك عصر تسبيع القراءات، حيث لم تشتهر عبارة القراءات السبع إلا أيام ابن مجاهد (٦)، وهو الذي توفي عام ٣٢٤ هـ. ولم يكن الخليل بن أحمد يعني بالطبع هذه القراءات السبع التي تظاهر العلماء على اعتمادها وإقرارها بدءا من القرن الرابع الهجري، ولكنه كان يريد أن ثمة سبع قراءات قرأ بها النّبي ﷺ ،

стр. 25

وتلقّاها عنه أصحابه، ومن بعدهم أئمة السّلف، وهي تنتمي إلى أمهات قواعدية لما يتيسر من يجمعها بعد- أي في زمن الخليل- وأنها لدى جمعها وضبطها ترتد إلى سبعة مناهج، وفق حديث النّبي ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف». وهذا الفهم لرأي الخليل هو اللائق بمكانته ومنزلته العلمية، وهو المتصور في ثقافته ومعارفه زمانا ومكانا، وبه تدرك أنه لم يكن يجهل أن عصر الأئمة متأخر عن عصر التنزيل، وهو أمر لا يجهله أحد. وكذلك أشير هنا إلى رأي شيخ المفسّرين، الإمام الطبري (١)، الذي كان يرى أن الأحرف السبعة منهج في الإقراء أذن به النّبي ﷺ زمنا ثم نسخه قبل أن يلقاه الأجل، وهكذا فقد مات النّبي ﷺ وليس بين الناس إلا حرف واحد، وأن هذه القراءات المتواترة اليوم مهما بلغت كثرة إنما تدور ضمن هذا الحرف الواحد الذي أذن النّبي ﷺ بالإقراء والرواية به (٢). ومن أدلّته على نسخ الأحرف السبعة أنها لو كانت قرآنا باقيا لم تكن لتخفى عن الأمة بعد أن تعهّد الله سبحانه بحفظ كتابه العظيم في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ١٥/ ٩]، وكذلك حصول الاختلاف في فهمها، وتحديد المراد بها، وقد قال الله سبحانه: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النّساء: ٤/ ٨٢]. ومن أدلّته على ذلك أن المروي عن السّلف في الأحرف السبعة لا يتفق والرسم القرآني، فلم يكن ثمة مندوحة من القول بنسخ ذلك، وقد نقل مكي بن طالب القيسي في الإبانة رأي الطبري فقال: «يذهب الطبري إلى أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إنما هي تبديل كلمة في موضع كلمة، يختلف الخط بهما، ونقص كلمة، وزيادة أخرى، فمنع خط المصحف المجمع عليه مما زاد على حرف واحد لأن الاختلاف- عنده- لا يقع إلا بتغيير الخط في رأي العين.

стр. 26

فالقراءات التي في أيدي الناس اليوم كلها عنده حرف واحد من الأحرف السبعة التي نصّ عليها النّبي ﷺ ، وستة الأحرف الباقية قد سقطت، وبطل العمل بها بالإجماع على خط المصحف المكتوب على حرف واحد» (١). وقد لخص الطبري مذهبه بقوله: «فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية» (٢). والخلاصة أن اختيار الطبري متجه إلى أن الأحرف السبعة رفعت من القرآن الكريم، وأنها كانت إذنا من الله يتضمن التخفيف عن الأمة حتى إذا هدمت حواجز كثيرة كانت تحول بين قبائل العرب، ردّهم الله إلى حرف واحد، ولكنه أذن أن يقرأ هذا الحرف بلهجات مختلفة هي القراءات التي ثبتت إلى المعصوم ﷺ تواترا وأداء. وقد نصّ الطّبري على هذا التّعليل بعينه حين قال: «فاستوسقت (٣) له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف السّتة التي عزم عليها إمامها العادل في تركه، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملّتها، حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها، وتتابع المسلمين إلى رفض القراءة بها من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها» (٤). وبعد تفصيل رأي الفراهيدي، واختيار الطبري أضع بين يديك اختيار الجمهور، فقد رأى جمهور المفسّرين أن الأحرف السبعة باقية في التنزيل، وقد استوعبتها المصاحف العثمانية، وما هي إلا تحديد لوجهة الاختلاف في أداء الكلمة القرآنية، وفق ما أذن به النّبي ﷺ . وقد اعتبر الإمام أبو الفضل الرازي (٥) ممثلا لرأي الجمهور، وقد نهج من جاء بعده على منواله في اختياره، وننقل لك هنا اختياره كالتالي: الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:

стр. 27

الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث، مثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [المؤمنون: ٢٣/ ٧]. قرئ هكذا: لِأَماناتِهِمْ جمعا وقرئ لأمانتهم بالإفراد. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر. مثاله: قوله تعالى: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ٣٤/ ١٩]، قرئ هكذا بنصب لفظ (ربّنا) على أنه منادى، وبلفظ (باعد) فعل أمر، وقرئ هكذا (ربّنا بعّد) برفع (ربّ) على أنه مبتدأ، وبلفظ (بعد) فعلا ماضيا مضعّف العين، جملته خبر. الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، مثاله: قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢/ ٢٨٣]، قرئ بفتح الراء وضمّها، فالفتح على أن (لا) ناهية، فالفعل مجزوم بعدها، والفتحة الملحوظة في الراء هي فتحة إدغام متماثلين. أما الضّم فعلى أنّ (لا) نافية، فالفعل مرفوع بعدها. الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة: مثال: قوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [اللّيل: ٩٢/ ٣]. قرئ بهذا اللفظ وقرئ أيضا: (والذكر والأنثى) بنقص كلمة (ما خلق). الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير: مثاله: قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ [ق: ٥٠/ ١٩]، وقرئ (وجاءت سكرة الحق بالموت). السادس: الاختلاف بالإبدال: مثاله: قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢/ ٢٥٩] بالزاي وقرئ (ننشرها) بالرّاء. السابع: اختلاف اللغات (اللهجات) كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام ونحو ذلك، مثاله قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ [القيامة: ٧٥/ ٤]، قرئ بالفتح والإمالة في لفظ (بلى).

стр. 28

وعلى اختيار الرازي هذا جاءت آراء جماهير علماء القرآن، وأشهر من حرر هذه المسألة ابن قتيبة (١) في (المشكل)، والطيب الباقلاني (٢) في (الإعجاز)، وابن الجزري (٣)، وإن يكن لكل واحد منهم وجه انفراد، غير أنهم التزموا منهج الوجوه السبعة المذكورة مع تغيير طفيف. ونطوي القول في مسألة القراءات والأحرف عند هذا الحد، مع أننا لم نحسم الجدل المستمر في تحقيق ضوابط ما بين القراءة والحرف، إذ ليس ذلك من شرط هذه الدراسة، ولكن الاطّلاع على الأقوال المختارة في الباب يكشف لنا عن سبيل الإحاطة بهذه المعارف، وبحسبي أن أجزم هنا أن الأحرف السبعة الواردة في السّنن الصّحاح هي معنى آخر في التّنزيل، متّصل بالأداء، مختلف عن معنى القراءات ودلالته.

стр. 29

الفصل الثاني تاريخ القراءات المبحث الأول القراءات في زمن الرسول ﷺ أصبح من المسلّم به- كما رأينا- أن باب الاجتهاد منقطع تماما فيما يتعلق برواية القرآن الكريم- تلاوته وأدائه- وليس لعلماء القراءة في هذا الباب أدنى اجتهاد، إلا في حدود ضبط الرواية عن المعصوم ﷺ . وبذلك فإن سائر القراءات المتواترة قرأ بها النّبي ﷺ وأقرأ عليها، ويلزم التسليم هنا أن النّبي ﷺ قرأ بتحقيق الهمزات، وقرأ بتسهيلها، وقرأ بتغييرها، وقرأ بإسقاطها، وقرأ بفتح الألف، والتقليل فيها، واجتماعها، والإمالة فيها، وقرأ بالإدغام الصغير، والإدغام الكبير، وقرأ بالفصل بين الحروف المدغمة. وقرأ كذلك بسائر الفرشيات التي تنسب إلى الأئمة العشرة؛ إذ ثبت بأسانيدهم المتواترة أنهم تلقوا ذلك كله عن النّبي ﷺ . ولم يكن النّبي ﷺ قد قسم هذه الاختيارات إلى وجوه محسومة: سبعة أو عشرة، بل ترك لأصحابه الاختيار منها، بحسب ما تلقوه واستقامت عليه ألسنتهم. ولو قدر أن يكون في عهد الصحابة من يهتم بحسم مسائل القراءة على الوجه الذي نهجته الشيوخ فيما بعد، لانتهى إلى الأمر ذاته الذي انتهوا إليه، ولكنه ﷺ مات وأمر الاختيار هذا مشاع في الأمة، يتخير منه القرّاء من الصحابة ما يرغبون، بشرط أن يكونوا قد سمعوه من المعصوم ﷺ في مقام.

стр. 30

وهكذا فإنّه يمكن القول إن الرسول ﷺ أول شيخ إقراء، تلقى الوجوه جميعا عن جبريل، عن ربّ العزّة ﷻ وتباركت آلاؤه، وهو ﷺ أقرأها كما تلقّاها. وغني عن القول أن أي خلاف كان ينشأ في مسألة من مسائل القراءة كان يحسم مباشرة على وفق تصويب النّبي ﷺ لأحد الوجهين، أو إقراره لهما جميعا. المبحث الثاني القرّاء من الصحابة الكرام لم يكن للصحب الكرام اشتغال بشيء أولى من اشتغالهم بالقرآن الكريم، ولذلك كثر فيهم القرّاء والحفّاظ، ولكن لم يكن أولئك القرّاء بالضرورة على وفق المناهج التي اختارها القرّاء فيما بعد من التّخصص، والجمع بين الوجوه، واستقرائها، وإنما كان محض عبادة يؤدونها على حسب ما سمعوه من النّبي ﷺ ، وكان على علماء التابعين أن يتعقّبوا هؤلاء الأئمة القرّاء ليتخيروا قراءاتهم وفق اختياراتهم ومناهجهم. ونقوم هنا بالتعريف ببعض أئمة القرّاء من الصحابة الكرام بإيجاز، وهم: ١ - أبو بكر الصّدّيق ﵁ (٥١ ق. هـ- ١٣ ه ـ): عبد الله بن عثمان بن عامر بن غالب بن فهر، صاحب رسول الله ﷺ في الغار، وخليفة المسلمين الأول. استمرت خلافته سنتين وأربعة أشهر تقريبا، وهو من حفّاظ القرآن كما نصّ عليه الإمام أبو الحسن الأشعري، وهو أول من آمن برسول الله ﷺ من الرّجال. وهو أقرأ الأصحاب بدلالة إمامته للمسلمين؛ والرسول الكريم- ﷺ يقول: «يوم القوم أقرؤهم للقرآن» (١). ٢ - عمر بن الخطاب ﵁ (٤٠ ق. هـ- ٢٣ ه ـ): هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن غالب بن فهر، القرشيّ، العدويّ، أبو حفص، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين. استمرت خلافته عشر سنين ونصف تقريبا، صاحب الفتوح، ويضرب به المثل في العدل.

стр. 31

قال أبو العالية بن الرياحي: قرأت القرآن على عمر أربع مرات، ﵁ وأرضاه. ٣ - عثمان بن عفان ﵁ (٤٧ ق. هـ- ٣٥ ه ـ): وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشيّ، أبو عبد الله، وأبو عمرو، أمير المؤمنين، ذو النّورين، ثالث الخلفاء الراشدين. زوّجه رسول الله ﷺ ابنته رقية، وبعد وفاتها زوّجه بأم كلثوم. أخذ عنه قراءة القرآن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي (مقرئ الشام)، وأبو عبد الرحمن السّلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو الأسود الدّؤلي. وغيرهم. ٤ - علي بن أبي طالب ﵁ (٢٣ ق. هـ- ٤٠ ه ـ): وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشيّ الهاشميّ، أبو الحسن، ابن عمّ النّبي ﷺ وصهره، وهو أول طفل أسلم، تميّز بالشجاعة والبطولة، وكان يدعى (مدينة العلم)، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وهو من حفّاظ القرآن الكريم، وعرض عليه القرآن كثير من الناس منهم: أبو عبد الرحمن السّلمي، وأبو الأسود الدؤلي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. والأربعة السابقين من المبشّرين بالجنة ﵃ وأرضاهم. ٥ - طلحة بن عبيد الله (٣٨ ق. هـ- ٣٦ ه ـ): وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي، القرشيّ، أبو محمد، أحد المبشّرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، لقّبه الرسول ﷺ بعدة ألقاب منها: طلحة الجود، وطلحة الخير، وطلحة الفياض، وقال فيه مرّة: الصبيح، المليح، الفصيح، ﵁ وأرضاه. ٦ - سعد بن أبي وقاص (٢٣ ق. هـ- ٥٥ ه ـ): هو سعد بن مالك، أبو وقاص، بن أهيب بن عبد مناف، القرشيّ، الزهريّ، أبو إسحاق، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، ويدعى فارس الإسلام، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنة ﵁ وأرضاه.

стр. 32

٧ - عبد الله بن مسعود (ت ٣٢ ه ـ): هو عبد الله بن مسعود بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي، أبو عبد الرحمن، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، ومن علماء الصحابة الكبار عرض القرآن على النّبي ﷺ وعرض عليه خلق كثير منهم: عبيد بن قيس، والحارث بن قيس، وعبيد بن نضلة، وعلقمة، وعبيدة السلماني وغيرهم. كان يقول: حفظت من فيّ رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة. كان يخدم النّبي ﷺ ، ويحمل نعله، ويتولّى فراشه وسواكه وطهوره، وكان النّبي ﷺ يطلعه على أسراره، وهو الذي قتل أبا جهل. كان إماما في تجويد القرآن وترتيله، وإليه تنتهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش. توفي بالمدينة عن عمر يناهز بضعا وستين سنة، ودفن بالبقيع. ﵁ وأرضاه. ٨ - عمرو بن العاص (٥٠ ق. هـ- ٥٨ ه ـ): وهو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، القرشيّ، أبو عبد الله. فاتح مصر، وأحد عظماء العرب، وهو أول من أولي الرأي والحزم، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن الكريم. ٩ - أبيّ بن كعب (ت ٢١ ه ـ): وهو أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد ... بن مالك النّجار الخزرجي، سيد القرّاء. قرأ على النّبي ﷺ ، وقرأ عليه أبو هريرة ﵁، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «أقرؤكم أبيّ». وقرأ عليه من الصحابة أيضا عبد الله بن عباس، وعبد الله بن السائب، ومن التابعين: عبد الله بن عياش، وعبد الله بن حبيب، وأبو العالية الرياحي. ١٠ - أبو هريرة (٢١ ق. ٥٩ ه ـ): وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، من كبار رواة الحديث، أسلم هو وأمّه سنة (٧ هـ). عرض القرآن على أبيّ بن كعب، وتنتهي إليه قراءة أبي جعفر، ونافع. ومناقبه أكثر من أن تحصى، ﵁ وأرضاه.

стр. 33

١١ - عبد الله بن عمر بن الخطاب (١٠ ق. هـ- ٧٣ ه ـ): وهو صحابي جليل، أبو عبد الرحمن، وردت عنه حروف القرآن، وهو من رواة الحديث، هاجر إلى المدينة قبل أبيه، قاتل في حروب الرّدة، واشترك في غزو إفريقيا، وتوفّي بمكة، ﵁ وأرضاه. ١٢ - سالم مولى أبي حذيفة: هو ابن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله، صحابي جليل، أحد الأربعة الذين وثقهم النّبي ﷺ ممن يؤخذ عنهم القرآن إذ قال: «خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة». ﵃ جميعا. ١٣ - زيد بن ثابت (١١ ق. هـ- ٤٥ ه ـ): وهو زيد بن ثابت بن الضّحاك ... ابن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي. مقرئ، فرضي، كاتب النّبي ﷺ ، وأمينه على الوحي، وأحد الذين جمعوا القرآن على عهده، وهو ممن كتب المصحف لأبي بكر الصّدّيق ﵁، ثم لعثمان حين وجهها إلى الأمصار. عرض القرآن على النّبي ﷺ ، وقرأ عليه من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس، وقرأ عليه من التابعين: أبو عبد الرحمن السّلمي، وأبو العالية الرياحي، ويزيد بن القعقاع. ١٤ - معاذ بن جبل (٢٠ ق. هـ- ١٨ ه ـ): وهو معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري، وهو أحد الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد النّبي ﷺ ، وقد وصفه النّبي ﷺ بأنه أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن، توفي في طاعون عمواس بغور الأردن عن ٣٨ عاما ﵁ وأرضاه. ١٥ - عبد الله بن عباس (٣ ق. هـ- ٦٨ ه ـ): ابن عبد المطلب بن هاشم القرشي، أبو العباس، وهو حبر هذه الأمة، وحبر التفسير، حفظ القرآن في عهد النّبي ﷺ ، وعرض على أبيّ، وزيد بن ثابت، وقد دعا له النّبي الكريم ﷺ بعلم التأويل، والفقه في الدين.

стр. 34

أخذ عنه القرآن، وعرض عليه: مولاه درباس، وسعيد بن جبير، وسليمان بن قتيبة، وعكرمة بن خالد، وأبو جعفر. ١٦ - عبد الله بن عمرو بن العاص (٧ ق. هـ- ٦٥ ه ـ): صحابي جليل، حفظ القرآن في حياة الرسول ﷺ ، وهو الذي استزاده ليختمه في ثلاثة أيام، فقال له ﵊: «إنه لن يفقه فيه رجل قرأه في أقل من ثلاثة». ١٧ - عبد الله بن الزبير (١ هـ- ٧٣ ه ـ): وهو عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشيّ، الأسديّ، أبو بكر، صحابي جليل، وهو أول مولود للمهاجرين في المدينة. اشترك في فتوحات فارس ومصر وشمالي إفريقيا. حارب إلى جانب عائشة في معركة الجمل، عاش في المدينة، وعارض خلافة يزيد الأول ابن معاوية فأعلن نفسه خليفة، وبويع في الحجاز، وامتدت خلافته إلى مصر واليمن والعراق وخراسان، وجعل قاعدة خلافته المدينة المنورة. قضى عليه الحجاج الثقفيّ. وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن على قول أبي عمرو الدّاني. ١٨ - عبد الله بن السائب المخزوميّ، أبو السّائب (ت ٧٠ ه ـ): وهو قارئ أهل مكة، وقد روى قراءاته على أبيّ، وعمر بن الخطاب. عرض عليه القرآن: مجاهد بن جبير، وقد قال عنه مجاهد: كنا نفخر بقارئنا عبد الله بن السائب ﵁. ١٩ - أنس بن مالك بن النضر الأنصاريّ، أبو حمزة (ت ٩١ ه ـ): صاحب النّبي ﷺ وخادمه، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ عليه قتادة، ومحمد بن مسلم الزهريّ، ﵁ وأرضاه. ٢٠ - مجمّع بن جارية (ت ٥٠ ه ـ): وهو مجمع بن جارية بن عامر العطاف، الأنصاريّ، الأوسيّ. صحابي جليل، وأحد الذين جمعوا القرآن في عهد النّبي ﷺ ، وكان غلاما حدثا، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن. توفي بالمدينة إبّان خلافة معاوية. ﵁ وأرضاه.

стр. 35

٢١ - ثابت بن زيد (ت ١٢ ه ـ): وهو ثابت بن زيد بن قيس، الأنصاري، الخزرجي، أبو زيد، وهو أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النّبي ﷺ . ٢٢ - سعد بن عبيد (ت ١٦ ه ـ): وهو سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس، الأنصاري، الأوسي، والمكنّى سعد القارئ، وهو أحد الذين جمعوا القرآن على عهد النّبي ﷺ . ٢٣ - أبو الدرداء (ت ٣٢ ه ـ): هو عويمر بن زيد الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة، وأحد الذين جمعوا القرآن على عهد النّبي ﷺ ، وهو أول قاض ولي قضاء دمشق، وكان يجعل القرّاء في جامع دمشق عشرة عشرة، ويجعل لكل عشرة عريفا، وقد جعل ابن عامر عريفا على عشرة، فلما توفي أبو الدرداء خلفه ابن عامر على الإقراء في دمشق. عرض عليه القرآن زوجته أم الدرداء الصغرى، وعبد الله بن عامر، وخالد بن معدان، وخليد بن سعد، وراشد بن سعد. توفي بدمشق، ودفن بها، ﵁ وأرضاه. ٢٤ - حذيفة بن اليمان العبسيّ (ت ٣٦ ه ـ): أبو عبد الله صحابي جليل، يعدّ من الفاتحين الشّجعان، ولاه عمر بن الخطاب على المدائن فتغلب على الفرس في نهاوند عام (٢٣ هـ)، وغزا همذان والرّي. توفي بالمدائن عام (٣٦ هـ)، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن، رضي الله عن حذيفة وأرضاه (١). فهذه أسماء أربعة وعشرين صحابيا كريما، أخذ عنهم التابعون، ورووا قراءتهم، وصاروا فيما بعد إسنادا عاليا لأهل التواتر، ولن تجد اليوم صاحب تواتر إلا وهو يدلي من أحد هؤلاء الصحب الكرام بسبب.

стр. 36

وتجب الإشارة هنا إلى أن ما روي عن الصحابة من اختيارات في القراءة مما لم يدرج في المتواتر ليس له حظ من القبول، ويحرم اعتقاد أنه من القرآن، وهو على كل حال ليس إلا اختيارات لبعض الكلمات لا يجتمع منها بحال نص قرآني كامل، ويجب حمله على أحد الوجوه الثلاثة الآتية: ١ - الطعن في إسناد هذه الرواية، وهذا من باب تحصيل الحاصل، إذ القرآن لا يقبل إلا متواترا، فما لم تندرج هذه الرواية في المتواتر؛ فهي حكما ليست من القرآن الكريم، والمتواتر كله مضبوط محفوظ مدوّن. ٢ - حمل ذلك على أن الصحابي أراد بذلك التفسير، فأدرجه في مصحفه، أو لقنه للمتلقي على أنه تفسير للنّص القرآني وليس جزءا منه. ٣ - حمل ذلك على أنه وهم من الصحابي، أو من الراوي المتلقّي عنه، وأنه لا يقاوم الصحيح المروي عن الصحابي نفسه بأسانيد التواتر المحفوظة. ومن الأمثلة على ذلك المردود مما أورده بعض علماء القراءات: ١ - روي عن علي ﵁: (يريد ينقاص) بدلا من (يريد أن ينقض) (١). ٢ - ونسب إليه أيضا: (فمن خاف من موص حيفا) بدلا من (جنفا) (٢). ٣ - قرأ أبي بن كعب ﵁: (وغير الضّالين) بدلا من (ولا الضالين) (٣). ٤ - وقرأ أيضا: (للذين يقسمون من نسائهم) بدلا من (للذين يؤلون) (٤). ٥ - وقرأ ابن مسعود: (وكان عبد الله وجيها) بدلا من (وكان عند الله) (٥).

стр. 37

فمثل هذه الروايات وغيرها- وهي كثيرة (١) - لا تعتبر قرآنا بحال، وإنما يوردها المفسرون على أساس أنها منهج الصحابي في التفسير، وقد أعرض عنها بالطبع أئمة الرواية. ويرد هنا سؤال: أين يمكننا أن نقف على معارف هؤلاء الصحابة الكرام في القراءة؟ وهل ثمة مصنفات تركوها نثروا فيها معارفهم، نتلمس فيها اختياراتهم؟ والجواب أن ذلك يلتمس من طريقين: أولا: ما دوّنه علماء التفسير والرسم من اختيارات هؤلاء الصحابة الكرام، حيث كانوا يوردون ما قرأ به الصحابة يستعينون به على التفسير، وإضاءة المعاني، ومن هذه المصنفات: المصاحف لابن أبي داود السجستاني (٢)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣)، وإملاء ما منّ به الرحمن للعكبري (٤)، وإعراب القرآن للنحاس (٥)، ومعاني القرآن للأخفش (٦)، ومعاني القرآن للفرّاء (٧)،

стр. 38

وغيث النفع للصفاقسي (١)، وحجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة (٢)، والتيسير للداني (٣)، والتبيان للطوسي (٤)، وإتحاف فضلاء البشر للدّمياطي (٥)، وغيرها. والحق أنه لا يخلو كتاب من كتب التفسير أو الرسم؛ من إشارات كثيرة لما قرأ به الصحابة الكرام من وجوه سمعوها من النّبي ﷺ . ثانيا: وهي الوثيقة الأهم، وهي تلقي الأئمة القراء من شيوخهم بالمشافهة، وهذه المشافهة التي بلغت أعلى درج التواتر لم تزل متصلة، يتلقاها الأبرار عن الأخيار، لا يرقى إليها الشك، ولا يتطرق إليها الوهم، وهي لدى العلماء اليوم متصلة مسندة، وكل قراءة منها تنتهي إلى صحابي كريم، ومن خلالها تستطيع أن تتبين اختيارات هذا الصحابي من قراءة النّبي ﷺ ، وهذه الأسانيد اليوم متوافرة متضافرة، منصوبة في صدور مجالس الإقراء، وسوف نأتي على إيراد بعض هذه الأسانيد في التّلقي عن أكابر الصحابة في قسم الملاحق. (فائدة) موقف مجتهدي الشيعة من مسألة سلامة النّص القرآني: نجد من الأمانة العلمية هنا أن نتطرق إلى أمر غاية في الأهمية، وهو موقف الشيعة من فرية

стр. 39

تحريف القرآن، ومسألة سلامة النّص القرآني، فقد كثر الحديث حول هذه المسألة، واتخذها بعض الناس سببا للطعن في إيمان القوم ووصمهم بالزندقة، واعتقاد النقص والزيادة في كتاب الله. والحق أن الطعن في سلامة النّص القرآني منقول عن طائفة من علماء الشيعة، بل في بعض الكتب المصادر عند القوم، وهو ما يزيد المسألة تعقيدا، فقد ورد على سبيل المثال في الكافي للكليني (١)، وهو من أوثق مراجع القوم في الرواية النصوص التالية: عن جعفر بن محمد قال: (لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وإن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ كان سبع عشرة ألف آية) (٢). عن أبي الحسن المضاي قال: «قرأ أمير المؤمنين: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (من خلافة علي) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، فقلت: تنزيل؟ فقال: نعم» (٣). وفي الكافي للكليني أيضا في تأويل قوله تعالى: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ: (إن الله تعالى لما قبض نبيه ﷺ ، ونوزعت فاطمة في ميراثها من رسول الله ﷺ ، فاعتزلت الناس خمسة وسبعين يوما حتى كتبت مصحفها، فأرسل الله جبريل إليها، حتى كتبت مصحفا فيه علم ما كان وما يكون، وما لم يكن إلى يوم القيامة) (٤). عن محمد بن جهم الهلالي أن أبا عبد الله قال: (أمّة هي أزكى من أمّة) في سورة النّحل، ليست كذاك، ولكنها: (أئمة هي أزكى من أئمتكم) (٥).

стр. 40

ومثل ذلك في الكافي أيضا عن الإمام محمد الباقر قوله: «ما ادّعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده» (١). وقد أدى ورود مثل هذه الروايات عن القوم إلى فتح باب الطعن في عقائد الشيعة، وذهب بعض المتشددين من أهل السّنة إلى الحكم بكفر القوم وفساد عقائدهم (٢). والحق أن من يعتقد تحريف القرآن الكريم كافر بالإجماع، مخالف لهذه الأمة، ولكن ينبغي أن لا نتعجل على الناس حتى نتبين حقيقة ما يعتقدون، فليس مجرد وجود الرواية في كتبهم دليلا على أنها لهم اعتقاد، وكذلك فإنه ينبغي أن نتبين مذهبهم في تأويل ما يروون. والمحققون من الشيعة لا يعتقدون صحة سائر ما في الكافي للكليني، ولم ينزلوه عندهم منزلة صحيح البخاري عندنا- كما يعتقد عامة الناس- بل إنهم يذكرون أن فيه ضعيفا ومرسلا كثيرا، وأن الشيخ المتقي الكليني صنف كتابه في عشرين سنة، يسند عمن يسمع، فالعهدة على الإسناد، كما صنع الإمام الطبري، إذ أثبت لك أسانيده، وقال هذا إسنادي، ومن أسند فقد أعذر. وفي دراسة علمية صدرت حديثا لمحقق شيعي هو السيد هاشم الحسيني جزم فيها بقوله: «إن المتقدمين لم يجمعوا على جميع مرويات الكليني جملة وتفصيلا» (٣). ويقول: «إن أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين، يكون الصحيح منها خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثا، والحسن مائة وأربعة وأربعين حديثا، والموثق ألفا ومائة وثمانية وعشرين حديثا، والقوي ثلاث مائة وحديثين، والضعيف تسعة آلاف وأربع مائة وثمانين حديثا» (٤).
следующие страницы →