← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38020

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

محمد الحبش

Полный текст (358 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتجب الإشارة هنا إلى أن ما روي عن الصحابة من اختيارات في القراءة مما لم يدرج في المتواتر ليس له حظ من القبول، ويحرم اعتقاد أنه من القرآن، وهو على كل حال ليس إلا اختيارات لبعض الكلمات لا يجتمع منها بحال نص قرآني كامل، ويجب حمله على أحد الوجوه الثلاثة الآتية: ١ - الطعن في إسناد هذه الرواية، وهذا من باب تحصيل الحاصل، إذ القرآن لا يقبل إلا متواترا، فما لم تندرج هذه الرواية في المتواتر؛ فهي حكما ليست من القرآن الكريم، والمتواتر كله مضبوط محفوظ مدوّن. ٢ - حمل ذلك على أن الصحابي أراد بذلك التفسير، فأدرجه في مصحفه، أو لقنه للمتلقي على أنه تفسير للنّص القرآني وليس جزءا منه. ٣ - حمل ذلك على أنه وهم من الصحابي، أو من الراوي المتلقّي عنه، وأنه لا يقاوم الصحيح المروي عن الصحابي نفسه بأسانيد التواتر المحفوظة. ومن الأمثلة على ذلك المردود مما أورده بعض علماء القراءات: ١ - روي عن علي ﵁: (يريد ينقاص) بدلا من (يريد أن ينقض) (١). ٢ - ونسب إليه أيضا: (فمن خاف من موص حيفا) بدلا من (جنفا) (٢). ٣ - قرأ أبي بن كعب ﵁: (وغير الضّالين) بدلا من (ولا الضالين) (٣). ٤ - وقرأ أيضا: (للذين يقسمون من نسائهم) بدلا من (للذين يؤلون) (٤). ٥ - وقرأ ابن مسعود: (وكان عبد الله وجيها) بدلا من (وكان عند الله) (٥).

стр. 37

فمثل هذه الروايات وغيرها- وهي كثيرة (١) - لا تعتبر قرآنا بحال، وإنما يوردها المفسرون على أساس أنها منهج الصحابي في التفسير، وقد أعرض عنها بالطبع أئمة الرواية. ويرد هنا سؤال: أين يمكننا أن نقف على معارف هؤلاء الصحابة الكرام في القراءة؟ وهل ثمة مصنفات تركوها نثروا فيها معارفهم، نتلمس فيها اختياراتهم؟ والجواب أن ذلك يلتمس من طريقين: أولا: ما دوّنه علماء التفسير والرسم من اختيارات هؤلاء الصحابة الكرام، حيث كانوا يوردون ما قرأ به الصحابة يستعينون به على التفسير، وإضاءة المعاني، ومن هذه المصنفات: المصاحف لابن أبي داود السجستاني (٢)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣)، وإملاء ما منّ به الرحمن للعكبري (٤)، وإعراب القرآن للنحاس (٥)، ومعاني القرآن للأخفش (٦)، ومعاني القرآن للفرّاء (٧)،

стр. 38

وغيث النفع للصفاقسي (١)، وحجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة (٢)، والتيسير للداني (٣)، والتبيان للطوسي (٤)، وإتحاف فضلاء البشر للدّمياطي (٥)، وغيرها. والحق أنه لا يخلو كتاب من كتب التفسير أو الرسم؛ من إشارات كثيرة لما قرأ به الصحابة الكرام من وجوه سمعوها من النّبي ﷺ . ثانيا: وهي الوثيقة الأهم، وهي تلقي الأئمة القراء من شيوخهم بالمشافهة، وهذه المشافهة التي بلغت أعلى درج التواتر لم تزل متصلة، يتلقاها الأبرار عن الأخيار، لا يرقى إليها الشك، ولا يتطرق إليها الوهم، وهي لدى العلماء اليوم متصلة مسندة، وكل قراءة منها تنتهي إلى صحابي كريم، ومن خلالها تستطيع أن تتبين اختيارات هذا الصحابي من قراءة النّبي ﷺ ، وهذه الأسانيد اليوم متوافرة متضافرة، منصوبة في صدور مجالس الإقراء، وسوف نأتي على إيراد بعض هذه الأسانيد في التّلقي عن أكابر الصحابة في قسم الملاحق. (فائدة) موقف مجتهدي الشيعة من مسألة سلامة النّص القرآني: نجد من الأمانة العلمية هنا أن نتطرق إلى أمر غاية في الأهمية، وهو موقف الشيعة من فرية

стр. 39

تحريف القرآن، ومسألة سلامة النّص القرآني، فقد كثر الحديث حول هذه المسألة، واتخذها بعض الناس سببا للطعن في إيمان القوم ووصمهم بالزندقة، واعتقاد النقص والزيادة في كتاب الله. والحق أن الطعن في سلامة النّص القرآني منقول عن طائفة من علماء الشيعة، بل في بعض الكتب المصادر عند القوم، وهو ما يزيد المسألة تعقيدا، فقد ورد على سبيل المثال في الكافي للكليني (١)، وهو من أوثق مراجع القوم في الرواية النصوص التالية: عن جعفر بن محمد قال: (لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وإن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ كان سبع عشرة ألف آية) (٢). عن أبي الحسن المضاي قال: «قرأ أمير المؤمنين: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (من خلافة علي) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، فقلت: تنزيل؟ فقال: نعم» (٣). وفي الكافي للكليني أيضا في تأويل قوله تعالى: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ: (إن الله تعالى لما قبض نبيه ﷺ ، ونوزعت فاطمة في ميراثها من رسول الله ﷺ ، فاعتزلت الناس خمسة وسبعين يوما حتى كتبت مصحفها، فأرسل الله جبريل إليها، حتى كتبت مصحفا فيه علم ما كان وما يكون، وما لم يكن إلى يوم القيامة) (٤). عن محمد بن جهم الهلالي أن أبا عبد الله قال: (أمّة هي أزكى من أمّة) في سورة النّحل، ليست كذاك، ولكنها: (أئمة هي أزكى من أئمتكم) (٥).

стр. 40

ومثل ذلك في الكافي أيضا عن الإمام محمد الباقر قوله: «ما ادّعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده» (١). وقد أدى ورود مثل هذه الروايات عن القوم إلى فتح باب الطعن في عقائد الشيعة، وذهب بعض المتشددين من أهل السّنة إلى الحكم بكفر القوم وفساد عقائدهم (٢). والحق أن من يعتقد تحريف القرآن الكريم كافر بالإجماع، مخالف لهذه الأمة، ولكن ينبغي أن لا نتعجل على الناس حتى نتبين حقيقة ما يعتقدون، فليس مجرد وجود الرواية في كتبهم دليلا على أنها لهم اعتقاد، وكذلك فإنه ينبغي أن نتبين مذهبهم في تأويل ما يروون. والمحققون من الشيعة لا يعتقدون صحة سائر ما في الكافي للكليني، ولم ينزلوه عندهم منزلة صحيح البخاري عندنا- كما يعتقد عامة الناس- بل إنهم يذكرون أن فيه ضعيفا ومرسلا كثيرا، وأن الشيخ المتقي الكليني صنف كتابه في عشرين سنة، يسند عمن يسمع، فالعهدة على الإسناد، كما صنع الإمام الطبري، إذ أثبت لك أسانيده، وقال هذا إسنادي، ومن أسند فقد أعذر. وفي دراسة علمية صدرت حديثا لمحقق شيعي هو السيد هاشم الحسيني جزم فيها بقوله: «إن المتقدمين لم يجمعوا على جميع مرويات الكليني جملة وتفصيلا» (٣). ويقول: «إن أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين، يكون الصحيح منها خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثا، والحسن مائة وأربعة وأربعين حديثا، والموثق ألفا ومائة وثمانية وعشرين حديثا، والقوي ثلاث مائة وحديثين، والضعيف تسعة آلاف وأربع مائة وثمانين حديثا» (٤).

стр. 41

الصحيح ٥٠٧٢/ الحسن ١٤٤/ الموثق ١١٢٨/ القوي ٣٠٢/ الضعيف ٩٤٨٠/ مجموع ما في الكافي ١٦١٩٩ (١) وقد تعقب النقاد من الشيعة روايات تحريف القرآن الواردة في الكافي، فإذا هي نحو ثلاث مائة رواية وردت من طريق أربعة وهم: أبو عبيد الله السياري، ويونس بن ظبيان، ومنخل بن جميل الكوفي، ومحمد بن حسن بن جهور (٢). وهؤلاء الأربعة مطعون في عدالتهم عند علماء الاصطلاح من الشيعة، وإليك ما قالوه فيهم: يقول الغضائري (٣) عن السياري: «ضعيف متهالك غال منحرف» (٤). ويقول عنه الشيخ النجاشي (٥): «ضعيف الحديث، فاسد المذهب» (٦). وقال الشيخ النجاشي في يونس بن ظبيان: «ضعيف جدا، لا يلتفت إلى كل ما رواه (٧)، بل كل كتبه تخليط». وقال عنه ابن الغضائري: «كوفي غال كذاب، وضّاع للحديث» (٨).

стр. 42

وأما منخل بن جميل فقد نقل السيد هاشم الحسيني عن علماء الرجال أنه من الغلاة المنحرفين (١). وقال العلامة الحلي (٢) في محمد بن حسن بن جهور: «كان ضعيفا في الحديث، غاليا في المذهب، فاسدا في الرواية، لا يلتفت إلى حديثه، ولا يعتمد على ما يرويه» (٣). وهكذا، فإن تواثب القوم على توهين رواية هؤلاء وتجريحهم والطعن في صدقهم وأمانتهم دليل واضح على تبرؤ مراجع الشيعة من هذه الأوهام، ويبقى ورودها في الكافي مشروطا بصحة الإسناد، وهو لم يتحقق كما رأيت. وقد نقل عن أئمة الشيعة نصوص كثيرة تدفع توهم اعتقادهم بشيء من التحريف، وأنا أنقل لك طائفة منها: ١ - العلامة أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القميّ، المشهور بالصدوق (ت ٣٨١ ه ـ) (٤): (اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمد ﷺ هو ما بين الدّفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أننا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب) (٥). ٢ - السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي (ت ٤٣٦ ه ـ) (٦):

стр. 43

(إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه شيء آخر. إن القرآن كان على عهد رسول الله ﷺ مجموعا مؤلفا على ما هو عليه في ذلك الزمان حتى عيّن النّبي ﷺ على جماعة من الصحابة حفظهم له، وكان يعرض على النّبي ﷺ ويتلى عليه، وإن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النّبي ﷺ عدة ختمات، وكل ذلك يدلّ بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث ... وإن من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتقد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) (١). ٣ - الشيخ أبو علي الطبرسي، صاحب تفسير مجمع البيان (٢): (الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فأما الزيادة فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه، فقد روى جماعة من أصحابنا، وقوم من الحشوية العامة أن في القرآن تغييرا أو نقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه) (٣). ولنترك الكلمة في الفصل في هذه المسألة لشيخ الطائفة أبي جعفر، محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (٤٦١ هـ) (٤)، إذ يلخص اعتقاد الشيعة في سلامة النّص القرآني، وأسباب هذه الشائعة عنهم بقوله:

стр. 44

«وأما الكلام في زيادته ونقصانه؛ فمما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها. وأما النقصان منه فالظاهر أيضا من مذاهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى ﵁، وهو الظاهر من الروايات، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد ولا يستوجب علما، فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها، لأنه لا يمكنه تأويلها، ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدّفتين، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه، وروايتنا متناصرة على قراءته، والتمسك بما فيه، وردّ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه، وعرضها عليه، فما وافقه عوّل عليه، وما خالفه يجتنب ولم يلتفت إليه، وقد ورد عن النّبي ﷺ رواية لا يدفعها أحد أنه ﷺ قال: «إني مخلف فيكم الثّقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر؛ لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك به، كما أن أهل البيت ﵈، ومن يجب اتّباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته؛ فينبغي أن يتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه، وترك ما سواه» (١). هذا وقد قام صاحب كشف الارتياب في ردّ فصل الخطاب بنقل مجموعة من توكيدات أئمة الطائفة الإمامية بشأن سلامة النّص القرآني، فعدّ منهم: ١ - أبو جعفر ابن بابويه القمي (ت ٣٨١ هـ). ٢ - السيد المرتضى علي الموسوي (ت ٤٣٦ هـ). ٣ - شيخ الطائفة الطوسي (ت ٤٦١ هـ). ٤ - أبو علي الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ). ٥ - السيد ابن طاوس (ت ٦٤٤ هـ). ٦ - ملا محسن الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ هـ). ٧ - محمد بهاء الدين العاملي البهائي (ت ١٠٣٠ هـ). ٨ - محمد بن الحسن الحر العاملي (ت ١١٠٤ هـ).

стр. 45

٩ - المحقق زين الدين البياضي. ١٠ - القاضي سيد نور الله التستري (١). إضافة إلى عدد من علماء الشيعة ومراجعهم المعاصرين كالسيد كاشف الغطاء، ومحمد جواد البلاغي، ومهدي الطباطبائي، والسيد محسن الأمين العاملي، ومحمد مهدي الشيرازي، وشهاب الدين النجفي مرعشي، والسيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، والسيد محمد رضا الكلبايكاني، والسيد آية الله الخميني، وغيرهم كثير (٢). ويجب القول هنا بأن كثيرا من الروايات التي حملها المتجادلون محمل التحريف، إنما هي أوهام رجال توهموها، ثم فاءو إلى رشدهم فيها، وهي موجودة في كتب السّنة كما في كتب الشيعة، ولا مسوغ لاتّهام إحدى الطائفتين الأخرى؛ بأنها تعتقد شيئا من ذلك بعد أن ثبت سلامة مراجع اعتقاد الطائفتين جميعا بسلامة النّص القرآني. وهكذا فإنه لا مسوّغ لاتّهام طائفة عظيمة من المسلمين بالقول بتحريف القرآن، بسبب هذه المرويات التي يجب حملها على واحد من أربعة محامل: ١ - الطعن في إسنادها ورواتها. ٢ - حملها على أنها أوهام رواة، وجلّ الذي لم يعصم غير نبيّه ﷺ . ٣ - حملها على أنها من باب المنسوخ. ٤ - حملها على أنها مما كتبه الصحابة في مصاحفهم على سبيل التفسير. ومن أراد تفصيل القول في هذه الوجوه فليرجع إلى الإتقان للسيوطي (٣)، أو مناهل العرفان للزرقاني (٤). بقي أن نقول: إن الشيعة اليوم تلتزم القراءة برواية حفص عن عاصم، وهي القراءة السائدة في العالم الإسلامي، لا تخالف جمهور الأمة في شيء منها، لا في رسم، ولا شكل، ولا ضبط،

стр. 46

ولا علامة وقف، ولا علامة ابتداء، ولا رقم آية، ولا رقم سورة، ولا إثبات علامة صلة، ولا حذفها، ولا إثبات ألف خنجرية، ولا حذفها. وسيأتي في هذه الدراسة أنهم يقولون بمسح الأرجل في الوضوء، ولكن مع ذلك يقرءون قراءة الجمهور، الآمرة بالغسل، وذلك موافقة لرواية حفص التي يلتزمونها: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٥/ ٦]. وهو وجه ظاهر في التزامهم ما التزمه المسلمون من القراءة على رغم مخالفتهم في بعض الفروع الفقهية. ويتّضح مما سبق أن الأمة الإسلامية على اختلاف طوائفها تتفق في التسليم بأن القرآن الكريم مسطور بين الدّفتين هو عين ما تلقاه النّبي ﷺ من الوحي الأمين، وأن القراءات المتواترة لا تخرج في حرف من حروفها عن الرسم الذي كتبه عثمان ﵁ في المصاحف، والذي يتفق المسلمون اليوم على أدقّ تفصيلاته، (فقد تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن أبد الدهر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ١٥/ ٩]. والمعنى إنا للقرآن حافظون من أن يزاد فيه ما ليس منه، أو ينتقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه) (١). وهذا الحفظ أكّد وثاقة النّص القرآني مكتوبا ومقروءا، سليما من التغيير والتبديل منذ نزوله وحفظه بالاستظهار في الصدور والتدوين في الصحف، وبقي المصحف كذلك لم يتغير فيه شيء غير تطور رسمه عبر العصور، ولم يكن الاعتماد على مجرد حفظ الصدور وقراءة المصحف وفقه العمل والحكمة التي طبقها الرسول ﷺ . فقد حفظ القرآن بظهر الغيب رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات من لدن عصر الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، وظلّ العدد يتنامى ويزيد على توالي القرون، ورغم كل الظروف بما حقق تواتر نقله في الأجيال اللاحقة. ويأتي دور الأجيال اللاحقة في فهم المعاني، واستخراج الحكم، واستخلاص الحلول، والمعالجات لمشكلات الحياة المتجددة مع تقديرنا لجهود السّلف الصالح.

стр. 47

وقد شهد المنصفون من الباحثين- حتى من غير المسلمين- بسلامة النّص القرآني من التحريف والتبديل، ومن هؤلاء: المستشرقون الألمان حيث جمعوا النسخ الخطية المتداولة للمصحف، في شرق العالم الإسلامي وغربه للوقوف على ما توهّموا من اختلافات بين النسخ، وقارنوا بين هذه النسخ على العصور والبلدان المختلفة فلم يجدوا اختلافا أصلا، مما يؤكد سلامة القرآن من التغيير والتحريف والتبديل، وهو ردّ من داخل الدراسات الغربية على كل ما أثير من شبهات لا أساس لها من الصّحّة، ولا غرابة في ذلك، بعد ما شهد القرآن الكريم بأن الله تولى حفظه أبد الدهر. كما تكفّل الله تعالى بحفظ القيم في الكتاب والسّنة من أي تحريف أو تبديل، سواء في ذلك تحريف الكلم عن مواضعه، أو تحريفه بالتأويل والخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ١٥/ ٩]. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ٧٥/ ١٧ - ١٩]. وهذا التّكفل بالحفظ للنّص الإلهي، والحراسة لبيانه، وقيمه عن طريق النّبوة يعتبر من أبرز سمات الرسالة الخاتمة، وأخصّ خصائصها» (١). والخلاصة أن سائر أهل التوحيد متفقون أن القرآن الذي نزل به جبريل الأمين على النّبي محمد ﷺ هو المسطور في المصاحف ذاته، لم يسقط منه حرف، ولم يزد فيه حرف، وأن من أنكر منه شيئا أو زاد فيه فقد خرج من إجماع الأمة. المبحث الثالث عصر أئمة القراءة انتشر الصحابة في الأمصار وتلقى الناس عنهم مذاهبهم في القراءة، واشتغل بالإقراء عن

стр. 48

الصحابة أولا كبار التابعين، أمثال عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، وشيبة بن نضاح، ويزيد بن رومان (٣)، ومجاهد بن جبر (٤) المكي، ودرباس (٥) مولى ابن عباس، والحسن (٦) البصري، وأبي العالية (٧)، رفيع بن مهران الرياحي، وحميد بن قيس (٨) الأعرج المكي، والمغيرة (٩) بن أبي شهاب المخزومي، وزرّ بن حبيش (١٠)، وأبي عبد الرحمن السّلمي (١١)، والأعمش سليمان بن مهران (١٢)، ومحمد الباقر (١٣)، وعلي زين العابدين (١٤)، وغيرهم. وليس في الإمكان استقصاء أسماء هؤلاء الأئمة؛ إذ كل مسلم اشتغل بالعلم في عصر السلف

стр. 49

- وما أكثرهم- كان راوية للقرآن الكريم، وعن هؤلاء أخذ الأئمة فيما بعد، وسنأتي على بيان أسانيد الأئمة في الفصل المخصص لذلك في باب أسانيد القرّاء. وقد أحصى ابن الجزري أسماء أئمة القراءة بين الأئمة العشرة والصحابة في كتابة المسمى: غاية النهاية في أسماء رجال القراءات أولي الرواية والدراية. ولكن هؤلاء الأئمة- على كثرتهم وتقدمهم في العلم- لم ينالوا شرف نسبة القراءة إليهم، وكان علينا أن ننتظر جيلا آخر أو جيلين اثنين، حتى نسعد بالأئمة العشرة الذين نسبت إليهم القراءات المتواترة. وإنما نسبت القراءات المتواترة إلى هؤلاء الأئمة العشرة دون سواهم؛ لأن الحاجة لم تكن توافرت بعد للتمييز بين المتواتر وسواها، إذ مراجع الأمة متوافرون، والعهد قريب، فلما اختلط الصحيح بالسقيم جدّت الحاجة لوضع ضوابط (١) يمتاز بها المتواتر من غيره، وحين وضعت هذه الشروط لم نجد بالاستقراء من التزمها وضبط قراءته بها إلا هؤلاء الأئمة العشرة. وأول من اشتغل بجمع القراءات هو الإمام أبو عبيد، القاسم بن سلّام (٢) (المتوفى عام ٢٢٢ هـ). ولكن جهده في جمع القراءات لم يكن مرتكزا على منهج اعتباري، وإنما كان يعنى بضبط ما يروى من القراءات، والاحتجاج لها، وقد جمع علمه في هذا الباب في كتابه القراءات. وهكذا فإن أبا عبيد كان في الحقيقة معاصرا لأئمة القراءة الكبار، ولكنه لم يكن معنيّا بالاستقلال بحرف لنفسه؛ بقدر ما كان يعنى باستقصاء حروف الأئمة، لذلك فإنه لم يجر عمل الأولين على إدراجه في القرّاء العشرة رغم أنه لا يقلّ عنهم رتبة ومنزلة. ومع أننا سنورد لك هنا أسماء أئمة الإقراء العشرة غير أنه يلزم أن نبين أن تسمية (القراءات السبع) لم تظهر إلا على يد ابن مجاهد (٣) مطلع القرن الرابع، وأما استكمال القراءات العشر؛ فلم يتم إلا على يد العلامة الجليل الشمس ابن الجزري (٤) (المتوفى عام ٨٣٣ هـ)، في مؤلّفه النّشر في

стр. 50

القراءات العشر، ومن الإنصاف أن نقول إن هذا الضبط بالأئمة السبعة لم يكن كافيا، ولا حاسما في تلك الفترة، فثمة أئمة كثير قرءوا وأقرءوا، واشتهر علمهم وفضلهم خلال هذه الفترة من عهد التابعين وتابعيهم، وسنأتي على بيان الأسباب التي حملت على ذلك خلال حديثنا عن منهج ابن مجاهد في الفصل التالي. وأذكر لك فيما يلي أسماء القرّاء العشرة، وأمام كل قارئ منهم راويان له، نشرا قراءته بعده بين الناس. وهذا الاختيار هو الذي اختاره ابن مجاهد في القراءات السبع، ثم ابن الجزري في الثلاث التالية، وهو الذي نظم به الشاطبي (حرز الأماني)، وأكمله فيما بعد ابن الجزري بنظم (الدرّة البهية)، ثم استوفى ذلك كله في نظم واحد هو (طيبة النّشر)، وهو الذي يقرأ به سائر قرّاء العالم الإسلامي اليوم. ١ - قراءة نافع في المدينة: وتنسب إلى نافع بن عبد الرحمن المدني (٧٠ - ١٦٩ هـ)، وهو أصبهاني الأصل، استقر في المدينة، وأخذ عن أعلام القرّاء فيها من التابعين أمثال: الزهري (١)، وعبد الرحمن بن القاسم (٢)، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج (٣).

стр. 51

وأخذ القراءة عنه الإمام مالك بن أنس (١)، والأصمعي (٢)، والليث بن سعد (٣)، واشتهر بالرواية عنه راوياه: قالون، وورش. أما قالون: فهو عيسى بن مينا (١٢٠ - ٢٢٠ هـ)، وهو من أئمة النحو والقراءة في المدينة رغم أنه عاش أصم. وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد (١١٠ - ١٩٧ هـ)، وهو مصري قبطي، رحل إلى نافع بالمدينة، فقرأ عليه عدة ختمات، ثم رجع إلى مصر، فأقرأ بها نحو ٣٥ سنة. ٢ - قراءة ابن كثير في مكة: وتنسب إلى عبد الله بن كثير (٤٥ - ١٢٠ هـ)، وهو إمام مكة في القراءة، وكان ابن كثير عالما بالعربية، واشتغل برواية الحديث، وقد روى عن أنس بن مالك (٤)، وعبد الله بن الزبير (٥)، ثم أخذ القراءة عن درباس (٦) مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر (٧)، وغيرهم، فتصدر بعدئذ للإقراء وانتهت إليه مشيخة القراء في مكة، وممن قرأ عليه الخليل بن أحمد الفراهيدي (٨)، وأبو عمرو بن العلاء (٩) البصري، وحماد بن سلمة (١٠)، وراوياه هما: البزي، وقنبل.

стр. 52

البزّيّ (١٧٠ - ٢٥٠ هـ): وهو فارسيّ الأصل، واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله، وكان مؤذن المسجد الحرام، وتلقى القراءة عن أبيه. قنبل (١٩٥ - ٢٩١ هـ): وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وقد أخذ القراءة عن البزي، وكلا راويي ابن كثير لم يعاصراه، وإنما تلقّيا قراءته من قراء آخرين. ابن ذكوان (١٧٣ - ٢٤٢ هـ): وهو عبد الله بن أحمد الفهري، وقد انتهت إليه رئاسة الإقراء في الشام بعد هشام، وقد أخذ القراءة أيضا عن أيوب بن أبي تميمة (١)، كما كتب عددا من الكتب في التجويد والقراءات. ٣ - قراءة أبي عمرو البصري في البصرة: وتنسب إلى أبي عمرو زبان بن العلاء المازني البصري (٦٨ - ١٥٤ هـ)، وهو النّحوي الشهير الحجة، وقد قرأ على الحسن البصري، وعاصم، وابن كثير، وعكرمة، وروى عنه الأصمعي (٢)، وسيبويه (٣)، وأبو زيد الأنصاري (٤). وراوياه: حفص الدّوري، وصالح السوسي. الدوري: وهو حفص بن عمر بن عبد العزيز، توفي عام (٢٤٦ هـ). وهو أول من جمع القراءات السبع وأقرأ بها، وقد أخذ قراءة أبي عمرو البصري عن يحيى اليزيدي (٥).

стр. 53

السوسي: وهو صالح بن زياد السوسي، توفي عام (٢٦١ هـ)، أخذ قراءة أبي عمرو عن اليزيدي، كما قرأ على حفص. ٤ - قراءة ابن عامر الشامي: وتنسب إلى عبد الله بن عامر اليحصبي (٨ - ١١٨ هـ)، وقد أخذ القراءة عن الصحابة مباشرة، فقرأ على أبي شهاب عن عثمان بن عفان، واشتهر فضله وعلمه في سائر بلاد الشام، وسادت قراءته فيها نحو خمسة قرون، وراوياه: هشام، وابن ذكوان. هشام: وهو هشام بن عمار السلمي الدمشقي (١٥٣ - ٢٤٥ هـ). أخذ القراءة عن أيوب بن تميم وغيره من الأئمة، واستقرّ في دمشق، وتفرّغ للإقراء فرحل الناس إليه. ٥ - قراءة عاصم في الكوفة: وتنسب إلى عاصم بن أبي النجود الكوفي، الغاضري، توفي (١٢٧ هـ)، وهي القراءة السائدة في معظم أقطار العالم الإسلامي، وقد أخذ عاصم القراءة من التابعين: زرّ بن حبيش (١)، وأبي عبد الرّحمن السلمي (٢). وقد قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وحفص بن سليمان، وحماد بن زيد (٣)، وأبو بكر بن عياش (٤)، وغيرهم.

стр. 54

وراوياه: حفص وشعبة. حفص: وهو حفص بن سليمان الكوفي البزار (٩٠ - ١٨٠ هـ). وروايته عن عاصم هي السائدة في معظم بلدان العالم الإسلامي اليوم، وقد قرأ على عاصم مباشرة. شعبة: وهو أبو بكر، شعبة بن عياش الأسدي، الكوفي (٩٥ - ١٩٣ هـ). قرأ مباشرة على عاصم، وقرأ عنه جماعة من أئمة العربية، منهم الكسائي. ٦ - قراءة حمزة في الكوفة: وتنسب إلى حمزة بن حبيب الزيات (٨٠ - ١٥٦ هـ). أخذ القراءة عن الأعمش (١)، وجعفر الصادق (٢)، وقرأ عليه إبراهيم بن أدهم (٣)، والكسائي (٤)، والفرّاء (٥)، واليزيدي (٦)، وغيرهم. وراوياه: خلف، وخلّاد. خلف: وهو خلف بن هشام، الأسدي، البغدادي، (١٥٠ - ٢٢٩ هـ). وهو صاحب

стр. 55

القراءة التاسعة التي أثبت ابن الجزري تواترها، وقد أخذ القراءة عن أبي زيد الأنصاري (١)، وسليم بن عيسى (٢)، وغيرهم، وقرأ عليه أحمد بن إبراهيم (٣)، وأحمد بن يزيد الحلواني. خلّاد: وهو خلّاد بن خالد، الشيباني ولاء، الصيرفي الكوفي. توفي (٢٢٠ هـ)، وقد روى عنه الوزان، وأحمد الحلواني، وغيرهم. ٧ - قراءة الكسائي في الكوفة: وتنسب إلى علي بن حمزة الكسائي، ولقب بالكسائي لأنه تسربل بكسائه في إحرامه، وهو مولى فارسي لبني أسد، عاش (١١٩ - ١٨٩ هـ). وقد أخذ القراءة عرضا عن حمزة (٤)، وابن أبي ليلى (٥)، وغيرهم. وهو إمام معروف في العربية، وقد تلقاها عن الخليل بن أحمد (٦)، وأخذ عنه القراءة حفص الدوري (٧)، وخلف بن هشام (٨)، وراوياه: الليث والدّوري. الليث: وهو أبو الحارث البغدادي، الليث بن خالد، توفي (٢٤٠ هـ). الدوري: وهو حفص بن عمرو، راوي أبي عمرو البصري، توفي (٢٤٦ هـ). وقد تقدمت ترجمته. أما القراءات الثلاث التي أثبت ابن الجزري تواترها، وضمها إلى السبع فهي:

стр. 56

٨ - قراءة أبي جعفر: وتنسب إلى يزيد بن القعقاع، المخزومي، المدني، توفي (١٣٠ هـ)، وقد أخذ القراءة عن الصحابة مباشرة: عبد الله بن عباس، وأبي هريرة. وراوياه: عيسى بن وردان (ت ١٦٠ هـ)، وسليمان بن مسلم بن جماز (ت ١٧٠ هـ). ٩ - قراءة يعقوب الحضرمي: وتنسب إلى يعقوب بن إسحاق بن زيد (١١٧ - ٢٠٥ هـ). أخذ القراءة عن التابعين كأبي الأشهب عن أبي موسى الأشعري، وكذلك شهاب بن شرنقة عن أبي الأسود الدؤلي عن علي. وقد كان مرجعا في حجة القراءات، وتصدّر لرئاسة الإقراء في البصرة، وراوياه: رويس وروح. رويس: وهو محمد بن المتوكل، توفي (٢٣٨ هـ)، وقرأ على يعقوب عدة مرات. روح: وهو روح بن عبد المؤمن البصري، توفي (٢٣٤ هـ)، وقرأ على يعقوب. ١٠ - قراءة خلف: وتنسب إلى خلف بن هشام البزار البغدادي، وهو راوية حمزة صاحب القراءة السادسة. وقد أخذ القراءة عن حمزة بن حبيب الزّيات، وإسناد حمزة هو صدر إسناد خلف. وراوياه إسحاق الوراق؛ وإدريس الحداد. إسحاق الوراق: رحل من مرو إلى بغداد، فأخذ عن خلف، وأقرأ في بغداد، توفي (٢٨٦ هـ). إدريس الحداد (١٨٩ - ٢٩٢ هـ): أخذ القراءة عن خلف وتصدّر للإقراء في بغداد. وليس وراء هؤلاء العشرة إمام حصل له التواتر، ولكن ثمة أئمة أربعة كبار، اشتهروا بالإمامة في هذا الفن، ورويت لهم قراءات كاملة، إلا أنّ أسانيدها ضعيفة، لا ترقى إلى التواتر، وهم:

стр. 57

١١ - الحسن البصري (٢١ - ١١٠ ه ـ): هو الإمام أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن البصري، مولى الأنصار، إمام زمانه علما وعملا، لقي علي بن أبي طالب، وأخذ عن سمرة بن جندب، وأتي به إلى أم سلمة، فبرّكت عليه ومسحت برأسه، وكان يقال من أراد أن يسمع كلام النّبوة بعد أهل البيت، فليسمع كلام الحسن البصري، ولد في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين. ١٢ - يحيى اليزيدي (١٣٨ - ٢٠٢ ه ـ): هو أبو محمد، يحيى بن المبارك، اليزيدي، العدوي، البصري، كان فصيحا مفوّها، إماما في اللغات والآداب، وهو أمثل أصحاب أبي عمرو، وقام بعده بالقراءة، ففاق نظراءه حتى قيل: إنه أملى عشرة آلاف ورقة من صدره عن أبي عمرو خاصة، غير ما أخذه عن الخليل وغيره. ١٣ - ابن محيصن ( ... - ١٢٣ ه ـ): هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الرحمن بن محيصن المكي، كان عالما في الأثر والعربية، وقال درباس، فيما رأيته في كامل الهذلي: ما رأيت أعلم من ابن محيصن بالقرآن والعربية. ١٤ - ابن شنبوذ ( ... - ٣٣٨ ه ـ): هو أبو الحسن، محمد بن أحمد بن أيوب بن الصّلت، البغدادي، المعروف بابن شنبوذ، وكان إماما شهيرا، وأستاذا كبيرا صالحا، وكان يرى جواز القراءة بما صحّ سنده؛ وإن خالف رسم المصحف، وعقد له بسبب ذلك مجلس، ولم يعدّ أحد ذلك قادحا في روايته، ولا صحة في عدالته. توفي في صفر سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة. ويجب الإشارة هنا إلى أننا أتينا على ترجمة الأئمة القرّاء قبل الحديث عن ابن مجاهد، وابن الجزري؛ اللذين يعود إليهما الفضل في تحديد هؤلاء الأئمة المعتبرة قراءاتهم، وذلك تمشّيا مع السياق التاريخي الذي نتحدث فيه عن أئمة الإقراء، ولكن يجب القول: إن هذا التحديد للأئمة ورواتهم؛ لم يتمّ إلا في عهد متأخر كما سنتحدّث عنه في المبحث اللاحق.

стр. 58

المبحث الرابع عصر ابن مجاهد وتدوين القراءات اشتهرت القراءة في الأمصار اشتهارا عظيما، وصار كل إمام يقرئ بما سمع، وكل يقرّ قراءة صاحبه، على أساس أنه مشتمل بالإذن النّبوي الكريم في الإقراء بالأحرف السبعة، ولكن ذلك النّهج مضى- كما هو مفترض- باتّجاه التّوسع في الإقراء حتى أصبحت مدارسه ومناهجه لا تنضبط بإطار ناظم، وأصبح تصور الخطأ واللحن والشذوذ واردا في هذه الحالة الجماعية. لذلك فقد بدأ الأئمة في مطلع القرن الثالث بتحديد القراءة المقبولة من القراءة المردودة، ولا تحسب أن الأمر قبل ذلك كان على عواهنه، بل كانت الأئمة تميز بسلائقها المقبول من المردود من القراءات، وتعتمد لذلك اعتبارات كثيرة، منها منزلة الإمام المقرئ، والتزامه بالعربية فيما يقرئ فيه، وموافقته للرسم، وغير ذلك. ثم اتفقت الأمة على شروط ثلاثة، أصبحت ضابطا دقيقا في قبول القراءات وردّها، وهذه الشروط هي: ١ - أن توافق وجها من وجوه النحو، فلا يكون فيها شذوذ عن القواعد التي أصلها النّحاة لضبط كلام العرب. ٢ - أن توافق رسم المصحف العثماني على الشكل الذي كتب في عهد الخليفة عثمان بن عفان ﵁، وذلك قبل النّقط والشكل. ٣ - أن يتواتر سندها متصلا إلى رسول الله ﷺ ؛ بأن يرويها جمع عن جمع من أول السّند إلى منتهاه. وكل قراءة لم تتحقق فيها الشروط السابقة كلها أو بعضها؛ فقد اعتبرت قراءة شاذة تحرم القراءة بها، ويحرم الاعتقاد أنها من القرآن (١).

стр. 59

وقد نظم ابن الجزري فيما بعد منهج المتقدمين في شروط القراءة المقبولة في الأبيات الآتية: وكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصحّ إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل شرط أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة (١) وعقب جهود طويلة من البحث والتحقيق، وبالاستقراء والتتبع؛ ضبط العلماء ما تواتر من أسانيد القرّاء، فإذا هي قراءات سبع، وهي التي اشتهر بخدمتها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وهي التي سميت فيما بعد بالقراءات السبع المتواترة، وقد أتينا على ترجمة هؤلاء الأئمة قبل قليل. ويرجع هذا الحصر بالسبعة المذكورين إلى الإمام المقرئ أحمد بن موسى بن مجاهد، المتوفى عام (٣٢٤ هـ)، وذلك في كتابه المشهور (السبعة في القراءات). وقد ولد ابن مجاهد بسوق القطن في بغداد عام (٢٤٥ هـ)، وظهر نبوغه مبكرا حيث حفظ القرآن الكريم، وأكثر القراءة على الشيوخ حتى عدّ له ابن الجزري نحوا من مائة شيخ قرأ عليهم ختما كاملة للقرآن الكريم، وأجازوه بإقرائها للناس، وقرأ على بعض شيوخه عشرين ختمة، واجتمع عليه الطلاب من الأقطار، وصار يقرئ بالقراءات التي يثبت له تواترها. وكان ابن مجاهد في الحقيقة إماما مقصودا في القراءة، ويمكن القول إنه مؤسس أول جامعة للقرآن الكريم وقراءاته في بغداد، «وقد فاق في عصره سائر نظرائه من أهل صناعته مع اتّساع علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وظهور نسكه» (٢). وقد نال ابن مجاهد ثقة سائر المشتغلين بالقراءات في عصره، وبعد عصره، وبحسبك منهم شهادة إمام هذا الفن والمرجع فيه ابن الجزري إذ قال: «ولا أعلم أحدا من شيوخ القراءات أكثر تلاميذا منه، ولا بلغنا ازدحام الطلبة على أحد

стр. 60

كازدحامهم عليه، وقد حكى ابن الأخرم عنه أنه وصل إلى بغداد فرأى في حلقة ابن مجاهد نحوا من ثلاث مائة مصدّر» (١). وقال علي بن محمد المقري: كان لابن مجاهد في حلقته ثمانية وأربعون خليفة يأخذون على الناس. وقد رأى ابن مجاهد أن ترك الأمر على عواهنه يؤدي إلى اختلاط المسائل، ودخول السليم في السقيم، فلا بدّ إذن من التّمييز بين من يصلح للإمامة، ويتوافر لديه الإسناد الثبت، وبين من يتلقى القراءة من غير أهلها، فيشوبها بالخطإ واللحن. وهكذا فإنه يبين رأيه جليّا في مقدمة كتابه الشهير السبعة بقوله: «فمن حملة القرآن من يعرب ولا يلحن، ولا علم له بغير ذلك، فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته، ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه. ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه، ليس عنده إلا الأداء لما تعلم، ولا يعرف الإعراب، ولا غيره، فذلك الحافظ، فلا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده، فيضيع الإعراب لشدة تشابهه، وكثرة فتحه وضمه وكسره في الآية الواحدة؛ لأنه لا يعتمد على علم العربية، ولا به بصر بالمعاني يرجع إليه، وإنما اعتماده على حفظه وسماعه، وقد ينسى الحافظ، فيضيع السماع، وتشتبه عليه الحروف، فيقرأ بلحن لا يعرفه، وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره، ويبرئ نفسه، وعسى أن يكون عند الناس مصدقا فيحمل ذلك عنه، وقد نسيه، ووهم فيه، وجسر على لزومه، والإصرار عليه، أو يكون قد قرأ من نسي، وضيع الإعراب، ودخلته الشبهة فيتوهم، فذلك يقلّد القراءة، ولا يحتجّ بنقله، ومن حملة القرآن من هو على مستوى يؤهله إلى معرفة إعراب القراءة، ويبصره بمعانيها، ولكنه لا يعرف القراءات، ولا تاريخها مع جهله بمصادر الرواية، وقد يحمله ذلك على أن يقرأ بحرف يجوز لغة وإعرابا؛ مع أنه لم يقرأ به أحد من السابقين، وهذا يوصله إلى أن يبتدع قراءة جديدة، ومنهم من يعرف قراءته، ويبصر المعاني، ويعرف اللغات، ولا علم له بالقراءات، واختلاف الناس والآثار، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون بذلك مبتدعا» (٢).

стр. 61

ولكن لماذا اختار ابن مجاهد هؤلاء السبعة تحديدا؟ في الحقيقة لم يكن ابن مجاهد يبحث عن قراءات سبع، ولا عن سبعة قرّاء حينما اتّجه ببحثه هذا، غاية الأمر أنه كان يبحث عن المتواتر، وصادف أنه لم يجتمع لديه من أسانيد التواتر بالشروط المعتبرة إلا سبعة، فضبطها، وحرّرها ودوّن أصولها وفرشها، والظاهر أنه صنف أولا سبعة كتب، كل كتاب في قراءة، كلما ثبت عنده تواتر قراءة أفردها بكتاب؛ حتى إذا اكتمل لديه الاختيار صنف كتابه الشهير: السبعة في القراءات. ومنهج ابن مجاهد في كتابه أنه بدأ بذكر أسماء القرّاء السبعة، وأصول كل واحد منهم، واختياراته في شأن الهمزات، والإمالات، والإدغامات، والياءات، وغير ذلك من الأصول، ثم بدأ بذكر فرش الحروف، فكان يسمي اختيار كل منهم من غير توجيه للفرش، وعلى ذلك فقد دوّن مواضع اختلافهم في القرآن الكريم باستقصاء كامل، وقد صار منهج ابن مجاهد إماما للناس من بعده، فاقتفى أثره كل الذين كتبوا من بعده في هذا الفن. وأشهر الكتب التي نهجت نهجه: - التيسير في القراءات السبع: أبو عمرو الدّاني (١). - نظم التيسير، المسمى حرز الأماني: للقاسم بن فيّرة بن القاسم الشاطبي (٢). - سراج القاري: لابن القاصح العذري (٣). - شروح الشاطبية الأخرى كالسخاوي، والفاسي، وأبي شامة، وابن جبارة، والجعبري. أهمية الكتاب: صنّف ابن مجاهد كتابه هذا في وقت كان يعتبر فيه (شيخ القرّاء) في عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد، ولا شك أنه كان لموقعه المميز هذا أكبر تأثير في رواج الكتاب وتداوله. ومن هنا تعلّم سرّ انتشار الكتاب وشهرته في الآفاق. أما مناط تأثير الكتاب، فيتمثّل في أنه كرّس الرّأي القائل بأن القراءات توقيفيّة لا يجوز فيها الاجتهاد، وقطع الطريق على الذين يقولون بجواز الاجتهاد في القراءة، وأنها تدور على اختيار الفصحاء، وعلى رأسهم الزمخشري.

стр. 62

المبحث الخامس دور الشاطبي في تقرير تواتر القراءات السبعة وتجدر الإشارة هنا إلى إمام جليل سبق الإمام ابن الجزري، وهو الإمام الشاطبي (١)، الذي تصدّر للإقراء في الأندلس والمغرب الإسلامي ومصر في القرن السادس الهجري. وقد كان أهم الآثار التي تركها الشاطبي منظومته الكبيرة المسماة (حرز الأماني، ووجه التّهاني)، وهي من المنظومات المتقدمة تاريخيّا في هذا الفن، وقد لاقت قبولا واسعا، وهي تتألف من (١١٧٣) بيتا من البحر الطويل الذي يلتزم قافية لامية، اختار الشاطبي أن يرمز لكل قارئ من القرّاء السبعة بحرف من الأبجدية، فيشرح بذلك اختيار كلّ قارئ، ومذهبه في الأصول والفرش. ولم يكن عمل الشاطبي هذا إلا نظما على كتاب التيسير لأبي عمرو الدّاني، الذي صنف كتابه لبيان قراءات الأئمة التي اعتمدها ابن مجاهد، ولكن نظم الشاطبي هو الذي طاف بالبلاد، وحفظه طلاب هذا الفن، وهكذا فإن عملي الشاطبي والدّاني تكاملا في تقرير الأخذ باختيار ابن مجاهد للقراءات السبع على أنها تمثّل جميع المتواتر من قراءة المعصوم ﷺ . وحتى اليوم فإن منظومة الشاطبي هي أدق ما صنف في باب القراءات، وعنها يأخذ طلبة العلم في التّلقي والمشافهة. وهكذا فإن اختيار ابن مجاهد ازداد رسوخا بتكريس الشاطبي له أصولا وفرشا، ومضت ثمانية قرون، وإن الأمة لا تسلّم بالتواتر لغير هؤلاء السبعة.

стр. 63

المبحث السادس ابن الجزري ودوره في نشر القراءات مضى القرن الرابع الهجري، وقد أطبقت الأمة على تواتر القراءات السبع كما اختار ابن مجاهد، وراحت المدارس الإسلامية تبذل الجهود المتضافرة في إظهار أسانيد هذه القراءات السبع، وتحديد رواتها وطرقها، حتى بلغت في ذلك الغاية. ولكن القراءات الأخرى لم تعدم من يدافع عنها، ويحاجج لها، ويكشف عن أسانيدها بغرض إثبات التواتر في روايتها وإسنادها. وبالفعل فقد أنكر كثير من العلماء على ابن مجاهد إعراضه عن قراءة أبي جعفر، يزيد بن القعقاع (١)، وهو الذي قال فيه مجاهد بن جبر (٢)، الإمام المفسّر: لم يكن بالمدينة أحد أقرأ للسّنة من أبي جعفر، وهو من أعلى القرّاء إسنادا إذ توفي عام (١٣٠ هـ). كما اعترض على ابن مجاهد في تركه لقراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي (٣)، البصري، وقد أطبقت كلمة القرّاء والحفّاظ على الثقة به، وعلوّه في الإسناد، وإمامته (٤)، حيث انتهت إليه رئاسة الإقراء بعد أبي عمرو البصري (٥)، ووصفه أبو حاتم السجستاني (٦) بأنه أعلم من رآه بالحروف، والاختلاف في القرآن وعلله، ومذاهب النحو.

стр. 64

ومن الأعمال الجليلة التي صنّفت متضمنة بيان منزلة الإمام المقرئ يعقوب: التذكرة في القراءات الثمان للإمام أبي الحسن، طاهر بن غلبون، المقرئ، الحلبي (١)، وكذلك: التّلخيص في القراءات الثمان للإمام أبي معشر عبد الكريم بن عبد الصّمد الطبري، وقد ضمّ كل منهما قراءة يعقوب إلى السبعة الكبار، وبسطوا أصولها وفرشها (٢). كذلك فإن خلف بن هشام راوية حمزة انفرد بقراءة مستقلة مخالفة لأصول حمزة، وهو مشهور بعلو الإسناد، والرسوخ في العلم. ومع ذلك فلم يستطع أحد أن يلحق هذه القراءات الثلاث بالسبع المتواترة، بالرغم من اشتهار أسانيدها، ومنزلة رجالها، وكان علينا أن ننتظر خمسة قرون أخرى حتى يجيء ابن الجزري؛ الذي بلغ في القرن التاسع منزلة فريدة في مرجعية الإقراء تسامي ما كان عليه ابن مجاهد في القرن الرابع. وفي مطلع القرن التاسع أصبح ابن الجزري مرجع العالم الإسلامي في القراءة والإقراء، ولذلك فإنه أعاد على بساط البحث مسألة القراءات الثلاث التي اختلف في تواترها، وقام بإثبات تواتر أسانيدها بالحجج الواضحة، ثم كتب نظما من البحر الطويل على نهج الشاطبية أسماه: الدّرة المضيّة في القراءات الثلاث تتمة العشر، وبذلك فإنه بوّأ هذه القراءات منزلة السبع المتواترات التي قررها ابن مجاهد. ثم صنّف بعد ذلك كتابه الشهير: النّشر في القراءات العشر، وأورد فيه زيادة على القراءات الثلاث، وجوها أخرى للأئمة السبع لم يكن الشاطبي قد أشار إليها من قبل. فمن ذلك أن الشاطبي أشار إلى أن المنقول عن عاصم أنه يمدّ المنفصل، وذلك في قوله:

стр. 65

إذا ألّف أو ياؤها بعد كسرة ... أو الواو عن ضمّ لقي الهمز طوّلا فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا ... بخلفهما يرويك درّا ومخضلا فأخبر أن الذين قرءوا بقصر المنفصل هم المرموز إليهم بالباء وهو قالون، وبالياء وهو السوسي، وبالدال وهو ابن كثير، فتعيّن للباقين المدّ لا غير. ولكن ابن الجزري تعقبه في ذلك فقال في الطّيبة: ... ... وقصر المنفصل ... لي بن حما عن خلفهم داع ثمل فأخبر أن الذين قرءوا بقصر المنفصل هم المرموز إليهم باللام وهو هشام، وبالباء وهو قالون، وب (حما) وهم أبو عمرو ويعقوب، وبالعين وهو حفص بخلاف عنهم، ثم بالدال وهو ابن كثير المكي، وبالثاء وهو أبو جعفر، يزيد بن القعقاع بوجه واحد. والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولم يكن ابن الجزري لينفرد بهذا الاختيار من تلقاء نفسه لو لم تكتمل لديه آلة هذا العلم من المصادر الغنية الموثوقة التي تمثل خلاصتها زبدة هذا العلم ومادته، وهي التي لا زالت مرجع القرّاء والحفاظ في هذا الفن. وخلال الفترة ما بين ابن مجاهد، وابن الجزري كتبت الكتب الأمهات في علم القراءات، وأصبح واضحا لكل مشتغل بهذا العلم أن هذا العلم قد نضج واكتمل، وأن الحاجة فيه إلى الترتيب، والاختيار باتت مؤكدة، وأصبح العلماء ينتظرون كلمة الحسم التي جاء بها ابن الجزري فيما بعد. ونستعرض هنا أهم الأعمال التي تمّ إنجازها خلال هذه الفترة، وهي في الوقت نفسه المصادر الأم التي اتّكأ ابن الجزري عليها حينما قدّم للناس كلمة الفصل في القراءات المعتمدة، وهي على ترتيب وفيات مؤلفيها: - كتاب السبعة: للإمام الحافظ أبي بكر، أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، التميمي، البغدادي، المتوفّى بها سنة (٣٢٤ هـ) (١).

стр. 66

- كتاب التّذكرة في القراءات الثمان: للإمام أبي الحسن، طاهر بن عبد المنعم بن غليون الحلبي، نزيل مصر، والمتوفّى بها سنة (٣٩٩ هـ) (١). - كتاب المنتهى في القراءات العشر: للإمام أبي الفضل، محمد بن جعفر الخزاعي، المتوفّى سنة (٤٠٨ هـ) (٢). - كتاب التّبصرة للإمام أبي محمد، مكي بن أبي طالب ... القيسي، القيرواني، ثم الأندلسي، المتوفّى سنة (٤٣٠ هـ) بقرطبة (٣). - كتاب الروضة في القراءات الإحدى عشر للإمام أبي علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي المالكي، نزيل مصر، المتوفّى سنة (٤٣٨ هـ) (٤). - كتاب التيسير: للإمام الحافظ أبي عمرو عثمان بن سعيد الدّاني، الأندلسي، المتوفّى بها سنة (٤٤٤ هـ) (٥). - كتاب جامع البيان في القراءات السبع: للإمام الدّاني السابق الذكر (٦). - كتاب المستنير في القراءات العشر: للإمام أبي طاهر أحمد بن علي ... بن سوار البغدادي المتوفّى بها سنة (٤٩٦ هـ) (٧). - كتاب الشاطبية: حرز الأماني ووجه التهاني: للإمام القاسم بن فيرة الشاطبي المتوفّى بالقاهرة سنة (٥٩٠ هـ) (٨).

стр. 67

- كتاب شرح الشاطبية: للإمام أبي الحسن علي بن محمد السخاوي، المتوفى بدمشق سنة (٦٤٣ هـ) (١). - كتاب جمال القرّاء، وإكمال الإقراء: للإمام السخاوي علي بن محمد المتوفى سنة (٦٤٣ هـ) (٢). - كتاب مفردة يعقوب: للإمام أبي محمد، عبد الباري بن عبد الرحمن الصعيدي، المتوفّى بالإسكندرية سنة (٦٥٥ هـ) (٣). واليوم يمكن القول بأن جهود ابن مجاهد التي أكملها ابن الجزري فيما بعد قد قطعت الجدل في أمر القراءة المقبولة، والمردودة، وأصبح سائر المقبول من القراءات مدوّنا في السبعة التي اختارها ابن مجاهد، والثلاث التي استكملها ابن الجزري. وكل ما سوى هذه القراءات العشر، فهو قراءات شاذّة تروى على أنها من كلام العرب، ولا يجوز القراءة بها في الصلاة، وقد عرف منها أربع قراءات مدوّنة، وهي قراءات يحيى اليزيدي (٤)، وابن محيصن (٥)، والأعمش (٦)، والحسن البصري (٧)، وما سواها، فهو غير مدوّن

стр. 68

لا ضابط يضبطه (١)، ولا يوجد موجب شرعي لجمعه وإحصائه، ولكن جمعه وإحصاءه مفيد لجهة معرفة آراء السلف في اللغة والفقه والتفسير. وينبغي أن نشير إلى أن غالب هذه القراءات الشاذة؛ إنما هو تلك الملاحظات التي كان يدوّنها أصحاب المصاحف الخاصة على مصاحفهم، كما في مصحف أبي بن كعب، ومصحف علي بن أبي طالب، ومصحف أم سلمة، وعبد الله بن الزبير، وابن مسعود، والحسن البصري، على سبيل التفسير والإيضاح، فيتناقلها الناس من بعده على أنها من القرآن الكريم. وهذا السبب بعينه هو الذي دفع الخليفة الراشدي عثمان بن عفان أن يقوم بتحريق المصاحف الخاصة بالصحابة؛ خشية هذا المحذور الذي وقع بالفعل، ولكن بعد أن سلّم المصحف الإمام، الذي وفّر للأمة بيانا صريحا يتميّز به الصحيح من الدّخيل. وإلى هنا، نكون قد رسمنا صورة واضحة لبزوغ فن القراءات، ومستنده الشرعي، ومنزلته في الاستدلال، وبيان ضوابط المقبول والمردود من القراءات، وأما تفصيل الألفاظ المقبولة والمردودة في القراءات، فهذا بحث دقيق، وقد وفقني الله لإصداره في كتاب خاص أسميته (الشامل في القراءات) نشرته دار الكلم الطيب بدمشق. ولنتحول الآن إلى الحديث عن أثر اختلاف القراءات في الرسم والأحكام.

стр. 69

الباب الثاني أثر القراءات المتواترة في الرسم القرآني

стр. 70

تمهيد يمكن أن يأخذ الحديث عن تاريخ الرسم القرآني اتجاهات مختلفة، وهو- دون شك- من أكثر المسائل التي تحدّث فيها الناس؛ إذ لا يخلو مصنّف في علوم القرآن من الحديث عن تاريخ تدوين القرآن، والجهود العظيمة التي بذلت في هذا السبيل. والذي سنتّجه إلى الحديث عنه هنا هو هذا الرسم الذي تمّ بالفعل تدوين القرآن الكريم به؛ من جهة ضبطه للتنزيل القرآني، ومدى ما عاد به تطوير هذا الرسم من مسئوليات على القرّاء لجهة ضبط القراءات المتواترة تنزيلا، والتي أصبحت الكتابة تعجز عن ضبطها كلما تطور هذا الرسم. ولذلك فإننا سنعنى هنا بتاريخ الرسم القرآني في مراحله المختلفة في إشارة مقارنة إلى جهود علماء القراءات في ضبط التنزيل.

стр. 71

الفصل الأول تاريخ الرسم القرآني المبحث الأول الرسم في عهد النّبي ﷺ من المسلّم به أن النّبي ﷺ كان يأمر بكتابة الوحي فور نزوله؛ حيث كان كتاب الوحي يتلقّونه عن الرسول ﷺ مباشرة، فيسطرونه فيما يتيسر لديهم من وسائل الكتابة من اللخاف والرقاق وورق البردى وغير ذلك، ولا يوجد في المنطق والواقع والرواية ما يعكّر هذا الفهم، إذ كانت مكة أصلا بلد ثقافة، والقرّاء والكتّاب فيها متوافرون؛ حيث كانت المجامع الثقافية الموسمية في عكاظ والجنة وذي المجاز وغيرها؛ تفرض على شباب مكة تحصيل جانب من القراءة والكتابة، ولذلك فقد جعل النّبي ﷺ فداء الأسير من قريش يوم بدر أن يعلّم عشرة من أطفال المسلمين في المدينة القراءة والكتابة. وهكذا فإن قلّة عدد الصحابة بمكة مقترن بأن غالبيتهم يحسن القراءة والكتابة، وهو يدفع عنا توهم ضياع شيء من نصوص الوحي؛ حيث كان النّبي ﷺ يتلقّى أولا عن جبريل، ثم يقرئ من حوله من الأصحاب، ويأمر بكتابة ذلك في الصحف. أما الآيات الأولى من سورة العلق التي تلقاها النّبي ﷺ في غار حراء منفردا، ونظائرها مما تلقّاها في غيبة أصحابه؛ فإن حمله ﷺ لها ثم أمره إلى الصحابة بنسخها في المصاحف ليس مما يعسر فهمه وتباينه عند من يعتقد بأنه تنزيل من ربّ العالمين. وفي المدينة كان الأصحاب من الكثرة والاجتماع حول النّبي ﷺ إلى حدّ يطمئن فيه المرء أن سائر الوحي تلقته الكتبة في الصحف بحضرة المعصوم ﷺ ، وهو ما تواترت على إثباته الروايات والقرائن والأدلة.

стр. 72

وأشهر كتاب الوحي بين يدي النّبي ﷺ : أبان بن سعيد بن العاص الأموي، وأبي بن كعب، والأرقم بن أبي الأرقم، والزبير بن العوام، وزيد بن ثابت، وأبو بكر الصّديق، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والعلاء بن عقبة، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وسجلّ الكاتب (١). ولم يأمر النّبي ﷺ بجمع سائر الصحف في كتاب؛ وذلك أنه كان يتوقع دائما نزول القرآن الكريم، ونسخ بعض ما نزل، فكان إذا نزلت السورة يقتصر على قوله: اجعلوا هذه مكان كذا وكذا، فيعرف أصحابه الكرام مراده بالترتيب من غير أن تتمّ الكتابة النهائية لسائر آي القرآن الكريم في مصحف واحد. قال الخطابي: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يرقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصّديق بمشورة عمر، وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن» .. الحديث؛ فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة، وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور (٢). وهكذا فإن النّبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن عنه من غير أن يأمر باستقصاء ذلك كله في مصحف واحد، وكل ذلك بوحي، فالمسألة توقيفية لا مجال فيها للاجتهاد. وكان رسول الله ﷺ يعرض القرآن الكريم في كل عام مرة على جبريل الأمين خلال شهر رمضان، وفي سنته الأخيرة ﷺ عرضه مرّتين، وفي ذلك يقول ﷺ : «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل شهر رمضان مرّة وإنه عارضني هذا العام مرتين وما أراه إلّا قد حضر أجلي» (٣). فبذلك تمّ نزول القرآن كله، وتمّ ترتيبه في مواضعه، وتمّ نسخه في الصحف، كل ذلك بأمر منه ﷺ وبين يديه.

стр. 73

المبحث الثاني رسم القرآن الكريم في عهد الصحابة تبيّن مما سبق أن رسول الله ﷺ توفي وعند المسلمين وثيقتان دقيقتان للقرآن الكريم. ١ - الوثيقة الأولى: وهي جماعة الحفّاظ الذين قرءوا القرآن على رسول الله ﷺ ، وهم لا يقلّ عددهم عن المائة على أقلّ تقدير، فقد قتل يوم اليمامة سبعون منهم، وقتل يوم بئر معونة (١) مثل ذلك، ومن هؤلاء الحفّاظ من عرضه مباشرة على رسول الله ﷺ وأقام مجالس الإقراء يقرئ الناس فيها، وقد اشتهر من هؤلاء: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري (٢). وكان هؤلاء بمثابة القرّاء الذين يقرءون على شيوخهم فيجيزونهم، وكان رسول الله ﷺ بمثابة شيخ لهؤلاء قرءوا عليه فأجازهم. كذلك فإن من الصحابة من قرأ على حفّاظ الصحابة في حياة رسول الله ﷺ ، ومنهم من أتمّ حفظه عقب وفاة رسول الله ﷺ . أضف إلى ذلك أن هناك من لم يتيسر له حفظ كل القرآن الكريم فحفظ منه أجزاء وأرباعا وسورا متفرقة، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الألوف، فبذلك لم تكن في القرآن آية إلّا وقد حفظها المئات من الصحابة على أقلّ تقدير. ٢ - الوثيقة الثانية: وهي الوثيقة المكتوبة، فمن المؤكد أن كتبة الوحي القرآني كتبوا كل آية في القرآن الكريم في صحفهم كما علمت. فقد كان الكتبة يتلقفون الآيات عن رسول الله ﷺ فينسخونها في الصحف فور نزولها، وربما كتب الآية كاتب واحد أو اثنان أو ربما أكثر من ذلك، وعن هذه الصحف، كان كثير من

стр. 74

الصحابة ينسخون الآيات في صحفهم الخاصة، بل إن بعض الصحابة جمع لنفسه مصحفا خاصّا كاملا. ومن هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وحفصة، وأم سلمة، وأبي بن كعب، وغيرهم كثير (١). ولم تكن هناك ضرورة لجمع هذه الصحف في مكان واحد خلال حياة النّبي ﷺ ؛ إذ النّبي حيّ، والحفّاظ متوافرون، فضلا عن عدم إمكان ذلك بسبب تنزل الوحي المستمر، ومن المعلوم أن ترتيب نزول الوحي اتّصل حتى الأيام الأخيرة من مرض النّبي ﷺ الأخير. أول جمع للقرآن: حين توفّي النّبي ﷺ اشتدّت الحاجة لجمع هذه الصحف المكتوبة في مكان واحد تمهيدا لنسخها ضمن المصاحف ليسهل نشرها في الآفاق. وكان عمر بن الخطاب أول من رأى ذلك، وسعى إليه، فقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ أبو بكر (عند) مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ (كثر) في أهل اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ . قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فقال زيد: فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال؛ ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره.

стр. 75

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التّوبة: ٩/ ١٢٨ - ١٢٩]، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. وهكذا فإن منهج زيد بن ثابت في كتابة القرآن هو اعتماد الوثيقتين المحفوظة والمكتوبة، وقد عثر على سائر آيات القرآن مكتوبة كما كان يحفظها هو وزملاؤه من الصحابة، وهي الوثائق التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ ، والخبر يؤكد أنه عثر على أكثر من وثيقة مكتوبة لجميع آيات القرآن إلا وثيقة واحدة مكتوبة، كانت لدى أبي خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين، فطابق بين حفظه وبين الوثيقة التي وجدها، يؤيّدها تأكيد عشرات الصحابة الحفّاظ، ومنهم زيد بن ثابت، فنسخها في المصحف، وخلال فترة قصيرة جمع القرآن كله بوثائقه الأولى لدى أبي بكر الصّدّيق، فنسخت بين اللوحين، وخرجت إلى الوجود أول نسخة كاملة من القرآن الكريم، بالغة التوثيق والتدقيق، وهي في الوقت نفسه أول كتاب ينسخ بالعربية. وفي خلافة عمر بن الخطاب بقي المصحف على حاله لدى عمر، وبقي الاعتماد الأساسي على الحفظ والإقراء، مع الاستعانة بالصحف الخاصة لدى الصحابة، والمصحف الإمام الموجود لدى عمر بن الخطاب ﵁. المبحث الثالث الرسم العثماني وفي عهد عثمان بن عفان خاف الصحابة على الناس من الاختلاف في القرآن بسبب عدم توفر نسخ قرآنية بين أيدي الناس يقرءون بها، وقد توزّع الحفّاظ في الأمصار وعظمت الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجا. ولم يكن الحفّاظ والقرّاء- مهما بلغوا من الكثرة- ليستطيعوا أن يقرءوا الناس جميعا في سائر الأمصار؛ كما كان الأمر في عهد رسول الله ﷺ والشيخين.
следующие страницы →