وأصله و (اقررن) مثل: (اعضضن)، فحذفوا الراء الأولى لثقل التّضعيف، وحوّلوا فتحتها إلى القاف، وحذفوا الألف أيضا لأن القاف تحركت فصار (وقرن) كما قال: «هل أحست صاحبك» أي «هل رأيت»، والأصل: هل أحسست.
وقرأ الباقون: (وقرن) بكسر القاف (١). احتمل أن يكون من (الوقار) تقول: وقر يقر (والأمر منه قروا) وللنساء: (قرن) مثل: (عدن، وكلن) مما تحذف منه الفاء وهي واو، فيبقى من الكلمة: (علن) وإن كان من (القرار) فيكون الأمر: (اقررن) فيبدل من العين الياء كراهة التضعيف، كما أبدل في (قيراط) و (دينار)، فتضمر لها حركة الحرف المبدل منه، ثم تلقي الحركة على الفاء، فتسقط همزة الوصل لتحرك ما قبلها، فنقول: (قرن)، كما يقال من (وصل يصل): صلن. والأصل: (اوقرن) فحذفت الواو لأنها وقعت بين كسرتين، واستغني عن الألف لتحرك القاف، فصار: قرن على وزن (علن). ويحتمل أن يكون من (قررت في المكان أقرّ)، وإذا أمرت من هذا قلت: (واقررن) بكسر الراء الأولى، فالكسر من وجهين: على أنه (الوقار)، ومن (القرار) جميعا (٢).
وثمرة الخلاف:
أن الآية العظيمة أمرت نساء النّبي ﷺ بأمرين اثنين:
١ - الوقار في البيوت، وهو لزوم السكينة والأدب، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور بالكسر.
٢ - الاستقرار في البيوت، وعدم الخروج منها إلا لضرورة أو عذر، وهو ما دلّت له قراءة المدني وعاصم.
وبالجملة فكلاهما مطلوب من نساء النّبي ﷺ بدلالة القرآن الكريم.
ولا ريب أن ذلك في حقّ نساء النّبي ﷺ بمنزلة الوجوب لأنه أمرّ لهنّ، وهو من نساء المؤمنين من بعدهنّ بمنزلة المندوب.
стр. 282
ولا يخفى أن ذلك كله مقيد بما دون الضرورة، وإلا فلا خلاف أنهن لا حرج عليهنّ في الخروج من البيوت إذا دعت إلى ذلك مصلحة ضرورية لهنّ أو للأمة، وعلى ذلك يحمل خروج السيدة عائشة ﵂ حين خرجت للثأر من قتلة عثمان ﵁.
стр. 283
المبحث الرابع في الحدود
المسألة الأولى:
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢/ ٢١٩].
قرأ حمزة: والكسائي: (قل فيهما إثم كثير). وقرأ الباقون: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ (١).
وليس يحتاج المتأمّل كثير نظر ليدرك أن القراءتين متوجهتان من جهة المعنى، والرسم، واللغة، والتواتر، ففي الخمر والميسر إثم كثير، وإثم كبير.
وفي السياق: وإثمهما أكبر من نفعهما، وإجماع الكل على أنها بالباء، ثم إن الذنب يوصف إذا كان موبقا بأنه كبيرة، وفي ذلك قول الله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ [الشورى: ٤٢/ ٣٧]، وقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النّساء: ٤/ ٣١]، وأورد أبو زرعة حجة لجمهور القرّاء، وهي أن الإثم واحد يراد به الآثام، فوحد في اللفظ ومعناه الجمع، والذي يدلّ عليه وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فعودل الإثم بالمنافع، فلما عودل بها حسن أن يوصف بالكثير (٢).
ولا يخفى أن هذه التعاليل ليست أكثر من وجوه للتفسير، ولا يستلزم انتصار إمام لقراءته تنكّره لقراءة غيره بعد أن ثبت التواتر في كلّ.
والآية تكشف عن حكمة التدرّج في تشريع الأحكام، وسنأتي على تفصيل ذلك قريبا، فمع بداية الدعوة الإسلامية بقي الخمر على إباحته، حيث كان اهتمام الدعوة مركزا على تثبيت دعائم الإيمان في النفوس .. من وحدانية وتصديق بالرسالة، والرسول، واليوم الآخر.
стр. 284
وبعد ذلك كان للأخلاق الدرجة الثانية من الاهتمام، فنزلت الآيات في فضيلة الصدق والصبر، والأمانة والوفاء، حتى إذا اكتمل مجتمع الإسلام، عقيدة وأخلاقا، وتوضحت القيم، والمثل العليا في السلوك، بدأ تشريع الأحكام، وذلك مع أول العهد المدني.
تمّ ذلك كله والخمرة ما تزال على إباحتها، يتداولها الصحابة في مجالس أسمارهم من غير حرج ولا نكير، إلا شيئا بدءوا يجدونه في قلوبهم من الريبة في أمرها، دفعهم أن يستبينوا أمرها مرة بعد مرة. والحكيم العليم- أدرى بنفوس خلقه، وطبائع عباده.
ولا شك أن سلامة الاعتقاد، وحسن الأخلاق تقود تلقائيا إلى سلامة الطبائع، فصارت نفوسهم تشعر بالفضائل، وتتجه نحو الكمالات، فأصبحت تعرف الرذائل والنقائص، وتعمل على اجتنابها وتحاشيها، فبدافع ذاتي بدءوا يشعرون بأن الخمر منقصة ورذيلة، فصار الناضجون إيمانا منهم، لا يكتمون شوقهم وتمنيهم لحكم سماوي يحرم الخمر، بعد أن ظهر تحريمها من نداءات الفطرة السليمة، التي كشف الإسلام الركام عنها في نفوسهم، ومن مستلزمات الطباع القويمة التي صقلها الإيمان في أعماقهم.
وهذه الآية حلقة في سلسلة من التنزيل تعاقبت لبيان حرمة الخمر، وإنما استأنى بهم المولى سبحانه لإلفهم، وعادتهم، وكلفهم به، فلو أنه جزم في تحريمه مرة واحدة لشقّ ذلك عليهم، فكان أول ما نزل من ذلك قول الله : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النّحل: ١٦/ ٦٧]، فقال بعض الصحابة: لو كانت الخمرة رزقا حسنا لما أفردها الله عنه بالذكر.
ثم نزل قوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢/ ٢١٩]، فقال بعضهم: يا رسول الله ننتفع بها ونشربها (١)، وقال بعضهم: بل نعرض عنها.
ثم نزل قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النّساء: ٤/ ٤٣]، فشربها من شربها منهم، وتركها من تركها، وجعلوا يتّقونها عند الصلاة، حتى شربها رجل يقال له أبو القموص، فجعل ينشد شعرا، يذكر فيه قتلى بدر يرثيهم،
стр. 285
وقال في النّبي والأصحاب هجرا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجاء فزعا يجرّ بداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، رفع رسول الله ﷺ شيئا كان بيده ليضربه، فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، والله لا أطعمها أبدا، فأنزل الله سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٥/ ٩٠ - ٩١].
فقال عمر بن الخطاب: انتهينا .. انتهينا (١).
وروي في أسباب النزول قصص مشابهة عن حمزة، وعن علي ﵁، فالله أعلم أي ذلك كان.
وهكذا فإن الآية كانت بمثابة إيحاء للناس بكراهية الخمر والميسر، وتهيؤ لنفوسهم للابتعاد عنها، بما تكشف لهم من جوانب الشّر في هذين الوباءين.
فالإسلام بما هو خطاب للإنسان، بكل غرائزه وميوله وواقعه؛ كان منسجما مع ذلك كله، يأمر بما يقتضي الحال، وبلغ أن يطاع، حينما أمر بالمستطاع.
فلم يكن تحريم الخمر أمرا سهلا في مجتمع الجاهلية، الذي لم يكن يفرق بين حاجته إلى الماء وحاجته إلى الخمر، وفي بلد كان الخمر فيه ثروة قومية أساسية، ربما أوصل إتلافه إلى كارثة اقتصادية، وفي مجتمع لم يكن يحسن التفريق بين وحي السماء، ووحي سدنة الوثن.
فبدأ تحريم الخمر ببناء قدسية وحي السماء في نفوس الناس، ثم التمهيد لهذا التحريم بحيث أن رءوس الأموال المرصودة له تتحول تدريجا عنه، ثم الكشف عن أضراره وأخطاره في البدن والعقل، حتى صار تحريمه مطلبا اجتماعيا، يسعى إليه العاقلون.
وهذا هو المقصود بهذه الآية التي جاءت قبل آية التحريم القاطع، فالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس، ولا ريب أن المنافع المقصودة هنا هي تلك الأرباح التجارية التي يجنيها عاصر الخمر ومعتصره، وهو من حيث الواقع ربح حقيقي مؤكد، ولكن القرآن لا يترك الأمر على
стр. 286
عواهنه، بل يقرر فورا أن الإثم الذي يصيبك من جراء ذلك أكبر بكثير من النفع المادي الذي يحصله الإنسان، إن على سبيل الفرد، أو على سبيل الجماعة.
وبمقارنة بسيطة يدرك الإنسان، روعة التشريع الإلهي، وهيمنته على قضاياه، فها هي المجتمعات الأوربية اليوم في محاولاتها لتحريم الخمور، فإنها على الرغم ممّا للعلم وللعقل من تقديس واحترام في مناهج الغرب وتشريعاته، وعلى الرغم ممّا أكده العلم من أضرار الخمر على الجسم، ومن هدر للمال، ومن منافاة للذوق السليم، وعلى الرغم من نداءات وتحذيرات رجال العلم والطب والأدب عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وعلى الرغم من تدخل الدولة أحيانا بقوانينها وتشريعاتها وعقوباتها وسجونها؛ لم يستطيعوا أن يحدّوا من ارتفاع نسبة المدمنين والمدخنين، ناهيك عن تحريمها أو تخفيضها، أو منع الأطباء منها.
ففي أمريكا مثلا وعلى إثر حملات مكثفة للمؤسسات العلمية الأمريكية التي فضحت مضارّ الخمر المحققة، قام الكونغرس الأمريكي بإصدار قانون عام ١٩١٩ يحرّم صناعة الخمر سرّا وجهرا، ويمنع بيعها وتصديرها واستيرادها ونقلها وحيازتها، ويفرض العقوبات الشديدة بحق المخالفين، إما بالسجن أو الغرامة أو كليهما، ووضعت الحكومة لتنفيذ قانون التحريم إمكانات عظيمة، فأنفقت على الدعاية لتوعية الناس بكل الوسائل الإعلامية والتعليمية ما يزيد عن (٦٠) مليون دولار، ونشرت من الكتب والنشرات ما يزيد عن عشرة ملايين صحيفة، وأنفقت لتنفيذ القانون (٢٥٠) مليون جنيه، وكانت النتيجة بعد تطبيق القانون أربعة عشر عاما ما يلي: انتشار آلاف الحانات السرية، وازدياد عدد شاربي الخمر أضعافا، وسجن حوالي نصف مليون شخص لمخالفتهم القانونية، وصدر حكم الإعدام ب (٢٠٠) شخص من المجرمين بسبب الخمر، وانتشرت الخمور الرديئة التي زادت في الإضرار الصحية فأدت لهلاك (٧٥٠٠) شخص وإصابة (١١٠٠) شخص بأمراض صعبة، وذلك في عام واحد، كما ارتفعت نسبة جرائم القتل إلى ٣٠٠%، وكل هذا دفع الحكومة لإعادة النظر في قانونها، وقرر الكونغرس عام ١٩٣٣ م إلغاء قرار حظر الإباحة، وذلك بسبب الفشل الذريع، كما قال صوئيل في كتابه (قراءة حول الغول): «إن القرار قد ألغي على أساس واقعي هو أن المنع قد فشل» (١).
стр. 287
أما في التشريع الإسلامي، فإن الأمر كان أهون من ذلك بكثير، وما هو إلا أن اطمأنت نفوسهم بالإيمان، وسكنت إلى الله قلوبهم حتى صاروا في مراد الله أرغب منهم إلى مرادهم، ولأمره أطوع منهم لأوامر أنفسهم، وبعد مرحلة من التدرج الحكيم، نزلت آية واحدة في القرآن، قصمت ظهر أم الخبائث إلى الأبد:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٥/ ٩٠].
وقد نزلت الآية وإن الرجل قد أدنى كوزه إلى فيه ليشرب منه، فما يبتلّ منه ريقه، وإن الدّنان العظام لم توكأ بعد حتى أكفئت في طرقات المدينة، حتى سارت طرقات المدينة بالخمر، ولم يعرف منذ ذلك التاريخ، أي أزمة في المجتمع الإسلامي بسبب الخمر، ولا أي مطالبة بإلغاء التشريع الذي قضى على تقليد جاهلي كان في نفوسهم وسلوكهم أرسخ من أي تقليد، حتى إن بابه في الأدب العربي أوسع الأبواب وأغزرها.
إنه الفرق الواضح بين تشريع الله وتشريع الإنسان ..
وثمرة الخلاف:
تظهر في المبالغة في التنفير من الخمر والميسر في صورهما كافة، فدلّت قراءة الكوفيين إلا عاصما على أن فيها إثم كثير من تعطيل العقل، وهدر الجهد، وتسلّط الشيطان، وإثارة العداوة والبغضاء.
ثم وصف هذا الإثم الكثير بأنه كبير لئلا يتوهم الغافل أن إثم هذه الفواحش يدرج في الصغائر، فجاء النّص على أنها كبيرة من الكبائر، يلزم منها وصف فاعلها بالفسق.
وقد تذرّع بعض الجهلة فزعموا أن الآية نصّ على وجود منافع في الخمر، وأن الله لا يحرم ما أخبر عن منفعته وفائدته.
ولا شك أن ذلك التفاف خبيث على مقصد الآية التي جاءت أساسا للتنفير من الخمر، وبيان أن المنافع المادية التي تحصل من تجارة الخمر، لا تعدل الإثم الكبير الذي يلحقه الخمر بالإيمان والأبدان، وهو ما صرّحت به الآية ذاتها: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢/ ٢١٩].
стр. 288
ولا مبرّر للقول بأن هذا النّص الإلهي منسوخ؛ إذ سائر دلالاته باقية، فقد قررت الآية الإثم، وقررت المنفعة، وبيّنت أن الإثم أكبر من المنفعة، وأن المرابح المالية تحصل من تجارة الخمر، ولكنها أرزاق سحت بلا شك.
المسألة الثانية:
قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النّساء: ٤/ ٢٥].
قرأ الكوفيين إلا حفصا: (فإذا أحصنّ) بفتح الألف والصاد، وقرأ الباقون: فَإِذا أُحْصِنَّ (١) بضم الهمزة، وكسر الصاد.
قال القرطبي: أحصنّ بالفتح أسلمن، وبالضم: تزوجن (٢).
ولكن لا يعرف في اللغة هذا التفريق لوجه ضم أو فتح، فأهل اللغة على أن الإحصان في الأصل المنع (٣)، وقد ورد في التنزيل بعدة معان، فجاء بمعنى المنع من الأذى: لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء: ٢١/ ٨٠]، وجاء بمعنى العفاف كما في قوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الأنبياء: ٢١/ ٩١]، وجاء بمعنى الزواج قال تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النّساء: ٤/ ٢٣]، وجاء بمعنى الحرية كما في قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النّساء: ٤/ ٢٣].
تدور معاني الإحصان كلها حول مسألة المنع والحجز، فالإسلام حجز عن الكفر، والزواج حجز عن الفتنة، والعفاف حجز عن الفواحش، والحرية حجز عن الاستذلال.
وإنما مدار هذه المعاني على سياق ورود الكلمة في العبارة، واحتفافها بالقرائن، لا على أساس بناء الفعل للمعلوم أو المجهول.
стр. 289
قال ابن منظور: «وأصل الإحصان المنع، والمرأة تكون محصنة بالإسلام، والعفاف، والحرية، والتّزويج» (١).
وحيث لم يرد في اللغة العربية قيد يحدّد دلالة اللفظة على أحد مترادفاتها دون سواه من خلال تركيب الكلمة، فإن الواجب يقضي اللجوء إلى القرائن وعبارات علماء التفسير في ذلك، وظاهر قول الله يقتضي ألّا حدّ على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التّزويج؛ إذ هو الغالب في استعمال الإحصان، والمقام ثمة مقام الحديث عن الفتيات المؤمنات في صدر الآية، فدلّ على أن أُحْصِنَّ يراد منها معنى آخر غير معنى الإسلام، إذ توضح معنى الإسلام بقوله سبحانه: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ فتكرر ذلك عبث ولبس، يتنزّه عنه الحكيم سبحانه.
وهو ظاهر ما روي عن ابن عباس قال: «لا تجلد إذا زنت حتى تتزوج» (٢).
ولكن ثمة مذهب آخر روي عن ابن مسعود إذ كان يقول: «إذا أسلمت وزنت جلدت وإن لم تتزوج» (٣)، ونقله القرطبي عن ابن مسعود والشعبي والزهري وغيرهم (٤).
وينبغي الإشارة هنا إلى أنهم لم يرفعوا الحدّ عن الأمة بالتّزوج دون الإسلام وهم يريدون تهوين أمر الزّنا، بل هو إطلاق ليد الإمام ليعاقبهما بما يردعهما، أما الحدّ فهو من خصائص المحصنات.
وقد ورد حديث في الباب لو صح إسناده لقطع كل جدل، وهو ما روي عن النّبي ﷺ في قوله: «من أشرك بالله فليس بمحصن» (٥) ويمكن إجمال مذاهب الفقهاء في مذهبين اثنين:
стр. 290
الأول: مذهب ابن عباس، وهو أن الإحصان في هذه الآية هو التّزوج (١).
الثاني: مذهب ابن مسعود، وهو أن الإحصان في هذه الآية هو الإسلام (٢).
وقد أخذت الحنفية والمالكية بقول ابن مسعود، فنصّوا على أن الإحصان لا يتم إلا بالإسلام، لأن الحدّ تطهير، والكافر ليس من أهل التّطهير، ولا تحصّن الذّمية مسلما لقوله ﷺ لكعب بن مالك حين أراد أن يتزوج باليهودية: «دعها فإنها لا تحصنك» (٣).
أما رجمه ﷺ لليهوديين (٤) فقد أجابوا عنه أن ذلك بحكم التوراة قبل نزول الحكم في القرآن الكريم (٥).
وكذلك فإن الحدود كفارات لأهلها، وليس الكافر أهلا لذلك.
ونصّ عبارة الحنفية: شرائط إحصان الرّجم: الحرية، والتكليف، والإسلام، والوطء بنكاح صحيح بصفة الإحصان (٦).
وأخذت الشافعية بقول عبد الله بن عباس، فقالوا: ليس الإسلام من شروط إحصان الرجم، في حدّ الذّمي إذا ترافع إلينا، ولعموم قوله ﷺ : «الثّيّب بالثّيّب رميا بالحجارة» (٧)، واستدلوا بأن الأديان كلها تحرم الزّنا، وأن رسول الله ﷺ أتى برجلين زانيين فرجمهما (٨).
стр. 291
ويتلخص هنا بأن للأمة عادة أربعة أحوال:
١ - أمة كافرة غير متزوجة.
٢ - أمة كافرة متزوجة.
٣ - أمة مسلمة غير متزوجة.
٤ - أمة مسلمة متزوجة.
وقد اتّفقوا على حدّ الأمة المسلمة المتزوجة، وقد علمت مذاهبهم في رجم الكافرات، فلم تبق إلا مسألة واحدة وهي الأمة المسلمة لم تتزوج.
ظاهر دلالة الآية أنه لا حدّ عليهن إذا لم يتزوجن، وذلك عند من ذهب أن أُحْصِنَّ معناها تزوجن، وعلى هذا القول سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وأبو الدرداء، وابن عباس (١).
ولكن هؤلاء محجوبون بصريح ما ورد في الخبر الصحيح؛ عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: «إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» (٢) وفي رواية النّسائي عن ابن عينية: سئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن (٣).
وحيث ثبت هذا النّص في الصحيح وجب المصير إليه، وسبيل الجمع بين الآية والحديث متيسر، فالآية نص في حدّ الأمة المحصنة، والحديث نص في الأمة الغير محصنة، وفي كل فإن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وهو كما قال الزهري: المتزوجة محدودة بالقرآن، والمسلمة الغير متزوجة محدودة بالحديث (٤).
قال القرطبي: والأمر عندنا أن الأمة إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النّبي ﷺ ، ولا رجم عليها لأن الرجم لا يتنصف (٥).
стр. 292
ثمرة الخلاف:
على الرغم مما قدمنا، من مذاهبهم في تأويل الإحصان فلا يبدو هنا أن لاختلاف القراءة أثرا في الحكم الشرعي؛ إذ مدار الخلاف على التأويل- تأويل كلمة الإحصان- لا على القراءة.
وتبقى ثمرة الخلاف في القراءة على مذهب من قال: إن أحصن بالفتح: أسلمن، وبالضم:
تزوجن، وهو مذهب احتجّ به أبو زرعة للقراء (١)، وأورده القرطبي بلا عز ولأحد (٢)، وقد رأيت ضعفه وارتجاله فيما بيّناه.
وعلى كل فإن الجمع بين القراءتين وفق هذا الاستدلال ينتج عنه اشتراط التّزوج والإسلام جميعا في المحدودة، ويحمل حينئذ حديث البخاري الذي قدمناه على أنه أمر بالجلد على سبيل التعزير لا على سبيل الحدّ المقرر والله أعلم.
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٥/ ٤٥].
قرأ الكسائي: (والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاص)، ووافقه في لفظة (والجروح) ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو جعفر، حيث قرءوا بالرفع في (والجروح قصاص) فقط، وقرأ الباقون ذلك كله بالنصب (٣).
فيكون توجيه قراءة الجميع من حيث اللغة واحدا، فمن نصب على إضمار (أن) بين المتعاطفات، وهو مذهب الأخفش وسيبويه، وهو نسق على قوله: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وذلك حيثما نصب (٤).
ومن رفع فإنه رفع على الابتداء حيثما رفع، واعتبر المعنى منقطعا قبله.
стр. 293
والمعنى ظاهر في انقطاع الكلام قبل وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، وذلك ظاهر في عدم تشابه الأخبار؛ إذ خبر الأول كالثاني والثالث والرابع والخامس، ثم لم يشبهه خبر: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ.
ولكن معنى عدول الكسائي عن النصب من مطلع الآية غير جلي، ولكنه أجاب كما نقل عنه أبو زرعة بقوله: حجة الكسائي في ذلك صحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قرأ: (والعين بالعين والأنف بالأنف)، ونقل عن الزجاج قوله: «رفعه على وجهين: على العطف على موضع النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعامل فيها المعنى (وكتبنا عليهم النفس) أي قلنا لهم النفس».
ونقل عن الفراء كذلك قوله: «إن الرفع أجود الوجهين وذلك لمجيء الاسم الثاني بعد تمام الخبر الأول، وذلك مثل قولك: إن عبد الله قائم، وزيد قاعد» (١).
وأشبه ما في القرآن من مذهب الكسائي قوله سبحانه: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ٧/ ١٢٨]، وقد أجمعوا على رفع الْعاقِبَةُ على الاستئناف رغم إمكان عطفها على اسم إن.
وإنما بسطنا القول في تأويله من جهة اللغة لنحقق المقاصد التي فهمها القراء لكل وجه من هذه الوجوه.
ولا شك أن دلالات الآية، وهي أصل في أحكام القصاص في الفقه الإسلامي، يستدعي بسط القول في أحكامها إطالة لا تناسب هذه الدراسة، وإنما نجتزئ منها مسألة واحدة: هل تقتل النفس بالنفس، وفق ما أدى إليه عموم الآية، فتشمل بذلك قتل المسلم بالذّمي، والرجل بالمرأة، والحر بالعبد؟ أم تختص هذه الآية بشرع من قبلنا؟
أما الذي يتصل في هذا المقام فهو مسألة فرعية أخرى، وهي: هل يلزم القاضي الحكم بأن العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسّن بالسّن، والجروح قصاص على أنه شرع لنا؟ وهو ما دلّت له قراءة الرفع، أم يستأنس به في القضاء استئناسا على أساس أنه شرع من قبلنا على مذاهبهم في ذلك؟ وهو ما دلّت له قراءة النّصب.
стр. 294
فأما المسألة الأولى- وهي لا علاقة لها باختلاف القراءة- فقد اعتمدها الحنفية أصلا في تكافؤ الدماء بين الناس، فلم يشترطوا التكافؤ في الحرية والدين، وإنما يكتفى بالتساوي في الإنسانية، وأمارتها نفخ الروح، وكذلك فإن النصوص العامة لم تفرق بين مسلم وذمّي كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ٢/ ١٨١]، وقوله تعالى: وَكَتَبْنا
عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[المائدة: ٥/ ٤٥]، فلو لم يجب قتل المسلم بالذّمي لكان في ذلك إغراء بإهراق الدماء لما بين الفريقين من العداوة في الدين (١).
واستدلوا كذلك بما رواه الدارقطني أن النّبي ﷺ أقاد مؤمنا بكافر، وقال: أنا أحق من وفّى بذمته (٢).
وقد مضى جمهور الفقهاء إلى ردّ اختيار الحنفية، وشرطوا الإسلام في المقتول لإقامة حدّ القصاص، إذ الكفر شبهة تنفي المساواة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولا قصاص مع الشبهة.
وردّ الجمهور على حديث الدارقطني بأنه ضعيف، وقد يحمل على أنه كان قبل تقرير النّبي ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر» (٣).
وقد تأوّل الحنفية حديث: لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، بأنه خاص بالكافر الحربي، وهو محلّ إجماع بين الفقهاء (٤).
وأما الآية فقد قال جمهور المفسرين إنها شرع من قبلنا، وهو لا يلزمنا، ولكن الحنفية مضوا على إعماله وفق قاعدتهم في اعتبار شرع من قبلنا مصدرا تشريعيا، وهو خلاف أصولي مشهور بين علماء الأصول (٥).
стр. 295
وقد أورد المرغيناني من علماء الحنفية بيانا مفصّلا لمذهب الحنفية في قتل المسلم بالذّمي؛ استنادا لعموم هذه الآية، ومناقشا لما ذهب إليه الشافعية: «ويقتل المسلم بالذّمي، خلافا للشافعي ﵀، له قوله ﵊: «لا يقتل مؤمن بكافر»، ولأنه لا مساواة بينهما وقت الجناية، وكذا الكفر مبيح فيورث الشبهة، ولنا ما روي أن النّبي ﷺ قتل مسلما بذمّي، ولأن المساواة في العصمة ثابتة نظرا إلى التكليف أو الدار، والمبيح كفر المحارب دون المسالم، والقتل بمثله يؤذن بانتفاء الشبهة، والمراد بما روى الحربي لسياقه، ولا ذو عهد في عهده، والعطف للمغايرة» (١).
وهكذا فإن أظهر التطبيقات العلمية لهذا الاختلاف، ما أخذ به أبو حنيفة؛ إذ قال: يقتل المسلم بالذّمي لأنه نفس بنفس، وتدلّ لهم الآية الصريحة ولكن التأمل في الأدلة يقف بنا عند قول الجمهور؛ إذ الآية ليست أكثر من حكم عام، ومع أن أبا حنيفة شديد في الأخذ بعموم النّص، ولكن ليس لأحد أن يتنكب عن المخصّص إذا ما صحّ إسناده وتبيّنت دلالته (٢).
ومع ذلك فإن تقرير هذه المسألة من جهة الاستنباط لا يحول دون نظر الأمة في المصالح المرعية، وقد يجد الإمام أن الناس يجترئون على أهل الذمة إذا فهموا درء الحدّ باختلاف الدين، فينقضون بذلك ذمة المسلمين العامة، فتقضي المصلحة هنا أن يتشدد الإمام في الحد، استدلالا بما ذهبت إليه الحنفية، على أن ذلك لا يلزم منه لزوم الأخذ به قضاء، إذ يمكن القضاء أن يدرأ الحدّ بالشبهة، وفساد العقيدة شبهة تدرأ الحد، ولكن لو رأى القضاء في الجناية وجها ظاهرا في العمد والاستهتار بحياة الناس، أو القصد الدنيء، فإن المصير إلى اختيار الحنفية هنا أولى، وهذا المعنى
стр. 296
هو الذي ذهبت إليه القوانين الجنائية في البلدان العربية، بل هو ما قرره المشرع في السودان لدى إقراره القانون الجنائي الإسلامي (١).
وهذا الذي اخترناه موافق لما أفتى به مالك بن أنس ﵁ في الموطأ: «الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله مسلم قتل غيلة، فيقتل به» (٢)، وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه، وخاصة على ماله.
وهكذا فإن ملاحظة دناءة المقصد في القتل، واعتباره قرينة تدفع إلى تغليظ العقوبة منهج فقهي اعتمده الإمام مالك، والليث بن سعد، وكلاهما من الجمهور، وذلك خلافا
لقاعدتهم في اشتراط تكافؤ الدين بين القاتل والمقتول.
فقد أخرج أبو داود والترمذي والنّسائي عن علي ﵁ أنه سئل: هل خصّك رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتابا من قراب سيفه، وإذا فيه:
«المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد بعهده».
وقد عرض القاضي ابن العربي لهذه المسألة فقال:
قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ قرئت بالرفع والنصب، فالنصب اتباع للفظه ومعناه، والرفع فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفا على حال النفس قبل دخول أن.
والثاني: أن يكون استئناف كلام، ولم يكن هذا مما كتب في التوراة، والأول أصح (٣).
وكان ابن العربي قد بسط القول في ردّ اختيار الحنفية بشأن قتل المسلم بالكافر فقال: تعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية، فقال: يقتل المسلم بالذّمي لأنه نفس بنفس. قالت الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا.
وقلنا نحن له: هذه الآية، إنما جاءت للرّد على اليهود في المفاضلة بين القبائل، وأخذهم من
стр. 297
قبيلة رجلا برجل، ونفسا بنفس، وأخذهم من قبيلة أخرى نفس بنفس، فأما اعتبار أحوال النفس الواحدة بالنفس الواحدة فليس له تعرض في ذلك، ولا سبقت الآية له. وإنما تحمل الألفاظ على المقاصد) (١).
وأجاب كذلك بجوابين آخرين سبق ورودهما، أولهما: الأحاديث المخصصة، وهي كما رأيت في أعلى درج الصحيح، وثانيهما: انتفاء المماثلة بين نفس تطهرت بالإيمان وتزكت بالتوحيد ونفس راتعة في الكفر المبيح للدم.
واتفق الفقهاء فيما عدا ذلك على أنه يقتل الرجل بالأنثى، والكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، وسليم الأعضاء بمقطوعها وبالأشلّ، أي أنه لا يشترط التكافؤ في الجنس والعقل والبلوغ والفضيلة وكمال الذات أو سلامة الأعضاء (٢).
فهذه باختصار خلاصة مذاهبهم في قتل المسلم بالذّمي، وهي مسألة لا تتصل باختلاف القراءات، لكن تتصل في الاحتجاج بشرع من قبلنا، وهي المسألة التي عليها مدار خلافهم في قراءة النصب.
وكذلك فإن اختلافهم في اشتراط التكافؤ في القصاص من الجاني على النفس هو في اشتراط التكافؤ في القصاص من الجاني على ما دون النفس.
أما ما يتصل باختلاف القراءات، فهي أحكام الجناية على ما دون النفس الإنسانية، وهي الأحكام التي تناولتها الآية بدءا من قوله : وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ.
فقد قرئ ذلك كله كما علمت بالنصب والرفع، وقد صاروا إلى توجيهه على ثلاثة أقوال:
الأول: القراءة بالنصب على أنها من شرع من قبلنا.
الثاني: القراءة بالرفع بالعطف على المعنى، على أنها شرع من قبلنا.
стр. 298
الثالث: القراءة بالرفع على أنها ابتداء كلام، حكم في المسلمين (١).
وقد تحدّثنا بالتفصيل عن مذاهب النّحاة في توجيه اختياراتهم (٢)، ولم يبق إلا أن نشير إلى أثر القراءة في الحكم الشرعي.
قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام، حكم في المسلمين (٣)، وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول الله ﷺ : وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين، وقد أمروا بهذا (٤).
فيتعين ثبوت الحكم في حقّ من يرى أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد فيه ناسخ، وهم الحنابلة والحنفية، وذلك سواء قرءوا بالرفع أو بالنصب، على التعليل الذي
قدمناه.
ولا يتعين ثبوت الحكم في حق من قرأ بالنصب إذا كان لا يرى الأخذ بشرع من قبلنا، وهم الشافعية، الذين استدلّوا بقول الله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٥/ ٤٨].
ولكن كيف يتوجه عندهم تواتر قراءة الرفع، وهو تواتر ملزم كما علمت؟ الجواب أنهم يجعلونه عطفا على المعنى كما قدمناه، فلا يلزمهم حينئذ حكم القصاص، ويكون فهمهم للآية مغايرا لما أوردناه عن ابن المنذر بقوله: هذا حكم في المسلمين، غاية الأمر أنهم جعلوا العطف هنا على المعنى، فاتصلت العبارات من جهة المعنى، وانفصلت من جهة الاتباع الإعرابي.
لكن هذه الحجة التي فصلناها لهم لم ترد في كتب الشافعية، فهي تخريج على أصولهم، ولكن لم يجدوا الحاجة للاستدلال بها كونهم لم يخالفوا في مثلية القصاص في عموم قوله سبحانه:
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النّحل: ١٦/ ١٢٦]، وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: ٢/ ١٩٣].
كذلك فإنهم لم ينازعوا فيما حكاه ابن المنذر، فيمكن القول حينئذ أن الكافة متفقون على
стр. 299
دلالة الآية على مشروعية التماثل في القصاص فيما دون النفس (١)، ولم ينازع في سائر دلالات الآية إلا أبا حنيفة في مسألة واحدة، وهو قياس محض، ذلك أنه قال: إن مقتضى التماثل أن يتحقق التماثل في الأرشين، فلا يقتصّ لامرأة من رجل، ولا لعبد من حرّ، لعدم التساوي في الإرث والأرش والبدلية (٢)، وهو قياس محض أعرض عنه جمهور الفقهاء لأنه قياس في مصادمة النّص.
وثمرة الخلاف:
أن الآية العظيمة نص في مشروعية القصاص في عقوبة الجناية على ما دون النفس الإنسانية، وقد أتت الآية على تشريع ذلك بأسلوبين اثنين:
الأول: إيراد الخبر بأن هذا التشريع مكتوب في التوراة، وقد أمر به أهل الكتاب، وهو ما دلّت له قراءة النصب، وفهمه كذلك من قرأ بالرفع وأجرى السياق على أنه عطف بالمعنى.
الثاني: الإخبار بأنه أمر الله على المسلمين، وهو ما دلّت له قراءة الرفع على أساس الاستئناف.
وهكذا فإن ورود التنزيل الإلهي في تشريع هذا الحكم بأسلوبين اثنين مشتمل على زيادة في معنى تشريع هذه العقوبة، وبيان بأنها إرادة المولى في قصم ظهر الجريمة.
وهذه المعاني محل اتفاق بين الفقهاء من حيث المآل (٣)، وإن اختلفت سبلهم في تأصيل الاستنباط من النّص المذكور.
المسألة الرابعة:
قوله تعالى: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النّور: ٢٤/ ٩].
قرأ نافع: (أن) خفيفة، (غضب) بكسر الضاد، وفتح الباء، (الله) فاعل (غضب) فعل ماض.
стр. 300
قال سيبويه: هاهنا هاء مضمرة، و (أن) خفيفة من الثقيلة، المعنى: (أنه غضب الله عليها)، قال الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل (١)
قرأ الباقون: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها (٢).
وثمرة الخلاف:
أن الملاعنة مأمورة بأن تذكر الصيغتين في الملاعنة الخامسة، فتقول: أنّ غضب الله علي إن كان (زوجي) من الصادقين.
ومع ثبوت القراءتين تواترا فقد أمر الفقهاء بأن تنطق إحدى الصيغتين لأنها تدلّ على أختها وتجزئ عنها. وبذلك فإن تعدد القراءتين بمنزلة تعدد الآيات، بمنزلة تكرير الأمر به من المولى سبحانه.
ومن الفائدة في تعدّد القراءة تحقيق الترهيب للملاعنة، إذ اشتملت قراءة تشديد (إن) على التوكيد بوقوع الغضب، كما جاءت قراءة تخفيف (إن) لتفيد تعجيل العقوبة على الملاعنة الكاذبة، فأخبرت بأن الله قد غضب عليها فور افترائها على زوجها دون إبطاء.
وإنما فرّق بين المتلاعنين في الصيغة، فذكّر الملاعن باللعنة، وذكّر الملاعنة بالغضب، لأن المرأة هنا هي سبب الفجور ومنبعه، بإطماعها الرجل في نفسها (٣)، وغضب الله والعياذ بالله أشد نقمة من اللعنة أعاذنا الله منها جميعا.
стр. 301
المبحث الخامس في الجهاد
المسألة الأولى:
قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢/ ١٩١].
قرأ الكوفيون إلا عاصما (١): (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين)، فحذفوا سائر ألفات المفاعلة في الآية. وقرأ الجمهور بإثبات ألفات المفاعلة الثلاث كما قدمنا (٢).
وتوجيه قراءة الجمهور أن الخطاب في بيان المقاتلة وليس في بيان القتل، ويدلّ لهم قوله سبحانه: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة: ٢/ ١٩٠]، وكذلك قوله سبحانه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: ٢/ ١٩٣].
وكذلك فإن قالوا: إن القتال إنما يؤمر به الأحياء؛ فأما المقتولون فإنهم لا يقتلون فيؤمروا به، فلو قرئ بدون ألف المفاعلة كان ظاهره أمرا للمقتول بقتل قاتليه، وهو محال إذا حمل على ظاهره، فلا يستقيم معناه إلا بالتقدير، وإذا جاز التقدير وعدمه؛ فعدم التقدير أولى (٣).
وأما قراءة الكسائي، وحمزة، وخلف فإنها متجهة إلى أن وصف المؤمنين بالقتل في سبيل الله
стр. 302
أبلغ من وصفهم بالقتال، وفي ذلك زيادة مدح وثناء، فكأن المعنى قوله: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوا بعضكم، فإن قتلوا بعضكم فاقتلوهم) (١).
لكن قال الطبري في التفسير: «وأولى هاتين القراءتين بالصواب قراءة من قرأ:
وَلا تُقاتِلُوهُمْ لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيه ﷺ وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم» (٢).
وقد أوردنا هذا القول للطبري لنلفت الانتباه إلى ما قد يتبادر إلى الذهن من أن شيخ المفسرين كان يرى صحة قراءة وبطلان قراءة من المتواتر، وهو ما توهمه عبارته هذه، وأشباهها كثير في جامع البيان، وعند القرطبي أيضا، وهي محمولة على عدم ثبوت التواتر عنده، أما إذا ثبت لديه التواتر فلا يتصور من شيخ المفسرين أن يجزم ببطلان قراءة متواتره، وعلى ذلك يجب حمل سائر ما روي من كلام أئمة التفسير في ردّ قراءة متواترة.
ويمكن التوفيق بين القراءتين على قول من قال: يقتلوكم أي يبدءوكم بالقتل، وأجود الأقوال أن قراءة الجمهور جاءت بعد عزيمة سابقة، وهي المنع من مقاتلة المشركين في الحرم حتى يصيبوا واحدا منا، ثم جاءت الرخصة بمشروعية قتال المشركين في الحرم بمجرد مقاتلتهم إيّانا ولو لم يصيبوا منا أحدا.
وقد أورد القاضي ابن العربي توفيقا لطيفا بين القراءتين على هيئة حكاية وقعت له في بيت المقدس أنقلها لك عنه بنصها: قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد حضرت في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة أبي عتبة الحنفي والقاضي الريحاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار،
فسلم سلام العلماء، وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء فقال له الريحاني: من السيد؟ فقال له: رجل سلبه الشّطّار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدّس، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال القاضي مبادرا: سلوه، على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل أو لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل، فقال: قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ٢/ ١٩١]،
стр. 303
قرئ: ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم، فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بيّنا ظاهرا على النّهي عن القتل.
فاعترض عليه القاضي الرّيحاني منتصرا للشافعي ومالك، وإن لم ير مذهبهما على العادة، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ عامة في الأماكن، والآية التي احتججت بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول: إنّ العام ينسخ الخاص، فأبهت (١) القاضي الريحاني، وهذا من بديع الكلام (٢).
ثمرة الخلاف:
دلّت القراءة بإثبات ألفات المفاعلة على جواز المقاتلة عند المسجد الحرام؛ عند ما يعرض للمسلمين الاعتداء من عدوهم؛ ولو لم يصب العدو أحدا من المسلمين؛ إذ ليس المطلوب هنا أن ننتظر حتى يقتل المشركون بعض المسلمين في الحرم لنردّ عليهم، فإن دم المسلم عزيز، ومجرد بدء المقاتلة من المشركين يتضمن إذنا بإراقة دمهم في المسجد الحرام.
ومن فائدة القراءة بحذف الألفات تذكير المسلمين برحمة الله فيهم إذ رفع عنهم سبحانه الحرج في ردّ العدوان في المسجد الحرام، بعد أن كانت القراءة تنهى عن ردّ العدوان حتى تزهق أرواح بعض المسلمين.
وفي تعدد القراءات هنا فائدة أخرى، وهي إظهار كرامة المسلم على الله، وحرمة دمه، حتى إن الآية جعلت حرمة دم المسلم أعظم من حرمة المسجد الحرام.
وقد دلّت على هذا المعنى نصوص كثيرة من السّنة وفي الحديث: قام النّبي ﷺ قبل الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك غير أن المؤمن أعظم عند الله حرمة منك» (٣).
стр. 304
وسيأتي الحديث عن تحرير طبيعة الجهاد في الإسلام، وعلة المقاتلة عند حديثنا عن قول الله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٢٢/ ٣٩].
المسألة الثانية:
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢/ ٢٠٨].
قرأ نافع، وابن كثير، والكسائي، وأبو جعفر: (في السّلم) بالفتح. وقرأ الباقون: فِي السِّلْمِ بالكسر (١).
واختار أبو زرعة في تأويل السّلم بالفتح ما روي عن قتادة من التابعين وهو أن السّلم:
الموادعة والمسالمة والمصالحة.
ثم أجرى تأويل قراءة الباقين بالكسر على أنها الإسلام (٢).
واختيار أبي زرعة هذا في تأويل السّلم والسّلم ليس محل اتفاق بين النحويين، بل اختار ابن منظور في اللسان عكسه فقال: ادخلوا في السّلم كافّة عنى به الإسلام وشرائعه كلها، ثم نقل عن أبي عمرو البصري: ادخلوا في السّلم كافّة، يذهب بمعناها إلى الإسلام فكان مقتضى اختياره أنها بمعنى واحد خفضا ونصبا (٣).
ثم قال بعد شواهد عدّة: والسّلم: الاستخذاء والانقياد والاستسلام، وهو عكس ما اختاره أبو زرعة.
وقال ابن جرير الطبري في جامع البيان: فأما الذين فتحوا السين فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة بمعنى ادخلوا في الصلح، والمسالمة، وترك الحرب، وإعطاء الجزية، وأما الذين قرءوا ذلك بكسر السين فإنهم مختلفون في تأويله فمنهم من يوجهه إلى الإسلام بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من يوجهه إلى الصلح بمعنى ادخلوا في الصلح. ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
стр. 305
وقد قلتما إن ندرك السّلم معا ... بمال ومعروف من الأمر نسلم (١)
ثمرة الخلاف:
إن الله سبحانه أمرنا بالدخول في الإسلام، وهو ما دلّت له قراءة الكسر كما حرره أبو عمرو البصري، فكان أبو عمرو يقرأ السّلم حيث وردت في القرآن الكريم بالفتح إلا في هذا الموطن فإنه يقرؤها بالكسر ليشير إلى أن المراد هو الدخول في الإسلام (٢).
كذلك فإن الله سبحانه أمرنا بالسعي إلى الموادعة والمسالمة والمصالحة، وهو ما دلّت له قراءة الفتح كما اختار قتادة، وجمع من السلف، وهذا مبدأ رئيس في الإسلام، يتوكد به سعيه في حقن الدماء ونشر الإسلام، وهي قراءة أهل المدينة، ومكة، والكسائي، والكوفيين.
وليس بين القراءتين أدنى تعارض، بل إن تحقيق السلام في الأرض من أعظم مقاصد الإسلام، فتكون الآية هنا بمنزلة الآيتين، عملا بقاعدة: تعدد القراءات ينزل منزلة الآيات، وهي مسألة حررناها في الباب الأول من هذه الدراسة.
وثمة سؤال آخر يرد في هذا المقام على من تأوّل السلم بمعنى الدخول في الإسلام، وهو: كيف يرد الأمر على الدخول في الإسلام، وإن المخاطبين بذلك مؤمنون، فكيف يقال للمؤمن آمن، أو للمسلم أسلم؟
الجواب: إن الإسلام منازل أدناها قوله تعالى للأعراب: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ٤٩/ ١٤].
وأعلاها قول الله على لسان إبراهيم خليل الرّحمن: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ٢/ ١٢٨].
стр. 306
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران: ٣/ ١٢٠].
قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو: (لا يضركم كيدهم شيئا). وقرأ الباقون: لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (١).
وتتجه قراءة الحجازيين، وأبي عمرو إلى أن الأصل: (لا يضيركم)، فاستثقلت الكسرة على الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الضّاد، فصارت (لا يضيركم)، ثم دخل الجزم على الراء، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، فصارت (لا يضركم) (٢).
وبهذا المعنى فإن لا هنا نافية للضير، وليست نافية للضرر، وهي مشابهة لما ورد في قوله سبحانه على لسان المؤمنين من السحرة من آل فرعون: قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [الشّعراء: ٢٦/ ٥٠].
وتتجه قراءة الجمهور إلى أن (لا) نافية للضرر، وعندهم أن ورود الضرر في القرآن أكثر من ورود الضير، فالمصير إليه أقرب.
ويرد ثمة سؤال: كيف ساغ أن يأتي المضارع مرفوعا مع أن حقّه الجزم لأنه جواب طلب؟
ويجاب عن ذلك بأن الأصل (لا يضرركم) فلما أرادوا الإدغام سكّنوا الراء، ونقلوا الضمة التي كانت على الضاد، فصارت لا يَضُرُّكُمْ قال أبو زرعة: فهذه الضمة ضمة إتباع (٣).
وقد اختصت هذه الآية بورود المدغم والمظهر في صيغة الفعل ذاته: إِنْ تَمْسَسْكُمْ:
مظهرة غير مدغمة. لا يَضُرُّكُمْ: مدغمة غير مظهرة.
ثمرة الخلاف:
جاءت الآية العظيمة في الحثّ على الصبر والتقوى، وهو مقصد قرآني تواترت فيه الإشارات والأوامر الإلهية.
стр. 307
ووعد المولى الصابرين بعاقبتين عظيمتين:
الأولى: نفي الضير، وهو المظلمة والأذية.
والثانية: نفي الضرر عنهم (١)، وهو عكس المنافع.
وكما ترى فإن المعاني متكاملة، لا يناقض بعضها بعضا، وتعدد القراءة لها أثر عظيم في تثبيت المؤمن وتقوية عزيمته؛ بعد أن وعده الله سبحانه بكشف الضّر والضّير عنه.
المسألة الرابعة
: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [النّساء: ٤/ ٩٤].
قرأ المدنيان، وابن عامر، وحمزة، وخلف: (لمن ألقى إليكم السّلم لست مؤمنا). وقرأ الباقون: لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (٢).
فتوجه القراءة الأولى بحذف الألف إلى الاستسلام والانقياد؛ قال في اللسان: السلم:
الاستسلام، والتسالم: التصالح، والمسالمة: المصالحة، وقال الخطابي: إنه السّلم بفتح السين، الاستسلام والإذعان والانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع (٣).
وتتوجه قراءة الباقين (السلام) إلى التحية المشروعة، ويكون من دلالتها أن المرء معصوم الدّم إذا ألقى التّحية الإسلامية، حتى يتبين أمره. أي قوله: السلام عليكم، لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده (٤).
ولكن خالف في ذلك البخاري بقوله: (السّلم، والسّلام، والسّلم واحد)، مع أنه أورد عبارته هذه في رأس حديث الأعرابي الذي قال: السلام عليكم (٥).
стр. 308
وقد قرئت أيضا: (السّلم) على تأويل المسالمة والمصالحة، وقد روي هذا الوجه في غير المتواتر من عاصم، وأبان بن زيد، وأبي رجاء، والبخاري (١).
وأخرج البخاري في سبب نزول هذا الحديث عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال:
كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا.
قال عطاء (٢): قرأ ابن عباس: السَّلامَ (٣).
قال ابن حجر في الفتح: فمن قرأ: السَّلامَ فمن التّحية، وأما ما عداه فمن الانقياد (٤).
وأورد ابن حجر في الفتح طرقا أخرى لهذا الحديث، أرتبها لك كالآتي: «مرّ رجل من بني سليم بنفر من الصحابة وهو يسوق غنما له، فسلّم عليهم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته ... » (٥) الحديث.
«بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النّبي ﷺ : كيف بلا إله إلا الله غدا» (٦).
«بعثنا رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة، فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلّم علينا، فحمل عليه محلم فقتله، فلما قدمنا على النّبي ﷺ وأخبرناه الخبر نزل القرآن» (٧).
стр. 309
وثمة طرق أخرى للحديث لا تخرج بمجملها عن هذه الدلالة. ولدى التأليف بين الروايات يظهر لك أن القاتل هو المقداد بن عمرو في رواية، وأسامة بن زيد في رواية، ومحلم بن جثامة في رواية، ولا يضر تعدّد الأسماء فقد تتعدد الأسباب، والنازل واحد.
وكذلك فإن تعدد الروايات في النازل أفادنا مزيدا في التوكيد على حرمة الدماء في الإسلام، والترهيب من استباحتها بغير حقّها.
قال القرطبي: قال النّبي ﷺ لأسامة بن زيد: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا» (١).
أي: تنظر أصادق في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه، وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمكان والظواهر، لا على القطع واطّلاع السرائر (٢).
ثمرة الخلاف:
إن الله سبحانه جعل استسلام الخصوم وانقيادهم عصمة لدمائهم، إذا انقادوا لحكم المسلمين، وهو ما دلّت عليه قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري في الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم» (٣)، فهاهنا يكون السلم بمعنى الإسلام كما اختاره البخاري، أو الاستسلام كما نقلناه عن القرطبي.
ولكن الاستسلام والخضوع، وكذلك الدخول في الإسلام لا يتبين بسهولة ويسر، وقد يراق دم المرء قبل أن يقدم لقاتله الدليل على انقياده أو إسلامه، لذلك فقد تكفلت القراءة الثانية بعصمة دم المرء إذا كان مجهول الحال بمجرد أن يقول: (السلام عليكم)، وهو كما ترى احتراز ضروري، ورحمة إلهية ظاهرة بعباده.
стр. 310
ويجب التّحفّظ هنا، فلا نحكم بإسلامه بمجرد إلقاء السلام، بل نعصم دمه إلى أن يتبين حلّه، كما قال الإمام مالك ﵁ في الكافر يوجد فيقول: جئت مستأمنا طالبا الأمان:
هذه أمور مشكلة وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علّق النّبي ﷺ الحكم عليها في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١).
المسألة الخامسة:
قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٢٢/ ٣٩].
قرأ نافع، وابن عامر، وحفص: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، على المبني للمجهول. وقرأ الباقون: (أذن للّذين يقاتلون بأنّهم ظلموا) (٢). بكسر التاء على معلوم الفاعل.
وقد احتجّ قراء المدينة، والشام، وحفص بما ورد بعده؛ حيث اتفقوا على البناء للمجهول في قوله : بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا.
قال عاصم: لو كانت (يقاتلون) بكسر التاء فبم أذن لهم؟ فكأنهم ذهبوا إلى أن المشركين قد كانوا بدءوهم بالقتال، فأذن الله لهم حين قوتلوا أن يقاتلوا من قاتلهم.
قال أبو زرعة: وهو وجه حسن لأن المشركين قد كانوا يقتلون أصحاب النّبي ﷺ ، وكان المؤمنون ممسكين عن القتال؛ لأنهم لم يؤمروا به، فأذن الله لهم أن يقاتلوا من قاتلهم (٣).
وتوجيه قراءة الباقين على أنها قراءة المضارع في معنى المستقبل، وذلك بمنزلة قوله: أذن للذين سيقاتلون، أو سيؤمرون بالقتال بأنهم ظلموا، فهم يقتلون عدوهم الظالمين لهم بإخراجهم من ديارهم.
قال ابن العربي: والأقوى عندي قراءة كسر التاء، لأن النّبي ﷺ بعد وقوع العفو والصفح عما فعلوا أذن الله له في القتال عند استقراره في المدينة، فأخرج
البعوث ثم خرج بنفسه، حتى
стр. 311
أظهره الله يوم بدر، وذلك قوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (١). ويفهم من اختيار ابن العربي هنا أنه، لا يجعل هذه الآية أول ما نزل في أمر القتال. وقد رجح ابن العربي قراءة الكسر، مع أنه يقرأ كأهل بلدة قراءة نافع بفتح التاء، وهذا دليل على حياديته وتجرّده للحقيقة العلمية.
وينشأ عن اختلاف القراءات المتواترة في هذه الآية مسألة من أكثر المسائل التي تكلم فيها الفقهاء وهي: تحرير علّة المقاتلة في الإسلام.
وقد انقسم الفقهاء في هذه المسألة إلى فريقين؛ قال الأولون: إن علّة المقاتلة هي ردّ العدوان، وقال الآخرون: إن علّة المقاتلة هي الكفر، ولو لم يظهر من الكفار اعتداء.
وقد أخذ فقهاء الحنفية والمالكية بالقول الأول، فيما أخذ الشافعية وغالب الحنابلة بالقول الثاني.
وتعريف الجهاد عند عامة الفقهاء يتجه إلى أن علة الجهاد هي نصرة الإسلام، وهو تعليل يقوي مذهب الحنفية والمالكية.
نقل ابن عابدين من متأخري الحنفية تعريف الجهاد بأنه: الدعاء إلى الدين الحق، وقتال من لم يقبله بالمال والنفس (٢).
وتعريف الشافعية للجهاد: هو قتال الكفار لنصرة الإسلام (٣).
وقد قرر جمهور الفقهاء من مالكية، وحنفية، وبعض الحنابلة (٤)؛ أن مناط القتال هو الحرابة والمقاتلة والاعتداء، وليس محض الكفر (٥)، فلا يقتل شخص لمخالفته للإسلام أو لكفره، وإنما يقتل لاعتدائه على الإسلام، فغير المقاتل لا يجوز قتاله، وإنما يلتزم معه جانب السّلم، يدلّ
стр. 312
لذلك نصوص الكتاب والسّنة والاعتبار (١). وأظهر الأدلة على ذلك من الكتاب قوله سبحانه:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ٢/ ١٩٢].
وقد عقد ابن تيمية، وهو من فقهاء الحنابلة، فصلا للرّد على من قال بأن الكفر موجب لشنّ الحرب، فقال في معرض الرّد على الشافعية في احتجاجهم بحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٢). قال: (هذا الحديث ذكر للغاية التي يباح قتالهم إليها، بحيث إذا فعلوها حرم قتالهم، والمعنى أني لم أؤمر بقتالهم إلا إلى هذه الغاية، فإن هذا خلاف النّص والإجماع، فإنه ﷺ لم يفعل هذا قط، بل كانت سيرته أن من سالمه لم يقاتله) (٣).
وقد ثبت بالنّص والإجماع أن أهل الكتاب والمجوس مع أنهم ليسوا أهل كتاب إذا أدّوا الجزية حرم قتالهم (٤).
وكذلك فإنه لو كان الكفر علة الجهاد ما أمرنا بالكفّ عن المرأة والشيخ الكبير من المشركين، وهو ما دلت له نصوص كثيرة؛ منها ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النّبي ﷺ قال: «انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا امرأة» (٥).
واختار الشافعية ومتقدّمي الحنابلة أن المبيح للقتل هو الكفر وليس الحرابة، واستدلوا لذلك بعموم قوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٩/ ٥].
стр. 313
قال ابن قدامة: «مسألة: قال: ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويقتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا» (١).
وقد اتّفق الشافعية والحنابلة في هذه المسألة، فجعلوا أهل الكتاب مستثنين من عموم قوله سبحانه: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التّوبة: ٩/ ٢٨].
ونقل ابن قدامة عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فيقرون ببذل الجزية كالمجوس (٢).
وهكذا فإن ابن قدامة هنا وافق الشافعية، وأشار إلى أن الإمام أحمد اختار رأيا وسطا بين الشافعية والحنفية، فقال بوجوب قتال عبدة الأوثان من العرب، والكفّ عمن سواهم حتى ظهور الحرابة منهم (٣).
ثم قال في الاستدلال لاختياره موافقا الشافعية: «ولنا عموم قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: ٩/ ٥]، وقول النّبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» خصّ منهم أهل الكتاب بقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ، وقوله ﷺ في المجوس: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (٤)، فمن عداهما (٥) يبقى على مقتضى العموم، ولأن الصحابة ﵃ توقفوا في أخذ الجزية من المجوس، ولم يأخذ عمر منهم الجزية، حتى روى له عبد الرحمن بن عوف أن النّبي ﷺ قال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (٦)، وثبت عندهم أن النّبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وهذا يدلّ على أنهم لم يأخذوها من غيرهم؛ ولأن قول
стр. 314
النّبي ﷺ : «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»، يدلّ على اختصاص أهل الكتاب بإضافتها إليهم، ولأنهم تغلظ كفرهم لكفرهم بالله وجميع كتبه ورسله (١).
وقد أطلنا في النقل عن ابن قدامة لأنه أورد أدلة القائلين بأن الكفر هو علة المقاتلة، وثمة دليل آخر يورده الشافعية أيضا، وهو ما روي عن النّبي ﷺ بقوله: «اقتلوا شيوخ المشركين وأبقوا شرخهم» (٢).
فهذه بالجملة أدلة القائلين بأن علة المقاتلة هي الكفر وحده، دون اشتراط ظهور الحرابة.
وقد لخص صاحب كتاب (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) (٣) ردود العلماء على ذلك فقال:
«يجاب عن ذلك بأن قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٩/ ٥]، عام مخصوص بالذّمي والنساء والصبيان، وحديث: «اقتلوا شيوخ المشركين» (٤)، ضعيف بالانقطاع، وبالحجاج بن أرطأة (٥) فلا يصلح للمعارضة، ولو سلمت صحته فيجب تخصيصه بحسب أصول الشافعي.
ويرد على الشافعي أيضا بأنه لو كان مجرد الكفر مبيحا للقتل لما أنزل النّبي ﷺ بني قريظة على حكم سعد بن معاذ فيهم، ولو حكم فيهم بغير القتل لنفذ حكمه.
ومن ناحية النصوص القرآنية فهناك نصوص قطعية لا تقبل التأويل يرد بها على الشافعي مثل قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ٢/ ١٩٠].
ثم قال: وهذا الموقف الدفاعي هو الذي سار عليه النّبي ﷺ والمسلمون من بعده، فلم يقتل النّبي كفار قريش وهوازن، وما استباح الخلفاء يوما دم أحد من غير المسلمين في غير الحرب (٦).
стр. 315
ثم فصل القول في الرّد على من زعم نسخ هذه الآية، وتوجيه تعليل القتال بالحرابة، وجملة ردّه في ثلاثة اعتراضات:
الأول: إن النّسخ لا بدّ له من دليل، ولا دليل يدلّ على النّسخ أو التّخصيص.
الثاني: إن ما تضمنته الآية معاني لا تقبل النّسخ، فقد تضمنت النّهي عن الاعتداء، والاعتداء ظلم، والظلم من المعاني المحرمة في كل الشرائع وفي أحكام العقول، والله لا يبيح الظلم قط.
الثالث: لو كان القتل للكفر جائزا، وأن آية منع الاعتداء منسوخة لكان الإكراه على الدين جائزا، لقوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢/ ٢٥٦].
وكذلك فإن النّبي ﷺ أسر من المشركين أسرى، فمنهم من قتله، ومنهم من فداه، ومنهم من أطلق سراحه، ولم يكره أحدا منهم على الإسلام، ولو كان القتال لأجل الكفر ما كان لهؤلاء إلا السيف (١).
فائدة:
اختلف الفقهاء في تحرير طبيعة الجهاد في الإسلام، أهو حرب دفاعية أم حرب هجومية، وقد أكثروا من الاستدلال لما ذهبوا إليه، وأورد كل منهم رأيه، منتصرا له بالأدلة، وسأورد في هذا المقام نقلا لما قدمه كل فريق من الاستدلال ثم أعطف بتحرير ما أعتقده الحق في هذه المسألة والله أعلم.
قال ابن قدامة في المغني: «قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة؛ لم يجز قتالهم قبل الدعوة، وذلك لما روى بريدة قال: كان النّبي ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أمره بتقوى الله في خاصته، وبمن معه من المسلمين، وقال: «إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم وكفّ عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن أبوا،
стр. 316
فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» (١)، وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام، فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة، فاستغنى بذلك عن الدعاء عند القتال، قال أحمد: كان النّبي ﷺ يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل الناس، فالروم قد بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام، وإن دعا فلا بأس، وقد روى ابن عمر ﵁ أن النّبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون آمنون، وإبلهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية (٢). وعن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن الديار من ديار المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: «هم منهم» (٣). وقال سلمة بن الأكوع:
«أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر، فغزونا ناسا من المشركين، فبيّتناهم» (٤)، ويحتمل أن يحمل الأمر بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب، فإنها مستحبة في كل حال، وقد روي أن النّبي ﷺ أمّر عليّا حين أعطاه الراية يوم خيبر، وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم، وهم ممن بلغتهم الدعوة (٥).
ودعا خالد بن الوليد طليحة الأسدي حين تنبأ، فلم يرجع، فأظهر الله عليه، ودعا سلمان أهل فارس.
فإذا ثبت هذا فإن كان المدعو من أهل الكتاب أو مجوسا دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا دعاهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا قاتلهم، وإن كانوا من غيرهم دعاهم إلى الإسلام، فإن أبوا قاتلهم، ومن قتل منهم قبل الدعاء لم يضمن، لأنه لا إيمان له ولا أمان، فلم يضمن كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم.
ثم استأنف ابن قدامة فقال: «ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا»، وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام:
стр. 317
قسم أهل كتاب: وهم اليهود، والنصارى، ومن اتّخذ التّوراة، والإنجيل كتابا، كالسامرة، والفرنج، ونحوهم، فهؤلاء تقبل منهم الجزية، ويقرّون على دينهم إذا بذلوها،
لقول الله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التّوبة: ٩/ ٢٩].
وقسم لهم شبهة كتاب: وهم المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم، وإقرارهم بها، لقول النّبي ﷺ : «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذين القسمين.
وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب: وهو من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان، ومن عبد ما استحسن، وسائر الكفار، فلا تقبل منهم الجزية ولا يقبل منهم سوى الإسلام.
هذا ظاهر المذهب، وهو مذهب الشافعي، وروي عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب. وهو مذهب أبي حنيفة لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق فيقرّون ببذل الجزية كالمجوس، وحكي عن مالك أنها تقبل من جميع الكفار إلا كفار قريش لحديث بريدة الذي في المسألة قبل هذه وهو عام، ولأنهم كفار، فأشبهوا المجوس. ولنا عموم قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وقول النّبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله») (١).
وفي هذا المعنى يعرف الحنفية الجهاد بقولهم: هو الدعاء إلى الدين الحق، وقتال من لم يقبله (٢). وقال الغنيمي الحنفي في اللباب: قتال الكفار واجب وإن لم يبدءونا (٣).
وهذا الرأي لا شك يندرج في الآراء التي تجعل الحرب في الإسلام هجومية، بمعنى أن المبادرة فيها بيد الجماعة المسلمة؛ إذ هي التي تعلن الحرب لا بقصد ردّ العدوان، بل بقصد تحقيق استعلاء دين الحق في الأرض.
стр. 318
وفي مقابل ذلك فقد اختار بعض الفقهاء أن الحرب في الإسلام دفاعية؛ بمعنى أن الحاكم المسلم لا يخول بإعلان حالة الحرب إلا حين وجود الحرابة من المشركين، أو التمهيد للعدوان والأذية.
وقد نقل القرطبي هذا القول عن محمد بن عبد العزيز، وابن عباس، ومجاهد، وذلك في معرض تصريحهم بأن آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ غير منسوخة (١).
ويدلّ على ذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسّنة التي دلّت على استبقاء كثير من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم (٢)(٣)، فمن الكتاب قوله سبحانه: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: ٦٠/ ٨ - ٩]. وقوله سبحانه وهو آخر ما نزل في أمر الجهاد: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ... [التوبة: ٩/ ٦].
وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قدمت أمي وهي مشركة، فأتيت النّبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّ أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال:
«نعم صلي أمك» (٤).
وروي من حديث عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزّى على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا، وثياب، وسمن، وأقط، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها منزلها، فسألت عائشة لها النّبي ﷺ عن ذلك، فتلا عليها قول الله : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٦٠/ ٨].
стр. 319
وأظهر الأدلة على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري أن رسول الله ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير (١).
وقد نهج صاحب كتاب آثار الحرب في الفقه الإسلامي منهجا متفردا في تحرير هذه المسألة، فبعد أن فصل القول في اختيار القائلين بالدفاع والقائلين بالهجوم، انتهى إلى تقرير تفرد المنهج الإسلامي في تحرير طبيعة الجهاد وذلك بقوله:
«أما أن الجهاد: هل هو عمل دفاعي أو هجومي؟ فهذا تقسيم لا ينطبق على نظام الجهاد الإسلامي، لأن الإسلام لا يؤمن بالحروب الحديثة، حروب المطامع البشرية، التي أملت هذا التقسيم، ولا يصح أن يوصف الجهاد بأنه هجومي لأن الهجوم يعني الظلم، والجهاد عدل في الواقع، وقد يكون الجهاد مطلوبا إذا استبدّ الحكام بمصالح رعاياهم، وهنا يظهر المسلمون بأنهم دعاة إصلاح عام، وجند رسالة يبلغونها للناس على بيّنة وهدى، رغم معاندة بعض الظالمين، وقد يلتزم المسلمون جانب الدفاع فقط دون التقيّد بحدود جغرافية مصطنعة، فالإسلام لا تحدّه حدود ... » (٢).
ثم خلص إلى القول: «إن الجهاد الإسلامي من نوع خاص، ليس هجوميا ظالما للعالم، وليس مجرد دفاع عن حدود الوطن والمصالح، فهو بكلمة موجزة: وسيلة في يد ولي الأمر لحماية نشر الدعوة، أو للدفاع عن المسلمين» (٣).
والذي أراه والله أعلم أن منشأ الخلاف هو عدم اتّفاقهم على تحديد معنى الدفاع والهجوم، فالهجوم بمعنى البغي والعدوان لم يقره أحد، قال الله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ٢/ ١٩١].
والدفاع بمعنى الانتظار المحض حتى ينال العدو منا، لم يقل به أحد أيضا؛ قال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النّساء: ٤/ ٧١].
فليس معنى الدفاع أن تقاتل بترس دون سيف، أو تنتظر غارة العدو حتى يجتاح أرض الوطن، ويهلك الحرث والنّسل، ونحن غارون غافلون، نحسن الظن بالعدو، ونلتمس له المعاذير!
стр. 320
بل مقتضى الدفاع أن تقدم ساعة الإقدام، وتحجم ساعة الإحجام، وتدرس نوايا عدوك، وتكشف طواياه وتدبيره، ففي عمل الدفاع كر وفر، ومصاولة ومنازلة، وإقحام وإحجام، ودرع وسيف، وحراب ورماح، وكل ذلك مقرر لدى الأمم كلها في نشاطها العسكري الدفاعي.
ففي كل وزارة دفاع في العالم دائرة عمليات، واستطلاع، وتجسس، ومداهمة، واقتحام، وكل ذلك يسمى نشاطا دفاعيا.
وإذا تقرر ذلك فإني أعتقد أن سائر صنوف الجهاد في الإسلام، تندرج تحت إطار العمل الدفاعي بعد تحرير مناطه، وتقرير مناشطه.
ففي بدر خرج النّبي ﷺ يريد عير قريش، وهو منطق دفاعي مبرر؛ إذ الأموال التي نتجتها القافلة هي متاع المسلمين المهاجرين في مكة، ومن حقهم أن يحصلوا عليها بأي ثمن، ولما فرّت القافلة حضرت قريش في جيش قوامه ثلاثة أضعاف جيش النّبي ﷺ ، وألجأته إلى حرب لم يكن قد قصدها، ولا سعى إليها، ونذكر بهذه المناسبة أن بدرا تبعد عن المدينة نحو (١٨٠) كم فيما تبعد عن مكة (٢٦٠) كم، وذلك كله يكشف لك من هو الطرف الغازي في هاتين الجهتين.
وفي أحد اعتصم رسول الله بمدينته، ثم خرج إلى جبل أحد على بعد نحو أربعة أميال من المدينة يدفع عنها غارة قريش والأحابيش.
وفي الخندق اعتصم النّبي ﷺ في مدينته، وخندق على نفسه، ولم يلق أذنا لاستفزاز قريش، ولا لحماسة الشباب من أصحابه في عمل دفاعي صريح استمرّ نحو أربعين يوما، حتى ردّ الله الذين كفروا بغيظهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويّا عزيزا.
ولعل ما يشكل في هذا الباب هو خروجه ﷺ إلى حنين، والطائف لملاقاة ثقيف وهوازن، ولكن قراءة سريعة لهاتين الغزوتين تظهر أن ثقيف وهوازن كانت قد جمعت حشودا هائلة بغرض غزو مكة، وإخراج النّبي ﷺ ، حتى أصبح في وادي حنين ثلاثون ألفا من الحلفاء، كلهم مستعدّ للإغارة على مكة، فكان مقتضى الدفاع حينئذ أن يخرج إليهم النّبي ﷺ بغارة الله فيصبحهم بعذاب وساء صباح المنذرين (١).