← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38020

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

محمد الحبش

Полный текст (358 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثبوت الرواية عن عروة عن عائشة كما أثبتها الطبري هاهنا. وهو ما اختاره الحنابلة على المشهور إذ قالوا: «وإذا لم ينتقض الوضوء بمسّ أنثى، فإنه يستحب» (١). المسألة الرابعة: قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ... [المزمّل: ٧٣/ ٢٠]. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: (ونصفه وثلثه) بالكسر، حملوه على الجار، أي: تقوم أدنى من نصفه ومن ثلثه. والمعنى في ذلك يكون على تأويل: إن ربك يعلم أنك تقوم أحيانا أدنى من ثلثي الليل، وأحيانا أدنى من نصفه، وأحيانا تقوم أدنى من ثلثه، غير عارف بالمقدار في ذلك التحديد بدلالة قوله بعدها: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ، وقوله: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فكأنه قال: أنا أعلم من مقادير قيامك بالليل ما لا تعلم من تحديد الساعات من آخر الليل. قال أبو عبيد: الاختيار الخفض في (نصفه وثلثه)، لأن الله تعالى قال: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فكيف يقدر على أن يعرضوا نصفه وثلثه. وقرأ الباقون: بالنصب، بوقوع الفعل أي يقوم نصفه وثلثه (٢). وحجّتهم في ذلك أن النّصب أصح في النظر: قال الله لنبيّه ﷺ : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ... [المزمّل: ٧٣/ ٢]، أي صل الليل إلا شيئا منه تنام فيه، وهو الثلث، والثلث يسير عند الثلثين، ثم قال: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أي من الثلث قليلا. أي: نصفه أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثين. فإذا قرأت بالخفض كان معناه أنهم كانوا يقومون أقل من الثلث. وفي هذا مخالفة لما أمروا به لأن الله تعالى قال: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا

стр. 247

إلى الثلث، أو زد على الثلث، ولم يأمرهم بأن ينقصوا من الثلث شيئا. وأما قوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي: لن تطيقوه كما قال ﷺ : «استقيموا، ولن تحصوا» (١)، أي: ولن تطيقوا، والله أعلم (٢). وثمرة الخلاف: أن منطوق الآية نصّ في أن النّبي ﷺ والصحابة الكرام كانوا يقومون أجزاء مختلفة من الليل، فمرة يقوم أدنى من الثلثين، ومرة يقوم نصف الليل، ومرة ثلث الليل، ومرة أدنى من نصف الليل، ومرة أدنى من ثلثه، وهذا ما دلّت له القراءتان، فدلّت قراءة نافع، وابن عامر، وأبي عمرو على قيامه ﷺ أقل من النصف وأقل من الثلث، فيما دلّت قراءة الباقين على قيامه النصف والثلث، وذلك بمجموعه تيسير الأمة، وتخفيف عليها، إذ النّبي ﷺ في مقام الأسوة، وإذا صحّ عنه قيام ذلك من الليل كان ذلك إذنا لأمته، في تخيّر ما يقدر العبد عليه من أحوال القيام. وهل القيام في حقّ النّبي ﷺ فريضة كما اختاره الغزالي، أم هو وأمته سواء (٣)؟ وهذا الذي اختاره الغزالي من أن القيام فريضة في حقّ النّبيّ ﷺ هو ما دلّ له حديث: «ثلاثة عليّ فريضة ولأمّتي تطوّع: قيام الليل، والوتر، والسواك» (٤)، وهذا الحديث لو صحّ لقطع كل نزاع في أن القيام تعين فريضة في حقّ النّبي ﷺ ، ولكن معالجة إسناد الحديث- كما يظهر لك- تكشف أنه لا ينهض مستقلّا في إثبات ذلك.

стр. 248

وقد اختار الآلوسي أن القيام فرض على النّبي ﷺ وعلى أمته، فنسخ ذلك في حقّ أمته ﷺ ، وبقي في حقّه ﷺ بناء على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الضّحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النّبي ﷺ (١). وقد تأوّل القائلون بافتراضه عليه ﷺ قوله تعالى: نافِلَةً لَكَ، أي: كرامة لك، وهو قول مقاتل (٢). لكن ردّ القرطبي على ذلك فقال: وفي هذا التأويل بعد لوجهين: أحدهما: تسمية الفرض بالنفل، وذلك مجاز لا حقيقة (٣)، وليس ثمة مساغ يبرر العدول عن الحقيقة إلى المجاز. ثم قال: الثاني: قوله ﷺ : «خمس صلوات افترضهن الله على العباد» (٤)، وقوله تعالى: «وهي خمس وهنّ خمسون لا يبدّل القول لدي» (٥)، وهذا نصّ، فكيف يقال: افترض عليه صلاة زائدة على الخمس؛ هذا ما لا يصح (٦). ثم جزم القرطبي في اختياره أن التّهجد نافلة في حق الرسول ﷺ كما في حق أمته فقال: وعلى هذا يكون الأمر بالتّنفّل على جهة النّدب، ويكون الخطاب للنّبي ﷺ لأنه مغفور له، فهو إذا تطوع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات، وغيره من الأمة تطوعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض (٧).

стр. 249

المسألة الخامسة: قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ٢/ ١٢٥]. قرأ ابن عامر، ونافع: (واتّخذوا) بفتح الخاء، وقرأ الباقون: وَاتَّخِذُوا بكسر الخاء (١). فمؤدّى قراءة ابن عامر ونافع الإخبار عن فعل الأولين، فهي محض خبر، وأما قراءة الجمهور فهي في مقام إنشاء الأمر باتّخاذ المقام مصلّى. وهذه المسألة من موافقات عمر بن الخطاب ﵁، أخرج البخاري عن أنس عن عمر بن الخطاب قال: «وافقت ربّي في ثلاث، ووافقني ربّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، وقلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ... فنزلت» (٢). وثمرة الخلاف: أن مقام إبراهيم ﵇ لم يزل مصلى، فقد اتّخذه بنو إبراهيم بعد أبيهم، وقد أمر الله النّبي ﷺ وأمّته بإقرار ذلك وجعله مصلى، وهذا المعنى بجملته لا يفهم من إحدى القراءتين دون الأخرى، ولا بدّ من إعمالهما معا ليتضح ذلك. وليس لهذا الخلاف ثمرة فقهية ظاهرة، ولكنه أفاد خبرا في أن مقام إبراهيم لم يزل مصلى يتّخذه المتحنفون على ملّته، فجاءت الشريعة بإقرار ذلك ثم الحثّ عليه. وفيه من الفوائد التربوية أن ليس كل قديم ينبذ، وأن اقتفاء الأبناء هدي آبائهم وتراثهم ليس مذموما على إطلاقه، وأن ركوب أهل الباطل لبعض مراكب الحق لا يشين الحق في ذاته.

стр. 250

المسألة السادسة: قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢/ ٢١٩]. قرأ أبو عمرو البصري: (قل العفو) بالرفع، وقرأ الباقون: قُلِ الْعَفْوَ بالنصب (١). ومقتضى قراءة البصري أنه جعلها مبتدءا في الكلام، فكان المعنى أن المطلوب في الإنفاق هو العفو. وجعلها الباقون مفعولا لفعل الأمر: المقدّر، أي: أنفقوا العفو. والمعنيان متقاربان من جهة الدلالة، متفاوتان من جهة الأسلوب، والعفو نقيض الجهد (٢)، وهو ما ينفقه المرء دون أن يضيّق على نفسه ويقتّر على عياله، والجهد: أن ينفق ما يجهده ويستفرغ وسعه، ومنه قولهم: «خذي العفو مني تستديمي مودّتي» ويقال للأرض السهلة: العفو (٣). وأما تشريع صدقة العفو فقد رفع وجوبه وبقي استحبابه، وإنما رفع وجوبه بفرض أنصبة الزكاة ومقاديرها، أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النّبي ﷺ ، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. وكان الرجل قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا يجد ما يأكل حتى يتصدّق عليه (٤). وأخرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى- وابدأ بمن تعول» (٥).

стр. 251

واختار ابن جرير الطبري أن العفو هو الفضل عن العيال (١)، ومثله قول النّبي ﷺ : «إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان فضلا فعلى عياله، فإن كان فضلا فعلى ذي قرابته، فإن كان فضلا فهاهنا، وهاهنا» (٢). ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في التوكيد على إنفاق العفو من المال، فهو في قراءة الرفع يحتمل الوجوب والاستحباب، وزادت عليه قراءة النصب بوروده بصيغة الأمر أي: أنفقوا العفو والأمر للوجوب، فيمكن القول إن القراءة الأولى أفادت طلب إنفاق العفو على سبيل الاستحباب، فيما أفادت الثانية طلب إنفاق العفو على سبيل الإيجاب. ولا يخفى أن هذا التحرير محلّه غياب القرائن والناسخ، وهاهنا فإن ناسخ الوجوب قد ورد بتحديد أنصبة الزكاة المفروضة ومقاديرها فيبقى الأمر هنا على الاستحباب، والله أعلم. المسألة السابعة: قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ٢/ ١٨٤]. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر: (فدية طعام مساكين)، وقرأ الباقون: فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (٣). وكذلك فقد قرأ المدنيان وابن ذكوان: (فدية طعام) (٤). وحجة نافع، وابن عامر في اختيار الجمع دون الإفراد قول الله سبحانه قبل ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ قال: إنما عرف عباده حكم من أفطر الأيام التي كتبت عليهم صومها بقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ

стр. 252

، فإن كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون القراءة في المساكين على الجمع لا على التوحيد، وتأويل الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ أيام يفطر فيها إطعام مساكين، ثم تحذف أياما وتقيم (الطعام) مكانها. وحجة الجمهور أن في البيان على حكم الواحد، البيان عن حكم جميع أيام الشهر، وليس في البيان عن حكم إفطار جميع الشهر، البيان عن حكم إفطار اليوم الواحد. ثمرة الخلاف: أفادت قراءة الإفراد أن الفدية إطعام مسكين واحد، فوجب حملها على الفدية عن كل يوم. وأفادت قراءة الجمع أن الفدية إطعام عدد من المساكين، فوجب حملها على تعدد الفدية بتعدد الأيام. ولكن ما الفائدة من تعدد القراءات هنا؟ الجواب أن قراءة الإفراد دلّت على وجوب دفع الفدية للمسكين، فربما توهّم متوهّم بأنه لا يصح توزيع الفديات إذا تعددت الأيام إلا إلى مسكين واحد، فأخبرت قراءة الجمع أن دفع الفديات يصح إلى مسكين واحد، ويصح إلى جماعة من المساكين. وهذا الذي أدت إليه القراءات المتواترة يميّزه البصير العارف، فربّ مسكين لا تندفع غائلة الجوع عنده بعطية يوم، فتواصل إعطاءه أياما، وربّ مسكين يقع في كرب يوما فيجد عطيتك له عونا ومددا. وبعد .. فهذا ما ظهر لي من ثمرة الخلاف، وهي كما يظهر غير كافية، وهي مبلغ علمي، على أنه ينبغي أن توقن أن ثمة أسرارا أخرى مكنونة لاختلاف القراءة، قد يعلمها قوم وتخفى عن آخرين، والله أعلم.

стр. 253

المسألة الثامنة: قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ٢/ ١٩٧]. قرأ ابن كثير: وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال) وانفرد أبو جعفر عنهم في رفع: (ولا جدال) أيضا. وأما الباقون فقد قرءوا سائر كلمات الآية نصبا: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (١). وذهب أصحاب القراءة الأولى في توجيه قراءتهم إلى أنها واردة على تقدير: لا يكون رفث ولا يكون فسوق، فجعلوها خبرا بمعنى النّهي، وإنما تركوا رفع وَلا جِدالَ على تقدير أنه: لا جدال في ميقات الحج، أي لا شكّ في الحج، ولا اختلاف في أنه ذي الحجة، لقوله سبحانه: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: «وإنما افترقت الحروف عندهم لأنهم جعلوا قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ بمعنى النهي، أي لا يكون رفث ولا فسوق، وتأوّلوا قوله: وَلا جِدالَ أنه لا شك في الحج، ولا اختلاف في أنه ذو الحجة» (٢). وأما أصحاب القراءة الثانية، وهم عامة قرّاء الأمصار إلا من ذكرنا، فقد جعلوها نفيا لجميع جنس الرّفث والفسوق والجدال، ويشهد لهم ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ قال: «لا تمار صاحبك حتى تغضبه، فلم يذهب بها ابن عباس ذلك المذهب، ولكنه جعله نهيا كالحرفين الأولين، وأن حرف النهي دخل في الثلاثة» (٣).

стр. 254

وثمرة الخلاف: أن كلتا القراءتين أفادت النهي عن الرّفث والفسوق، فالأولى على تقدير: لا يكون رفث ولا يكون فسوق في الحج، والثانية على تقدير: لا تقترفوا رفثا ولا فسوقا. واستقلت الأولى بالنّهي عن الرّفث والفسوق في جميع الأوقات في الحج، واستقلّت الثانية بالنهي عن الرّفث والفسوق بجميع أشكاله، فيكون تعدد القراءات هنا ضروريا لتحقيق المعنيين معا، إذ أفادت الأولى العموم، وأفادت الثانية الإطلاق، والله أعلم. أخرج الأصبهاني في الترغيب عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد في سبيل الله أحبّ إلى الله من جهاد في سبيله، وحجة مبرورة متقبّلة، لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيها» (١). قال أبو زرعة: «حجة من فتح أن يقول: إنه أبلغ في المقصود، ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرّفث والفسوق كما أنه إذا قال: لا ريب فيه فقد نفى جميع هذا الجنس، وإذا رفع ونون فكأن النفي لواحد منه، فالفتح أولى لأن النّفي به أعمّ، والمعنى عليه لأنه لم يرخص في ضرب من الجدال» (٢)، ثم أورد إيضاحا آخر للمعنى الذي دلّت له قراءة النصب فقال: فالفتح جواب قائل: هل من رفث؟ هل من فسوق؟ ف (من) يدخله للعموم و (لا) أيضا تدخل لنفي العموم، وإذا قلت: «هل من رجل في الدار» فجوابه: «لا رجل في الدار» (٣). وأما الذين قرءوا بالرفع فإنهم لم ينكروا هذه الدلالة، ولكن قالوا: «إنها تعرف من فحوى الخطاب ولو قرأت بالرفع، وقد يكون اللفظ واحدا والمراد جميعا» (٤). والخلاصة أن القراءتين متكاملتان في الدلالة على المعنى في وجوب نفي الرّفث والفسوق والجدال بشتى أشكاله. بقي أن نشير إلى معنى الرّفث المنهي عنه، وهو إتيان النساء، وقد صرح بذلك من

стр. 255

الصحابة ابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وروي عن بعض السلف عن ابن عباس أيضا أن الرّفث هو التّعريض بذكر النّكاح. أخرج سفيان بن عيينة عن طاوس قال: سألت ابن عباس عن قوله: فلا رفث، قال: الرّفث الذي ذكر هنا ليس الرّفث الذي ذكر في أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: ٢/ ١٨٧]، ذاك الجماع، وهذا العراب بكلام العرب، والتعريض بذكر النكاح (١)، وروى عنه ابن المنذر أيضا قوله: الرّفث غشيان النّساء والقبل والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام (١). المسألة التاسعة: قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التّوبة: ٩/ ١٩]. انفرد عيسى بن وردان في رواية أبي جعفر في وجه عنه فقرأ: (أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) (٣). وهذا الوجه من القراءة لم يشتهر عن أبي جعفر، فقد قرأ راوياه: ابن جماز وعيسى بن وردان كقراءة الجمهور، ولكن نقل الشطوي عن عيسى بن وردان عن أبي جعفر أنه قرأ بالوجه المذكور (٤)، ولولا أن ابن الجزري أورده في النّشر لأعرضنا عنه، واكتفينا بما قرأ به الجمهور. وينشأ من هذه القراءة أيضا مشكلة في الرسم، إذ لا تستقيم صحة هذه القراءة إلا مع مطابقتها للرسم العثماني في أحد المصاحف كما قدمناه من قبل، ولم أجد أحدا من محققي مصاحف عثمان أشار إلى هذا الوجه في الخلاف، ولا يتصوّر إدراج ابن الجزري لهذا الوجه في المتواتر إلا مع تيقنه من مطابقته للرسوم في أحد المصاحف العثمانية، إذ يستفاد من قول ابن الجزري:

стр. 256

وكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل وجه أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة (١) فيستفاد من ذلك أن ابن الجزري ملتزم بهذه الشروط الثلاثة، فلا يصح إدراجه لهذا الوجه في المتواتر إلا مع الجزم بأنه اطّلع على وجه في المرسوم مطابق لما أدى إليه هذا الوجه. ومؤدى قراءة أهل الأمصار نفي التسوية بين سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وبين المؤمنين، وهو كما ترى مقابلة بين فعل وذات، وهو ما نجت منه رواية الشطوي عن ابن وردان، إذ جعلت المقابلة بين ذات وذات، بين سقاة الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وبين المؤمنين بالله واليوم الآخر. ولكن هذا الإنكار على قراءة الجمهور لا محل له ولا داعي إليه، ففي القرآن العظيم من مقابلة الذات بالأفعال كثير، من ذلك: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر: ٥٩/ ٩]. ففيه عطف الدار وهي ذات على الإيمان وهو معنى، وذلك على قول من قال: إن الإيمان هو العقيدة الموصوفة؛ إذ جزم كثير من المفسرين أن الإيمان هنا اسم ذات أيضا؛ إذ جعلوه اسما للمدينة المنورة. وحيث ثبت تواتر قراءة الجمهور وموافقتها للرسم والنحو فلا مساغ للإنكار، والذي يميل إليه القلب أن المروي عن ابن وردان ليس متواترا، إذ مع مخالفته لرسم المصحف فإن ابن الجزري نفسه أعرض عنه في الطيبة ولم يشر إليه (١)، واكتفى بالإشارة إلى هذا الوجه في النشر، وقد أورده محتفا بقرائن التوهين فقال: انفرد الشطوي عن ابن وردان بذلك، فكأنه جزم أنه ليس في المتواتر من ذلك شيء. ولكنه كان من قبل قد أوردها في نظم الدّرة المضية مشيرا إلى الخلاف فيهما أيضا (٣).

стр. 257

ثمرة الخلاف: إن المعاني التي أدت إليها القراءتان متقاربة؛ فهي أولا أفادت نفي المماثلة بين سقاية الحاج والإيمان، فكانت على تقدير: لا يستوي من قام بسقاية الحاج، ومن آمن بالله، واليوم الآخر. وأفادت ثانيا نفي المماثلة بين سقاة الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وبين المؤمنين، فالمؤدى المفهوم من القراءتين جميعا، أن الأعمال غير متساوية، والأفراد غير متساوين، إذ لا يقبل الله عملا يقوم به عامل مع فساد العقيدة، وهو أصل مقرر في فروع الشريعة، وقد دلّ له قوله سبحانه: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٥/ ٢٣]. وفي الحديث القدسي: «إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري» (١). المسألة العاشرة: قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٥/ ٩٥]. قرأ الكوفيون ويعقوب: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، وقرأ الباقون: (فجزاء مثل ما قتل من النّعم) (٢) فمن رفعهما جميعا فرفعه على معنى: فعليه جزاء مثل الذي قتل، فيكون مثل ما نعت الجزاء، ويجوز أن يكون التقدير على أساس أنهما مبتدأ وخبر، فيكون المعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل. وعلى ذلك تتوجه قراءة الخفض إلى معنى: فجزاء مثل المقتول واجب عليه، وقد تعددت مذاهب الفقهاء تبعا لاختلاف الرواية في هذا الموطن، فقالت الحنفية: من قتل الصيد فإنه يقوم الصيد المقتول من الدراهم، ثم يشتري قيمته فداء من النّعم ثم يهديه إلى الكعبة لأن المطلوب قيمته، بدليل أن الجزاء أضيف إلى المثل: فجزاء مثل، كما في قراءة الجميع إلا الكوفيين ويعقوب، والشيء

стр. 258

لا يضاف إلى مثله، فوجب المصير إلى قيمته، حيث تيقّنّا هنا أن المطلوب ليس المثل، وإنما هو ما يعادله قيمته (١). وقد أجرى الحنفية قاعدتهم هذه في كثير من مسائل الكفارات والنذور كما في صدقة الفطر. ولهذا المذهب تطبيقات كثيرة في التفسير، وهي مسموعة من كلام العرب، كما في قولهم: مثلك من يكرم، ونظيره في القرآن الكريم: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ٦/ ١٢٢]، أي كمن هو في الظلمات. ومن أشهر التطبيقات لهذه القاعدة ما اتّفق عليه المفسرون في قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشّورى: ٤٢/ ١١]، فلا بدّ من المصير في هذا المقام إلى ما فهمته الحنفية، وهو أن (مثل) هنا زائدة، ويمكن القول: إنما تتجه الآية إلى نفي شبيه الشبيه عن المولى سبحانه، وهو زيادة في التّنزيه (٢). فجملة القول أن مختار الحنفية يتجه إلى أن المطلوب إنفاق قيمة ما قتل من الصيد، اعتمادا على القراءة المتواترة إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. قال أبو حنيفة: تجب القيمة بقتل الصيد أو الدلالة عليه (٣). واختارت الشافعية: أن المحرم إذا أصاب صيدا في الحرم فقد وجب عليه مثل المقتول إن كان له مثل، فإن لم يكن له مثل فلا بدّ من المصير إلى القيمة (٤). وتجد أن شقة الخلاف تضيق بين القوم فيما ليس له مثل مشروع من النعم، ويتحدد مناط الخلاف فيما كان له مثل مكافئ من النّعم، فالحنفية على مذهبهم لزوم القيمة، والإعراض عن كفارة الدّم بالدّم، والشافعية على مذهبهم في المصير إلى نحر المثل حيث وجد، وإلا فالمطلوب القيمة. وعبارة الشربيني: في النّعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، وفي الغزال عنز، وفي

стр. 259

الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الثعلب شاة، وفي الضّب جدي، وما لا نقل فيه يحكم بمثله من النّعم عدلان، لقوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ. ويجب في ما لا مثل له مما لا نقل فيه كالجراد، وبقية الطيور ما عدا الحمام القيمة، وذلك في موضع الإتلاف والتّلف، لا بمكة على الصحيح. ثم يلزم في الكبير كبير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب، اجتهادا في تحقيق المثلية المنصوص عليها في الكتاب (١). وظاهر هنا أن اختيارات كافة الشافعية إنما تجري مع قراءة الرفع: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ فالمثل هو الخبر المنصوص عليه. ثمرة الخلاف: تكشف القراءتان عن سعة الفقه الإسلامي ودقّته، فبعد أن دلّت قراءة أهل الكوفة بالرفع على وجوب المماثلة، تحقيقا لدقة الجزاء في القضاء، جاءت قراءة الباقين بالخفض إيذانا بجواز العدول إلى القيمة في الجزاء. وهذا الاتجاه ينتج عن إعمال القراءتين جميعا، ويتفق مع مذهب الشافعية في ما كان له مثل، في الشّق الأول، وما ليس له مثل في الشّق الثاني، فهو اعتمال مركب. لكن ينطبق على دلالة القراءتين ما اختاره المالكية الذين جعلوا الفداء على سبيل التّخيير بين نحر مثل الصيد وبين قيمة الصيد، وخلاصة مذهبهم أن جزاء الصيد أحد ثلاثة أنواع (٢) على التّخيير كالفدية، وهي: مثل الصيد الذي قتله من النّعم، وقيمة الصيد طعاما، وعدل ذلك الطعام صياما لكلّ مدّ صوم يوم (٣). وهكذا فإن مختار المالكية أقرب السّبل لإعمال القراءتين جميعا، وهو ما يجب لحظه واعتباره.

стр. 260

المسألة الحادية عشر: قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٢/ ٢٩]. قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، والبصري، وورش: (ثمّ ليقضوا تفثهم). وروى ابن ذكوان عن ابن عامر الكسر أيضا في: (وليوفوا نذورهم وليطّوفوا). وقرأ الباقون بإسكان اللام في ذلك جميعا (١): ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا. فالذين كسروا اللام أتوا بها على الأصل؛ إذ هي مبتدأة في الكلام، والعرب لا تبدأ بساكن، وحقّ اللام الكسر. وهذا هو التوجيه اللغوي. ولم أجد في شروح الشاطبية والطيبة التعرض للتوجيه المعنوي لقراءة الكسر، وظاهر بأن اللام المكسورة هنا تحمل معنى آخر غير الأمر الجلي في قراءة إسكان اللام، ويتجه معنى اللام المكسورة هنا إلى الغاية؛ أي أن من مقاصد حجتهم واعتمارهم، ومن غايات ذلك قضاء التّفث، ووفاء النّذور، والطّواف بالبيت، وإنما ذكر الله سبحانه هذه الغايات إلطافا بالمعتمرين، وإيناسا لهم، ودفعا لاستيحاشهم (٢). والذين قرءوا بإسكان اللام حملوا ذلك على الأمر، ويقوي مذهبهم إجماع الجميع على الإسكان في قوله تعالى: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف: ١٨/ ١١٠]، وقوله سبحانه: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النّور: ٢٤/ ٣١]، وقوله سبحانه: وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً [الكهف: ١٨/ ١٩].

стр. 261

وثمرة الخلاف: أن القرآن قرر أن قضاء التّفث مقصد يسعى إليه الحجاج، وذلك قبل أن ينزل فيه تشريع، ثم أمر بذلك، فأصبح قضاء التّفث نسكا شرعيّا مأمورا به، زيادة على كونه عادة الحجيج من العرب فيما توارثوه عن إبراهيم. فكأنما القراءة الأولى جاءت تذكيرا بما تعودته العرب، ثم جاءت الثانية بالتكليف به ليكون الأمر أوقع في النفوس، وآنس للاستجابة، وأدنى إلى القبول. وأما تحرير معنى التّفث المأمور بقضائه فقد تعدّدت فيه الأقوال تعدّدا كثيرا، ولم يسمع فيه شعر عربي (١)، ولكن روي في تفسيره نصّ لو سلّم إسناده لقطع كل خلاف، وهو ما رواه ابن عمر وابن عباس أن التّفث مناسك الحجّ كلها (٢)، وقال ابن العربي (٣): لو صحّ عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة، قال: وهذه اللفظة غريبة لم يجر أهل العربية فيها شعرا، ولا أحاطوا بها خبرا (٤)، لكني تتبعت التّفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: إنه قص الأظافر، وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. قال: ولم يجئ فيه بشعر يحتجّ به (٥).

стр. 262

وقال صاحب العين: التّفث هو الرّمي، والحلق، والتّقصير، والذّبح، وقصّ الأظافر، والشارب، والإبط. وذكر الزجاج والفرّاء نحوه، ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء. وقال قطرب: تفث الرّجل إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصّلت: حفّوا رءوسهم لم يحلقوا تفثا ... ولم يسلّو لهم قملا وصئبانا وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب بن مالك، وهو الصحيح في التّفث وهذه صورة إلقاء التّفث لغة، وأما حقيقته الشرعية: فإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه، وحلق رأسه، وأزال وسخه، وتنقى، ولبس فقد أزال تفثه، ووفى نذره، والنّذر ما لزم الإنسان، والتزمه (١). ومن هذه النقول تعلم أن كلمة (التّفث) لفظة عربية حوشية، قليلة التّردد في كلامهم، ولكنها ليست ابتداعا اخترعه التّنزيل. وخلاصة اختيارهم في أمر التّفث ما رواه ابن وهب عن مالك قال: التّفث: حلق الشعر، ولبس الثياب، وما أتبع ذلك مما يحل به المحرم (٢).

стр. 263

المبحث الثاني في المعاملات المسألة الأولى: قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النّساء: ٤/ ٣٣]. قرأ الكوفيون (١): وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ. وقرأ الباقون: (والذين عاقدت أيمانكم) (٢). وذهب الكوفيون إلى تقرير أن الأيمان هي التي عقدت بينهم فلا حاجة حينئذ لألف المفاعلة، واستدلّوا بما ورد عقب المعاقدة: أَيْمانُكُمْ، وقالوا: هي حجة على أن أيمان الطائفتين هي التي عقدت ما بينهما، وفي إسناد الفعل إلى الأيمان كفاية من الحجة (٣). وقد أنكر القرطبي اختيار الكوفيين فقال: المعاقدة لا تكون إلا من اثنين فصاعدا، فبابها: فاعل، ولم يلتفت إلى حجة الكوفيين (٤). وأما باقي القرّاء فقد جعلوا حلف المعاقدة ثنويا، فكان لا بدّ من ألف المفاعلة، حتى يتحقق اشتراك اثنين، ونقل أبو زرعة أن هذا كان في الجاهلية، يجيء الرجل الذليل إلى العزيز فيحالفه ويعاقده ويقول له: «أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي حرمتك، ودمي دمك، وثأري ثأرك»، فأمر الله بالوفاء لهم، فهذا العقد لا يكون إلا بين اثنين (٥).

стр. 264

والآية عامة في وجوب إيتاء ذوي العقود حقوقهم فيما عاقدوا فيه، وقد أورد الإمام البخاري توجيها لمعنى الآية وفق سبب نزولها: «عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم) قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريّ دون ذوي رحمه، للأخوّة التي كان النّبي ﷺ جعلها بينهم، فلما نزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ قال: نسختها (والذين عاقدت أيمانهم)» (١). وعلى اختيار البخاري هذا جرى أهل التفسير، فصرحوا بأن هذه الآية منسوخة، ولا نزاع في ذلك بحسب الظاهر، لكن ينبغي أن يحتاط في إطلاق النّسخ، فيجب القول هنا: إن الآية منسوخة من جهة دلالتها على توريث الإخوة في الدين، ولكنها باقية في الدلالة على نصرتهم وحمايتهم وموالاتهم؛ إذ النّص في الكتاب العزيز لم يخصّ على إيتاء المال دون سواه، فحيث جاء النّسخ على فرد من أفراد المأمور به، تعين أن الحكم باق فيما سواه من أفراده. وهكذا فإنه لا مساغ للجزم بوجود النّسخ، لإمكان الجمع بين النصوص، ولأن دلالات العام هنا كثيرة، وأغلبها باق محكم، كحق المعاقدين في الوفاء بعقودهم من النصرة والولاية والنصيحة والتراحم، خلافا لما جزم به أبو زرعة في الحجة (٢). ثمرة الخلاف: إن حقّ من تنالهم عقود الأيمان في الوفاء مؤكد بلا ريب كما شملته الآية في حدود ما لم يطله الناسخ. ولكن هل هذا الحق لمن انعقد حلفه بيمين العاقد وحده دون الحاجة لتحرير إقرار المعقود له، أم لا بدّ من تعاقد بين طرفين؟

стр. 265

دلّت قراءة الجمهور أن المطلوب لجريان أحكام التّعاقد أن يشترك في إقراره المتعاقدان، بقرينة ألف المفاعلة التي هي نتيجة اشتراك إرادتين، ويشهد له اختيار أبي عبيدة (عاقده: حالفه) (١) فيما دلّت قراءة أهل الكوفة أن المطلوب هو يمين الغارم دون إقرار الغريم، بقرينة أن الفاعل هنا هو أيمان المؤمنين وحدها. والجمع بين القراءتين ممكن، فيكون إعمال القراءتين دليلا على وجوب انعقاد العقد في الحالين، بالمشاركة أو المبادرة الفردية، وفي الحالين فإن الوفاء ملزم، ففي المشاركة لأنها إرادة الفريقين، وفي المبادرة الفردية لأنها تفترض إقرار المعقود له (٢). فائدة: ولا بدّ من الإشارة هنا إلى طبيعة هذا الإخاء العجيب الذي عقده النّبي ﷺ بين الصحابة الكرام، وحلّ محلّ أخوّة النّسب والدّم، حتى أصبح الأخ يرث أخاه في الدين دون أرحامه ومواليه، وهو أمر لا تقدر على فرضه أشدّ القوانين صرامة وحزما، ولكن شرعه الإسلام وطبّقه حبّا وعدلا وإحسانا. وبمقارنة بسيطة ندرك أي منزلة سامية بوّأها النّبي ﷺ لأصحابه في الحبّ والإيثار. المسألة الثانية: قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الرّوم: ٣٠/ ٣٩]. قرأ ابن كثير: (وما أتيتم من ربا) من غير مد، أي ما جئتم. وقرأ الباقون: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً (٣)، أي: ما أعطيتم، من قوله: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا أي: أعطاهم. قال عكرمة: هما ربوان: أحدهما حلال والآخر حرام، فأما الحلال فالرجل يعطي أخاه

стр. 266

هدية ليكافئه المهدى إليه بأضعافه، لا لأنه يهدي ابتغاء وجه الله، فهذا حلال علينا، وحرام على النّبي ﷺ ، وأما الحرام فهو أن يعطي الرجل دينارا على أن يأخذ أزيد منه (١). وثمرة الخلاف: أن قراءة الجمهور جاءت بالنّص على ذمّ إيتاء الرّبا، وبيان أنه كاسد عند الله، فكان أخذ الرّبا بمنزلة المسكوت عنه، فجاءت قراءة ابن كثير بذم إتيان الرّبا كله، أخذا وعطاء، وكما ترى فإن المعاني تتكامل بالقراءات، وتبقى قراءة الجمهور كالنّص على تغليظ الزجر على المرابي، وقراءة ابن كثير على تغليظ الزجر على عموم الرّبا كله. ولم تستقل هذه الآية بهذا البيان؛ إذ جاءت نصوص القرآن والسّنة متضافرة على توكيد هذا المعنى. وفي الحديث: «لعن الله الرّبا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده» (٢). وفي الحديث أيضا: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الرّبا، فإن لم يأكله أصابه من غباره» (٣). المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ [الرّوم: ٣٠/ ٣٩]. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب: (لتربو في أموال الناس). وقرأ الباقون: لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ (٤). فيكون الفاعل في قراءة أهل المدينة، وحضرموت هو آكل الرّبا والمتّجر فيه، فيما يكون الفاعل في قراءة الجمهور هو الرّبا نفسه.

стр. 267

وقد لخص ابن العربي مذاهب السلف في المراد بهذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الرجل يهب هبة يطلب أفضل منها؛ قاله ابن عباس. الثاني: أنه الرجل في السفر يصحبه رجل يخدمه ويعينه، فيجعل المخدوم له بعض الربح جزاء خدمته، لا لوجه الله، قاله الشعبي. الثالث: الرجل يصل قرابته، يطلب بذلك كونه غنيّا لا صلة لوجه الله؛ قاله إبراهيم النخعي. وبالجملة فإن الآية متجهة إلى التّحذير من الرّبا بالقصد الظاهر أو بغير القصد الظاهر. وهذه الآية حلقة من أربع حلقات تمّ فيها تحريم الرّبا، إذ تدرّج حكم الرّبا في التّحريم على أربع مراحل: الأولى: نزل قول الله : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الرّوم: ٣٠/ ٣٩]. فأخبر سبحانه أن مصير الرّبا إلى تلف، وأن المرابي يهدم ما يبنيه من حيث يريد أو لا يريد. الثانية: قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢/ ٢٧٣]. وفي هذه الآية تنفير شديد من الربا، ومقارنة للمرابي بفاقد العقل الذي ركبه الصرع فأتلفه. الثالثة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ٣/ ١٣٠]. وهي صريحة في تحريم أنواع مخصوصة من الرّبا تمهيدا للتحريم النهائي. الرابعة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢/ ٢٨٧].

стр. 268

وهي قاطعة في تحريم سائر أنواع الرّبا. والآيات الأربع محكمة، لا مساغ للقول بنسخ بعضها ببعض، إذ الجمع ممكن، والدلالات متعاونة، والمعنى متكامل. ثمرة الخلاف: دلّت قراءة المدنيين والحضرمي على تحريم الرّبا لدى قصد المرابي إيقاعه، فيما دلّت قراءة الباقين على تحريمه مطلقا (١)، ولو لم يظهر قصد المرابي بيّنا. والقراءتان كما ترى تتعاونان على هدم عقود الرّبا والسّبل الموصلة إليها، ذلك أن الاحتيال على الشريعة في مسألة الرّبا درب ينتهجه الفساق في كل حين، فناسب أن يتكرر النهي عنه بوجوه متعددة، وهذا أظهر دلالات تعدد القراءة في هذا المقام. ولم أجد في عبارات المفسرين مما اطلعت عليه من أشار إلى دلالة جلية لتعدد القراءة في هذه الآية، مع أن سائر المفسرين أوردوا هذا التخالف.

стр. 269

المبحث الثالث في النّكاح المسألة الأولى: قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢/ ٢٢٩]. قرأ حمزة، وأبو جعفر، ويعقوب: (إلا أن يخافا) بضم الياء، وحجته قوله بعدها: فَإِنْ خِفْتُمْ فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: (فإن خافا). وقرأ الباقون: إِلَّا أَنْ يَخافا (١)، وحجتهم ما جاء في التفسير: إِلَّا أَنْ يَخافا أي: إلا أن يخاف الزوج والمرأة ألا يقيما حدود الله فيما يجب لكل واحد منهما على صاحبه من الحقّ والعشرة (٢). وثمرة الخلاف: إن قراءة حمزة يحتجّ بها من جعل الخلع إلى السلطان، فقد جعل الله أمر المخالعة مقيّدا بمعرفة السلطان أن الزوجين يمكن أن يتجاوزا حدود الله بنشوز أو شذوذ، تحمل عليه الكراهية، من دون أن يتوصلا إلى اتفاق حول المخالعة، فيطلّق عليهما السلطان استنادا إلى قراءة حمزة. أما قراءة الجمهور فإنها تجعل الخوف خوفهما، فينقطع بذلك سبيل التّطليق على الزوجين بدون إرادتهما.

стр. 270

وهذه عبارة القرطبي في ذلك: «حرّم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكّد التّحريم بالوعيد تعدى الحدّ، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حقّ النكاح لصاحبه حسب ما يجب له فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ، والخطاب للزوجين، والضمير في أَنْ يَخافا لهما، وأَلَّا يُقِيما مفعول به، و (خفت) يتعدى إلى مفعول واحد، ثم قيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله، وهو من الخوف الحقيقي، وهو الإشفاق من وقوع المكروه، وهو قريب من معنى الظّن، ثم قيل: إِلَّا أَنْ يَخافا استثناء منقطع، أي لكن إن كان منه نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية، وقرأ حمزة: (إلّا أن يخافا) بضم الياء على ما لم يسمّ فاعله، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام، واختاره أبو عبيد. قال: لقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا، وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان. قلت: وهو قول سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين. وقال شعبة: قلت لقتادة: عمّن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان؟ قال: عن زياد، وكان واليا لعمر وعلي. قال النحاس: وهذا معروف عن زياد، ولا معنى لهذا القول لأنّ الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به، ولا يجبره السلطان على ذلك، ولا معنى لقول من قال: هذا إلى السلطان. وقد أنكر اختيار أبي عبيد وردّ، وما علمت من اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف، لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى، أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ: إِلَّا أَنْ يَخافا تخافوا، فهذا في العربية إذا ردّ إلى ما لم يسمّ فاعله قيل: إلّا أن يخافا، وأما اللفظ فإن كان على لفظ يَخافا وجب أن يقال: فإن خيف. وإن كان على لفظ فَإِنْ خِفْتُمْ وجب أن يقال: إلّا أن تخافوا. وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال: لا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموه شيئا، إلا أن يخافا غيركم ولم يقل جلّ وعزّ: فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية، فيكون الخلع إلى السلطان. قال الطحاوي: وقد صحّ عن عمر وعثمان جوازه دون السلطان. وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع، وهو قول الجمهور من العلماء (١).

стр. 271

ومع تقرير النحاس في إعراب القرآن أن هذا الوجه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى مع موافقة القرطبي له في ذلك، غير أن ذلك لا يعني عدم وجوبه، فقد أوجبته ثلاثة أشياء: ثبوت التواتر وموافقة الرسم وموافقة وجه من العربية، وحيث تمّ ذلك كله كما حققه ابن مجاهد في السبعة (١)، والجزري في النشر (٢)؛ وجب المصير إليه والتماس تأويله. ولعل أقرب الوجوه إلى الدلالة على إسناد (يخافا) إلى الغيبة، هو ما عطفت به الآية في قوله سبحانه: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ والخطاب كما ترى للحكام والمتوسطين في هذا الأمر إن لم يكن حاكما، وقد سمّى حسن العشرة حُدُودَ اللَّهِ إعظاما لها أن تهجر أو تهمل. ويجب التّنويه هنا إلى أن الخلع لا يحتاج إلى قاض في إيقاعه (٣)، فإذا اتّفق الزوجان على المخالعة لم يكن للقضاء أن يقبل أو يرفض، ولكن: هل يملك القاضي الخلع على الزوج إن طلبت الزوجة ورفض الزوج؟ هذا ما اختاره الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ودليلهم على ذلك قراءة حمزة، وأبي جعفر، ويعقوب، وكذلك حمل الأحاديث الواردة في معنى المخالعة على ذلك إذ ليس في سائرها توضيح لإقرار الزوج بإيقاع المخالعة، بل ورد فيها أمره ﷺ للزوج بإجراء المخالعة. عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت إلى النّبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام،

стр. 272

فقال رسول الله ﷺ : «أتردّين عليه حديقته؟» قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة» (١). المسألة الثانية: قوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ [البقرة: ٢/ ٢٣٣]. قرأ ابن كثير، وأبو عمر، ويعقوب: (لا تضارّ والدة بولدها). وقرأ الباقون: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (٢). فتكون قراءة المكي والبصريين (٣) على إفادة الخبر، وأنه معنى تكويني؛ إذ ليس من شأن المرأة أن تضارّ زوجها الذي طلّقها بالتّغالي في أجر الرّضاع عليه؛ لأن في ذلك ضررا بها أيضا؛ حيث تحرم من متعة الإرضاع، وضررا بالرضيع أيضا، ولا يتصور في الأم الرءوم أن تسعى إلى الإضرار بولدها ونفسها ابتغاء عرض من المال. وعلى هذا فالآية هنا تشير إلى حكم تكويني بحسب هذه القراءة. وأما قراءة الباقين بفتح الراء، فإنها على النّهي، وأصلها براءين (لا تضارر) فلما اجتمعت الراءات أدغمت الأولى في الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وقد قرأها بلا إدغام (لا تضارر) كل من الحسن البصري، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وأبان بن عثمان بن عفان (٤). فعلى هذا الوجه فإن الآية هنا اشتملت على حكم تكليفي. ولكن لا يعني اختيار الأولين أن الآية لا تشتمل على معنى التكليف، فقد ورد في القرآن العظيم كثير من الخبر مشتملا على التكليف

стр. 273

إضافة لما أفاده من الخبر التكويني، مثال ذلك قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [البقرة: ٢/ ٢٢٨]، فهو خبر أفاد معنى: (تربصن أيها المطلّقات)، ومثله قوله سبحانه: لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: ٢/ ٢٣٣]، أفاد معنى: (لا تظلموا ولا تظلموا). ثمرة الخلاف: لا شك أن معنى النهي عن المضارّة موجود في كلا القراءتين، على أساس أنه في قراءة النصب نهي محض، وفي قراءة الرّفع خبر أفاد معنى النّهي، وهذا المعنى تتّحد به القراءتان. ولكن تزيد قراءة الرفع معنى جديدا، وهو إثارة الباعث الإنساني لدى المرأة، التي قد تدفعها أزمة الطلاق إلى إيذاء نفسها وولدها مضارّة بالزوج، فأخبرت الآية أن هذا ليس شأن المرأة العاقلة الصالحة. وكما نرى فليس بين الآيتين تعارض، بل تتكامل فيهما المعاني للدلالة على مقاصد بديعة. المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢/ ٢٣٦]. قرأ أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان، وحفص: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ بالفتح فيهما. وقرأ الباقون: (ومتّعوهنّ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) بالسكون فيهما (١). فتكون قراءة الأولين بالإسكان اتباعا لصيغة بناء المصادر المشتهرة: (القدر) مثل (الوسع) بقرينة ترادفهما. وتكون قراءة الآخرين بالفتح على أساس أن المصدر التقدير (٢)، ويقوي هذا المذهب قول الله : فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرّعد: ١٣/ ١٧].

стр. 274

وقد اختار أكثر النّحاة أنهما لغتان في معنى واحد، نقل ذلك عن الفراء (١)، وعن الكسائي (٢)، وأبي زيد (٣). وثمرة الخلاف: لم أجد أحدا من أهل التفسير ممن قرأت لهم أشار إلى ثمرة لهذا التّعدد في القراءة، وأكثرهم كما رأيت يجزم أنهما لغتان في معنى واحد. ولكن إعراضهم عن ذكر ثمرة لا ينفي وجود ثمرة أو ثمرات من تعدد القراءات، إذا سلّمنا بأن التّعدد إرادة من العليم الحكيم، وهو ما حشدنا له الأدلة المتضافرة في مطلع البحث. وقد رأيت أن قراءة الفتح أشارت إلى معنى الوسع والطاقة، أي: على الموسع قدر طاقته، وعلى المقتر قدر طاقته. ويمكن أن تفيد قراءة الإسكان معنى آخر هو المنزلة، فيكون المعنى على الموسع بما يناسب قدره ومنزلته وعلى المقتر كذلك. ويقوي ذلك ما أخرجه البخاري في الصحيح من حديث عائشة ﵂ في ذكر ما كانت تلعب به من عرائس، ثم قالت: «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السّن تسمع اللهو» (٤). وهكذا فإن المطلّق مأمور أن يمتع المطلقة قدر استطاعته ووسعه، ثم ليعلم أن هذه المتعة إنما تعبر عن قدره ومنزلته، فهي مقياس أخلاقي إضافة لكونها التزاما شرعيّا.

стр. 275

المسألة الرابعة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النّساء: ٤/ ١٩]. وقرأ حمزة، والكسائي: (أن ترثوا كرها) بالضّم. وقرأ الباقون بالنصب. واختلف الناس في الضم والفتح. فقال ابن عباس: «من قرأ (كرها) بالضم أي بمشقة، ومن قرأ: كَرْهاً* بالفتح أي إجبارا أي أجبر عليه، جعل ابن عباس (الكره) فعل الإنسان، و (الكره) ما أكره عليه صاحبه (١) تقول: (كرهت الشيء كرها، وأكرهت على الشيء كرها) قال أبو عمرو: (الكره ما كرهته، والكره ما استكرهت عليه)، ويحتج في ذلك في قول الله جلّ وعزّ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (٢). ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أنهما لغتان، ثم قال: الكره بالفتح الإكراه، والكره بالضم المشقة» (٣). وثمرة الخلاف: تحريم وراثة النساء كرها أو كرها، فلا يحلّ إجبار الأرملة على نكاح من لا تريد، ولا يحلّ أيضا إلجاؤها إلى ذلك بعضل الزواج عنها، ولو كان ذلك من غير إجبارها على شخص بعينه. وهو مقتضى ما قرره اللغويون من الفرق بين الكره والكره. وروى البخاري، وأبو داود، والنّسائي عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوّجوها. فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية (٤). وأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن أبي أمامة، سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن

стр. 276

الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً (١). قال المفسّرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة؛ جاء ابنه من غيرها، أو قرابته من عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة (٢). فكان إلقاؤه الثوب عليها، أمارة أنه اصطفاها لنفسه فلم يكن لغيره أن يخطبها، ولم يكن لها أن تردّه عنها. المسألة الخامسة: قوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النّساء: ٤/ ١٩]. وقرأ ابن كثير، وأبو بكر (شعبة راوية عاصم): (بفاحشة مبيّنة)، بفتح الياء. وقرأ الباقون بكسر الياء: مُبَيِّنَةٍ. فمن قرأ بالكسر أراد اسم الفاعل، ومن قرأ بالفتح أراد اسم المفعول (٣). ففي هذه الآية استثنى الله تعالى حالة واحدة يجوز فيها العضل أي الحبس والتضييق، وهي حالة إتيان الفاحشة المبينة كالزّنا، والسرقة، والنّشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شرعا وعرفا، ففي هذه الحال يجوز العضل لاسترداد ما أعطوه من صداق وغيره من المال لأن الإساءة من جانبها، واشتراط كون الفاحشة مبينة أي ظاهرة ثابتة إنما هو لمنع عضلها بمجرد سوء الظن بسبب غيرة الرجل الشديدة، وتسرّعه في الحكم على الزوجة البريئة، أو المرأة العفيفة، فيقع الرجل في الظلم حينئذ.

стр. 277

ثمرة الخلاف: أن من قرأ بالفتح: (مبيّنة) فمعناها: مكشوفة مظهرة. أي: أوضح أمرها، ومن قرأ بالكسر: مُبَيِّنَةٍ فمعناها: كاشفة ظاهرة، فهي حال الكسر اسم فاعل، وحال الفتح اسم مفعول. ودلّت القراءتان على أن عضل المرأة جائز إذا ظهرت منها الفاحشة سواء كانت مبيّنة أو مبيّنة. المسألة السادسة: قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ [النّساء: ٤/ ٣٤]. قرأ أبو جعفر: (حافظات للغيب بما حفظ الله) بنصب لفظ الجلالة، وقرأ الباقون: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ برفع لفظ الجلالة (١). فعلى قراءة الجمهور فإن المرأة الصالحة قانتة حافظة لغيب زوجها بتوفيق الله وحفظه، وحفظها هنا مجاز، إذ حقيقة الحفظ من الله، والله خير حافظا، فاشتملت الآية على الحقيقة والمجاز في آن معا، وخير تفسير للآية قول النّبي ﷺ : «ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (٢). وفي رواية: «خير النساء التي إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» (٣). أما توجيه قراءة النّصب فإنها على معنى: يحفظن الله، أي: يحفظن أمره ونهيه، فالتقدير: حافظات للغيب بما حفظ مرضاة الله، فحذف المضاف، ونصب لفظ الجلالة بنزع الخافض.

стр. 278

ثمرة الخلاف: أفادت قراءة العامة أن الحافظ الحق هو الله ، وأن المرأة الصالحة مأمورة أن تبذل الجهد في حفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله. وأفادت القراءة الثانية بالنصب، أن المرأة الصالحة مأمورة أن تحافظ على مرضاة الله، وتحقق أمره ونهيه في القيام بما يأمرها به زوجها في غيبته. وهكذا فإن دلالة القراءتين متشابهة، وقد ألقت القراءات المتعددة معاني من هيبة الله وجلاله على المرأة المسلمة في حفظها لغيب زوجها، لم نكن نعرفها لولا ورود القراءة المتواترة. المسألة السابعة: قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ ... أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ [النّور: ٢٤/ ٣١]. قرأ ابن عامر، وشعبة عن عاصم، وأبو جعفر: (غير أولي الإربة) نصبا. وقرأ الباقون: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ بالخفض (١). وتوجيه قراءة ابن عامر وشعبة على وجهين: الأول: الاستثناء، فيكون معنى الآية: (ولا يبدين زينتهن إلا للتابعين إلا أولي الإربة فلا يبدين زينتهن لهم)، وهكذا فبتكرر الاستثناء عاد الحكم إلى الأول، ولما فتح تكرير الاستثناء ب (إلا) ورد الاستثناء ب (غير). الثاني: الحال، فيكون المعنى: (ولا يبدين زينتهن إلا للتابعين حال كونهم غير أصحاب أرب في النساء). وتوجيه قراءة الباقين أن غَيْرِ: صفة، والمعنى: لا يبدين زينتهن إلا للتابعين الذين لا إرب لهم في النساء. ويشكل في توجيه هذه القراءة أن غَيْرِ إنما توصف بها النكرات، كما في قوله تعالى: بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ١٤/ ٣٧].

стр. 279

وكذلك قوله تعالى: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ٤٧/ ١٥]، وقوله: بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النّور: ٢٤/ ٢٩]. فكيف ساغ أن تأتي في هذا المقام وصفا لمعرفة؟ وقد أجاب الزجاج عن ذلك بقوله: وجاز وصف التابعين ب (غير) وإن كانت (غير) يوصف بها النكرة، فإن التابعين هاهنا ليس بمقصود به إلى قوم بأعيانهم، إنما معناه لكل تابع غير ذي إربة (١). وفي سياق ما أورده الزجاج نورد قول الله : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النّساء: ٤/ ٩٥]، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب، فقد جاءت وصفا لمرفوع وهو الْقاعِدُونَ فرفعت مثله. وذلك لأنهم غير مقصودين بأعيانهم فكانوا بمنزلة النكرة في هذا المقام. واختلف الناس في معنى قوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء. وقيل: الأبله. وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم، وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن. وقيل: العنين. وقيل: المخنث. وقيل: الشيخ الكبير، والصبي الذي لم يدرك. وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فهم له، ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء (٢). قال الشوكاني: لا وجه لتخصيص بعينه، بل المراد بالآية ظاهرها، وهم من يتبع أهل البيت، ولا حاجة لهم في النساء (٣). وأكثر المفسّرين على أن هذه الآية جاءت تقريرا لواقعة هيت المخنث، وهي التي أخرجها مسلم، وأبو داود، وغيرهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النّبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النّبي ﷺ وهو ينعت امرأة يقول: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ : «ألا لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن عليكن»، فأخرجه من المنزل.

стр. 280

وتمام الرواية كما في البخاري: عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب ابنة أبي سلمة عن أمها ﵂ قالت: «دخل عليّ النّبي ﷺ وعندي مخنث، فسمعته يقول لعبد الله بن أمية: يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم في الطائف غدا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النّبي ﷺ : «لا يدخلن هؤلاء عليكن». قال ابن عيينة، وابن جريج: «المخنث هيت» (١). ثمرة الخلاف: لا خلاف أن القراءتين متجهتان إلى وجوب منع التابعين من أولي الإربة من الدخول على النساء أو تمكينه من النظر في زينتهن. فيكون الإذن الأول في صدر الآية لهؤلاء التابعين بغشيان مجالس النساء إذا بدت زينتهن مقيدا بأن لا يكون هؤلاء التابعين من أولي الإربة. فأشارت قراءة النّصب أولا إلى وجوب منعهم من خلطة النساء حال كونهم يأزرون إلى النظر إلى النساء، ويمكن أن يفهم الإذن بخلطة النساء إذا لم يلحظ منهم ذلك الأرب في أحد الأحوال. وجاءت القراءة الثانية أشدّ إغلاقا، فنهت عن خلطتهم بالنساء طالما وصفوا بأنهم ذوي إربة، وذلك في سائر الأحوال. وهكذا فقد وردت القراءة بالنّص على قيد توافر الإرب بطريقتين: الأولى: التّقييد بالوصف، وهو ما دلّت له قراءة الخفض. الثانية: التّقييد بالاستثناء وهو ما دلّت له قراءة النّصب. المسألة الثامنة: قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣/ ٣٣]. قرأ نافع، وعاصم: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بفتح القاف، وهذا لا يكون من (الوقار)، إنما هو من (الاستقرار). قال الكسائي: العرب تقول: «قررت بالمكان استقر فيه» لغتان بكسر الراء وفتحها.

стр. 281

وأصله و (اقررن) مثل: (اعضضن)، فحذفوا الراء الأولى لثقل التّضعيف، وحوّلوا فتحتها إلى القاف، وحذفوا الألف أيضا لأن القاف تحركت فصار (وقرن) كما قال: «هل أحست صاحبك» أي «هل رأيت»، والأصل: هل أحسست. وقرأ الباقون: (وقرن) بكسر القاف (١). احتمل أن يكون من (الوقار) تقول: وقر يقر (والأمر منه قروا) وللنساء: (قرن) مثل: (عدن، وكلن) مما تحذف منه الفاء وهي واو، فيبقى من الكلمة: (علن) وإن كان من (القرار) فيكون الأمر: (اقررن) فيبدل من العين الياء كراهة التضعيف، كما أبدل في (قيراط) و (دينار)، فتضمر لها حركة الحرف المبدل منه، ثم تلقي الحركة على الفاء، فتسقط همزة الوصل لتحرك ما قبلها، فنقول: (قرن)، كما يقال من (وصل يصل): صلن. والأصل: (اوقرن) فحذفت الواو لأنها وقعت بين كسرتين، واستغني عن الألف لتحرك القاف، فصار: قرن على وزن (علن). ويحتمل أن يكون من (قررت في المكان أقرّ)، وإذا أمرت من هذا قلت: (واقررن) بكسر الراء الأولى، فالكسر من وجهين: على أنه (الوقار)، ومن (القرار) جميعا (٢). وثمرة الخلاف: أن الآية العظيمة أمرت نساء النّبي ﷺ بأمرين اثنين: ١ - الوقار في البيوت، وهو لزوم السكينة والأدب، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور بالكسر. ٢ - الاستقرار في البيوت، وعدم الخروج منها إلا لضرورة أو عذر، وهو ما دلّت له قراءة المدني وعاصم. وبالجملة فكلاهما مطلوب من نساء النّبي ﷺ بدلالة القرآن الكريم. ولا ريب أن ذلك في حقّ نساء النّبي ﷺ بمنزلة الوجوب لأنه أمرّ لهنّ، وهو من نساء المؤمنين من بعدهنّ بمنزلة المندوب.

стр. 282

ولا يخفى أن ذلك كله مقيد بما دون الضرورة، وإلا فلا خلاف أنهن لا حرج عليهنّ في الخروج من البيوت إذا دعت إلى ذلك مصلحة ضرورية لهنّ أو للأمة، وعلى ذلك يحمل خروج السيدة عائشة ﵂ حين خرجت للثأر من قتلة عثمان ﵁.

стр. 283

المبحث الرابع في الحدود المسألة الأولى: قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢/ ٢١٩]. قرأ حمزة: والكسائي: (قل فيهما إثم كثير). وقرأ الباقون: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ (١). وليس يحتاج المتأمّل كثير نظر ليدرك أن القراءتين متوجهتان من جهة المعنى، والرسم، واللغة، والتواتر، ففي الخمر والميسر إثم كثير، وإثم كبير. وفي السياق: وإثمهما أكبر من نفعهما، وإجماع الكل على أنها بالباء، ثم إن الذنب يوصف إذا كان موبقا بأنه كبيرة، وفي ذلك قول الله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ [الشورى: ٤٢/ ٣٧]، وقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النّساء: ٤/ ٣١]، وأورد أبو زرعة حجة لجمهور القرّاء، وهي أن الإثم واحد يراد به الآثام، فوحد في اللفظ ومعناه الجمع، والذي يدلّ عليه وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فعودل الإثم بالمنافع، فلما عودل بها حسن أن يوصف بالكثير (٢). ولا يخفى أن هذه التعاليل ليست أكثر من وجوه للتفسير، ولا يستلزم انتصار إمام لقراءته تنكّره لقراءة غيره بعد أن ثبت التواتر في كلّ. والآية تكشف عن حكمة التدرّج في تشريع الأحكام، وسنأتي على تفصيل ذلك قريبا، فمع بداية الدعوة الإسلامية بقي الخمر على إباحته، حيث كان اهتمام الدعوة مركزا على تثبيت دعائم الإيمان في النفوس .. من وحدانية وتصديق بالرسالة، والرسول، واليوم الآخر.

стр. 284

وبعد ذلك كان للأخلاق الدرجة الثانية من الاهتمام، فنزلت الآيات في فضيلة الصدق والصبر، والأمانة والوفاء، حتى إذا اكتمل مجتمع الإسلام، عقيدة وأخلاقا، وتوضحت القيم، والمثل العليا في السلوك، بدأ تشريع الأحكام، وذلك مع أول العهد المدني. تمّ ذلك كله والخمرة ما تزال على إباحتها، يتداولها الصحابة في مجالس أسمارهم من غير حرج ولا نكير، إلا شيئا بدءوا يجدونه في قلوبهم من الريبة في أمرها، دفعهم أن يستبينوا أمرها مرة بعد مرة. والحكيم العليم- أدرى بنفوس خلقه، وطبائع عباده. ولا شك أن سلامة الاعتقاد، وحسن الأخلاق تقود تلقائيا إلى سلامة الطبائع، فصارت نفوسهم تشعر بالفضائل، وتتجه نحو الكمالات، فأصبحت تعرف الرذائل والنقائص، وتعمل على اجتنابها وتحاشيها، فبدافع ذاتي بدءوا يشعرون بأن الخمر منقصة ورذيلة، فصار الناضجون إيمانا منهم، لا يكتمون شوقهم وتمنيهم لحكم سماوي يحرم الخمر، بعد أن ظهر تحريمها من نداءات الفطرة السليمة، التي كشف الإسلام الركام عنها في نفوسهم، ومن مستلزمات الطباع القويمة التي صقلها الإيمان في أعماقهم. وهذه الآية حلقة في سلسلة من التنزيل تعاقبت لبيان حرمة الخمر، وإنما استأنى بهم المولى سبحانه لإلفهم، وعادتهم، وكلفهم به، فلو أنه جزم في تحريمه مرة واحدة لشقّ ذلك عليهم، فكان أول ما نزل من ذلك قول الله : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النّحل: ١٦/ ٦٧]، فقال بعض الصحابة: لو كانت الخمرة رزقا حسنا لما أفردها الله عنه بالذكر. ثم نزل قوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢/ ٢١٩]، فقال بعضهم: يا رسول الله ننتفع بها ونشربها (١)، وقال بعضهم: بل نعرض عنها. ثم نزل قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النّساء: ٤/ ٤٣]، فشربها من شربها منهم، وتركها من تركها، وجعلوا يتّقونها عند الصلاة، حتى شربها رجل يقال له أبو القموص، فجعل ينشد شعرا، يذكر فيه قتلى بدر يرثيهم،

стр. 285

وقال في النّبي والأصحاب هجرا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجاء فزعا يجرّ بداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، رفع رسول الله ﷺ شيئا كان بيده ليضربه، فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، والله لا أطعمها أبدا، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٥/ ٩٠ - ٩١]. فقال عمر بن الخطاب: انتهينا .. انتهينا (١). وروي في أسباب النزول قصص مشابهة عن حمزة، وعن علي ﵁، فالله أعلم أي ذلك كان. وهكذا فإن الآية كانت بمثابة إيحاء للناس بكراهية الخمر والميسر، وتهيؤ لنفوسهم للابتعاد عنها، بما تكشف لهم من جوانب الشّر في هذين الوباءين. فالإسلام بما هو خطاب للإنسان، بكل غرائزه وميوله وواقعه؛ كان منسجما مع ذلك كله، يأمر بما يقتضي الحال، وبلغ أن يطاع، حينما أمر بالمستطاع. فلم يكن تحريم الخمر أمرا سهلا في مجتمع الجاهلية، الذي لم يكن يفرق بين حاجته إلى الماء وحاجته إلى الخمر، وفي بلد كان الخمر فيه ثروة قومية أساسية، ربما أوصل إتلافه إلى كارثة اقتصادية، وفي مجتمع لم يكن يحسن التفريق بين وحي السماء، ووحي سدنة الوثن. فبدأ تحريم الخمر ببناء قدسية وحي السماء في نفوس الناس، ثم التمهيد لهذا التحريم بحيث أن رءوس الأموال المرصودة له تتحول تدريجا عنه، ثم الكشف عن أضراره وأخطاره في البدن والعقل، حتى صار تحريمه مطلبا اجتماعيا، يسعى إليه العاقلون. وهذا هو المقصود بهذه الآية التي جاءت قبل آية التحريم القاطع، فالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس، ولا ريب أن المنافع المقصودة هنا هي تلك الأرباح التجارية التي يجنيها عاصر الخمر ومعتصره، وهو من حيث الواقع ربح حقيقي مؤكد، ولكن القرآن لا يترك الأمر على
следующие страницы →