الفصل الأول تاريخ الرسم القرآني
المبحث الأول الرسم في عهد النّبي ﷺ
من المسلّم به أن النّبي ﷺ كان يأمر بكتابة الوحي فور نزوله؛ حيث كان كتاب الوحي يتلقّونه عن الرسول ﷺ مباشرة، فيسطرونه فيما يتيسر لديهم من وسائل الكتابة من اللخاف والرقاق وورق البردى وغير ذلك، ولا يوجد في المنطق والواقع والرواية ما يعكّر هذا الفهم، إذ كانت مكة أصلا بلد ثقافة، والقرّاء والكتّاب فيها متوافرون؛ حيث كانت المجامع الثقافية الموسمية في عكاظ والجنة وذي المجاز وغيرها؛ تفرض على شباب مكة تحصيل جانب من القراءة والكتابة، ولذلك فقد جعل النّبي ﷺ فداء الأسير من قريش يوم بدر أن يعلّم عشرة من أطفال المسلمين في المدينة القراءة والكتابة.
وهكذا فإن قلّة عدد الصحابة بمكة مقترن بأن غالبيتهم يحسن القراءة والكتابة، وهو يدفع عنا توهم ضياع شيء من نصوص الوحي؛ حيث كان النّبي ﷺ يتلقّى أولا عن جبريل، ثم يقرئ من حوله من الأصحاب، ويأمر بكتابة ذلك في الصحف.
أما الآيات الأولى من سورة العلق التي تلقاها النّبي ﷺ في غار حراء منفردا، ونظائرها مما تلقّاها في غيبة أصحابه؛ فإن حمله ﷺ لها ثم أمره إلى الصحابة بنسخها في المصاحف ليس مما يعسر فهمه وتباينه عند من يعتقد بأنه تنزيل من ربّ العالمين.
وفي المدينة كان الأصحاب من الكثرة والاجتماع حول النّبي ﷺ إلى حدّ يطمئن فيه المرء أن سائر الوحي تلقته الكتبة في الصحف بحضرة المعصوم ﷺ ، وهو ما تواترت على إثباته الروايات والقرائن والأدلة.
стр. 72
وأشهر كتاب الوحي بين يدي النّبي ﷺ : أبان بن سعيد بن العاص الأموي، وأبي بن كعب، والأرقم بن أبي الأرقم، والزبير بن العوام، وزيد بن ثابت، وأبو بكر الصّديق، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والعلاء بن عقبة، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وسجلّ الكاتب (١).
ولم يأمر النّبي ﷺ بجمع سائر الصحف في كتاب؛ وذلك أنه كان يتوقع دائما نزول القرآن الكريم، ونسخ بعض ما نزل، فكان إذا نزلت السورة يقتصر على قوله: اجعلوا هذه مكان كذا وكذا، فيعرف أصحابه الكرام مراده بالترتيب من غير أن تتمّ الكتابة النهائية لسائر آي القرآن الكريم في مصحف واحد.
قال الخطابي: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يرقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصّديق بمشورة عمر، وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن» .. الحديث؛ فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة، وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور (٢).
وهكذا فإن النّبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن عنه من غير أن يأمر باستقصاء ذلك كله في مصحف واحد، وكل ذلك بوحي، فالمسألة توقيفية لا مجال فيها للاجتهاد.
وكان رسول الله ﷺ يعرض القرآن الكريم في كل عام مرة على جبريل الأمين خلال شهر رمضان، وفي سنته الأخيرة ﷺ عرضه مرّتين، وفي ذلك يقول ﷺ : «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل شهر رمضان مرّة وإنه عارضني هذا العام مرتين وما أراه إلّا قد حضر أجلي» (٣).
فبذلك تمّ نزول القرآن كله، وتمّ ترتيبه في مواضعه، وتمّ نسخه في الصحف، كل ذلك بأمر منه ﷺ وبين يديه.
стр. 73
المبحث الثاني رسم القرآن الكريم في عهد الصحابة
تبيّن مما سبق أن رسول الله ﷺ توفي وعند المسلمين وثيقتان دقيقتان للقرآن الكريم.
١ - الوثيقة الأولى:
وهي جماعة الحفّاظ الذين قرءوا القرآن على رسول الله ﷺ ، وهم لا يقلّ عددهم عن المائة على أقلّ تقدير، فقد قتل يوم اليمامة سبعون منهم، وقتل يوم بئر معونة (١) مثل ذلك، ومن هؤلاء الحفّاظ من عرضه مباشرة على رسول الله ﷺ وأقام مجالس الإقراء يقرئ الناس فيها، وقد اشتهر من هؤلاء: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري (٢).
وكان هؤلاء بمثابة القرّاء الذين يقرءون على شيوخهم فيجيزونهم، وكان رسول الله ﷺ بمثابة شيخ لهؤلاء قرءوا عليه فأجازهم.
كذلك فإن من الصحابة من قرأ على حفّاظ الصحابة في حياة رسول الله ﷺ ، ومنهم من أتمّ حفظه عقب وفاة رسول الله ﷺ .
أضف إلى ذلك أن هناك من لم يتيسر له حفظ كل القرآن الكريم فحفظ منه أجزاء وأرباعا وسورا متفرقة، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الألوف، فبذلك لم تكن في القرآن آية إلّا وقد حفظها المئات من الصحابة على أقلّ تقدير.
٢ - الوثيقة الثانية:
وهي الوثيقة المكتوبة، فمن المؤكد أن كتبة الوحي القرآني كتبوا كل آية في القرآن الكريم في صحفهم كما علمت.
فقد كان الكتبة يتلقفون الآيات عن رسول الله ﷺ فينسخونها في الصحف فور نزولها، وربما كتب الآية كاتب واحد أو اثنان أو ربما أكثر من ذلك، وعن هذه الصحف، كان كثير من
стр. 74
الصحابة ينسخون الآيات في صحفهم الخاصة، بل إن بعض الصحابة جمع لنفسه مصحفا خاصّا كاملا.
ومن هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وحفصة، وأم سلمة، وأبي بن كعب، وغيرهم كثير (١).
ولم تكن هناك ضرورة لجمع هذه الصحف في مكان واحد خلال حياة النّبي ﷺ ؛ إذ النّبي حيّ، والحفّاظ متوافرون، فضلا عن عدم إمكان ذلك بسبب تنزل الوحي المستمر، ومن المعلوم أن ترتيب نزول الوحي اتّصل حتى الأيام الأخيرة من مرض النّبي ﷺ الأخير.
أول جمع للقرآن:
حين توفّي النّبي ﷺ اشتدّت الحاجة لجمع هذه الصحف المكتوبة في مكان واحد تمهيدا لنسخها ضمن المصاحف ليسهل نشرها في الآفاق.
وكان عمر بن الخطاب أول من رأى ذلك، وسعى إليه، فقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ أبو بكر (عند) مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ (كثر) في أهل اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ .
قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فقال زيد: فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال؛ ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره.
стр. 75
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التّوبة: ٩/ ١٢٨ - ١٢٩]، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.
وهكذا فإن منهج زيد بن ثابت في كتابة القرآن هو اعتماد الوثيقتين المحفوظة والمكتوبة، وقد عثر على سائر آيات القرآن مكتوبة كما كان يحفظها هو وزملاؤه من الصحابة، وهي الوثائق التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ ، والخبر يؤكد أنه عثر على أكثر من وثيقة مكتوبة لجميع آيات القرآن إلا وثيقة واحدة مكتوبة، كانت لدى أبي خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين، فطابق بين حفظه وبين الوثيقة التي وجدها، يؤيّدها تأكيد عشرات الصحابة الحفّاظ، ومنهم زيد بن ثابت، فنسخها في المصحف، وخلال فترة قصيرة جمع القرآن كله بوثائقه الأولى لدى أبي بكر الصّدّيق، فنسخت بين اللوحين، وخرجت إلى الوجود أول نسخة كاملة من القرآن الكريم، بالغة التوثيق والتدقيق، وهي في الوقت نفسه أول كتاب ينسخ بالعربية.
وفي خلافة عمر بن الخطاب بقي المصحف على حاله لدى عمر، وبقي الاعتماد الأساسي على الحفظ والإقراء، مع الاستعانة بالصحف الخاصة لدى الصحابة، والمصحف الإمام الموجود لدى عمر بن الخطاب ﵁.
المبحث الثالث الرسم العثماني
وفي عهد عثمان بن عفان خاف الصحابة على الناس من الاختلاف في القرآن بسبب عدم توفر نسخ قرآنية بين أيدي الناس يقرءون بها، وقد توزّع الحفّاظ في الأمصار وعظمت الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ولم يكن الحفّاظ والقرّاء- مهما بلغوا من الكثرة- ليستطيعوا أن يقرءوا الناس جميعا في سائر الأمصار؛ كما كان الأمر في عهد رسول الله ﷺ والشيخين.
стр. 76
عندئذ رأى الصحابة أنه من الضروري أن يوفّروا نسخا من القرآن في البلاد المختلفة ليقرأ الناس استنادا إليها. وأمر الخليفة عثمان بن عفان بتشكيل لجنة رباعية من خيار حفّاظ الصحابة وكتّابهم، وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وهكذا فقد تمّ نسخ خمسة مصاحف موثقة، وزّعت في المدن الرئيسة الخمس وهي: مكة والمدينة ودمشق، والبصرة والكوفة، وربما كانت المصاحف سبعة (١) وزعت في الأمصار الخمسة واليمن والبحرين، كما ذكرت ذلك بعض الروايات. وبذلك اكتملت الوثيقة الثانية للقرآن الكريم مكتوبة متوفرة في الأمصار.
خط المصاحف:
كتبت تلك المصاحف جميعا بالخط الكوفي القديم، وظلّت الكتابة بالخطّ الكوفي مفضّلة لدى الناس حتى تحوّلوا عنها إلى خط النّسخ في القرن الرابع الهجري لكونه أكثر وضوحا وأبعد عن الالتباس.
ولا يزال الخط النّسخي إلى اليوم هو المستعمل في كافّة المصاحف.
مصاحف الصحابة الخاصة:
وقد يشكّل هنا ما اشتهر من أن بعض مصاحف الصحابة الخاصة فيها زيادات ليست في المصاحف التي بين أيدينا، ويزول ذلك الإشكال حين تعلم أن هذه المصاحف إنما
كتبها أولئك الأصحاب لأنفسهم، وكانوا يزيدون فيها ما هو من باب التفسير والإيضاح، كما زاد مثلا عبد الله بن مسعود في مصحفه: (وهو أبوهم) بعد قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٣٣/ ٦]، فزيادته تلك هي زيادة إيضاح وتفسير، ولم يجد في ذلك حرجا لأنه إنما كتب المصحف لنفسه، وهو يعلم أن هذه الإشارات والملاحظات ليست من نصّ القرآن.
стр. 77
ثم لما جمع عثمان الناس على المصحف الإمام أدرك الأصحاب ضرورة إتلاف مصاحفهم لما فيها من زيادات تفسيرية قد تصبح في أيدي من لا يميزون فيزيدون في كتاب الله ما ليس فيه. وهكذا فقد استغنى الأصحاب بالمصحف الإمام بعد أن اجتمعت كلمتهم على تجريد كتاب الله مما ليس فيه.
ويشير علماء القرآن إلى أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود امتنع أولا من تسليم مصحفه؛ لما كان قد دوّن فيه من ملاحظات هامّة، إلا أنه عاد فيما بعد فالتزم رأي جماعة المسلمين.
قال الحاكم في المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات:
(إحداها): بحضرة النّبي ﷺ ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال:
كنا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع .. الحديث. وقال البيهقي: يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النّبي ﷺ .
(الثانية): بحضرة أبي بكر. روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل ولا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاري (١)، لم أجدها مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ
стр. 78
- حتى خاتمة براءة- فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (١).
(الثالثة): ترتيب السّور في زمن عثمان: روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرّهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنّه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٣٣/ ٢٣]، فألحقناها في سورتها في المصحف (٢).
стр. 79
وهكذا فإنه يتبدى لك من رواية الحاكم أن جمع القرآن الكريم كان ثلاث مرات، وقد حظيت كل واحدة من الثلاث بإجماع الأمة واتّفاقها؛ بحيث لا تجد لها مخالفا، وتواتر هذا بالضبط على الوثائق برواية العدول الثّقات، البالغين من الوفرة حدّا يقطع الارتياب، ويجعلك تأمن تواطؤهم على الكذب.
وبعد هذا العرض لمراحل الرسم القرآني حتى عهد عثمان بن عفّان، فإن الذي يعنينا من ذلك هو شكل الرسم الذي رسمت به المصاحف، وعلاقته بالقراءات المتواترة.
من المعلوم أن الجمع الذي قام به أبو بكر ﵁ كان يتضمن الكتبة الأولى التي كتبت بحضرة النّبي ﷺ والأصحاب وفق معارفهم السابقة. (ولم يؤخذ على كتاب القرآن، وخطاط المصاحف رسم بعينه دون غيره، أوجبه عليهم وترك ما عداه؛ إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتّوقيف) (١).
وهكذا فإن من المفترض أن هذا الرسم لم يكن يؤدي غالبا إلا قراءة واحدة، وهي القراءة التي تلقّاها الصحابي عن النّبي ﷺ في أحد المجالس.
فمثلا في سورة آل عمران: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران: ٣/ ١٣٦]. فقد قرئت هذه الآية بواو (٢) في وسارعوا، وقرئت بغير واو (٣)،
стр. 80
ولما كان مصحف أبي بكر ﵁ واحدا فإنه من المفترض أنه اشتمل على أحد الرّسمين، ولكن من المؤكد أن وثيقة أخرى كتبت بالرسم الآخر، وكانت موجودة في المجموعة التي توفرت لدى الصّديق ﵁ من الوثائق.
وحينما كتب مصحف عثمان بن عفّان ﵁ ونسخ في الأمصار؛ كان من أهم النقاط التي لحظتها المصاحف أنها عالجت مواضع اختلاف الرسم الضروري بين القراءات، فكتبت الأحرف متعددة في مواضع الاختلاف بحسب القراءات المأذون بها من المعصوم ﷺ .
المبحث الرابع أثر الرسم العثماني في ضبط القراءات
ظهر لنا في الفصل السابق أن المصاحف العثمانية التي وزعها عثمان في الأمصار كانت مشتملة على القراءات المشروعة بمجموعها، فقد تغيب قراءة ما عن رسم أحد المصاحف العثمانية، ولكنها تظهر جزما في نسخة أخرى، وقد يقصر رسم أحد المصاحف عن التعبير بالوجوه المشروعة في القراءة، ولكن يجيء رسم مصحف آخر بالتعبير عما لم يرد في سالفه.
ويجب التّنبيه هنا أن ذلك كله في تسعة وأربعين حرفا لا غير، وقد يشكل عليك ما قدمت من أن الخلاف بين القراءات في الفرش وصل إلى نحو ألفي كلمة، وهذا ليس غائبا عن البال، فالخلاف الفرشي المذكور كله يحتمله رسم واحد إلا المواضع التسعة والأربعين فإنه لا يحتملها رسم واحد، ولا بدّ من تعدّد الرسم في النسخ ليتمّ استيعاب الوجوه المشروعة.
فنجد مثلا أن وجوه القراءة الأربعة تؤخذ من رسم عثماني واحد في مثل الموضع التالي:
(قبل النقط والتّشكيل).
وإليه يَرْجِعُونَ [الأحزاب: ٣٣/ ٨٥]: يرجعون (١) - يرجعون (٢) - ترجعون (٣) - ترجعون (٤).
стр. 81
يوم القيامة يَفْصِلُ [الممتحنة: ٦٠/ ٣] بينكم: يفصل (١) - يفصّل (٢) - يفصل (٣) - يفصّل (٤).
فإذا هم يَخِصِّمُونَ [يس: ٣٦/ ٤٩]: يخصّمون (٥) - يخصّمون (٦) - يخصّمون (٧) - يخصمون (٨).
بينما لا يمكن تحصيل الوجوه الآتية إلا من رسمين اثنين:
؟ جنات تجري من تحتها الأنهار؟ [التّوبة: ٩/ ١٠٠]: وهي قراءة ابن كثير.
جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ: وهي قراءة الباقين.
الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [التّوبة: ٩/ ١٠٧]: وهي قراءة نافع وأبي عامر وجعفر.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً: وهي قراءة الباقين.
ويجب الإشارة هنا إلى أن التّخالف الذي وقع بين المصاحف إنما وقع في تسعة وأربعين موضعا فقط، وهي المواضع التي قمت بإحصائها في الفصل الخاص باختلاف مصاحف الأمصار (٩)، وأردت من خلال ذلك التأكيد على أن هذا التّخالف لم ينشأ من غفلة النّساخ، أو ذهول عنهم، بل هو تخالف مقصود أراد به عثمان ﵁ استيعاب سائر القراءات المتواترة التي أذن بها النّبي ﷺ ، وتلقّاها جمهور الصحابة عنه بالتّواتر.
ولكن يرد ثمة سؤال آخر: هل ابتليت الأمة بضياع هذه المواضع التسعة والأربعين بين عهد أبي بكر وعثمان حيث كانت الكتبة الأولى لا تؤدي هذه القراءات؟
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين:
стр. 82
الأول: إن كتبة الصّديق، وإن لم نجزم بأنها مشتملة على الوجوه المذكورة، لكن ذلك لم يؤثر على مبدأ إقرار الإقراء بها لسببين:
السبب الأول: إن نسخة الصّديق لم تكن متاحة لكل إنسان، بل كانت وثيقة محفوظة مدخرة لما يأتي من الأيام حين يخشى أن تتفرّق الأمة، وقد جاء ذلك اليوم حين شرع عثمان ﵁ بكتابة مصاحف الأمصار.
والسبب الثاني: إن الوثيقة الثانية المشتملة على الرسم الآخر للمصحف كانت موجودة أيضا لدى مجموعة الصّديق التي انتقلت منه إلى عمر ثم إلى حفصة؛ حيث كان الصّديق ﵁ يجمع الوثائق التي كتبها الأصحاب بحضرة النّبي ﷺ ، وهي بلا ريب تتضمن سائر قراءاته ﷺ ، التي لا تخرج هذه القراءات المتواترة عنها.
ذلك أن الصّديق ﵁ يوم دعا الناس إلى جمع ما بأيديهم من الصحف اجتمع عنده قرآن كثير، فربما اجتمع من سورة الكهف أو يس مثلا مئات النّسخ، ومثلها السّور التي كان الأصحاب يشتغلون بحفظها وقراءتها، كسورة يس، والدخان، والسّجدة، وغيرها من قصار السّور، وربما اجتمع عنده من البقرة، وآل عمران عشرات النّسخ، ولا توجد آية في القرآن إلا اجتمع عند أبي بكر منها نسخ كثيرة، بل قد صرّح الأصحاب أنه لم تعز عليهم إلا آية واحدة؛ لم يجدوا منها إلا نسخة واحدة؛ وهي آخر سورة التّوبة، وقد أتينا على تفصيل ذلك نقلا عن البخاري قبل قليل.
وهكذا فإن الرّوايات تظاهرت على التأكيد بوجود أكثر من وثيقة مكتوبة لكل آية من آي القرآن الكريم؛ بحسب ما كان يتلقّى الأصحاب من النّبي ﷺ ، وهذه الوثائق بمجموعها مشتملة على القراءات المتواترة؛ التي قرأ بها المعصوم ﷺ .
الثاني: أن المتّفق عليه لدى الأمة بمجموعها أن القرآن إنما يؤخذ بالتّلقي والمشافهة، وأن الوثيقة المكتوبة ليست مرجعا نهائيّا لرواية القرآن، بل هي محض آلة مساعدة،
وأن العمدة في القراءة والإقراء على النّص المتلقّى بالتّواتر، وهذا كان يشتمل سائر الوجوه المذكورة، وكان يتأيّد بما بين يدي الصحابة من صحف كتبوها بحضرة النّبي ﷺ فيها أيضا تلك الوجوه.
стр. 83
وهكذا فإن علاقة تناوبية نشآت بين الرسم العثماني، والقراءات المتواترة، فقد خدم كل منهما الآخر، وتآزرا في ضبط الأداء القرآني.
ويمكن أن نستنتج مما قدّمناه في هذا الفصل أن سائر القراءات المشروعة (١) - المتواترة- كانت حاضرة في ذاكرة الحفّاظ التي كانت تتلقّى بأعلى درج التّواتر، وكانت حاضرة في الوثيقة الكتابية في جمع أبي بكر، وصحف الصحابة من حوله، ثم في نسخ عثمان بمجموعها كما وزعها في الأمصار.
стр. 84
الفصل الثاني نقط القرآن الكريم وشكله
المبحث الأول مرحلة شكل القرآن وعلاقتها بضبط القراءات
كان القرآن الكريم في الكتبة الأولى ثم في مصاحف عثمان بغير نقط ولا شكل، ولم يكن ثمة إشكال في هذا الجانب؛ إذ الأمة إنما تتلقّى القراءة بالمشافهة، وعلى ذلك العمدة، والسلائق سليمة والحفّاظ متوافرون.
ولكن ذلك لم يدم طويلا بعد عثمان ﵁ إذ اختلط الناس عقب حركة الفتوح بالأعاجم، ودخل الموالي والأعاجم في الإسلام، ولا شك أن كل مسلم مأمور بقراءة القرآن الكريم، وبوسعك أن تتصور مدى الحاجة المؤكدة لتيسير تلاوة القرآن للناس.
ولن نطيل هنا في القراءة التاريخية لمراحل شكل القرآن، فهذا مما كثرت فيه الدراسات، وتعدّدت حوله الرّوايات، وغاية ما نذكره هنا أن عملية شكل القرآن الكريم بدأت في زمن الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب، وقد عهد بها إلى بعض كبار أئمة النّحو أمثال أبي الأسود الدؤلي (١)،
стр. 85
ويحيى بن يعمر (١)، والحسن البصري (٢)، ونصر بن عاصم الليثي (٣)، ولا يمكنك هنا الجزم بنسبة شكل القرآن الكريم إلى واحد من هؤلاء الأربعة؛ إذ هو لم يتمّ بالتأكيد بين يوم وليلة، ولم يصدر عن رجل منهم في غداة فحظي بإجماع الأمة في عشية، بل ظلّ في الناس من يكره ذلك كله وينكره، ومن يدعو إلى تعديله وإصلاحه، ومن يدعو إلى اعتماده، وكان أشهر من يعارض ذلك كله الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود الذي كان يقول: جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء (٤)؛ بل نقل عن مجاهد من أئمة التابعين أنه كره تطييب المصاحف بالطيب، أو وضع أوراق الورد بين صحائفها، ولكن ذلك الاتّجاه ركن في النهاية إلى ضرورة الشكل في القرآن الكريم، وكان من أول الآراء الواعية الناضجة لذلك رأي الإمام مالك الذي يقول فيه: لا بأس بالنّقط والشكل في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء أما الأمهات فلا (٥).
ويمكن اختصار وجوه الأقوال بما استقرّ عليه العمل آخر المطاف، وهو فتوى النووي في التبيان بقوله: «قال العلماء: يستحبّ نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه وتصفية، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط، فإنما كرهها في ذلك الزمان خوفا من التّغيّر فيه، وقد أمن ذلك لكونه محدثا، فإنه من المحدثات الحسنة، فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم، وبناء المدارس، والرّباطات، وغير ذلك» (٦).
وقد أوجز السيوطي تاريخ تدوين الشكل بقوله: «كان الشكل في الصّدر الأول نقطا، فالفتحة نقطة على الحرف والضّمة على آخره والكسرة تحت أوله، وعليه مشى الدّاني، والذي اشتهر
стр. 86
الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل، وهو أكثر وأوضح، وعليه العمل، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضّم واو صغرى فوقه، والتّنوين زيادة مثلها» (١).
وهكذا فقد مرّت عملية تحسين الرسم بمرحلتين اثنتين: نقط الإعراب، وهو ما نسمّيه بالتّشكيل، ونقط الإعجام، وهو ما نسمّيه بالتّنقيط، ولا يخفى أن ما نتحدّث عنه في هذا المبحث هو نقط الإعراب، أي التّشكيل.
والذي يعنينا هنا من أمر شكل القرآن هو أثر هذه الخطوة على القراءات، فقد نتج عن شكل القرآن غياب كثير من القراءات المشروعة (المتواترة) من النص القرآني فمثلا:
في سورة البروج تمّ شكل الآيات على الشكل الآتي:
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ: وهي قراءة جماهير القرّاء الأئمة، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: ذو العرش المجيد- بالخفض- وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ: وهي قراءة جمهور القرّاء، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: في لوح محفوظ- بالرفع- وهي قراءة نافع.
وفي سورة الفجر تمّ شكل الآيات على الشكل الآتي:
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ: وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: والشفع والوتر- بالكسر- وهي قراءة حمزة وخلف والكسائي.
لا يُعَذِّبُ وَلا يُوثِقُ:- بالكسر في الموضعين- وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: لا يعذّب، ولا يوثق- بالفتح- وهي قراءة الكسائي ويعقوب.
ويطرح هنا سؤال بدهي لا بدّ من الإجابة عليه:
كيف تسنّى لهم أن يطرحوا قراءة متواترة هي بإجماع الأمة جزء من القرآن الكريم؟
стр. 87
والجواب هو أنهم لم يطرحوا أيّا من القراءتين؛ إذ هم لم يعتبروا الشكل تنزيلا وإنما اعتبروه تعليما، فكانت المصاحف تختلف شكلا بحسب القراءة المتواترة التي ينهج عليها صاحب المصحف، ولا شك هنا أنه كان في العالم الإسلامي بدءا من عصر أبي الأسود الدؤلي، حتى زماننا هذا مصاحف مختلفة بالشكل- حركات الإعراب والصّرف- بحسب ما يؤدي إليه مقصد التواتر إسنادا، فثمة مصحف مرسوم بما يوافق قراءة أبي عمرو، وآخر مرسوم بما يوافق قراءة نافع وهكذا.
غاية الأمر أن هذه المصاحف متّفقة في أصل الرسم العثماني قبل الشكل مع حفظ الاستثناء الذي أشرنا إليه مرارا في المواضع التسعة والأربعين التي نهجت عليها المصاحف العثمانية الأصل.
المبحث الثاني نماذج من وجوه القراءات المتواترة التي غابت عن الرسم بسبب شكل القرآن
م/ السورة والآية/ الرسم قبل الشكل/ رسم المصحف الشائع (١) / الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / البقرة: ٢/ ٢٨/ ترجعون/ ترجعون/ ترجعون: يعقوب.
٢ - / البقرة: ٢/ ٣٨/ فلا خوف عليهم/ فلا خوف عليهم/ فلا خوف عليهم: يعقوب.
٣ - / الأعراف: ٧/ ١٤٦/ سبيل الرسد/ سبيل الرّشد/ سبيل الرّشد: قراءة حمزة، والكسائي.
٤ - / الأعراف: ٧/ ١٤٨/ حليهم/ حليّهم/ حليهم: يعقوب.
حليّهم: حمزة، والكسائي.
٥ - / آل عمران: ٣/ ٢٧/ الميت/ الميّت/ الميت: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وشعبة.
٦ - / النّساء: ٤/ ٥٨/ بامركم/ يأمركم/ يأمركم: أبو عمرو بخلف عن الدوري.
يامركم: ورش، والسوسي، وأبو جعفر.
стр. 88
م/ السورة والآية/ الرسم قبل الشكل/ رسم المصحف الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ٧ - / المائدة: ٥/ ٣٢/ رسلنا/ رسلنا/ رسلنا: أبو عمرو.
٨ - / الأنعام: ٦/ ٧٤/ ازر/ ءازر/ ءازر: يعقوب.
٩ - / الأعراف: ٧/ ١٣٨/ يعكفون/ يعكفون/ يعكفون: حمزة، والكسائي، وخلف.
١٠ - / التّوبة: ٩/ ٥٧/ مدحلا/ مدّخلا/ مدخلا: يعقوب.
١١ - / هود: ١١/ ١١٤/ رلفا/ زلفا/ زلفا: أبو جعفر.
١٢ - / الكهف: ١٨/ ٢٢/ ربى/ ربّي/ ربّي: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر.
١٣ - / النّور: ٢٤/ ٥٥/ استخلف/ استخلف/ استخلف: شعبة.
١٤ - / الرّوم: ٣٠/ ٢٤/ ينزل/ ينزّل/ ينزل: ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب.
١٥ - / فاطر: ٣٥/ ١١/ ينقص/ ينقص/ ينقص: يعقوب.
١٦ - / الحديد: ٥٧/ ٨/ أحد ميثاقكم/ أخذ ميثاقكم/ أخذ ميثاقكم: أبو عمرو.
المبحث الثالث مرحلة نقط القرآن الكريم وعلاقتها بضبط القراءات
اشتهر بين المشتغلين بعلوم القرآن الكريم أن مرحلة نقط القرآن الكريم جاءت متأخرة عن شكله، وأكثر الروايات أن نقط القرآن تمّ أيام عبد الملك بن مروان بمبادرة من الحجاج بن يوسف الثّقفي والي العراق حينئذ، ويذكر في هذا السياق أبو الأسود الدؤلي، ونصر بن عاصم الليثي، والخليل بن أحمد الفراهيدي (١)، وتبدو هذه المرحلة متّصلة بالمرحلة الأولى في إطار تحسين الرسم القرآني وإتاحته للقرّاء في الأمصار.
ومن العسير أن تنسب نقط القرآن لواحد بعينه من هؤلاء، والمؤكد أن جهودهم جميعا تآزرت، وتكاملت في خدمة الرسم القرآني حتى بلغ مبلغه في الإتقان والوضوح الذي نبتغيه، وليس تحديد نائل هذا الشرف من شرط هذه الدراسة، فنحيل مرة أخرى على المؤلفات في تاريخ تدوين القرآن الكريم.
стр. 89
وما قدّمناه في باب شكل القرآن من الاعتراضات والرّدود يصدق تماما على مرحلة نقط القرآن الكريم؛ إذ كان الجميع ينظرون إلى المرحلتين على أنهما سعي للأهداف ذاتها بالوسائل ذاتها.
والذي يعنينا هنا من أمر نقط القرآن الكريم هو أثر هذه الخطوة على القراءات، فقد نتج عن النقط مثل ما نتج عن الشكل، من غياب كثير من القراءات المشروعة- المتواترة- من النّص القرآني، فمثلا:
في سورة الرّعد (١٦) تمّ نقط الآيات على الشكل التالي:
أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ- بتاء المضارعة- وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة متواترة مشروعة، وهي: (أم هل يستوي الظلمات والنور) - بياء المضارعة- وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف، ورواية شعبة عن عاصم.
ومما توقدون عليه:- بتاء المضارعة- وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة متواترة مشروعة وهي: ومما يوقدون عليه- بياء المضارعة- وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف ورواية حفص عن عاصم.
وفي سورة الأعراف (٥٧) تمّ نقط الآية على الشكل التالي:
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً:- بالباء- وهي قراءة عاصم وحده، فغابت حينئذ قراءة التسعة الباقين بالنون (١) (نشرا).
المبحث الرابع نماذج من وجوه القراءات المتواترة التي غابت عن الرسم بسبب تنقيط القرآن
م/ السورة والآية/ الرسم قبل النقط/ رسم المصحف الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / البقرة: ٢/ ٤٨/ ولا يقبل/ ولا يقبل/ ولا تقبل: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
٢ - / البقرة ٢/ ٥٨/ نغفر لكم/ نغفر لكم/ يغفر لكم: نافع وأبو جعفر
الفصل الثالث تحسينات الرّسم القرآني وأثرها في القراءات
تمهيد:
ثمة تحسينات أخرى ألحقها علماء الرسم القرآني على الرسم بغرض تيسيره للقراء، ودرء العامة عن اللحن والخطأ. ويمكن تصنيف هذه التحسينات في قسمين اثنين:
الأول: التحسينات في ضبط الفرش.
الثاني: التحسينات في ضبط الأداء.
فمن النوع الأول:
- إثبات الألف الخنجرية.
- إثبات الحروف المتروكة.
- إثبات الهمزات.
ومن النوع الثاني:
- إثبات المدّات.
- إثبات الصّلة.
- علامات الإدغام.
- علامات الإخفاء والإظهار.
وقد أدّت هذه التحسينات إلى نتائج مفيدة في تسهيل قراءة القرآن الكريم وإقرائه للعامة،
стр. 92
وصونها عن اللحن والخطأ، ولهذا المعنى حظيت هذه التحسينات بموافقة سائر علماء القراءة والمشتغلين بخدمة القرآن الكريم من الأمة، وفق ما قرره النووي في التبيان:
«قال العلماء: يستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللّحن فيه، وتصفية له من الغلط، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط؛ فإنما كرهاه في ذلك خوفا من التغيير فيه؛ وقد أمن ذلك، ولكونه محدثا، فإنه من المحدثات الحسنة، فلا يمنع كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك» (١).
ولكن هذا القبول من الأمة لمنهج التحسين؛ لا يلغي مسئولية القرّاء والعلماء التي تعاظمت إثر ذلك، فأصبح كثير من المتواتر من القراءات لا يمكن أن يدلّ له الرسم القرآني، إذ إن أي تحسين في الرسم يتضمن في الوقت ذاته قيدا جديدا على الرسم؛ يحول دون إمكان دلالته على الوجوه الأخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن المصاحف المطبوعة اليوم أربعة؛ وهي: مصحف حفص، ومصحف قالون، ومصحف ورش، ومصحف الدوري، وهي منقوطة ومشكولة بما يوافق رواية كلّ منهم، وكذلك فإن التحسينات التي طرأت على رسم هذه المصاحف إنما تتجه إلى ضبط رواية الإمام المقصود، وهو يعني غياب الوجوه الأخرى التي قرأ بها الرّواة التسعة عشر الباقون، مما خالفوا فيه الإمام صاحب الرواية. وقد التزمت هذه الدراسة ما يتصل بمصحف حفص؛ إذ هو أكثر المصاحف شيوعا في العالم الإسلامي اليوم.
ويجب أن نؤكد مرة أخرى أن رواية حفص ليست أولى بالقبول من سواها إذ الكل هنا متواتر، ولا يقال إن بعضه أوثق من بعض، وإنما شاعت القراءة برواية حفص بدءا من أول هذا القرن حينما نشطت حركة طباعة المصاحف من مصر وتركيا اللتين كانتا تقرءان بقراءة عاصم من رواية حفص.
وقد تبين لي أن عامة المصاحف التي خطّها أهل الشام حتى القرن الماضي، والتي لا تزال
стр. 93
موجودة في المساجد القديمة؛ إنما كتبت موافقة لقراءة أبي عمرو البصري؛ مما يؤكد أن قراءة أبي عمرو هي التي كانت سائدة في الشام (١).
وقد كانت الشام حتى القرن الثالث الهجري تقرأ لإمامين جليلين هما: إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي، وعبد الله بن عامر اليحصبي (٢)، ثم غلبت قراءة ابن عامر بعد أن حرر الأئمة إسنادها، وأثبتوا تواترها، ثم تحوّل أهل الشام عنها بدءا من القرن الرابع الهجري إلى قراءة أبي عمرو البصري، وبقي الأمر على هذه الحال إلى القرن الماضي حيث ظهرت طباعة المصاحف في استانبول والقاهرة، وفق رواية حفص عن عاصم، وشاعت في العالم الإسلامي، حتى غلبت على أكثر الأمصار.
المبحث الأول: الألف الخنجرية
رسمت المصاحف في الكتبة الأولى بالألف الممدودة في بعض المواضع، وبالألف المقدرة في بعض المواضع، وليس لذلك تعليل في اللغة، ولا قاعدة مطردة.
وقد اشتغل بالتعليل لهذه الحالات عدد من العلماء، وأوردوا لذلك وجوها مختلفة، ليس هذا محل بسط القول فيها، ولكني أشير إلى أهم الكتب التي تناولت ذلك:
- المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني.
- كتاب النّقط لأبي عمرو الداني أيضا.
- عقلية أتراب القصائد في الرسم للإمام الشاطبي.
стр. 94
- مورد الظمآن في فنّي الرسم والضبط للشريشي الفاسي.
- عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل لأبي العباس أحمد بن البنا المراكشي.
- دليل الحيران على مورد الظمآن في فنّي الرسم والضبط لإبراهيم المارغني التونسي.
ولا خلاف أن ما رسم أصلا بالألف الممدودة ليس له إلا وجه المد، ولا يصح فيه القصر، وهذا محل اتفاق، كما في قوله سبحانه: (الميزان- كالفخار- الأكمام).
وكذلك فإن بعض ما رسم أصلا بدون ألف حظي باتفاق الكل على تقدير الألف فيه، كما في قوله سبحانه: (الرحمن- الإنسن- قصرت- يهمن).
ولكن وقع الخلاف في بعض ما رسم أصلا بدون الألف، وورد تواترا بوجهين: بتقدير الألف، وبحذفها.
كما في قوله تعالى: (وعدنا)، فقرئت بالألف: (واعدنا)، وقرئت بدون ألف:
(وعدنا).
نماذج من وجوه القراءات المتواترة التي غابت عن المصاحف المطبوعة اليوم بسبب إثبات الألف الخنجرية
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / البقرة: ٢/ ٩/ وما يحدعون/ وما يخدعون/ وما يخدعون: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو ٢ - / البقرة: ٢/ ٣٦/ فأزلهما/ فأزلّهما/ فأزالهما: حمزة ٣ - / البقرة: ٢/ ٥١/ وعدنا/ وعدنا/ وعدنا: أبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب ٤ - / النّساء/ ٤/ ٤٣/ لمستم/ لمستم/ لمستم: حمزة، والكسائي، وخلف ٥ - / المائدة: ٥/ ٩٧/ قيما/ قيما/ قيما: ابن عامر ٦ - / المائدة: ٥/ ١٠٧/ الاولين/ الأولين/ الأوّلين: حمزة، وخلف، ويعقوب، وشعبة ٧ - / التّوبة: ٩/ ١٧/ مسجد/ مسجد/ مسجد: ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ٨ - / يونس: ١٠/ ٧٩/ سحر/ سحر/ سحّار: حمزة، والكسائي، وخلف
стр. 95
م/ السورة والآية الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ٩ - / يوسف: ١٢/ ٩١/ لفتاه/ لفته/ لفتيته: سائر القراء عدا حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف ١٠ - / يوسف: ١٢/ ١٤/ حفظا/ حفظا/ حفظا: سائر القرّاء عدا السابقين ١١ - / الرّعد: ١٣/ ٤٢/ الكفر/ الكفر/ الكافر: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر ١٢ - / الحج: ٢٢/ ٢/ سكرى/ سكرى/ سكرى: حمزة، والكسائي، وخلف ١٣ - / الحج: ٢٢/ ٥١/ معجرين/ معجزين/ معجّزين: ابن كثير، وأبو عمرو ١٤ - / المؤمنون: ٢٣/ ٦/ لامنتهم/ لأمنتهم/ لأمانتهم: ابن كثير ١٥ - / الشعراء: ٢٦/ ١٤٩/ فرهين/ فرهين/ فرهين: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب ١٦ - / الروم: ٣٠/ ٥٠/ اثر/ آثر/ أثر: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة، وأبو جعفر، ويعقوب ١٧ - / سبأ: ٣٤/ ١٩/ بعد/ بعد/ بعد: ابن كثير، وأبو عمرو، وهشام ١٨ - / ص: ٣٨/ ٤٥/ عبدنا/ عبدنا/ عبدنا: ابن كثير ١٩ - / الطّور: ٥٢/ ١٨/ فكهين/ فكهين/ فكهين: أبو جعفر
المبحث الثاني: إثبات الحروف المتروكة
وفي مرحلة لاحقة تمّت إضافة بعض الحروف الصغيرة على الرسم العثماني لإشعار القارئ بوجوب التّلفظ بها، وأنها إنما تركت رسما لا رواية، وأنه يلزم إثباتها في
الأداء.
ولكن إثبات هذه الأحرف الصغيرة؛ حال دون دلالة الرسم على بعض ما هو متواتر في الرواية مما يوافق الرسم الأصلي.
وجملة هذه الأحرف المتروكة أربعة:
١ - الألف الخنجرية: وقد قدّمناها مستقلّة في الفصل السابق.
стр. 96
٢ - الواو (١): في مثل قوله تعالى: داوُدُ- وإن تلوا-؟ رؤف؟.
٣ - الياء (٢): في مثل قوله تعالى: فما آتن الله.
٤ - النون: في قوله تعالى: وكذلك نجي المؤمنين.
المبحث الثالث: إثبات الهمزات
أثبتت المصاحف العثمانية الأولى رسم القرآن الكريم بدون همزات، ولا يبعد أن يكون عثمان ﵁ قد ترك إثباتها قصدا نظرا؛ لكثرة الوجوه المروية عن النّبي ﷺ في نطق الهمزات، وهذا لا يلغي إيراد الاحتمال الشائع أنه لم يكن ثمة قاعدة جاهزة للهمزات.
وقد كانت سلائق العرب الناضجة كفيلة بتحرّي الهمزات، وإثباتها في مظانّها، فالمتواتر كله عربي فصيح، ولكن فشو اللحن في الناس، واشتغال الأعاجم بالإقراء؛ ألجأ إلى ضرورة ضبط الهمزات في القرآن الكريم.
ولا ينسب هذا العمل لرجل بعينه، وليست لدينا بيّنة في تحديد زمان ضبطه، وغاية ما نجزم به أن الهمزات بوضعها الحالي لم تكن في المصحف العثماني، وأقرب الأدلة على ذلك مطالعة نسخ المصاحف القديمة، وقد أثبت لك في آخر الدراسة بعضا منها، وكذلك فإنها لو كانت في المصحف العثماني الأول بوضعها الراهن فإن كثيرا من الوجوه المتواترة لا يمكن إذن أن توافق الرسم العثماني.
وقد فصّلنا القول في بحث أصول القرّاء حول طريقة أداء كل منهم للهمزات عموما، وهم إن اتّفقوا في إثبات الهمزة فإن قاعدتهم لا تتغير، وقد يختلفون في الأداء ويرسمون بشكل واحد، فتكون الهمزة ظاهرة رسما عند الكلّ، وهم يحقّقون، ويغيّرون، ويسهّلون، ويحذفون في الأداء.
ولكن ثمة مواضع لم يتّفقوا فيها أصلا على وجود الهمز، فاختلفوا في إثباته تبعا للمحفوظ
стр. 97
عندهم بالأسانيد المتواترة، ففي هذه الحال فإن إثبات همز ما في الرسم يقصر دلالة الرسم على هذا الوجه دون سواه، وهو ما أفردنا له الجدول الآتي.
نماذج من وجوه القراءات المتواترة التي غابت بسبب إثبات الهمزات
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / القصص: ٢٨/ ٣٤/ ردا/ ردءا يصدّقني/ ردا يصدّقني: نافع ٢ - / الزّمر: ٣٩/ ٦٩/ بالنبيين/ بالنّبيّين/ بالنّبيئين: نافع ٣ - / الإسراء: ١٧/ ٦٢/ اريتك/ أرأيتك/ أريتك: الكسائي ٤ - / الإسراء: ١٧/ ٣١/ حطا/ خطأ/ خطاء: ابن كثير (١) ٥ - / الحج: ٢٢/ ١٧/ والصبئين/ والصبئين/ والصّابئين: نافع، وأبو جعفر، وحمزة ٦ - / الكهف: ١٨/ ٩٨/ دكا/ دكاء/ دكّا: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر ٧ - / مريم: ١٩/ ٧٤/ ريا/ رءيا/ ريّا: قالون، وابن ذكوان، وأبو جعفر ٨ - / المائدة: ٥/ ٦٩/ الصبئون/ الصبئون/ الصّابون: نافع، وأبو جعفر ٩ - / طه: ٢٠/ ٧٢/ نوثرك/ نؤثرك/ نؤثرك: ورش، والسوسي، وأبو جعفر، وحمزة ١٠ - / الأنعام: ٦/ ١٠/ استهزى/ استهزئ/ استهزى: أبو جعفر ١١ - / الأنبياء: ٢١/ ٧/ فسئلوا/ فسئلوا/ فسلوا: ابن كثير، والكسائي، وخلف ١٢ - / الأعراف: ٧/ ١٩٠/ سركا/ شركاء/ شركا: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر ١٣ - / الشعراء: ٢٦/ ١٧٦/ لنكه/ الأيكة/ ليكة: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر.
١٤ - / الأنفال: ٨/ ١٦/ فئة/ فئة/ فية: أبو جعفر ١٥ - / التّوبة: ٩/ ٣٠/ يصاهون/ يضاهئون/ يضاهون: سائر القرّاء عدا عاصم ١٦ - / يونس: ١٠/ ٥٣/ ويستنبئونك/ ويستنبئونك/ ويستنبونك: أبو جعفر ١٧ - / القصص: ٢٨/ ٨/ حطين/ خطئين/ خاطين: أبو جعفر، وحمزة ١٨ - / العنكبوت: ٢٩/ ٢٧/ انكم/ أئنّكم/ إنّكم: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب
стр. 98
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١٩ - / الزّخرف: ٤٣/ ١٥/ حرا/ جزءا/ جزّا: أبو جعفر ٢٠ - / الصّف: ٦١/ ٧/ ليطفوا/ ليطفئوا/ ليطفوا: أبو جعفر
المبحث الرابع: إثبات علامات المدّ
استحسن العلماء إضافة علامة المدّ فوق الأحرف الواجب مدّها، سواء كانت ألفا، أو واوا، أو ياء، أو صلة، وذلك وفق قاعدة حفص في المدود كما رواها عنه الشاطبي.
وقد أسهم هذا بلا ريب في تحسين أداء العامة لأحكام التجويد، ولكنه أدى أيضا إلى تغييب وجوه متواترة في الأداء عن النّبي ﷺ ، وفيما يلي بيان لبعض مذاهب الأئمة في المدّ المنفصل خصوصا، وهي متواترة من جهة الأداء، ولكن يتعذّر الإتيان بها وفق الرسم الحالي بسبب قاعدة رسم المدود في المصحف الشائع.
١ - أول هذه المذاهب مذهب حفص نفسه كما روى عنه ابن الجزري في طيبة النشر، إذ أخبر بتواتر القراءة عنه بقصر المنفصل، ولا شك أن ذلك غير ممكن الأداء وفق الرسم الشائع.
٢ - مذهب السوسي وابن كثير وأبي جعفر ويعقوب في وجوب القصر، وهو مذهب متواتر في الأداء؛ ولكن يتعذر الإتيان به وفق الرسم الشائع.
٣ - مذهب قالون والدوري، فهما يقرءان بالوجهين معا، والرسم لا يدلّ إلا لوجه واحد، مع أن وجههما في المدّ يقتصر على ثلاث حركات.
٤ - مذهب ورش في مدّ البدل؛ إذ لا يوجد في الرسم الشائع ما يدلّ له.
стр. 99
نماذج من أداء وجوه القراءات المتواترة التي غابت بسبب إثبات علامات المدّ
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / هود: ١١/ ٣/ الى احل/ إلى أجل/- وجه حفص من طريق الطيبة في قصر المنفصل- وجه قالون، والدوري في القصر من طريق الشاطبية- مذهب السوسي، وابن كثير، وأبي جعفر، ويعقوب في وجوب قصر المنفصل ٢ - / حيثما وردت/ القران/ القرءان/- مذهب ورش في مدّ البدل مدّا طويلا، وقد أنكر ابن غلبون هذا الباب عن ورش ٣ - / الهمزة: ١٠٤/ ٣/ ماله احلده/ ماله أخلده/- وجه حفص من طريق الطيبة في قصر المنفصل- وجه قالون والدوري في القصر من طريق الشاطبية- مذهب السوسي، وابن كثير، وأبي جعفر، ويعقوب في وجوب قصر المنفصل
المبحث الخامس: إثبات علامات الصلة
وفي مرحلة لاحقة أضيفت بين بعض الكلمات واو صغيرة، أو ياء صغيرة؛ لتدلّ على وجوه مدّ الصلة في هذا الموضع، وقد أسهم هذا بالتأكيد في تحسين أداء العامة للقرآن الكريم، ولكنه أدى أيضا إلى تغييب وجوه متواترة في الأداء عن النّبي ﷺ .
وواو الصلة، وياء الصلة- اللتان نشير هنا إليهما- تختصان بهاء الضمير فقط، وبذلك فإنهما تختلفان عن الحروف المتروكة التي أثبتها النّساخ فيما بعد، وقد خصصتها ببحث مستقلّ فراجعه.
والغالب في مدّ هاء الضمير أنها مسألة قواعدية، تنظمها قواعد جامعة.
стр. 100
ولكن ثمة مواضع فرشية في هذا الباب كما في الرسم اليوم يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً [الفرقان: ٢٥/ ٦٩]، رسمت الياء الصغيرة للدلالة على وجود الصلة هنا خلافا لقاعدة حفص في عدم مدّ الصلة بعد الساكن، وبذلك غابت وجوه متواترة لترك الصلة، قرأ بها القرّاء أجمعون إلا حفصا وابن كثير.
وفيما يلي بيان لبعض مذاهب الأئمة في مدّ الصلة وقصرها، وهي متواترة من جهة الأداء، ولكن يتعذر الإتيان بها بسبب قاعدة رسم الصلة في المصحف الشائع:
١ - مذهب ابن كثير في إيراد الصلة بعد الساكن إذا تحرك ما بعد الهاء لا يتفق مع القاعدة المتّبعة في الرسم. ففي الكلمات الآتية لم ترسم الصلة مما يعني انتفاءها، ولكن ابن كثير يمدّ:
عَنْهُ تَلَهَّى- وَإِلَيْهِ مَتابِ- عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ- فِيهِ آياتٌ.
٢ - مذهب أبي عمرو، وشعبة، وخلف في الإسكان المحض في بعض هاءات الضمير.
ففي هذه الكلمات رسمت الصلة، مما يعني وجوب مدّها، ولكن أبا عمرو، وشعبة، وخلف لا يمدّونها:
يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ موضعان- نُؤْتِهِ مِنْها ثلاثة مواضع- نُصْلِهِ جَهَنَّمَ- نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى.
نماذج من أداء وجوه القراءات المتواترة التي غابت بسبب إثبات علامات الصلة
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / عبس: ٨٠/ ١٠/ عنه تلهى/ عنه تلهى/ مذهب ابن كثير في مدّ الصلة إن وقعت بعد ساكن، وتحرك ما بعدها ٢ - / آل عمران: ٣/ ٩٧/ فيه ايات/ فيه آيات/ مذهب ابن كثير في مدّ الصلة إن وقعت بعد ساكن، وتحرك ما بعدها ٣ - / آل عمران: ٣/ ٧٥/ يوده اليك/ يؤده إليك/ مذهب أبي عمرو، وشعبة، وخلف، وأبي جعفر في الإسكان المحض في هذا المقام
стр. 101
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ٤ - / النّور: ٢٤/ ٥٠/ ويتقه فاولئك/ ويتقه فأولئك/ مذهب ورش، وابن كثير، وابن ذكوان، وخلف عن حمزة، وخلف العاشر، والكسائي بوجوب مدّ الصلة، وهي لم ترسم في المصحف الشائع ٥ - / الأعراف: ٧/ ١١١/ ارحه واحاه/ أرجه وأخاه/ مذهب ورش، والكسائي، وخلف العاشر، وابن جماز في كسر الهاء مع صلتها
المبحث السادس: علامات الإدغام والإخفاء والإظهار
وفي مرحلة لاحقة (١) تمّ انتهاج قاعدتين في الرسم بغرض التفريق بين الحرف المظهر، والحرف المدغم، والحرف المخفى.
القاعدة الأولى:
- السكون على المظهر والتّعرية على المدغم والمخفى.
فإذا كان الحرف الساكن واجب الإظهار توضع عليه علامة السكون، وهي في غالب المصاحف كالآتي () بشكل ميم صغيرة مفتوحة.
مثل: (أنعمت- لقد- جاءكم- تعجب- فعجب).
стр. 102
وإذا عرض للحرف ما يوجب إدغامه أو إخفاءه فإنهم يعرونه من أي حركة للدلالة على أنه أصبح كالمهمل:
مثال ما يلزم إدغامه: فَمَنْ يَعْمَلْ- اضْرِبْ بِعَصاكَ- قَدْ تَبَيَّنَ.
القاعدة الثانية:
- تركيب التنوين المظهر، وفكّ التّنوين المدغم والمخفى:
إذا كان التنوين واجب الإظهار فإنه يرسم مركّبا؛ هكذا: عَذاباً أَلِيماً- سَمِيعٌ عَلِيمٌ- وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.
وإذا عرض للتنوين ما يوجب إدغامه أو إخفاؤه، فإنهم يرسمونه مفكّكا متتابعا هكذا:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ- رَحِيمٌ وَدُودٌ- سِراعاً ذلِكَ.
ولا شك أن هذا الرسم عون للعامة للدّنوّ من النّطق الصحيح للقرآن الكريم بالأحكام التجويدية، ولكنه يغيب وجوها متواترة قرأ بها الأئمة، إذ إن مذاهبهم في الإخفاء والإدغام والإظهار متفاوتة بعض الشيء.
وفيما يلي بيان لبعض مذاهب الأئمة في الإدغام والإخفاء والإظهار، وهي متواترة الأداء، ولكن يتعذر الإتيان بها بسبب الرسم الحالي:
١ - مذهب أبي عمرو في الإدغام الصغير؛ لا يتفق مع القاعدة المتبعة في الرسم، ففي الكلمات الآتية يلزم الإظهار كما في الرسم، ولكن أبا عمرو يدغم:
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ (١) - عُذْتُ (٢) - يَغْفِرْ لَكُمْ- اتَّخَذْتُمُ (٣) - أَخَذْتُمْ.
ويفترض أن تكون في رسم أبي عمرو:
تَعْجَبْ فَعَجَبٌ- عُذْتُ*- يَغْفِرْ لَكُمْ- اتَّخَذْتُمُ- أَخَذْتُمْ. ومن باب أولى مذهبه في الإدغام الكبير.
стр. 103
٢ - مذهب أبي جعفر في إخفاء النون الساكنة والتنوين قبل الغين والخاء؛ على أساس أنهما ليسا بحرفين حلقيين؛ لا يتفق مع القاعدة المتبعة في الرسم، ففي الكلمات الآتية يلزم الإظهار كما في الرسم، ولكن أبا جعفر يخفي.
مِنْ خالِقٍ- مِنْ غَيْرِكُمْ- عَلِيمٌ خَبِيرٌ- حَلِيماً غَفُوراً- وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ.
٣ - مذهب البزي عن ابن كثير في تاءات الأفعال وعدتها (٣١) موضعا، وزاد الداني موضعين. فهذه التاءات حروف متحركة، وإن صادف قبلها مدّ فهو مدّ طبيعي، وهذا ما يدلّ عليه الرسم؛ ولكن البزي يشدّدها، وإن صادف قبلها مدّ فهو مدّ لازم:
ولا تفروا- فَإِنْ تَوَلَّوْا- إِذْ تَلَقَّوْنَهُ- وَلا تَبَرَّجْنَ- وَلا تَجَسَّسُوا.
نماذج من صيغ الأداء المتواترة التي يتعذر الإتيان بها على المصاحف الشائعة بسبب رسم قاعدة الإدغام والإخفاء والإظهار
م/ السورة والآية/ الرسم العثماني/ الرسم الشائع/ الوجوه الغائبة من المتواتر ١ - / قريش: ١٠٦/ ٤/ من حوف/ من خوف/ مذهب أبي جعفر في إخفاء النون قبل الخاء، وحقه أن ترسم له النون معرّاة لأنها مخفاة: مِنْ خَوْفٍ ٢ - / فاطر: ٣٥/ ٢٨/ عزيز عفور/ عزيز غفور/ مذهب أبي جعفر في إخفاء النون قبل الغين، وحقه أن يرسم له التنوين متتابعا غير مركب: عَزِيزٌ غَفُورٌ ٣ - / الرّعد: ١٣/ ٧/ تعجب فعجب/ تعجب فعجب/ مذهب أبي عمرو في إدغام الباء بالفاء، وحقه أن ترسم له: تَعْجَبْ فَعَجَبٌ ٤ - / آل عمران: ٣/
١٠٠/ ولا تفرقوا/ ولا تفرّقوا/ مذهب البزي في تشديد التاء، ومدّ ما قبلها مدّا لازما وَلا تَفَرَّقُوا وأما قاعدة خلف عن حمزة في إدغام الواو والياء بلا غنة، فلا أثر تطبيقي لها في الرسم إذ الرسم لم يتطرق أصلا للدلالة على الغنة.
стр. 104
المبحث السابع: وجوه أخرى
وهذه الحجج التي أوردناها على غياب بعض وجوه الفرش والأداء عن الرسم الشائع اليوم، ليست على سبيل الاستقصاء والحصر، بل على سبيل التمثيل، وأضيف هنا بعض مذاهب القرّاء التي لا تتفق في الأداء مع الرسم الشائع اليوم.
١ - قاعدة صلة ميم الجمع عند قالون وورش.
٢ - قاعدة مدّ البدل عند ورش.
٣ - قاعدة مدّ اللين بعد الهمز عند ورش.
٤ - قاعدة الهمز الثابت، والمغير، والساقط عند أكثر القرّاء.
٥ - قاعدة حركة (هم) الموصولة وصلا ووقفا عند أبي عمرو وحمزة.
٦ - قاعدة الوقف على مرسوم الخط عند أكثر القرّاء.
٧ - قاعدة الإدغام المتجانس والمتقارب عند أبي عمرو، وكذلك الاستثناءات الكثيرة على هذه القاعدة عند غيره من القرّاء.
٨ - قاعدة ضمّ هاءات الجمع مطلقا عند يعقوب.
والغاية التي نتوخّاها من هذا الفصل أن الرسم القرآني حقيقة أداة تعليمية تساعد القرّاء، ولكن المعوّل عليه في الضبط والأداء هو التّلقي، والمشافهة التي اختصّ الله بها هذا الكتاب العزيز، وأن ثمة رسما كثيرا يبلغ نحو ألفي كلمة غائب عن هذا المصحف الكوفي الشائع في العالم اليوم من قراءة عاصم برواية حفص، وذلك في النقط والشكل فقط، فإن عالجنا تحسينات الرسم الأخرى فإن العدد يتضاعف نظرا لوجوه الأداء المختلفة.
ولا شك أن هذا يزيد من مسئولية رجال الرواية من القرّاء؛ حيث عليهم أن يتحرّوا وجوه القراءات، ويقرءوا بها الناس لئلا يضيع شيء من القرآن الكريم؛ إذ القراءات المتواترة كلها
стр. 105
قرآن، ويجب التّنويه أن المحذور هنا هو تفريط الناس بالقرآن وضياعهم عنه، أما القرآن ذاته فقد تكفّل المولى سبحانه بحفظه فلا يضيع منه شيء، وقد قال الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١) [الحجر: ١٥/ ١٤].
وهذا أيضا يضع المفسّرين وعلماء القرآن الكريم أمام حقيقة ضرورية أخرى، وهي أن ثمة رسما غائبا عن هذا المصحف الشائع اليوم، وهذا الرسم لا يطالب العامة بتحصيله، ولكن لا يعذر العلماء بالإعراض عنه وترك تحرّيه في مظانّه.
стр. 106
الباب الثالث أثر القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية
стр. 107
تمهيد في طبيعة اختلاف القراءات وجدواها:
لا بدّ هنا من التّذكير بالقاعدة التي بسطنا القول فيها (١) حول وجوب إعمال القراءات المتواترة جميعا، وأن تعدد القراءات ينزّل منزلة تعدّد الآيات، وكلاهما قاعدة اتّفاقية لا يوجد لها مخالف من أهل التوحيد. وإذا نقل عن بعض الأقدمين تشكّكهم في بعض وجوه القراءة المتواترة؛ فإن مردّ ذلك بكل تأكيد هو عدم ثبوت تواتر هذه القراءة عندهم في ذلك الزمان. أما وقد اتّفقت الأمة على التّواتر في هذه الوجوه، فلا مندوحة من القول بأن سائر هذه الوجوه قرآن منزل، بالاتفاق بين سائر أهل الملّة.
كذلك ينبغي القول بأن هذه الاختلافات ليست متناقضة بمعنى أن المفسّر يلجأ إلى هدر أحد الوجهين إذا اعتمد الآخر؛ بل هي ذات معان متضامنة يكمل بعضها بعضا، وقد يدلّ الوجه على ما لا يدلّ عليه أخوه، ولكنه لا ينافره ولا يضادّه، بل يمنحك معنى جديدا يضيء لك سبيل التفسير.
ثم إن هذه الوجوه كما سنرى يسيرة قليلة، وهي لا تشبه في شيء اختلاف الأمم الأولى في كتبها، لا شكلا ولا مضمونا.
فمن حيث الشكل يختلف أهل الكتاب في إثبات أسفار بحالها أو إسقاطها، ربما تتجاوز عدتها عشرات الصفحات، فأين ذلك مما نحن فيه من إثبات فتحة أو ضمة، أو واو أو فاء، أو فتح أو إمالة، أو إدغام أو إظهار.
ومن حيث المضمون فإن اختلافهم في ثبوت الأسفار ينتج عنه تبدل عقائد كاملة، ونقض أول النصوص لآخرها، وآخرها لأولها، واتّهام قوم لقوم بالعبث والهوى والتّحريف والتّبديل، فأين ذلك مما نحن فيه من تكامل المعاني بوجوه القراءات المتواترة المشروعة، وتآزر الوجوه جميعا على إثبات غايات التّنزيل ومقاصده، وتلقي سائر القرّاء وجوه القراءة المتواترة جميعها بالقبول والاحترام، والاتّفاق بينهم أن سائر ما في الصحف تنزيل من الوحي الأمين، ما لأحد فيه أدنى اجتهاد أو اختراع.
стр. 108
وقد أوردنا هذه المقدمة البسيطة على سبيل التذكير، وقد سبق القول في هذا المعنى في الفصول الخاصة بتاريخ القراءات، وأسانيدها، وفرشياتها، فيمكن مراجعة التفصيل هناك، ولنشرع الآن في المقصود.
تمهيد في تصنيف الأحكام الشرعية الناشئة من اختلاف القراءات المتواترة:
يمكن إجمال الأحكام الشرعية التي تنشأ من اختلاف القراءات في نوعين اثنين:
١ - أحكام اعتقادية.
٢ - أحكام عملية.
ويندرج تحت الأولى ما يلزم المكلّف اعتقاده من أحكام الوحدانية، والنّبوات، والغيبيّات، وفق ما جرى عليه علماء التوحيد.
ويندرج تحت الثانية ما يلزم المكلّف اتّباعه من الأحكام الفقهية العملية من عبادات، ومعاملات، وأحكام نكاح، وحدود، وجهاد، وفق ما جرى عليه علماء الفقه.
وسنجري في استقصائنا هنا على وفق هذا التّقسيم، حيث نخصّص لكل واحد من النّوعين فصلا، ولكل فصل مباحث متعددة.
وقبل البدء في استقصاء هذه الأحكام نقدّم هذا الجدول التّفصيلي لسائر المسائل الشرعية التي تنتج عن اختلاف القراءات المتواترة.
стр. 109
جدول إحصائي بالأحكام الشرعية ([الأحكام الاعتقادية])
التي تنتج من اختلاف القراءات المتواترة، وهو فصلان:
الفصل الأول الأحكام الاعتقادية م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة (وفق قاعدة إعمال سائر القراءات المتواترة) ١ - / ملك يوم الدين/ ملك/ جواز تسمية المولى بالملك والمالك ٢ - / وإذ واعدنا موسى/ وإذ وعدنا/ يكون من الله سبحانه الوعد والمواعدة ٣ - / ولكل وجهة هو مولّيها/ مولّاها/ الله يولي العبد وجهته، والعبد يتولى ما أراد له الله ٤ - / ولولا دفع الله الناس/ دفاع/ يكون من الله سبحانه الدفع والدفاع ٥ - / إنّ الدين عند الله الإسلام/ أن الدين/ الإسلام هو الدين عند الله بتقريره سبحانه، وبشهادة الملائكة ٦ - / وكلمة الله هي العليا/ وكلمة/ كلمة الله هي العليا، وقد يزيدها الله علوا ٧ - / فالله خير حافظا/ حفظا/ من أسمائه سبحانه الحافظ ٨ - / ولا يشرك في حكمه أحدا/ ولا تشرك/ وحدانية الله سبحانه أمر تكويني وتكليفي ٩ - / وما كنت متّخذ المضلّين عضدا/ وما كنت/ لا يتخذ الله سبحانه ولا الرسول ﷺ أعوانا من المضلّين ١٠ - / هنالك الولاية لله الحق/ الولاية/ لله سبحانه على عباده الولاية والولاية ١١ - / لأهب لك غلاما/ ليهب/ يجوز نسبة الأفعال إلى غير الله مجازا ١٢ - / إن الله يدافع عن الذين آمنوا/ يدفع/ معونة الله للمؤمنين تكون دفعا ودفاعا ١٣ - / ليعلم أن قد أبلغوا/ ليعلم/ الله سبحانه يكشف بعض الغيب لرسله ليعلم الناس صدقهم، وليعلم الله امتثالهم
стр. 110
م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ١٤ - / ما ننسخ من آية أو ننسها/ ننسأها/ لله سبحانه أن ينسخ آياته، وأن يؤجلها كذلك ١٥ - / ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ولا تسأل/ الرسول غير مسئول عن الكفار بعد إنذارهم، فلا ينبغي أن يسأل عنهم ١٦ - / وإذ أخذ الله ميثاق النّبيين لما/ صار النّبيّون أهلا للميثاق بسبب ما آتاهم آتيتكم من كتاب وحكمة/ لما آتيناكم/ الله من الكتاب والحكمة، وقد أتاهم ذلك ليؤمنوا بنبي آخر الزمان ١٧ - / وما يفعلوا من خير فلن/ العمل الصالح له أجر صالح، سواء صدر من يكفروه/ تفعلوا/ أهل الكتاب المؤمنين، أو من الأمة المحمدية ١٨ - / وما كان لنبي أن يغلّ/ يغل/ النّبي لا يغلّ ولا يغلّ ١٩ - / وليحكم أهل الإنجيل/ وليحكم/ أنزل الله الإنجيل ليحكم الناس به، فعلى أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه ٢٠ - / هل يستطيع ربّك/ تستطيع ربّك/ الحواريون يستفسرون عن قدرة الله، ويحثّون عيسى ابن مريم على الطلب منه سبحانه ٢١ - / والسابقون الأولون من/ والأنصار/ سائر الأنصار، وخاصة السابقون الأولون منهم المهاجرين والأنصار/ تشملهم رحمة الله ورضوانه ٢٢ - / إنه عمل غير صالح/ عمل غير/ قد يظهر من الأنبياء عمل غير صالح، وكذلك من أبنائهم ٢٣ - / وظنّوا أنهم قد كذبوا/ كذّبوا/ تبلغ الرسل حدّا بليغا من صدود الناس، وإعراضهم؛ حتى تسوء ظنونهم بمن صدّقهم، وبمن كفر بهم ٢٤ - / فناداها من تحتها/ من تحتها/ الملاك يكون تحت مريم، ومريم تسمع النداء من تحتها ٢٥ - / فظنّ أن لن نقدر عليه/ أن لن يقدر/ قد يلقي الشيطان في نفوس الأنبياء ظن السوء، فيدفع الله ذلك ٢٦ - / رسول الله، وخاتم النّبيين/ وخاتم/ الرسول ﷺ زينة الأنبياء، وهو آخرهم ٢٧ - / وقيله يا ربّ/ وقيله/ الله سبحانه عليم بصبر النّبي ﷺ ، ويتهدد المشركين بالحساب والعذاب ٢٨ - / لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله لا تقدّموا/ النهي عن التقدم على النّبي ﷺ شكلا ومضمونا ٢٩ - / وما هو على الغيب بضنين/ بظنين/ نفي تهمة كتم الوحي، وتهمة الظن عن النّبي ﷺ ٣٠ - / لتركبنّ طبقا عن طبق/ لتركبنّ/ الله سبحانه يخبر أن الناس يتقلبون من حال إلى حال، ويبشر النّبي ﷺ بأنه سير تقي أطباق السموات