المقدّمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا؛ أحمده تعالى حق حمده، وأستعينه وأستهدي به وأستغفره وأتوب إليه. وأصلي وأسلم على خاتم أنبيائه ورسله، وخيرته من خلقه، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه، ونهض إلى تحكيم شريعته .. إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن هذه الأبواب والفصول التي حملت هذا العنوان (مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه) تأتي تلبية لحاجة طلبة الجامعة الذين يتأهبون لدراسة تفسير القرآن، والدخول إلى رحابه وآفاقه، ورحاب سائر أنواع علوم القرآن وتلبيته كذلك لحاجة ز ملائهم الذين لا بد أن يشدو طرفا من العلم بكتاب ربهم قبل أن ينصرفوا إلى التخصص الجامعي في حقل من حقول الدراسات الإنسانية والاجماعية. ويلحق بهؤلاء الطلبة وينضاف إليهم سائر الدارسين والباحثين الذين لا غنى لهم عن الإلمام بشيء من تاريخ القرآن الكريم، والوقوف على طرف من آفاقه ومعانيه وأسرار إعجازه!
ولهذا، فقد دارت- هذه الفصول والأبواب- حول محورين: الأول:
تاريخ القرآن الكريم، أو ما أسميناه- هنا وفي كتب لنا سابقة- قطعية النص القرآني وتاريخ توثيقه؛ تأكيدا على هذه التسمية، وترجيحا على سابقتها الذي ما يزال في النفس منها شيء! نظرا لكونها تسمية مطلقة- أو مفتوحة! - هكذا:
стр. 2
تاريخ القرآن! فهذا الإطلاق موهم أو ليس بدقيق على أقل تقدير.
والمحور الثاني: إعجاز القرآن ومعالم التفسير المعاصر؛ بوصف هذه المعالم هي التي سيتم معها التعامل، أو هي المطلوبة في هذه المرحلة من مراحل الدراسة، من جهة، ومراحل تفسير القرآن وفهمه و «العقل» عنه، من جهة أخرى.
وجاء الحديث في هذين المحورين تقديرا منّا بأن (المدخل) يؤدي مهمته وينهض بأداء وظيفته حين يشتمل على (تاريخ) العلم- أي علم- وحين يتضمن في الوقت نفسه مقدمات تعين الدارس على فهم هذا العلم، أو التعامل معه على نحو أفضل. وأرجو أن يكون المحوران السابقان قد أدّيا هذه المهمة؛ بحيث يتمكن دارس هذا الكتاب من التعامل مع كتب التفسير وعلوم القرآن على النحو المذكور، وبحيث يهيئ له عند تلاوته للقرآن الكريم، والتأمل في آياته، الفرصة لفهم بعض جوانبه، وتذوق بعض نقاط إعجازه وبلاغته التي تبهر العقول، وتأخذ بالألباب.
هذا، وقد أضفت إلى هذين المحورين حديثا موجزا- لا بد منه- عن القرآن الكريم واللغة العربية، أشرت فيه إلى طرف من خصائص اللسان العربي، والسبب الذي من أجله نزل القرآن في العرب وبلغتهم، وبعث النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه من بين ظهرانيهم. بالإضافة إلى الحديث عن أثر القرآن- في المقابل- في اللغة العربية، وما منحها من السمو والتشريف، وكتب لها من الثبات والخلود. وغني عن البيان أن تفسير القرآن الكريم وفهم إعجازه مؤسس على هذه اللغة الإنسانية ومنطلق منها.
وأشير أخيرا إلى أن فصول هذا الكتاب- وقد نشر معظمها في وقت سابق- لم تخل من إضافة- حسنة إن شاء الله- أو من تجديد وإعادة صياغة مرة أخرى.
وآمل أن أتابع، بعون الله تعالى وتوفيقه، كتابة جزء أو مؤلّف آخر يتضمن سائر علوم القرآن، وبشيء من التوسع والتعمق إن شاء الله تعالى.
стр. 3
أدعو الله تعالى أن ينفع بهذا العمل، وأن يكتب له القبول، وأن يمنّ عليّ بالمثوبة العفو والعافية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠).
الدّكتور عدنان محمّد زرزور أستاذ ورئيس قسم التفسير والحديث بجامعة قطر
الجمعة: ٢٥ من المحرم الحرام ١٤١٦ ٢٣ حزيران «يونيو» ١٩٩٥
стр. 4
الباب الأوّل القرآن الكريم واللغة العربية
* الفصل الأول: لغة القرآن الكريم.
* الفصل الثاني: أثر القرآن الكريم في اللغة العربية.
* الفصل الثالث: أثر القرآن الكريم في الحضارة والثقافة الإسلامية.
стр. 5
الفصل الأول لغة القرآن الكريم
أولا- اللسان العربي:
إن اختيار لغة العرب لينزل بها آخر كتب الله تعالى للإنسان، على تعدد لغات البشر واختلاف ألسنتهم، يشير إلى فضيلة بيانية جامعة امتاز بها اللسان العربي على كل لسان، وبخاصة إذا ذكرنا أن إعجاز القرآن أو معجزة النبيّ الكبرى- صلوات الله وسلامه عليه- جاءت متعلقة بهذا البيان ومتصلة به، بل كانت في حقيقة الأمر من جنسه، لأن الإعجاز الذي جاء في القرآن الكريم مقرونا بالتحدي أو ثمرة له- كما سنشرح ذلك في مبحث الإعجاز القادم- كان بيانيا صرفا، على الراجح من أقوال العلماء
والباحثين.
ومما يدل على هذه الفضيلة البيانية، أو الميزة البيانية، ويشير إليها على أقل تقدير أن من استقام لسانه بالعربية- كما هو ملاحظ ومشاهد- استقام بكل لغة أو لسان آخر، ولا عكس. أي أن من نشأ على العربية ورضع لبانها، وتفتق لسانه بحروفها وكلماتها وتراكيبها ... بمعنى أن هذه الحروف والكلمات والتراكيب كانت هي السابقة إلى لسانه وشفتيه نشأة وتعليما؛ فإن في وسعه أن يتقن في المستقبل ... في سن الحداثة والصبا، أو في سنّ المراهقة والبلوغ ... وربما بعد ذلك أيضا، أي لغة أخرى، وسوف يبلغ بهذه اللغة- مع إجادة التعليم والتعلّم- مبلغ أهلها من حيث الإبانة والنطق؛ بحيث يصعب فصله عنهم أو تمييزه بينهم من
стр. 6
خلال الحديث والكلام. ولكن العكس غير صحيح في سائر الألسنة واللغات، ولسوف يبقى في لسان من نشأ على غير العربية، بقيّة من لكنة تحول بينه وبين إجادة نطق جميع حروف العربية وكلماتها وعبارتها ... أو بين نطقها على نحو تام، أو سليم.
ويعود السبب في ذلك، على الأرجح، إلى الاستخدام الأمثل للمدرج الصوتي أو لجهاز النطق الإنساني في لغة العرب، والذي توزعت عليه حروف هذه اللغة على أتم صور التوزيع وأشملها وأدقها إذا ما قيست هذه الحروف بسائر اللغات، أو بحروف هذه اللغات وأبجدياتها! يقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد في معرض حديثه عن اللغة العربية بوصفها لغة شاعرة- أي لغة بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية- وبيان أن هذه «الخاصة في اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها، على حدة، إلى تركيب مفرداتها، على حدة، إلى تركيب قواعدها وعباراتها، إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد» يقول- ﵀: «إن جهاز النطق الإنساني أداة موسيقية وافية لم تحسن استخدامها على أوفاها أمة من الأمم القديمة أو الحديثة كما استخدمتها الأمة العربية، لأنها انتفعت بجميع مخارجها الصوتية في تقسيم حروفها، ولم تهمل بعضها وتكرر بعضها الآخر بالتخفيف تارة، والتثقيل تارة، كما فعل المتكلّمون بسائر اللغات المعروفة، ومنها الهندية الجرمانية والساميّة والطورانية» (١).
ويقول العقاد: إن حروف الهجاء أو الأبجدية العربية ليست أوفر عددا من الأبجديات في هذه اللغات جميعها- أي اللغات الهندية الجرمانية، واللغات الطورانية، واللغات السامية- «فإن اللغة الروسية- مثلا- تبلغ عدة حروفها خمسة وثلاثين حرفا، وقد تزيد ببعض الحروف المستعارة من الأعلام الأجنبية عنها. ولكنها على هذه الزيادة في حروفها لا تبلغ مبلغ اللغة العربية في الوفاء بالمخارج الصوتية على تقسيماتها الموسيقية، لأن كثيرا من هذه الحروف الزائدة
стр. 7
إنما هو حركات مختلفة لحرف واحد، أو هو حرف واحد من مخرج صوتي واحد، تتغير قوة الضغط عليه كما تتغير قوة الضغط في الآلات، دون أن يستدعي ذلك افتنانا في تخريج الصوت الناطق من الأجهزة الصوتية في الإنسان ... وبمثل هذا الاختلاف في الضغط، أو الاختلاف في الحركة، يمكن أن تبلغ حروف الأبجدية خمسين أو ستين، ولا تدل على تنويع مفيد لمخارج النطق الإنساني على حسب الملكة الموسيقية الكامنة في استعداده» (١).
«وتظل اللغة العربية بعد ذلك أوفر عددا في أصوات المخارج التي لا تلتبس ولا تتكرر بمجرد الضغط عليها، فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية، وإنما تعتمد هذه اللغة على تقسيم الحروف على حسب موقعها من أجهزة النطق، ولا تحتاج إلى تقسيمها باختلاف الضغط على المخرج الواحد!
وعلى هذه الصورة تمتاز اللغة العربية بحروف لا توجد في اللغات الأخرى كالضاد والظاء والعين والقاف والحاء والطاء، أو توجد في غيرها أحيانا ولكنها ملتبسة مترددة لا تضبط بعلامة واحدة».
وقد جاء في عرض كلام العقاد، وهو يتحدث عن شاعرية هذه اللغة من هذا الجانب وحده- جانب الأبجدية أو تقسيم الحروف- وصفها بأنها لغة إنسانية ناطقة! نظرا لهذا الاستخدام الأمثل لجهاز النطق في الإنسان، فلا توجد في العربية أداة صوتية ناقصة تحسّ بها أبجدية هذه اللغة! «إذ ليس في حروف الأبجديات الأخرى حرف واحد يحوج العربي إلى افتتاح نطق جديد لم يستخدمه. وكل ما هنالك أنه قد يحوجه إلى الضغط الآلي على بعض الحروف المعهودة، وهو ضغط يدل على العجز عن تنويع الأصوات واستخدام أجهزة الحياة الناطقة على أحسن الوجوه، وأقربها إلى التنويع والتفصيل» (٢).
стр. 8
ولا يتّسع المجال هنا لتلخيص كل ما قاله الأستاذ العقاد فيما يمكن تسميته بعبقرية الحرف العربي أو دلالة الحروف على السليقة الشاعرة في اللغة العربية ...
فضلا عما قدمه- ﵀ بعد ذلك في باب: المفردات، والإعراب، والعروض، وأوزان الشعر، والمجاز، وما أسماه: الفصاحة العلمية ... إلخ.
ويكفي أنه قال في (الكلمات) إن ظهور السليقة الشاعرة فيها كظهورها في (الحروف) المتفرقة أو أظهر «لأنها تضيف الموسيقية في القواعد، والموسيقية في المعاني، إلى الموسيقية الملحوظة في مجرد النطق أو السماع بغير معنى يتم به التخاطب بين المتكلمين» ... «وحسبنا أن نلاحظ في تركيب المفردات من الحروف أنّ الوزن هو قوام التفرقة بين أقسام الكلام في اللغة العربية، وأن اللغات السامية التي تشارك هذه اللغة في قواعد الاشتقاق لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها، وتوفّق أحسن التوفيق المستطاع بين مبانيها ومعانيها. فالفرق بين: ينظر، وناظر، ومنظور، ونظير، ونظائر، ونظارة، ومناظرة، ومنظار، ومنظر،
ومنتظر، وما يتفرع عليها، هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات وأفراد وجموع. وهو كله قائم على الفرق بين وزن ووزن، أو قياس صوتي وقياس مثله يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات، أي على اختلاف النغمة الموسيقية في الأداء».
«وعلى غير هذا النسق تجري أوزان الكلمات في اللغات الأخرى، وأولها لغات النحت على التخصيص، فإن الكلمات فيها قد تجري على وزن واحد بغير دلالة على اتفاق في المعنى، ولا في تقسيم الأسماء، والأفعال والحروف، ولولا هذه المشابهة العرضيّة بين بعض كلماتها لكان فيها من الأوزان عداد ما فيها من الكلمات!» (١).
стр. 9
وتكفينا هذه الإشارات القليلة لإدراك طرف من أسباب وصف اللسان العربي- في القرآن الكريم- بأنه (مبين) وأسباب مقابلته في الوقت نفسه باللسان الأعجمي، الذي ينطبق على سائر الألسنة الأخرى؛ قال تعالى في سورة النحل:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [الآية ١٠٣].
وقال في سورة الشعراء: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الآيات ١٩٢ - ١٩٥].
كما تكفينا هذه الإشارات لمعرفة السبب الذي نزل القرآن الكريم من أجله بلغة العرب؛ فاللسان العربي المبين أو بوصفه لسانا مبينا، هو أوفر الألسنة التي وزّعها الله تعالى على الشعوب والأقوام حظا لينزل به كتاب الله تعالى المعجز بلفظه ومعناه جميعا؛ قال تعالى في سورة الأحقاف: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) [الآية ١٢].
واللغة الشاعرة بحروفها ومفرداتها وإعرابها ... إلخ هي أوفر لغات الأرض حظا لينزل بها هذا الكتاب الخالد ... والذي أراد الله سبحانه أن يفوق- بإعجازه وشاعرية لغته- الشعر في وجازته وتأثيره، ولحنه وموسيقاه! فالتعبير القرآني كما هو معلوم ليس فيه قافية الشعر الموحدة، ولا تفعيلاته التامة، ولكن القرآن الكريم قابل للتلاوة ترتيلا وتجويدا، وعلى النحو الذي يتسع للألحان والأوزان، ففاق بذلك الشعر، وكان نثرا من نوع فريد ... حتى كان قابلا للحفظ عن ظهر قلب خلال شهور، وربما خلال أسابيع، ولا يدانيه في ذلك أي خطبة بليغة من خطب فصحاء العرب، ولا أي نص من نصوص «النثر» الرفيعة في تاريخ الأدب العربي.
стр. 10
فإذا أضفنا إلى ذلك- بهذه المناسبة- الإشارة إلى «النظم» القرآني المتفرّد، أو إلى بناء هذا النص الإلهي في جمله وآياته وسوره- أو ما يمكن تسميته بروحه التركيبية- جاز لنا أن نقول كذلك: إن من استقام لسانه بهذا الكتاب المعجز، استقام بأي نص من لغة العرب وآدابها في الجاهلية والإسلام، ولا عكس. وقد يكون التدليل على هذا الأمر بحاجة إلى دراسات نظرية وتطبيقية موسّعة. ولكن القدر الذي يمكننا الإشارة إليه في هذه العجالة: أن بلاغة هذه اللغة وشاعريتها الظاهرة في حروفها ومفرداتها وقواعدها وعباراتها- والتي تحدث عنها العقاد- تبلغ ذروتها أو درجتها «الإعجازية» في آدابها أو في جملها وتراكيبها في هذا الكتاب الكريم الخالد، فضلا عن الأثر البيّن للتلاوة والتجويد في تطويع الألسنة على بليغ القول وتنمية مهارات اللسان، والإمداد بثروة هائلة من العبارات والمعاني الدقيقة التي لا تقتصر على العالم دون الجاهل، ولا على الكبير دون الصغير. والله تعالى أعلم.
ثانيا- العرب والقرآن:
لقد نزل القرآن الكريم في العرب وبلغتهم، وبعث النبيّ العربي القرشي الهاشمي- صلوات الله وسلامه عليه- بين ظهرانيهم، وأطلّ العرب بهذا الكتاب الكريم على العالم رسالة إنسانية ورحمة للعالمين ... دورهم فيه دور التبليغ والهداية والجهاد، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، لا دور المدلّ بعصبية أو عنصرية، بل دور التكليف الأشد والجهاد الأفضل، لأن المزايا الإنسانية تكليف وأعباء لا متع وأزياء! قال الله تعالى في سورة الزخرف مخاطبا نبيّه الكريم ﵊: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) [الآيتان ٤٣ - ٤٤].
قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى- ٤٣ - (أي خذ القرآن المنزل على قلبك فإنه هو الحق، وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم،
стр. 11
الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم) وقال في معنى الآية الثانية- ٤٤ - (أن القرآن شرف للنبيّ ولقومه ... من حيث إنه نزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه) (١).
قلت: إن الله تعالى لم ينوع بين الأمم والشعوب، ولم يميز بعضها عن بعض بميزات عقلية أو أدبية أو عملية إلا لتكمل البشرية بعضها بعضا لا ليفخر بعضها بذلك على بعض، لأن الفخر بمثل هذه الأمور الفطرية التي لا حيلة للإنسان في كسبها أو دفعها- كاللون أو الجنس- لا يعدو أن يكون طورا من أطوار الطفولة أو المراهقة، أو مرحلة من المراحل السابقة للرشد الإنساني! ولقد كان يجب على الإنسانية أن تتجاوز تلك المراحل من حين نزل قول الله تعالى: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [الحجرات: ١٣] لأن هذه الآية الكريمة تشير بعد ذلك إلى ميزان التفاضل الحقيقي، وأنه ينبع من الأعمال الكسبية، ومن الإرادة الحرة، والعزيمة النافذة، فيقول تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقاكُمْ
[الحجرات: ١٣].
أي إن ميزان التفاضل لا ينبع من تلك الخصائص التي امتاز بها شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، لأن ذلك التفاضل أريد به التأكيد على وحدة المجتمع الإنساني وتعارفه، لا تناكره واختلافه! ... كما أن لكل فضيلة ضريبتها أو تبعاتها وتكاليفها الخاصة بها، أو التي تتناسب مع حجمها وطبيعتها! قال النبيّ ﷺ :
«أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» (٢).
ونحن لا نشك في أن خلاصة الفضائل الإنسانية، أو مكارم الأخلاق التي جاء بها القرآن الكريم بوصفه كتاب الإنسانية الأخير الذي نزل به الوحي الأمين ...
стр. 12
تمثل منها عند العرب في جزيرتهم، فطرة واستعدادا ما لم تملك مثله أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب، أو قبيلة من القبائل.
أقول: فطرة واستعدادا، تمييزا لهذه الأهلية من حيث الفطرة والاستعداد، عن واقع العرب وسلوكهم وممارساتهم في الجاهلية. فالعرب أصلح شعوب الأرض قاطبة لنزول القرآن فيهم وبلغتهم، وللنهوض بحمل أعباء رسالة الإسلام الإنسانية؛ فطرة واستعدادا، ومواهب وملكات، لا واقعا وسلوكا وممارسات ...
في لحظة تاريخية غلبت عليها الحروب والمنازعات، أو سرت إليها بعض الأخطاء والنقائص في الاقتصاد والاجتماع وسائر شئون الحياة ... ومن هنا جاء قول النبيّ ﷺ : «تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه» - رواه الإمام مسلم- وهذا أيضا ما دلّ عليه دعاء النبيّ ﷺ في الحديث الذي أخرجه الترمذي والإمام أحمد- «اللهم أعزّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك:
بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب» فإن الدعاء لأحدهما على هذا النحو يدل على إمكانية ترقي كل منهما، بناء على موهبته واستعداده، في المعارج التي ارتقى إليها عمر بن الخطاب- ﵁ يوم أسلم، والمكانة التي تبوأها في التاريخ الإسلامي والإنساني، في حين تورات مواهب عمرو بن هشام- أبي جهل- التي لم تكن بأقل من مواهب ابن الخطاب، وراء رمال الجزيرة، قتلتها العداوة، ودفنها الصلف والجحود! وإن شئت قلت: ضاعت تلك المواهب، أو تلك الفطرة وذلك الاستعداد ... حين لم تتصل بالإسلام، أو حين كفر صاحبها بمحمد والقرآن!
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في سياق حديثه عن الخصائص العقلية والبيانية، وسائر الخصائص الأخرى التي فضّل بها العرب ... إلى نحو هذا التفريق الذي قدمناه، فقال:
«وسبب هذا الفضل- والله أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم
стр. 13
وأخلاقهم وأعمالهم ... وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح.
«والعلم له مبدأ: وهو قوة العقل الّذي هو الحفظ والفهم. وتمام: هو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة. والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة. ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني ...
«وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة. لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطّلة عن فعله. ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة عن نبيّ، ولا هم أيضا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة. إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.
«فلما بعث الله محمدا ﷺ بالهدى، الذي ما جعل الله في الأرض، ولا يجعل منه أعظم قدرا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتهم، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم زالت تلك الريون عن قلوبهم، واستنارت بهدي الله الذى أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل الله إليهم، بمنزلة أرض جيدة في نفسها، لكن هي معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاه والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب، وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله» (١).
стр. 14
أشار ابن تيمية ﵀ في هذا الكلام الناصع إلى مزية اللسان العربي على كل لسان- المسألة التي عرضنا لها في النقطة السابقة- كما أشار إلى مدى المواءمة والتوافق بين الكمال بالقوة أو الكامن في فطرة العرب، وكمال القرآن- والشريعة- الذي أنزله الله تعالى فيهم، أو بعبارة أخرى: مدى المواءمة والتوافق بين العرب ورسالة
الإسلام. أو بين مواهب العرب وخصائص الإسلام.
ونحن لا نشك في أن نزول القرآن ورسالة الإسلام في العرب، واختيار خاتم الرسل ﵊ منهم، كان بسبب ما تمتعوا به من الصفات النفسية والذهنية، وما عرفوا به من الفضائل الحميدة، والصفات الكريمة، كالصبر والصدق والكرم والشجاعة والأمانة وصلة الرحم والدفاع عن المظلوم والوفاء بالوعد ... إلخ فضلا عن تأثرهم الشديد بالكلام وما ينطوي عليه من أسباب البلاغة والبيان.
وعلينا أن نلاحظ هنا، شرحا لهذه النقطة، وتعقيبا على تفريقنا المشار إليه بين المواهب والفطرة والاستعداد- أو الكمال بالقوة المخلوقة في العرب بحسب عبارة شيخ الإسلام- (والواقع) الذي كان عليه القوم عند بعثة النبيّ ونزول القرآن .. علينا أن نلاحظ أن جزءا كبيرا من هذا (الواقع) السّيّئ أو الفاسد إن لم يكن الجزء الأكبر والأهم، كانت دوافعه نبيلة، ومقاصده حسنة! وإنما لحقه الخطأ والفساد من اختيار الطرق والوسائل، أو من المغالاة التي قد توقع صاحبها في أسوأ مما كان يحذر؛ كوأد البنات خشية العار على سبيل المثال. ومن المعلوم أن من أسوأ أعمال العرب في الجاهلية: معاقرة الخمر، ولعب الميسر والقمار. وإنما حملهم على هاتين الخلّتين: الجود والكرم، والرحمة بالفقراء والمساكين. أما الخمر فقد أطنب الشعراء في مدحها لأنها تعلّم الخروج عن المال، وتعوّد على البذل والسخاء، وأما المسير فكان الفائز أو الرابح لا يأخذ من الإبل التي جرت عليها المقامرة شيئا! بل يجعل لحومها للفقراء والمساكين. وهذه هي المنافع التي
стр. 15
تعود على (الناس) من الخمر والميسر، والتي أشارت إليها الآية الكريمة، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ...
[البقرة: ٢١٩].
وقد سمّى العلّامة الهندي عبد الحميد الفراهي- الملقّب بالمعلّم- أوضاع العرب الفاسدة التي كانوا عليها في الجاهلية «سيئات»، وذهب في تعليل دوافعها النبيلة، ومقاصدها الأخلاقية الحسنة، إلى حد القول: إن هذه السيئات نبعت من الخيرات، قال ﵀:
«فإن العرب على علّاتها كانت على سذاجة الفطرة، وحب المعالي؛ من الجود وصلة الرحم، والغيرة، والشكر، لا سيما شرفاؤهم وخيارهم، حتى إن سيئاتهم نبعت من الخيرات، فمعاقرتهم للخمر ومقامرتهم للميسر، جاءت من الجود. وحروبهم: من أداء حق المقتول. والغضب: للقسط. وظلمهم: من إباء النفس عن الدنيّة، ولذلك رحموا الضعفاء والأرامل، ولم يقتلوا في الحروب الإماء ولا الأطفال، ولم يرهقوا المنهزمين. وإنما بقوا على الفقر وسوء العيش: لإبائهم عن الطاعة لملك يجمع أمرهم، إلا من لا يتكبر عليهم، ويعدل بينهم، ويكون كأحدهم؛ كما كان الشيخان- في الإسلام- وذوو أمرهم في الجاهلية. فأملكهم وأقهرهم: أعدلهم! كما كان عمر بن الخطاب- ﵁، فلم يرد إلّا أن يقهرهم بكمال عدله» (١).
وقبل أن نختم هذه الفقرة، نشير إلى ما قاله النبيّ الكريم نفسه- صلوات الله وسلامه عليه- في أخلاق العرب في الجاهلية .. فقد جاء في حديث مطوّل أن رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعلي، مرّ حين كان يعرض نفسه على القبائل في
стр. 16
موسم الحجّ «على بني شيبان بن ثعلبة في مجلس عليهم السكينة والوقار» فتقدم أبو بكر فسلّم، قال علي: وكان أبو بكر مقدما في كل خير. وعرّفهم برسول الله ﷺ ، فقال مفروق- وهو من سادتهم-: إلى ما تدعو يا أخا قريش؟
فتقدم رسول الله ﷺ فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وإلى أن تؤوني وتنصروني .. وتلا رسول الله ﷺ :* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) [سورة الأنعام، الآية ١٥١].
فقال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ :
* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [سورة النحل، الآية ٩٠].
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والله لقد أفك قوم كذّبوك وظاهروا عليك ...
وقال هانئ بن قبيصة- وهو صاحب دينهم-: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنّي أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلّة في الرأي، وقلّة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة من العجلة! ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر ...
وقال المثنى بن حارثة- وهو صاحب حربهم-: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ... وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى- وقد نزلوا بين أنهاره ومياه العرب- أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعوننا إليه مما تكرهه الملوك! فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا ...
стр. 17
«فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه بجميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ... » الحديث.
«ثم نهض النبيّ ﷺ فأخذ بيد أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم» (١).
قلت: والناظر في هذا الحديث، أو هذا الحوار بنصّه في كتب السيرة- وقد طوينا بعض جوانبه المطوّلة- لا يصعب عليه أن يهتدي إلى ما كان عليه أمر القوم، أو هذا الحي من أحياء العرب من نظام وشورى، وإنزال الناس منازلهم ومعرفة لكل ذي حق واختصاص حقّه وقدره، إلى جانب ما تمتعوا به من أدب وحسن استقبال، وأناة وبصر بالسياسة وعواقب الأمور، وحفظ للمواثيق والعهود ... فوق ما عرفوا به جميعا من الشجاعة ونصرة المظلوم، وما انطوى عليه لسانهم من بلاغة وبيان، وقدرة فائقة على الخلوص وحسن التعبير! ...
خلاصة وتعقيب: وأخيرا: فإن الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها من خلال هذا العرض الموجز للنقطتين السالفتين: أن هذا الاختيار الإلهي للعرب- قوما ولسانا- لينزل القرآن الكريم بلغتهم، وليكلّفوا بحمل أعباء رسالته إلى العالمين ... يتساوق أو ينسجم تماما مع الطابع الإنساني، العام والخالد، لهذه الرسالة. بل إن هذا
стр. 18
الاختيار في الواقع يومئ إلى هذا الطابع الإنساني- لا القومي- ويدل عليه! لأننا حين أنعمنا النظر في لغة العرب وجدنا أنفسنا أمام لغة إنسانية، كما وصفها العقاد بحق. وحين نظرنا في جماع الفضائل الإنسانية التي جاء بها القرآن، من جهة. وحقيقة البواعث الأخلاقية وجملة الملكات والخصائص النفسية والعقلية ..
التي تؤهل أصحابها للنهوض بتبعات التكليف بأحكام الإسلام على نحو شامل ومتوازن، من جهة أخرى، وجدنا أنفسنا أمام جيل العرب كذلك ... والله أعلم حيث يجعل رسالته.
стр. 19
الفصل الثاني أثر القرآن الكريم في اللغة العربية
يبدو وهذا الأثر من وجهتين: تاريخية، وموضوعية.
أولا- أثره من الوجهة التاريخية:
يمكن تلخيص هذا الأثر الذي تركه القرآن الكريم في اللغة العربية- من هذه الوجهة- بأنه كان لها قوة دافعة، من جهة. وقوة واقية أو حامية، من جهة أخرى.
(أ) القوة الدافعة:
ونعني بالقوة الدافعة: أن القرآن الكريم كان لهذه اللغة قوة هائلة دفعت بها خارج حدودها، أو خارج نطاق الجزيرة العربية، فقد عرّب القرآن العراق والشام، ومصر وسائر بلاد إفريقية الشمالية، مع حركة الفتح العربي الإسلامي، أو مع المدّ الإسلامي الأول زمن الخلفاء الراشدين، وملوك بني أمية. يقول شيخ الباحثين في قضايا العروبة والقومية: إنه يجب «أن لا يغرب عن البال أن العرب قبل الإسلام كانوا قليلين، كما أن مواطنهم كانت محدودة نسبيا، فإن البلاد التي تستحق النعت بالعربية كانت منحصرة في الجزيرة العربية، وبحافات بعض البلاد المجاورة لها، وأما حدود العروبة إلى سائر أنحاء العالم العربي الحالي، فقد تم بفضل الفتوحات العربية التي سارت تحت راية الإسلام.
стр. 20
فإن معظم أقسام العراق والشام، وجميع أنحاء إفريقية الشمالية- من مصر والسودان إلى المغرب الأقصى- كانت غير عربية، ولم تستعرب إلا بعد الإسلام».
وليس معنى ذلك أن العرب بقوا منطوين على أنفسهم في جزيرتهم على كرّ الأزمان، بل إنهم كانوا ينزحون من الجزيرة إلى تلك البلاد المجاورة، إلا أن قبائلهم التي نزحت قبل حمل رسالة القرآن «كانت تفقد صلاتها مع موطنها الأصلي، وتتعرض إلى سلسلة من الأحداث والتطورات التي تنسيها ماضيها، وتؤدي إلى اندماجها بسكان البلاد التي تستوطنها». ويضيف ساطع الحصري- صاحب الاتجاه العلماني المعروف- قائلا: «ولكن الموجة البشرية التي تدفقت من الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام، (قلت: أو التي رفعت راية الإسلام، ومشت في ركاب الفتح الإسلامي، للهداية والتحرير) قد امتازت عن سابقاتها من هذه الوجوه امتيازا هاما جدا، إنها لم تفقد صلتها بمنبعها الأصلي، بل ظلت وثيقة الاتصال به من الوجهتين المادية والمعنوية، وفضلا عن ذلك: استطاعت أن تنشر لغتها في مواطنها الجديدة، وانتهت إلى تعريب سكان أقطار واسعة من البلاد المفتوحة تعريبا تاما» (١).
هذا هو دور القوة الدافعة الذي تم بفضل القرآن الكريم، والذي يمكن تلخيصه بنشر اللغة العربية وتوسيع آفاقها.
يضاف إلى ذلك أن القرآن الكريم ترك أثرا واضحا في لغات الشعوب الإسلامية التي آمنت بالقرآن، ولكن لم يكتب لها أن يتعرب لسانها، كالفارسية والتركية. وأثرا آخر أكثر وضوحا في اللغات التي شاركت لغة القرآن في صنعها بين
стр. 21
ظهرانيهم، كالأوردية على سبيل المثال. بالإضافة إلى إصابة هذه الشعوب جميعا قدرا لا بد منه من اللغة العربية، وهو القدر الذي تقيم به بعض سور القرآن الكريم لأداء الصلاة والعبادة وبعض القراءات والأحكام الدينية الأخرى.
وإن من أهم الأمور التي يجب اعتبارها في هذا الموطن أن القرآن الكريم قد تعبّد المسلمون بتلاوته وألفاظه وحروفه. لأن التحدي- كما سنرى في تعريف القرآن- قد وقع بلفظه ومعناه، ولهذا لم يكن القارئ لترجمته قارئا للقرآن، وعلى هذا: لا يترتب على تلاوته هذه أي أثر من آثار الثواب الذي وعد به النبيّ ﷺ قارئ القرآن، وهو أن له بكل حرف عشر حسنات- كما جاء في الحديث- قال النبيّ ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها؛ لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١) ومعنى ذلك أننا نملك معادلتين اثنتين، تنص الأولى على ثواب قارئ القرآن وتحض المسلمين- كل المسلمين- على تلاوته وتدبره. وتنص الثانية على أن الترجمة لا تعتبر قرآنا، كما أجمع على ذلك العلماء في جميع العصور. وبهذا يغدو التعريب بالقرآن وتحت رايته جزءا لا يتجزأ من رسالة الإسلام.
- حول تخلف حركة التعريب عن انتشار الإسلام:
إن لتخلف حركة التعريب عن انتشار الإسلام في بعض المواطن أسبابا تاريخية وموضوعية لا مجال هنا للإفاضة في الحديث عنها، ولكن في وسعنا أن نشير إلى أن انتشار الإسلام الذي تم في جزائر الهند الشرقية ووصل إلى أقاصي أندونيسيا قد تم بجهود أفراد من التجار الذين كانوا يرحلون من جنوب الجزيرة العربية بحرا بالسفن الشراعية، وإن هؤلاء مع بعض الدعاة القلائل كانوا قادرين على دعوة الناس إلى الإسلام بعملهم وقولهم، ولكنهم لم يكونوا يملكون القدرة على تحويل الناس عن لغة معاملتهم وخطابهم ... هذا بالإضافة إلى ما تم في هذه
стр. 22
البلاد- مثلا- من تعريب شامل في معاهد العلم الديني والدراسات الإسلامية بعد ذلك. وقل مثل ذلك أو قريبا منه في انتشار الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء.
كما أن انتشار الإسلام في بعض المراحل تم على أيدي المغول وعلى أيدي السلجوقيين والعثمانيين، بعيد حملهم لرسالة القرآن، وقبل أن يتعلموا هم لسانه العربي المبين!
أما البلاد التي دخلها القرآن في زمن الفتوح الأولى، فإن اللغة العربية لم تنحسر عنها، والمثال الرئيسي هنا هو بلاد فارس، إلا بعد بضعة قرون على التحقيق، وبعد الحركات الشعوبية والانفصالية التي قادها حكام طامحون وقاوموا في تيارها ما يستطيعون مقاومته من عوامل الاستعراب ... على أن التعبير هنا بالانحسار لا يبدو أنه تعبير دقيق، فإن هذا لم يتم في أي عصر من العصور.
يقول الدكتور طه حسين: «وما كاد العرب بعد الفتوح يدخلون في بلاد فارس ويستقرون فيها حتى تعلم الفرس هذه اللغة الجديدة، وغلبت على ألسنة كثير منهم وأقلامهم، وما أكثر الفرس الذين شاركوا في إنشاء علوم اللغة العربية وتدوينها، وما أكثر الفرس الذين استأثروا ببعض هذه العلوم حتى أصبحوا كأنهم أصحابها، وكلنا يعلم أيضا استئثار الفرس بتدوين علوم البلاغة العربية».
ويضيف الدكتور طه: «ومع أن الفرس قد أحبوا لغتهم الفارسية ونظموا فيها الشعر منذ أواسط القرن الرابع للهجرة فقد ظلت اللغة العربية لغة العلم والفلسفة عندهم إلى أواخر القرون الوسطى (!!) وانظر إلى كتب ابن سينا والتفتازاني والسيد الجرجاني والطوسي وغيرهم. وكل هذا بفضل القرآن الكريم، فبفضله انتشر الإسلام» (١).
стр. 23
ولا يحسن إنهاء هذا الحديث الموجز عن القوة الدافعة التي أصابتها اللغة العربية بفضل القرآن الكريم، قبل الإشارة إلى أنه لا يصح تفسير هذا المد الهائل الذي أصابته اللغة العربية بغير عوامل جلال القرآن ورسالته، وعامل حب هذه اللغة وتفضيلها على اللغات المحلية الخاصة السابقة لدخول أصحابها في الإسلام، ولهذا فإن من فساد الرأي ما ذهب إليه بعض المغرضين من أن اللغة العربية اعتمدت في انتشارها على السلطة الحاكمة، أو السلطة الغازية، لأن هذه المنطقة غزيت قبل الإسلام وأيّدت لغة الغازي بالسلطة السياسية، لكن الشعوب المغلوبة رفضتها متشبثة بتراثها ولغتها، وبقيت متشبثة بها حتى دخول الإسلام، ثم تم هذا التخلّي بعد ذلك في ظل القرآن، وغير بعيد في الوقت نفسه عن قوانين علم الاجتماع، تقول الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن:
«ولم يكن موقف الشعوب من لغة القرآن أن فرّطت في ألسنتها فجأة، أو أكرهت على التخلي عنها بحد السيف، كما ذهب المؤرخ (فيليب حتى) في تاريخه الكبير، ولا صدرت قوانين ملزمة به من الدولة، وإنما مر الصراع اللغوي في مراحله الطبيعية التي تحكمها سنن الاجتماع، فبدأ بمرحلة عزلة تفاوتت بين قطر وآخر باختلاف طبيعة الإقليم قربا وبعدا، وميراثه الفكري والحضاري ومسلكه الصوتي واللغوي ... » ثم تقرر أن هذه «المرحلة اللغوية لم تطل، والقرآن الكريم هناك يفتح للعربية قلوب من أسلموا» (١).
وتقول في التعقيب على انتصار العربية على اللغات الأجنبية المفروضة على المنطقة- الرومانية واليونانية والفارسية والبيزنطية- ثم في مواجهتها للّغات الوطنية:
«وكان من المتصور أن تجمع هذه الشعوب بين العربية لغة دين، وبين لغاتها القومية التي صانتها طويلا ضد الغزو، لغة حياة، ولكن لم يمض جيل أو جيلان
стр. 24
حتى كانت العربية اللسان المشترك لشعوب أمة واحدة، هجرت إليها ألسنتها القومية دون أن يجبرها أحد على ذلك، كما لم يكرهها مكره على أن تتخلى عن عقائدها وأديانها لتعتنق الإسلام، بل تركت لغة العرب تخوض معركتها مع لغات الشعوب الداخلة في الإسلام» (١).
(ب) القوة الواقية:
أما «القوة الواقية» أو دور حفظ اللغة العربية وتحصينها، الذي تم بفضل «وجود» القرآن الكريم فهو أخطر دور يمكن أن يؤديه كتاب للغة من اللغات، هذا إن وجد كتاب آخر- سماوي أو وضعي- أدّى قريبا من مثل هذا الدور أو عشره في لغة من لغات الأرض! وغني عن البيان أن مثل هذا الكتاب- أيا كان مصدره- ليس له وجود.
لقد وقف القرآن، وخصوصا في الزمن الذي انقسمت فيه الدولة العربية الإسلامية إلى مدن ودويلات، حائلا وسدا دون سريان اللهجات المحلية وانتشارها، ولولا هذا الكتاب الكريم الذي صانه الله تعالى عن التحريف والتبديل، وتكفّل بحفظه إلى يوم الدين، لما كان نصيب اللغة العربية من التجزؤ والانقسام بأقل منه في اللغة اللاتينية وما آلت إليه اليوم ... وبفضل هذا الكتاب الخالد بقيت الوحدة اللسانية- والفكرية- قائمة بين شعوب الأقطار العربية، وبفضله كذلك نقرأ اليوم أدب العربية من عصر الجاهلية إلى العصر الحديث ... في مدة ستة عشر قرنا من الزمان! (٢).
стр. 25
يقول ساطع الحصري: «ومما يجب أن لا يغرب عن البال أن اللغة العربية، بعد أن أصبحت لغة الجميع في هذه البلاد الشاسعة (المشار إليها في الفقرة السابقة) تعرضت إلى محن خطيرة، مدة قرون طويلة، بسبب ما طرأ على العالم العربي من التفكك السياسي، والجمود الفكري والاجتماعي، والانحطاط الثقافي، لأن كل ذلك كان من شأنه أن يؤدي إلى انحلال الروابط المادية والمعنوية بين مختلف الأقطار العربية، ويفسح مجالا واسعا لتغلب العامية، ويطلق العنان للهجات المحلية. ولذلك أصبحت اللغة العربية معرضة لخطر التفكك التام، والتفرع إلى لغات عديدة يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا، لا يترك مجالا لتفاهم المتكلمين بها ... وذلك مثلما حدث للغة اللاتينية» (١).
ثم يقول: «ولكن القرآن وقف سدا منيعا أمام هذه الأخطار الجسيمة، وحال دون استشراء هذا التفكك، وذلك لكونه عربيا، ولكون الديانة الإسلامية تفرض على جميع المسلمين والمسلمات حفظ طائفة من آياته، وتلاوتها كل يوم عدة مرات خلال الصلوات».
ونستطيع أن نقول في التعقيب على هذا الموضوع- بكلمة عابرة-: إن الدعوات المشبوهة إلى العامية- التي أرّخت لها بدقة الدكتورة نفوسة زكريا في كتابها: تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر (٢) - سيكون نصيبها الفشل المحقق، لا نقول هذا رجما بالغيب، ولكن بالنظر إلى التاريخ الذي تحدثنا عنه
стр. 26
قبل قليل، والذي أثبت استعصاء اللغة العربية الفصيحة على الاضمحلال والتفكك والزوال، ما دام القرآن موجودا يعلن خلود لغته خلوده،، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)، وصدق الله العظيم.
إن التكفل الإلهي بحفظ القرآن الكريم- بوصف الإسلام الدين الخاتم إلى يوم الدين- يتضمن تلقائيا، أو في طياته تكفلا بحفظ اللغة العربية من التحلل والتفكك والزوال ... فبقاء القرآن يعني بقاء لغته الشريفة! أن اللغة العربية لن يأتي عليها زمان- من وقت نزول القرآن إلى يوم الدين- تصبح فيه لغة ميتة أو تاريخية ... أو بحيث يصبح فهمها والتعامل معها- فضلا عن استخدامها- لا يقوى عليه إلا الخاصة، أو يحتاج إلى ترجمان! ولسوف تبقى العربية مع ذلك التكفل الإلهي لسان الملايين ... وبخاصة إذا تذكرنا أيضا قول الله ﵎:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) [سورة القمر، الآية ١٧].
وعلى الرغم من اعتقادنا الجازم بأن مسألة انتصار اللغة العربية الفصيحة على سائر اللهجات و «العاميّات» في البلاد العربية، مسألة محسومة، ولا تحتاج منا إلى جهد يذكر! فإننا ننظر إلى دعوة بعضهم- اليوم وبعد الاستعمار اللغوي الثقافي الطويل في الجزائر وغيرها- إلى الكتابة بالعامية- كسعيد عقل ولويس عوض وضربائهما- على أنها دعوات مشبوهة، هدفها الأخير قطع الأمة العربية الإسلامية عن ماضيها وتراثها وتاريخها، لتبدأ- على زعمهم- من الصفر، ولتتمزّق من ثم إلى شعوب متباينة وأمم شتى! وكأن أصحاب هذه الدعوى- بالنظر إلى ما قدمناه من فضل القرآن الكريم ويده الطولى على العربية، بل ما منحه إياها من الشرف والرفعة والسموّ والقداسة- إن صح التعبير- يقومون بحركة التفاف وتطويق حول القرآن الكريم نفسه، وحول الثقافة العربية والفكر الإسلامي على وجه العموم؛ علّهم ينجحون حيث أخفق الكثير من محترفي الاستشراق والتبشير: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [سورة الأنفال، الآية ٣٠].
стр. 27
ثانيا- الأثر الموضوعي للقرآن في اللغة العربية:
أما الأثر الخاص أو الموضوعي الذي تركه القرآن الكريم في اللغة العربية، فأكبر من أن تتسع له هذه الصفحات أو المقدمات. وبحسبنا أن نشير إلى ما نقله السيوطي في التدليل على أن القرآن الكريم كان السبب المباشر في نشأة معظم علوم العربية والعلوم الإسلامية، وكيف أن العلماء تفرغوا على خدمته والعناية به في علوم كثيرة أنشئوها لذلك ... وما زالت هذه العلوم تنمو وتتفرع حتى قامت على سوقها في القرن الرابع الهجري الذي يعتبر أزهى عصور التأليف في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.
وربما كان موضوع العلوم التي نشأت راجعة إلى القرآن الكريم، أو نشأت في سبيل خدمته وتيسير فهمه أدخل في الأثر التاريخي السابق، أو أدخل في باب الثقافة التي سنتحدث عنها في فقرة ثالثة. ولكننا على كل حال نذكّر هنا بالآثار الموضوعية- المباشرة والمحدودة- التالية:
١ - توحد لهجات العرب: كان للعرب قبل نزول القرآن الكريم لهجات كثيرة متباينة تربو على العشرين (١) - منها الرديء المستنكر؛ ومنها الفصيح المقبول- نتيجة لاختلاف الأقاليم وظروف الحياة البدوية والحضرية ونحو ذلك،
стр. 28
ولكنها على ذلك متقاربة في أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها، ولم تكن المغايرة بينها تخرجها- على كل حال- عن اعتبارها في الأصل لغة واحدة ذات قوانين تطرد في جميعها، ما عدا لغة حمير فإنها تخالف لغة مضر خلافا ظاهرا، ولا توافقها في أكثر أوضاعها ومقاييسها (١).
وإلى جانب هذا الاختلاف من حيث هيئة النطق وما إليه مما يسمى باللهجة؛ فقد كان هنالك اختلاف لغوي آخر من حيث معاني الكلمات، على نحو ما ذكر السيوطي في كتابه «المزهر» وأكده ببعض القصص، على بعد بعضها وغرابته!!
وعلى أية حال فقد قضى القرآن الكريم حين نزل بلغة قريش على هذا التناكر والاختلاف، وجمع العرب على هذه اللهجة- أو اللغة- على المدى البعيد، وقد قيل في لغة قريش: إنها كانت أفصح اللغات وأعذبها لأنها صقلت بحياة الحضر، وبكثرة الاختلاط بالقبائل العربية، نظرا لمكانة قريش الدينية والتجارية في جزيرة العرب، وقد كانت هذه اللغة يومئذ أوسع اللغات انتشارا في الجزيرة، وكان الناس يقبلون عليها ويستريحون إليها أكثر من غيرها. ويوجز الشيخ العلامة محمد الخضر حسين أسباب تفضيل لغة قريش عن سائر لغات العرب، واعتبارها أفصح هذه اللغات، بوجهين:
أحدهما: بعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم. ولهذا لم يحتجّ أهل الصناعة العربية إلا بلسانهم أو ما كان قريبا منه، ولم يعتمدوا لغات القبائل التي
стр. 29
تجاور غيرها من الأمم، كلغة لخم وجذام وقضاعة وغسان، ولم يخالفهم في شرطهم هذا إلا أبو عبد الله بن مالك، فنقل في كتبه لغة لخم وقضاعة وغيرهم ممن يسكن أطراف الحجاز.
ثانيهما: أن العرب كانوا يفدون عليهم في موسم الحج ويقيمون عندهم قريبا من خمسين يوما، فيتخيرون من لغات أولئك الوفود ما تعادلت حروفه وخف وقعه على الأسماع، ويرفضون كل ما يثقل على الذوق ولا يجد في السمع مساغا (١).
فإذا ذكرنا الجامعة التي أقامها القرآن للعرب، وتوحيدهم الذي تم على يديه، ذكرنا فضله في الذهاب بالجانب الأعظم من تناكر اللغات واختلاف اللهجات، وهم يقرءونه
بلغة قريش في الاعتبار الأول.
٢ - أثر القرآن في ألفاظ العربية ومعانيها: أما التأثير الذي أحدثه القرآن في ألفاظ العربية ومعانيها فهو تأثير هائل، أو هو ثورة كبرى في الواقع. وهذا الموضوع جدير بأن يفرد ببحث جاد دقيق، وبحسبنا في هذا التقديم السريع أن نقول: إذا كانت اللغة صورة لحياة الأمة وبيئتها ومعارفها، ووعاء لأفكارها وثقافتها؛ فإن تأثير القرآن الكريم في كل ذلك بالنسبة للعرب كان هائلا ... لقد تأثرت ألفاظ اللغة العربية تأثرا مباشرا من حيث تهذيبها وترقيق حواشيها- والقرآن ينقل العرب من حال إلى حال، من البداوة إلى الحضارة، ومن الجزيرة إلى الأمصار- ومن حيث هذا الحشد من الألفاظ المشتركة والاصطلاحية والألفاظ الإسلامية الجديدة.
أما الألفاظ الاصطلاحية فيراد بها تلك التي خرجت عن دلالتها الأولى إلى الدلالة عن معان جديدة- اصطلاحية- لم تكن معروفة وموجودة عند العرب، فقد اقتضى القرآن- فوق الحياة الجديدة ونظام الدولة وما يتصل بذلك- علوما
стр. 30
شرعية ولغوية وكلامية وطبيعية ... وفي كل علم مصطلحاته وتعريفاته ... حتى لقد قام بعض المصنّفين بوضع معاجم خاصة لتلك المصطلحات العلمية مثل كتاب «التعريفات» للجرجاني و «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي ...
قال ابن فارس: «كان العرب في جاهليتهم على إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر، بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، فعفّى الآخر الأول، وشغل القوم- بعد المغاورات والتجارب وتطلّب الأرباح والكدح للمعاش في رحلة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيد والمعاقرة والمياسرة- بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالتفقه في دين الله ، وحفظ سنن رسول الله ﷺ ، مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام.
فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشئوا عليه كأن لم يكن!
وحتى تكلموا في دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث وغيرها من علم الشريعة وتأويل الوحي بما دوّن وحفظ حتى الآن».
وبعد أن ذكر ابن فارس طائفة من العلوم الشرعية ومصطلحاتها التي جدت على لغة العرب، قال: «فسبحان من نقل أولئك في الزمن القريب بتوفيقه عما ألفوه ونشئوا عليه وغذوا به، إلى مثل هذا الذي ذكرناه».
ثم عرض لبعض التعريفات أو الألفاظ الإسلامية التي جاءت على وفق المعاني اللغوية، وما أضافته إليها وقيدته، وقال: «فالوجه في هذا إذا سئل الإنسان عنه أن يقول: في الصلاة اسمان لغوي وشرعي، ويذكر ما كانت العرب تعرفه، ثم ما جاء الإسلام به. وهو قياس ما تركنا ذكره من سائر العلوم ... » (١).
стр. 31
قلت: هذا كلام قيم، وإن كان الأمر أبعد من مسألة الاصطلاحات والتعريفات، لأنه ينطلق من أن القرآن الكريم كان المحور الذي نشأت حوله جميع معارف العرب التي جدّت في حياتهم بعد الإسلام، حتى صح لنا ما أشرنا إليه في مناسبة سابقة من أن القرآن الكريم يشكل المصدر الأول للثقافة العربية الإسلامية- وملاذها الأخير- هذه الثقافة الغنية الواسعة التي اشتملت على علوم القرآن والحديث، والأدب واللغة والسيرة والفلسفة والفقه والأصول ... والتي اتسعت لها لغة العرب بعد نزول القرآن الكريم.
ولعل هذا يختصر علينا طريق المتابعة في الأغراض والمعاني التي تركها القرآن في اللغة العربية؛ لأن الألفاظ في الواقع ليست أكثر من وعاء للمعاني والأغراض الجديدة، ولكن كما أثّر القرآن في معاني اللغة من حيث ما جاء به من اشتراع جديد، كان له أثر في ظهور معان جديدة. «فقد تناول أيضا معانيهم التي كانوا يتعاورونها بينهم فتصرّف فيها وهذّبها، وزاد بها أو نقص منها ووضعها مواضع تناسبها، بحيث أصبحت تلائم كل الأذواق في كل العصور، بعد أن كان فيها ما لا يسمح لها بالبقاء إلا في عصر جاهليّ له ذوق خاص».
هذا وقد تأثرت معاني اللغة العربية أيضا من خروجها الجديد إلى الممالك المتحضرة تنتزع منها معاني وأخيلة هي وليدة الحضارة وربيبة المدنية، بل هي تراث أمم مختلفة ونتاج لغات متعددة.
وقد لخص العلّامة الشيخ محمد الخضر حسين- ﵀ تأثير الإسلام في اللغة العربية- من هذه الجهة- بقوله:
«طلع الإسلام على العرب وفي هدايته من المعاني ما لم يكونوا يعلمون، بل في هدايته ما لم تف اللغة يومئذ بالدلالة عليه، فعبر عن هذه المعاني بألفاظ ازدادت بها اللغة نماء.
стр. 32
«ومن الجليّ أن القرآن الكريم والحديث النبويّ قد سلكا في البلاغة مذاهب ينقطع دونها كل بليغ. ثم إن فتح الممالك الكبيرة كبلاد الفرس والروم زاد مجال اللغة بسطة
بما نقل إليها من المعاني العلمية أو المدنية».
ثم قال: «ففضل الإسلام على اللغة العربية يظهر في غزارة مادتها، وبراعة أساليبها، واتساع مذاهب بيانها، وكثرة الأغراض التي يتسابق إليها فرسان الخطابة والكتابة» (١).
стр. 33
الفصل الثالث أثر القرآن الكريم في الحضارة والثقافة الإسلامية
وإتماما لموضوع القرآن الكريم واللغة العربية، نعرض هنا بإشارة عابرة إلى «الواقع» الحضاري- والثقافي- الذي أحدثه القرآن الكريم واتسعت له لغة العرب على نحو مثير للدهشة والإعجاب؛ لأننا نخشى أن يفهم من حديثنا السابق أن اللغة العربية تغيرت مع الثقافة الإسلامية أو الثقافة التي جاء بها القرآن الكريم بإضافة- أو حذف- كلمات تناسب الكلمات التي أدخلت أو أهملت ... وأن الأمر وقف عند هذا الحد! ولو كان الأمر كذلك لما كانت اللغة أكثر من «قاموس» بأسماء الأشياء!! ولكن الواقع غير ذلك: «فاللغة هي عبارة عن نظام من الرموز ذات المعنى تعبر عن التنظيم الكامل لحياة وتفكير حضارة من الحضارات» (١) وإذا كانت «الثقافة» تتضمن أكثر من اللغة، كالتقاليد والمؤسسات والقوانين والآداب والفنون، والمهن والمهارات وكل ما صنعه الإنسان، فإن اللغة تحتل من بين جميع هذه المظاهر مكانا فريدا بوصفها «مرآة الثقافة كلها» لأن كل ما يصنعه الإنسان يحمل اسما، فقوانينه ومؤسساته ودياناته لها تعبيراتها اللفظية، والأشياء التي تكون في الطبيعة تظهر أيضا في اللغة، ولكن من وجهة نظر ثقافة معينة على الدوام.
ولهذا فإن اللغات لا تختلف فقط في الكلمات التي تعبر عن معان مشتركة، ولكنها
стр. 34
تختلف أساسا في الطرق المختلفة للتفكير، أو في مجموعة المعاني التي يعبر عنها خلال اللغة، فلكل ثقافة مفاهيمها الخاصة بالحياة والعالم، وتنعكس هذه المفاهيم على طبيعة لغتها.
يقول الأستاذ العلّامة فيليب هـ. فينكس: «ومن خلال اللغة يسهم الفرد في المعاني الحيوية للثقافة. والسبب الأساسي لتعلم اللغات الأجنبية أن يستطيع الفرد فهم الثقافات التي تمثلها هذه اللغات فهما حقيقيا ومن الداخل. فدراسة اللغة اللاتينية لا تستهدف تدريب العقل ولا مساعدة الفرد على فهم أفضل للّغة الإنكليزية فحسب ... ولكن الهدف الأساسي من هذه الدراسة أن تقدم للفرد معنى الحضارة الرومانية، ذلك الكلّ المعقد الغريب من التقاليد والقوانين والمفاهيم التي أتاحت لقرون عديدة بعض الأساس للأمن والوحدة لشعوب عديدة يائسة. ودراسة اللغة اليونانية القديمة تربط الفرد ربطا وثيقا بحضارة تقوم على تأمل فلسفي عميق، وتتميز بالمسرحية والتاريخ، وبديمقراطية سياسية ذاتية، وبخلق فني جبار ...
إلخ» (١).
والذي نود تقريره هنا: هو القول بأن دراسة اللغة العربية تقدم للفرد معنى الحضارة الإسلامية، وتربطنا ربطا وثيقا بهذه الحضارة التي تقوم على مبدأ الإيمان العميق بالإله الواحد جل وعلا، وتنبني على قواعد من التوازن والشمول والإيجابية، وتدور على مبررات إنسانية قوامها روح المساواة بين الأفراد وبين الأمم والشعوب.
فإذا علمنا أن هذه المبررات وتلك القواعد إنما جاء بها القرآن الكريم، وأضفنا إلى ذلك ما قدمناه في الأثر الموضوعي السابق، أدركنا معنى صدور الحضارة العربية والفكر الإسلامي عن القرآن، واستطعنا من خلال ذلك: التقدم لإيراد بعض الأمور الشارحة والموضحة لهذه الحقيقة الكبيرة:
стр. 35
لقد مرت البشرية- كما يلاحظ الكثيرون من مؤرخي الحضارات، وكما أكّده المفكر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي ﵀ بأكبر تجربتين حضاريتين في التاريخ: التجربة الرومانية، والتجربة الإسلامية. وقد كانت الحضارة الأولى متجلية بالروح الإمبراطورية التي تقسم الإنسان أو الناس إلى مواطن روماني يتمتع بكامل الحقوق، وإلى غير مواطن مسلوب من جميع الحقوق وعلى هذا الأساس حكمت وقنّنت وعالجت ومنحت، وهي وإن أخفقت في معالجة مشكلات الإنسان قديما، فقد أتيح لها أن تبدو في صورة جديدة تتمثل في الحضارة الغربية المعاصرة التي أخذت من تلك الحضارة الرومانية روحها الاستعمارية، وتشرّبت مبادئها، وكثيرا من نظراتها الجوهرية؛ بعد أن تخطّت الحضارة الإسلامية التي جاءت في أعقاب الحضارة الرومانية وزاحمتها، وأزاحتها عن مقعد السيادة على مسرح التاريخ!
وتهمنا هنا الإشارة إلى أن الروح الاستعمارية في هذه الحضارة الأوروبية مساوية للروح الإمبراطورية التي عاشت عليها الحضارة الرومانية القديمة. في حين أن روح الحضارة الإسلامية، أو المبرر الذي عاشت عليه هذه الحضارة يتمثل في روح المساواة التي جاء بها القرآن الكريم ونطق بها النبيّ ﷺ وأكدها في آخر خطبه الجامعة في حجة الوداع « ... كلكم لآدم وآدم من تراب ... لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض فضل إلّا بالتقوى».
يضاف إلى ذلك أن النظرة إلى الوجود المتمثلة في مبدأ الإيمان بالله الواحد القهار- وما يتبع ذلك وينبني عليه من النظر إلى الكون والحياة والإنسان- هي التي أعطت للحضارة الإسلامية طابعها الخاص، وجعلتها- من قبل- قادرة على أن تهضم وتتمثل- ولا تذوب بالطبع- في تيار العقائد والمذاهب التي كانت سائدة في «بيئة» الحضارة الإسلامية. وهي البيئة التي شهدت في الواقع أعرق الحضارات القديمة في بلاد الشام والرافدين ووادي النيل وبلاد فارس ...
ولا مجال هنا للإفاضة في هذه الجوانب المتشعبة من البحث، ولكن نكتفي
стр. 36
بالتذكير بأن القرآن الكريم الذي انبثقت منه روح هذه الحضارة؛ يشكل في نفس الوقت وبدرجة واحدة كذلك مصدر الثقافة الإسلامية الأول وملاذها الأخير. ولا نقوم هنا بتحليل عناصر «الثقافة» ولكننا نذكر بأن تصنيف هذه العناصر وتقديم بعضها على بعض (١) - وهو الذي يميز ثقافة عن ثقافة أخرى- يعود إلى الدين، أو ينطلق من القيم الدينية التي جاء بها القرآن الكريم، مع تسليمنا بما ذهب إليه الفيلسوف الناقد «ت. س. إليوت» من القول بالأصل الديني لكل الحضارات والثقافات، والذي بنى عليه قوله بوحدة الثقافة الأوروبية المعاصرة- على الرغم من تعدد اللغات والمذاهب والقوميات- وقوله بتلاشي هذه الثقافة حين تفقد أصلها الديني (٢).
стр. 37
الباب الثاني قطعية النص القرآني وتاريخ توثيقه
* الفصل الأول: القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة.
* الفصل الثاني: الوحي أو مصدر القرآن الكريم.
* الفصل الثالث: نزول القرآن والحكمة من تنجيمه.
* الفصل الرابع: جمع القرآن وتدوينه.
* الفصل الخامس: الآيات والسور وترتيبهما.
стр. 38
الفصل الأول القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة
أولا- تعريف القرآن والفرق بينه وبين الحديث:
١ - هذه الكلمة «قرآن» لغة على وزن فعلان: لفظ مشتق من القرء، بمعنى الجمع؛ يقال: قرأ الشيء قرءا وقرآنا: جمعه وضم بعضه على بعض، ومنه قرأت الماء في الحوض: جمعته. قالوا: وسمي القرآن الكريم قرآنا لأنه جمع القصص والأمر والنهي، والوعد والوعيد، أو لأنه جمع الآيات والسور.
وقيل: إن هذا اللفظ- قرآن- مشتق من القرائن التي يصدّق بعضها بعضا، أو يشابه بعضها بعضا. وقالوا: وكذلك حال الآيات والسور في القرآن الكريم.
وقال اللحياني وجماعة من أهل اللغة: قرآن: مصدر كغفران، سمي به «المقروء» أي المتلوّ؛ تسمية للمفعول بالمصدر. ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) [سورة القيامة: ١٧ - ١٨] أي قراءته، والمراد:
جبريل ﵇. ومنه كذلك قول حسّان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان- ﵄:
ضحّوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
أي: قراءة. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقرأ قرآنا وقراءة.
وبغض النظر عن أصل اشتقاق هذا اللفظ، على دقة ما ذهب إليه اللحياني
стр. 39
وترجيحنا له؛ فإن «القرآن» بهذا اللفظ المعرّف صار علما شخصيا على «الكتاب» المعجز الموحى به من الله سبحانه، والمنزل على سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ عبد الله ورسوله الخاتم؛ سمي به هذا الكتاب كما سميت «التوراة» التي نزلت على موسى، و «الإنجيل» الذي نزل على عيسى عليهما الصلاة والسلام. قال تعالى:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [سورة الإسراء، الآية ٩].
حتى قيل إن بعض العلماء، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، عدّ هذا اللفظ المعرّف كما قلنا- القرآن- اسم علم غير مشتق، خاص بكلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ .
٢ - أما ما ذكره العلماء من تعريف «القرآن» - اصطلاحا- بالأجناس والفصول، لتمييزه عما عداه مما قد يشاركه في الاسم- ولو توهما- ذلك أن سائر كتب الله تعالى، والأحاديث القدسية، وبعض الأحاديث النبوية، تشارك القرآن في كونها وحيا إلهيا، فربما ظن أنها تشاركه في اسم القرآن أيضا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به، ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع؛ فقال أكثرهم في تعريفه:
«هو الكلام المعجز، المنزل على النبيّ ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته».
وأوجزه بعضهم بقوله: القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته».
وقد قيل في تحليل هذا التعريف الأخير: إن «الكلام» جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى «الله تعالى» تميزه من كلام من سواه، سواء أكان من الإنس أم غيرهم.
«المنزّل»: مخرج للكلام الإلهي الذي استأثر به في نفسه، أو ألقاه إلى
стр. 40
ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير، قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) [سورة الكهف، الآية ١٠٩].
وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [سورة لقمان، الآية ٢٧].
وتقييد المنزّل بكونه على «محمد ﷺ » لإخراج ما أنزل على الأنبياء من قبله، كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم، ﵈.
أما قيد «المتعبّد بتلاوته» - أي المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة- فلإخراج ما لم نؤمر بتلاوته من ذلك، كالقراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، وكالأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله (١)، إن قلنا إنها منزلة من عند الله بألفاظها.
٣ - أما الأحاديث النبوية فإنها بحسب ما حوته من المعاني تقسم إلى قسمين:
قسم توفيقي، استنبطه النبيّ بفهمه ونظره في كلام الله تعالى، أو بتأمله في حقائق الكون. وهذا القسم ليس من كلام الله تعالى.
وقسم توقيفي، تلقى الرسول مضمونه من الوحي فبيّنه للناس بكلامه، وهذا القسم وإن كان ما فيه من العلوم منسوبا إلى معلمه وملهمه سبحانه، لكنه- من حيث هو كلام- حريّ بأن ينسب إلى الرسول ﷺ ، لأن الكلام إنما ينسب إلى