← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38031

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

عدنان زرزور

Полный текст (277 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالتذكير بأن القرآن الكريم الذي انبثقت منه روح هذه الحضارة؛ يشكل في نفس الوقت وبدرجة واحدة كذلك مصدر الثقافة الإسلامية الأول وملاذها الأخير. ولا نقوم هنا بتحليل عناصر «الثقافة» ولكننا نذكر بأن تصنيف هذه العناصر وتقديم بعضها على بعض (١) - وهو الذي يميز ثقافة عن ثقافة أخرى- يعود إلى الدين، أو ينطلق من القيم الدينية التي جاء بها القرآن الكريم، مع تسليمنا بما ذهب إليه الفيلسوف الناقد «ت. س. إليوت» من القول بالأصل الديني لكل الحضارات والثقافات، والذي بنى عليه قوله بوحدة الثقافة الأوروبية المعاصرة- على الرغم من تعدد اللغات والمذاهب والقوميات- وقوله بتلاشي هذه الثقافة حين تفقد أصلها الديني (٢).

стр. 37

الباب الثاني قطعية النص القرآني وتاريخ توثيقه * الفصل الأول: القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة. * الفصل الثاني: الوحي أو مصدر القرآن الكريم. * الفصل الثالث: نزول القرآن والحكمة من تنجيمه. * الفصل الرابع: جمع القرآن وتدوينه. * الفصل الخامس: الآيات والسور وترتيبهما.

стр. 38

الفصل الأول القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة أولا- تعريف القرآن والفرق بينه وبين الحديث: ١ - هذه الكلمة «قرآن» لغة على وزن فعلان: لفظ مشتق من القرء، بمعنى الجمع؛ يقال: قرأ الشيء قرءا وقرآنا: جمعه وضم بعضه على بعض، ومنه قرأت الماء في الحوض: جمعته. قالوا: وسمي القرآن الكريم قرآنا لأنه جمع القصص والأمر والنهي، والوعد والوعيد، أو لأنه جمع الآيات والسور. وقيل: إن هذا اللفظ- قرآن- مشتق من القرائن التي يصدّق بعضها بعضا، أو يشابه بعضها بعضا. وقالوا: وكذلك حال الآيات والسور في القرآن الكريم. وقال اللحياني وجماعة من أهل اللغة: قرآن: مصدر كغفران، سمي به «المقروء» أي المتلوّ؛ تسمية للمفعول بالمصدر. ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) [سورة القيامة: ١٧ - ١٨] أي قراءته، والمراد: جبريل ﵇. ومنه كذلك قول حسّان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان- ﵄: ضحّوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا أي: قراءة. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقرأ قرآنا وقراءة. وبغض النظر عن أصل اشتقاق هذا اللفظ، على دقة ما ذهب إليه اللحياني

стр. 39

وترجيحنا له؛ فإن «القرآن» بهذا اللفظ المعرّف صار علما شخصيا على «الكتاب» المعجز الموحى به من الله سبحانه، والمنزل على سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ عبد الله ورسوله الخاتم؛ سمي به هذا الكتاب كما سميت «التوراة» التي نزلت على موسى، و «الإنجيل» الذي نزل على عيسى عليهما الصلاة والسلام. قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [سورة الإسراء، الآية ٩]. حتى قيل إن بعض العلماء، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، عدّ هذا اللفظ المعرّف كما قلنا- القرآن- اسم علم غير مشتق، خاص بكلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ . ٢ - أما ما ذكره العلماء من تعريف «القرآن» - اصطلاحا- بالأجناس والفصول، لتمييزه عما عداه مما قد يشاركه في الاسم- ولو توهما- ذلك أن سائر كتب الله تعالى، والأحاديث القدسية، وبعض الأحاديث النبوية، تشارك القرآن في كونها وحيا إلهيا، فربما ظن أنها تشاركه في اسم القرآن أيضا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به، ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع؛ فقال أكثرهم في تعريفه: «هو الكلام المعجز، المنزل على النبيّ ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته». وأوجزه بعضهم بقوله: القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته». وقد قيل في تحليل هذا التعريف الأخير: إن «الكلام» جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى «الله تعالى» تميزه من كلام من سواه، سواء أكان من الإنس أم غيرهم. «المنزّل»: مخرج للكلام الإلهي الذي استأثر به في نفسه، أو ألقاه إلى

стр. 40

ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير، قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) [سورة الكهف، الآية ١٠٩]. وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [سورة لقمان، الآية ٢٧]. وتقييد المنزّل بكونه على «محمد ﷺ » لإخراج ما أنزل على الأنبياء من قبله، كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم، ﵈. أما قيد «المتعبّد بتلاوته» - أي المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة- فلإخراج ما لم نؤمر بتلاوته من ذلك، كالقراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، وكالأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله (١)، إن قلنا إنها منزلة من عند الله بألفاظها. ٣ - أما الأحاديث النبوية فإنها بحسب ما حوته من المعاني تقسم إلى قسمين: قسم توفيقي، استنبطه النبيّ بفهمه ونظره في كلام الله تعالى، أو بتأمله في حقائق الكون. وهذا القسم ليس من كلام الله تعالى. وقسم توقيفي، تلقى الرسول مضمونه من الوحي فبيّنه للناس بكلامه، وهذا القسم وإن كان ما فيه من العلوم منسوبا إلى معلمه وملهمه سبحانه، لكنه- من حيث هو كلام- حريّ بأن ينسب إلى الرسول ﷺ ، لأن الكلام إنما ينسب إلى

стр. 41

واضعه وقائله الذي ألّفه على نحو خاص، ولو كان ما فيه من المعنى قد تواردت عليه الخواطر وتلقاه الآخر عن الأول. فالحديث النبوي إذا خارج بقسميه من القيد الأول «وهو كون الكلام كلام الله» في هذا التعريف (١). وكذلك الحديث القدسي إن قلنا إنه منزل بمعناه فقط. وهذا هو أظهر القولين فيه. لأنه لو كان منزّلا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني؛ إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله تعالى، فكان من لوازم ذلك المحافظة على نصوصه، وإجزاء قراءته في الصلاة، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعا، وعدم جواز مسّه للمحدث. ولا قائل بذلك كله. وأيضا فإن القرآن لما كان مقصودا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر وهو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته، احتيج لإنزال لفظه- ولهذا فإن ترجمته لا تعتبر قرآنا- والحديث القدسي لم ينزل للتحدي ولا للتعبد، بل لمجرد العمل بما فيه، وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه، فالقول بإنزال لفظه قول بشيء لا داعي في النظر إليه، ولا دليل في الشرع عليه، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة «يقول الله ﵎ كذا» (٢). لكن القرائن التي ذكرناها آنفا كافية في فسح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه، وهذا تأويل شائع في العربية فإنك تقول حينما تنثر بيتا من الشعر «يقول الشاعر كذا» وتقول حينما تفسر آية من كتاب الله بكلام من عندك: «يقول الله تعالى كذا» وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى

стр. 42

وفرعون وغيرهم مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم (١). والله تعالى أعلم. ٤ - ملاحظة هامة حول هذه الفروق: وتذكّرنا هذه الفروق بين القرآن الكريم وأنواع الحديث النبوي، بضرورة القول إن لدينا اليوم، وبعد هذه القرون التي مرت على بعثة النبيّ ﷺ ونزول القرآن، المصادر التالية المستقلة، أو المفصول بعضها عن بعض، وإن هذا الفصل والتمييز يعد من أبرز خصائص الأمة الإسلامية. ومن أهم مزايا الإسلام ومصادر الثقافة الإسلامية: (أ) لدينا أولا: القرآن الكريم، بوصفه كلام الله تعالى المنزل أو الموحى به بلفظه ومعناه، أو بوصفه النص الإلهي المبرّأ من التحريف والتبديل. (ب) ولدينا إلى جانبه: كلام النبيّ ﷺ ، أو أقواله وأحاديثه الشريفة، التي لم تختلط بحرف واحد منها بالقرآن الكريم. سواء أكانت أحاديث قدسية أم عادية- مع التنويه بهذه الدقة في التمييز بين هذين النوعين- علما بأن نسبة الأحاديث القدسية ضئيلة إذا ما قيست بسائر أحاديث النبيّ الكريم- صلوات الله وسلامه عليه-. وبغض النظر عن طبيعة موضوعاتها، ودرجة توثيقها عند المحدّثين. (ج) وعندنا كذلك: الصورة الكاملة لأعمال النبيّ ﷺ وحياته اليومية، الخاصة والعامة في السلم والحرب. وقد تضمّنتها كتب (السيرة النبوية) التي يمكن وصفها باختصار بأنها: تاريخ حياة النبيّ ﵊. (د) ويوجد إلى جانب هذه المصادر الثلاثة: القرآن والحديث والسيرة، مصادر خاصة بحياة الصحابة- رضوان الله عليهم-، وبطبقاتهم كذلك. (هـ) ولدينا أخيرا كتب التاريخ العام: أو كتب التاريخ .. على اختلاف طرائقها في التأليف.

стр. 43

وليس هنالك أدنى خلط أو تداخل بين القرآن والسنّة القولية، أو بين القرآن والسيرة وتاريخ الأصحاب- عليهم الرحمة والرضوان-. بل إن من الملاحظ- كما سنشير إلى ذلك عند الكلام على الوحي- أن القرآن الكريم نادرا ما يتحدث عن تاريخ «محمد» - صلّى الله عليه وعلى آله- الإنسان، وعن آلامه العظمى، أو مسرّاته التي لم ترد فيه قط!! ونستطيع أن نؤكد بعد ذلك أن هذا التمييز المطلق الذي نملكه الآن، والذي حرص النبيّ ﷺ على تأكيده حين نهى عن كتابة القرآن والحديث في صحيفة واحدة، تفتقر إليه الديانات والكتب السماوية السابقة التي يختلط فيها النص الإلهي المنزل أو الموحى به، حتى إنه لا يبين ... بأقوال النبيّ ومواعظه وأخباره وسيرته مع أصحابه ومع الناس. والتي وردت فيها صفحات مطوّلة، أو (أسفار) كثيرة في الأدب والتاريخ! ثانيا- مقارنة سريعة مع هذه الكتب السماوية: ويكفينا عند المقارنة، من أجل تأكيد هذه الملاحظة: أن نعرّف فقط بالتوراة والإنجيل، لنقف على مدى الخلط الذي آل إليه (الوحي) أو الكتاب الذي نزل على موسى وعيسى- على نبيّنا وعليهما الصلاة والسلام-. ولكن لا بد من الإشارة إلى (الزيادات) أو الملحقات التي أضيفت إلى هذين الكتابين- فضلا عن التحريف والتبديل الذي لحق بهما- لأن هذه الزيادات تبرز بدورها، أو تؤكد مدى ضياع النص الإلهي الموحى به، ومدى الإغراق الذي أصابه في خضم هذه الزيادات والملحقات التي غلبت على (الأصل)! ومدى الخلط الذي حصل في مصادر الدين والتشريع في تاريخ اليهودية والمسيحية ... حيث جمعت هذه المصادر على صعيد واحد بين الوحي المنزل، وخطب الأنبياء وأحاديثهم وأمثالهم ومواعظهم، وسيرتهم وحياتهم، وأعمال الرسل، وحياة الحواريين أو الأصحاب، وحياة الملوك، وتاريخ بني إسرائيل!

стр. 44

يطلق اسم أو مصطلح (أهل الكتاب) في القرآن الكريم على اليهود والنصارى. وغني عن البيان أن سيدنا عيسى بن مريم- ﵇ بعث في بني إسرائيل خاصة، وهو لذلك أحد أنبيائهم؛ قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصف، الآية ٦]. وقال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [سورة آل عمران، الآيتان ٤٨ - ٤٩]. وجاء في الإنجيل: «لم أرسل إلّا إلى خراف بني إسرائيل الضالّة» (١). وهكذا، فإن الشريعة اليهودية، أو الحقبة الإسرائيلية السابقة على عيسى .. نجدها ممتدة في النصرانية ومستمرة معها (٢). ومن هنا يبدو المصطلح القرآني: «أهل الكتاب» واضحا ومعجزا في جمع اليهود والنصارى في كتاب واحد، أو على كتاب واحد، علما بأن مصطلح «الكتاب» أو كلمة: كتاب، وحدها ... تطلق في القرآن على جميع كتب الله تعالى المنزلة؛ إشارة كذلك إلى تصديق هذه الكتب بعضها بعضا، وأنه لا تناقض بينها ولا اختلاف! ولهذا جاء القرآن الكريم مصدّقا لما بين يديه من «الكتاب» ومهيمنا عليه ... وقد انفرد بحق الهيمنة على سائر الكتب السابقة، أو انفرد بحق الحكم والتصويب، بوصفه الكتاب الأخير الذي تكفّل الله تعالى بحفظه من التحريف إلى يوم الدين.

стр. 45

قال الله تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [الآية ٤٨]. إن (الكتاب المقدس - THE BIBLE الواحد- لدى النصارى يشمل توراة موسى وإنجيل عيسى- ﵉. أو يشمل: (أ) التوراة وسائر الأسفار المقدسة التي ألحقت بها وأضيفت إليها في الحقبة اليهودية أو الموسوية ... أو قبل مجيء المسيح عيسى بن مريم- ﵇. وسميت جميعها بالعهد القديم. (ب) الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل في العهد المسيحي. وسميت بالعهد الجديد. وواضح من هذه التسمية: العهد القديم والعهد الجديد، أنها من عمل العصور المسيحية؛ تفريقا بين العهد- أو الميثاق- الذي جاء به موسى- ﵇، أو انحدر إليهم من عهده. والعهد أو الميثاق الجديد من عهد عيسى (١). ولا يتسع المجال هنا لتفصيل القول في أسفار العهد القديم، وفي الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، والمشكلات التي تثيرها هذه الأسفار والأناجيل، أو التي يثيرها النظر في تاريخ (الكتاب المقدس) على وجه العموم، وتاريخ تكوّن أو تشكّل العقيدة المسيحية- عقيدة التثليث- على وجه الخصوص: لأن هذا كله موضعه الكتب المتخصصة في تاريخ الأديان. وكل ما قصدنا إليه في هذا السياق: بيان أن الخلط والتحريف قد لحق

стр. 46

بالوحي أو التنزيل عند اليهود والنصارى، وأن الحيف الشديد قد لحق بالتوراة والإنجيل حتى كاد أن يعصف بهما، بل عصف بهما على الحقيقة! كل ذلك من أجل الوقوف على جانب أو طرف من المزيّة الإسلامية في حفظ القرآن الكريم من التحريف والتبديل، إلى جانب عدم الخلط بينه وسائر النصوص النبوية والمصادر الأخرى في تاريخ الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي. ونكتفي لبيان ذلك بالملاحظات التالية على كل من العهد القديم والعهد الجديد: العهد القديم: تعريف وملاحظات: ١ - يتألف العهد القديم من تسعة وثلاثين سفرا، موزعة على الأسفار التالية: (أ) الأسفار الناموسية أو الموسوية، وعددها خمسة أسفار وهي: سفر التكوين وسفر الخروج وسفر التثنية وسفر اللاويين (الأحبار) وسفر العدد «وتشتمل هذه الأسفار الخمسة على التوراة في نظر اليهود» ولهذا أطلق عليها لفظ «الناموسية» أي الموحى بها بطريق الناموس الذي نزل على موسى- ﵇. (ب) الأسفار التاريخية، وهي اثنا عشر سفرا تعرض لتاريخ بني إسرائيل بعد استيلائهم على بلاد الكنعانيين، وبعد استقرارهم في فلسطين، وتفصل تاريخ قضاتهم وملوكهم وأيامهم والحوادث البارزة في شئونهم. (ج) الأسفار الشعرية أو أسفار الأناشيد، وعددها خمسة أسفار ... وهي سفر أيوب، ومزامير داود، وأمثال سليمان، والجامعة من كلام سليمان، ونشيد الإنشاد. وواضح من تسمية هذه الأسفار، ومن مضامينها، أنها كتبت بلغة شعرية، وأنها أناشيد ومواعظ. مع الإشارة إلى ما تضمّنه نشيد الإنشاد من انحلال خلقي يضارع شعر المجون!!

стр. 47

(د) أسفار الأنبياء، وعددها سبعة عشر سفرا، وهي أسفار أشعياء، وأرمياء، ومراثي أرمياء، وحزقيال، ودانيال ... إلخ. ٢ - أهم هذه الأسفار: الأسفار الناموسية الخمسة الأولى، لأنها هي التي ينسبها اليهود إلى موسى، ويعتقدون أنها بوحي من الله وأنها تتضمن التوراة- أما بعد سائر الأسفار عن أن تكون وحيا فأوضح من أن يشار إليه- يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي في أسفار التوراة هذه: «لقد ظهر للمحدثين من الباحثين من ملاحظة اللغات والأساليب التي كتبت بها هذه الأسفار، وما تشتمل عليه من موضوعات وأحكام وتشاريع، والبيئات الاجتماعية والسياسية التي تنعكس فيها، ظهر لهم من ملاحظة هذا كله أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى بأمد غير قصير- وعصر موسى يقع على الأرجح حوالي القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد- وأن معظم سفري التكوين والخروج قد ألف حوالي القرن التاسع قبل العدد واللاويين قد ألّفا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد ... وأن جميعها مكتوبة بأقلام اليهود، وتتمثل فيها عقائد وشرائع مختلفة تعكس الأفكار والنظم المتعددة التي كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل ... فهي إذن تختلف كل الاختلاف عن التوراة التي يذكر القرآن الكريم أنها كتاب سماوي مقدس أنزله الله تعالى على موسى (١)، وإلى هذا يشير القرآن الكريم، يقول الله تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) [سورة البقرة، الآية ٧٩]. ٣ - صورت التوراة المزعومة هذه- وخاصة في سفري التكوين والخروج- الذات الإلهية بصورة مجسّمة، وشبّهت الله سبحانه بخلقه- حتى قال علماؤنا: إن التشبيه من دين اليهود- بل لقد وصف الله تعالى- في هذه

стр. 48

التوراة! - بالضعف، والكذب، والغفلة، والندم، والتعب (١)!! وأنه يجري عليه البداء (٢)، وسائر ما يجري على الناس بوجه عام، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وورد ما هو أسوأ من ذلك في سفر التكوين بحق أنبياء الله ورسله! فوصف نوح- ﵇ بأنه شريب خمر، وقالوا في إبراهيم- ﵇ إنه تاجر بعرض زوجته من أجل متاع دنيوي، وجاء في سفر التكوين أيضا أن لوطا شرب الخمر، وزنى بابنتيه، فأنجبتا منه مؤاب وعمون ... في قصة مختلقة تقشعر منها الأبدان (٣)! ... إلخ. إن هذا وأمثاله يبرز مدى التحريف الرهيب الذي عصف بالعهد القديم وبالكتاب المقدس ... كما قلنا، فأخرجه عن الوحي والقداسة، والصدق والحق ... بل أخرجه كذلك عن العقل والذوق والأدب!.

стр. 49

العهد الجديد: تعريف وملاحظات: تتألف أسفار العهد الجديد من ثلاث مجموعات، وسفرين. أما المجموعات فهي: مجموعة الأناجيل، وعددها أربعة، ومجموعة رسائل بولس، وعددها أربعة عشرة رسالة. ومجموعة الرسائل الكاثوليكية، وعددها سبع رسائل. وأما السفران فهما: سفر «أعمال الرسل» للوقا، وسفر «رؤيا يوحنا» أو «الأبوكاليبس» ليوحنا. وأبرز هذه المجموعات: الأناجيل الأربعة، لا لأنها تستأثر بنحو ما يقرب من نصف صفحات العهد الجديد .. بل لأنها هي التي يظن بأن لها علاقة بالوحي، أو ب (الإنجيل) الذي نزل على سيدنا عيسى بن مريم، والذي تحدث عنه القرآن الكريم. بالإضافة إلى أنّ هذه الأناجيل تحتل في النصرانية مكان القطب والعماد، يقول العلّامة الشيخ محمد أبو زهرة- ﵀: «وإذا كانت شخصية المسيح وما أحاطوها به من أفكار هي شعار المسيحية؛ فإن هذه الأناجيل هي المشتملة على أخبار تلك الشخصية، من وقت الحمل إلى وقت صلبه في اعتقادهم، وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال، ثم رفعه بعد أربعين ليلة، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح في زعمهم، والصلب والفداء، أي أنها تشتمل على لبّ المسيحية في نظرهم بعد المسيح ومعناها» (١): (أ) إنجيل متّى، أما إنجيل متّى فمؤلفه هو الرسول متى، أحد الحواريين الاثنى عشر- والكنيسة تسمي هؤلاء الحواريين أو التلاميذ رسلا- وإنجيله هو أقدم الأناجيل، إذ يرجع تأليفه إلى سنة ٦٠ م على الأرجح. وقد كتب بالعبرية، ولكنه لم يعرف إلا باليونانية، ولا يعلم من الذي قام بترجمته إلى هذه اللغة. (ب) أما إنجيل مرقص، فمؤلفه هو القديس مرقص- وهذا لقبه، واسمه يوحنا-

стр. 50

أحد التلاميذ السبعين. وقد ألفه باليونانية حوالي سنة ٦٣ أو ٦٥ على أرجح الأقوال. ويروي ابن البطريق، أحد المؤرخين المسيحيين الشرقيين، أن الذي كتب هذا الإنجيل هو بطرس نفسه، رئيس الحواريين، ونسبه إلى تلميذه مرقص! (ج) وإنجيل لوقا، مؤلفه القديس لوقا. وقد ألّفه على أرجح الأقوال في العصر نفسه الذي ألّف فيه مرقص إنجيله، أي حوالي سنة ٦٣ أو ٦٥، وألفه باللغة اليونانية. «وقد اختلف الباحثون في شخصية كاتبه، وفي صناعته، وفي القوم الذين كتب لهم، وفي تاريخ تأليفه. ولم يتفقوا إلا على أنه ليس من تلاميذ المسيح، ولا تلاميذ تلاميذه، وإلا على أنه كتب باليونانية» (١). (د) أما إنجيل يوحنا، فينسب إلى الرسول يوحنا بن زبدي- أحد الحواريين الاثنى عشر- وألّفه على الأرجح باللغة اليونانية، وكان تأليفه له حوالي سنة ٩٠ بعد الميلاد على أرجح الأقوال «فهو لذلك أحدث الأناجيل جميعا إذ تفصله عنها مرحلة زمنية كبيرة تبلغ زهاء ثلاثين عاما»، ويعد هذا الإنجيل في الوقت نفسه أخطر هذه الأناجيل لأن بعض فقراته تضمّنت ذكرا صريحا لألوهية المسيح! وقد كان هذا الاعتقاد هو الباعث على «تأليف» هذا الإنجيل، لأن بعض الناس- كما تقول الكنيسة- قد سادت عندهم فكرة أن المسيح ليس بإله! وأن كثيرين من فرق الشرق كانت تقرر تلك الحقيقة، فطلب إلى يوحنا أن يكتب إنجيلا يتضمن بيان هذه الألوهية، فكتب هذا الإنجيل! (٢).

стр. 51

وقد ارتاب في صحة نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري بعض الفرق المسيحية القديمة في أواخر القرن الثاني الميلادي، وكثير من الباحثين في المسيحية من قدامى ومحدثين. ومن هؤلاء: العلماء الذين أشرفوا على تحرير المسائل المسيحية في دائرة المعارف البريطانية، فقد قالوا: «إنه لا مرية في أن مؤلف إنجيل يوحنا شخص آخر غير يوحنا بن زبدي الحواري المشهور» ومن هؤلاء العلماء المحدثين كذلك: مؤلفو دائرة المعارف الفرنسية المشهورة باسم: «لاروس القرن العشرين» فقد ذكروا أنه «ينسب ليوحنا هذا: الإنجيل، وأربعة أسفار أخرى من العهد الجديد- ثلاث من الرسائل الكاثوليكية ورؤيا يوحنا- ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تسلّم بصحة هذه النسبة» (١). ثالثا- النتائج والملاحظات: ١ - يدل هذا العرض الموجز على أن هذه الأناجيل لم تنزل على المسيح عيسى بن مريم- ﵇ ولم توح إليه .. وغني عن البيان أنه- ﵇ أوحي إليه بإنجيل واحد .. علما بأن مؤرخي النصرانية مجمعون على أن الأناجيل- في تاريخ المسيحية- كثرت كثرة عظيمة! وحين أرادت الكنيسة في أوائل القرن الرابع الميلادي أن تحافظ على الأناجيل الصحيحة أو الصادقة- في نظرها- اختارت هذه الأناجيل الأربعة من بين عشرات الأناجيل! ٢ - وليست هذه الأناجيل كذلك من «إملاء» المسيح، حتى تكون عند أصحابها بمنزلة السنّة عندنا نحن المسلمين- على سبيل المثال- بل هي أقرب ما تكون إلى سيرة المسيح وتاريخ حياته، كتبها بعض حواريّيه وسواهم على النحو الذي تذكّروه- بعد ثلاثين عاما من رفعه- ﵊ أو على النحو الذي سمعوه .. مع ما أشرنا إليه في حديثنا السابق عن هذه الأناجيل من أنواع

стр. 52

الجهالة التي اكتنفتها، من حيث المؤلف، والزمن، واللغة، والمترجم، وتاريخ الترجمة ... وأخيرا: الشك في صحة النسبة من الأصل، كما رأينا في إنجيل يوحنا الأخير. وهذا هو السبب في أن القصص شغلت أكبر حيز من كل إنجيل من هذه الأناجيل ... وبخاصة قصة مريم وحملها بالمسيح، وولادته، وما أحاط بها من عجائب وغرائب، وما كان يحدث من أمور خارقة للعادة، وكيف دعا إلى دينه، واجتبى إليه الحواريين ... إلى جانب الحديث عن «صلبه»! - على زعمهم- وقيامه ... إلخ. والعجيب- بهذه المناسبة- أن توصف مريم- ﵍ في بعض فقرات إنجيل متّى بأنها كانت مخطوبة ليوسف النجار قبل أن تحمل بالمسيح- ﵇، وفي فقرات أخرى من الإنجيل نفسه بأنها كانت زوجة له!! (١). ٣ - على الرغم من اتفاق هذه الأناجيل الأربعة في جوهر القصص والعقيدة والتشريع والأخلاق والزواج- مع الاختلاف المشار إليه في إنجيل يوحنا- «فإنها تختلف فيما بينها في كثير من التفاصيل، ويبدو خلافها هذا حتى في القصص نفسه» وقد كتب الإمام ابن حزم- ﵀ في بيان وجوه الخلاف بين هذه الأناجيل، وما تشتمل عليه من «أكاذيب ومتناقضات ودلائل دامغة على التحريف» وفعل ذلك أيضا بعض العلماء والباحثين المعاصرين من مسلمين وأوروبيين (٢).

стр. 53

رابعا- أسماء أخرى للقرآن، ولون آخر من ألوان الحفظ: نعود بعد هذا الحديث، أو هذه الإلمامة السريعة عن الكتب السماوية السابقة، والتي كان لا بد منها لبيان حقيقة المزية الإسلامية، أو للوقوف على طرف من هذه المزية التي تفرد بها القرآن الكريم في تاريخ النبوات والكتب السماوية. نعود لتأكيد هذه المزية- مزية الحفظ والخلود- التي ذهب بها القرآن في هذا التاريخ، نفاذا للتكفل الإلهي ووعد الله سبحانه الذي لا يتخلّف ... وذلك من خلال الإشارة إلى بعض أسماء القرآن الكريم التي سمّى الله تعالى بها كتابه. ودلالة هذه الأسماء على أعلى درجات الحفظ والتوثيق التي هيأها الله لكتابه الكريم، والتي سنقف على دلالتها وتطبيقاتها في المبحث الخاص- القادم- بجمع القرآن وتدوينه. سمّى الله تعالى القرآن الكريم بأسماء أخرى كثيرة من أشهرها: الذّكر، والتنزيل، والكتاب، والفرقان. وقد ورد اسم «الكتاب» في عدد من الآيات القرآنية الكريمة، قال الله تعالى في أول سورة البقرة: الم (١). ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ. وقال تعالى في أول سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) وقال تعالى: طسم (١). تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ- سورة الشعراء-. و «الفرقان» مصدر أطلق على القرآن فصار علما عليه، كما يقول بعض العلماء؛ قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [الآية الأولى من سورة الفرقان]. والراجح أن هذا المصدر استعمل بمعنى اسم الفاعل، أي أنه كلام فارق بين الحق والباطل. وقد قيل في تعليل تسمية القرآن «قرآنا» و «كتابا» أن التسمية الأولى روعي فيها كونه متلوا بالألسن، كما روعي في التسمية الثانية- الكتاب- كونه مدونا

стр. 54

بالأقلام، فكلا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. قال الأستاذ العلّامة الدكتور محمد عبد الله دراز- ﵀: «وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، وأعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا ... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر». قال الدكتور دراز: «وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيّها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفّل بحفظه حيث يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [سورة الحجر، الآية ٩]. ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس. فقال تعالى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [سورة المائدة، الآية ٤٤] أي بما طلب إليهم حفظه. والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادا مسدّها ولم يكن شيء منها ليسد مسدّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسّر له أسبابه، وهو الحكيم العليم» (١). ونشير أخيرا إلى ما ذكره بعض العلماء من معاني «الذّكر» الذي سمى الله تعالى به كتابه الكريم في آيات كثيرة.

стр. 55

قال ابن عطية- ﵀: «وأما الذّكر فسمّي به- القرآن- لأنه ذكّر به الناس آخرتهم وإلههم وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم. وقيل: سمّي بذلك لأن فيه ذكر الأمم الماضية والأنبياء. وقيل سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمد وقومه وسائر العلماء به» (١).

стр. 56

الفصل الثاني الوحي أو مصدر القرآن الكريم قلنا في الفقرة السابقة في تعريف القرآن، إنه كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ ... وهذا يقتضينا أن نعرض بعد ذلك، لزاما واختصارا، لإثبات أنه من كلام الله تعالى ... غير أن الأدلة هنا واسعة ومتشعبة ومترامية الأطراف ... بل إن أطرافها لا تحصى فقط بمناهج الدارسين والباحثين، على اختلاف أساليبهم ووسائلهم وتنوع ثقافتهم ومعارفهم، ... في القديم والحديث، حتى ينضاف إليها رحابة الموضوعات القرآنية ذاتها وسعة آفاقها ... وفهمها المتجدد الذي لا يبلى، والذي يحمل في كل يوم دليلا آخر على مصدر القرآن الكريم، وأنه تنزيل من رب العالمين. ولهذا، فقد رأيت أن أعرض لهذا الموضوع من زاويتين اثنتين: الأولى ظاهرة الوحي، وهي الظاهرة التي جرت العادة بعدم إغفالها في كتب علوم القرآن، أو في أي مدخل للتفسير وعلومه. والثانية: حياة النبيّ ﷺ كدليل على ذلك المصدر، وأن الدور الأساسي للنبيّ ﷺ في هذا القرآن هو «الحكاية والتبليغ». ونذكّر هنا- على أية حال- بأن هاتين النقطتين أو الزاويتين ليستا أكثر من مدخل إلى هذا البحث وإشراف على ساحته. وأن كثيرا من موضوعاتنا القادمة، وبخاصة موضوع الإعجاز، والخصائص الأدبية والأسلوبية وطريقة القرآن في

стр. 57

خطاب الإنسان، ستحمل لنا المزيد من الأدلة، وتصب في نهاية المطاف في هذا البحر المحيط. أولا- ظاهرة الوحي: (أ) مقدمة عن عالم الغيب: تمثل ظاهرة الوحي مبدأ اتصال عالم الغيب بعالم الشهادة- بحسب المصطلح القرآني عن الطبيعة وماوراء الطبيعة- كما يمثل الوحي، مصدر المعرفة الإنسانية عن عالم الغيب، في حين يشكل العقل- والحواس- مصدر هذه المعرفة عن عالم الشهادة. والأمر الجوهري الذي لا غنى لنا عن الإشارة إليه هنا بين يدي الكلام على ظاهرة الوحي أن الإيمان بعالم الغيب ليس خارجا عن نطاق القدرة العقلية، فضلا عن أن يكون فيه مناقضة لهذا العقل أو خروج عن قوانينه الفطرية. إن في وسع العقل- بوصفه صاحب الدور الأول في إدراك عالم الشهادة (١) - أن يستدل بعالم الشهادة على عالم الغيب، أو على رأس الإيمان بعالم الغيب، وهو الإيمان بالله تعالى، ولا يكون العقل بذلك قد سلم بسر باطل أو عقيدة مستحيلة. نذكر هنا من القوانين التي تحكم عالم الشهادة، والتي جعلها الفيلسوف الشهير «كانت» من جملة قوى العقل وقوانينه الفطرية، قانون السببية أو العليّة الذي يملي فيه العقل البحث عن المؤثر عند حدوث الأثر، وعن الصانع عند رؤية المصنوع. إن هذا القانون، كما يتناول الظواهر الجزئية في الكون فيطلب لكل معلول علة، ولكل مسبّب سببا، يتناول من باب أولى مجموع الكون ككل، فيتطلب بالبداهة نفسها علة وسببا لوجوده. وممارسة هذا القانون- قانون العلية- وتطبيقه على الكون ككل، وطلب علة له بجملته واقع في دائرة القدرة العقلية بدون

стр. 58

شك، لأن عالم الحس كما يشمل المحسوسات الجزئية فإنه يشمل المحسوس العام الأعظم وهو العالم .. بل إن العقل «مضطر» إلى هذا الطلب ... صعدا من طلبه علة لكل شيء جزئي محسوس (١). يضاف إلى ذلك أن العقل الإنساني نفسه لا يقنع بكل ما جمعته البشرية من علوم وفنون ومتع بدنية وعقلية فيستغني بها عن طلب تفسير لهذا الكون، أو عن دوره هو فيه ومصيره من بعده؟! وسوف يبقى أمام هذا العقل في طرفي الوجود، وهما المبدأ والمصير، أو المصدر والغاية، شيء لا تفسره المعارف العلمية بوجه من الوجوه. نعود من هذا إلى القول إن التسليم بعالم الغيب ليس خارجا عن نطاق العقل، بل إن العقل نفسه يدل على ساحة هذا العالم، كل ما في الأمر أنه يعجز عن اقتحامها أو معرفة كنهها بوسائل عالم الشهادة- العقل والحواس-. وهنا يأتي دور الوحي الذي يعرّف الإنسان بحقيقة هذا العالم، ويقفه على طبيعة الصفات الإلهية، ويرسم له طريق الحياة الأمثل ... إلى غير ذلك من موضوعات الوحي. فاعجب بعد ذلك لمن يقدم على إنكار عالم الغيب أو ماوراء الطبيعة بحجة عدم دخوله تحت سلطان الحسّ والمشاهدة!! وإذا تركنا الحديث عن الوعي بوجود الله تعالى- أساس الإيمان بعالم الغيب- وأن هذا الوعي يخالط كل نفس إنسانية،

стр. 59

فإن عدم تمكن العقل من الوقوف على كنه عالم الغيب، أو حقيقة الذات الإلهية، لا يضعف من شأنه أو دوره في عالم الشهادة، ولكنه يضعه في موضعه قادرا على تيسير الحياة لا تصوير الوجود، كما يقول برجسون، ويطامن من كبريائه حين يعلم أن هذه الوسيلة- العقل نفسه- لم تدرك حقيقة ذاتها بعد. والله تعالى أعلم. (ب) معنى الوحي وصوره: أصل الوحي لغة: الإشارة السريعة، وقيل: إنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوحى إليه بحيث يخفى على غيره. وقد روعي في إعلام الله تعالى لأنبيائه- بأي صورة من الصور- المعنيان الأصليان لهذه المادة اللغوية (وحي) وهما: الخفاء والسرعة! ولهذا قيل في تعريف الوحي شرعا: «عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله تعالى، بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يسمعه أو بدون صوت» (١). وقد حددت الآية القرآنية التالية ثلاث صور للوحي، أو لهذا الإعلام الإلهي، قال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [سورة الشورى، الآية ٥١]. وهذه الصور هي: ١ - إلقاء المعنى في قلب النبيّ، أو إلقاء الله تعالى ما يريد إعلامه أو وحيه مباشرة في قلب النبيّ الكريم، من غير واسطة الكلام أو توسط ملك الوحي. وهذه الصورة كما هو واضح هي أكثر صور الوحي- أو الإعلام- خفاء وسرعة! ولهذا أطلقت الآية اسم «الوحي» عليها، على الرغم من أن الصورتين التاليتين فيهما إعلام خفي وسريع، إلا أن الأولى منها يدخل فيها الكلام المسموع، وتتم الأخرى عن طريق ملك الوحي جبريل- ﵇.

стр. 60

٢ - الكلام من وراء حجاب، أي أن يكلّمه الله تعالى بكلام يسمعه ولا يرى المتكلم سبحانه، والحجاب هنا راجع لمكان الكلام كما هو واضح. وقد كلّم الله تعالى موسى- ﵇ من وراء الشجرة- الحجاب- كما قال تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) [سورة القصص، الآية ٣٠]. وقال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) [سورة النساء، الآية ١٦٤]. ٣ - تكليم النبيّ بواسطة ملك الوحي، وهو جبريل- ﵇. غير أن جبريل كان ينزل على النبيّ ﷺ بأسلوبين أو على شكلين: الأول: أن يأتيه ملك الوحي في مثل صلصلة الجرس. والثاني: أن يتمثل له الملك رجلا فيكلّمه فيعي عنه ما يقول، أخرج البخاري عن عائشة- ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا!». وقد تمّ الوحي بالقرآن الكريم، بلفظه ومعناه جميعا، على الأسلوب الأول، أو الكيفية الأولى .. والتي هي أكثر صور الوحي شيوعا، قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) [سورة الشعراء، الآيات ١٩٣ - ١٩٤]. وقال تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية ٩٧]. وفي هذه الكيفية أو الصورة كان يهبط جبريل بصورته النورانية أو الملائكية (أي الغيبية) فلا يرى. وكان النبيّ الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- يجد فيها

стр. 61

جهدا ومشقة بالغة! وما كان خبر السماء يهبط به أمين الوحي جبريل فيصل عالم الغيب بعالم الشهادة إلا أمرا بالغ الخطر عظيم الشأن ... هيأ الله تعالى له نبيّه وأعدّه لاستقباله؛ مصداقا لقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [سورة الأنعام، الآية ١٢٤]! وإن كان في وسعنا أن نقول: إن الجانب الروحي أو الغيبي كان هو مناط هذا الاتصال في شخص النبيّ ﷺ ؛ سواء أقلنا إن النبيّ مهيأ لمثل هذا الاتصال على الدوام وبدون ارتفاع أو ارتقاء روحي خاص في حالة نزول الوحي .. أم قلنا بمثل هذا الارتقاء أو الدخول في صورة ملائكية أو غيبية .. في حالة نزول الوحي حتى يتمكن النبيّ الكريم من التلقي عن عالم الغيب ومن أمين السماء! كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء والباحثين .. ونحن نرى أننا لسنا بحاجة إلى كل هذه الفروض في الوقت الذي حددت فيه الآيات السابقة محل النزول أو مناطه، وهو قلب النبيّ الكريم: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) [سورة الشعراء، الآيات ١٩٣ - ١٩٤]. وقال تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية ٩٧]. وفي الوقت الذي صوّر فيه النبيّ نفسه- ﵊ صوت الوحي في هذه الحالة بأنه مثل صلصلة الجرس ... إيذانا ببدء الوحي، أو إشارة إلى أنه- ﵊ كان يسمع أصواتا سريعة ومتوالية من عالم الغيب، فيستغرق في انقطاع روحي، أو روحانية غيبية يجد معها من شدة الوحي ووطأته ما يجعل راحلته تبرك به إلى الأرض وقد كان راكبها! وقد جاءه الوحي مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت أن ترضّها! وصدق الله العظيم حين خاطب نبيّه في سورة المزمّل- وهي من أوائل ما نزل عليه من القرآن-: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) وربما سمع الحاضرون صوتا عند وجه

стр. 62

الرسول ﷺ كأنه دويّ النحل، ولكنهم لا يميزون كلاما ولا يفهمون حديثا ... أما النبيّ الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- فلا يلبث أن تسري عنه تلك الشدة، وينجلي عنه الوحي حتى يجد ما أوحي إليه حاضرا في ذاكرته يتلوه على الناس قرآنا وذكرا للعالمين .. «فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال»! .. وصدق رسول الله ﷺ . ثانيا- مع المتخرصين في تفسير ظاهرة الوحي: ونقف هنا، بكلمة عابرة، أمام تخرصات من زعم أن الوحي على هذه الصورة ضرب من الحالات المرضية التي كانت تعرض لمحمد ﷺ أو أنها في أحسن أحوالها ضرب من الكشف الذاتي أو الإلهام الخاص، قالوا: إن محمدا لم يزل يفكر حتى تكونت في نفسه، بطريقة الكشف التدريجي المستمر، عقيدة رآها كفيلة بالقضاء على الوثنية! فأذاعها بين الناس ... وندع الرد على هذا الاحتمال الثاني إلى الفقرة التالية، من خلال بيان مضامين القرآن، وأن العقيدة والمعارف التي جاء بها النبيّ ﷺ لا تتأتى بالطريقة المبهمة التي أشاروا إليها، مكتفين هنا بالرد السريع على الزعم الأول، الذي ذكره مع الأسف غير واحد من المستشرقين، والذي استعاروه هذه المرة من فروض علماء النفس أو عيادة الأمراض النفسية، في تاريخ تهجمهم الطويل على مقام النبيّ الكريم- عليه صلوات الله وسلامه-، وإنكارهم المستمر لنبوته؛ فنقول: ألا ما أعجب أن يصدر عن «حالة مرضيّة» أو غير سويّة،- من أي داء مزعوم كانت! - مثل هذا الكلام المعجز، وأن ينفصل هذا الكلام من جنس كلام النبيّ- وهو الحديث النبوي- بوجوه كثيرة تفضله صار بها معجزا على مدى الدهور والعصور! وحتى استحال على جميع الإنس والجنّ- ولذكر الجنّ هنا

стр. 63

دلالة هامة لأنهم من عالم الغيب- أن يأتوا بسورة من مثله، ولا يصعب على بعض الناس أن يحاكي أسلوب النبيّ نفسه، في أحاديثه التي كان يقولها في غير تلك الحالات- المرضية! - فيضع على لسانه حديثا أو أحاديث ربما ظننا أنها من كلامه ﷺ لولا قواعد المحدّثين في قبول الروايات التي أبانت عن هذه النسبة الكاذبة .. ويبقى القرآن الكريم الذي جاء من طريق الوحي لا يقبل أي كلمة غريبة أو جملة مقحمة، فضلا عن انعدام القدرة على محاكاته في أي سورة من سوره كما هو معلوم. وهكذا وجد عندنا سيل أو ركام من الأحاديث الموضوعة، نفاها المحدّثون بتلك القواعد التي أصّلوها، والعلم الذي استحدثوه- علم مصطلح الحديث- ولكن أحدا لم يحتج، ولن يحتاج أبدا، إلى استخدام تلك القواعد لكي ينفي عن القرآن ما زعم بعض الأعاجم أنه منه .. من نص مفقود أو سورة مجهولة بل إن الإعلان عن مثل هذه السورة، أو الجهر بها .. سوف يفضح- لدى أي قارئ للقرآن أيا كانت درجة ثقافته- مدى مفارقتها للقرآن وبعدها عنه! وفي جميع الأحوال: لن تكون مثل هذه السورة المزعومة أكثر من كلمات وجمل وعبارات (مسروقة) من النص القرآني نفسه، ولكنها تفتقر في صياغتها إلى أناقة الأسلوب القرآني، ونظمه وإعجازه .. وسوف تختلّ بأفواه قارئي القرآن، وتعتلّ بآذان سامعيه! ولهذا لن يتم الإعلان عنها، أو المجاهرة بها، فضلا عن التحدي .. في يوم من الأيام! ولهذا لم يكن من باب الطرائف- عندنا- أن نستدل بالأحاديث الموضوعة على الوحي وإعجاز القرآن ... وربّ ضارة نافعة. وعلينا أن نذكر هنا، أو بهذه المناسبة، أن الواجب العلمي بات يقتضينا الترفع عن الوقوف أمام هذه الفروض والخزعبلات التي انطلقت عند المستشرقين وضربائهم من عقد تاريخية مستحكمة، ومحاولات دائبة لصرف الناس عن الإسلام، أو لإقامة حواجز تحول دون تأثر أقوامهم به. على أن في وسعنا أن نؤكد النقطة التي ذكرناها أو اكتفينا بها قبل قليل- لأن

стр. 64

في الفقرة التالية مزيدا من البيان- من خلال الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان حول بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، عن عائشة- ﵂ قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال أقرأ! فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ! فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣). فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة: وأخبرها الخبر، «لقد خشيت على نفسي»! فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ... الحديث». إن في هذا الحديث دليلا على صدق النبيّ ﷺ مع نفسه وعلى صدقه مع ربه، وأن أمر السماء فجأه وهو بغار حراء، فرجف فؤاده وانطلق يقول لخديجة: «لقد خشيت على نفسي»! فلم يكن ﷺ في حالة من حالات الإشراق الروحي! أو حديث النفس، أو فيض الخاطر! ولو كان ينتظر مثل ذلك لما خشيه حين وجده أو اتفق له أو وقع فيه!! وصدق الله العظيم الذي خاطبه في محكم التنزيل بقوله: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) [سورة القصص، الآية ٨٦].

стр. 65

ثالثا- صدق ظاهرة الوحي: نكتفي في تأكيد هذه الظاهرة، بالحديث عن جانبين اثنين تنطوي تحتهما جوانب فرعية كثيرة لا مجال هنا للإفاضة فيها، والخروج بها إلى دائرة دلائل النبوة، وهي دائرة واسعة كتب فيها الكثير في القديم والحديث: الجانب الأول- رحابة الموضوعات القرآنية: إن أدنى مقارنة بين شمول الموضوعات القرآنية وتنوعها، وبين حياة النبيّ ﷺ قبل البعثة لا تدع مجالا للشك في أن محمدا ﷺ لم يكن إلا واسطة لعلم غيبي مطلق! ولقد جاءت الآية القرآنية الكريمة تشير إلى هذا الشمول والتنوع بقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام، الآية ٣٨]. وجاءت الآية الأخرى تخاطب النبيّ ﷺ بقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [سورة العنكبوت، الآية ٤٨]. وتأمره الآية الثالثة أن يقول: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [سورة يونس، الآية ١٦]. إن جميع معارف عصر نزول القرآن- لا معارف النبيّ ﷺ ومعارف بيئته- ومعارف عصور لا حقة لا تمثل شيئا من شمول المعارف القرآنية وتنوعها وعمقها. بل تصحيحها وتقويمها لتلك المعارف الإنسانية حتى ما كان منها سابقا لعصر نزول القرآن! فإن لم يكن هذا وحيا فأيّ شيء يكون؟ يقول الأستاذ مالك بن نبيّ- ﵀: «إن العبقرية الإنسانية تحمل بالضرورة طابع الأرض حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان! بينما يتخطى القرآن دائما نطاق هذا القانون ليشير من خلال رحابة موضوعاته إلى أن الذات المحمدية لم تكن إلا واسطة لعلم غيبي مطلق»!

стр. 66

قلت: ألم يتخط القرآن هذا القانون في الحديث عن الماضي وعن الحاضر وعن المستقبل! ونزلت فيه هذه الآية في حراسة هذا الحديث وفي التحدي بصدقه وصحته إلى يوم الدين، قال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [سورة فصلت، الآية ٤١]. لأن معنى الآية أن القرآن مبرّأ من أن يلحقه خطأ وخلل وباطل؛ لا من جهة ما أشار إلى وقوعه قبل عصر نزول القرآن، ولا من جهة ما دلّ على وقوعه بعد ذلك العصر! (أ) قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) [سورة القصص، الآيات ٤٣ - ٤٦]. وقال تعالى في سورة آل عمران في بدء العرض القرآني لقصة مريم- ﵍: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) [الآية ٤٤]. إن الآيات القرآنية التي تحدثت عن ماضي الإنسانية البعيد، وجاء فيها إسهاب وتتبع لكثير من الدقائق والتفاصيل، وبخاصة في قصص كثير من الأنبياء كإبراهيم ويوسف وموسى- ﵈، تحمل دلالة واضحة على أن القرآن وحي يوحى! خصوصا إذا لاحظنا أن دراسات المؤرخين المعاصرين ووثائقهم وأحافيرهم لم تنته- ولا يمكن لها ذلك- إلى أي أمر يناقض القرآن ويخالفه بحال! (ب) وقل مثل ذلك في وقوع ما أخبر القرآن بوقوعه في المستقبل! قال

стр. 67

تعالى في مطلع سورة الروم: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ. وقال تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [سورة القمر، الآية ٤٥]. (ج) أما تخطي القرآن ذلك القانون في الحديث عن الحاضر- أو وقت النزول- فالآيات والمواقف فيه كثيرة أيضا، وبحسبنا هنا أن نسأل: من الذي يملك أن يقول في أبي لهب: سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) فيحكم عليه- في موقف مشهور من مواقف السيرة النبوية- أنه سيبقى على كفره ولن يدخل في الإسلام؟! وقد دخل فيه فيما بعد من كان في مثل عداوته لهذا الدين وحربه عليه! وقد كان في وسع أبي لهب، ولو بحيلة كاذبة أو نفاق مستور، أن يقول إنه آمن أو دخل في الإسلام، فيدل الناس بذلك- لو كان أمر القرآن للنبي ﷺ ، أو أن الوحي لم يكن ظاهرة صحيحة وصادقة- على تقوّل النبيّ على عالم الغيب وعلى خطئه- وحاشاه من ذلك كله! - حين حكم على أبي لهب بالبقاء على الكفر، وبورود النار يوم القيامة! أم إنه الله العليم الخبير الذي أنزل الفرقان، ويعلم ما في النفوس والعقول، والذي بيده مفاتيح الهداية والإيمان، هو الذي أخبر عن أبي لهب، وكان الأمر كما أخبر سبحانه ... طيلة عصر التنزيل. أو مدة حياة أبي لهب؟! وقل مثل ذلك في قوله تعالى في شأن الوليد بن المغيرة: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ... [سورة المدثر] وغير ذلك من هذه المواقف الكثيرة في كتاب الله العزيز. وغني عن البيان: أن نشير بعد ذلك إلى رحابة الموضوعات القرآنية، التي بلغت حد الدلالة اليقينية القاطعة أن القرآن وحي يوحى، في الأبواب التي أكدتها العلوم التجريبية والمعارف الإنسانية في هذا العصر، حتى دعاها بعضهم إعجازا، أو أدخلها في حد إعجاز القرآن ... فصار الحديث عن الإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي ... إلى جانب الإعجاز الغيبي، والإعجاز البياني ... وفي وسع أي دارس اليوم أن يعود إلى ما كتبه في ذلك كله المختصون في علم الأجنّة،

стр. 68

وعلوم الطب، وعلم الفلك، وعلم النبات، وعلوم الجغرافية، وعلوم البحار، وعلم الإنسان، وعلم الأخلاق ... في الكتب والمؤلفات، وفي الندوات والمؤتمرات، ليعلم معنى رحابة الموضوعات القرآنية، ومعنى معارف القرآن التي سبقت العصور ... وكيف أن محمد بن عبد الله- الصادق المصدوق- صلوات الله وسلامه عليه-، إنما كان واسطة لعلم غيبي مطلق! وأن الذّكر الذي قرأه على العالمين، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين. الجانب الثاني- أحوال النبيّ مع هذه الظاهرة: أما الجانب الثاني الذي نؤكد من خلاله على صدق ظاهرة الوحي- وأنه لم يكن ظاهرة مرضية أو من حديث النفس أو إشراق الذات!! - فهو أحوال النبيّ مع هذه الظاهرة: (أ) فكم مرة أبطأ عنه الوحي هو في انتظار له ليفتي في أمر أو يجيب في مسألة، حتى أرجف المشركون بهذا الإبطاء والانقطاع، وحتى قال قائلهم: لقد قلى محمدا ربه! فنزل قول الله ﵎: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) الآيات. (ب) وكم مرة نزل عليه الوحي، وهو بحسب أحوال الإنسان العادية- ودع عنك فروض علماء النفس أو الصحة النفسية! - على غير استعداد .. حتى عدّ العلماء من علوم القرآن، أو من أنواع القرآن- بحسب حالات نزوله على النبيّ ﷺ : «الحضري، والسفري، والنهاري، والليلي، والصيفي، والشتائي، والفراشي، والنومي ... » إلى آخر هذه الأنواع. أقول: ومتى كان يكتب- أو يملي من ذاكرته! - المريض والنائم ... أو العائد من قتال الأعداء وقد أثخنته الجراح أو بلغ به التعب كل مبلغ؟ ثم كيف يتأتى له أن يأتي في جميع هذه الأحوال بنسق واحد من الكلام هو النسق المعجز المعهود في سائر أحواله بدون استثناء!

стр. 69

وفي وسعنا أن نفهم هذه النقطة في ضوء سائر النقاط التي نوردها في هذا الجانب. أو بعبارة أخرى: علينا أن نلاحظ اجتماع هذه النقاط- وغيرها كثير- في الموقف الواحد، والحالة الواحدة. (ج) وكم مرة نزل عليه الوحي بغير ما يحبه ويميل إليه .. وربّما خطّأه تارة، وتلقاه بشيء من العتاب أو التحذير تارة أخرى! قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) [سورة التحريم، الآية ١]. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) [سورة التوبة، الآية ٤٣]. وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [سورة الأحزاب، الآية ٣٧]. ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [سورة الأنفال، الآيات ٦٧ - ٦٨]. وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) [سورة الزمر، الآية ٦٥]. وقال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [سورة الحاقة، الآيات ٤٤ - ٤٧]. وعزّ وجه النبيّ الكريم، وتنزّه مقامه عن أن يتقوّل على الله ... وهو الذي لم يكن يكذب على الناس، ولكنه الإعلام الإلهي القاطع في أن النبيّ ﷺ متلق عن الله لا متقول عليه! (د) يضاف إلى ذلك- كما هو واضح من هذه الآيات- أن القرآن الكريم يتحدث عن محمد ﷺ بصيغة المخاطب، أو الغائب، ويناديه بوصف النبوة

стр. 70

والرسالة، ويأمره من باب التعليم والإرشاد والتثبيت (١). قال تعالى:* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... [سورة المائدة، الآية ٦٧]. يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) [سورة المزمل، الآيات ١ - ٢] إلخ السورة. إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) [سورة المنافقون، الآية ١]. لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [سورة آل عمران، الآية ١٦٤]. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) [سورة الكهف، الآية ١]. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [سورة الفتح، الآيتان ٢٨ - ٢٩]. وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) [سورة الكهف، الآية ٢٨]. والآيات في هذا كثيرة جدا كما هو معلوم، بل إن طبيعة النص القرآني، أو طبيعة بناء هذا النص قائمة على هذا الوضوح المطلق بين مقام الألوهية ومقام

стр. 71

النبوة، وعلى أن كل مقام سوى مقام الخالق جلّ وعلا، داخل في باب العبودية لله، والخضوع لربوبيته ... وإن كان سيدنا محمد ﷺ وسائر الأنبياء الكرام يتقدمون هذا الركب بوصفهم العباد المصطفين الأخيار. كما يدل النص القرآني كله، وبوضوح كامل على أن محمدا ﷺ في مقام التلقي عن الله تعالى. (هـ) وأخيرا، فإننا قد نهتدي بقليل من التأمل إلى ملاحظة عدم انفعال القرآن بالأغراض التي ينفعل لها الأنبياء، فضلا عن سائر الناس، كما لا تعرض للذات الإلهية، التي يلمحها القارئ من خلاله، الحالات النفسية التي تعرض لهم! فلقد اغتمّ النبيّ- صلوات الله وسلامه عليه- على سبيل المثال- وأصابه الحزن والألم بسبب إعراض قومه عن الهداية وإصرارهم على تنكب طريق الوحدانية ... حتى خاطبه الله تعالى بقوله: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [سورة فاطر، الآية ٨]. وبقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) [سورة الكهف، الآية ٦]. ولكننا إذا عدنا إلى استعراض مزاعم المشركين والكفار في الله ، ورأينا عبادة بعضهم للأصنام، وآخرين للعجل، وغيرهم للكواكب أو للشمس والقمر! إلى جانب ما رموا به أنبياء الله ورسله، وقالوا في ملائكته .. وتأملنا في الوقت ذاته ردود القرآن على هذه المفتريات، وتفنيده لهذه المزاعم والترهات .. لرأينا في ذلك كله قوة إلهية تؤثر ولا تتأثر! وذاتا علوية «تصف لك الحقائق خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر» (١) .

стр. 72

ومن هنا، فإن في وسعنا أن نقول في خاتمة المطاف؛ تلخيصا لهذا الجانب كله (أحوال النبيّ ﷺ مع ظاهرة الوحي) وتعقيبا عليه: إن أية دراسة نفسية تحليلية لموضوع القرآن الكريم تدلّنا على مصدره، وعلى صدق ظاهرة الوحي. وأكتفي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الأدلة والشواهد التي يمكن أن ترد أو تلاحظ في هذا الباب: جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه الحافظ البزار أن رسول الله ﷺ «وقف على حمزة بن عبد المطلب- ﵁ حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع لقلبه منه، فنظر إليه وقد مثّل به فقال: «رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع- أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك لأمثّلنّ بسبعين كمثلتك، فنزل جبريل- ﵇ على محمد ﷺ بقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [سورة النحل: ١٢٦ - ١٢٨]؟ الرسول- ﵊ يقف على جثة عمه حمزة وقد مثّلت بها هند ... إنه لم يفقده أسدا هصورا يذود عن دين الله وعن نبيّ الإسلام فحسب .. بل فقده في هذا اليوم على هذه الهيئة التي تنمّ عن غدر قاتله وحقد من مثّلت به، فبقرت بطنه ولاكت كبده!! فضاق بالنبيّ صدره، وملكه الحزن والألم. فقال: «لأمثلنّ بسبعين كمثلتك» - ورأس حمزة لا تعدله سبعون من رءوس القوم، وهم الذين بدءوا العدوان أول مرة!! -. هذا قول النبيّ الذي يعبّر عن شعوره في ذلك الموقف الغائظ الموجع ...

стр. 73

إن هذا الشعور لم يفارقه ﷺ حين نزلت عليه الآيات السابقة ترده إلى درجة العدل، ثم تصعد به في مقام الإحسان درجات بعضها فوق بعض بما يتناسب مع مقام النبوة الرفيع: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨). من كان يظن أن هذا الكلام يصدر عن قائل الكلام الأول في هذا الموقف فليعد على نفسيته «المريضة» هو بالمداواة والتهذيب، أو على رأيه الجاهل هذا بالتغيير والتبديل، إن هذه الآيات الكريمة لا تعبر عن نقلة ومفارقة بعيدة في عالم الحسّ والشعور ... فقط، ولكنها تتضمن فوق ذلك براعة التلطّف بالنبيّ، والانتقال به من درجة إلى أخرى فوقها على أدق ما يكون العلم بأعماق النفس ودرجات الشعور: فضمان حق النبيّ في عقاب عدوه أول ما يحفظ له ويخاطب به في هذا الموقف الذي لم ينظر النبيّ إلى منظر أوجع لقلبه منه!! ثم ترشده الآيات بعد ذلك إلى أن صبره خير وأفضل، وجاء الإرشاد هنا بهذه العبارات والإشارات المأنوسة: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ... ولم تلتفت إليه في صيغة المخاطب إلا مرة واحدة صَبَرْتُمْ ثم ذكرت أن الصبر خير للصابرين (ولم تقل: فهو خير لكم) إشارة إلى وجود الصابرين وكثرتهم كذلك ... وإلى أن من حق النبيّ الكريم- أو واجبه كذلك- أن يكون منهم، بل أن يكون في مقدمتهم وعلى رأسهم ﷺ . ثم ترتفع الآيات درجة أخرى حين «تأمره» ﵊ بالصبر، بعد أن هيأته الإشارة السابقة ليكون منهم ورشّحته إلى ذلك، ولكنها

стр. 74

ترشده مرة أخرى- في ختامها- إلى أن ضمان ذلك الترشيح وهذا الأمر، إنما يكون بالله : وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ زيادة في الاحتياط لما ذهب، وتمهيدا للأمر التالي الذي سيأتي! وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ... إن هذه الدرجة تريد أن تستلّ من نفسه عوامل الحزن وأسباب الألم والضيق، بعد أن صرفته العبارات السابقة عن إرادة الانتقام حين أمرته بالصبر وأرشدته إلى أسبابه. أما الآية الأخيرة فقد جمعت بين الطرفين في وقت واحد: التقوى والإحسان .. أو العدل والإحسان، ومسحت من نفس النبيّ بقايا الأحزان حين وعدته بأن الله تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون!! هذه خواطر سريعة وموجزة إلى درجة الإخلال .. لكنها كافية لبيان المقام الذي كانت تتنزل منه مثل هذه الآيات: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) [سورة يوسف، الآية ١١١]. وقال تعالى في سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤). وصدق الله العظيم.

стр. 75

الفصل الثالث نزول القرآن والحكمة من تنجيمه أولا- الوحي والتنزيل: عبّر القرآن الكريم عن كونه وحيا إلهيا، إما بمادة (الوحي) ذاتها. أو بمادة (النزول) وما يتصل بها ويشتق منها. وغالبا ما يأتي التعبير بالوحي في سياق الحديث عن نزول القرآن على النبيّ ﷺ ، أو مخاطبته به، أو وصوله إليه. أو- باختصار- في سياق العلاقة بين النبيّ والقرآن على وجه العموم. وغالبا ما يأتي التعبير عن القرآن الكريم بالنزول في سياق الحديث عن القرآن بوصفه حقيقة موضوعية (أنزله) الذي يعلم السّر في السماوات والأرض. أو لبيان أطراف التنزيل: الموحي به سبحانه، وأمين الوحي النازل بالقرآن: جبريل ﵇، ومحمد ﷺ الذي (نزل) عليه القرآن. وقد جاء التعبير بهذه المادة- النزول- وما تصرّف منها تنويها بشرف القرآن، وعلوّ مكانته ومقامه؛ مصداقا لقوله تعالى في فاتحة سورة الزخرف: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) [الآيات ١ - ٤]. والذي نحب أن نؤكد عليه هنا هو أن الذي نزل به جبريل- ﵇-
следующие страницы →