← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38031

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

عدنان زرزور

Полный текст (277 стр.). Показаны 246–277 · переход к 251.

стр. 246

نشأت في عصر من العصور الإسلامية من خلال حركة المجتمع الإسلامي- الذي كان قائما في ذلك الحين- وتفاعل هذا المجتمع مع القرآن والحديث؛ مما نطلق عليه الآن مصطلح «التراث». فإذا كنا هنا، أو في هذا التراث- على سبيل المثال- أمام مصطلحي دار الحرب ودار الإسلام، فليس معنى حديث سيد- ﵀ عن المجتمع الجاهلي أن نسارع إلى تخريجه على دار الحرب، وسحب أحكام هذه الدار- التي ذكرها الفقهاء- على هذا المجتمع بحجة أنه ليس دار إسلام فهو إذن دار حرب! ليس هذا ما عناه سيد- ﵀، بل لعل هذا الفهم لكلامه من أسوأ ما يمكن تأويله به أو حمله عليه!. بل لعل هذا الخطأ في الفهم والتأويل- في هذا المثال ونحوه- جزء من خطأ أكبر في التعامل مع الظلال والأخذ عنه، وهو خطأ اعتماد مفهوم المخالفة لكلام المؤلف- رحمه الله تعالى-، والذي لو طرحه القراء والدارسون في فهم كلامه- ﵀ لانتهت أكثر المشاكل من أذهان أصحابها والله أعلم. على أن هذا المفهوم ذاته جزء من المشكلة الرئيسة التي ذكرناها قبل قليل، والتي تكمن في الفهم الجامد أو الراكد، والذي يتعامل مع الذهن والنظر على أرض النظريات الثابتة الملامح والسمات! في حين أن صاحب الظلال- عليه الرحمة والرضوان- كان يحاول تصوير حركة البناء في فهم حي متحرك، أو فيما أسماه- ﵀: فقه الحركة، على النحو الذي صورته ودلت عليه الآية القرآنية الكريمة:* وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) [سورة التوبة، الآية ٩]. فقد دلت الآية الكريمة على أن الخروج إلى الجهاد هو فقه في الدين،

стр. 247

ودلت كذلك على أن هذا الباب من أبواب الفقه لا يشترط في تحصيله المشاركة العملية فيه من قبل الجميع؛ إشارة إلى أن الأمر ليس كذلك في سائر أبواب الفقه في الدين: عقيدة وشريعة، والله أعلم: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً! ... وليس من شك- ولا ندخل هنا في الشرح والتفصيل كما قلنا- في أن الفرق كان بعيدا جدا بين طريقة تلقي الصحابة- رضوان الله عليهم- لمثل قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [سورة الأنفال، الآية ١٧] وتفسيرهم له، وتعاملهم معه- وهم يعلمون دورهم ودور النبيّ ﷺ في الإعداد والرمي- وبين طريقة المفسرين من أصحاب المذاهب الكلامية في تناول هذه الآية، أو تفسيرهم لقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [سورة الإنسان، الآية ٣٠]. أو لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [سورة الرعد، الآية ١١]. فنحن هنا- كما قلت- نواجه مشكلة الركود النظري الذي قد يكون مخلّا بالمدلول الدقيق لهذه النصوص، ونواجه تبعا لذلك مشكلة عدم وضع هذا المدلول في مكانه الحقيقي بين الآيات الأخرى التي تواردت على الموضوع ذاته، وعالجته من زواياه الأخرى المختلفة: العملية والنظرية، والتي رسمت صورته الواحدة في القرآن الكريم. وربما أمكننا القول باختصار: إن التلقّي للتنفيذ، أو الصعيد العملي التطبيقي، مراعى فيه البعد الزمني لنزول القرآن الكريم، هو السبب في عدم نشوء هاتين المشكلتين جميعا عند الصحابة والتابعين على وجه العموم. ولهذا، فإننا نقول الآن بتقديم أي تفسير لهذه الآيات القرآنية الكريمة، أو للقرآن الكريم على وجه العموم ينجح معه المفسّر في وضع هذه الآيات في موضعها الصحيح الذي ينفي وقوع الإشكال، ويغنينا- تبعا لذلك- عن اللجوء إلى التأويل، كما ينجح في رسم صورة الوحدة الموضوعية للمسألة الواحدة،

стр. 248

وللسورة القرآنية أيضا، أو ينجح- كما قلنا- في نفي وقوع التعارض في الآيات التي تواردت على موضع واحد .. نقول بتقديم هذا التفسير، لأننا نلمح فيه صورة من صور المقاربة، أو الاتفاق مع ما فهمه الصحابة من القرآن وعملوا عليه- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-. (ب) الظلال يتجاوز عصر الخلاف الجدلي أو الكلامي: وهنا يأتي دور الإشارة إلى النقطة الثالثة، أو الأمر الثالث من مزايا ظلال القرآن، وهو تجاوزه عصر الخلاف، أو عصر المذهبية الفكرية في تفسير القرآن الكريم؛ لأن خطأ المقرر الفكري المسبق إنما كان من قبل ذلك التجزي الذي أشرنا إليه، والذي رفضه صاحب الظلال- ﵀، أو بعبارة أدق: لم يقع فيه، كما لم يقع فيه الجيل القرآني الأول كما قدمنا. وهذا مما دعانا إلى المقارنة أو الدعوى السابقة بأن سيدا- ﵀ استشعر معاني القرآن كما عاشت في نفوس ذلك الجيل الفريد، ونقلها أو عبر عنها بلغته العالية على الورق والصحائف، والله أعلم. وتحسن الإشارة هنا- بهذه المناسبة- إلى الخطأ الشنيع الذي يقع فيه بعض القراء والدارسين، وبخاصة ممن شدا شيئا من علمي التفسير والخلاف؛ حين يحاكمون الظلال إلى الصورة الكلامية التي انتهت إليهم، أو تلقوها ونشئوا عليها وآمنوا بها .. سواء في ذلك الصورة الأشعرية- وقد تكون أقرب المذاهب الكلامية من الصورة القرآنية الكاملة، من حيث النتائج لا من حيث المنهج- أو الاعتزالية، أو صورة المرجئة أو الخوارج أو الماتريدية ... بحيث إن لم يدخل سيد- ﵀ في باب التأويل لبعض النصوص أو إن خرج عن مدلول المذهب الأشعري في بعض المواقف؛ ظن القارئ أنه وافق الخوارج في تفسير بعض الآيات، والمعتزلة في تفسير بعض الآيات الأخرى .. كما صرح بذلك بعض من نظر في الظلال من العلماء والدارسين!! والذي نرجّحه أنهم إنما طلبوا تفسير هذه الآيات،

стр. 249

أو نظروا في بعض صفحات الكتاب، وحاكموا الأمر إلى ما استقر عندهم لا ما دلت عليه الآيات القرآنية بسياقها وسباقها، وموضعها من سائر أجزاء الصورة القرآنية؛ وبطريق الفهم المبتدأ أو الخضوع المباشر للآيات القرآنية بعيدا عن التعمل والتأويل!! ونحن نقول هنا بوضوح كامل: إن آراء رجال المذاهب الكلامية ليست أصلا تفسّر في ضوئه نصوص القرآن! وليست مقرراتهم الفكرية المسبقة مقدّمات ضرورية لفهم القرآن، علما بأن هذه المقررات ليست إلا فهما مجزّأ للنص القرآني! إن الأصل عندنا لا يصير فرعا، والفرع لا ينقلب أصلا!! إن سيدا- ﵀ لم يذهب مذهب الخوارج في مسألة، ولا رأي المعتزلة في مسألة أخرى، ولا رأي المرجئة في مسألة ثالثة- وهؤلاء جميعا وقعوا في خطأ التجزي، وخطأ التعصب للرأي المبني عليه، وليسوا على التحقيق كفارا ولا زنادقة كما نعتقد، وندين به أمام الله ! - ولكنه كان يدخل إلى تفسير النص القرآني الكريم، بتلك الثقافة العالية، وذلك الإحساس المرهف، وتلك التجربة العملية الناضجة في حقل إقامة أمة القرآن، وإعادة صياغة المسلم وفقا لمنهج الله مرة أخرى، .. وكان يفسر النص القرآني الكريم ويستلهمه لينطق بما يدل عليه- لا بما يريد المفسّر أن ينطقه به هو بناء على مقدماته السابقة- فإن صادف أن هذا المدلول المباشر ذهب إلى مثله مرجئ أو معتزلي- مثلا- فهذا تفسير للقرآن، أو مدلول من مدلولاته، وليس اعتزالا أو إرجاء أو غير ذلك مما يظنه بعض القراء والدارسين!! ومن العجيب حقا أن يتجاوز مفسر مثل سيد- ﵀ مثل ذلك المدلول المباشر لآية قرآنية، ويسلك فيه سبيل التأويل؛ خشية أن يطابق هذا المدلول رأيا مغايرا لرأي الأشعري أو الماتريدي ... كأن القوم معصومون عن الخطأ في الفهم، أو كان رأيهم هو الأصل الذي يجب أن تؤول الآيات لتطابقه ولا تخالفه! إن هذا الموقف يمثل عندنا تعصبا مقيتا لا نتردد في تجاوزه ورفضه، وإن

стр. 250

من العجيب حقا أن يستنكر بعض الناس التعامل المباشر مع القرآن لمن يقدر على ذلك! .. فضلا عمن حلّ كثيرا من معضلات التاريخ، ونفى عن القرآن الكريم ظن التعارض الذي ألجأ السابقين إلى التأويل، وفي أدق قضايا العقيدة وغيرها كذلك. ولا نعني بذلك أن هذا التفسير خلو من الأخطاء أو أنه لا تفسير بعده! أما هذه- الثانية- فلأن هذا يتعارض مع كون القرآن الكريم كتاب جميع العصور، وأن أبناء كل جيل واجدون من المعاني والدلائل ما لم تكن الأجيال السابقة قد تنبّهت إليه أو وقفت عليه (١). وأما الخطأ في الشرح والتفسير، أو في الفهم والتعبير (٢)؛ فذلك لا سبيل إلى إنكاره في هذا التفسير أو في غيره من التفاسير. وربما كان من المفارقات الجديرة بالتأمل- فيما نرجح- أن ما أخذه سيد نفسه على من دخل إلى تفسير القرآن

стр. 251

بمقرر فكري مسبق- في قضايا الفكر والاعتقاد، وربما في مسائل الفقه والتشريع في بعض الأحيان- وقع هو فيه في باب الحركة نحو إقامة مجتمع الإسلام ودولة الإسلام؛ حين اتسع في مفهوم الجاهلية، وحين شرح رأيه- في مواطن كثيرة- في كيفية مقاومتها وزحزحتها عن مواقع القيادة والتأثير. ويبدو أن منهجه الحركي في هذا كله، أو بوجه عام، والذي ترك ظلاله على فهمه للآيات، كان متأثرا بظروف المحنة التي تعرّض لها في طريق مجاهدته الطويلة والمريرة .. رحمه الله تعالى، وتقبّل منه، وأحسن جزاءه، وأعلى مقامه مع الشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. (ج) الظلال والوحدة الموضوعية للسورة القرآنية: ولعل هذه المناسبة من أصلح المناسبات للإشارة إلى أن سيدا- رحمه الله تعالى ورضي الله عنه-، لم ينجح في القضاء على ذلك التجزي والدخول إلى النص القرآني بمقرر فكري مسبق، ومن ثمّ تقديم صورة الموضوع الواحد متكاملة متوازنة متناسقة لا تعارض فيها ولا إشكال .. أقول: لم ينجح في هذا فحسب، بل لعله كذلك أول مفسّر في تاريخ القرآن الكريم أبرز الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية المفردة طالت أم قصرت! أبرزه بشكل عملي مكتوب، أو طبقه أفضل تطبيق عرفته المكتبة القرآنية حتى الآن. والذين سبقوا سيدا من المفسّرين، منهم من لم يلاحظها ولم يسلّم بوجودها، ومنهم من ذهب إلى القول بها، ولكنه لم يبلغ في إخراجها أو تطبيقها حدّ التوفيق، أو درجة الإقناع! ثم جاء سيد ليؤكد على هذه الوحدة المحورية في السورة الواحدة، وليضع أيدينا بعد ذلك برفق وسهولة ولين على وجه الانتقال من موضوع إلى موضوع. ولعل سر نجاح سيد- ﵀ في ذلك يعود إلى ملاحظته أن بناء الإنسان في القرآن الكريم يقوم على قاعدة الفكر والاعتقاد، أو يعتمد على العقيدة وينطلق منها، وأن سلوكه وتصرفاته العملية هي الثمرة الطبيعية لإحكام هذا الجانب أو الأساس الفكري والعقدي. هذا

стр. 252

الربط الواضح بين الفكرة ومقتضياتها العملية، وبين العقيدة ولوازمها السلوكية هو ما لاحظه سيد- ﵀ في القرآن، وأكد عليه- من ثم- في التفسير ولذلك نجد- على سبيل المثال- أن وقوفه عند الآيات المكية كان أطول من وقوفه عند الآيات المدنية أو آيات الأحكام، وأنه قد كثرت عنده في آيات العقيدة: الإشراقات واللمحات، والنتائج والأحكام والتحليلات. كما نجده يعطي لكل سورة شخصيتها المتميزة، وملامحها الواضحة؛ في الوقت الذي شدّد فيه النكير على من ينتزع آية من القرآن الكريم ويسلخها عن السياق الذي ذكرت فيه، سواء أكانت من آيات العقائد أم من آيات الأحكام، وإن كانت الخطورة في آيات العقيدة أشد! لأن النصوص التشريعية قد لا يختلف معناها أو مدلولها من حيث هي قانون أو أحكام، وإن كان قطعها عن إطارها التربوي والأخلاقي مخلا أو غير محمود الأثر. أما نصوص العقائد فالاختلاف في معناها مع ذلك القطع والسلخ- وبخاصة وهي نصوص تفصيلية كثيرة، وليست كآيات الأحكام- أشد وأخطر! كمن احتج، مثلا، على مذهبه في مسألة «خلق الأفعال» - كما دعيت- بقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ! علما بأن الآية الكريمة جاءت على لسان سيدنا إبراهيم في الاحتجاج على قومه حين وجدهم يعبدون الأصنام التي نحتوها بأيديهم: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) [سورة الصافات، الآيتان ٩٥ - ٩٦]؟! ولم تأت في سياق الحديث عن التكليف وأفعال العباد- بغض النظر عن مذاهب المتكلمين في هذه المسألة- وإلا لكانت الآية حجة لعباد الأصنام لا حجة عليهم!! (د) طريقته في التأليف: وأخيرا فإننا نحب أن نؤكّد ملاحظاتنا العامة هذه حول الظلال، وبخاصة رفض سيد- ﵀ الدخول إلى النص القرآني بمقرر فكري مسبق- أيا كان أثر هذا المقرّر ضعيفا أو معوّقا عن الفهم المباشر عن القرآن، ولو بأقل درجات

стр. 253

الخدش والتأثير-! نحب أن نؤكد ذلك بالإشارة إلى طريقته التي كان يفسّر بها القرآن الكريم، والتي كانت تقوم على مرحلتين: الأولى: قراءته للسورة القرآنية كاملة عدة مرات، وربما عاود قراءتها والنظر فيها يوما بعد يوم، حتى يهتدي- ﵀ إلى موضوعها الرئيس، ومحورها العام الذي تدور حوله آياتها، وسائر موضوعاتها الفرعية الأخرى .. حتى إذا اهتدى إلى ذلك، وفتح الله تعالى عليه به عكف على تفسيرها بأقل قدر ممكن من الجلسات، ولو أمكنه أن يفعل ذلك في مقام واحد لفعل .. ويتبع في تفسيره بطبيعة الحال ما تهديه إليه ثقافته وفهمه وشفافية روحه وحسه اللطيف المرهف ... إلى آخر العناصر الأخرى التي أشرنا إليها في موضع سابق من هذا الفصل، ونؤكد هنا على معرفة سيد قطب- ﵀ الواسعة باللغة والأدب، والبلاغة والنقد .. بل نبوغه وعبقريته في هذا الباب الأخير، وأعني باب النقد الذي احتل فيه سيد في هذا العصر مقعد الإمامة والتوجيه .. ذوقا وعلما وقدرة فائقة على تحليل النصوص! ولعل المولى قد ادخر ذلك كله لسيد حتى يكشف عن الكثير المخبوء من نظم السور وإعجاز القرآن. حتى إذا فرغ من تفسيرها جاءت المرحلة الثانية، وهي النظر في كتب التفسير؛ يستدرك بها سببا من أسباب النزول، أو يوضح من خلالها مسألة من مسائل الفقه، أو يستشهد منها بحديث أو رواية صحيحة وردت في تفسير بعض الآيات- وربما مال إلى ترجيح رواية على أخرى مساوية أو مقاربة لها في درجة الصحة من خلال آفاق النص ونظمه، أو لارتباطه الأوثق ببعض مواقف السيرة وحياة النبيّ ﷺ ، كما لاحظنا. ولست هنا في معرض ذكر الأمثلة والشواهد. وتكفي هذه النقطة أو المرحلة الثانية للدلالة على حرص سيد- ﵀ على عدم التأثر المسبق بأي لون من ألوان التفسير والتأويل، من جهة، كما تكفي للدلالة على حرصه في الوقت ذاته على عدم الخروج عن الروايات الصحيحة في

стр. 254

التفسير بالمأثور .. وأذكر- والله أعلم- أن هذه الإضافات والتوضيحات قلّما بنى عليها تعديلا أو تغييرا واسعا لتفسير بعض الآيات على النحو الذي سبق له تدوينه وكتابته (١). (هـ) تفسير وتفسير ! وبعد، فإن هذا الدليل العملي المكتوب، والذي جمع هذه المزايا التي تحدثنا عنها، قد بلغ ذروته في هذه وتلك يوم مهره سيد- ﵀ بدمه الزكيّ الطاهر، وليقرأ من شاء ما وقف عنده وأشار إليه في تفسيره لسورة البروج، وليلاحظ بعد ذلك تخطي هذا التفسير كل ما يعيق وصول معاني القرآن القريبة والفاعلة إلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ على اختلاف مذاهبهم وآرائهم وانتماءاتهم التاريخية، حتى جاء تفسيره لكلام الله تعالى أشبه ما يكون بالجدول المنساب المترقرق الذي يأخذ طريقه إلى الحقول والمزارع وديعا ساكنا مطمئنا .. ليخرج نباتها الطيب بإذن ربها، ولتنبت أجيال القرآن نباتا حسنا تعيد سيرة أجيال القرآن الأولى إن شاء الله. ومن يدري؟ فلعل هذا القبول الذي كتبه المولى سبحانه لهذا التفسير يعود إلى هذا الذي ذكرنا، وإلى أن سيدا- ﵀ قد كتب تفسيره مرّتين: مرة بمداد العالم، وأخرى بدم الشهيد! حروف القرآن نور .. ودماء الشهداء نور .. و «ظلال القرآن» نور على نور.

стр. 255

الفصل الخامس من ألوان التفسير المعاصر سورة «الفجر» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) «صدق الله العظيم». هذه السورة في عمومها حلقة من حلقات هذا [الجزء] الأخير في الهتاف بالقلب البشري إلى الإيمان والتقوى واليقظة والتدبر. ولكنها تتضمن ألوانا شتى

стр. 256

من الجولات والإيقاعات والظلال، ألوانا متنوعة تؤلف من تفرقها وتناسقها لحنا واحدا متعدّد النغمات موحد الإيقاع! في بعض مشاهدها جمال هادئ رقيق ندي النسمات والإيقاعات، كهذا المطلع الندي بمشاهده الكونية الرقيقة، وبظل العبادة والصلاة في ثنايا تلك المشاهد ... وَالْفَجْرِ* وَلَيالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ. وفي بعض مشاهدها شدّ وقصف، سواء مناظرها أو موسيقاها، كهذا المشهد العنيف المخيف: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى. يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي. فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ. وفي بعض مشاهدها نداوة ورقة ورضى يفيض، وطمأنينة، تتناسق فيها المناظر والأنغام كهذا الختام: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي. وفيها إشارات سريعة لمصارع الغابرين المتجبرين، وإيقاعها بين بين، بين إيقاع القصص الرخي وإيقاع المصرع القوي: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. وفيها بيان لتصورات الإنسان غير الإيمانية وقيمه غير الإيمانية. وهي ذات لون خاص في السورة تعبيرا وإيقاعا: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ... ».

стр. 257

ثم الرد على هذه التصورات ببيان حقيقة حالهم التي تنبع منها هذه التصورات. وهي تشمل لونين من ألوان العبارة والتنغيم: كَلَّا* بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ. وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا. ويلاحظ أن هذا اللون الأخير هو قنطرة بين تقرير حالهم وما ينتظرهم في مآلهم، فقد جاء بعده كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ... فهو وسط في شدة التنغيم بين التقرير الأول والتهديد الأخير! ومن هذا الاستعراض السريع تبدو الألوان المتعددة في مشاهد السورة. وإيقاعاتها في تعبيرها وفي تنغيمها. كما يبدو تعدد نظام الفواصل وتغير حروف القوافي بحسب تنوع المعاني والمشاهد، فالسورة من هذا الجانب نموذج واف لهذا الأفق من التناسق الجمالي في التعبير القرآني. فوق ما فيها عموما من جمال ملحوظ مأنوس! فأما أغراض السورة الموضوعية التي يحملها هذا التعبير المتناسق الجميل فنعرضها فيما يلي بالتفصيل: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ. هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ. هذا القسم في مطلع السورة يضم هذه المشاهد والخلائق ذات الأرواح اللطيفة المأنوسة الشفيفة. وَالْفَجْرِ ساعة تنفس الحياة في يسر وفرح، وابتسام وإيناس ودود نديّ، والوجود الغافي يستيقظ رويدا رويدا، وكأن أنفاسه مناجاة، وكأن تفتّحه ابتهال. وَلَيالٍ عَشْرٍ أطلقها النص القرآني ووردت فيها روايات شتى ... قيل هي العشر من ذي الحجة، وقيل: هي العشر من المحرّم، وقيل: هي العشر من رمضان. وإطلاقها هكذا أوقع وأندى. فهي ليال عشر يعلمها الله، ولها عنده شأن.

стр. 258

تلقي في السياق ظل الليلات ذات الشخصية الخاصة. وكأنها خلائق حية معينة ذوات أرواح، تعاطفنا ونعاطفها من خلال التعبير القرآني الرفاف! وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ يطلقان روح الصلاة والعبادة في ذلك الجو المأنوس الحبيب، جو الفجر والليالي العشر ... «ومن الصلاة الشفع والوتر» - كما جاء في حديث أخرجه الترمذي- وهذا المعنى هو أنسب المعاني في هذا الجو حيث تلتقي روح العبادة الخاشعة، بروح الوجود الساجية! وحيث تتجاوب الأرواح العابدة مع أرواح الليالي المختارة. وروح الفجر الوضيئة. وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ... والليل هنا مخلوق حي، يسري في الكون، وكأنه ساهر يجول في الظلام! أو مسافر يختار السرى لرحلته البعيدة! يا لإناقة التعبير! ويا لأنس المشهد! ويا لجمال النغم! ويا للتناسق مع الفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر! إنها ليست ألفاظا وعبارات، إنما هي أنسام من أنسام الفجر، وأنداء مشعّة بالعطر! أم إنه النجاء الأليف للقلب؟ والهمس اللطيف للروح؟ واللمس الموحي للضمير؟ إنه الجمال .. الجمال الحبيب الهامس اللطيف .. الجمال الذي لا يدانيه جمال التصورات الشاعرية اللطيفة. لأنه الجمال الإبداعي، المعبّر في الوقت ذاته عن حقيقة. ومن ثم يعقب عليه في النهاية: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ؟ وهو سؤال للتقرير. إن في ذلك قسما لذي لبّ وعقل، إن في ذلك مقنعا لمن له إدراك وفكر. ولكن صيغة الاستفهام- مع إفادتها التقرير- أرق حاشية، فهي تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق! أما المقسم عليه بذلك القسم، فقد طواه السياق ليفسره ما بعده، فهو موضوع الطغيان والفساد، وأخذ ربك لأهل الطغيان والفساد، فهو حق واقع يقسم عليه بذلك القسم في تلميح يناسب لمسات السورة الخفيفة على وجه الإجمال. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ؟ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ؟ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي

стр. 259

الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ؟ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. وصيغة الاستفهام في مثل هذا السياق أشد إثارة لليقظة والالتفات. والخطاب للنبيّ ﷺ ابتداء، ثم هو لكل من تتأتى منه الرؤية أو التبصر في مصارع أولئك الأقوام، وكلها مما كان المخاطبون بالقرآن أول مرة يعرفونه، ومما تشهد به الآثار والقصص الباقية في الأجيال المتعاقبة. وإضافة الفعل إلى «ربك» فيها للمؤمن طمأنينة وأنس وراحة. وبخاصة أولئك الذين كانوا في مكة يعانون طغيان الطغاة وعسف الجبارين من المشركين، الواقفين للدعوة وأهلها بالمرصاد. وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم. مصرع: «عاد إرم» وهي عاد الأولى. وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن. وكانوا بدوا ذوي خيام تقوم على عماد. وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ في ذلك الأوان وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ .. وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام. وقد قطعت الصخر وشيّدته قصورا، كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ .. وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان. وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار. هؤلاء هم الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ .. وليس وراء الطغيان إلا الفساد، فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء، كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة، ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف المعمر الباني إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال.

стр. 260

إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد، ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف، وكذلك قال فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى عند ما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد. ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين، والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفّن، وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة. وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك. وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد ... ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة، لأنها خطر على الطغاة والطغيان. فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة .. وهو فساد أي فساد! فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ! ... فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم؛ فلما أن كثر الفساد وزاد صبّ عليهم سوط عذاب. وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب، حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد! ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان. ومن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تفيض طمأنينة خاصة. فربك هناك راصد لا يفوته شيء، مراقب لا يندّ عنه شيء. فليطمئن بال المؤمن، فإن ربه هناك! .. بالمرصاد .. للطغيان والشر والفساد!

стр. 261

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ .. يرى ويحسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء. فأما الإنسان فتخطئ موازينه، وتضل تقديراته، ولا يرى إلا الظواهر، ما لم يتصل بميزان الله. فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَهانَنِ ... فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال، ومن بسط وقبض، ومن توسعة وتقدير ... يبتليه بالنعمة والإكرام، بالمال أو المقام. فلا يدرك أنه الابتلاء تمهيدا للجزاء، إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلا على استحقاقه عند الله للإكرام، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره، فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة! ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة! ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك، ويحسب الاختبار عقوبة، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله، فلو لم يرد مهانته ما ضيق عليه رزقه ... وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير. فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده، ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر، ويظهر منه الصبر على المحنة أو الضجر، والجزاء على ما يظهر منه بعد. وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء. وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا، ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض. فهو يعطي الصالح والطالح، ويمنع الصالح والطالح. ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعوّل؛ إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي. والمعوّل عليه هو نتيجة الابتلاء! غير أن الإنسان- حين يخلو قلبه من الإيمان- لا يدرك حكمة المنع والعطاء، ولا حقيقة القيم في ميزان الله .. فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنا لك. وخفت في ميزانه الأعراض الزهيدة، وتيقظ لما وراء الابتلاء من الجزاء، فعمل له في البسط والقبض سواء. واطمأن إلى قدر الله به في الحالين، وعرف قدره في ميزان الله بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء!.

стр. 262

كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ. وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ... كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان. ليس بسط الرزق دليلا على الكرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلا على المهانة والإهمال. إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء، ولا توفون بحق المال؛ فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه، ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين: الساكن الذى لا يتعرض للسؤال وهو محتاج، وقد اعتبر عدم التحاضّ والتواصي على إطعام المسكين قبيحا مستنكرا. كما يوحي بضرورة التكافل في الجماعة في التوجيه إلى الواجب وإلى الخير العام، وهذه سمة الإسلام. ... إنكم لا تدركون معنى الابتلاء. فلا تحاولون النجاح فيه، بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم- على العكس- تأكلون الميراث أكلا شرها جشعا، وتحبون المال حبا كثيرا طاغيا، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام. وقد كان الإسلام يواجه في مكة حالة التكالب على جمع المال بكافة الطرق، تورث القلوب كزازة وقساوة. وكان ضعف اليتامى مغريا بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث في صور شتى. وبخاصة ما يتعلق بالميراث، كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام، وهي سمة الجاهليات في كل زمان ومكان! حتى الآن. وفي هذه الآيات، فوق الكشف عن واقع نفوسهم، تنديد بهذا الواقع، وردع عنه يتمثل في تكرار كلمة «كلا»، كما يتمثل في بناء التعبير وإيقاعه. وهو يرسم بجرسه شدة التكالب وعنفه.

стр. 263

وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا! .. وعند هذا الحد من فضح حقيقة حالهم المنكرة، بعد تصوير خطأ تصورهم في الابتلاء بالمنع والعطاء، يجيء التهديد الرعيب بيوم الجزاء وحقيقته، بعد الابتلاء ونتيجته في إيقاع قوي شديد: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى؟ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ. ودك الأرض: تحطيم معالمها وتسويتها، وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة. فأما مجيء ربك والملائكة صفا صفا، فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض، ولكنا نحس وراءه التعبير بالجلال والهول! كذلك المجيء بجهنم: نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى. فأما عن حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب الله المكنون ليومه المعلوم. إنما يرتسم من وراء هذه الآيات، ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم، الشديدة الأسر، مشهد ترجف له القلوب، وتخشع له الأبصار. والأرض تدك دكا دكا! والجبار المتكبر يتجلّى ويتولّى الحكم والفصل، ويقف الملائكة صفا صفا. ثم يجاء بجهنم متأهبة هي الأخرى!! يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ .. الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء، الذي أكل التراث أكلا لما، وأحب المال حبا جما، والذي لم يكرم اليتيم، ولم يحض على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى ... يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن قد فات الأوان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى .. ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحدا! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا!.

стр. 264

وحين تتجلى له هذه الحقيقة: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي .. يا ليتني قدمت شيئا لحياتي هنا، فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة، وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها. يا ليتني .. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقصى ما يملكه الإنسان في الآخرة! ثم يصور مصيره بعد الحسرة الفاجعة والتمنيات الضائعة فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ .. إنه الله القهار الجبار، الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد. والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد. وعذاب الله ووثاقه يفصّلهما القرآن في مواضع أخرى في مشاهد القيامة الكثيرة المنوعة في ثنايا القرآن كله. ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم، أو من عذاب الخلق جميعا ووثاقهم، وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثّلين في عاد وثمود وفرعون، وإكثارهم من الفساد في الأرض مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال. فها هو ذا ربك- أيها النبيّ وأيها المؤمن- يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم. ولكن شتان بين عذاب وعذاب، ووثاق ووثاق ... وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر، وجلّ ما يفعله صاحب الخلق والأمر. فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون، فسيعذبون ويوثقون عذابا ووثاقا وراء التصورات والظنون!! وفي وسط هذا الهول المروع، وهذا العذاب والوثاق، الذي يتجاوز كل تصور تنادى «النفس» المؤمنة من الملأ الأعلى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ... هكذا في عطف وقرب «يا أيتها» وفي روحانية وتكريم «يا أيتها النفس» ..

стр. 265

وفي ثناء وتطمين «يا أيتها النفس المطمئنة» وفي وسط الشد والوثاق، الانطلاق والرخاء: «ارجعي إلى ربك» ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد. ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة .. «راضية مرضية» بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف والرضى .. «فادخلي في عبادي» .. المقربين المختارين لينالوا هذه القربى «وادخلي جنتي» .. في كنفي ورحمتي ... إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة .. منذ النداء الأول: «يا أيتها النفس المطمئنة» ... المطمئنة إلى ربها .. المطمئنة إلى طريقها .. المطمئنة إلى قدر الله بها .. المطمئنة في السراء والضراء، وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء .. المطمئنة فلا ترتاب، والمطمئنة فلا تنحرف، والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق، والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب! ثم تمضي الآيات تباعا تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة، والموسيقى الرخيّة النديّة حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة. ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تطل من خلال هذه الآيات .. وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية (١).

стр. 266

سورة «العاديات» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) * أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١). أولا- المعنى الإجمالي للسورة: والخيل التي تعدو عدوا يسمع منها صوت أنفاسها فتوري النار بحوافرها، إذ تغير في الصباح فتثير الغبار فتتوسط جماعة العدو. إن الإنسان كفور بنعمة ربه وعالم بذلك من نفسه، وهو شديد الحب للمال، أفلا يعلم ويتصور كيف تكون حاله حين تثار القبور ويخرج من فيها، وتجمع حصائل الأعمال من الصدور، إن ربهم يومئذ عليهم بأعمالهم وسيحاسبهم عليها. ثانيا- أقسام السورة وموضوعها الرئيسي: يمكن أن نقسم السورة بحسب مضمونها إلى أقسام ثلاثة وخاتمة أو نتيجة: أما القسم الأول: فهو مشهد من مشاهد صراع الإنسان في هذه الحياة للتسلط وكسب المال، مشهد فرسان يغيرون على جماعة أخرى ليأخذوا مالها ويتسلطوا عليها. ولئن جاء هذا الصراع هنا في صورة غزوة من الغزوات التي عرفها العرب

стр. 267

وألفوا أمثالها، فإن هذه الصورة ترمز إلى جميع أنواع العدوان في ميادين الصراع بين البشر الذي يكون الاعتداء طريقه، والتسلط والسلب غايته! وأما القسم الثاني: فهو تحليل سريع موجز لنفسية الإنسان: إنه شديد الحب للمال، كفور بنعمة الله، وهو يعرف ذلك من نفسه. وإن حبه هذا الشديد للمال، مع الغفلة عن تذكر المنعم وشكره، هو الذي يدفعه إلى الاعتداء على الآخرين، ولو كان ذاكرا لنعمة الله لصدّه ذلك عن الاعتداء على عباده! والقسم الثالث: إهابة وتنبيه وتذكرة بالمصير بعد الفناء؛ إذ يبعث البشر من قبورهم وتجمع حصائل الأعمال من الصدور التي هي كناية عن النيّات والدوافع التي بها تقاس الأعمال إن كانت خيرا أو شرا. وتختتم الأقسام الثلاثة بهذه الآية التي هي آخر المراحل: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ. فمن صراع في هذه الحياة التي يعيش فيها الإنسان مدفوعا بدافع من حب المال وفي غفلة عن تذكر الخالق المنعم، إلى موت يعقبه بعث وحساب على الأعمال والنيّات حيث يكون المحاسب هو الله الخبير بأحوال العالم، وبأعمالهم، المطلع على نيّاتهم. إن هذا النص كما ترى غني بمشاهده وأفكاره بالنسبة إلى قصره وإيجازه، ولكن الفكرة الأساسية التي يبدو أنها هي المقصودة من السورة هي الفكرة المتجلية في الآية الأخيرة والتي نستطيع أن نلخصها في قولنا، إنها (مسئولية الإنسان العظمى أمام الخالق بعد هذه الحياة) وكل ما تقدمها من مشاهد وأفكار كان وسيلة للوصول إليها وتثبيتها في الفكر والقلب ... وإن فكرة مسئولية الإنسان العظمى هذه من الأفكار، بل العقائد الأساسية التي تضمنها القرآن، وكررها في أشكال وصور متنوعة كثيرة، وجعلها ركيزة أساسية في نظامه الأخلاقي والتشريعي، وجزءا من فلسفة الحياة التي جاء بها.

стр. 268

ثالثا- خصائص النص الفكرية: ١ - تبدو في النص وحدة موضوعية واضحة تدور حول فكرة المسئولية. ٢ - ولذلك كان بين أجزاء النص ارتباط وتسلسل، فمن مشهد الغزو، إلى تحليل العوامل النفسية الدافعة، إلى النهاية والمصير، فالحساب والمسئولية. ٣ - ويعتمد النص على العنصر النفسي سواء في تحليل نفسية الإنسان أو في تسجيل الأعمال وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ واعتبار النيات في تحديد المسئولية. رابعا- فن العرض أو الطريقة الأدبية: إذا كانت الفكرة الأساسية هي أن الإنسان مسئول بعد هذه الحياة عن أعماله ودوافعه، فكيف عرضت هذه الفكرة، وهل كان في طريقة عرضها فنّ خاص؟ ١ - لقد وضعنا النص رأسا أمام مشهد واقعي حيّ من مشاهد الحياة ينبض بالحركة والحياة، إذ تعدو أمام بصرنا كوكبة من الفرسان، نحس بحرارة أنفاس خيلها، ونسمع حفيفها، ونبصر الشرر المتطاير من حوافرها، وما تثيره من الغبار حولها، حتى تصل في وقت الصبح إلى الجماعة التي تريد مباغتتها!! لقد اعتمد النص في هذا القسم الأول على الوصف الذي يكاد يكون على إيجازه قصة أو مشهدا من قصة، وقد تضمن هذا الوصف عناصره الأساسية من تصوير الحركة (العاديات، المغيرات، أثرن، وسطن) إلى تصوير الأشكال والألوان (الموريات قدحا، النقع، توسط الجمع) إلى سماع الأصوات (ضبحا) هذا مع انتقاء النقط البارزة والخطوط المشخصة للمشهد (العدو، الشرر، الغبار) وتحديد الزمان (الصبح). لقد كان افتتاح السورة بهذا المشهد مفاجأة مثيرة للخيال، ولا سيما بالنسبة للعرب الذين تثيرهم صورة الغزو، بل خبره وحكايته، وكان عرض هذا المشهد

стр. 269

نقطة انطلاق للتأمل والتفكير، وكان في الوقت نفسه صورة رمزية تدل على اعتداء الإنسان، أورد مورد القسم، وكثيرا ما يأتي القسم في القرآن للإيقاظ والتنبيه وإثارة النفس وإعدادها لما يأتي من المعاني. ٢ - أما طريقة القسم الثاني من النص فقد كانت التحليل النفسي، فقد انتقلنا من مشهد واقعي من مشاهد الحياة إلى التأمل في نفسية الإنسان، ومن الصور الحية النابضة المجردة النفسية، وكان عرض الأفكار في هذا القسم عرضا مباشرا مجردا خاليا من التصوير أو الوصف المادي. ٣ - وقد عاد النص في القسم الثالث إلى طريقة الوصف والتصوير، فإذا بنا ننتقل من ذلك التأمل النفسي، ومن مشاهد الحياة اليومية إلى نهاية الحياة وإلى ما بعد الموت في صورة حسية قوية تبعث الروع؛ في أشد إيجاز وأقوى تعبير أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ تقترن بها صورة رمزية ترمز إلى جمع الأعمال وتشير إلى اعتبار النية فيها وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ. فكأن هذا القسم في طريقته حاكى القسم الأول في آيته الأولى، والثاني في آيته الثانية، فجمع بين التصوير الحسي الرائع والتحليل النفسي العميق في آيتين تصفان حادثة واحدة. ٤ - أما الخاتمة فقد جاءت على طريقة الأحكام المجردة بعد أن هيئت النفس بتلك الصورة الحسية المثيرة للخيال، والصورة النفسية الباعثة على التأمل لتلقي هذا الحكم خالصا مجردا. وهكذا جمعت هذه السورة بين طريقة التصوير والوصف، وطريقة التحليل والعرض المباشر للأفكار، مع إيجاز وسرعة انتقال، هذا عدا ما في القسم الأول من فن عجيب في قطع سلسلة المشهد ليتمّها القارئ بخياله، إذ تقف قصة الغارة عند التقاء الجمعين. ولك أن تتصور أيها القارئ ما تتصور من جرائم النهب والسلب والقتل والاعتداء، تلك الأعمال التي تستدعي الحكم الوارد في القسم الثاني على الإنسان الكفور الجاحد!

стр. 270

خامسا- صياغة الآيات، أو التراكيب والجمل (١): ولو ألقينا نظرة على الآيات وترتيبها وتركيبها لوجدناها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، ولوجدنا تنوعها مقابلا لتنوع الأفكار. إننا نجد في تركيب جمل الآيات الأقسام التالية التي تقابل الأقسام الفكرية السابقة. ١ - آيات قصيرة تتألف كل واحدة منها من كلمتين أولاهما اسم فاعل بمعنى الفعل، أو فعل وَالْعادِياتِ ضَبْحاً* فَأَثَرْنَ* فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً وكلها أفعال تدل على حركات أو أعمال حسية، وثانيتهما أحد المفاعيل، وتخلو هذه الجمل أو الآيات من الزوائد، وتتوالى سراعا كما تتوالى الخيل في عدوها، وهي كلها جمل فعلية أو بحكم الفعلية تصور الحركات والحوادث. ٢ - أما آيات القسم الثاني فهي تتألف من جمل اسمية تستعمل عادة للتعبير عن الحقائق العامة مصدرة كلها ب «إنّ» المستعملة لتأكيد هذه الأحكام مع اللام المقرونة بالخبر. ٣ - وتعود الآيات في القسم الثالث إلى الجمل الفعلية لتصوير مشهد خاطف ليوم القيامة، ولكنها تأتي هنا مصدّرة بالاستفهام الاستنكاري المثير أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ. ويلفت النظر في هاتين الآيتين استعمال الأفعال المبنية للمجهول، واستعمال «ما» الموصولة المشعرة بعدم التحديد، وفي ذلك فسح المجال للخيال ليتصور ما شاء أن يتصور. ٤ - وتعود الخاتمة مرة أخرى، وهي حقيقة كبرى تمثل الفكرة الأساسية في النص، إلى الجملة الاسمية المؤكدة بإنّ واللام على طريقة القسم الثاني.

стр. 271

لقد كانت الآيات إجمالا قصيرة في جميع أجزاء السورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التحليل النفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسية للجملة، خالية من الزوائد خلوّ الأفكار والمشاهد من التفصيلات، متناسبة في تنوعها وانتقالاتها مع تنوع الموضوع، من فعلية غير مؤكدة، إلى اسمية مؤكدة، إلى استفهامية. سادسا- الموسيقى في السورة: يشعر المرتل لهذه الآيات أن لها طابعا موسيقيا واضحا، وإذا قرأها قراءة فنية- وذلك هو الترتيل- لاحظ انقسامها إلى عدة نغمات متناسبة مع أقسام النص من الوجهة الفكرية والنحوية. فالقسم الأول يتألف من خمس فقرات موسيقية ذات نغمة واحدة تقلّ فيها المدود، وكلّ فقرة منها تتألف من كلمتين: أولاهما تحتوي على بعض المدود الطويلة. وثانيتهما وهي فاصلة الآية؛ كلمة ثلاثية لا مدّ إلا في آخرها (ضبحا، قدحا، صبحا، نقعا، جمعا) وهذه الفقرات تمثل بقلة مدودها وتوالي حروفها المتحركة حركة الخيل في عدوها ووقع حوافرها ثم ارتفاعها. أما القسم الثاني من السورة فهو أطول نفسا وأكثر مدودا، وكأنه يشير بمدوده الطويلة إلى التأمل الطويل والهدوء النفسي. وتختلف كلمة الفاصلة في هذا القسم اختلافا كبيرا في جرسها الموسيقى عن فاصلة القسم الأول (كنود، شهيد، شديد). والقسم الثالث يجمع بين المدود الطويلة في بعض أجزائه أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ... وتوالي الحركات في كلمات أخر (بعثر)، كما أن فاصلته تختلف عن القسمين السابقين في نبرتها وقوة جرسها (قبور، صدور). ويعود القسم الأخير في نغمة هادئة ناشئة عن المدود والميم الساكنة والتنوين إلى فاصلة تأخذ الياء من القسم الثاني والراء من الثالث.

стр. 272

ويلاحظ أن لبعض ألفاظ السورة جرسا موسيقيا واضحا مناسبا لمعناها مثل (قدحا ونقعا) المناسبة لوقع حوافر الخيل و (بعثر) المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل (حصّل) الدالة بصادها المشددة على شدة التقصّي والجمع! فموسيقى النص في جملتها وتفصيلها، أي في نغمة الجمل وجرس الألفاظ وفواصل الآيات، مناسبة للمشهد والأفكار ومقابلة لها، وتتنوع بتنوعها وتنسجم بانسجامها. .. والخلاصة: إنّ هذه السورة تضمنت موضوعا أساسيا هو مسئولية الإنسان العظمى، وأفكارا أخرى أحاطت به؛ من وجود الله، وحدوث البعث، ونفسية الإنسان، وصراعه في هذه الحياة. وكلها أفكار أساسية في الحياة، تسمو بالقارئ إلى مستوى عال من التفكير والشعور. وكان عرضها عرضا منطقيا جميلا قويّا، قوامه مشاهد من الحياة الواقعية المحسوسة، والحياة الأخرى المغيبة، والإنسان في صورته النفسية معروض بينهما، وكان هذا العرض المستند إلى التصوير الحسي والتحليل النفسي قويا سريعا موجزا، اشترك فيه الفكر والخيال والحس، وتعاونت الألفاظ والتراكيب، فجاء نثرا فنيا كاملا، ليعبر عن أخطر مسألة في حياة الإنسان وهي «مسألة المصير والمسئولية» (١).

стр. 273

الفهرس الموضوع الصفحة المقدمة ٥ الباب الأول القرآن الكريم واللغة العربية الفصل الأول- لغة القرآن الكريم ٩ أولا- اللسان العربي ١١ ثانيا- العرب والقرآن ١٦ خلاصة وتعقيب ٢٣ الفصل الثاني- أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ٢٥ أولا- أثره من الوجهة التاريخية ٢٥ (أ) القوة الدافعة ٢٥ - حول تخلّف حركة التعريب عن انتشار الإسلام ٢٧ (ب) القوة الواقية ٣٠ ثانيا- الأثر الموضوعي للقرآن في اللغة العربية ٣٣ ١ - توحّد لهجات العرب ٣٣ ٢ - تأثير القرآن في ألفاظ العربية ومعانيها ٣٥

стр. 274

الموضوع الصفحة الفصل الثالث- أثر القرآن الكريم في الحضارة والثقافة الإسلامية ٣٩ الباب الثاني قطعية النص القرآني وتاريخ توثيقه الفصل الأول- القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة ٤٣ أولا- تعريف القرآن والفرق بينه وبين الحديث ٤٥ ثانيا- مقارنة سريعة مع الكتب السماوية ٥٠ ثالثا- النتائج والملاحظات ٥٨ رابعا- أسماء أخرى للقرآن، ولون آخر من ألوان الحفظ ٦٠ الفصل الثاني- الوحي أو مصدر القرآن الكريم ٦٣ أولا- ظاهرة الوحي ٦٤ (أ) مقدمة عن عالم الغيب ٦٤ (ب) معنى الوحي وصوره ٦٦ ثانيا- مع المتخرّصين في تفسير ظاهرة الوحي ٦٩ ثالثا- صدق ظاهرة الوحي ٧٢ الجانب الأول- رحابة الموضوعات القرآنية ٧٢ الجانب الثاني- أحول النبي ﷺ مع هذه الظاهرة ٧٥ الفصل الثالث- نزول القرآن والحكمة من تنجيمه ٨٣ أولا- الوحي والتنزيل ٨٣ ثانيا- مدة نزول القرآن وأول ما نزل منه وآخر ما نزل ٨٦ ثالثا- الحكمة من تنجيم القرآن ٨٩ رابعا- إضافة وتعليق ٩٦ الفصل الرابع- جمع القرآن وتدوينه ١٠٥ أولا- حفظ القرآن وكتابته في عهد النبيّ ﷺ ١٠٧

стр. 275

الموضوع الصفحة (أ) الحفظ والجمع في الصدور ١٠٨ (ب) الكتابة والتدوين ١١٠ ثانيا- جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق ﵁ ١١١ ثالثا- نسخ المصاحف على عهد عثمان ﵁ ١١٦ رابعا- قاعدة عثمان في الجمع ومزايا المصاحف العثمانية ١١٦ خامسا- حرق الصحف والمصاحف الأخرى (شبهات وردّ) ١٢٤ سادسا- رسم المصحف أو الرسم العثماني ١٣٠ الفصل الخامس- الآيات والسور وترتيبهما ١٣٣ أولا- تعريف الآية والسورة ١٣٣ ثانيا- عدد السور وأسماؤها واختلاف مقاديرها ١٣٤ ثالثا- ترتيب الآيات والسور ١٣٦ (أ) ترتيب الآيات ١٣٦ (ب) ترتيب السور ١٣٧ رابعا- حكم مخالفة ترتيب المصحف ١٤٠ الباب الثالث إعجاز القرآن الفصل الأول- الإعجاز: وقوعه ومعناه ١٤٥ أولا- مدخل وتمهيد ١٤٥ ثانيا- الإعجاز حقيقة تاريخية ١٤٨ ثالثا- معنى الإعجاز، أو الإعجاز الذي وقع به التحدي ١٥٣ الفصل الثاني- آراء ونظريات حول الإعجاز ١٥٧ أولا- فكرة الصرفة ١٥٨ ثانيا- النظم القرآني ١٦٠

стр. 276

الموضوع الصفحة (أ) الإمام عبد القاهر الجرجاني وفكرة النظم القرآني ١٦١ (ب) تعريف النظم القرآني ١٦٤ ثالثا- التصوير الفني ١٦٩ ١ - التخييل الحسّي والتجسيم ١٧٢ ٢ - التناسق الفني ١٧٤ رابعا- النظم الموسيقى ١٨٠ خامسا- تعقيب عام: البيان .. والقرآن ١٨٥ الفصل الثالث- الفاصلة القرآنية ١٨٩ أولا- تعريف الفاصلة ١٩٠ ثانيا- دورها وموقعها ١٩٢ (أ) اختلاف الفواصل في آيات متماثلة ٢٠٠ (ب) التصدير والتوشيح ٢٠١ ثالثا- لمحة عن أنواع الفاصلة ٢٠٢ رابعا- بين الفاصلة والسجع والشعر ٢٠٤ الباب الرابع لمحة عن نشأة التفسير وتطوّره الفصل الأول- حول نشأة التفسير ٢١١ أولا- بين التفسير والتأويل ٢١٢ ثانيا- مصادر التفسير ومراحله ٢١٥ الفصل الثاني- معالم التفسير البياني ٢٢٣ الفصل الثالث- التفسير العلمي لآيات الكون والطبيعة ٢٣١ أولا- معنى التفسير العلمي وأسباب ظهوره ٢٣١ ثانيا- بين التفسير العلمي والمنهج العلمي ٢٣٥

стр. 277

الموضوع الصفحة ثالثا- خطوات المنهج العلمي في القرآن ٢٣٧ رابعا- شروط التفسير العلمي ٢٤٣ الفصل الرابع- تعريف بظلال القرآن ٢٤٩ أولا- الصحابة وتفسير القرآن ٢٥٠ ثانيا- المفسرون والغرض الأساس للقرآن الكريم ٢٥٣ ثالثا- الظلال وشروط التفسير المعاصر ٢٥٩ (أ) من أخطاء التعامل مع الظلال ٢٦١ (ب) الظلال يتجاوز عصر الخلاف الجدلي أو الكلامي ٢٦٤ (ج) الظلال والوحدة الموضوعية للسورة القرآنية ٢٦٧ (د) طريقته في التأليف ٢٦٨ (هـ) تفسير وتفسير ٢٧٠ الفصل الخامس- من ألوان التفسير المعاصر ٢٧١ - تفسير سورة الفجر ٢٧١ - تفسير سورة العاديات ٢٨٣ أولا- المعنى الإجمالي للسورة ٢٨٣ ثانيا- أقسام السورة وموضوعها الرئيسي ٢٨٣ ثالثا- خصائص النص الفكرية ٢٨٥ رابعا- فن العرض أو الطريقة الأدبية ٢٨٥ خامسا- صياغة الآيات، أو التراكيب والجمل ٢٨٧ سادسا- الموسيقى في السورة ٢٨٨ الخلاصة ٢٨٩ الفهرس ٢٩١