← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38031

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

عدنان زرزور

Полный текст (277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولو أن دارسا لنص قرآني دراسة أدبية حمل قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) - في سورة الأعلى- على غير الهداية العامة التي تشمل جميع المخلوقات لذهب بمعنى الآية ونظم السورة جميعا! يقول الشيخ محمد عبده: «فعلى المحقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملته من الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه». ٣ - ثم يقول الأستاذ الإمام- ﵀: «إن القرآن يفسّر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: - موافقته لما سبق من القول. - واتفاقه مع جملة المعنى. - وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته!» (١). ومعنى ذلك أنه لا بد للدارس هنا أن يراعي التناسب بين السابق واللاحق: بين فقرات الآية الواحدة، وبين الآيات بعضها وبعض، أي إن وجه هذا الارتباط بين الآية الواحدة، وبينها وبين سائر الآيات، يجب ألا يهمل على الإطلاق للمفسر بوجه عام، ولعل الخلافات الشديدة التي قامت بين المتكلمين وبين الفقهاء في فهم الآيات كان مصدرها- أو أحد مصادرها الأساسية- عدم مراعاة هذا الارتباط وهدم فكرة النظم- كما تدعى في بعض الأحيان- أو وحدة الموضوع! إن الواقف على الصورة الأدبية للقرآن، الملم بإعجازه وأسلوبه، لا يقبل أن

стр. 212

يقدّر في أسلوب القرآن تلك التقادير البعيدة والمجازات المعقدة التي تجوز على شعر الشمّاخ والطّرمّاح، كما يقول أبو حيان في مقدمة تفسيره الواسع: «البحر المحيط» (١). ولهذا فهو أولى «المفسرين» بمراعاة ذلك التناسب، وهو في نفس الوقت أقدرهم على الكشف عنه من أقرب طريق ... ومن هنا صحّ لبعض الدارسين المحدثين ما نادى به من ضرورة تقدم «الدراسة الأدبية للقرآن» لأية دراسة أخرى لهذا الكتاب الكريم (٢)،- سواء أخرجتنا هذه الدراسة من نطاق «التفسير» إلى نطاق الأدب من جميع الوجوه، أم من وجه دون وجه- تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن: «إن الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هي ما يجب أن يتقدم كل دراسة أخرى فيه، لا لأنه كتاب العربية الأكبر فحسب، ولكن- كذلك- لأن الذين يعنون بدراسة نواح أخرى فيه، والتماس مقاصد بعينها فيه، لا يستطيعون أن يبلغوا من تلك المقاصد شيئا دون أن يفقهوا أسلوبه الفذ ويهتدوا إلى أسراره البيانية، كيلا يختلط عليهم الأمر أو يغيب عنهم شيء من مدلول اللفظ القرآني وإيحاء التعبير به. فسواء أكان الدارس يريد أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية، أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللغوية أو البلاغية، أم كان يريد أن يفسر آيات الذكر الحكيم تفسيرا عاما على النحو الذي ألفناه في كتب التفسير، فهو مطالب بأن يتهيأ أولا لما يريد، ويعدّ لمقصده عدته: من فهم مفردات القرآن وأساليبه، فهما يقوم على الدرس الأدبي المتذوق، المدرك لأقصى ما يستطيع من إيحاء التعبير» (٣).

стр. 213

٤ - وأخيرا، فإن الوقوف على القيم والمبادئ التي نزل بها القرآن، ومعرفة طرف من قيمتها الحقيقية، تحتم على الدارس أن يكون ملما بالحالة التي كان عليها العرب في الجاهلية وفي عصر التنزيل- مع الإلمام بأحوال الجاهليات الأخرى كذلك- حتى يدرك معنى الجديد، الإنساني والعالمي، الذي جاء به القرآن، ومدى الأثر و «التأثير» الذي أحدثه في النفس العربية ... وفي العالم! وليقف على البعد الاجتماعي لهذا الكتاب الخالد! ... وقد روي عن عمر بن الخطاب في ذلك كله كلمة بعيدة الدلالة حين قال: «إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة!» لأن من جهل تلك الأحوال يجهل معاني القرآن ويجهل أثره ... ويجهل جديده الذي جعله الله مغيرا لأحوال الناس ... هذا، وإن ميزة الوقوف على أحوال الجاهلية العربية أوضح بطبيعة الحال من أجل فهم اللغة العربية ومدلولاتها. ونؤكد أخيرا، أو مرة ثانية، على القول: إن سبيل التفسير- أيا كان لونه- لا يتم بدون معرفة رسالة القرآن الأساسية ووجهه الأول، وهو أنه «كتاب هداية وتشريع، ودستور جامع للحياة الإنسانية المثلى» على ما احتوى عليه من حقائق كثيرة وإشارات متنوعة عن النفس والطبيعة والسنن الكونية والحضارة والتاريخ والاجتماع؛ لأن هذه الحقائق وتلك الإشارات إنما جاءت في معرض الدلالة والعظة والتفكر والاعتبار، ويجب أن تفهم و «تفسر» في ظل الرسالة السابقة والوجه الأول، بحيث ننزّه النص القرآني عن «الفروض» العلمية، والآراء «النظرية»! ونخرجه عن أن يصبح كتابا في «تاريخ العلم» أو تاريخ الأحياء ... على نحو ما فعل بعض «المفسرين» في أسوأ حالات «الجزر النفسي» الذي عانت منه الأمة الإسلامية في وقت ليس ببعيد! (١). إن الإشارات العلمية التي وردت في القرآن الكريم- في أبواب العلم

стр. 214

المختلفة- جاءت كإطار أو حوافز للعقل الإنساني، أو كتطبيق على المنهج العلمي الذي جاء به القرآن، ورسم خطواته. ولم يرد لهذه الإشارات، التي يتم فهمها أو الوقوف عليها خلال العصور، أو مع ارتقاء الإنسان في الكشف عملا بذلك المنهج، لم يرد لها أن تكون بديلا عن العقل أو التجربة الإنسانية! لأن هذا على الضدّ مما دلّ عليه القرآن، أو مما قصده وحثّ الإنسان عليه! ولهذا، فإن ما يزعمه البعض من أن القرآن الكريم انطوى على حقائق العلم وسنن الكون أو الطبيعة، أو ما يسمّى النظريات العلمية، جميعها ... لا يعدو أن يكون تبريرا لواقع الكسل والجمود، ونكوصا عن الامتثال لأوامر القرآن بالنظر والملاحظة والتجربة ... ولا يجوز الاحتجاج بقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: الآية ٣٨] لأن هذه الآية الكريمة يجب أن تفسّر أو تفهم في ضوء قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: الآية ٩]. وفي ضوء رسالة القرآن التي جاء بها أو نزل من أجلها ... وهي رسالة الهداية والتوحيد، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ قال تعالى في مطلع سورة إبراهيم: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) [الآيتان ١ - ٢]. وفي الفصل التالي مزيد من البيان.

стр. 215

الفصل الثالث التفسير «العلمي» لآيات الكون والطبيعة أولا- معنى التفسير العلمي وأسباب ظهوره: يعد التفسير العلمي أحد فروع أو ألوان التفسير المعاصر. ويراد به: الاستناد إلى حقائق العلم التجريبي- ونظرياته- في شرح آيات الطبيعة والإنسان- آدم وبنيه- والتي وردت في القرآن الكريم في سياقات شتى، ومواضع متعددة. لقد عني بعض المشتغلين بالتفسير، وبعض الباحثين والكتّاب المسلمين بهذا الضرب من ضروب التفسير، أو بهذا النوع من آيات الكتاب العزيز، في ضوء الأسباب التالية: ١ - الكشوف العلمية، التي امتاز بها العصر الحديث، والتي تناولت الطبيعة في مظاهرها وفروعها المتعددة: «النبات، الحيوان، الفلك، الجغرافية ... الفيزياء ... إلخ» وكذلك الإنسان في مراحل خلقه المختلفة وفي جوانبه المادية أو العضوية. فإذا علمنا أن القرآن الكريم أشار إلى بعض هذه الجوانب والمراحل، وأشار كذلك إلى الكثير من مظاهر الطبيعة تلك؛ أدركنا السبب في اتجاه بعض الباحثين والمفسّرين نحو هذه الكشوف يستعينون بها في التفسير، أو يحاولون فهم الآيات الكريمة في ضوئها أو انطلاقا منها. ساعدهم على ذلك- أو دفعهم إليه

стр. 216

فيما يبدو- ما وقفوا عليه من شروح المفسّرين القدامى لهذه الآيات! والتي عبّرت عن فهم غير سديد تارة، أو عن رأي لا يزيدنا علما بفهم الظاهرة تارة أخرى ... بل إن الأمر وصل في كثير من الأحيان إلى حد الاستعانة بالروايات الإسرائيلية، انطلاقا من أن هذه الاستعانة لا ضرر معها، لأنها لا تنطوي على تحريم حلال، أو تحليل حرام! مع ما تضمنته بعض هذه الروايات من تصورات خرافية، كما تبين لنا فيما بعد. ومن هنا، فإن هذه المشكلة، أعني مشكلة تفسير بعض الآيات القرآنية بمثل هذه التصورات، واجهت المسلمين في عصر لا حق، ولم يشعر بها من اعتمدها أو نقلها من المفسّرين السابقين، نظرا لأن الوقوف على التفسير الصحيح لتلك الإشارات القرآنية مشى في ركاب الكشوف العلمية التي جاء بها العصر الحديث. ٢ - محاولة بعض المسلمين اللحاق بركب التقدم العلمي، والتأكيد على عدم معارضة القرآن والإسلام للعلم! وإذا كان مثل هذا التأكيد لا يحتاج إلى بيان، كما سنشرح في الفقرة التالية، فإن الإصرار على تفسير آيات الطبيعة في القرآن بحقائق العلم التجريبي ونظرياته، تحمل في طياتها نقدا للمفسّرين السابقين أو اعتذارا عنهم، من جهة. كما تحمل الدلالة على أن القرآن الكريم لا يعارض العلم، وأن المعارضة إنما تكمن في بعض شروح المفسّرين، من جهة أخرى. ولكن المشكلة في هذه المحاولة أنها وصلت في كثير من الأحيان إلى حد التبرير لقعود المسلمين وتخلّفهم في ميدان البحث والاكتشاف العلمي! أو أنها انطوت على معنى (التعويض) عن هذا القعود والتخلف، على أقل تقدير! وكأن لسان الحال يقول: وما علينا! وقد سبق القرآن هؤلاء العلماء بمئات السنين! والعجيب في هذه النقطة أن أشد الناس غلوا في الدعوة إلى تفسير القرآن بتلك النظريات أو إلى التفسير العلمي للقرآن كما قلنا؛ والذي كاد أن يقلب كتب التفسير إلى كتب في علم الأحياء أو الفلك أو الطب، لم يخطئ في نقد العلماء

стр. 217

الأقدمين لإسرافهم في علم الفقه والتوحيد، وتقصيرهم في علوم الكون والطبيعة- حتى وقعوا فيما وقعوا فيه من أخطاء في تفسير آيات القرآن الكريم- ولكنه أخطأ أو أسرف في ظنه أن الطريق إلى هذه العلوم هو تفسير المفردات والجمل والتراكيب. أو نقل ما اكتشفه الأوروبيون في هذا الباب، وحشو كتب التفسير فيه، لأدنى مناسبة، أو لمجرد أن آية من آيات الكتاب العزيز جاء فيها ذكر السماء والأرض، أو أشارت إلى نبات أو حيوان! لقد أخلّ المفسّر المشهور الشيخ طنطاوي جوهري- ﵀ في كتابه الجواهر- وهو المقصود بهذا الإسراف في الاعتبار الأول- برتابة كتب التفسير التي عرفها عصره، أو انحدرت إليه، ... وهذا مما يحمد له، ولكنه أخطأ طريقه إلى التقدم العلمي، حين وقف عند حدود النقل، أو حين ظن أن هذا التقدم يتحقق بحشو كتب التفسير بهذه النقول، وبطريقة إجراء المطابقة بين كشوف القوم العلمية وآيات القرآن الكريم، وبغض النظر عن التعسف في إجراء هذه المطابقة في معظم الأحيان. لقد وصف الشيخ الطنطاوي جوهري كتابه بأنه يشتمل «على عجائب بدائع المكونات، وغرائب الآيات الباهرات»! وقال فيه أيضا: «بهذا الكتاب وأمثاله سيستيقظ المسلمون سريعا، وسيجيء جيل لم تشهد الأرض مثله ... أيها المسلمون هذا هو علم التوحيد في الحقل والجبل والزرع والشجر والثمر والشمس والقمر، لا في الكتب المصنّفة المشهورة، هي والله مبعدة عن حكمة الله، ومبعدة عن معرفة آياته» (١)!! لقد أبعد الشيخ- ﵀ النجعة، ولم يتحقق له ما أمّل أو أراد! ٣ - ويقرب من هذا السبب، أو يكمله ويتممه، أن المسلمين وجدوا في هذا اللون المعاصر من ألوان التفسير تأكيدا لإعجاز القرآن، أو بابا جديدا من

стр. 218

أبوابه، حتى دعوه بالإعجاز العلمي، بل يمكن القول: إن التفسير العلمي والإعجاز العلمي، صارا قرينين أو شيئا واحدا في عرف كثير من الدارسين والباحثين. والواقع أن المسلمين وجدوا في هذا اللون من ألوان التفسير، أو في هذا الوجه من وجوه الإعجاز- كما دعوه- ميدانا ملائما للدعوة إلى الإسلام، وإقامة الدليل على أن القرآن وحى يوحى، وأنه تنزيل من حكيم حميد، في الوقت الذي ضعفت سليقة العرب اللغوية، وأضحوا غير قادرين على «تذوق» الإعجاز البياني للقرآن الكريم ... وفي الوقت الذي عدّ فيه هذا «الإعجاز الجديد» قادرا على مخاطبة العرب وغير العرب، كما يقوى على إدراكه المسلمون وغير المسلمين، بل إن غير المسلمين من الأوروبيين المكتشفين للسنن، أو أصحاب التقدم العلمي المشار إليه، يأتون في مقدمة من يعقل عن القرآن هذا الإعجاز، أو بعبارة أدق: هذا السبق العلمي الباهر الذي جاء به القرآن الكريم قبل مئات السنين. ونحن هنا نؤرخ لظهور هذا اللون من ألوان التفسير، ونتحدث عن أسباب نشأته في هذا العصر، أو على هذا النحو. ولا ندقق في صحة هذا السبب الأخير، أو في صواب هذه التسمية: «الإعجاز العلمي» والذي يمكننا أن نقوله- باختصار شديد- إن الإعجاز الحقيقي في هذا الجانب، وأعني جانب الحقائق العلمية عن الكون والإنسان التي أشار إليها الكتاب العزيز، يمكن في طريقة القرآن في التعبير عن هذه الحقائق، لا فيما سمّيناه تفسيرا علميا قد نخطئ فيه أو نصيب! لقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقائق على نحو يفهم خلال العصور! بمعنى أن أسلوب القرآن ونظمه وبيانه- الذي جعلناه مناط الإعجاز فيما سبق- اتّسع للتعبير عن هذه الحقائق العلمية على نحو لا يعجز عن خطاب الإنسان في أي عصر، ولا يحمّله كذلك أكثر مما يطيق. كما قلنا في ختام الفصل السابق. هذا هو وجه الإعجاز عندنا في هذه المسألة.

стр. 219

وغني عن البيان أنه ليس في مقدور أحد من الثقلين أن يكتب بهذه الطريقة، أو أن يجيء بمثل ما جاء به القرآن. وهذا هو السبب في أن القرآن الكريم فهم وفسّر خلال هذه العصور. أما انفراد العصر الحديث- عصر الكشوف العلمية- بهذا اللون من ألوان الفهم، أو ألوان الشرح والتفسير، فيعود إلى أن إدراك المدلول (العلمي) أو الحقيقي للإشارات القرآنية المتعلقة بالطبيعة والإنسان، يتوقف على التجربة والعمل الإنساني، التي هي من عمل العصور القادمة لعصر التنزيل- والقرآن كما نعلم لجميع العصور- أي يتوقف على تطبيق المنهج القرآني في التعامل مع هذه الإشارات والظواهر، أو على الامتثال للأمر القرآني بالنظر والملاحظة والتجربة، كما سنوضح ذلك في الفقرة التالية: ثانيا- بين التفسير العلمي والمنهج العلمي: ما نسمّيه اليوم تفسيرا علميا لا يعدو أن يكون نوعا من المطابقة بين الإشارات العلمية التي وردت في القرآن الكريم وكشوف الآخرين لبعض السنن والقوانين الكونية، أو لمدلول لتلك الإشارات فيما يذهب إليه الشراح والمفسّرون. وتشير هذه الحالة- البائسة- إلى مدى قصورنا نحن المسلمين وعدم امتثالنا للمنهج العلمي الذي تضمّنه القرآن الكريم نفسه ودعا إليه، بوصفه الطريق الصحيح للاكتشاف، وبوصف هذا التقدم والاكتشاف من عمل الإنسان في جميع العصور. وبوصف القرآن- قبل ذلك جميعه- كتاب هداية وتشريع، ودستورا جامعا للحياة الإنسانية المثلى إلى يوم الدين. وليس كتابا في الطب أو الفلك أو تاريخ الأحياء! ولا تمكن «علمية» القرآن و «عصريته» في عدد السنن والقوانين والحقائق العلمية التي أشار إليها أو «أسهم» فيها في «تاريخ تطور العلم» أو في تاريخ العلم، ولكن في «المنهج العلمي» الذي جاء به، والشروط النفسية والاجتماعية التي أشاعها، أي في المناخ العقلي والعلمي الذي أوجده .. والذي يسمح للإنسان أن يفكر ويلاحظ ويجرّب، دون أن يصدّه عن ذلك صادّ، أو يقف في وجهه معترض!

стр. 220

ولهذا، فإن علينا أن نلاحظ في خطوات هذا المنهج الذي جاء في القرآن الكريم، أنّ الإشارات لتلك السنن والحقائق العلمية جاءت في نهاية هذه الخطوات، كأمثلة، ونماذج تطبيقية، ولسوف تفضي إليها أو لما شاء الله تعالى منها- يوما بعد يوم- التجربة والعمل الإنساني، ولم يرد لها أن تكون بديلا عنه، أو أن تحل محله! ولهذا فإن بعض الصحابة الذين سألوا عن بعض هذه الظواهر؛ أجيبوا عن (وظيفتها) لا عن طبيعتها أو آليتها أو كيفية عملها! لأن الشريعة ربطت بهذه الوظيفة، أو أناطت بها بعض الأعمال والتكاليف الشرعية، في سياق كون القرآن كتاب هداية وتشريع كما قلنا قبل قليل، وتأكيدا على أن معرفة هذه الطبيعة أو اكتشافها إنما هو من عمل التجربة والعقل الإنساني في سائر العصور! جاء في كتب التفسير أن قوما من المسلمين سألوا النبيّ ﷺ عن الهلال، و «ما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس» كما روي ذلك عن ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم، وعن أبي العالية قال: «بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لم خلقت الأهلة؟» فأنزل الله تعالى:* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) (١) [سورة البقرة، الآية ١٨٩]. أما سبب محاق القمر وكماله ومخالفته لحال الشمس، فإن الوقوف عليه من عمل الإنسان في مختلف العصور! وربما كان هذا هو السبب- فيما نلاحظ- في هذا الاقتران في الآية الكريمة بين الإجابة عن «وظيفة» الأهلّة، لا عن قانونها وطبيعة عملها، والأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها لا من ظهورها، أي إنهم بسؤالهم ذلك لم يأتوا البيوت من أبوابها ... والله تعالى أعلم.

стр. 221

ثالثا- خطوات المنهج العلمي في القرآن: أما خطوات هذا المنهج ومراحله، فقد رسمتها الآيات القرآنية على النحو التالي: ١ - أزاح القرآن الكريم عن كاهل العقل الإنساني كل ما يعوقه عن الملاحظة والتفكر، سواء أكان ذلك: (أ) من موروثات البيئة (أي الماضي). قال الله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) [سورة يونس، الآية ١٠١]. وقال تعالى: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) [سورة الزخرف، الآيات ٢٠ - ٢٣]. (ب) أو من ضغط المجتمع (أي الحاضر من حول الإنسان) قال تعالى: * قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سورة سبأ، الآية ٤٦]. ٢ - أوضح القرآن الكريم بجلاء، وفي آيات كثيرة، أن الكون خاضع لسنن كونية ثابتة. وأنه يتصف بالحركة، والانتظام، والكمية، والتقدير والتصنيف. فوق ما جاء فيه من وصف شامل للطبيعة لم يقتصر على السماء دون الأرض، ولا على الجماد دون النبات، ولا على الإنسان دون الحيوان ... إلخ. وقد جاء التعبير عن هذه السنن الكونية، وعن ثباتها وديمومتها، على النحو التالي، المثير للتأمل، والآخذ بيد العقل الإنساني نحو تفهم خطواتها ومراحل تكوينها وعملها! قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [سورة النور، الآية ٤٣].

стр. 222

وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) [سورة الزمر، الآية ٢١]. وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) [سورة الحج، الآية ٦٣]. وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) [سورة الحج، الآية ٦٥]. وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) [سورة الفرقان، الآيتان ٤٥ - ٤٦]. وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) [سورة يس، الآية ٧٧]. وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) [سورة الأنبياء، الآية ٣٠]. والآيات في هذا الباب كثيرة كما هو معلوم، وقد نشير إلى بعضها في سياق بعض النقاط التالية، مكتفين هنا بالإشارة إلى آية أو آيتين للدلالة على الأوصاف السابقة التي وصف بها الكون في آيات الكتاب العزيز؛ مع الإشارة إلى أن الآية الواحدة في أغلب الأحيان، أو في أحيان كثيرة، فيها دلالة على أكثر من صفة من هذه الصفات؛ ففي الحركة؛ يقول تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [سورة الأنبياء، الآية ٤٤].

стр. 223

وقال تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) [سورة الذاريات، الآية ٤٧]. وقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ [سورة إبراهيم، الآية ٣٣]. وفي الانتظام؛ قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) [سورة يس، الآيات ٣٧ - ٤٠]. وقال تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) [سورة المؤمنون، الآيتان ١٨ - ١٩]. وفي الكمية، قال تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) [سورة الحجر، الآيات ١٩ - ٢١]. وقال تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) [سورة الرعد، الآية ٨]. وقال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢) [سورة الإسراء، الآية ١٢]. وأخيرا جاء في التصنيف قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [سورة النور، الآية ٤٥]. وقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما

стр. 224

فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [سورة الأنعام، الآية ٣٨]. ٣ - صور القرآن الكريم علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها علاقة مخلوق بمخلوق وعلى أنها علاقة مخلوق سام بمخلوق مسخّر! فالشمس والقمر والنجوم، والفلك والأنهار والبحار ... وكل ما في السموات وما في الأرض مسخّر للإنسان، قال تعالى:* اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) [سورة الجاثية، الآيتان ١٢ - ١٣]. وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) [سورة إبراهيم، الآيتان ٣٢ - ٣٣]. إن هذه العلاقة، كما يصوّرها القرآن الكريم في وضوح أخّاذ، ليست قائمة على النديّة أو المغالبة! فضلا عن أن تكون قائمة على الرهبة والخشية ... أو العبادة! والعجيب أن الإنسان في سذاجته القديمة أو جاهليته الأولى اتخذ من مظاهر الطبيعة التي سخرت له وقصد بها نفعه ... معبودا من دون الله! حتى إذا وصل إلى مرحلة ما من مراحل اكتشاف سننها وقوانينها ... كاد أن يتجه إلى هذه السنن والقوانين ذاتها بالعبادة! حين توهم أن هذا الاكتشاف يغنيه عن تقدير خالق هذه السنن، وواضع هذه القوانين. إن قانون تشكل السحب، أو نزول المطر، أو خروج النبات، أو سير السفن، لا يمكن أن يكون هو الخالق، لأن هذا القانون ليس إلا حادثة مصنوعة، وارتباطا بين أمرين أو أمور متعددة- ارتباط نمو النبات بنزول المطر، ونزول المطر بتكاثف السحب، وتكاثف السحب بتبخر الماء ... إلخ- ويحتاج إلى «مقنّن» وخالق لهذا الارتباط المنظّم بين أجزاء الكون. وهو الأمر الذي كانت تشير إليه آيات التسخير هذه باستمرار .. ضبطا لنتائج

стр. 225

الاكتشاف .. وليس تهوينا من شأنه! أو إبطالا لقانون الأسباب، أو بعبارة أخرى: حفاظا على وضع الإنسان ومكانته في الكون: عبدا لله، وسيدا للطبيعة! لأن الإنسان قد تطغى عليه حماسته وتقديره لمكانته في حمّى الاختراع والاكتشافات ... فيضع نفسه في غير موضعها، أو يرفعها فوق مكانتها!! نعود إلى هذا الانتفاع غير المأجور، أي التسخير الذي يمكن عدّه الإطار لجميع السنن والأوصاف السابقة التي جاءت للكون في القرآن الكريم، لنقول: إنه لا يمكن بغير الوقوف على هذه السنن التي تحكم الظواهر حتى يتمكن الإنسان من تحقيق هذا الانتفاع، أو الارتقاء به إلى أقصى الدرجات؛ خصوصا إذا علم من خلال النقطة السابقة أنه لا يتعامل مع كون مشتت أو مضطرب، أو يخضع للتبدل والتحول بدون نظام يحكمه أو قانون يخضع له، فما عليه إلا أن يلاحظ ويفكر ... ٤ - وغني عن البيان أن نشير بعد ذلك إلى ما ورد في القرآن الكريم من أمر للإنسان بالنظر والتفكر والاعتبار والضرب في الأرض، والبحث في ميادين النفس والمجتمع، والتاريخ، والطبيعة. وما ورد فيه كذلك من مادة «العقل» و «النظر» ونحو ذلك، في عشرات المواضع، وفي شتى السياقات والمجالات كما قلت. قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [سورة العنكبوت، الآية ٢٠]. وقال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها [سورة ق، الآية ٦]. وقال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) [سورة الطارق، الآية ٥]. وقال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [سورة الروم، الآية ٨]. وقال تعالى: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ

стр. 226

لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) [سورة الجاثية، الآيات ٣ - ٥]. والآيات في هذا الباب لا تغطي مساحة واسعة في النص القرآني فحسب، بل إنها بحاجة إلى تصنيف دقيق، كلّ في بابه الواسع، وشعبته الخاصة، والسنة المقصودة في هذا السياق، ونحو ذلك. ٥ - ورد في القرآن الكريم إشارات كثيرة حول بعض القضايا الكونية والسنن الطبيعية، وحول خلق الإنسان ... جاءت كإطار أو حوافز للعقل الإنساني، تضاف كتطبيق على هذا المنهج وتلك المقدمات، وعلى نحو يتم إدراكه والوقوف عليه خلال العصور؛ لأن هذه الإشارات لم يرد لها أن تكون بديلا عن العقل الإنساني أو التجربة الإنسانية كما أشرنا قبل قليل. ولكن إذا كان المنهج يمثل الطريق الذي يهدي الإنسان حتى لا يضل في تعامله مع الطبيعة كما ضلّت من قبل أمم وشعوب كثيرة، فإن هذه الإشارات- التطبيقية- تأتي في باب الشواهد على البعد الزماني للقرآن، وأنه لا يلحقه باطل في قادمات الأيام! ... بل تأتي في باب التأكيد المستمر على مصدر هذا الكتاب الخالد، وأنه تنزيل من حكيم حميد ... كلما ارتقت بالإنسان تجاربه وعلومه. أو كلما عاد إلى تلك الإشارات ففهم منها ما لم يكن قد عرفه أو وقف عليه من قبل! قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصلت، الآية ٥٣]. وسواء أسمّينا ذلك إعجازا، أو جعلناه بابا من أبوابه، ولونا من ألوانه، أو نوعا من أنواعه .. أم لا. وفحوى ذلك أن «الامتثال» لهذا المنهج العلمي، أو لخطواته التي جاءت في القرآن الكريم هي التي تؤدي إلى معرفة القوانين والوقوف على السنن .. الأمر الذي يتمكن معه العالم فيما بعد- وإن شئت قلت: عالم الطبيعة ومفسّر القرآن- من إجراء المطابقة بين الاكتشاف ونصوص القرآن. أو يتمكن من إقامة الدليل

стр. 227

الحسّي والبرهان الماديّ على صحة (الفرضية) التي أوحت له بها بعض الآيات، فيترجح عنده آنذاك صحة فهمه للآيات التي أشارت إلى تلك الظاهرة، ويقدم لنا ما يطلق عليه: التفسير العلمي للقرآن الكريم، أو التفسير العلمي لآيات الكون والطبيعة في القرآن الكريم. رابعا- شروط التفسير العلمي: وحتى يأتي مثل هذا التفسير صحيحا أو مقبولا على أقل تقدير، لا بد فيه من مراعاة بعض الشروط والقواعد، ونوجز فيما يلي أبرز هذه الشروط: ١ - لا يفسّر القرآن إلا باليقينيات العلمية، أو بالحقائق الثابتة التي ارتقت من درجة الفروض أو النظريات العلمية إلى مقام اليقينيات أو «الفعل الواقع القائم» بحسب عبارة موريس بوكاي، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه التغيير والتبديل! يسلم بوكاي بأن العلم متغيّر مع الزمن، وأن ما يمكن قبوله اليوم قد يرفض غدا، ولكنه يقول: يجب التفريق بين النظرية العلمية «وبين الفعل موضوع الملاحظة». فالنظرية العلمية يمكن أن يستغنى عنها بما هو أكمل منها وأصح لتفسير الظاهرة، ولكن الفعل موضوع الملاحظة يبقى قائما. وقد يمكن تعريف سماته بشكل أحسن، ولكنه يظل على ما كان عليه من قبل. يقول: فدوران الأرض حول الشمس، والقمر حول الأرض، يبقى فعلا واقعا قائما، ولن نرجع عنه أبدا، ولكن قد يمكن في المستقبل تحديد المدارات بشكل أحسن (١). وبناء على هذا التفريق بين الحقيقة العلمية الواقعة، أي الثابتة بالدليل الحسّي والبرهان المادي، والنظريات والفروض، تناول بوكاي القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى السابقة، بالدراسة والمقارنة بين مواقفها من تلك الحقائق الواقعة

стр. 228

فعلا ليلاحظ أو ليقرر أن المقابلة بين نص القرآن والمعطيات الحديثة للعلم، تجعلنا نبهر لتحديدات القرآن الدقيقة، التي لا يمكن أن تصدر عن إنسان عاش منذ أربعة عشر قرنا! ويقول: «وتناولت القرآن، منتبها بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات، وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن هذه الظاهرات نفسها، والتي لم يكن ممكنا لأي إنسان في عصر محمد ﷺ أن يكوّن عنها أدنى فكرة! ... إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص- القرآن- أول مرة، هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك الخلق، وعلم الفلك، وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات. وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة لا نكتشف في القرآن أي خطأ» (١). وعلى سبيل المثال التطبيقي لهذه النقطة، أو لهذا المنهج الذي أوضحه بوكاي، تحدث عن المعنى الفريد، الذي جاء به القرآن في الآيتين الكريمتين في قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [سورة لقمان، الآية ٢٩]. وقوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [سورة الزمر، الآية ٥]. فقال: إن العلم الحديث يجعلنا ندرك بسهولة كيف يتداخل كل من النهار والليل في حركة الأرض حول محورها وحول الشمس الثابتة نسبيا. وربط بهذا تعدد المشارق والمغارب، قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [سورة المعارج، الآية ٤٠]. وقال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) [سورة الرحمن، الآية ١٧].

стр. 229

وغني عن البيان، بعد ذلك، أنه لا خلاف على جواز تفسير هذه الآيات بما يدل على أن كروية الأرض تمثل حقيقة علمية واقعة، وكذلك الآيات التي أشارت إلى دحو الأرض وطحوها، ونحو ذلك من الآيات الكريمة؛ قال تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) [سورة النازعات، الآيتان ٣٠ - ٣١]. وقال تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) [سورة الشمس، الآيتان ٥ - ٦]. وقد لاحظنا- بهذه المناسبة- أن الإشارة إلى كروية الأرض جاء في سياق الحديث عن خلقها وبنائها، وأن الإشارة إلى بسطها جاء في سياق الحديث عن تسخيرها وانتفاع الإنسان بها، قال تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً (٢٠) [سورة نوح، الآيتان ١٩ - ٢٠]. والآيات التي لاحظ بوكاي أنها تتطابق مع معطيات العلم الحديث كثيرة جدا، وربما كانت بعض ملاحظاته أو تفسيراته- على الرغم من وضوح المنهج- موضع نظر. ونكتفي بالإشارة إلى ملاحظته حول «الفلك» في القرآن! يقول بوكاي: إن القرآن لا يذكر المفهوم الفلكي القديم عن مركزية الأرض ودوران الشمس حولها. بل يذكر أن كلا من الشمس والقمر يجري في فلكه، وهو الأمر الذي قرره العلم الحديث. ويقول أيضا: إن القرآن الكريم قدم مفهوما جديدا لم يكن معروفا في عصره، وهو مفهوم الفلك الذي يدور فيه كل كوكب: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس، من الآية ٤٠]. وقد علل بوكاي اختلاف المفسّرين المسلمين القدامى لكلمة «الفلك» بكونهم لم يدركوا حقيقة هذا المفهوم لأنه كان فوق طاقتهم! ٢ - حقائق العلم هذه لا تفسّر بها المعجزات والأمور الخارقة للعادة التي نصّت عليها الآيات الكريمة، نظرا لافتراق «موضوع» هذه الآيات عن آيات الكون

стр. 230

والطبيعة وأطوار الخلق، وسائر الآيات التي يمكن الانتفاع بحقائق العلم وثوابته في تفسيرها وشرح معانيها. بل نقول أبعد من ذلك: إن الآيات القرآنية التي تحدثت عن المعجزات والخوارق لا يمكن إقحامها في باب العلم التجريبي أصلا، لأنها إنما ثبتت بمقدار مخالفة السنن والقوانين، فكيف يتأتى تفسيرها من خلال هذه السنن والقوانين. ولهذا، فإن من فعل ذلك من المعاصرين لم يصل إلى ما وصل إليه إلا عبر أسوأ وجه من وجوه التأويل من جهة، وإلا بعد الإخلال بنظم القرآن ومسلّمات الإيمان من جهة أخرى. كمن فسّر حمل مريم بعيسى- ﵉ بكونها خنثى- أي من له مبيض في جهة، وخصية في الجهة الثانية!! (١) - ولا يدري القارئ مع هذا التفسير العجيب كيف تكون مريم وابنها آية للعالمين؟ وما معنى قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [سورة آل عمران، الآية ٥٩] إلخ الآيات الدالة على المعجزة و «الاستثناء» في حمله وولادته. ومثل هذا، أو قريب منه من تحدث عن الكهرباء، وكيف يصعق التيار الكهربائي (٢) الأحياء ... في سياق شرحه لقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) [سورة الأعراف، الآية ١٤٣]. وقال طنطاوي جوهري، وهو يتحدث عن معجزة موسى- ﵇ التي نصّت عليها الآية الكريمة:* وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [سورة البقرة، الآية ٦٠]. قال: «إن الله تعالى اختار الحجر ليضربه موسى بعصاه دون غيره ليلفت

стр. 231

العقول إلى بدائع خلقه ومعجزاته في الكون، فالحرارة تحوّل الماء بخارا، والبرد يجمّده وهو بين الصخور فيصدّعها!!» (١). وقد لا يكون في مثل هذا التفسير فساد بيّن، ولكنه يخلّ بمعجزة موسى- ﵇ بوجه من الوجوه. على الرغم من بواعث المؤلف الطبية (٢)، في حمل المسلمين على الأخذ بأسباب العلم، وأن ذلك لا يعارض دينهم، أو لا يعارضه كتاب ربهم! قلت: وهذه على أية حال مرحلة تجاوزها الفكر الإسلامي الحديث، وإن كان الإخلال بالمعجزات الحسية، أو تمييع مفهومها، حصل على نطاق واسع في هذه المرحلة! حيث مزجت بالعلم، أو فهمت وفسّرت في ضوء معطياته .. حتى المعطيات التي لم تبلغ حد الثبات واليقين! فمعجزة سليمان- ﵇ بتسخير الريح، يعلق عليها علي فكري- ﵀ بقوله: «من تأمل في هذه الآيات: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ [سورة سبأ، الآية ١٢] يشعر بأن سليمان- ﵇ كان له سفر هوائي منظم!! ... ومن ذلك يتضح أن اختراع الطائرات في هذا العصر قد سبق إليه العصر السليماني، وهذا من معجزات القرآن» (٣)!! ومن العجيب حقا هذا القلب للحقائق تحت عنوان التفسير العلمي، أو في سبيل حض المسلمين على الأخذ بأسباب التقدم العلمي. ٣ - وتذكرنا هذه الأمثلة والشواهد بشرط ثالث، وهو أنه لا يجوز التفسير لأدنى مناسبة، أو لأن لفظا قرآنيا، أو مفردة وردت في القرآن .. صارت فيما بعد عنوانا على مخترع حديث، أو مسألة من مسائل العلم! ومن أصول التفسير

стр. 232

المسلّمة عند علمائنا أنه لا يجوز- بوجه عام- تفسير القرآن باصطلاح حادث بعد نزوله؛ لأننا لو فعلنا ذلك لعدنا على معاني القرآن بالتحوير والتبديل، أو بالإبطال والإلغاء! فالملائكة المسوّمون الذين قاتلوا مع النبيّ ﷺ يوم بدر لا صلة لهم «بالجنود الذين يهبطون بواسطة الطائرات في الحروب الحالية»! والغوّاصات التي عمّ استعمالها في جميع البحار لم تكن مستعملة في عصر سليمان- ﵇ (١)، على خلاف من استنتج ذلك من قوله تعالى: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) [سورة ص، الآية ٣٧]. وقوله تعالى: وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) [سورة الأنبياء، الآية ٨٢] ... إلخ. فلا تكفي كلمة «غوّاص» أو «يغوصون» في سياق الحديث عن الشياطين!! للزعم بأن الغواصات التي عرفتها الحروب الحديثة كانت معروفة في عصر سليمان- ﵇! وكأن عالم الشياطين- بوصفه من عالم الغيب- لا معنى له أو لا وجود له في القرآن! وكأن عصر سليمان- على عكس ما يدل عليه التاريخ- عرف هذا التقدم العلمي والسبق في ميدان الاختراع! وأخيرا تحسن الإشارة إلى أن من أبرز الباحثين المعاصرين الذين يسارعون إلى أخذ الآية القرآنية شاهدا على صحة «نظرية» من النظريات العلمية، أو يحاولون تفسير الآية بنظرية من هذه النظريات: عبد الرزاق نوفل، الذي كتب كثيرا من الأعاجيب. ومصطفى محمود في كتابه السقيم: «القرآن محاولة لفهم عصري» والدكتور جمال الدين الفندي في كتابه «الله والكون» الذي رد فيه كثيرا من الأحاديث! ووقع في الكثير من المجاز وضروب التأويل. والله تعالى أعلم.

стр. 233

الفصل الرّابع تعريف بظلال القرآن لا نستغني في هذه العجالة عن التعريف بأشهر تفاسير العصر، وهو التفسير الذي اشتهر عند العامة بتفسير الظلال؛ أخذا من التسمية التي أطلقها المؤلف على كتابه الجامع وهي: «في ظلال القرآن» مشيرا بذلك- فيما يبدو- إلى أنه لا يريد أن يزعم لنفسه أنه يكتب تفسيرا للقرآن، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى .. وإن كان قد فعل ذلك- ﵀ على أدق ما يكون تعريف التفسير وأحكمه، على الرغم من المنحى الخاص، الذي نحاه في كتابه هذا، ولأسباب موضوعية بحتة؛ كما سنبين بعد قليل. والواقع أن بعض الناس ظنوا أن «الظلال» ليس بتفسير؛ بناء على ما ألفوه من كتب التفسير ودرجوا عليه .. وربما صرّح بعضهم بذلك وهو يرى الظلال لا يثير مسائل لغوية في باب الاشتقاق والإعراب .. ولا يجادل ويناقش في قضايا الفقه والأصول، أو العقيدة والخلاف .. ونحو ذلك من المسائل التي يقف عندها المفسرون في الأعم الأغلب. وإذا كانت كتب علوم القرآن، على كثرتها وتعدد مناهج مؤلفيها، قد أشارت إلى التفاسير القديمة وعرّفت بها- وقد أشرنا نحن إلى طرف من ذلك في تعليقاتنا

стр. 234

على مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير- فإن الذي تحسن الإشارة إليه هنا هو التعريف بهذا التفسير المعاصر- الظلال- الذي يعتبر من أكثر كتب التفسير رواجا، وأقربها من نفوس الطلاب والدارسين، وبخاصة طلبة الجامعات على اختلاف اختصاصاتهم واهتماماتهم. وسوف نحاول من خلال ذلك وضع هذا التفسير في موضعه .. ولو اضطرنا ذلك إلى تلخيص ملاحظاتنا العامة على التفاسير القديمة مرة أخرى. أولا- الصحابة وتفسير القرآن: كان جيل الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- هو الجيل الذي ربّاه القرآن الكريم، وأخرجه للناس جيلا نموذجيا لم يسبق له وجود في تاريخ بني الإنسان. وكان هذا الجيل الكريم الأمثل هو الجيل الذي تمثل فيه الهدف العملي للقرآن، أو الهدف العملي الواقعي القريب في هذه الحياة الدنيا، وهو إنشاء الأمة الوسط، أو الأمة المثال والأنموذج، وتبديل واقع الناس من الضلال إلى الهدى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور! ولقد تحقق ذلك في هذا الجيل القرآني الفريد، وهو جيل الصحابة الذي تربّى خطوة خطوة، ويوما بعد يوم، وقام بناؤه الشامخ لبنة لبنة؛ على نحو نزول القرآن الكريم سورة بعد سورة، ومجموعة من الآيات رواء مجموعة أخرى، على اختلاف الأوقات والأزمان، والدواعي والأسباب ... حتى تحقق ذلك الغرض العملي من كتاب الله الكريم. ويدل على ذلك- بإيجاز- قول أنس بن مالك- ﵁: «كنا إذا نزلت علينا الآيات لم نتجاوزها حتى نعمل بما فيها، فتعلمنا العلم والعمل جميعا» .. هذا العمل أو هذا السلوك الحي، أو الاستلهام للروح القرآنية، والعمل بموجبها ومقتضاها هو ما انصرفت إليه همة الصحابة، وتجردوا له- ﵃.

стр. 235

ولهذا نجد أن الصحابة- وكثيرا من التابعين من بعدهم- لم يعنوا بتدوين التفاسير المطولة للقرآن الكريم، يثقلونها بتفصيل القول في علوم القرآن، أو علوم التفسير الواسعة، ومدلولات الآيات البعيدة، أو إشاراتها العميقة ... ولم يكن ذلك لنقص في علمهم بكتاب الله، كما ظن بعضهم، بل لمزيد من هذا العلم من حيث الفهم الصحيح والمتكامل لكتاب الله؛ نظرا لمعرفتهم باللغة، ومعاصرتهم للتنزيل، وفهمهم لجميع نصوصه في سياقها وسباقها الصحيح، ومناسبتها الواضحة- بناء على ذلك التدرج- ولاستلهامهم لتلك الروح القرآنية العالية، وعملهم بموجبها يوما بعد يوم .. يخلون أمامها الطريق وهي تهدم كل رواسب الجاهلية، وأفكارها، وتصوراتها، وقيمها، وموازينها ... حتى علا ذلك البنيان الشامخ الفريد. ولهذا فإن ما خلّفه لنا الصحابة والتابعون في تفسير القرآن الكريم لا يصوّر لنا الغرض الأساس الذي نزل القرآن من أجله، والذي وعاه الصحابة- رضوان الله عليهم- وطبقوه، وعاشوه واقعا وعملا. وإذا رجعنا إلى ما أثر من تفسيرهم للقرآن الكريم لوجدنا أنه نوع من التفسيرات اللغوية، أو شرح لبعض الجمل والتراكيب، بالإضافة إلى بيان المناسبات ونحوها مما يتصل بالأماكن والوقائع والأعلام وبعض الأحكام، والذي كانوا يجدون فيه ما يكفي لرفع قارئ القرآن إلى مستوى إدراكهم وتحسّسهم للغرض الأساسي من القرآن الكريم، بدليل أن ابن عباس- ﵄ لم يؤثر عنه، وقد دعا له النبيّ ﷺ بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، لم يؤثر عنه في تفسير القرآن إلا نحو من مائة أثر أو مسألة كما قال الإمام الشافعي- ﵁. وهذا قدر قليل جدا من ترجمان القرآن إذا ما قسناه بالمطولات وكتب التفسير التي دونت فيما بعد. ولهذا: كان اختلاف الصحابة والسلف في التفسير اختلاف تنوع لا اختلاف

стр. 236

تضاد، كما لاحظ ابن تيمية- ﵀ (١) ولهذا أيضا كانت كتب تفسير القرآن في مرحلة نشأتها كتبا شارحة للغريب، لأن من الراجح أن سبيل التفسير في ذلك العصر القريب من عصر التنزيل كان يستوي بمثل هذا الشرح. ومن هنا كانت هذه الأسماء: «غريب القرآن» و «معاني القرآن» و «مجاز القرآن» أو استعملت في عرف المتقدّمين مترادفة أو كالمترادفة. أما فيما وراء ذلك، فالقرآن الكريم النابض بالحياة، المبدّل للنفوس والعقول، والذي أوجد ذلك الجيل، وأوجد هذه الأمة- وفي العصور الأولى على وجه الخصوص- هذا القرآن لا يمكن تحصيل معانيه من خلال تراث الصحابة- رضوان الله عليهم- في تفسير القرآن، وإنما ينبغي تحصيله- لمن قدر على ذلك- من خلال ذلك التمثل الكامل للقرآن، والذي تجلى في حياة الصحابة وسلوكهم وفهمهم عن الله سبحانه، ومن خلال روحهم العظيمة تلك التي سرت في العالم فأحيت موات النفوس، ونشرت دوارس العقول، ووصلت الخلق بالخالق بحبله المتين، ونوره المبين ... هذا القرآن الكريم. بل ينبغي تحصيل هذا التفسير، قبل ذلك، من خلال السيرة النبوية الشريفة وخلق النبيّ الكريم- صلوات الله عليه وسلامه- .. هذا الخلق الذي كان الصورة العملية الكاملة للقرآن الكريم، كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين- ﵂، وقد سئلت عن خلقه- ﵊ فأجابت بتلك الكلمة العبقرية الفذّة: «كان خلقه القرآن!» ولهذا صح لعلمائنا السابقين- رحمة الله عليهم أجمعين- ما قالوه في تعريف التفسير بالمأثور من أنه «ما أثر عن النبيّ ﷺ والصحابة- والتابعين- تفسيرا للقرآن الكريم» ولكن ما أثر عنهم- كما رأيت- لا ينبغي أن يكون مقصورا على الأقوال، بل يجب أن يتعداه أو يسبقه، إلى السلوك والأعمال.

стр. 237

ولهذا لم يشتغل جميعهم بكتابة تفسير القرآن، ولعلّ من اشتغل به منهم كان يرى أن جلاء تلك المفردات أو الكلمات، وبيان تلك الشروح والمناسبات كاف لرفع قارئ القرآن إلى مستوى إدراكهم هم، وتحسسهم للغرض الأساس العملي لكتاب الله الكريم. على أننا حين نقرر هذا كقاعدة عامة نقيّم بها ما ورد عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن لا نعني فتحا لمجال الترخص بإهمال ما ورد عنهم، وإهمال آرائهم وأقوالهم- وهم أدرى الناس به لما شهدوه وعاصروه، ولما اختصوا به من المنازل والأحوال- وإنما نعني أن ما ورد عنهم من الأقوال لا يكفي وحده للوقوف على فهمهم العميق للقرآن، والذي لم يدوّنوه بأقلامهم- ﵃، أما الاستظهار بما ورد عنهم، والاستفادة من أقوالهم وتعليقاتهم فأمر لا يستغني عنه من أراد فهم القرآن وتفسيره من جديد! ثانيا- المفسّرون والغرض الأساس للقرآن الكريم: ومن المعلوم أن شيخ المفسرين والمؤرخين الإمام أبا جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى سنة ٣١٠ هـ) قد ضمّ كتابه في التفسير «والموسوم بجامع البيان عن تأويل آي القرآن، والمشهور بتفسير الطبري» أو اشتمل على تفسير الصحابة والتابعين وغيرهم من عصور السلف الأولى، أو القرون المشهود لها بالخيرية والفضل. ولكن تفسير الطبري ينطوي كذلك على ما يسمى بالتفسير بالرأي؛ يظهر ذلك على أجلى ما يكون في اختيارات الطبري نفسه، وترجيحاته، وما يذهب إليه في تفسير الآية أو الآيات؛ لأن هذه الاختيارات والآراء تجاوزت الرواية المأثورة إلى ما هو أعم وأوسع؛ كل ذلك على ما تقتضيه اللغة والشريعة وأصول التفسير. ولهذا يعتبر تفسير الطبري أول خطوة هامة أو أبرز خط في السلّم البياني الذي يمكن رسمه لتاريخ التفسير، لا يضارعه في ذلك سوى تفسير بقيّ بن مخلد الأندلسي (المتوفى سنة ٢٧٦) كما ذهب إلى ذلك ابن بشكوال، وقطع به ابن حزم

стр. 238

- ﵀ وسواء أكان هذا أم ذاك، فهما يمثلان هذه المرحلة على كل حال. ثم تلت بعد ذلك معالم بارزة وخطوط عريضة لعلها تتمثل في تفسير الزمخشري (المتوفى سنة ٥٢٨) وابن عطية (ت ٥٤١) والرازي (ت ٦٠٦) ثم في تفسير القرطبي (ت ٦٧١) وأخيرا في تفسير الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤) (١) الذي يمثل علامة بارزة في ذلك الخط البياني حتى العصر الحديث. ولسنا هنا في معرض تقييم هذه التفاسير، أو سواها، وبيان مزاياها وأهميتها، ولكننا في معرض بيان القيمة الأساسية أو العامة لهذه التفاسير، وما الدور الذي قامت به في رسم الصورة الصحيحة أو الكاملة للغرض الأساس الذي نزل القرآن الكريم من أجله، والذي يتمثل- كما أشرنا- في إقامة الشخصية الإسلامية، وإنشاء جيل على قواعد هذه التربية الربانية تجعله صورة ناطقة عن الحق الذي نزل به القرآن، وبناء أمة لها خصائصها ومزاياها التي تجعل منها خير أمّة أخرجت للناس. ولكن علينا، قبل أن نبحث في تحقيق هذه التفاسير لذلك الغرض، أن نتذكر البيئة التي كان يعيش فيها هؤلاء المفسرون الأعلام، والجو الذي كانوا يتنسمونه وينطلقون منه؛ لأن الجزء الذي أغفلوه من ذلك الغرض كان متحققا من حولهم في مجتمع إسلامي، وشريعة حاكمة، وسلطان إن لم يأخذ نفسه بأحكام الإسلام؛ فإنه لا يستطيع الخروج عليها، فضلا عن استحالة إقدامه على محاربتها، أو تنشئة

стр. 239

الأطفال على خلافها .. ولهذا كان همّ المفسرين القدامى مصروفا إلى «تثقيف» المسلم، وتقديم القدر الذي يتمكن منه أحدهم، من العلوم والمعارف اللغوية والتاريخية، ونحوها لقارئ التفسير، وبخاصة الأحكام الشرعية التي يخاطب بها المكلف، ومن هنا طال وقوفهم وتشعب أمام آيات الأحكام أكثر من سواها، حتى صارت عماد بعض التفاسير كما هو معلوم. الشخصية المسلمة موجودة، والمجتمع الإسلامي قائم، والقرآن الكريم هو الذي أوجد من الأصل هذا المجتمع وتلك الشخصية .. ثم بقي- وسيبقى- زاد هذا المجتمع ومحوره ودليله. والمفسّرون خلال التاريخ الإسلامي كانوا يقدمون هذا الزاد، ويدورون حول هذا المحور؛ بحيث يمكن القول: إن من أراد أن يؤرخ للحياة العقلية أو الاجتماعية عند المسلمين فعليه أن يفعل ذلك من خلال تفاسيرهم للقرآن الكريم في الاعتبار الأول. والسؤال الآن: هل نجح المفسّرون خلال العصور في تقديم هذا الزاد الكافي أو اللازم للمجتمع الإسلامي، والشخصية الإسلامية؛ ترميما تارة، وإعادة صياغة مرة، وإحياء ونفخا للروح مرة أخرى!؟ في الإجابة عن هذا السؤال أمامنا هنا ملاحظتان نوردهما بعكس ترتيبهما الزماني: الملاحظة الأولى: أن المفسرين على وجه الإجمال بقوا على طريقتهم السابقة في التعامل مع النص القرآني، تثقيفا للمسلم، وإغناء له بأنواع العلوم والمعارف، حتى إن وقوفهم الطويل أمام آيات الأحكام الذي كان له ما يبرره لم يشفع، والمجتمع الإسلامي آخذ في التدهور، وصورة المسلم الفاعل المؤثر آخذة في التشتت والانفعال، لم يشفع بالاتجاه إلى السياق التربوي والأخلاقي والأساس العقائدي الذي وردت فيه تلك الآيات، والذي يشكل «الخلفية» أو القاعدة والمناخ الملائم لدى الفرد المسلم حتى يتقبل هذه الأحكام، أقول: لم يتجهوا إلى هذا السياق ليسلّطوا عليه الأضواء، وليكون موضع المدارسة والبحث والوقوف

стр. 240

الطويل .. بل بقي في الظل! فضلا عن بعض الأخطاء الأخرى التي لا مجال هنا للإفاضة في الحديث عنها في هذه العجالة السريعة. وهذه الملاحظة تبرز مدى المحاكاة والنقل الذي ساد المجتمعات الإسلامية في عصور الركود على وجه الخصوص .. حتى انتهى الأمر إلى مجموعة من الحفظيات يستعرض المفسر من خلالها عشرات الأقوال .. بعيدا عن الصورة القرآنية المحرّكة للنفوس والقلوب والعقول جميعا. حتى إذا صحا العالم الإسلامي على حقيقة أحواله بعيد مداهمة الحضارة الأوروبية الاستعمارية لدياره وعقيدته نهض ليدفع عنه تهمة الجهل بالعلوم الطبيعة والمعارف الإنسانية، وليعيد للشخصية الإسلامية من خلال القرآن الكريم توازنها وفاعليّتها ... إذا به، في أول عهد الصدام، لا يهتدي إلى رسالة القرآن الكبرى، وإلى الغرض الأساس أو الرئيس من نزول الكتاب الكريم، وأنه دستور شامل للحياة الإنسانية، وأنه كتاب هداية وتشريع هدفه إنشاء أمة لها خصائصها ومميزاتها كما قلنا، إذا به لا يهتدي إلى ذلك .. فيضيع البقية الباقية التي انحدرت إلى المفسّرين قبله، أو التي بقوا محافظين عليها، منطلقين في ظلّها، فكتب طنطاوي جوهري (المتوفى سنة ١٣٥٨ هـ- ١٩٤٠ م) كتابا في التفسير فيه كل شيء إلا التفسير! ولكن يمكن اعتبار هذا التفسير أول محاولة أخلّت برتابة كتب التفسير قبله، على فساد هذه المحاولة في المنهج وطريقة العرض .. ثم تبعتها في علامة بارزة أخرى- وفي ذلك الخط البياني- تأويلات الشيخ محمد عبده «وتفسير المنار» أو مدرسة المنار التي حاولت، ونجحت في ذلك إلى حد كبير، في إعادة الوظيفية الاجتماعية للنبوّة الخاتمة في ذلك المناخ الأوروبي والمتغرّب الرافض والمناقض، وشديد الوطأة كما هو معلوم! وقبل أن ننتقل إلى المحاولة الناضجة الأخيرة أو الأكثر نضجا ووعيا، والمتمثلة في «ظلال القرآن»، والتي سنعرض لها بعد قليل.

стр. 241

الملاحظة الثانية: أن حركة التفسير منذ عصر التدوين، أو منذ أن تأصّل الخلاف بين المتكلّمين وأصحاب الفرق، كانت صورة عكست نقاط الخلاف، وكانت في بعض الأحيان استجابة لها، أو محاولة لتأكيدها والانتصار لها، كما يلاحظ ذلك في كتابي الأشعري والماتريدي، وفي كتاب الرازي الذي مثّل من وجه آخر اهتمامات العصر الطبعيّة والفلسفية على منهج لا يمكن وصفه بالأصالة والوحدة، وهذا فضلا عن تفاسير المعتزلة الكثيرة التي انطلقوا فيها من مجموعة من المسلّمات التي أسموها أصولا، وحاولوا حمل الآيات عليها بتأويل قريب مرة، وبعيد مرات أخرى! والواقع أن هذه الصورة تمكننا من تلخيص ملاحظتنا الثانية هذه بأن معظم المفسرين على اختلاف نزعاتهم الكلامية والمذهبية دخلوا إلى النص القرآني- بصورة عامة- بمقرر فكري أو موقف سابق؛ حتى صار ميزان المحكم والمتشابه- على سبيل المثال- متأرجحا بين الآيات الموافقة من حيث الظاهر للمذهب أو المخالفة له (١) ... ومن هنا مهّد المتكلمون جميعا الطريق أمام التأويل. ولكن علينا أن نذكر هنا، بكل تأكيد، أن هذا المقرر الفكري المسبق لم يكن شيئا آخر خارجا عن القرآن والحديث، من موروثات أو آثار مترجمة أو منقولة كما يزعم بعض المستشرقين، ولكنه موقف اجتهاديّ نابع من طبيعة اللغة العربية وطبيعة اختلاف الفكر والنظر العقلي، كما يذكر الإمام الغزالي- ﵀. وإذا كان لنا هنا من ملاحظة نعلّل بها عدم اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير كما فعل من جاء بعدهم، أو نعلّل بها لماذا كان اختلافهم اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ؛ فإننا نقول: إن مرد ذلك إلى مزيد معرفة وعلم عند الصحابة- رضوان الله عليهم- نظرا لمعاصرتهم للتنزيل، ومشاهدتهم لأحواله، وإدراكهم لطبيعة نصوص القرآن

стр. 242

الكريم ومدلولاتها الدقيقة من خلال السياق والسباق، ومدى مساهمة هذه النصوص في رسم أجزاء الصورة للموضوع القرآني الواحد، الذي ربما توزعت صورته هذه على صفحات وأزمان متباعدة. ولم يكن هذا الفهم المتكامل الجوانب لكتاب الله العزيز، وبخاصة في مسائل الاعتقاد التي ثار حولها الخلاف، هو الأصل أو القاعدة في تفسير الخلف اللاحقين؛ حيث عمدت المدارس الكلامية إلى بعض أجزاء صورة الموضوع الواحد فجعلتها أصلا كاملا- أو مقررا فكريا مسبقا- مما اضطرها إلى إدخال سائر أجزاء صورة الموضوع الواحد في باب التأويل (١). ومعنى ذلك أن المقرر الفكري المسبق الذي لم يكن شيئا خارجا عن النص القرآني نفسه، لأن هذه هي حال جميع الفرق والمذاهب التوحيدية في الإسلام؛ لم يحصل- في الوقت ذاته- لأن الخلف كان عندهم في كتاب الله ما ليس عند السلف! أو لأنهم، بعيد انتهاء المد الروحي الأول، تفرّغوا لملاحظة التعارض في بعض النصوص القرآنية، كما زعم أحمد أمين وضرباؤه من النقلة والمترجمين، لأن «مصدر» التعارض هنا أو سببه- فيما نؤكده ونذهب إليه- ليس نصوص القرآن الكريم، ولكنه فهم المفسر أو عقله، أو تجزيئه للصورة القرآنية الواردة في

стр. 243

موضوع واحد، أو التي تواردت عليه، بغض النظر عن أسباب هذا التجزي. ثالثا- الظلال وشروط التفسير المعاصر: وإذا ربطنا أخيرا بين هاتين الملاحظتين وبين حديثنا السابق عن التفسير بالمأثور أدركنا الأهمية القصوى لكتابة تفسير للقرآن الكريم يمتاز بثلاثة أمور: الأمر الأول: انطلاقه- أو ملاحظته- للغرض الأساس الذي نزل القرآن الكريم من أجله، والمتمثل- كما قلنا- في إنشاء أمة لها خصائصها ومميزاتها، وتربية جيل على قواعد من التربية الربانية تجعله صورة ناطقة عن الحق الذي نزل به القرآن. كل ذلك بما يتناسب- في هذا العصر- مع انفراط عقد الأمة والدولة الإسلامية، ومع انتقاص الإسلام من أطرافه والعدوان على شريعته وأحكامه في ظل المناخ العلماني السائد الذي فصل في واقع حياة المجتمعات الإسلامية بين (الدين) ونظام الحياة. بل بما يذكّر بظروف نشأة الإسلام الأولى، والمسلمون قلة؛ وأعداء الإسلام يتربصون بهم وبدعوتهم الدوائر؛ وبحيث لا يكون الانطلاق من فكرة تقديم زاد ثقافي للمسلم، بل إعادة صياغته وفقا لمنهج كتاب الله تعالى. الأمر الثاني: تسجيله لمعاني القرآن التي فهمها الصحابة- رضوان الله عليهم-، واستلهموها وعاشوا تطبيقها العملي الذي لم يعرف تفريقا بين النظرية والتطبيق- كما قلنا (١) - والتي يمكن الاهتداء إليها- في المقام الأول- في ضوء اختلاف التنوع فيما أثر عنهم من كلام مكتوب. ثم في ضوء الاهتمامات العملية لحركة المجتمع في مواجهة أعدائه .. لتكون كلمة الله هي العليا، كما تتضح في موقف الصحابة- على سبيل المثال- يوم بني قريظة، حين عجل بعضهم صلاة العصر وأخّرها البعض الآخر!

стр. 244

الأمر الثالث: محاولته تجاوز عصر الخلاف، أو عصر المذهبيّة الفكرية في تفسير القرآن التي وقعت في خطأ المقرر الفكري المسبق كما أشرنا؛ وذلك خضوعا للمدلولات القرآنية المباشرة، أو بصورة مباشرة. على ما يحتاج إليه هذا الأمر من ثقافة واسعة، وحس مرهف، وتمكّن علمي، وتجربة عملية أو نهوض بأعباء الدعوة يؤهل صاحبه- في ظل أوهاق المناخ السابق- لمثل هذا الفهم المتكامل الذي يتخلّص من التجزي أو من أخذ الصورة القرآنية تفاريق! الأمر الذي يعيد للتنزيل العزيز، بملابساته التي أشرنا إليها في مبحث التنجيم، طبيعته في إقامة مجتمع المسلمين ودولة الإسلام، وفي تحدي الكفار والمنافقين وسائر المجتمعات المناقضة الأخرى، بعد هذا الاشتغال الطويل من قبل المفسّرين بالتحديات «الداخلية» التي قامت في المجتمعات الإسلامية عبر تاريخها الطويل. وعندنا أن «في ظلال القرآن» امتاز بهذه الأمور الثلاثة؛ فلم يكن بذلك من أهم المعالم الرئيسة في تاريخ التفسير، فحسب، بل كان كذلك تفسير العصر الذي لا يغني عنه تفسير آخر من تفاسير علمائنا الأوائل- رحمهم الله تعالى-، وجزاهم عن كتابه أحسن الجزاء: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. ولكن قد يكون من المقدمات الضرورية لفهم الظلال والأخذ عنه- نظرا لضعف السليقة اللغوية في أبناء العصر- دراسة كتاب دقيق في غريب القرآن، كمختصر تفسير الطبري، أو مفردات القرآن للراغب الأصفهاني. أما الأمر الأول فإنه يشكل قاعدة هذا التفسير، ونسيجه المتفرد الخاص، كما هو واضح لأي قارئ شدا طرفا من العلم والمعرفة. وليس إدراك الأمر الثاني في تفسير الظلال بأبعد منالا من إدراك الأمر الأول؛ لأنهما ينبعان من مشكاة واحدة، فقد تمثلت في جيل الصحابة أمة القرآن بكل خصائصها ومميزاتها ... وهذه هي الأمة التي كانت تتراءى لسيد- ﵀ من خلال نصوص القرآن الكريم، وهو

стр. 245

يبنيها لبنة لبنة، وآية آية؛ في السلم والحرب، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، وفي سائر الأوضاع والأحوال. إن معاني القرآن الكريم التي عاشت في نفوس الصحابة والجيل الأول- والتي لم يؤثر عنهم إلا دليلها اللغوي مدونا في كتب التفسير- تمثلها سيد- ﵀ وفهمها، والله أعلم، بحسه المرهف، وإيمانه العميق، وثقافته الواسعة، وتجربته الطويلة، وحركته الدائبة في حقل الدعوة والأمة، والمجتمع والناس ... أو على الأقل: استشعرها من خلال هذا كله، واستطاع أن ينقلها بلغته وعباراته على الورق والصحائف! الظلال- إذن- دليل عمليّ مكتوب، إن صح مثل هذا التعبير، إلى المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية، وليس دليلا ثقافيا لعلوم القرآن أو علوم التفسير، أو علوم الثقافة الإسلامية من فقه وأصول وتاريخ جدل أو خلاف! ومن ظن أن هذا هو تعريف «التفسير»، أو أن تقديم ذلك الدليل الثقافي يجب أن يكون مهمة جميع المفسرين في جميع العصور، فليعد على معلوماته بالمراجعة والتحليل، وليعد إلى الغرض الأساس أو الأول من نزول القرآن الكريم بالنظر والتأمل! وليس من حقنا أن نقول في نقد هذا الموقف أكثر من ذلك. (أ) من أخطاء التعامل مع الظلال: والذي نقدره- بهذه المناسبة- أن عدم إدراك هذا الأمر أو هذا الأصل من أصول ظلال القرآن هو الذي أوقع بعض القرّاء في بعض الأخطاء والتصورات المناقضة أو البعيدة عن الصواب؛ فعند ما كان يتحدث سيد- ﵀ عن «مواصفات» المجتمع الإسلامي وشروطه؛ عقيدة وتشريعا؛ إيمانا وعملا وسلوكا ... إلخ كان يرسم بذلك- ومن خلال نصوص القرآن الكريم وواقع الأمة الإسلامية وسلوك السلف الصالح- صورة المجتمع الذي يجب علينا العمل والتحرك لقيامه وتحقيقه .. ولم يكن يرسم في الفراغ، كما لم يكن يقدم معلومات أو قضايا نظرية أو فلسفية، بحيث يمكن التحاكم فيها إلى مصطلحات أو مسلّمات

стр. 246

نشأت في عصر من العصور الإسلامية من خلال حركة المجتمع الإسلامي- الذي كان قائما في ذلك الحين- وتفاعل هذا المجتمع مع القرآن والحديث؛ مما نطلق عليه الآن مصطلح «التراث». فإذا كنا هنا، أو في هذا التراث- على سبيل المثال- أمام مصطلحي دار الحرب ودار الإسلام، فليس معنى حديث سيد- ﵀ عن المجتمع الجاهلي أن نسارع إلى تخريجه على دار الحرب، وسحب أحكام هذه الدار- التي ذكرها الفقهاء- على هذا المجتمع بحجة أنه ليس دار إسلام فهو إذن دار حرب! ليس هذا ما عناه سيد- ﵀، بل لعل هذا الفهم لكلامه من أسوأ ما يمكن تأويله به أو حمله عليه!. بل لعل هذا الخطأ في الفهم والتأويل- في هذا المثال ونحوه- جزء من خطأ أكبر في التعامل مع الظلال والأخذ عنه، وهو خطأ اعتماد مفهوم المخالفة لكلام المؤلف- رحمه الله تعالى-، والذي لو طرحه القراء والدارسون في فهم كلامه- ﵀ لانتهت أكثر المشاكل من أذهان أصحابها والله أعلم. على أن هذا المفهوم ذاته جزء من المشكلة الرئيسة التي ذكرناها قبل قليل، والتي تكمن في الفهم الجامد أو الراكد، والذي يتعامل مع الذهن والنظر على أرض النظريات الثابتة الملامح والسمات! في حين أن صاحب الظلال- عليه الرحمة والرضوان- كان يحاول تصوير حركة البناء في فهم حي متحرك، أو فيما أسماه- ﵀: فقه الحركة، على النحو الذي صورته ودلت عليه الآية القرآنية الكريمة:* وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) [سورة التوبة، الآية ٩]. فقد دلت الآية الكريمة على أن الخروج إلى الجهاد هو فقه في الدين،

стр. 247

ودلت كذلك على أن هذا الباب من أبواب الفقه لا يشترط في تحصيله المشاركة العملية فيه من قبل الجميع؛ إشارة إلى أن الأمر ليس كذلك في سائر أبواب الفقه في الدين: عقيدة وشريعة، والله أعلم: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً! ... وليس من شك- ولا ندخل هنا في الشرح والتفصيل كما قلنا- في أن الفرق كان بعيدا جدا بين طريقة تلقي الصحابة- رضوان الله عليهم- لمثل قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [سورة الأنفال، الآية ١٧] وتفسيرهم له، وتعاملهم معه- وهم يعلمون دورهم ودور النبيّ ﷺ في الإعداد والرمي- وبين طريقة المفسرين من أصحاب المذاهب الكلامية في تناول هذه الآية، أو تفسيرهم لقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [سورة الإنسان، الآية ٣٠]. أو لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [سورة الرعد، الآية ١١]. فنحن هنا- كما قلت- نواجه مشكلة الركود النظري الذي قد يكون مخلّا بالمدلول الدقيق لهذه النصوص، ونواجه تبعا لذلك مشكلة عدم وضع هذا المدلول في مكانه الحقيقي بين الآيات الأخرى التي تواردت على الموضوع ذاته، وعالجته من زواياه الأخرى المختلفة: العملية والنظرية، والتي رسمت صورته الواحدة في القرآن الكريم. وربما أمكننا القول باختصار: إن التلقّي للتنفيذ، أو الصعيد العملي التطبيقي، مراعى فيه البعد الزمني لنزول القرآن الكريم، هو السبب في عدم نشوء هاتين المشكلتين جميعا عند الصحابة والتابعين على وجه العموم. ولهذا، فإننا نقول الآن بتقديم أي تفسير لهذه الآيات القرآنية الكريمة، أو للقرآن الكريم على وجه العموم ينجح معه المفسّر في وضع هذه الآيات في موضعها الصحيح الذي ينفي وقوع الإشكال، ويغنينا- تبعا لذلك- عن اللجوء إلى التأويل، كما ينجح في رسم صورة الوحدة الموضوعية للمسألة الواحدة،

стр. 248

وللسورة القرآنية أيضا، أو ينجح- كما قلنا- في نفي وقوع التعارض في الآيات التي تواردت على موضع واحد .. نقول بتقديم هذا التفسير، لأننا نلمح فيه صورة من صور المقاربة، أو الاتفاق مع ما فهمه الصحابة من القرآن وعملوا عليه- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-. (ب) الظلال يتجاوز عصر الخلاف الجدلي أو الكلامي: وهنا يأتي دور الإشارة إلى النقطة الثالثة، أو الأمر الثالث من مزايا ظلال القرآن، وهو تجاوزه عصر الخلاف، أو عصر المذهبية الفكرية في تفسير القرآن الكريم؛ لأن خطأ المقرر الفكري المسبق إنما كان من قبل ذلك التجزي الذي أشرنا إليه، والذي رفضه صاحب الظلال- ﵀، أو بعبارة أدق: لم يقع فيه، كما لم يقع فيه الجيل القرآني الأول كما قدمنا. وهذا مما دعانا إلى المقارنة أو الدعوى السابقة بأن سيدا- ﵀ استشعر معاني القرآن كما عاشت في نفوس ذلك الجيل الفريد، ونقلها أو عبر عنها بلغته العالية على الورق والصحائف، والله أعلم. وتحسن الإشارة هنا- بهذه المناسبة- إلى الخطأ الشنيع الذي يقع فيه بعض القراء والدارسين، وبخاصة ممن شدا شيئا من علمي التفسير والخلاف؛ حين يحاكمون الظلال إلى الصورة الكلامية التي انتهت إليهم، أو تلقوها ونشئوا عليها وآمنوا بها .. سواء في ذلك الصورة الأشعرية- وقد تكون أقرب المذاهب الكلامية من الصورة القرآنية الكاملة، من حيث النتائج لا من حيث المنهج- أو الاعتزالية، أو صورة المرجئة أو الخوارج أو الماتريدية ... بحيث إن لم يدخل سيد- ﵀ في باب التأويل لبعض النصوص أو إن خرج عن مدلول المذهب الأشعري في بعض المواقف؛ ظن القارئ أنه وافق الخوارج في تفسير بعض الآيات، والمعتزلة في تفسير بعض الآيات الأخرى .. كما صرح بذلك بعض من نظر في الظلال من العلماء والدارسين!! والذي نرجّحه أنهم إنما طلبوا تفسير هذه الآيات،

стр. 249

أو نظروا في بعض صفحات الكتاب، وحاكموا الأمر إلى ما استقر عندهم لا ما دلت عليه الآيات القرآنية بسياقها وسباقها، وموضعها من سائر أجزاء الصورة القرآنية؛ وبطريق الفهم المبتدأ أو الخضوع المباشر للآيات القرآنية بعيدا عن التعمل والتأويل!! ونحن نقول هنا بوضوح كامل: إن آراء رجال المذاهب الكلامية ليست أصلا تفسّر في ضوئه نصوص القرآن! وليست مقرراتهم الفكرية المسبقة مقدّمات ضرورية لفهم القرآن، علما بأن هذه المقررات ليست إلا فهما مجزّأ للنص القرآني! إن الأصل عندنا لا يصير فرعا، والفرع لا ينقلب أصلا!! إن سيدا- ﵀ لم يذهب مذهب الخوارج في مسألة، ولا رأي المعتزلة في مسألة أخرى، ولا رأي المرجئة في مسألة ثالثة- وهؤلاء جميعا وقعوا في خطأ التجزي، وخطأ التعصب للرأي المبني عليه، وليسوا على التحقيق كفارا ولا زنادقة كما نعتقد، وندين به أمام الله ! - ولكنه كان يدخل إلى تفسير النص القرآني الكريم، بتلك الثقافة العالية، وذلك الإحساس المرهف، وتلك التجربة العملية الناضجة في حقل إقامة أمة القرآن، وإعادة صياغة المسلم وفقا لمنهج الله مرة أخرى، .. وكان يفسر النص القرآني الكريم ويستلهمه لينطق بما يدل عليه- لا بما يريد المفسّر أن ينطقه به هو بناء على مقدماته السابقة- فإن صادف أن هذا المدلول المباشر ذهب إلى مثله مرجئ أو معتزلي- مثلا- فهذا تفسير للقرآن، أو مدلول من مدلولاته، وليس اعتزالا أو إرجاء أو غير ذلك مما يظنه بعض القراء والدارسين!! ومن العجيب حقا أن يتجاوز مفسر مثل سيد- ﵀ مثل ذلك المدلول المباشر لآية قرآنية، ويسلك فيه سبيل التأويل؛ خشية أن يطابق هذا المدلول رأيا مغايرا لرأي الأشعري أو الماتريدي ... كأن القوم معصومون عن الخطأ في الفهم، أو كان رأيهم هو الأصل الذي يجب أن تؤول الآيات لتطابقه ولا تخالفه! إن هذا الموقف يمثل عندنا تعصبا مقيتا لا نتردد في تجاوزه ورفضه، وإن

стр. 250

من العجيب حقا أن يستنكر بعض الناس التعامل المباشر مع القرآن لمن يقدر على ذلك! .. فضلا عمن حلّ كثيرا من معضلات التاريخ، ونفى عن القرآن الكريم ظن التعارض الذي ألجأ السابقين إلى التأويل، وفي أدق قضايا العقيدة وغيرها كذلك. ولا نعني بذلك أن هذا التفسير خلو من الأخطاء أو أنه لا تفسير بعده! أما هذه- الثانية- فلأن هذا يتعارض مع كون القرآن الكريم كتاب جميع العصور، وأن أبناء كل جيل واجدون من المعاني والدلائل ما لم تكن الأجيال السابقة قد تنبّهت إليه أو وقفت عليه (١). وأما الخطأ في الشرح والتفسير، أو في الفهم والتعبير (٢)؛ فذلك لا سبيل إلى إنكاره في هذا التفسير أو في غيره من التفاسير. وربما كان من المفارقات الجديرة بالتأمل- فيما نرجح- أن ما أخذه سيد نفسه على من دخل إلى تفسير القرآن
следующие страницы →