النبوة، وعلى أن كل مقام سوى مقام الخالق جلّ وعلا، داخل في باب العبودية لله، والخضوع لربوبيته ... وإن كان سيدنا محمد ﷺ وسائر الأنبياء الكرام يتقدمون هذا الركب بوصفهم العباد المصطفين الأخيار.
كما يدل النص القرآني كله، وبوضوح كامل على أن محمدا ﷺ في مقام التلقي عن الله تعالى.
(هـ) وأخيرا، فإننا قد نهتدي بقليل من التأمل إلى ملاحظة عدم انفعال القرآن بالأغراض التي ينفعل لها الأنبياء، فضلا عن سائر الناس، كما لا تعرض للذات الإلهية، التي يلمحها القارئ من خلاله، الحالات النفسية التي تعرض لهم! فلقد اغتمّ النبيّ- صلوات الله وسلامه عليه- على سبيل المثال- وأصابه الحزن والألم بسبب إعراض قومه عن الهداية وإصرارهم على تنكب طريق الوحدانية ... حتى خاطبه الله تعالى بقوله: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [سورة فاطر، الآية ٨].
وبقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) [سورة الكهف، الآية ٦].
ولكننا إذا عدنا إلى استعراض مزاعم المشركين والكفار في الله ، ورأينا عبادة بعضهم للأصنام، وآخرين للعجل، وغيرهم للكواكب أو للشمس والقمر! إلى جانب ما رموا به أنبياء الله ورسله، وقالوا في ملائكته ..
وتأملنا في الوقت ذاته ردود القرآن على هذه المفتريات، وتفنيده لهذه المزاعم والترهات .. لرأينا في ذلك كله قوة إلهية تؤثر ولا تتأثر! وذاتا علوية «تصف لك الحقائق
خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر» (١) .
стр. 72
ومن هنا، فإن في وسعنا أن نقول في خاتمة المطاف؛ تلخيصا لهذا الجانب كله (أحوال النبيّ ﷺ مع ظاهرة الوحي) وتعقيبا عليه:
إن أية دراسة نفسية تحليلية لموضوع القرآن الكريم تدلّنا على مصدره، وعلى صدق ظاهرة الوحي. وأكتفي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الأدلة والشواهد التي يمكن أن ترد أو تلاحظ في هذا الباب:
جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه الحافظ البزار أن رسول الله ﷺ «وقف على حمزة بن عبد المطلب- ﵁ حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع لقلبه منه، فنظر إليه وقد مثّل به فقال: «رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع- أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك لأمثّلنّ بسبعين كمثلتك، فنزل جبريل- ﵇ على محمد ﷺ بقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [سورة النحل: ١٢٦ - ١٢٨]؟
الرسول- ﵊ يقف على جثة عمه حمزة وقد مثّلت بها هند ... إنه لم يفقده أسدا هصورا يذود عن دين الله وعن نبيّ الإسلام فحسب ..
بل فقده في هذا اليوم على هذه الهيئة التي تنمّ عن غدر قاتله وحقد من مثّلت به، فبقرت بطنه ولاكت كبده!! فضاق بالنبيّ صدره، وملكه الحزن والألم. فقال:
«لأمثلنّ بسبعين كمثلتك» - ورأس حمزة لا تعدله سبعون من رءوس القوم، وهم الذين بدءوا العدوان أول مرة!! -.
هذا قول النبيّ الذي يعبّر عن شعوره في ذلك الموقف الغائظ الموجع ...
стр. 73
إن هذا الشعور لم يفارقه ﷺ حين نزلت عليه الآيات السابقة ترده إلى درجة العدل، ثم تصعد به في مقام الإحسان درجات بعضها فوق بعض بما يتناسب مع مقام النبوة الرفيع:
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨).
من كان يظن أن هذا الكلام يصدر عن قائل الكلام الأول في هذا الموقف فليعد على نفسيته «المريضة» هو بالمداواة والتهذيب، أو على رأيه الجاهل هذا بالتغيير والتبديل، إن هذه الآيات الكريمة لا تعبر عن نقلة ومفارقة بعيدة في عالم الحسّ والشعور ... فقط، ولكنها تتضمن فوق ذلك براعة التلطّف بالنبيّ، والانتقال به من درجة إلى أخرى فوقها على أدق ما يكون العلم بأعماق النفس ودرجات الشعور:
فضمان حق النبيّ في عقاب عدوه أول ما يحفظ له ويخاطب به في هذا الموقف الذي لم ينظر النبيّ إلى منظر أوجع لقلبه منه!!
ثم ترشده الآيات بعد ذلك إلى أن صبره خير وأفضل، وجاء الإرشاد هنا بهذه العبارات والإشارات المأنوسة: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ... ولم تلتفت إليه في صيغة المخاطب إلا مرة واحدة صَبَرْتُمْ ثم ذكرت أن الصبر خير للصابرين (ولم تقل:
فهو خير لكم) إشارة إلى وجود الصابرين وكثرتهم كذلك ... وإلى أن من حق النبيّ الكريم- أو واجبه كذلك- أن يكون منهم، بل أن يكون في مقدمتهم وعلى رأسهم ﷺ .
ثم ترتفع الآيات درجة أخرى حين «تأمره» ﵊ بالصبر، بعد أن هيأته الإشارة السابقة ليكون منهم ورشّحته إلى ذلك، ولكنها
стр. 74
ترشده مرة أخرى- في ختامها- إلى أن ضمان ذلك الترشيح وهذا الأمر، إنما يكون بالله : وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ زيادة في الاحتياط لما ذهب، وتمهيدا للأمر التالي الذي سيأتي!
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ... إن هذه الدرجة تريد أن تستلّ من نفسه عوامل الحزن وأسباب الألم والضيق، بعد أن صرفته العبارات السابقة عن إرادة الانتقام حين أمرته بالصبر وأرشدته إلى أسبابه.
أما الآية الأخيرة فقد جمعت بين الطرفين في وقت واحد: التقوى والإحسان .. أو العدل والإحسان، ومسحت من نفس النبيّ بقايا الأحزان حين وعدته بأن الله تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون!!
هذه خواطر سريعة وموجزة إلى درجة الإخلال .. لكنها كافية لبيان المقام الذي كانت تتنزل منه مثل هذه الآيات: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) [سورة يوسف، الآية ١١١].
وقال تعالى في سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤). وصدق الله العظيم.
стр. 75
الفصل الثالث نزول القرآن والحكمة من تنجيمه
أولا- الوحي والتنزيل:
عبّر القرآن الكريم عن كونه وحيا إلهيا، إما بمادة (الوحي) ذاتها. أو بمادة (النزول) وما يتصل بها ويشتق منها. وغالبا ما يأتي التعبير بالوحي في سياق الحديث عن نزول القرآن على النبيّ ﷺ ، أو مخاطبته به، أو وصوله إليه.
أو- باختصار- في سياق العلاقة بين النبيّ والقرآن على وجه العموم. وغالبا ما يأتي التعبير عن القرآن الكريم بالنزول في سياق الحديث عن القرآن بوصفه حقيقة موضوعية (أنزله) الذي يعلم السّر في السماوات والأرض. أو لبيان أطراف التنزيل: الموحي به سبحانه، وأمين الوحي النازل بالقرآن: جبريل ﵇، ومحمد ﷺ الذي (نزل) عليه القرآن.
وقد جاء التعبير بهذه المادة- النزول- وما تصرّف منها تنويها بشرف القرآن، وعلوّ مكانته ومقامه؛ مصداقا لقوله تعالى في فاتحة سورة الزخرف:
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) [الآيات ١ - ٤].
والذي نحب أن نؤكد عليه هنا هو أن الذي نزل به جبريل- ﵇-
стр. 76
هو القرآن الكريم باعتبار أنه الألفاظ المعجزة أو الكلام العربي المعجز من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس (١)، وأنه كلام الله تعالى وحده، لا دخل لجبريل ولا لمحمد- ﵇ في إنشائه وترتيبه، فمهمة جبريل- ﵇ الحكاية للرسول والإيحاء إليه، وليس للنبيّ ﷺ في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه، ثم حكايته وتبليغه، ثم بيانه وتفسيره والعمل بمقتضاه. قال تعالى:
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) [سورة النمل، الآية ٦].
وقال: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي [سورة الأعراف، الآية ٢٠٣].
стр. 77
وقال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) [سورة يونس، الآية ١٥].
وإذا كانت هذه النصوص في شأن إيحاء المعاني، فإن الآيات التالية دالة على أن الوحي كان باللفظ أيضا- كما أشرنا إلى طرف من ذلك في موضوع الوحي- قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [سورة الأعلى: الآية ٨٧].
وقال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [سورة القيامة، الآيات ١٦ - ١٩].
وقال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [سورة العلق، الآية ١].
وقال عزّ من قائل: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) [سورة المزمل، الآية ٤].
والإقراء، وتحريك اللسان، والترتيل ... إنما هي من عوارض الألفاظ لا المعاني كما هو معلوم.
وقد قال بعض العلماء في تفسير الآيات السابقة من سورة القيامة: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) ... الآيات؛ إن سبب نزولها أن الرسول كان إذا نزل القرآن عجل بتحريك لسانه به، أي بقراءته، حبا له، أو حتى يحفظه ولا ينساه، فنهاه الله عن ذلك وأمره بالاستماع إلى جبريل، وطمأنه بأن عليه- سبحانه- جمعه له في صدره حتى يحفظه، وقراءته عليه حتى يعيه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ أي قرأه الملك عليك بأمرنا فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي أتبع قراءته بقراءتك.
«فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبيّ ﷺ كما قرأ» (١).
стр. 78
أما إضافته تعالى القرآن إلى النبيّ ﷺ أو إلى جبريل، فلبيان أنه ليس بسحر كما زعم بعضهم، ولكنه كلام رَسُولٌ* مرسل به من رب العالمين، أو كلام مرسل رسول كريم، على مجاز الحذف، قال الله تعالى في سورة الحاقة: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) [الآيات ٣٨ - ٤٣].
وقال تعالى في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) [الآية ١٩].
ثانيا- مدة نزول القرآن وأول ما نزل منه وآخر ما نزل:
١ - كانت مدة نزول القرآن الكريم ثلاثا وعشرين سنة؛ لأن مقام النبيّ ﷺ في مكة كان ثلاث عشرة سنة اتفاقا، ومقامه في المدينة عشر سنوات على أشهر الروايات.
وقد تتابع نزول القرآن خلال هذه المدة الطويلة، فكانت تنزل السورة مرة، وتنزل الآية أو الآيات مرة أخرى، فيقول الرسول ﷺ : ضعوا هذه الآية في موضع كذا من سورة كذا، كما سنرى عند الكلام على تأليف القرآن- جمعه- على عهد النبيّ ﷺ ، حتى تم نزول هذا الكتاب الكريم قبيل وفاة النبيّ- ﵊.
٢ - وكان أول ما نزل من القرآن قول الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)(١).
стр. 79
يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة الذي أشرنا إليه عند الكلام على الوحي وصوره في البحث السابق. غير أنه قد روى الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟
فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أو (اقرأ باسم ربك الذي خلق). فقال أحدثكم ما حدّثنا به رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي (١)، فإذا هو جبريل، فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ ... »).
ولكن هذه الرواية تشير في الواقع إلى أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي، بدليل ما رواه الشيخان أيضا من حديث جابر نفسه: «فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني
стр. 80
بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثيت (١) حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ... إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. قال: فحمي الوحي وتتابع».
فكأن جابر بن عبد الله حدث بالحديث الأول قبل ما سمعه عن النبيّ ﷺ من نزول الملك عليه بسورة «اقرأ».
٣ - أما آخر ما نزل من القرآن، فهو قول الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ كما نقل ذلك عن ابن عباس. وفي رواية للبخاري عن ابن عباس أيضا أن آخر آية نزلت قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وعن سعيد بن المسيب «أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدّين وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ- إلى قوله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- وهي أطول آية في القرآن، وقال السيوطي- ﵀: إن هذه الآراء الثلاثة يمكن الجمع بينها، لأن هذه الآية نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصاحف (٢) لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وإن كان من الراجح أن آخر ما نزل بإطلاق هو قول تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
لأن بعض الروايات تنص على أن النبيّ ﷺ توفى بعد نزول هذه الآية بتسع ليال فقط (٣).
على أن الزركشي في البرهان عدد بضع روايات في آخر ما نزل، كما بلغ بها بعضهم إلى عشرة أقوال، ليس من بينها كلها آية سورة المائدة التي اشتهرت عند
стр. 81
بعضهم، أخذا من موضوعها، وهي قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وذلك لأن هذه الآية نزلت في يوم عرفة من حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، وقد عاش النبيّ- صلوات الله عليه- بعدها واحدا وثمانين يوما، في حين لم يكن بين وفاته- ﵇ وبين نزول آية: وَاتَّقُوا يَوْماً ... سوى تسع ليال فقط!
وإكمال الدين في الآية المذكورة يراد منه- كما قال بعض المفسرين- إقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه، حتى حجّه المسلمون لا يخالطهم المشركون. يؤيد هذا ما روي عن ابن عباس قال: «كان المشركون والمسلمون يحجّون جميعا، فلما نزلت سورة براءة نفي المشركون عن البيت، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين» فكان ذلك تمام النعمة. والله تعالى أعلم.
ثالثا- الحكمة من تنجيم القرآن:
لتنجيم القرآن- أي لنزوله مفرقا على دفعات، وفي هذه المدة الطويلة التي أشرنا إليها- فوائد وحكم كثيرة، بعضها يتصل بشخص النبيّ ﷺ ، وبعضها الآخر يتصل بالمجتمع الإسلامي الوليد الذي كانت تتنزل عليه الآيات .. وبعض هذه الحكم يتصل بالنص القرآني نفسه؛ ونجمل هنا القول في هذه الحكم بما يلي:
١ - تثبيت فؤاد النبيّ ﷺ ، وإمداده بأسباب القوة والمجابهة أمام حملات المشركين ودسائس المنافقين، فتجديد الوحي يوما بعد يوم وحالا بعد حال، يمثل لونا من ألوان الرعاية الإلهية التي تمده بأسباب الثبات والمضي فيما اختاره الله له، ولهذا فإن المشركين عند ما اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، كما هي الحال في الكتب السابقة، رد عليهم سبحانه بما في هذا التنجيم من حكمة، فقال تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ
стр. 82
تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [سورة الفرقان، الآيات ٣٢ - ٣٣].
كم هي الشدائد التي عرضت للرسول الكريم .. والتي حملتها الأيام المتلاحقة في أوضاع ومناسبات شتى .. والوحي الإلهي يهوّن من تلك الشدائد والأوهاق، ويرسم لها أجلا وقدرا مقدورا: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) [سورة فصلت، الآية ١٣].
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [سورة القمر، الآية ٤٥].
ويقول تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) [سورة هود، الآية ١٢٠].
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [سورة الطور، الآية ٤٨].
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) [سورة الكهف: الآية ٦].
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [سورة فاطر، الآية ٨].
الآيات التي تعزّي الرسول الكريم والتي تأمره بالصبر والمصابرة كثيرة في كتاب الله، ولكن يبقى مبدأ تجديد اتصال الوحي به، ومتابعة نزوله، يحمل معنى تثبيت فؤاده بإطلاق، كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة السابقة في سورة الفرقان.
وتحمل الآية الثانية السابقة: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ... الإشارة إلى أن من أهم صور هذا التثبيت: الرد على مزاعم المشركين وشبههم واعتراضاتهم، قال ابن كثير في قوله
تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ أي بحجة ولا شبهة، إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي: ولا يقولون قولا يعارضون به الحق إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم. وقال ابن عباس في تفسير «المثل» ما يلتمسون به عيب القرآن والرسول، إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ أي: إلا نزل
стр. 83
جبريل من الله تعالى بجوابهم. قال: «وما هذا إلا اعتناء وكبير وشرف للرسول ﷺ حيث كان يأتيه الوحي من الله بالقرآن صباحا ومساء، وليلا ونهارا، وسفرا وحضرا» (١).
٢ - تسهيل حفظه على الرسول والمؤمنين، كلون من ألوان الحفظ الذي تكفل الله تعالى به: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [سورة الحجر، الآية ٩].
فقد اختار الله تعالى تنزيله على هذا الوجه ليسهل على الناس حفظه، ولهذا جمع بين الأمرين في هذه الآية فقال تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
وإذا كان الله تعالى قد تكفل لرسوله بحفظه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [سورة الأعلى، الآية ٦]. فإن أفراد المسلمين كانوا بحاجة إلى أن يعطوا فرصة تمكنهم من حفظه في الصدور، وهو الحفظ الأول والأهم بوصفهم أمّة أميّة كما هو معلوم.
٣ - يمكن القول: إن من حكم هذا التنجيم، بصورة عامة، رسم صورة المجتمع الآخر، أو الفئات الثانية من منافقين ومشركين ... وفضح أساليبهم ونواياهم، ومفاجأتهم بحقيقة ما يقولون ويبيّتون ويمكرون. قال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) [سورة التوبة، الآية ٦٤].
وتظهر أهمية هذه الفائدة بالمقارنة بالحكمة الرابعة التالية:
٤ - ومن أهم هذه الحكم: تربية الأمة الناشئة وإعدادها لبنة لبنة، وآية آية ... بحيث تم بناء هذه الأمة في نهاية المطاف من خلال نصوص القرآن
стр. 84
الكريم. فإذا ذكرنا أن ولادة هذه الأمة كانت من خلال تلك النصوص، فلنذكر أن ذلك لم يتم في يوم وليلة؛ بل تم خلال ما يقرب من ربع قرن كان القرآن الكريم فيها ينزل منجّما فيربّيها ويعدّها وينشئها .. بل يرسم للإنسانية على الدوام خطوات الصورة المثلى للبناء في الحاضر والمستقبل على حد سواء؛ يقول الأستاذ سيد قطب- ﵀: «لقد جاء هذا القرآن ليربّي أمة وينشئ مجتمعا، ويقيم نظاما. والتربية تحتاج إلى زمن، وإلى تأثير وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثير والانفعال إلى واقع. والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج وتتدرج في مراقيه رويدا رويدا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا، فلا تجفل كما تجفل لو قدم لها ضخما ثقيلا عسيرا، وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح بالتالي أكثر استعدادا للانتفاع بالوجبة التالية، وأشد قابلية لها والتذاذا بها».
وقد تم هذا الإعداد الذي اقترن به عند المسلمين القول بالعمل بوسائل متعددة، وأمور كثيرة تحتاج ملاحقتها إلى دراسات خاصة. ونشير هنا إلى نقطتين اثنتين:
(أ) التربية من خلال الواقع، وربط الأمور بأسبابها ومسبباتها، وهذا أدعى إلى بيان مدى الواقعية في هذا الدين، وأن أحكامه أحكام عملية لا نظرية. وأدعى- من وجه آخر- إلى الفهم والتذكر والمسارعة في التنفيذ؛ قال تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [سورة البقرة، الآية ٢١٩].
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) [سورة الإسراء، الآية ٨٥].
وهذه امرأة ترفع إلى الرسول شكواها بأن زوجها ظاهر منها؛ فينزل قول الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) ... [الآيات في صدر سورة المجادلة].
стр. 85
وفي مناسبة أخرى يخاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ [سورة الممتحنة، الآية ١].
وقصة الإفك التي تشير إلى حدث اجتماعي- أو ظاهرة في بعض الأحيان- تعالج في الوقت المناسب، وبعد أن يتخذ كل واحد من الناس موقفا أو يفتي برأي!! لتتعلم المجتمعات الإنسانية على مدى الدهر طريقة المعالجة، والموقف الواجب الاتباع: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [سورة النور، الآية ١١].
ولعل مما يشير إلى هذه الحكمة أو النقطة قول الله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [سورة الإسراء، الآية ١٠٦].
(ب) التدرج في التشريع، وذلك في الأمور المتمكنة من الأفراد وفي المجتمع بحيث يحتاج اجتثاثها أو التعفية على آثارها إلى وقت يقصر أو يطول؛ أي إن تخلي المجتمع عن مفاسده وشروره تم بواسطة هذا التدرج، وبعمق لم يشهد له التاريخ أو الواقع مثيلا. وكأن العملية التربوية المشار إليها في الفقرة السابقة وهي العمل الإيجابي،
كانت تتم في خط مواز لهذه الناحية السلبية، أو لعلها كانت تأتي على أعقابها في بعض الأحيان، على مبدأ (التخلية ثم التحلية).
ومن أمثلة هذا التدرج المشهورة تحريم الخمر الذي تم على هذه المراحل:
نزل أولا قوله تعالى:* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [سورة البقرة، الآية ٢١٩]. فوصفت هذه الآية حالة الخمر والميسر، وأن الإثم فيهما أكبر من النفع (١)، ولكنّها لم تصرّح بتحريمهما أو طلب الكفّ عنهما. فإذا أضفنا إلى ذلك أنها افتتحت بقوله تعالى:
стр. 86
يَسْئَلُونَكَ ... أدركنا أهمية ذلك الوصف في تهيئة النفوس للتحريم، لأن الأمر صار موضع سؤال المجتمع وحديثه.
ثم نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [سورة النساء، الآية ٤٣] فحرّمت هذه الآية عليهم أن يصلّوا وهم في حالة السكر، فكأنها وقتت تحريم شرب الخمر بوقت ليس بالقصير، لأن أوقات الصلاة متقاربة لا يذهب خلالها أثر السكر، فامتنعوا عن شربها سحابة النهار، حتى إذا صلوا العشاء الآخر قارف الخمر من أراد، وكأنهم في هذه المرحلة الثانية أعطوا الفرصة لتقوية العزيمة والإرادة على الكف والمنع المطلق- في الوقت الذي كان فيه الجانب التربوي الإيجابي يبنى باستمرار كما قلنا-.
ثم نزل أخيرا قول الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [سورة المائدة، الآيتان ٩٠ - ٩١] .. فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ قالوا: يا رب انتهينا، وتركوا الخمر، وقاموا إلى ما في دورهم منها فأهرقوه في طرقات المدينة ....
من أراد أن يقف على أثر هذا التدرج في التشريع، أو هذه الحكمة من فوائد نزول القرآن منجما بوجه عام، فليقارن فعل المجتمع الإسلامي هذا بفعل المجتمع الأمريكي يوم صدر عندهم «قانون المنع» المشهور، والذي رد عليه الناس بمضاعفة الشرب، ومن الأنواع الرديئة، أضعافا مضاعفة .. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عائشة قالت: «إنما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا. ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا» (١).
стр. 87
٥ - وأخيرا، لعل من أهم حكم تنجيم القرآن: الدلالة على إعجازه وإثبات مصدره.
ففي نزول القرآن خلال هذه المدة الطويلة، وكلما نزلت آية أو آيات قال النبيّ ﷺ : «ضعوا هذه الآيات في موضع كذا من سورة كذا» وربما نزلت الآيات التي توضع في آخر السورة قبل الآيات التي توضع في أولها أو مقدماتها، وربما لم يكتمل بناء بعض السور- المفتوحة- إلا خلال سنوات ... ثم يكون القرآن الكريم بعد ذلك متسقا هذا الاتساق المعجز، منسّق الآيات والسور، محكم السرد، دقيق السبك، قوي الأسلوب ... إن في ذلك جميعه ما يشير بوضوح إلى مصدر هذا الكتاب الكريم وأنه تنزيل من حكيم حميد، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [سورة النساء، الآية ٨٢]. لأن الرسول الكريم الذي كان يأمرهم بوضع الآيات عند ما تنزل في موضع كذا من سورة كذا بشر لا يدري ما ستجيء به الأيام، وكيف سيتم بناء هذه السور ومتى يتم في المستقبل؟
والاختلاف المشار إليه في الآية الكريمة يكون من وجهين رئيسيين:
الأول: من حيث النظم والأسلوب والبيان الذي لم يختلف في القرآن أو يتخلف في موطن من المواطن، وذلك على طريقة الأدباء في الاختلاف أيا كان حظهم من التفوق، ومع تفرغهم للعمل الأدبي الواحد في زمن معين أو فترات متقاربة لا يمكن أن تصل إلى ربع قرن!! ومع التقديم والتأخير، واختلاف المناسبات والأحوال!! التي تم فيها وعليها نزول القرآن الكريم. وهذا كما أشرنا دليل الإعجاز.
أما الاختلاف الثاني: فهو اختلاف المعاني والمضامين، فإذا لم تختلف هذه المعاني عند أحد طيلة حياته، فهل يمكن أن تتلاءم أو تتكاتف على أداء طريقة واحدة أو معنى منسجم عند ما يضمّ الكلام بعضه إلى بعض في سنوات طوال؟
стр. 88
الحديث النبوي نفسه الذي لم ينطق فيه النبيّ ﷺ عن هوى أو بما يتعارض، هل يمكن أن يؤلّف الآن على ذلك النحو الذي تألف- اجتمع- عليه القرآن! يقول العلامة الدكتور دراز- ﵀:
«خذ بيدك بضعة متون كاملة من الحديث النبوي كان التحديث بها في أوقات مختلفة، وتناولت أغراضا متباينة، أو خذ من كلام من شئت من البلغاء بضعة أحاديث كذلك، وحاول أن تجيء بها سردا لتجعل منها حديثا واحدا من غير أن تزيد بينها شيئا أو تنقص شيئا. ثم انظر: كيف تتناكر وتتنافر مبانيها في الأسماع والأفهام! وكيف يبدو عليها من الترقيع والتلفيق والمفارقة ما لا يبدو على القول الواحد المسترسل» (١).
ويقول أيضا: «اعمد إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد، وما أكثرها في القرآن فهي جمهرته، وتنقل بفكرك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين: كيف بدأت؟ وكيف ختمت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت وكيف تلاقت أركانها وتعانقت؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها؟ ووطّأت أولاها لأخراها؟ وأنا لك زعيم بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به أكانت نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى، ولسوف تحسب أن السبع الطوال من سور القرآن قد نزلت كل واحدة منها دفعة، حتى يحدثك التاريخ أنها قد نزلت نجوما» (٢).
رابعا- إضافة وتعليق:
ويمكننا أن نضيف إلى هذه الحكم والأسباب: النقاط التالية، نوردها على نحو موجز لأنها مرتبطة عندنا بملاحظات وأفكار- ومنطلقات- أخرى يحتاج بيانها أو بسط القول فيها إلى صفحات مطوّلة، ومناسبات ثقافية
стр. 89
أخرى (١). وهي المناسبات التي أومأت عندنا إلى هذه النقاط:
(أ) توثيق وقائع السيرة النبوية والدلالة على أن محمدا ﷺ خاتم النبيّين:
إن هذا النزول المنجم هيأ الفرصة لضمّ سيرة النبيّ ﷺ إلى سائر قصص الأنبياء والمرسلين، وحياة الأمم السابقين، وأحداث التاريخ الكبرى منذ آدم ونوح. وهي الأحداث التي ختمت بأعظم وقائع التاريخ الإنساني، وهي واقعة بعثة محمد بن عبد الله ﷺ ونزول القرآن.
لقد ارتقى القرآن الكريم بالسيرة النبوية، النبراس والمثل الذي يحتذى إلى يوم الدين، ووقائع الجماعة الإسلامية الأولى في عهديها المكي والمدني، إلى مقام التواتر والتوثيق الإلهي، ولم يدع هذه الوقائع وتلك السيرة وحدها، دون أحداث التاريخ والأمم والأنبياء السابقين، إلى الرواة والقصّاص والمؤرّخين، بالغا ما بلغت عدالتهم أو درجة ضبطهم وتوثيقهم.
إن التوثيق الذي منحه القرآن الكريم لحياة الأنبياء السابقين وقصصهم مع أقوامهم لم يبخل به عن سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين. ولولا النزول المنجم للقرآن لما أدركنا كيف كان سيتم ذلك!
بل إن هذا التنجيم لم يتسع لأحداث السيرة النبوية ومعالمها الكبرى ..
كطريق من طرق التوثيق ارتقى بها إلى درجة التواتر .. فحسب، بل بوصفها كذلك قاعدة التاريخ الإسلامي وطليعته التي تقدمت (عمل) جيل التنزيل، أو التي تفاعل معها هذا الجيل نفسه. وفحوى ذلك أن هذا التنجيم اتّسع للحديث عن السلوك والأعمال، أو عن التطبيق والتنفيذ- كما سيتضح بعد قليل- وإن شئت قلت:
اتّسع للحديث عن السنن النفسية والاجتماعية من خلال نفاذها ووقوعها في
стр. 90
المجتمع الإسلامي طيلة حياة النبيّ ﷺ ومدّة نزول القرآن! أي من خلال البعد العملي أو التطبيقي لهذه السنن. في الوقت الذي أشار القرآن الكريم إلى هذا الوقوع أو النفاذ في مواطن (تاريخية) أخرى كثيرة من خلال (قصص الأنبياء) وتاريخ الأمم السابقة على الأمة الإسلامية؛ والتي كانت تأتي بدورها في السياق الملائم عبر هذا النزول المنجّم.
لا غرو إذن أن تنزل سائر كتب الله تعالى على الأنبياء السابقين جملة واحدة، وأن ينفرد القرآن الكريم بنزوله منجما خلال ما يوازي بناء جيل طليعي واحد من أجيال التاريخ.
وربما أمكننا القول- من الوجهة المقابلة، أو في الوقت ذاته- إن هذا النزول المنجّم يحمل في ذاته الدلالة على أن القرآن الكريم خاتمة الكتب السماوية، لأنه حين اتسع بهذا النزول لضم سيرة النبيّ ﷺ إلى حياة الأنبياء السابقين الذين نزلت كتبهم مرة واحدة! أدركنا أنه لا كتاب بعد القرآن يهيمن أو يوثّق! وأدركنا معنى كونه خاتمة الكتب وأن محمد بن عبد الله خاتم النبيين، صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.
(ب) تصويب حركة التطبيق والتنفيذ:
أو الدلالة على مواطن الخطأ ووجوه التقصير في تنفيذ الأحكام والتشريعات. وفي هذا تأكيد بالغ الأهمية على ضرورة استجابة (الواقع) للوحي أو النص استجابة تامّة غير منقوصة ... ومن ثم لتقديم الصورة (الواقعية) المثلى لهذه الحركة عبر عصور التاريخ. أو التي يجب أن تحتذى عبر هذه العصور .. بعد أن قدم جيل التنزيل- وإن شئت قلت جيل التنجيم الذي قام بالتطبيق وجرى عليه المراجعة والتصويب- النموذج الأفضل، والمثال الذي يحتذى! لقد نزل القرآن الكريم تباعا، أو موقفا في إثر موقف، يسجّل على هذا الجيل النقص والخطأ، ويدلّهم على مواطن الضعف، ويقفهم رأي العين أو في (الواقع) الذي عاشوه
стр. 91
وعاينوه على سنن الاجتماع الإنساني في المنشط والمكره، والعسر واليسر، والهزيمة والنصر ... لا ليعلّمهم ويدرّبهم على تغيير الواقع الفاسد أو المغلوط، باتجاه (الواقع) المطلوب أو المرغوب فيه فحسب، بل ليدرّبهم فوق ذلك على أن الواقع المؤلم أو المكروه والذي أفرزه مبدأ صائب أو الذي جاء في أعقابه وانبنى عليه، لا يجوز له أن يشكل مبررا لتجاوز المبدأ أو للعودة عليه بالتحوير والتبديل! كما حصل يوم أحد على سبيل المثال؛ لقد نزل في هذا اليوم آيات كثيرة كما هو معلوم، منها- في هذا الجانب الثاني وحده- قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) [سورة آل عمران، الآية ٣].
فقد أمرت هذه الآية الكريمة النبيّ ﷺ بالتزام مبدأ الشورى على الرغم من أن الهزيمة جاءت في أعقاب شورى النبيّ لأصحابه، وبسبب غير مباشر منها (١)! ولكن هذه الهزيمة لا يجوز لها أن تبرر تجاوز هذا المبدأ أو هذا التشريع، أو الانتقاص منه، فضلا عن تكريس نقيضه!! بحجة (الواقع) الذي أفرزه أو انبنى عليه.
والعجيب بعد هذا أن يتوهم بعض الدارسين أن (الوحي) كان استجابة (للواقع)!! اعتمادا على أن بعض آيات التشريع أو الأحكام جاءت بسبب نزول معين. وعلى الرغم من أننا سوف نتناول الرد على هذا الزعم في مبحث سبب النزول؛ فإن حديثنا قبل قليل عن «التربية من خلال الواقع» - الحكمة الرابعة السابقة من حكم تنجيم القرآن- قد يكون مشمولا بهذا الوهم أو الزعم؛ الأمر الذي يفرض علينا إيجاز القول في نقضه هنا ببعض النقاط:
١ - إن معظم آيات القرآن الكريم نزلت ابتداء، أي بدون سبب نزول خاص أو معين. ويدخل في ذلك الجانب الاعتقادي كله، أو آيات الإيمان
стр. 92
والاعتقاد. ويتصل بهذه الآيات أو بهذا الجانب في القرآن الكريم سائر آيات العهد المكي بموضوعاتها الرحبة والمتعددة: (الكون والطبيعة- الإنسان- التاريخ).
وبعض آيات هذا الجانب نزلت فهدمت (الواقع) القائم، وعفت على آثاره أو أقامت على أنقاضه بناء شامخا يأوي إليه (الإنسان) في جميع العصور. كما أن بعضها الآخر (أسّست) معارف جديدة ليست مرتبطة (بواقع) معين! سواء أكان واقع عصر النزول أم غيره! (مظاهر خلق الطبيعة، وتسخير السنن، وخلق الإنسان، وحياة الأنبياء، وتاريخ الأمم والحضارات ... إلخ) وفي كلا هاتين الحالتين فإن من سوء الفهم والقصد معا، أن يقال: «إن الوحي نزل حسب متطلبات الواقع أو كما يقول علماء الأصول: طبقا لأسباب النزول وتبعا لإمكانيات تقبله! ... » (١)
أو أن يقال: إن الواقع إذا اشتد اشتد الوحي، وإن تراخى تراخى الوحي معه!
٢ - الآيات التي كان لها سبب نزول خاص لا تعدو أن تكون بعضا أو طرفا من آيات الأحكام، أو الجانب التشريعي في القرآن الكريم؛ علما بأن آيات هذا الجانب جميعها لا تزيد في القرآن عن مائتي آية! وحين تصفحنا الروايات التي وردت في أسباب النزول، وجدنا أن ما يعتد به منها عند المحدّثين أقل من القليل! مع الإشارة إلى ضرورة ملاحظة ما ليس من هذا الباب .. أو تحديد المراد بسبب النزول والتدقيق في فهم عبارات المفسرين حوله، من أجل الوقوف على ما يمكن عدّه من هذا الباب، وإخراج ما ليس منه. وقد اتفق علماء التفسير وعلوم القرآن على أن سبب النزول يراد به «ما نزلت الآية أو الآيات مبيّنة لحكمه أيام وقوعه»، وهذا هو المعبّر عنه «بالواقع» في العبارة السابقة!
٣ - هذا القدر نفسه يمكن عده- كما قلنا- أمثلة أو شواهد على مدى
стр. 93
(الواقعية) في هذه الأحكام والتشريعات، بمعنى نفي الطوباوية عنها، أو نفي المثالية التي ليست أكثر من رؤيا في عالم الخيال، أو رسما على الورق أو في الفراغ، كما فعل بعض الفلاسفة على سبيل المثال. وحين يتأمل المرء هذا القدر يجد أنه قام على بيان أحوال نابعة من طبيعة الإنسان، أو «مفصّلة عليه»، إن صح التعبير، بغض النظر عن ملابسات الزمان والمكان والأشخاص، أي أنه قدم نماذج إنسانية، وصورة ما يجب أن تكون عليه هذه النماذج إلى يوم الدين. ومن هنا جاءت عبارة الأصوليين المشهورة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي وسعنا أن نفهم سبب النزول- في ضوء هذه الملاحظات- على أنه المناسبة التي استدعت ظهور الحكم، ووضعه موضع التطبيق، أي بداية توقيت العمل به ... في نسق هدم أوضاع الجاهلية، وبناء أحكام الإسلام في النفس والمجتمع ... يوما بعد يوم، أو طيلة عصر التنزيل.
وغني عن البيان أن أحداث السيرة ووقائع الجماعة الإسلامية الأولى- التي أشرنا إليها في النقطة الأولى السابقة- ليست داخلة في نطاق أسباب النزول بهذا المفهوم، أو بمفهوم (الواقع) الذي قيل فيه ما قيل! لأنها قضية تسجيلية في المقام الأول، أقرب ما تكون إلى حديث القرآن الكريم عن تاريخ الأنبياء والأمم السابقين.
وحين تناولت الآيات الكريمة من هذه الأحداث والوقائع جوانب أخرى متصلة بالواقع، بالمعنى المشار إليه أو المتحدث عنه، لم يأت هذا التناول استجابة للواقع أو تبريرا له، ولكنه جاء- كما قلنا في هذه النقطة- تصحيحا وتقويما لحركة التطبيق والتنفيذ. بل يمكن القول إن أحداث السيرة بوصفها جزءا من (التاريخ) واكبت الوحي ومشت
في ركابه طيلة عصر التنزيل الذي نتحدث عنه كدليل على أن (الوحي) أو الثقافة بمعناها الشامل هي التي صنعت التاريخ وليس العكس. ولا يتسع المقام هنا لبسط القول في هذه النقطة التي توضح العلاقة بين
стр. 94
الثقافة والتاريخ، أو بين النظرية- إن صح التعبير- والتاريخ على الصعيد الإسلامي، والتي لم تقتصر على هذه الفكرة القائلة: إن الثقافة (النظرية أو الوحي) هي التي صنعت التاريخ (١)، بل التي أضفنا إليها ما قلناه قبل قليل من أن (التاريخ) واكب- أيضا- الوحي ومشى في ركابه طيلة عصر التنزيل- أو التنجيم- من أجل تصحيح وقائعه، أو تصويب حركة التطبيق والتنفيذ! فكيف يقال بعد هذا: إن الواقع هو المتحكم في الوحي؛ إن اشتد اشتد الوحي، وإن تراخى تراخى الوحي معه؟ إن هذا القول مأخوذ أو منتزع في الحقيقة من الثقافات الوضعية! لأن الثقافة الأوروبية التي قابلنا بينها وبين ثقافتنا الإسلامية- في مناسبة أخرى (٢) - هي التي صنعت التاريخ، وليس العكس، على نحو ما عليه الحال في الثقافة الإسلامية، ومن ثم فإن جعل (الواقع) هو الحاكم على الوحي، يشير إلى التسوية بين القرآن والثقافات الوضعية، وربما أشار كذلك إلى إنكار أن يكون القرآن وحيا إلهيا، من غير هذا اللف والدوران! ولا ندري- في مثال الشورى الذي تحدثنا عنه-لماذا لم (ينزل) الوحي- أو (يأتي) بعبارة أصرح- ناعيا عليها أو منتقصا من قدرها، بحجة (واقع) الهزيمة الذي أفرزته!
(ج) وأخيرا:
فإن في وسعنا أن نضيف إلى حكم تنجيم القرآن الكريم حكمة أخرى، أو أن نؤكد- بعبارة أدق- الحكمة الخامسة السابقة، وهي إثبات مصدر القرآن، وأنه تنزيل من حكيم حميد ... لا بدليل اتساق القرآن وعدم اختلافه في الأسلوب والمضمون، على الرغم من نزوله واستكمال بنائه خلال فترة النزول الطويلة هذه، ولكن- هذه المرة- بدليل وقوع الأحداث والبشائر على النحو الذي تحدث عنه القرآن وأشار إليه طيلة عصر التنزيل، أو بدليل انقضاء مدة النزول أو التنجيم على
стр. 95
هذه الأحداث والبشائر، وعلى سائر وعود القرآن وإيعاداته من غير خلف أو اختلاف.
ألم ينزل القرآن الكريم يقول في شأن أبي لهب: سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ فبقي أبو لهب على كفره فيما استقبل من فترة نزول القرآن حتى وافاه الأجل! وقد كان في وسعه سياسة أو نفاقا أن يقول إنه دخل في الإسلام فكيف يحكم عليه محمد ﷺ بأنه سيبقى على كفره، وأنه سوف يرد النار يوم القيامة. أم إنه الوحي والعلم الإلهي القاطع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
أليس في مثل هذا الحكم على المستقبل، هنا وفي قوله تعالى في شأن الوليد بن المغيرة: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ! ما يشير إلى أن هذا كله من شأن من بيده مفاتيح الهداية والإيمان، وأزمّة الأفئدة والعقول، جل شأنه؟
وإذا نظرنا إلى مثل هذه المواقف في ضوء مسألة (الواقع) التي أشرنا إليها في الحكمة السابقة، فهل يمكن القول: إن هذا الحكم كان استجابة للواقع؟ ومن الذي استجاب لهذا الواقع: (الوحي) أم محمد ﷺ ؟ أما الوحي فقد نزل بحكم الله تعالى القاطع! وأما محمد ﷺ فلم يكن من وجهة نظر السياسة والواقع، أي من جهة حرصه على إيمان قومه، أو طمعه في إيمانهم أيا كانت درجة عداوتهم له ولما جاء به .. لم يكن مستعدا من هذه الوجهة، ولا من الوجهة النفسية- وقد بدأ بإعلان دعوته على جبل الصفا- أن يواجه أبا لهب بمثل هذا الموقف أو الإعلان المخيف!
ونذكّر في ختام هذه النقطة بأن جزءا كبيرا من حديثنا السابق عن (صدق ظاهرة الوحي) يمكن أن يدخل ضمن هذه الحكمة من حكم التنجيم، أو يلحق بها. والله تعالى أعلم.
стр. 96
الفصل الرّابع جمع القرآن وتدوينه
حديثنا هنا عن «حفظ القرآن وكتابته» ز من النبيّ ﷺ و «جمعه» - في مصحف واحد- أيام أبي بكر- ﵁، ثم «نسخ» المصاحف على عهد عثمان- ﵁. وإن كانت هذه الأعمال الثلاثة يطلق عليها جميعا، في كثير من الأحيان، لفظ «الجمع»، لكنه يطلق ويراد به مرة «الحفظ» وأخرى: «الكتابة والتدوين، والجمع في مصحف واحد»!
وإذا كان حفظ القرآن- بمعنى جمعه في الصدور- و «كتابته» على الأوراق المختلفة المتفرقة قد تم في عهد النبيّ ﷺ ، فإن «جمعه» - بمعنى جمع أوراقه المكتوبة في مصحف واحد- قد تم في عهد الخليفة الصّدّيق. ثم «نسخ» من هذا المصحف عدة نسخ بعثت إلى الأمصار زمن عثمان- ﵄.
نذكر هذا في مطلع هذا الفصل حتى تتنبه إلى الوهم- أو الخلط- الذي وقع فيه الدكتور «آرثر جيفري» (١) حين قال في مقدمته لكتاب «المصاحف»:
стр. 97
«الرأي الشائع في أن القرآن الكريم كتب في عهد النبيّ- ﵇ لا يقبله المستشرقون، لأنه يخالف ما جاء في أحاديث أخرى، أنه قبض ﷺ ولم يجمع القرآن في شيء»!
ولا وجه لأدنى خلط بين «كتابة» القرآن في عهد النبيّ الكريم، وما جاء في بعض الآثار الأخرى «أن النبيّ قبض ولم يجمع القرآن في شيء»! أي في شيء خاص به من مصحف أو سجلّ أو كتاب!! فإن كانت هذه العبارة موهمة عنده، أو محتملة في ذاتها!، فإن «جيفري» قد قرأ في الكتاب الذي حققه بيده- وأعني كتاب «مقدمتان في علوم القرآن» - روايات «تصرح» «بكتابة» القرآن على عهد النبيّ ﷺ ، وبلفظ «الجمع» كذلك، جاء فيها: «أن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله ﷺ وأنه ما نزلت آية إلا وقد أمر رسول الله ﷺ من يكتب له، أن يضعها في موضع كذا من سورة كذا» (١).
لكن الحسن فيما أشار إليه «جيفري» أنه اعتمد في رأيه، أو عدم قبوله لما نقول، على «أحاديث أخرى» أي أنه حصر الخلاف في ميدانه الطبيعي، وهو تحقيق الآثار والأخبار التاريخية، أو فهم هذه الآثار والأخبار، بغض النظر عن مثل هذا الفهم السقيم، ومع الإشارة إلى أن جمهور المستشرقين- كما سنشير في هذا الفصل- يسلّم بصحة نقل القرآن- هذه الوثيقة التاريخية- بعد أن تم حفظه في وقت مبكّر منذ نزوله إلى أن تم توزيع المصاحف على الأمصار الإسلامية في عهد الخليفة الثالث- ﵁. يؤكد هذا أن موضوع «حفظ» القرآن في صدور المئات من الحفّاظ لا ينازع فيه أحد.
وقبل أن نبدأ الكلام عن حفظ القرآن الكريم وكتابته في زمن النبيّ ﷺ ، بوصف ذلك أولى خطوات التوثيق ومراحل الجمع، وأول الخطوات الدالة على
стр. 98
قطعية النص القرآني وتواتره، نذكّر بالكلمات التي ختمنا بها موضوع تعريف القرآن، عند ما قلنا إن تسمية القرآن: قرآنا وكتابا، تؤكد أن من حقه أن يكون مصونا وموثقا من طريق الحفظ والكتابة جميعا.
أولا- حفظ القرآن وكتابته في عهد النبيّ ﷺ :
(أ) الحفظ والجمع في الصدور:
١ - كان سيد الحفاظ وأولهم الرسول ﷺ ، الذي «فرق» الله عليه القرآن ليقرأه على الناس «على مكث»، والذي تكفل له بحفظه وجمعه في صدوره، فقال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) [سورة القيامة، الآيات ١٦ - ١٧].
وقد كان سبيل حفظه ممهدا أمام النبيّ ﷺ ، وأمام الصحابة كذلك، واعتمادهم في الأصل إنما هو على الذاكرة دون الكتابة، بوصفهم أمة أميّة لهم كل خصائص الفطرة النقية، والذكاء الأصيل، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) [سورة الجمعة، الآية ٢].
هذا إلى جانب ما عرف عنهم- في الصحراء- من صفاء الذهن وجودة القريحة.
بل إن حفظ النبيّ ﷺ كان يجري عليه لون من ألوان الزيادة في الاطمئنان والتثبت؛- ولعله الوجه الذي نراه من وجوه التكفّل الإلهي له بحفظه وجمعه في صدره حتى لا يضيع منه شيء- وذلك بأن يقرأه النبيّ على جبريل في كل عام مرة؛ أخرج البخاري من حديث عبد الله بن عباس- ﵄ قال: «كان النبيّ ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن،
стр. 99
فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (١) .. حتى إذا دنا حضور أجل النبيّ ﷺ عارضه جبريل بالقرآن مرتين؛ جاء في البخاري عن عائشة- ﵂ عن فاطمة بنت النبيّ- ﵍ «أسرّ إليّ النبيّ ﷺ أن جبريل يعارضني بالقرآن كلّ سنة، وإنّه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي» (٢). وأخرج البخاري أيضا من حديث أبي هريرة قال: «كان جبريل يعرض على النبيّ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرّتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض» (٣).
٢ - ثم يأتي دور الصحابة الذين كانوا يتسابقون في حفظ القرآن واستظهاره، يهجرون من أجل تلاوته في الأسحار نومهم وراحتهم، حتى ليمر الشخص ببيوت الصحابة في غسق الدّجى يسمع فيه دويا كدويّ النحل بالقرآن، فكان شغفهم بالقرآن عظيما جدا؛ روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن، حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار». وأقل ما يقال في هذا الشغف الهائل أنه- فيما وراء التلقي للفهم والعمل والتطبيق- من أجل قراءة القرآن في النوافل والفرائض، والتقرب إلى الله تعالى بتلاوته. إلى جانب أن النبيّ ﷺ كان يحثهم على العناية بالتنزيل، ويبعث إلى من كان منهم بعيدا من يقرئهم ويعلمهم، كما بعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته- ﵇، يعلّمانهم الإسلام ويقرءانهم القرآن، وكما أرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد الهجرة للتحفيظ والإقراء.
стр. 100
قال عبادة بن الصامت- ﵁: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبيّ ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا». وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ القرآن في شهر. قلت: إني أجد قوة. قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» (١).
وكانت النتيجة لكل هذا أن عدد الحفاظ من الصحابة كان كبيرا، ويكفي أن نعلم أنه قتل منهم يوم بئر معونة ويوم اليمامة، أربعون ومائة، قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد رسول الله ﷺ ببئر معونة- وما أدراك ما يوم بئر معونة- مثل هذا العدد!
غير أن الذين اشتهروا من الصحابة بحفظ القرآن: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعد، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وحفصة. كما حفظه من الأنصار في حياة النبيّ ﷺ : أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وكثيرون غيرهم.
ويمكن القول إن حفظهم للقرآن بهذه الأعداد الكبيرة يمثل لونا من ألوان «التوثيق»، إلى جانب أن بعضهم ربما قرأ أو عرض ما يحفظه على رسول الله ﷺ ، أخرج البخاري من حديث عبد الله بن مسعود- وقد جعله النبيّ ﷺ واحدا من أربعة أمر بأن يؤخذ عنهم القرآن (٢) - قال: قال لي النبيّ ﷺ : «اقرأ عليّ، قلت:
يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب- وفي رواية: أشتهي- أن
стр. 101
أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) قال لي: كفّ أو أمسك، فالتفتّ إليه فإذا عيناه تذرفان! (١):
(ب) الكتابة والتدوين:
هذا في موضوع حفظ القرآن- بمعنى جمعه في الصدور- في زمن النبيّ ﷺ . فإذا انتقلنا إلى «الكتابة» والتدوين نجد أن النبيّ ﷺ قد اتخذ كتّابا للوحي، أمرهم بكتابة كل ما ينزل من القرآن، منهم الخلفاء الأربعة وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وثابت بن قيس، وغيرهم.
فكانوا يكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب واللخاف والرّقاع والأكتاف والأقتاب وقطع الأديم (٢)، قال زيد بن ثابت: «كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرقاع» وقال بعد أن أمر بجمع القرآن: (فتتّبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال) (٣). وفي هذا دلالة على أن الشطر الأعظم من القرآن الكريم كان مكتوبا على الورق وسائر انواع الرقاع.
وفوق ذلك فقد نهاهم الرسول الكريم عن أن يكتبوا شيئا غير القرآن، فقال ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري- «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (٤) وذلك- فيما يبدو- حتى تتوفر جهودهم وهممهم
стр. 102
على حفظ القرآن في المقام الأول، وإن كان كثير من العلماء يرى العلة في هذا النهي خشية اختلاط القرآن بالحديث، وربما كان من صواب الرأي أن يقال إن هذا
الاختلاط- لو رخص لهم النبيّ بكتابة أحاديثه الشريفة- مأمون من أدنى نظر بين الأسلوبين، إلا أن يكون النهي عن جمعهما في صحيفة واحدة إن أمن صاحبها اللبس- لمكان معرفته وتفريقه- في السورة الكاملة أو الآيات الكثيرة، فلعلّه لا يأمنه في آية، كان ينزل بها الوحي، أو إن أمن هو كل ذلك، فقد لا يأمن على من تقع هذه الصحيفة في يده في وقت لا حق! وبخاصة إذا كان الذي كتب مع الآية تأويلها.
يؤكد ما أشرنا إليه من توافر الجهود الرئيسة أو الكبرى- زيادة في التوثيق- أن الحديث لا يخشى عليه مثل هذا الضياع والرسول بين ظهرانيهم، وفرصة الإعادة وتجدد مناسبة القول مفتوحة، وفي وسع من أراد السؤال أن يسأل. ولهذا- وهذا استطراد لا بد منه- لا نجد أي فرصة لاستغراب كثرة رواية أبي هريرة مثلا مع تأخر إسلامه، بل لعل الشطر الأكبر من الأحاديث النبوية قالها النبيّ الكريم أو أثرت عنه بعد الهجرة؛ والوحي الإلهي يلقي على عاتقه مع آيات التشريع وتوسع الحياة الاجتماعية أضعاف ما خصّه من الدور مع الآيات المكية التي كانت تدور في معظمها حول قضايا العقيدة وقصص الأنبياء والأمم السابقين.
والنقاط التي يمكننا أن نفصّل فيها تفسيرنا السابق لموضوع النهي كثيرة، ونكتفي هنا بالقول: إن هذا النهي على كل حال يمثل لونا آخر من ألوان التوثيق في الكتابة يحسن التنويه به والإشارة إليه.
ثانيا- جمع القرآن على عهد أبي بكر الصدّيق- ﵁ -:
يحدثنا زيد بن ثابت كاتب الوحي على عهد رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري- فيقول: «أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (١) فإذا عمر بن الخطاب
стр. 103
عنده، قال أبو بكر- ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ (١) يوم القيامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه- فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن- قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حتى خاتمة براءة، [الآيتان ١٢٨ - ١٢٩]، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄» (٢).
стр. 104
١ - يدل هذا النص على أن الباعث على الجمع الذي تم في عهد الصّدّيق وكان بإشارة من ابن الخطاب- ﵄ هو الخوف من أن «يذهب كثير من القرآن». ولم يفهم «جيفري» - الذي علمت خبره- من هذا الخوف أنه تحرّ في الصيانة والحفظ، ولكنه فهم أن القرآن لم يكن مكتوبا في عهد النبيّ ﷺ ، وإلا لماذا يخاف عمر من استشهاد الحفاظ؟! وندع ما أشرنا إليه من أن القرآن الكريم «كتب» على عهد النبيّ ﷺ لنقول: إن ذهاب الحفاظ في المواطن أمر يخاف منه في الغد القريب أو البعيد، لأن طريقة أداء المكتوب لا يتأتى إلا عن طريق التلقين والرواية، وذهاب الذين حفظوا القرآن أيام النبيّ ﷺ يعوق طريقة الأداء. بل إن ذهاب هؤلاء الحفاظ أمر يخشاه عقل حازم ونظر نافذ كعقل عمر بن الخطاب ونظره و «وثائقيته» المشهورة ... يخشاه من حيث هو، ويخشاه كذلك لأن القرآن كما قلنا لا بد فيه من الكتابة والحفظ جميعا! يؤكد هذا: المنهج الذي رسمه أبو بكر لزيد بن ثابت في هذا الجمع.
٢ - يتلخص منهج الجمع، كما رسم لزيد وأمر بتنفيذه، في وجوب الاعتماد على مصدرين: أولهما: ما كتب بين يدي النبيّ ﷺ . وثانيهما: ما كان محفوظا في صدور الرجال.
قال زيد: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» وفي الحديث الآخر الذي أخرجه ابن أبي داود من طريق عبد الرحمن بن حاطب قال:
«قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا فليأت به- قال: وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب- وكان زيد لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان» قال السخاوي: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ .
وقد شارك عمر زيد بن ثابت في موضوع الجمع، بإشارة من أبي بكر، وكانا يطلبان على الحفظ كذلك شهادة شاهدين، جاء في حديث منقطع رجاله ثقات أن
стр. 105
أبا بكر قال لعمر وزيد: «اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه» وقد فسّر بعض العلماء هذين الشاهدين: بالحفظ والكتابة.
ومعنى ذلك: الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة، ومثله على الحفظ! ولو صح هذا التفسير المخالف لما ذهب إليه جمهور العلماء- سواء صح الحديث السابق أم لم يصح- لما كان هنا لك من داع ليخص زيد بن ثابت- في رواية البخاري السابقة- آخر سورة «براءة» بالذكر! إن كان لا يتطلب على «الكتابة» أكثر من شاهد واحد! ومن نافلة القول أن نشير إلى أن قوله: «لم أجدها مع أحد غيره» لا يجوز تفسيره بأنه لم يجدها «محفوظة»!! لأنه كان- ﵁ يبحث عن آية «يحفظها» هو! قال الزركشي: «وقول زيد: لم أجدها إلا مع أبي خزيمة، ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد، لأن زيدا كان سمعها وعلم موضعها في سورة التوبة بتعليم النبيّ ﷺ ، وكذلك غيره من الصحابة ... » قال: «وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم». وقال الحافظ ابن حجر- ﵀: «ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها عن النبيّ ﷺ ، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة» (١).
بل إن من الواضح أن طلب مثل هؤلاء الشهود لا يراد به أكثر من مجرد الاستظهار والاستيثاق وتسهيل عمل زيد بن ثابت ... لأن الأصل هو في الحفظ المتواتر من قبل جمهور الصحابة- رضوان الله عليهم- ... وهذا معنى تخوّف الفاروق الذي لم يفهمه «جيفري» مرة أخرى! ولهذا فإن التواتر هنا في نقل القرآن الكريم لا يمكن في الشاهدين أو في الأربعة شهود، حتى نقول مع بعض العلماء:
إن الاستظهار المتواتر لآخر سورة براءة من قبل الصحابة قام مقام الشاهد الآخر على أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ (٢) ... لأن هذا عكس ما يجب قوله في هذا
стр. 106
المقام، لأن التواتر إنما يكمن حقيقة في موافقة هذا المكتوب في الصحف، بشهادة أي عدد كان، لما كان يحفظه الصحابة في صدورهم- بل إن الكتابة ليست شرطا في التواتر أصلا- حيث تلقوا عمل أبي بكر بالقبول، وتمت عليه موافقتهم ..
فكأن جمع المتفرق- «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» - كان سبيلا ليعارض بالمجتمع «ليشترك الجميع في علم ما جمع فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشكّوا في أنه جمع عن ملأ منهم» (١) كما قال الزركشي- ﵀.
هذا الجمع العلني والإعلامي، في مجتمع فضل وعلم ودين، هو الذي قال فيه علي بن أبي طالب- ﵁: «أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله» (٢).
٣ - وأخيرا، فإن من أبرز ما تضمنه حديث زيد السابق (٣) أن الصحف التي جمع فيها القرآن- بين لوحين أو أجزاء متفرقة- كانت عند أبي بكر الخليفة- ﵁، ثم آلت إلى سيدنا عمر من بعده، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر أمير المؤمنين، ولم توضع عند عثمان لأن عمر- ﵄ ترك الخلافة شورى من بعده في ستة فلا يحسن دفع هذه الصحف إلى واحد منهم، ولعله لو فعل ذلك لفهم على أنه من أمارات الترجيح! يضاف إلى ذلك أن حفصة- رضوان الله عليها- هي زوجة النبيّ ﷺ وأم المؤمنين، وكانت متمكنة من
стр. 107
القراءة والكتابة، فضلا عن حفظها للقرآن الكريم عن ظهر قلب، فبقيت هذه الصحف عندها إلى أن طلبها منها الخليفة عثمان بن عفان، كما سنرى في الفقرة التالية:
ثالثا- نسخ المصاحف على عهد عثمان- ﵁ -:
١ - كان الجمع الذي تم في عهد الصدّيق، إذن، جمعا عاما، أو جمعا «رسميا» قام به الخليفة، وشارك فيه جمهور الصحابة أو جماعة المسلمين: الحافظ بحفظه والكاتب بكتابته. إلا أن هذا الجمع لم يرد له أبو بكر- ﵁ أن يكون «قاضيا» على الصحف الخاصة التي جمع فيها بعض الصحابة القرآن لأنفسهم، كما فعل عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري والمقداد بن عمرو وأبيّ بن كعب وعلي بن أبي طالب- وكان غالب هذا الجمع يتمثل في تسجيلهم لما كانوا يسمعونه من النبيّ ﷺ من القرآن- لأن همّ أبي بكر وعمر كان مصروفا لمبدأ الجمع الموثق الذي يتم على ملأ من الحفاظ وعامة المسلمين، والذي كان من أركانه بعض أصحاب هذه الصحف أو المصاحف؛ ولهذا فإن هذه الصحف لم تختلف عن المصحف السابق إلا في ترتيب السور من ناحية، وفي بعض القراءات التفسيرية والقراءات ذات الطابع اللهجي
من ناحية أخرى (١)، لأنهم إنما كانوا يدونون هذه الصحف لأنفسهم، وتأكيدا أو تطبيقا لمبدأ نزول القرآن على سبعة أحرف، كما سنشير إلى ذلك في بحث قادم.
وقد علّل صاحب كتاب المباني اختلافهم في ترتيب السور «بأن الواحد منهم إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله ﷺ أو كتبها ثم خرج في سرية فنزل في وقت تغيّبه سورة، فإن كان إذا رجع فأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته فيتتبع ما
стр. 108
فاته على حسب ما يستهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير من هذا الوجه». قال:
«وليس يقدح في الثقة بالقرآن أن كانت السور متفرقة على غير ولاء، بعد أن كانت معروفة عند عامّتهم، محفوظة عن أن يزاد فيها أو ينقص، كما أنه ليس يقدح في قصائد زهير والأعشى وغيرهما من الشعراء أن تكون قصائدهم متفرقة، ثم تجمع بين دفتين فتقدم قصيدة وتؤخر أخرى» (١).
أما الاختلاف بالزيادة والنقص- فيما وراء الأحرف السبعة- أو بعبارة أدق:
الاختلاف بالنقص، فلم يكن له وجود، ومن ظن ذلك فقد غفل عن النقطة التي أشرنا إليها، وهي أن هذه الصحف صحف خاصة، وربما دوّن صاحبها على صحيفة من الصحف دعاء أو حديثا وهو يأمن أنه ليس من القرآن، أو ترك تدوين سورة يعلم أنها من القرآن ... فمصحف ابن مسعود- على سبيل المثال- زعم بعضهم أنه كان يخلو من سورة الحمد! قال ابن قتيبة: «وكيف يظن به ذلك وهو- أي ابن مسعود من أشد الصحابة عناية بالقرآن؟ ولكن ذهب فيما يظن أهل النظر إلى أن القرآن إنما جمع وكتب بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد- فاتحة الكتاب- ... فلما أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن» (٢).
غير أن تعدد المصاحف بجوار مصحف أبي بكر، وانتشار القراء في الأمصار، تسبب في تعدد القراءات، واختلاف القراء. فكانت الحلقة الثالثة أو المرحلة الأخيرة من مراحل جمع القرآن الكريم، أو من مراحل توثيقه ونشره، قام بها عثمان بن عفان- ﵁. وفي ذلك يروي لنا البخاري الخبر التالي:
стр. 109
«عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة. فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (١).
وتوضح بعض الروايات الأخرى عند أبي داود وفي كتابي (البرهان) و (الإتقان) أن الاختلاف في القراءة الذي لاحظه حذيفة، والذي ظهر عند اجتماع الجيوش الإسلامية الوافدة من الأقاليم- سورية والعراق- يعود إلى أن أهل الشام كانوا يتبعون قراءة «أبيّ بن كعب» والعراقيين يتبعون قراءة ابن مسعود .. وبعضهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فقال بعضهم لبعض: «قراءتنا خير من قراءتكم ... » (٢) وهذا أمر يفزع من مثله، وإن دلّ على شيء- فيما وراء
стр. 110
الاختلاف في القراءة الذي يسمح به نزول القرآن على سبعة أحرف- فإنما يدل على أن شيئا من الطابع الفردي أو الشخصي قد أسبغ على مصحف أبي بكر على الرغم من العناية التي بذلت في جمعه (١) وإن الذي ساعد على ذلك- فيما يبدو لنا- بقاؤه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين، إلى جانب طبيعة المكانة المتكافئة أو المتقاربة التي يحتلها الصحابة عموما، والتي لا تجعل من الخليفة رجلا متميزا في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت. ولهذا فإن الواجب الآن، بعد الاختلاف الذي أشار إليه حذيفة، يقتضي إعطاء مصحف أبي بكر فرصة النشر والتعميم على الأقاليم الإسلامية، وجعله وثيقة للناس كافة. وهذا ما فعله عثمان بن عفان كما تدل على ذلك الروايات الكثيرة، وكما أقره عليه الصحابة- رضوان الله عليهم- عند ما قالوا له: نعم ما رأيت (٢).
٣ - تشير رواية البخاري السابقة إلى أن اللجنة التي انتدبت للقيام بهذا العمل كانت مؤلفة من أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ، ثلاثة من قريش، وواحد من الأنصار
وهو زيد بن ثابت.
وجاء في بعض الروايات أن الذين انتدبوا للقيام بهذا العمل أكثر من هذا العدد (٣)، ويبدو أن اللجنة التي «كلّفت» من قبل الخليفة تتألف من أربعة، إلا أن اجتماع الصحابة على العمل واشتراكهم في الإقرار بأن النبيّ ﷺ قرأ على هذا النحو- الذي نجده الآن في المصاحف- وتثبّت الجماعة في ذلك .. هو الذي أوهم كثرة العدد في اللجنة الرسمية التي أنيط بها العمل المذكور؛ أخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن قلابة أن عثمان بن عفان- وقد راعه اختلافهم- قال: يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما، فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا