الرابع: من جهة المكان والأمور نزلت فيها كقوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧]. ويشترط لفهم الآية معرفة عادات الجاهلية.
الخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح، وأكد الأصفهاني أن كل ما ذكره المفسرون عن المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم ..
وينقسم المتشابه من جهة أخرى إلى ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، وضرب متردد بين الأمرين، ويختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على غيرهم وهو المشار إليه بقوله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١).
وتساءل العلماء هل يمكن أن يكون في القرآن شيء لا تعلم الأمة تأويله، ونقل الزركشي هذا الخلاف بين المفسرين والمتكلمين، فالمفسرون أجازوا أن يكون في القرآن بعض ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا ما أكده عدد من العلماء في تفسيرهم لمعنى المتشابه، وأن بعض المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، ونقل الراغب الأصفهاني عن المتكلمين أن كل القرآن يجب أن يكون معلوما، وإلا أدى ذلك إلى إبطال الانتفاع (٢).
آيات الصفات:
وأبرز ما وقع الاختلاف فيه في موضوع الآيات المتشابهة آيات الصفات، في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
وذهب جمهور أهل السلف وأهل الحديث إلى الإيمان بما جاء في القرآن، وتفويض المعنى إلى الله، وعدم الخوض في تفسير هذه الآيات وتأويلها (٣)، وسئل مالك عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: «الكيف غير
стр. 177
معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة»، وروي عن محمد بن الحسن قوله: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، ونقل هذا الرأي عن سفيان الثوري ومالك وابن عيينة ووكيع، وقالوا جميعا بضرورة عدم التفسير والتأويل، وذهب بعض أهل السنة إلى جواز تأويل هذه الآيات على ما يليق بجلاله تعالى، وتوسط ابن دقيق العيد، فأجاز التأويل إذا كان قريبا من لسان العرب، فإذا كان التأويل بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه.
وموقف أهل السلف أوضح وآمن وأسلم، فإن من الصعب على العقل البشري أن يخوض في تأويل ما ليس به علم، وأنى له علم ذلك والعقل البشري لا يدرك إلا المعاني القريبة منه، مما تدركه الحواس، والتأويل قد يبتدئ يسيرا منضبطا، ثم تتوسع مجالاته، وتنحرف مسالكه، وتضطرب أقواله، ثم يكون مطية لانحراف خطير.
وهنا نقف وقفة يسيرة عند أنواع المتشابه كما أوردها «الراغب» في مفرداته، وليس كل متشابه سواء، فمتشابه الغرابة في الألفاظ والتراكيب ليس كمتشابه المعاني، حيث يقف العقل عاجزا عن الفهم، حائرا مضطربا، لا يدري وجه الصواب، وأنى للمفسر أن يدرك الصواب في أوصاف الله وفيما يدخل ضمن الغيب؟
ويكفي المؤمن أن يقف في مثل هذه المواطن مؤمنا مسلما خاشعا تاركا تفسير ذلك وتأويله لله تعالى، فما توصل إليه أهل التأويل في موضوع الاستواء على العرش من حيث تفسير الاستواء بالاستقرار وبالاستيلاء أو بالصعود أو بالعلو لا يبدو مقنعا، لأن كل معنى لا يخلو من محاذير، وأخطرها التجسيم، والله منزه عن ذلك، والآية واضحة الدلالة معبرة صادقة معجزة، ولا تحتاج بعد ذلك إلى تفسير أو تأويل.
واعتبر العلماء أن حروف التهجي في أوائل السور القرآنية من المتشابه،
стр. 178
أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور.
والمتشابه كالمحكم من حيث مكانة النص القرآني، ولا يقدم المحكم على المتشابه ولا يفضله إلا من حيث وضوح الاستدلال بالمحكم لوضوح لفظه ومعناه، ولا مجال
للاستدلال بالمتشابه إلا بعد معرفة ما يراد به، ولا شك أن المتشابه بسبب غموضه قد فتح الآفاق لمجالات واسعة من البحث، ودفع العلماء إلى تقصي معانيه المحتملة، وهذا منهج في البحث مفيد ...
стр. 179
الفصل الثالث عشر: القراءات القرآنية
يراد بالقراءات القرآنية العلم بكيفية أداء القرآن من حيث نطق الألفاظ أو اختلاف تركيبها، بحيث تكون القراءة موافقة لما ثبت نقله عن القراء الأوائل الذين اشتهروا بحفظ القرآن وضبطه.
ومن الثابت لدى علماء القراءات أن القراءات ليست هي الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وكلمة القراءات السبع هي التي أوجدت ذلك اللبس في المصطلحات، والقراءات ليست منحصرة بسبع قراءات، فهناك أكثر من ذلك، ولكن «ابن مجاهد» شيخ قراء عصره في بغداد المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، حاول أن يضبط القراءات الكثيرة التي انتشرت في البلاد الإسلامية، وكان بعضها ليس موثقا، فحاول أن يجمع القراءات، وأن يستخرج منها ما كان ثابتا عن طريق الرواية المتواترة بنقل الثقات من القراء، فاعتمد سبع قراءات، ووثقها، وثبت لديه أن قراءها عرفوا بالثقة والضبط والأمانة، وعرفت هذه القراءات بالقراءات السبع ...
وتحديد عدد القراءات المعتمدة بسبع قراءات جاء بمحض الصدفة، وكان يمكن أن يكون أكثر من ذلك أو أقل، وأدى هذا العدد إلى التباس كبير لدى كثير من الناس بين الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن والقراءات السبعة التي اعتمدها ابن مجاهد في القرن الثالث واختارها من القراءات الكثيرة التي شاعت في عصره.
ولا شك أن العمل الذي قام به ابن مجاهد كان عملا عظيما وكان جهدا فائقا، لأنه استطاع أن يضع معايير دقيقة للقراءة المعتمدة الموثقة، وأن يقف عن طريق هذه المعايير في وجه القراءات الكثيرة التي لا يسلم بعضها من شذوذ أو ضعف، وهذا لا يعني أن القراءات الأخرى ليست صحيحة، فهناك قراءات موثوقة، وموافقة لمعايير التوثيق والضبط التي وضعها العلماء، إلا أن «ابن
стр. 180
مجاهد» اقتصر في قبوله للقراءات على سبع قراءات اختارها من بين القراءات التي كانت شائعة.
قال مكي بن أبي طالب:
من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنعوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابن عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب، قال:
والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرا ومثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا» (١).
وقال ابن الجزري في النشر:
كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وخطئوه في ذلك، وقالوا: «ألا اقتصر على دون العدد أو زاده أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة».
وقال الضراب في الشافي: «التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد» (٢).
стр. 181
وقال أحمد بن عبد الحليم بن تيمية:
لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة أو أن هؤلاء السبعة المعنيين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم، ولهذا قال بعض من قال من أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين» (١).
وأضاف ابن تيمية:
ولذلك لم يتنازع علماء الإسلام المتبعون من السلف والأئمة في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين، بل من ثبتت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب الحضرمي ونحوهما كما ثبتت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف» (٢).
وقال ابن الجزري (٣):
وقد تدبرنا اختلاف القراءات كلها فوجدناه لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
الثاني: اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد.
الثالث: اختلافهما جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد.
ثم ختم ابن الجزري كلامه بقوله:
стр. 182
وكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدا من الأمة رده ولزم الإيمان به، وإن كله منزل من عند الله، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض» (١).
وقال السيوطي في الإتقان:
وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر من صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي فقال في شرح المنهاج:
قال الأصحاب: «تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع، ولا تجوز بالشاذة، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهور من الشواذ، وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب» (٢).
وفصل السبكي ذلك بقوله:
واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين:
منه ما يخالف رسم المصحف، فهذا لا شك فيه أنه لا تجوز قراءته لا في الصلاة ولا في غيرها، ومنه ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به، وإنما ورد من طريق غريب لا يعول عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا، ومنه ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا، فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره» (٣).
والمعتمد في القراءات القرآنية النقل والتلقي والرواية، فما ثبت نقله وتلقيه
стр. 183
عن إمام موثوق بقراءته وحفظه عن النبي ﷺ فهو قراءة صحيحة، ولقد تعددت القراءات لسببين:
السبب الأول: ثبوت نزول القرآن على سبعة أحرف، وهذا ثابت فيما رواه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب قوله: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه».
السبب الثاني: رسم القرآن، وروعي في رسم القرآن أن يكون شاملا للأحرف السبع، وقد ناقش «ابن الجزري» في كتابه «النشر» هذا الموضوع وقال:
«وأما كون المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة فإن هذه مسألة كبيرة اختلف العلماء فيها، فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنوا على ذلك أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها» (١).
وأكد أن الرأي الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة.
стр. 184
وأشار بعض العلماء إلى وجود اختلافات بين المصاحف العثمانية من حيث الرسم القرآني، وحددوا أوجه الاختلاف بين مصحفي أهل المدينة والعراق باثني عشر حرفا، وهناك اختلاف بين مصحفي أهل الشام والعراق وبين مصحفي أهل الكوفة والبصرة، وهذه الاختلافات لا تتجاوز حدود الاختلاف فيما يدل عليه الرسم، أو زيادة حرف أو نقصانه، أو استبدال حرف بآخر.
ومن أمثلة هذه الاختلافات (١):
١ - مصحف أهل المدينة: وأوصى (٢) مصحف أهل العراق «ووصّى» بنقص الألف.
٢ - مصحف أهل المدينة: «سارعوا» (٣) مصحف أهل العراق «وسارعوا» بزيادة الواو.
٣ - مصحف أهل المدينة: «يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا» (٤) ومصحف أهل العراق «ويقول الذين آمنوا» بزيادة الواو.
٤ - مصحف أهل المدينة: «ومن يرتدد» (٥) مصحف أهل العراق «ومن يرتد» بدال واحدة.
٥ - مصحف أهل المدينة: «بما كسبت أيديكم» (٦)، مصحف أهل العراق «فبما كسبت» بزيادة الفاء.
وهذه الاختلافات كما رأيناها لا تتجاوز حدود زيادة حرف عطف أو نقصانه، وهي لا تعتبر اختلافات بالمفهوم الحقيقي، ومع هذا فقد درسها العلماء، وحاولوا بيان أوجه الاختلاف وهو لا يتجاوز اختلاف رسم وأدى ذلك إلى اختلاف في القراءات ..
стр. 185
وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف في كتابه «عنوان البيان في علوم التبيان» في هذا الموضوع:
«إن هذا الاختلاف بين تلك المصاحف إنما هو اختلاف قراءات في لغة واحدة لا اختلاف لغات، قصد بإثباته إنفاذ ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد المسلمين واشتهاره بينهم» (١).
وهذا يؤكد لنا أن المصاحف العثمانية اتسعت لجميع القراءات وجميع الروايات التي نقلت إلينا عن طريق أئمة القراء الذين اشتهروا بجودة الحفظ وعمق المعرفة بالقراءات صحيحة.
«والحاصل أن المصاحف العثمانية كتبت لتسع من القراءات ما يرسم بصور مختلفة إثباتا وحذفا وإبدالا، فكتبت في بعضها برواية، وفي بعضها برواية أخرى تقليلا للاختلافات في الجهة الواحدة بقدر الإمكان، فكما اقتصر على لغة واحدة في جميع المصاحف اقتصر على رسم رواية واحدة في كل مصحف، والمدار في القراءة على عدم الخروج عن رسم تلك المصاحف، ولذلك لا يخطر على أهل أي جهة أن يقرءوا بما يقتضيه رسم الجهة الأخرى» (٢).
وعلّل «ابن الجزري» تجريد المصاحف العثمانية من النقط والشكل ليحتملها ما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي ﷺ ، وهذا الرأي يطرح علة جديدة لعدم النقض ويفسر عدم النقض لكي يستوعب المصحف القراءات القرآنية المتفقة مع الرسم.
مقاييس القراءة الصحيحة:
وضع الحافظ أبو بكر بن مجاهد البغدادي المتوفى سنة ٣٢٤ هـ معايير للقراءة الصحيحة، وكان ابن مجاهد شيخ القراء في بغداد وأبرز علماء عصره في القراءة، قال عنه ابن النديم في الفهرست:
стр. 186
«كان واحد عصره غير مدافع، وكان مع فضله وعلمه وديانته ومعرفته بالقراءات وعلم القرآن حسن الأدب، رقيق الخلق، كثير المداعبة، ثاقب الفطنة جوادا»، وكانت حلقات دروسه غاصة بالقراء، يتعلمون منه علم القراءات.
واختار ابن مجاهد سبع قراءات، اعتبرها القراءات التي وقع الاتفاق عليها، وهي منسوبة لسبعة قراء، ولكل قارئ منهم سنده في روايته، وحجته فيما يقرأ، واختار قراءة السبعة من قراء الحجاز والعراق والشام ممن أتقن القراءة، وتعلم أصولها وقواعدها.
وانتقد بعض العلماء «ابن مجاهد»، لأنه اختار سبعة قراء وكان بإمكانه أن يضيف إليهم بعض القراء الآخرين الذين لا يقلون عنهم مكانة، وقراءتهم لا تختلف عن القراءات السبع من حيث الدقة والصحة والشهرة والضبط، فضلا عما أدى إليه اختيار هذا العدد من لبس واشتباه لدى عوام الناس الذين لم يفرقوا بين القراءات السبع والأحرف السبعة، وبينهما فرق كبير ..
وقد وضع العلماء مقاييس دقيقة للقراءة القرآنية الصحيحة، وبمقتضى هذه المقاييس تتسع دائرة القراءات الصحيحة.
مقاييس القراءات الصحيحة عند ابن الجزري (١):
المقياس الأول: موافقة العربية ولو بوجه:
الأصل في القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لقواعد اللغة العربية، نظرا لأن القرآن نزل بلغة عربية، ولا يتصور أن تكون هناك قراءة ليست متلائمة مع القواعد النحوية، ومع هذا فإن علماء القراءات يعتمدون في صحة القراءة القرآنية على الإسناد الصحيح، ولا يبحثون عن مطابقة القراءة للقواعد النحوية، قال «الداني»:
«وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا
стр. 187
ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» (١).
ولا يحتج البصريون بالقراءات إلا حينما تتفق مع أصولهم، ويرى الكوفيون أن القراءات يجب أن تشتق منها المقاييس النحوية لأن سندها الرواية، وهي أقوى في مجال الاستشهاد من الشعر، وهذا هو الأصل، إذ لا يتصور أن يتم الاستشهاد بالشعر وهو قول بشر، ولا يحتج بالقراءات في مجال النحو، وانتقد ابن حزم موقف البصريين في ذلك ...
ولا شك أن هذا الخلاف بين القراء والنحويين أدى إلى نشاط لغوي كبير، وازدهرت بفضله حركة النقد والتخريج للقراءات، وقد أثرى هذا الخلاف المدارس النحوية، وعمق حوارها اللغوي ...
المقياس الثاني: موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا:
وهذا المقياس يجعل المصاحف العثمانية هي الأساس في القراءات القرآنية، بحيث تتوافق القراءة الثابتة عن طريق النقل والرواية بما جاء في المصاحف العثمانية ولو احتمالا، لأن الرسم العثماني قد يخالف بعض القراءات، في زيادة حرف أو نقصانه أو إدغامه في حرف آخر، كما في قوله: «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»، فقد كتبت بغير ألف في الرسم القرآني، وكذلك قوله: وأوصى، ووصّى.
وأكد ابن الجزري أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة وفرق بين مخالفة الرسم في زيادة حرف زائد أو نقصانه وبين مخالفة الرسم بزيادة كلمة أو نقصانها، ولو كانت تلك الكلمة حرفا من حروف المعاني، فإن حكم ذلك الحرف كحكم زيادة أو نقصان كلمة، ولا تجوز مخالفة الرسم فيه.
стр. 188
وهذا معيار دقيق في طبيعة العلاقة بين القراءات القرآنية والرسم العثماني، فالمصحف العثماني هو المصحف الذي أجمعت الأمة على قبوله والرسم العثماني هو النص القرآني الثابت، ولا يجوز لأية قراءة أن تخالفه أو تخرج عنه بإضافة كلمة أو نقصانها، ما لم يكن ذلك الاختلاف محصورا في حرف لا يترتب عليه أي تغيير في المعنى كحروف الزوائد.
المعيار الثالث: صحة السند:
يشترط في القراءة القرآنية الصحيحة والمعتمدة والمقبولة أن يكون سندها صحيحا، بنقل العدل الضابط عن مثله، وتكون مشهورة عند القراء الثقات، فإذا لم تكن القراءة صحيحة السند بنقل الثقات فلا تقبل، ولو وافقت الرسم القرآني، واشترط بعض العلماء التواتر في الرواية، فإذا انتفى النقل في القراءة فلا مجال لقبولها، وإن جاءت موافقة لكل من الرسم وقواعد العربية، لأن النقل هو الشرط الأهم في إثبات القراءات ...
والأجدر في هذا المجال أن يقال بأن المقياس في قبول القراءات صحة الرواية وهو شرط وحيد ومقياس لا خلاف فيه، ولكي يتم اعتماد هذا النقل لا بد فيه من موافقة تلك القراءة لقواعد العربية والرسم القرآني، واعتبار مقياس النقل هو الأساس يخرجنا من تناقض واضح فيما يتعلق بأهمية المقاييس الثلاثة، ومقياس الرسم هو قرينة لصحة الرواية، ولا يمكن اعتباره كافيا في قبول القراءة ...
ونقل السيوطي في الإتقان عن الكواشي قوله:
«كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ» (١).
وأكد «ابن الجزري» مقاييسه للتفريق بين القراءات الصحيحة والقراءات الشاذة والضعيفة في أول كتابه «النشر»:
стр. 189
كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف (١).
وقال أبو شامة في المرشد الوجيز:
لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحيحة. وأنها أنزلت هكذا، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم» (٢).
ثم شرح «ابن الجزري» هذه المعايير والضوابط، من حيث موافقة العربية ولو بوجه، أي نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا، ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا في بعضها دون بعض، وموافقة الرسم ولو احتمالا ولو تقديرا (٣).
القراءات الشاذة:
يراد بالقراءات الشاذة تلك القراءات التي لم تبلغ درجة الصحة في ثبوتها،
стр. 190
وفي رأي ابن مجاهد أن القراءات السبعة هي القراءات الصحيحة، وما عداها فهو قراءات شاذة، ولم يوافق العلماء على هذا التحديد، ووضعوا مقاييس للقراءة الصحيحة والشاذة، وهي أن كل قراءة توفرت فيها شروط القبول الثلاثة تعتبر قراءة صحيحة، وما لم تتوفر فيه تلك الشروط من حيث الصحة وموافقة العربية والرسم العثماني فهو شاذ، وانتقد العلماء تحديد القراءات الصحيحة بسبعة قراءات، ورأوا أن تطبيق المقاييس هي الطريق الأدق لمعرفة القراءات الصحيحة من القراءات الشاذة ...
واهتم العلماء بالقراءات الشاذة، من حيث إثبات الشذوذ والضعف فيها، وأفردوا لها مؤلفات قيمة، وناقشوا مواطن الشذوذ فيها، وحكم القراءة بها.
ومن أهم الكتب التي ألّفت في القراءات الشاذة، كتاب المحتسب لابن جني (١)، وإعراب القراءات الشواذ للعكبري، وكتاب الشواذ لأبي العباس المعروف بثعلب النحوي، وكتاب المصاحف لأبي داود السجستاني، وكتاب الشواذ لابن مجاهد، وكتاب البديع لابن خالويه وكتاب المحتوى في القراءات الشواذ لأبي عمرو الداني، واللوامح لأبي فضل الرازي، وشوق العروس لأبي معشر الطبري القطان ...
واختلف العلماء في حكم الصلاة بالقراءة الشاذة على أقوال (٢):
الأول: عدم جواز الصلاة بالقراءة الشاذة، لعدم ثبوت هذه القراءات عن النبي ﷺ ، وذهب إلى هذا الرأي جمهور العلماء.
الثاني: جواز الصلاة بالقراءة الشاذة، نسب إلى الشافعي وأبي حنيفة.
الثالث: لا يجوز أن يقرأ بها في القراءة الواجبة في الصلاة لعدم التيقن من أداء الواجب، ويجوز أن يقرأ بها فيما عدا ذلك.
стр. 191
فوائد اختلاف القراءات:
لخص السيوطي فوائد اختلاف القراءات بما يلي (١):
أولا: التهوين والتخفيف على الأمة ...
ثانيا: إظهار شرف الأمة الإسلامية وفضلها بما ميزها الله به على غيرها من الأمم.
ثالثا: إعظام الأجر على تحقيق كتاب الله وضبط لفظه وتتبع معانيه واستنباط أحكامه وحكمه والكشف عن أوجه التعليل والترجيح فيه ..
رابعا: إظهار سر الله في كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف.
خامسا: المبالغة في إعجازه بإيجازه عن طريق تنوع القراءات ..
سادسا: إظهار بعض المعاني في بعض القراءات مما يجهل في القراءات الأخرى، ولا شك أن ظاهرة تعدد القراءات تؤكد لنا حقيقة أساسية تتمثل في أمرين اثنين:
الأمر الأول: عناية العلماء بكتاب الله، وحرصهم على ضبط القراءات القرآنية التي ثبت عن طريق النقل الصحيح بالسند المتصل الموثوق بروايته أنها من أوجه القراءات التي أقرها رسول الله ﷺ واعتمدها تيسيرا على الأمة ومراعاة لتعدد لهجاتها وطرقها في التعبير، وأساليبها في الخطاب.
الأمر الثاني: توقيف كل ما يتعلق بالقرآن، قراءة له، ورسما لكلماته وحروفه، وأداء لألفاظه، وضبطا لكيفيات نطق كلماته وعباراته، بحيث تقتصر مهمة القراء على تتبع الروايات المنقولة عن الثقات والتأكد من حصة تلك الروايات ..
والفرق بين الرواية الصحيحة والرواية الشاذة يظهر في مدى قوة السند
стр. 192
وضبط الرواة، وإذا كانت المقاييس لقبول القراءة الصحيحة تشترط لقبول الرواية بالإضافة إلى صحة السند ملائمة القراءة لكل من قواعد اللغة والرسم العثماني، فإن صحة السند هي الأساس وهي المعيار الأقوى والأكثر سدادا واعتبارا في هذا الموضوع.
واشترط العلماء الدقة في كل ما يتعلق بالقرآن، والضبط في نقل القراءات عن القراء من الصحابة والتابعين الذين اشتهروا بالإقراء وحسن المعرفة بالقرآن ...
أنواع القراءات:
نقل السيوطي عن القاضي جلال الدين البلقيني قوله:
القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ، فالمتواتر: القراءات السبعة المشهورة، والآحاد: قراءات الثلاثة التي هي تمام العشر، ويلحق بها قراءة الصحابة، والشاذ: قراءات التابعين كالأعمش ويحيى بن ثابت وابن جبير ونحوهم (١).
ولم يوافقه على هذا التقسيم وقال: «هذا الكلام فيه نظر» (٢)، واختار السيوطي كلام ابن الجزري في كتابه النشر الذي وضع معيارا موضوعيا للقراءة الصحيحة ومقياسا دقيقا، وهي الرواية التي صح سندها ووافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا» (٣) وفسر ابن الجزري معنى قوله وافقت العربية «ولو بوجه» «نريد به وجها من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه، وقسم السيوطي القراءات إلى ستة أنواع (٤):
الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، عن مثله إلى منتهاه، وغالب القراءات كذلك.
стр. 193
الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة التواتر ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القراء، فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ ... ومثاله ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض ...
الثالث: الآحاد: وهو ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، ولا يقرأ به، من ذلك ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قرأ: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ [الرحمن: ٧٦]، ومن حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قرأ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده ومنه قراءة: ملك يوم الجنّة وهم هذا ينفقون رزقناهم المضاجع يستكبرون بصيغة الماضي ونصب يوم».
الخامس: الموضوع: وهو ما ثبت أنه ليس له أصل، كقراءات أبي جعفر الخزاعي التي نسبها إلى أبي حنيفة.
السادس: وهو ما يشبه حديث المدرج، ويراد به الزيادة على وجه التفسير، كقراءة سعد لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [في مواسم الحج] [البقرة: ١٩٨].
قال ابن الجزري:
ربما كانوا يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي ﷺ قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه.
وقال السيوطي:
«لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه، ولما في محله ووضعه وترتيبه .. للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لأن هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوفر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن قطعا (١).
стр. 194
العشر الذي يعتبر حجة في القراءات، ووصفه السيوطي بقوله: «أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدا»، وفي مجال التساؤل عما يقبل من القرآن الآن فيقرأ به، وما لا يقبل ولا يقرأ به قال ابن الجزري:
أولا: قسم يقرأ به اليوم وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهي أن ينقل عن الثقات عن النبي ﷺ ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا، ويكون موافقا لخط المصحف، فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف وكفر من جحده ..
ثانيا: ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف فهذا يقبل ولا يقرأ به لعلتين:
إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه فلا يقطع على مغيبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده.
ثالثا: ما نقله غير ثقة أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف ... ».
ثم قال بعد ذلك:
واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة، فأجازها بعضهم لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد، وأكثر العلماء على عدم الجواز، لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني، أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن أو أنها لم تكن من الأحرف
стр. 195
السبعة، كل هذه مآخذ للمانعين، وتوسط بعضهم فقال: إن قرأ بها في القراءة الواجبة وهي الفاتحة عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته، لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة .... وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل، لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل، لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن» (١).
المصاحف العثمانية والأحرف السبعة:
اختلف العلماء في مدى اشتمال المصاحف العثمانية على جميع الأحرف السبعة على قولين (٢):
القول الأول: ذهب جماعة من القراء والفقهاء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنوا هذا الرأي على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة، وهذا المصحف الذي أجمعت الأمة عليه وعلى ترك ما سواه لا يمكن أن يهمل الأحرف السبعة ...
القول الثاني: ذهب جمهور السلف والخلف إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل.
وعلق ابن الجزري على هذا القول بقوله:
وهذا القول هو الذي يظهر صوابه، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له، وفي معرض الرد على الإشكال الذي طرحه أصحاب الرأي الأول استشهدوا لكلام الإمام محمد بن جرير الطبري أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزا لهم ومرخصا فيه، وقد جعل لهم الاختيار في أي حرف قرءوا به، كما في الأحاديث الصحيحة، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا
стр. 196
على حرف واحد اجتمعوا على ذلك اجتماعا سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب ولا فعل لمحظور، وقال بعضهم:
إن الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم وهو أوفق لهم أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة» (١).
أول من ألف في القراءات:
وأول من قام بجمع القراءات وضبطها في كتاب هو أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ هـ، وقام بهذا العمل العظيم بعد أن تعددت القراءات وكثر القراء، وخاف من فتنة وفوضى واضطراب، فتصدى لهذا العمل العظيم، حيث قام بضبط بعض القراءات، وجمع خمسا وعشرين قراءة، ثم جاء بعده أحمد بن جبير الكوفي سنة ٢٥٨ هـ، وجمع خمس قراءات من كل مصر، ثم جاء بعد ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي فألف كتابا في القراءات وجمع فيه عشرين قراءة، ثم جاء بعد ذلك الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠، فألف كتابه الجامع، وجمع فيه أكثر من عشرين قراءة، ثم تتالت المؤلفات والمصنفات في القراءات، ثم انتقلت هذه القراءات إلى الأندلس في أواخر القرن الرابع، وكان أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي مؤلف كتاب «الروضة» أول من أدخل القراءات إلى الأندلس ثم تبعه مكي بن أبي طالب القيسي مؤلف التبصرة، ثم الحافظ أبو عمرو الداني مؤلف التيسير وجامع البيان (٢) ...
ثم استمرت حركة التأليف في القراءات، ولم ينكر أحد على أحد قراءته ما دامت تلك القراءة خاضعة للمقاييس التي وضعها علماء القراءات، من حيث موافقتها للمصاحف العثمانية وثبوت نقلها عن القراء الثقات الذين نقلوها عن الصحابة ...
ورد «ابن الجزري» في كتابه «النشر» على من حدد القراءات بعدد أو اعتبر أن
стр. 197
القراءات المقبولة هي سبع قراءات، ظنا منهم أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة الواردة في الحديث ... وعلل اقتصار أهل الأمصار على القراء السبعة المشهورين، بأنه من باب الاختصار، وذهب إليه بعض المتأخرين لقطع الطريق على القراءات الشاذة، وأنكر على ابن مجاهد سبع هؤلاء السبعة فعله في تحديد القراءات بالسبع، فقد فعل ما لا ينبغي أن يفعله، وأشكل الأمر على العامة حتى جهلوا ما لم يسعهم جهله (١).
القراء السبعة:
اشتهر عدد من الصحابة بإقراء القرآن، هم: عثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري ...
وأخذ التابعون عن الصحابة، واشتهر عدد من التابعين بالقراءة، في كل من المدينة ومكة والبصرة والكوفة والشام، واشتهر من قراء التابعين عدد منهم انصرفوا إلى العناية بالقرآن، وقاموا بضبطه، وانشغلوا بحفظه، وتفرغوا لإقرائه وتعليمه.
[أبرز قراء التابعين]
ومن أبرز قراء التابعين ما يلي:
- قراء المدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، شيبة بن نصاح، نافع بن أبي نعيم ...
- قراء مكة: عبد الله بن كثير، حميد بن قيس الأعرج، محمد بن محيصن.
- قراء الكوفة: يحيى بن وثاب، عاصم بن أبي النجود، سليمان الأعمش، حمزة، الكسائي.
- قراء الشام: عبد الله بن عامر، عطية بن قيس الكلابي، إسماعيل بن عبد الله ابن المهاجر، يحيى بن الحارث الذماري، شريح بن يزيد الحضرمي.
واشتهر من هؤلاء سبعة قراء، عرفوا بالقراءة السبعة، اختارهم أبو بكر بن
стр. 198
مجاهد البغدادي شيخ القراء ببغداد، وهم (١):
الأول: ابن عامر:
هو أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي، المتوفى سنة ١١٨ هـ، كان من التابعين، وإمام أهل الشام وقاضيهم وشيخ القراء بدمشق وإمام المسجد الأموي، أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وعن أبي الدرداء، واشتهر برواية قراءته كل من هشام وابن زكوان وكانا من أبرز قراء الشام.
الثاني: ابن كثير:
هو عبد الله بن كثير الداري ويكنى بأبي معبد توفي سنة ١٢٠ هـ، وكان شيخ مكة وإمامها في القراءة، لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، واشتهر بالرواية عنه كل من البزي وقنبل وكانا من أبرز قراء مكة.
الثالث: عاصم:
هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي، المتوفى بالكوفة سنة ١٢٧ هـ، وكان عاصم شيخ القراء بالكوفة، ومن أكثرهم فصاحة وإتقانا، وروى عنه قراءته كل من شعبة وحفص.
الرابع: نافع:
هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني المتوفى سنة ١٦٧ هـ، أخذ القراءة عن سبعين من التابعين، وهم أخذوا قراءتهم عن ابن عباس وأبي هريرة عن أبي بن كعب، كان «نافع» شيخ القراء بالمدينة واشتهر بالرواية عنه كل من قالون وورش ...
الخامس: الكسائي:
стр. 199
هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي المتوفى سنة ١٨٩ هـ، وكان الكسائي أعلم الناس بالنحو، وكان فارسي الأصل، وانتهت إليه الرئاسة في الكوفة في القراءة والنحو واللغة، وكان يجلس على منبر الكوفة فتضبط المصاحف بقراءته ...
واشتهر بالرواية عنه كل من أبي الحارث والدوري.
السادس: أبو عمرو:
هو أبو عمرو زيان بن العلاء بن عمار المازني البصري المتوفى سنة ١٥٤ هـ، كان إمام البصرة، وأعلم الناس بالقرآن والعربية، وكان يلقب بسيد القراء، واشتهر بالرواية عنه كل من الدوري والسوسي.
السابع: حمزة:
هو أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي مولى عكرمة المتوفى سنة ١٥٦ هـ، وكان من تابعي التابعين، وعرف بالورع والتقى، واشتهر بالحديث والفرائض، واشتهر عنه كل من خلف بن هشام وخلاد بن خالد.
هؤلاء هم القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد، واعتبرهم أبرز قراء عصرهم الذين خلفوا التابعين في القراءة، واشتهر أمرهم في الشام والعراق والحجاز ...
أما القراءات الثلاث المكملة للعشر فهي:
١ - قراءة أبي جعفر:
وهو أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المتوفى سنة ١٣٠ هـ، وكان من التابعين، وكان إمام المدينة المنورة، وروى مجاهد عن أبي الزناد قوله: «لم يكن بالمدينة أحد أقرأ للسنة من أبي جعفر، أخذ قراءته عن ابن عباس وأبي هريرة عن أبي بن كعب، اشتهر بالرواية عنه كل من أبي موسى بن وردان المدني وأبي الربيع سليمان بن حجاز ...
٢ - قراءة يعقوب:
стр. 200
وهو أبو محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري، المتوفى سنة ٢٠٥ هـ، وكان إماما في القراءة، وانتهت إليه رئاسة القراء بالبصرة بعد أبي عمرو، وصفه أبو حاتم السجستاني بأنه كان أعلم من رآه بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهب النحو وأروى الناس لحروف القرآن.
واشتهر بالرواية عنه كل من روح بن عبد المؤمن، ومحمد بن المتوكل المعروف برويس وكان من أحفظ أصحاب يعقوب ...
٣ - قراءة خلف:
هو أبو محمد خلف بن هشام البزار المتوفى سنة ٢٢٩ هـ، واشتهر بالرواية عنه كل من أبي يعقوب المروزي البغدادي وأبي حسن إدريس الحدّاد البغدادي ..
[القراءات الأربعة الشاذة]
أما القراءات الأربعة الشاذة فهي:
١ - قراءة الحسن البصري إمام البصرة المتوفى سنة ١١٠ هـ.
٢ - قراءة ابن محيصن المكي المتوفى سنة ١٢٣ هـ.
٣ - قراءة اليزيدي البصري المتوفى سنة ٢٠٢ هـ.
٤ - قراءة الأعمش الأسدي المتوفى سنة ١٤٨ هـ.
والقراءات السبع متواترة بالإجماع، ووقع خلاف في الروايات الثلاثة المكملة للعشرة، وهي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف، والصحيح عند العلماء أن الروايات الثلاث المكملة للعشر متواترة، ولا تختلف من حيث التواتر عن القراءات السبع، وأنكر علماء القراءات التفريق بين القراءات العشر من حيث التواتر، واعتبروا أن هذا التقسيم بين القراءات السبع والقراءات الثلاث المكملة للعشر، لا يعتمد على دليل.
ولا شك أن معيار القراءة الصحيحة هي ما صح سندها ووافقت العربية ولو بوجه ووافقت خط المصحف الإمام، فإذا انتفى شرط من هذه الشروط اعتبرت القراءة شاذة، ولا تجوز الصلاة بالقراءة الشاذة، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، فإذا جاءت رواية أحادية في كيفية نطق كلمة لا تقبل، وإن توافرت فيها شروط
стр. 201
الصحة، لأنه يشترط في الثبوت أن يصل إلى درجة الشهرة وتلقّي الأمة لهذه القراءة بالقبول، وهذا دليل على التواتر والقطعية ...
والتشدد في المعايير المرتبطة بثبوت القرآن فضيلة لأنه يؤكد حجم العناية بكتاب الله، ويؤكد في نفس الوقت أن العلماء تشددوا أقوى ما يكون التشدد في قبول القراءات لئلا يقع أي التباس أو شبهة في قطعية القراءات القرآنية ...
وهذا المنهج العلمي الذي نجد ملامحه واضحة في كتب القراءات لا يترك أي ثغرة في مجال إثبات قطعية القرآن، من حيث القراءة والأداء، وهو يتحدى كل المناهج العلمية من حيث الدقة، ويزيل كل شبهة، ولا يترك مجالا للشك أو التردد، وعلم علمي كهذا لا يمكن إلا أن يقع الاعتراف بعظمته والثقة بنتائجه والاطمئنان إلى سلامته.
ونقل الزركشي عن «مكي» قوله:
«والسبب في اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان ﵁ لما كتب المصاحف، ووجهها إلى الأمصار، وكان القراء في العصر الثاني والثالث كثيري العدد، فأراد الناس أن يقتصروا في العصر الرابع على ما وافق المصحف، فنظروا إلى إمام مشهور بالفقه والأمانة في النقل، وحسن الدين وكمال العلم قد طال عمره واشتهر أمره، وأجمع أهل مصر على عدالته، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفة قراءته على مصحف ذلك المصر، فكان أبو عمر من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها، والكسائي من العراق، وابن كثير من أهل مكة، وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة، كلهم ممن اشتهرت إمامتهم وطال عمرهم في الإقراء وارتحل الناس إليهم من البلدان» (١).
وعلّل الهروي في كتابه الكافي التفريق بين القراءات بقوله:
«ثم إن التمسك بقراءة سبعة فقط ليس له أثر ولا سنة، وإنما السنة أن تؤخذ
стр. 202
القراءة إذا اتصلت روايتها نقلا وقراءة ولفظا، ولم يوجد طعن على أحد من رواتها، ولهذا المعنى قدمنا السبعة على غيرهم وكذلك نقدم أبا يعقوب وجعفر على غيرهما» (١).
ومعيار القراءة الصحيحة واضح لدى جميع العلماء، ولا مجال للخلاف فيه، وأكد هذا الشيخ شهاب أبو شامة بقوله: كل قراءة صحيحة معتبرة، فإذا اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة (٢).
أول من ألف في القراءات:
نقل ابن الجزري عن أبي حاتم السجستاني قوله:
كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألفها وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده هارون بن موسى الأعور، وكان من القراء.
وأول من جمع القراءات في كتاب: «أبو عبيد القاسم بن سلام» المتوفى سنة ٢٢٤ هـ ...
وذكر ابن الجزري في كتابه النشر الكتب المؤلفة في القراءات، وذكر ستين مرجعا في هذا العالم ... ومن أهمها ... (٣)
١ - السبعة لأبي بكر بن مجاهد التميمي حققه الدكتور شوقي ضيف ونشرته دار المعارف.
٢ - التيسير لأبي عمرو الداني، طبع في استانبول ..
٣ - جامع البيان في القراءات السبع لأبي عمرو الداني.
٤ - الكافي لأبي عبد الله محمد بن شريح الإشبيلي.
٥ - التبصرة لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي.
٦ - حرز الأماني في القراءات السبع للقاسم الرعيني الشاطبي ...
стр. 203
٧ - المبهج في القراءات لسبط الخياط البغدادي.
٨ - الإقناع في القراءات السبع لابن خلف الأنصاري.
٩ - جمال القراء وكمال الإقراء لأبي الحسن السخاوي.
١٠ - الكنز في القراءات العشر للواسطي.
وهناك كتب كثيرة ذكرها ابن الجزري، وجاءت في كتاب «معجم القراءات القرآنية مع مقدمة في القراءات، وأشهر القراء» الذين نشرته جامعة الكويت، كما ذكر هذا المعجم عددا من المؤلفات في القراءات الشاذة ..
تفسير بعض المصطلحات:
استعمل القراء مصطلحات فنية دقيقة المعنى، لا يمكن فهم دلالتها أو معرفة ما يراد بها إلا بتوضيح وتفسير، وكثيرا ما يستعمل القراء هذه المصطلحات، لتوضيح كيفية النطق والأداء اللفظي من حيث الإدغام والوقف والإشمام والروم والسكت والقطع والقصر والمد والحدر والتدوير والترتيل والتجويد والترقيق والتفخيم والإمالة ..
ويمكن توضيح دلالة هذه المصطلحات بما يلي (١):
- الإدغام: النطق بحرفين في حرف واحد، لتقارب الحرفين أو تماثلهما فإن كان الحرف الأول متحركا سمي الإدغام الكبير، وإن كان ساكنا سمي الإدغام الصغير ..
- الوقف: وهو عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمنا تتنفس فيه، ثم يستأنف بعد ذلك، ويختلف بين الوقف التام والوقف الكافي والوقف القبيح، ولكل وقف حكمه من حيث أثره على المعنى، فإن أساء إلى المعنى فهو قبيح ولا يحسن الوقف عليه ...
- الإشمام: وهو عبارة عن الإشارة إلى الحركة من غير تصويت.
- الروم: وهو عبارة عن الإتيان بأقل الحركة أو النطق ببعض الحركة، أو
стр. 204
النطق بالحركة بصوت خفي، والكوفيون لا يفرقون بين الإشمام والروم ..
- السكت: هو عبارة عن قطع الصوت زمنا يقل عن زمن الوقف من غير تنفس.
- القطع: هو عبارة عن قطع القراءة رأسا، للوقوف عن القراءة أو لأداء ركعة السجود.
- القصر: هو عبارة عن ترك الزيادة في حروف المد.
- المد: هو عبارة عن طول زمان الصوت، لتحقيق أهداف معينة، للتعظيم، أو للحجز بين الساكنين والمتحرك، أو للفصل بين الكلمتين، أو للتفريق بين الاستفهام وغيره.
- الحدر: هو عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها.
- التدوير: هو عبارة عن التوسط بين المقامين.
- الترتيل: هو عبارة عن اتباع الكلام بعضه بعضا من غير عجلة.
- التجويد: هو عبارة عن الإتيان بالقراءة مجوّدة الألفاظ بالغة حدّ النهاية في إجادة النطق.
- الترقيق: هو عبارة عن إنحاف الحرف.
- التفخيم: هو عبارة عن تسمين الحرف.
معنى الإمالة:
المراد بالإمالة ميل الحركة إلى حركة أخرى، وميل الحرف إلى حرف آخر، والإمالة لغة بعض القبائل العربية، وهي لغة تميم وأسد وقيس، والأصل فيها كما يقول السيوطي حديث حذيفة مرفوعا: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها .. ».
والإمالة أن تمال الفتحة لكي تكون قريبة من الكسرة وأن يمال الألف نحو الياء، وذلك لأسباب تتعلق باللفظ نفسه من حيث تجاوز الألفاظ أو من حيث الإشعار بأصل الكلمة، والغاية من الإمالة تيسير النطق، فالفتح يحتاج إلى فتح الفم والإمالة تخفف من صعوبة النطق بالفتح في بعض الحالات، فالألف المنقلبة
стр. 205
عن ياء تمال في بعض القراءات كالهدى والفتى والعمى ويخشى ويرضى ومأوى وأدنى وأذكى، وأمال بعض القراء كل ألف بعد راء متطرفة مجرورة نحو الدار والنار والقهار، وهكذا في كثير من الألفاظ ..
والأصل في الفتحة أن يفتح القارئ فمه بلفظ الحرف، وإذا كان هناك ألف بعده فالفتح أظهر وأوضح، وينقسم الفتح إلى قسمين فتح شديد وفتح جيد، فالشديد هو نهاية فتح الشخص فمه بذلك الحرف، ولا يوجد هذا النوع في لغة العرب ويقال له التفخيم، وهو شائع في لغة عجم الفرس، وأهل خراسان، أما الفتح المتوسط فهو فتح الفم قليلا بحيث يكون بين الفتح الشديد والإمالة.
والإمالة كما جاء في كلام الحافظ ابن الجزري أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة وبالألف نحو الياء «كثيرا» ويقال له الإضجاع والبطح، «وقليلا» وهو التقليل والتلطيف، والإمالة إما أن تكون شديدة أو متوسطة، فالإمالة الشديدة هو الإشباع المبالغ فيه والإمالة المتوسطة هي درجة بين الفتح المتوسط والإمالة ..
قال الداني:
والإمالة والفتح لغتان مشهورتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فالفتح لغة أهل الحجاز والإمالة لغة عامة أهل نجد من تميم وأسد وقيس، واختار العلماء الإمالة الوسطى التي هي بين بين، لأن الغرض من الإمالة حاصل بها وهو الإعلام بأن أصل الألف الياء ... (١)
قال ابن الجزري في بيان الفائدة من الإمالة:
«وأما فائدة الإمالة فهي سهولة اللفظ وذلك أن اللسان يرتفع بالفتح وينحدر بالإمالة، والانحدار أخف على اللسان من الارتفاع، فلهذا أمال من أمال، وأما من فتح فإنه راعى كون الفتح أمتن أو الأصل» (٢).
مخارج الحروف:
стр. 206
اهتم علماء القراءات بمخارج الحروف، وبسطوا ذلك في كتبهم، وأوضحوا أهمية مراعاة ذلك في تجويد القرآن وتحسين قراءته، ولكل حرف مخرج، ولكي تكون القراءة متقنة فيجب معرفة مخارج الحروف، وكانت الكتاتيب القرآنية تعنى بذلك، وتعلم الصبيان منذ الطفولة الأولى كيفية النطق بالحروف العربية، وإتقان القراءة القرآنية هو إتقان للأداء العربي، وتعليم لكيفية النطق به، وتدريب اللسان العربي على النطق بلغة العرب، وهذا المنهج اللغوي السليم أسهم في تقوية اللغة العربية، واستقامة اللسان العربي، وعند ما أغفلت المناهج المدرسية ذلك تداخلت الحروف وتعثرت القراءة.
وحدد النحاة والقراء مخارج الحروف بستة عشر مخرجا (١) وأبرزها:
المخرج الأول: الجوف، والحروف الجوفية هي الألف والواو الساكنة المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها ...
المخرج الثاني: أقصى الحلق، وهو للهمزة والهاء.
المخرج الثالث: وسط الحلق وهو للعين والحاء المهملتين.
المخرج الرابع: أدنى الحلق أي الفم، وهو للغين والخاء.
المخرج الخامس: أقصى اللسان مما يلي الحلق وهو للقاف.
المخرج السادس: أقصى اللسان من أسفل وهو للكاف.
المخرج السابع: وسط اللسان وهو للجيم والشين والياء.
المخرج الثامن: أول حافة اللسان وهو الضاد.
المخرج التاسع: في حافة اللسان من أدناها وهو حرف اللام.
وهكذا تتعدد المخارج، محددة كيفية نطق كل حرف مبينة وجه الدقة بين حرفين متقاربين يخرجان من مكان واحد، وبينهما فرق يسير، وهذا يؤكد لنا عظمة الجهد الذي بذله علماء القراءات في خدمة القرآن وتجويد قراءته، وتحسين
стр. 207
تلاوته وإتقان لفظه ونطقه ..
وهناك مخارج أخرى لم نذكرها، اخترنا بعضها للتقريب والتمثيل، كما أن العلماء قسموا الحروف من حيث أوصافها، فهناك حروف مجهورة وحروف مهموسة وحروف رخوة وحروف شديدة وحروف مستفلة وحروف مستعلية، وحروف صفير وحروف القلقلة.
وعلم التجويد هو العلم الذي يمكّن القارئ من إعطاء الحروف حقها وإنزالها منزلتها من النطق، وإخراجها من مخرجها الصحيح، وتلطيف النطق بالحرف، لكي يأتي النطق مريحا صحيحا من غير تكلف ولا مشقة ..
قال ابن الجزري في ذلك:
أول ما يجب على مريد إتقان القرآن تصحيح إخراج كل حرف من مخرجه المختص به تصحيحا يمتاز به عن مقاربه، وتوفية كل حرف صفته المعروفة به توفية تخرجه عن مجانسه، يعمل لسانه وفمه بالرياضة في ذلك أعمالا يصير له ذلك طبعا وسليقة، فكل حرف شارك عنه في صفاته فإنه لا يمتاز عنه إلا بالمخرج .. وإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته موفّ حقه فليعمل نفسه بإحكامه حالة التركيب لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد، وذلك ظاهر، فكم ممن يحسن الحروف مفردة ولا يحسنها مركبة بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب وقوي وضعيف ومفخم ومرقق فيجذب القوي الضعيف ويغلب المفخم المرقق فيصعب على اللسان النطق بذلك على حقه إلا بالرياضة الشديدة حالة التركيب، فمن أحكم صحة اللفظ حالة التركيب حصل حقيقة التجويد بالإتقان والتركيب» (١).
стр. 208
الفصل الرابع عشر: الوقف والابتداء
الوقف علم ضروري لمعرفة معاني القرآن، وهو معيار دقيق لحسن الفهم ودقة الملاحظة وتكامل المعاني، ولا يحسن هذا العلم إلا من حسن علمه، واتسعت دائرة ثقافته القرآنية، وملك ناصية الفهم الموفق، فمن أساء الوقف اضطربت المعاني لديه، وتعارضت الأحكام في نظره، وربما وقع في أخطاء جسيمة، وأهم ما يجب أن يتعلمه قارئ القرآن مواطن الوقف الصحيح، لكي يستقيم المعنى وتتضح الدلالة ويصح الحكم ...
ونظرا لأهمية الوقف في الدراسات القرآنية فقد انصرف بعض العلماء للتأليف في علمه وبيان مواطنه، واعتبر الوقف من علم التجويد، وهو من أهم ما اهتم به قراء القراءات، نظرا لأن التنفس أمر ضروري خلال القراءة، ولا يمكن الاستغناء عنه، ولذلك حدد علماء القراءات المواطن التي يحسن الوقف عليها، والمواطن التي لا يجوز الوقف عليها، لما يؤدي إليه ذلك من خلل في المعنى.
وممن ألّف في الوقف: الزجاج وأبو جعفر النحاس وابن الأنباري وابن عباد والداني والعماني وغيرهم، وكتب «ابن الجزري» في كتابه «النشر في القراءات العشر» عن الوقف والابتداء في الجزء الأول وعن الوقف على مرسوم الخط في الجزء الثاني، وقال في موطن تعليل أسباب الوقف:
«لما لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أو القصة في نفس واحد ولم يجر التنفس بين كلمتين حالة الوصل بل ذلك كالتنفس في أثناء الكلمة وجب حينئذ اختيار وقف للتنفس والاستراحة وتعين ارتضاء ابتداء التنفس والاستراحة، وتحتم ألا يكون ذلك مما يخل بالمعنى ولا يخل بالفهم، إذ بذلك يظهر الإعجاز ويحصل القصد، ولذلك حضّ الأئمة على تعلمه ومعرفته (١).
ونقل ابن الجزري عن علي بن أبي طالب قوله: الترتيل معرفة الوقوف
стр. 209
وتجويد الحروف، وروي عن ابن عمر قوله: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبي ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، وقال: فعن كلام علي ﵁ دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفي كلام ابن عمر برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة .. وصح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح (١).
واشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز ألا يجيز أحدا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء، وكان الأئمة يوقفون القراء المتعلمين عند كل حرف ويشيرون إليهم بالأصابع ...
[اقسام الوقف عند ابن الانبارى]
وقسم ابن الأنباري الوقف إلى ثلاثة أقسام (٢):
الوقف التام: وهو الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ولا يكون بعده ما يتعلق به، كقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الوقف الحسن: وهو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ولا يحسن الابتداء ب رَبِّ الْعالَمِينَ لأنه صفة لما قبله ..
الوقف القبيح: وهو الذي ليس بتمام ولا حسن، كالوقف على قوله: «بسم» من قوله: «بسم الله» ولا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا المنعوت دون نعته ولا الرافع دون مرفوعه، ولا الناصب دون منصوبه، ولا المؤكد دون توكيده ولا المعطوف دون المعطوف عليه ولا البدل دون مبدله وهكذا، بالنسبة للاسم والخبر والاستثناء والموصول ...
[اقسام الوقف عند معظم القراء]
ومعظم القراء يقسمون الوقف إلى أربعة أقسام (٣):
الأول: تام مختار: وهو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده، وأكثر ما يكون عند
стр. 210
رءوس الآيات، وأحيانا يوجد قبل انقضاء الفاصلة عند ما ينتهي الكلام كقوله تعالى: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً، وهنا انتهى كلام بلقيس، وكقوله تعالى:
مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ، لأنه معطوف على المعنى، أي الصبح وبالليل.
الثاني: الكافي: منقطع في اللفظ متعلق في المعنى فيحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هنا الوقف، ثم يبتدئ بما بعد ذلك.
الثالث: الحسن: وهو الذي يحسن الوقوف عنده، ولا يحسن الابتداء بما بعده، لتعلقه به في اللفظ والمعنى، كقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وقوله: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
الرابع: القبيح: وهو الذي لا يفهم منه المراد.
ومن الوقف القبيح الوقف على قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا والابتداء بقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ومن تعمد الوقف وقصد معناه فقد كفر .. ومن الوقف القبيح الوقف على قوله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ، والوقف على النفي دون الإيجاب في قوله: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقال ابن الجزري في النشر:
«وأقرب ما قلته في ضبطه أن الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري، لأن الكلام إما أن يتم أولا، فإن تم كان اختياريا، وكونه تاما لا يخلو إما أن لا يكون له تعلق بما بعده وإن كان له تعلق فلا يخلو هذا التعلق إما أن يكون من جهة المعنى فقط وهو الوقف المصطلح عليه بالكافي للاكتفاء به عما بعده» (١).
وأكثر ما يكون الوقف التام في رءوس الآي وانقضاء القصص، ويكثر الوقف الكافي في الفواصل، ويختلف حكم الوقف القبيح بحسب درجة القبح في المعنى من حيث فساد ذلك المعنى ...
стр. 211
وفرق العلماء بين الوقف والقطع والسكت، فالوقف: عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمنا بتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة إما بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله، والقطع: عبارة عن قطع القراءة رأسا للانتهاء من القراءة، ولا يكون إلا على رءوس الآيات، والسكت: عبارة عن قطع الصوت زمنا هو دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، واختلفت ألفاظ الأئمة في التأدية عنه مما يدل على طوله وقصره، وهي وقفة قصيرة، وقال الداني: وقفة لطيفة من غير قطع، كالسكت عند قوله: ص. ق. ن، واتفقت أقوال العلماء على أن السكت زمنه دون زمن الوقف العادي، وقال الجعبري: السكت قطع الصوت زمانا قليلا أقصر من زمن إخراج النفس، لأنه إن طال صار وقفا يوجب البسملة (١).
ووضع علماء القراءات معايير دقيقة للوقف والابتداء، وقاموا بدراسات مفصلة لكل حالة من الحالات ولكل لفظة من الألفاظ، مثل كلا وبلى، ونعم، والذين، وأوضحوا حالات الوقف عليها وحالات الابتداء بها، متى يجب ومتى يجوز ومتى يمتنع، ويختلف الأمر بحسب موضع الكلمة من الآية وبحسب ما تدل عليه ...
وهذا كله يدلنا على مدى العناية التي بذلها علماء القرآن بكل ما يتعلق بقراءة القرآن وكيفية أدائه، وسلامة تلاوته، لكي تكون القراءة صحيحة مؤدية المعنى المراد بها ...
стр. 212
الفصل الخامس عشر: إعجاز القرآن
الإعجاز مأخوذ من «عجز» يقال: عجز عن الأمر، وأعجزت فلانا ألقيته عاجزا، وأعجزه الشيء فاته، والإعجاز الفوت والسبق وجاء في القرآن قوله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أي: ظانين أنهم يعجزوننا، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي: بقادرين على معاندة أمر الله، وقال الزمخشري:
أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه، والمعجزة أمر خارق للعادة مقترن بالتحدي، وقال القاضي عبد الجبار بأنه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة فعل مثله في القدر الذي اختص به ..
وإعجاز القرآن يعني قدرة القرآن على أن يكون في أعلى درجات التميز والتفوق في الفصاحة والبيان والأحكام بحيث يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وقد تحدى العرب به، لأنهم كانوا يعتزون بفصاحتهم وبيانهم، فتحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، فإن عجزوا عن ذلك فلا مناص من تسليمهم بأنه كتاب الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..
قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨]
وهذه الآية جاءت بعد آيات سابقة تحدى الله بها أفصح الفصحاء في العربية بأن يأتوا بحديث مثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله (١).
ولو كان بإمكان العرب أن يأتوا بمثله لما قبلوا هذا التحدي ولما استسلموا له، ولما رضخوا لحكم الله، فلما عجزوا عن كل ذلك أدركوا أن القرآن كلام الله.
أخرج الحاكم عن ابن عباس قال:
стр. 213
جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه،
فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له، قال: وماذا أقول، فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره (١).
قال الزركشي في البرهان:
ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز، واختلفوا في إعجازه فقيل: إن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا تطيق، وفيه وقع عجزها، والجمهور على أنه إنما وقع بالدال على القديم وهو الألفاظ، فإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يصح التحدي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدي (٢).
ثم قال بعد ذلك الإعجاز في القرآن العظيم إما أن يعني بالنسبة إلى ذاته أو إلى عوارضه من الحركات والتأليف أو إلى مدلوله أو إلى المجموع أو إلى أمر خارج عن ذلك، لا جائز أن يكون الإعجاز حصل من جهة ذوات الكلم المفردة فقط لأن العرب قاطبة كانوا يأتون بها، ولا جائز أن يكون الإعجاز وقع بالنسبة إلى العوارض من الحركات والتأليف فقط ... ولو كان الإعجاز في الإعراب والتأليف المجرد لم يعجز صغيرهم عن تأليف ألفاظ معربة فضلا عن كبيرهم، ولا جائز أن يكون بالنسبة إلى المعاني فقط، لأنها ليست من صنيع البشر، وليس لهم قدرة على إظهارها، من غير ما يدل عليها، ولا جائز أن تكون إلى المجموع
стр. 214
لأنا قد بينا بطلانه، بالنسبة إلى كل واحد، فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج عن ذلك (١).
أقوال العلماء في وجوه الإعجاز:
اختلف العلماء في وجوه الإعجاز، ومنطلق الاختلاف أن كل فريق ذهب إلى تلمس الإعجاز في جانب من جوانب التميز والتفوق في القرآن، فمنهم من وجد الإعجاز في البلاغة والفصاحة، ومنهم من وجد الإعجاز في الإخبار عن أمور الغيب، مما لم يكن معروفا عند العرب، ومنهم من وجد الإعجاز في قصص الأولين، ومنهم من رأى في النظم والتأليف والتركيب والإحكام البياني مظهرا من مظاهر الإعجاز.
وهذا التعدد في الرأي دليل على الإعجاز، فالقرآن الذي وجد فيه اللغوي قمة في الإبداع، ووجد فيه البلاغي قمة في الفصاحة، ووجد فيه الفقيه تشريعا رائع الأحكام، ووجد فيه الفيلسوف رؤية شمولية للكون والحياة والإنسان، لا بد إلا أن يكون معجزا في كل شيء، فالإعجاز إعجاز تحد، وهو مطلق ولا يتوقف عند حدود اللغة والبيان والفصاحة والبلاغة ..
وإعجاز القرآن إعجاز مطلق، فهو معجز بكل ما فيه، ومن الخطأ أن نتصور الإعجاز في جانب محدود، فالإعجاز الإلهي إعجاز متعدد الجوانب، لا يتوقف عند حدود الزمان أو المكان، وهو مستمر إلى يوم الدين، ويمتد الإعجاز لكي يشمل حفظ الله للقرآن، ولعل الحفظ هو الإعجاز الأكبر والأوضح والأكمل، ولولا حفظ الله للقرآن لما استطاع أن يظل على امتداد السنين وتكاثر الفتن فيها، واختلاف الرأي والاجتهاد وتعدد الطوائف موحد النص، واضح العبارة، متميزا في رسمه، يحتكم إليه في كل موقف، ويحتج فيه في كل حكم، ويجد الجميع فيه ما يبتغون من هداية وإرشاد، وما وقع من خلاف فيه من حيث الجمع والرسم والقراءة، لم يتجاوز حدود الخلاف اليسير الذي لم يثر أية ريبة في سلامة النص القرآني وقطعية آياته وسوره ..
стр. 215
ومع هذا فإننا نورد أقوال العلماء في وجوه الإعجاز، كما أوردها الزركشي في البرهان وهي (١):
أولا: الإعجاز بالصرفة:
ومعنى الإعجاز بالصرفة أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته فلم يقدروا على ذلك، ولولا الصرفة لما أعجزهم القرآن، ولما أعجزهم أن يأتوا بمثله، وهذا القول منسوب إلى ابن إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، وهو زعيم الفرقة النظامية، وأحد أبرز رجال الفكر الاعتزالي، وكان شيخا للجاحظ، وتوفي في خلافة المعتصم.
وهذا الرأي واضح البطلان، فاسد المعنى، لأنه يجعل الإعجاز خارجا عن نطاق القرآن ذاته، متعلقا بأمر خارجي يتمثل في حفظ القرآن عن طريق صرف العرب عن الإتيان بمثله، لا لأنهم لا يقدرون على ذلك، ولكن لأن الله أراد ذلك، وبمقتضى هذا الرأي فإن القدرة على الإتيان بمثل القرآن أمر ممكن من الناحية الواقعية ولكن الله صرف العرب عن ذلك، وهذا الرأي مخالف لظاهر الآية القرآنية في قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
والواضح من الآية أن الإعجاز ثابت ولو اجتمع الإنس والجن وتعاونوا على ذلك، لأن الإعجاز كامن في القرآن نفسه، ولا يتوقف الإعجاز في أي عصر، ومبدأ الإعجاز بالصرفة هو إلغاء للإعجاز، وإلغاء للخصوصية القرآنية، واعتبار الإعجاز أمرا خارجيا ..
ونقل السيوطي عن أبي بكر الباقلاني في كتابه الإعجاز:
«وما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، وقال أيضا: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم