← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38032

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

محمد فاروق النبهان

Полный текст (279 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أنزل الله الفرائض في المواريث، فنسخت الوصية للوالدين ولكل وارث إلا أن تأذن الورثة في شيء فيجوز» واتفق الكل على أنها منسوخة واختلفوا في ناسخها على أربعة أقوال (١): الأول: إن ناسخها آية المواريث. الثاني: إن ناسخها قوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً [النساء: ٨]. الثالث: إنه نسخها أن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث. الرابع: إنه نسخها بإجماع الأمة على إبطالها وأن الوصية لا تجوز لأحد ممن سمى الله له فرضا معروفا أو جعل النبي ﷺ له حقا مفروضا. وقد ناقش ابن العربي هذه الأقوال الأربعة وردها، ولم يعتبرها ناسخة للآية الأولى، فآية المواريث لا تتعارض مع آية الوصية، ومن شروط النسخ التعارض، ولا يعرف المتقدم والمتأخر من الآيتين، وآية القسمة لا تصلح لنسخ آية الوصية لعدم التعارض أيضا، ولا يصلح الخبر «لا وصية لوارث» لنسخ الآية، لأن الآية أقوى من هذا الخبر من حيث الصحة، ولا بد في النسخ من التماثل بين الناسخ والمنسوخ، أما الإجماع فلا يصلح لنسخ الآية، لأن الإجماع لا ينسخ أصلا لأنه ينعقد بعد موت النبي ﷺ ، وفرق بين الإجماع الذي ينعقد على نظر، والإجماع الذي ينعقد على أثر، فما انعقد على نظر لا يصلح للنسخ، وما انعقد على أثر جاز أن يكون ناسخا، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع، وعندئذ تكون الأمة قد أجمعت على إسقاط الوصية للوالدين لقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢). الآية الثانية: قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ

стр. 142

[البقرة: ١٨٤] وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]. وأورد ابن العربي الأقوال التي وردت في بيان هذه الآية، وأقوال الفقهاء في حكم الإطعام، فالصوم واجب على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على من لم يطق الصيام إذا فطر من كبر (١). الآية الثالثة: قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إلى قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧]. وهذه الآية ناسخة للآية التي قبلها وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]، ونقل ابن العربي عن المفسرين أن المراد بالآية نسخ ما كان عليه العمل لدى الأمم السابقة، من تحريم الوطء بعد النوم في ليلة الصيام، وكان صوم المسلمين في بداية الأمر كصوم الأمم السابقة، ثم نسخ هذا الحكم، وأصبح الوطء جائزا خلال الليل، وكان بعض الصحابة لا يصبر على الامتناع عن الوطء عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، فرخص الله لهم في هذا الأمر وأباح لهم ما كان محرما عليهم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (٢). وهذه أمثلة من الآيات التي نسخ حكمها وبقيت تلاوتها، واعتمدنا في ذلك على ما كتبه ابن العربي المعافري في كتابه الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، وهو كتاب قيم عرض فيه للنسخ في القرآن، وذكر الآيات المنسوخة في كل سورة في سور القرآن. وتساءل السيوطي عن الحكم من نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وأجاب من وجهين: - أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.

стр. 143

- والثاني: أن النسخ غالبا ما يكون لتخفيف، فبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة (١). النوع الثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه: أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبيّ بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور، فكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، وقال عمر: «لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي» رواه البخاري في صحيحه معلقا، ولو كانت التلاوة باقية ولم تنسخ لبادر عمر إلى كتابتها في المصحف، ولم يعرج على مقال الناس (٢). وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري: إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني أحفظ منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٣). وهنا طرح الزركشي في البرهان سؤالا وهو أن يقال: «ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم، وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها، ونقل جواب ابن الجوزي صاحب كتاب فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن على هذا التساؤل بقوله: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي» (٤). ومما لا شك فيه أن النسخ وقع في القرآن الكريم، والأدلة النقلية تؤكد وقوع النسخ، والنسخ دليل صحة، وهو ظاهرة عظيمة الدلالة على عظمة منهج الإسلام في التشريع، إلا أنه يجب أن تحدد مواطن النسخ في القرآن، فيما لا يمكن إيجاد

стр. 144

طريقة للجمع بين الناسخ والمنسوخ، وبالرغم مما كتب في موضوع النسخ في القرآن، فإن الأمر يحتاج إلى تدقيق، فمعظم ما كتب في النسخ لا يدل على وجود النسخ فيه، ولا تصادم ولا تناقض فيما ورد من آيات ذات دلالات متباعدة، ولكل نص دلالته وحكمه وحكمته. ولا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، لأن النسخ رفع حكم شرعي بدليل، والحكم لا يتصور إلا في مجال الأمر والنهي، أما الأخبار فلا يتصور النسخ فيها، لانعدام الفائدة من نسخها، ما لم يتضمن الخبر حكما، وفي هذه الحالة ينسخ الحكم وليس الخبر، وبناء على هذه القاعدة لا يتصور وقوع النسخ في كثير من السور، التي جاءت مبينة لأركان العقيدة مدافعة عن فكرة الإيمان، مجادلة المشركين فيما أخذوا أنفسهم به من عبادة الأصنام، وهناك أكثر من أربعين سورة لم يقع فيها ناسخ أو منسوخ، ومعظمها السور القصيرة التي لا تتضمن أمرا أو نهيا، ووقع النسخ كثيرا في السور المدنية الطويلة، لأن هذه السور جاءت بالأمر والنهي (١). وتوسع بعض العلماء في مفهوم النسخ، وتفاوتت آراؤهم حول عدد آيات النسخ في القرآن، وقام بعض العلماء المعاصرين الذين درسوا موضوع النسخ في القرآن الكريم بإحصاءات بيانية أوضحوا فيها ما قاله العلماء في آيات النسخ، فالمكثرون أدخلوا في الناسخ والمنسوخ ما ليس منه. رأي السيوطي في المكثرين في النسخ: أشار السيوطي إلى ظاهرة الإكثار من آيات النسخ، ووصف العلماء المكثرين من آيات النسخ بأنهم أدخلوا أقساما في النسخ ليست منه، وأهم هذه الأقسام (٢): الأول: قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص، ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وقالوا: إنه

стр. 145

منسوخ بآية الزكاة، وليس كذلك بل هو باق ... وكذلك القول بأن قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ، مما نسخ بآية السيف، لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا، وهذا الكلام لا يقبل النسخ. الثاني: قسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ، وقد اعتنى ابن العربي بتحرير هذا القسم وأجاد فيه، ويشمل هذا القسم الآيات التي خصت باستثناء أو غاية، كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ. الثالث: قسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام، ولم ينزل فيه قرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية وحصر الطلاق في الثلاث، والراجح عند العلماء عدم اعتبار هذا من النسخ، لأن الأحكام الشرعية كلها رافعة لما كان عليه العمل في الجاهلية، والنسخ هو نسخ آية بأخرى أو رفع حكم ثبت بدليل بحكم لاحق يثبت بدليل أيضا. واعتبر ابن العربي المعافري عدد الآيات المنسوخة لا تتجاوز مائة آية، خمس وسبعون آية منها منسوخة بآيات القتال، وذهب ابن حزم في كتابه معرفة الناسخ والمنسوخ أن آيات النسخ تبلغ مائتين وأربع عشرة آية، وذهب أبو جعفر النحاس في كتابه: «الناسخ والمنسوخ» إلى أنها تبلغ مائة وأربعا وثلاثين آية، وأوصلها ابن سلامة الضرير إلى مائتين وثلاث عشرة آية، وقصرها عبد القاهر البغدادي في كتابه الناسخ والمنسوخ إلى ست وستين آية (١). قواعد النسخ عند ابن العربي: استخرج الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري ثلاثين قاعدة من قواعد النسخ من كتاب الناسخ والمنسوخ لابن العربي المعافري، وسجلها في معرض دراسته وتحقيقه لهذا الكتاب، وأهم هذه القواعد ما يلي (٢):

стр. 146

١ - كل قول وعمل كان بعد النبي ﷺ فإنه لا يجوز أن يكون ناسخا ولو كان إجماعا. ٢ - لا يجوز نسخ حكم في الشريعة بعد استئثار الله بالرسول ﷺ . ٣ - لا ينسخ الإجماع القرآن والسنة. ٤ - إن كان الإجماع ينعقد على نظر، لم يجز أن ينسخ، وإن انعقد على أثر جاز أن يكون ناسخا، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع. ٥ - حكم الجاهلية ليس بحكم فيرفعه آخر، وإنما هو باطل كله. ٦ - إن كان الخبر عن الشرع فيدخل فيه النسخ لدخوله في المخبر عنه، فالخبر إنما يكون على وفق المخبر عنه، وإن كان القول في الوعد والوعيد فلا يدخل فيه النسخ بحال، لأنه لا يحتمل التبديل، إذ التبديل فيه كذب، ولا يجوز ذلك على الله سبحانه. ٧ - الخبر ينسخ إذا دخله التكليف، لأنه يكون حينئذ خبرا عن الشرع، فينسخ الخبر بنسخ المخبر، وإنما يمتنع نسخ الخبر الذي لا ينسخ خبره. ٨ - لا نسخ في الوعد والوعيد وإنما تنسخ الأحكام. ٩ - كل تهديد في القرآن منسوخ بآيات القتال. ١٠ - الزيادة في التكليفات بعد حصرها بالنفي والإثبات لا تعد نسخا. ١١ - الحكم المحدود إلى غاية لا تكون الغاية ناسخة له. ١٢ - الاستثناء ليس بنسخ باتفاق من العقلاء وأرباب اللغة، وإنما هو نوع من التخصيص. ١٣ - خبر الواحد لا ينسخ القرآن إجماعا. ١٤ - خبر الواحد إذا اجتمعت الأمة على نقله أو على معناه جاز نسخ القرآن به. ١٥ - النسخ إنما يدخل في الأحكام لا في التوحيد. ١٦ - المتقدم لا ينسخ المتأخر عقلا ولا شرعا. ١٧ - إذا جهل التاريخ بطلت دعوى النسخ بكل حال.

стр. 147

١٨ - القرآن ينسخ السنة والسنة تنسخ القرآن. ١٩ - لا ينسخ المنقول إلا المنقول. وهذه القواعد ترسخ منهج ابن العربي في فهمه للناسخ والمنسوخ، وهي قواعد هامة، وتحتاج لدراسة عميقة، لوضع أسس نظرية ابن العربي في النسخ، وهي نظرية متميزة دقيقة محكمة، تقيم أساسا متينا لكل ما يتعلق بالنسخ في القرآن الكريم.

стр. 148

الفصل الحادي عشر: رسم القرآن تطلق كلمة «الرسم القرآني» على الكتابة القرآنية التي كتب بها مصحف عثمان، وجاء هذا الرسم مخالفا في بعض الكلمات لما اقتضته قواعد الإملاء وليس متطابقا مع اللفظ المنطوق. وتتميز المصاحف العثمانية برسم مغاير لما ألفته الكتابة المعتادة، وهذه الظاهرة دفعت العلماء إلى تفسير هذا الغموض، في محاولة جادة لوضع قواعد الرسم القرآني، ملتمسين أوجه الحكمة في هذا الرسم. ومن أبرز العلماء الذين أفردوا هذا الموضوع بالتأليف: أبو عمرو الداني في كتابه: «المقنع» وأبو العباس المراكشي المعروف بابن البناء في كتابه: «عنوان الدليل في رسوم خط التنزيل»، والشيخ محمد خلف الحسيني في كتابه: «مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن»، وفي شرحه لأرجوزة «اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم». ومعظم العلماء الذين كتبوا في علوم القرآن خصصوا فصلا مستقلا لعلم مرسوم الخط، ووضعوا قواعد للرسم القرآني، وتحدث الزركشي في البرهان عن الرسم القرآني، كما تحدث السيوطي في الإتقان عن «مرسوم الخط القرآني وآداب كتابته». أقوال العلماء في الرسم القرآني: اختلف العلماء في حكم الرسم القرآني من حيث وجوب الالتزام به، وهناك آراء متعددة في الموضوع، ونستطيع أن نلخص هذه الآراء بما يلي: الرأي الأول: الرسم القرآني توقيفي: ذهب جمهور العلماء إلى أن الرسم القرآني توقيفي، ولا يجوز أن يكتب القرآن إلا برسمه، لأنه الرسم الذي ارتضاه الصحابة الذين كتبوا القرآن بين يدي رسول الله ﷺ ، وهو الرسم الذي أجمعت عليه الأمة.

стр. 149

واستدل من قال بهذا الرأي بما روي عن جمهور العلماء من دعوتهم إلى ضرورة الالتزام بالرسم القرآني وعدم الزيادة والنقصان فيه، وحرم بعضهم مخالفة هذا الرسم. قال أحمد بن حنبل: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك» (١). وقال البيهقي في شعب الإيمان: «من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا وأعظم أمانة، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم» (٢). وقال أشهب: سئل مالك ﵀: «هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى، رواه أبو عمرو الداني في المقنع ثم قال: ولا مخالف له من علماء الأمة» (٣). وقال النيسابوري: «وقال جماعة الأئمة إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتابة أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله ﷺ وكاتب وحيه» (٤). وقال ابن فارس في فقه اللغة: «الذي نقوله: إن الخط توقيفي، لقوله تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، ون وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ وإن هذه الحروف داخلة في الأسماء التي علم الله آدم» (٥).

стр. 150

الرأي الثاني: الرسم القرآني اجتهادي: ذهب بعض العلماء ومنهم الباقلاني وابن خلدون إلى أن رسم القرآن اجتهادي، ولا مجال للتوقيف في مجال الإملاء الذي تحكمه قواعد، ونفى الباقلاني أن يكون هناك أي دليل يثبت التوقيف في الرسم، والتوقيف يحتاج إلى دليل. وقال في كتابه الانتصار: «وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون ما أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود، لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية. وأكد الباقلاني أن السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل لأن رسول الله ﷺ ، كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف وأن تعوج الألفات وأن يكتب على غير هذه الوجوه». وعلل ذلك بأن الخطوط إنما هي علامات ورسم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مقيد لوجه قراءتها تجب صحته، وتصوير الكاتب به على أي صورة كانت. وختم الباقلاني كلامه بأن كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنّى له ذلك» (١).

стр. 151

وتطرف ابن خلدون وابتعد، وتحدث عن الرسم القرآني في مقدمته خلال كلامه عن الحضارة والعمران وربط بين الحضارة والكتابة، فالكتابة تزدهر بازدهار العمران وتتراجع بتراجعه، وكلما كانت الأمة أقرب إلى البداوة كانت أبعد عن صناعة الكتابة، لأن الكتابة صناعة، والصناعة لا تزدهر إلا في ظل الحضارة. وقال في معرض كلامه عن الكتابة عند العرب: وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته أقيسة رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيه تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله ﷺ وخير الخلق من بعده المتعلقون بوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا. ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل ... «وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص من قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح» (١). ثم قال بعد ذلك: «واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، كما رأيته فيما مر، والكمال في الصنائع إضافي، وليس بكمال مطلق، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال، وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في النفوس» (٢).

стр. 152

وتبرز خطورة رأي ابن خلدون فيما طرحه في جرأته على كتاب الوحي، وجمّاع القرآن من حيث عدم إجادتهم قواعد الإملاء، وعدم تمكنهم من الكتابة الصحيحة، وتأكيده على وجود أغلاط إملائية في الرسم القرآني، وهذا اتجاه خطير، ولا يمكن التسليم به، لأنه يتعلق بكتاب الله أولا، ولأنه لا يحترم خصوصية الرسم القرآني ثانيا (١). ويختلف رأي ابن خلدون عن رأي الباقلاني من حيث تفسير ظاهرة الرسم القرآني، فالباقلاني اكتفى بالقول بعدم التوقيف في مجال الرسم، لعدم قيام الدليل على ذلك، ولكن ابن خلدون اعتبر الرسم القرآني ناتجا عن جهل العرب بقواعد الإملاء بسبب انتشار البداوة التي تضعف الاهتمام بصناعة الكتابة، وهذا قول كبير وادعاء خطير. وليس هناك أي دليل عليه، ولم يفرق ابن خلدون بين جودة الخط وأناقة الرسم وبين صحة الإملاء ومعرفة قواعد اللغة، وإذا صح أن جودة الخطوط تتعلق بالحضارة والعمران، فإن صحة الإملاء لا علاقة لها بالعمران، وربما أفسدت الحضارة الكثير من قواعد اللغة والإملاء، لأن الحضارة توجه الاهتمام إلى مظاهر الترف، وتبعد الفرد عن أصالته وتضعف لديه القدرة على التركيز. ولا خلاف في أن الخط ليس بكمال في حق الصحابة وكتاب الوحي، ولا يتفاضل الصحابة بجودة الخطوط وحسن الرسوم، فذلك فن يحتاج إلى إعداد وتكوين وتعليم، إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يكون حجة على ما يقوله ابن خلدون من وقوع أخطاء إملائية في الرسم القرآني، وذلك دليل قصور، وهذا أمر مرفوض بالنسبة لجماع القرآن (٢). ولو توقف ابن خلدون عند حدود القول بأن الرسم القرآني أمر اجتهادي، ولا مجال للتوقيف فيه لكان الأمر مقبولا، وبخاصة وأن بعض العلماء ذهبوا إلى ذلك، واعتبروا أن القضايا التوقيفية تحتاج إلى دليل، وردّ الفريق الذي قال

стр. 153

بالتوقيف على من قال بالاجتهاد أن الدليل موجود، ويتمثل الدليل في إقرار الرسول ﷺ للرسم القرآني، كما كتبه كتاب الوحي، وكان ﷺ يوجههم في بعض الأحيان ويعلمهم كيف ترسم بعض الكلمات. وفضلا عن هذا، فقد انعقد الإجماع على الإشادة بالرسم القرآني، ومحاولة استكشاف جوانب الخصوصية في هذا الرسم، ولم يقل أحد بما انفرد به ابن خلدون من القول بأن الرسم القرآني مخالف لقواعد الإملاء بسبب جهل الصحابة بتلك القواعد. وقد أوردت في كتابي «الفكر الخلدوني من خلال المقدمة» رأي ابن خلدون في رسم القرآن، وناقشت هذا الرأي وبينت بطلان ما ذهب إليه ابن خلدون وخطورته ثم قلت: «ويجب أن تستبعد كليا فكرة الخطأ في الكتابة، لأن الخطأ يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة، ولا تستقيم مع حفظ الله تعالى لكتابه، إذ من المؤكد أن الرسم العثماني هو رسم لا يتطرق الخطأ إليه من حيث الكتابة، ولا يجوز القول بذلك، ولو صح وقوع الخطأ لأدى ذلك إلى ملاحظة الصحابة لذلك الخطأ أو اللحن، ولأشاروا إليه وأنكروه، وأصلحوا في المصاحف العثمانية، إذ لا مبرر لإبقاء اللحن والخطأ، وهم أكثر الناس حرصا على كتاب الله تعالى (١). الرأي الثالث: موقف التوسط: يستفاد من كلام بعض العلماء أنه ليس من الضروري كتابة القرآن على الرسوم الأولى لكتابته، وإن ذلك لا يكون على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم. ولما نقل الزركشي في البرهان ما قاله الإمام أحمد في تحريم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك عقّب على ذلك بقوله: «قلت: وكان هذا في الصدر الأول، والعلم حي غض، وأما الآن فلا يخشى الإلباس، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف

стр. 154

الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين» (١). ويستنتج من هذا النص ما يلي: الأمر الأول: إباحة كتابة القرآن بالكتابة الإملائية الموافقة لقواعد اللغة، وذلك تيسيرا لقراءة القرآن، وتمكينا من التلاوة السليمة، لأن الرسم العثماني يتطلب قدرة على قراءة الرسم وحفظا للقرآن. الأمر الثاني: الحفاظ على الرسم العثماني، كرسم أصيل للنص القرآني، لأن ذلك الرسم يحظى بمكانة متميزة في النفوس. ويمكننا أن نقرر في موضوع رسم القرآن ما يلي (٢): أولا: استبعاد فكرة الخطأ في الرسم العثماني: وهذا منطلق أساسي لدراسة فكرة الرسم القرآني، فلا يمكن التسليم بما ذهب إليه ابن خلدون من إثبات الخطأ الإملائي في الرسم، لعدم قيام الدليل على ذلك، ولاستحالة قبول الصحابة الأخطاء الإملائية في رسم المصاحف العثمانية، ولو افترضنا أن خطأ ما وقع اكتشافه بعد الكتابة لكان من اليسير التنبيه عليه وإصلاحه، وإن قبول الصحابة والتابعين وأجيال العلماء التي جاءت بعدهم بالرسم العثماني دليل على انعدام فكرة الخطأ، والتسليم بخصوصية الرسم القرآني. وردّ العلماء على ما أثاره البعض من شبهات، وضعفوا ما روي عن عثمان عند ما عرض عليه القرآن أنه قال: «أحسنتم وأجملتم إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها»، وقال الألوسي عن هذه الرواية أن ذلك لم يصح عن عثمان أصلا، وكيف يجوز من الناحية العقلية أن يقول عثمان عن مصحفه الذي اعتمده

стр. 155

وأشرف على جمعه وكتابته «إن فيه لحنا» وإذا ثبت اللحن فلماذا لم يكلف عثمان اللجنة المؤتمنة على الكتابة والجمع والضبط أن تقوم بإصلاح اللحن؟ ثانيا: ضرورة الحفاظ على الرسم العثماني: وهذا أمر بديهي، فالرسم العثماني هو الرسم الأصيل للقرآن، وهو الرسم الذي وقع اعتماده وإقراره، وأجمعت الأمة على قبوله، وهو الأصل في الكتابة القرآنية، وما عداه من إشكال الرسوم والخطوط لا تعتبر رسوما أصيلة في كتابة القرآن. ثالثا: جواز كتابة الآيات بالخطوط المتعارف عليها: وذلك للتيسير على الأمة، لكي يتمكن الناس من قراءة القرآن بطريقة سليمة، ويتصور ذلك في الكتب المدرسية حيث تتطلب المصلحة أن تكون الكتابة القرآنية مطابقة للنطق القرآني، وموافقة لقواعد الإملاء، وجواز الكتابة بالرسوم والقواعد المعتادة لا يقلل من أهمية تعويد الناس على القراءة بالرسم العثماني، لكي يكون هذا الرسم هو الأساس في المصاحف. ولا شك أن الأمر يتعلق بالمصلحة، فإذا تأكدت المصلحة في كتابة الآيات وفقا للقواعد الإملائية وجب الأخذ بالمصلحة، لكي يكون النطق القرآني سليما وصحيحا. وبهذا نفرق بين المصاحف التي يجب أن تحافظ على الرسم العثماني الذي هو الأصل في الكتابة القرآنية وكتابة الآيات القرآنية في إطار الكتب المدرسية أو في إطار الاستشهاد بها، مما لا يعتبر من المصاحف. وفي جميع الأحوال لا يجوز التساهل في أمر الرسم العثماني في المصاحف المعتمدة، كتراث قرآني عظيم الفائدة واضح الدلالة على تميز المصاحف بخطوطها ورسومها عن الكتابات الأخرى.

стр. 156

مزايا الرسم القرآني: ذكر الزرقاني في كتابه «مناهل العرفان» فوائد الرسم ومزاياه بما يلي (١): الفائدة الأولى: مراعاة القراءات المتنوعة في الرسم، وذلك عن طريق وضع قاعدة للرسم القرآني يمكن بفضلها قراءة الكلمة وفقا للقراءتين معا ... وهذا المنهج يوحد الرسم القرآني، ويجعله قابلا للقراءات المتعددة. الفائدة الثانية: إفادة المعاني المختلفة، وذلك عن طريق الإشارة الإملائية إلى التفاوت بين المعاني في الكلمات التي تنطق بطريقة متماثلة، بحيث يدرك القارئ المراد من خلال الإشارة الإملائية إلى المعنى. الفائدة الثالثة: الدلالة على بعض المعاني الخفية، كما في كتابة «أيد» في قوله تعالى: والسّماء بنيناها بأييد وقد كتبت بزيادة الياء للإيماء إلى تعظيم قوة الله في بناء السماء. الفائدة الرابعة: الدلالة على أصل الحركة، كما في قوله تعالى: سأوريكم دار الفاسقين والأصل أن تكتب سأريكم، وكذلك الأمر في لفظ الصلاة والزكاة، حيث كتبت بالواو، لأن الألف منقلبة عن الواو. الفائدة الخامسة: مراعاة بعض اللغات الفصيحة، وذلك عن طريق الإشارة إلى بعض لغات العرب في حذف بعض الأحرف. الفائدة السادسة: الاعتماد في القرآن على الحفظ وليس على الكتابة، لأن الرسم العثماني لا يطابق النطق، ويحتاج القارئ إلى حفظ القرآن لكي يتمكن من القراءة الصحيحة. ولا حدود لمثل هذه الاستنتاجات واستكشاف فوائد الرسم القرآني، فكل من نظر في الرسم العثماني حاول أن يستخرج جانبا من جوانب الفائدة المحققة منه، ومن الواضح أن بعض الفوائد حقيقة وبعضها الآخر متكلفة، ولا يمكن أن تكون الحكمة من عدم مطابقة الرسم العثماني للنطق زيادة الاعتماد على الحفظ، والتقليل من أهمية الاعتماد على الرسم، لأن الحكمة باعثة على الفعل بخلاف

стр. 157

النتيجة فهي لاحقة ومتأخرة، ولا شك أن الرسم القرآني بصورته العثمانية أدى إلى زيادة الاعتماد على الحفظ وشجع عليه، لأن من الصعب على غير حفظة القرآن والمتقنين لتلاوته أن يقرءوه قراءة سليمة. قال ابن درستويه: خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف، وخط تقطيع العروض. وقال أبو البقاء في كتاب اللباب: «ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتابة الكلمة على لفظها إلا في خط المصحف، فإنهم اتبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام، والعمل على الأول» (١). ومما لا شك فيه أن الرسم القرآني له خصوصية ذات صفة معنوية، وهي غير محكومة بمعايير مادية، ويمكن تلمس بعض آثارها في مجال القراءة المتعددة للألفاظ، ومراعاة القراءات واللهجات العربية وسعة الدلالات في مجال الزيادة والنقصان، إلا أن الهدف الأسمى والأعلى لا يمكن إدراكه بالمعايير، وإنما يمكن إدراكه بالفطرة، وبما يشعر به قارئ القرآن في المصحف العثماني من تميز الرسم القرآني، وخصوصيته الشكلية والرمزية وتعبيره الأدق عن إعجاز بياني عظيم الوضوح في اللفظة العربية والرسم المعبر عن ذلك، حتى أن قارئ القرآن يشعر بقدسية الرسم القرآني وهيبة ذلك الرسم، ولا يشعر بمثل ذلك في غياب ذلك الرسم المميز والمعبر. إن الرسم القرآني أصبح جزءا من ذاتية القرآن، وهو مظهر من مظاهر القدسية التي يشعر بها القارئ، فكلمة «الرحمن» والصلاة، والزكوة، وحم، والم، وطه، ويس ... » كل ذلك يعبر عن قدسية ويجسد مشاعر دينية ويغذي في النفس شعورا بالأمن والراحة، ولو كتبت هذه الكلمات وفق القاعدة الإملائية لفقدت الكثير من دلالاتها، ولهذا لا نملك إلا أن نعترف بخصوصية لا محدودة للرسم العثماني، مما يؤكد التوقيف في بعض معالم ذلك الرسم، إذا لم يكن توقيفيا كليا

стр. 158

وكاملا فعلى الأقل هو توقيف جزئي في بعض المفردات لكي تكون أكثر ملاءمة للتعبير القرآني ولرسمه المميز. وأشار بعض أعلام التصوف من أهل الفهم لعظمة الدلالات في الرسم القرآني، ولما توحي به تلك الأحرف الزائدة والناقصة والموصولة والمفصولة والمبدلة والمهموزة في إشارات لا يدركها العقل ولا تحكمها معاييره، وإنما يدركها أرباب الفهم من أصحاب القلوب اليقظة الذين يفقهون ما لا يفقه غيرهم من حقائق القرآن، ويفهمون ما لا يفهم غيرهم من حقائق الدين. قواعد رسم القرآن: قال الزركشي في البرهان: «واعلم أن الخط جرى على وجوه، فيها ما زيد عليه على اللفظ، ومنها ما كتب على لفظه، وذلك لحكم خفية وأسرار بهية، تصدى لها أبو العباس المراكشي الشهير بابن البناء في كتابه: «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل»، وبين أن هذه الأحرف إنما اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها» (١). وحدد علماء القرآن قواعد الرسم القرآني بما يلي: أولا: قاعدة الحذف (٢): ١ - تحذف الألف من ياء النداء: يأيها الناس، وهاء التنبيه: هؤلاء، وبعد لام: خلئف، وبين لامين: الضللة، ومن كل علم زائد على ثلاثة: إبراهيم، ومن كل مثنى وجمع تصحيح لمذكر أو مؤنث: اللعنون، ومن كل جمع على وزن مفاعل المسجد واليتمى، ومن كل عدد كثلث ومن كل ما اجتمع فيه ألفان كقوله آشفقتم، آنذرتم. ٢ - وتحذف الياء من كل منقوص منون: باغ وعاد، وفي حال التكرار: نحو، والحواريّين، وفي قوله: وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُونِ، وَخافُونِ.

стр. 159

٣ - وتحذف الواو في حال التكرار، في قوله: فاءو. ٤ - وتحذف اللام مدغمة في مثلها في قوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، والَّذِي، اللَّاتَ. ٥ - وأحيانا تحذف هذه الأحرف ولا تدخل ضمن قاعدة، نحو قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، ذُرِّيَّةً ضِعافاً، الدَّاعِ إِذا دَعانِ، وَمَنِ اتَّبَعَنِ، يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، وَقَدْ هَدانِ، نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَدْعُ الْإِنْسانُ وَيَمْحُ اللَّهُ، يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ. قال المراكشي: السر في حذفها من هذه الأربعة التنبيه على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة وقوع الفعل المنفعل المتأثر به في الوجود (١). ثانيا: قاعدة الزيادة: - تزاد الألف بعد الواو في آخر كل اسم مجموع، بنو إسرائيل، ملاقوا ربهم، كما تزاد بعد الهمزة المرسومة واوا، وفي مائة ومائتين، وفي قوله: الظُّنُونَا، والرَّسُولَا، والسَّبِيلَا. - تزاد الواو للدلالة على ظهور معنى الكلمة في الوجود سأوريكم آيتى. - تزاد الياء لاختصاص ملكوتي باطن، كما قوله: من نبإى المرسلين، من تلقائ نفسى. وجاء زيادة الياء في قوله: والسّماء وبنيناها بأييد للتفريق بين الأيد وهو القوة الإلهية في الخلق، والأيدي، جمع يد. ثالثا: قاعدة الهمز: تكتب الهمزة الساكنة بحرف حركة ما قبلها، «ائذن» «اؤتمن»، أما الهمزة المتحركة فإن كانت أولا كتبت بالألف، نحو أيوب، أولوا، وإن كانت وسطا كتبت بحرف الحركة نحو سأل سئل نقرؤه، وإن كانت آخرا كتبت بحسب حرف حركة ما قبل الآخر نحو سبأ، شاطئ، لؤلؤ.

стр. 160

رابعا: قاعدة البدل: تبدل الألف واوا للتفخيم: كالصلوة، والزكوة، والحيوة، والربوا، والعدوة، وتبدل ياء إذا كانت الألف منقلبة عن ياء كما في قوله: يتوفيكم يا حسرتى، يا أسفى، وتبدل الألف ياء في الألفاظ التالية: إلى، على، أنى، متى، بلى، حتى، لدى. وتكتب نون التوكيد الخفيفة ألفا في قوله: لنسفعا ويكونا وإذا، وتمد التاء في كلمة الرحمة، ووقع ذلك في سبعة مواضع في القرآن: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ، أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، وكذلك مدت التاء في كلمت النعمة في أحد عشر موضعا: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، وجاءت مقبوضة في مواطن أخرى. وجاءت التاء ممدودة في بعض الألفاظ كما جاءت مقبوضة، وهذه الألفاظ هي: كلمة، سنة، فطرة، قوة، معصية، لعنة، شجرة، جنة، ابنة، امرأة. قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى [الأعراف: ١٣٧]. فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: ٣٨]. فِطْرَتَ اللَّهِ [الروم: ٣٠]. قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [القصص: ٩]. إنّ شجرت الزّقّوم [الدخان: ٤٣]. وجنات نعيم [الواقعة: ٨٩]. ومعصيت الرّسول [المجادلة: ٨]. وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ [التحريم: ١٢]. امْرَأَتُ عِمْرانَ [آل عمران: ٣٥].

стр. 161

امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٩]. امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف: ٣٠]. وحاول الزركشي أن يعلل هذا الإبدال، في كل لفظة، فالألف أبدلت واوا في أصول الدين المطردة، تفخيما وتعظيما، كالصلاة والزكاة، وهما عماد الدين، والحياة وهي عماد البقاء، وترك الربا عماد الأمان، ومدت التاء في «السنة» في المواضع التي تدل على الإهلاك والانتقام: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا، ومدت التاء في الجنة وجنات نعيم لكونها بمعنى فعل التنعم بالنعيم واقترانها بالروح والريحان، ومدت التاء أيضا في «امرأة»: امْرَأَتُ عِمْرانَ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ للتنبيه على فعل التبعل والصحبة وشدة المواصلة والمخالطة والائتلاف. خامسا: قاعدة الوصل والفصل: قال الزركشي: «اعلم أن الموصول في الوجود توصل كلماته في الخط، كما توصل حروف الكلمة الواحدة، والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط كما تفصل كلمة عن كلمة» (١). وجاءت لفظة «إنما» بالكسر موصولة إلا في موضع واحد إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام: ١٣٤]، وجاءت لفظة «إنما» بالفتح موصولة إلا في موضعين وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الحج: ٦٢]، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ [لقمان: ٣٠]. وجاءت لفظة «كلما» موصولة إلا في ثلاث مواضع، في النساء وإبراهيم والمؤمنون، لأن «ما» وقعت على أنواع مختلفة في الوجود، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤]، وما عداها جاءت موصولة لأنها وقعت على شيء لا ينفصل كالزمان في قوله: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً [البقرة: ٢٥].

стр. 162

وجاءت لفظة «أينما» موصولة في قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. وجاءت مفصولة في قوله: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ. وجاءت «بئسما» موصولة إلا في ثلاثة مواضع، اثنان في البقرة وواحد في الأعراف في قوله: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي. وجاءت «يوم هم» موصولة في قوله: يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، وجاءت مفصولة في قوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. وجاءت لفظة «في ما» موصولة ومفصولة كما في قوله: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٤]، فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [الأنبياء: ١٠٢]. وجاءت لفظة «لكيلا» موصولة في ثلاثة مواضع ومفصولة فيما عداها: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ [الحديد: ٢٣]، لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [النحل: ٧٠]. وهناك أحرف الإدغام، مثل قوله: «عمّا» «مما» «عمّن» «ممن «ألّن» «ألّا»، وجاءت هذه الأحرف موصولة ومفصولة، والأمثلة واضحة ومفصلة في كتاب البرهان الذي أفاض في ذكر كل لفظة، مبديا تفسيره لحالات الاتصال والانفصال محاولا التعليل، واضعا قواعد عامة لكل هذه الحالات ولا يخلو الأمر من تكلف فيما يبدو لي، لصعوبة وضع معايير واضحة أو إيجاد أسباب مطردة. سادسا: قاعدة تعدد القراءة: وبمقتضى هذه القاعدة تكتب بعض الكلمات التي تقرأ بقراءتين برسم إحدى القراءتين، كما في قوله تعالى: ملك يوم الدّين، تكتب بغير ألف، وتقرأ بالألف وبحذف الألف، وكذلك الأمر في كثير من الألفاظ التي تكتب وفقا لإحدى القراءتين، وتقرأ بالقراءتين معا، وهذا كله خارج نطاق القراءات الشاذة، وأحيانا تراعى في الرسم بعض القراءات الشاذة.

стр. 163

وهذه القواعد تؤكد أن الرسم العثماني روعيت في كتابته غايات ومقاصد، منها ما يمكن إدراكه ومعرفته، ومنها ما لا يمكن إدراكه وتفسيره، ولهذا فإن الرسم العثماني يظل إحدى أهم دعائم النص القرآني من حيث التوثيق والضبط والدقة، وسواء قلنا بأن هذا الرسم توقيفي أم اجتهادي فإن الحفاظ على هذا الرسم يجب أن يظل من المطالب الضرورية، وهذا لا يمنع عند الضرورة من كتابة القرآن بالإملاء الموافق للنطق المعتاد في الكتابة العربية لأغراض تعليمية، وبخاصة إذا كثر اللحن في قراءة القرآن، وتعذرت على الناس قراءته بطريقة سليمة وصحيحة. مصير المصاحف العثمانية: اعتمد «عثمان» مصحفه بعد أن أتمت اللجنة المكلفة بجمعه وكتابته عملها، وأشرف على ضبط الآيات، وترتيب السور بحيث يكون هذا الترتيب موافقا للتلاوة والترتيل الذي كان حفاظ القرآن يلتزمون به. وأصبحت المصاحف العثمانية هي المصاحف المعتمدة في الأمصار الإسلامية الرئيسية في مكة والشام والبصرة والكوفة والمدينة بالإضافة إلى المصحف الإمام الذي هو الأساس في المصاحف الأخرى، وهو المصحف الأول الذي نسخت منه المصاحف. وأوفد عثمان مع كل مصحف قارئا يقرئه ويسهر عليه، فقد كلف زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدينة، وأوفد عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، وعامر بن عبد القيس إلى البصرة، وأصبح هؤلاء هم قراء القرآن وحفظته يسهرون على حفظ المصحف المعتمد، ويقرءون الناس به، ولا يسمحون بأن يناله تحريف أو تبديل، أو زيادة أو نقص. وكان هذا العمل من أعظم الأعمال التي أدت إلى حفظ القرآن، وتوحيد نصه وقراءته ورسمه، لئلا يقع فيه تغيير أو تبديل، وظلت المصاحف العثمانية في

стр. 164

الأمصار الإسلامية نسخا معتمدة أجمعت الأمة على قبولها وصحتها وسلامة ما جاء فيها. ومن أبرز ما كان يميز المصاحف العثمانية أنها كانت خالية من النقط والشكل والزركشة والنقوش، وجاءت روايات عن بعض العلماء السابقين في القرن الخامس والسادس تؤكد رؤيتهم لبعض المصاحف العثمانية، وقال ابن كثير صاحب التفسير المشهور وكتاب البداية والنهاية في التاريخ في كتابه فضائل القرآن: إنه رأى مصحف عثمان الموجود في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وكان قبل ذلك بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود سنة ٥١٨ هـ، وقد وصفه بقوله: وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل» (١). وذكر ابن الجزري صاحب كتاب: «النشر في القراءات العشر» وابن فضل الله العمري صاحب: «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» إنهما رأيا المصحف الشامي. وروى الدكتور صبحي الصالح في كتابه: «مباحث في علوم القرآن» أن بعض الباحثين يميل إلى أن هذا المصحف أمسى زمنا ما في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد ثم نقل إلى إنكلترا، وهناك فريق من الباحثين يرجح أن هذا المصحف بقي في مسجد دمشق حتى احترق فيه سنة ١٣١٠ هـ، ونقل الدكتور الصالح عن الدكتور يوسف العش أن أحد قضاة دمشق أخبره بأنه قد رأى المصحف الشامي قبل احتراقه، وكان محفوظا بالمقصورة وله بيت خشب. وهناك مصاحف كثيرة في المكتبات الإسلامية وخزانات المساجد المشهورة يدعى المشرفون عليها أنها من المصاحف العثمانية، وبعضها واضح في عدم مطابقته لما كانت عليه المصاحف العثمانية، من حيث النقط والشكل والزركشة والفواصل، مما يؤكد أنه كتب بعد ذلك.

стр. 165

والأمر في جميع الأحوال لا يترتب عليه شيء، فالمصاحف موحدة ونصوصها واحدة، ولا مجال للتفريق أو الاختلاف، بين المصاحف العثمانية والمصاحف التي كتبت بعد ذلك حتى اليوم، ولم يلق كتاب من أوجه العناية والرعاية والضبط ما لقيه القرآن، سواء في عصر النبي ﷺ وعصر صحابته أو في العصور اللاحقة، فالقرآن واحد في جميع العصور، ولدى جميع المذاهب الإسلامية، وحتى من اعترض على ذلك من بعض المذاهب الإسلامية متهما «عثمان» بالتحيز، طاعنا في قراره بإحراق المصاحف الأخرى، فإنه سرعان ما يعترف بأن مصحف عثمان هو أدق المصاحف وأصحها، وأن المصاحف التي أمر بإحراقها لم يبذل فيها من وسائل الضبط والدقة ما يجعلها في مستوى مصحف الإمام الذي أجمعت الأمة على قبوله، وأجمع الصحابة على مطابقته لمصحف أبي بكر الذي اعتمد في جمعه على كتاب الوحي وحفظة القرآن. حكم النقط والتحلية: روى الحافظ ابن أبي داود السجستاني المتوفى سنة ٣١٦ هـ في كتابه المصاحف، روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين تؤكد كراهيتهم لتصغير المصحف والتعشير والفواتح، وروى عنه قوله: لا تكتب المصاحف صغارا، وروي عن سفيان الثوري قوله: كانوا يكرهون النقط والتعشير وإحصار السور، وروي عن عبد الله بن مسعود قوله: جردوا القرآن ولا تخلطوا به ما ليس منه، وروى شعبة عن أبي رجاء قال: سألت محمد بن سيرين عن المصحف ينقط بالنحو قال: أخشى أن يزيدوا في الحروف (١). ويبدو من الروايات أن كراهية النقط ليست لذات النقط، وإنما كانت بسبب الخوف من زيادة في القرآن، ولهذا نسب إلى ابن سيرين قوله: لا بأس بنقط المصحف (٢).

стр. 166

وكانوا يكرهون تحلية المصاحف بالذهب، وروي عن أبي بن كعب قوله: إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فعليكم الدثار، وروي عن أبي الدرداء قوله: إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فعليكم الدثار» (١). وروى الأعمش قال: «مرّ على عبد الله بن مسعود بمصحف قد زين بالذهب فقال: إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته في الحق» (٢)، وهناك روايات أخرى تؤكد جواز تحلية المصحف. وكره بعض العلماء بيع المصاحف وشراءها، وروي عن علقمة وابن سيرين والأعمش والنخعي كراهة بيع المصاحف، وقال أبو العالية: وددت أن الذين يبيعون المصاحف، ضربوا، وأجاز ابن عباس شراء المصاحف وكره بيعها، وروى الأعمش عن ابن عباس أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس إنما يأخذون أجور أيديهم (٣). والأمر كما يبدو تحدده الظروف، فكل أمر مبالغ فيه من حيث التحلية فهو مكروه، والتجارة في المصاحف مكروهة، ما لم تكن النية في ذلك خدمة المصحف الشريف. والواضح أن تعدد الروايات والأحكام في الأمر الواحد يشير إلى الرغبة في صيانة القرآن عن كل ما يسيء إليه، سواء كانت تلك الإساءة شكلية كالمبالغة في التحلية والتزيين، أو كانت مما يسيء إلى مكانة القرآن، والأصل في القرآن أنه لا يجوز أن يعتبر سلعة من السلع التجارية، لأن ذلك مما يفقده قداسته في النفوس، ويخضعه لما تخضع له السلع التجارية من أنواع الغش والتدليس، فإذا كان البيع والشراء لا يعبر عن هذه المعاني، فليس هناك ما يمنع من خدمة القرآن، عن طريق الطباعة والنشر، ومن يفعل ذلك بنية خدمة القرآن وتيسير أمر توزيعه، فهو مأجور ومثاب على فعله، ومثل هذه الأمور تحكمها مقاصد وغايات، فما يرفضه

стр. 167

العقل ويتنافى مع الفضيلة فهو حرام على وجه التأكيد، وما يرتضيه العقل ويقره العرف ولا يتنافى مع الفضيلة فهو جائز ومباح. العناية بالمصاحف ومراحل تحسينه: كان المصحف العثماني الإمام هو أول مصحف اكتمل جمعه وترتيبه وإعداده بصورته النهائية، وبعد أن أجمعت الصحابة على قبوله نسخت منه عدة نسخ أرسلت إلى الأمصار الرئيسية لكي تكون المصحف المعتمد. ومنذ ذلك اليوم بدأت المصاحف تنسخ، ويدخل عليها من أنواع التحسين والتجويد ما يجعلها في متناول القراء، من حيث تعدد خطوطها والتفنن في إدخال التحسينات التي تيسر قراءتها، وإدخال النقط والشكل لضبط الألفاظ والمفردات، حتى لا يقع أي اختلاف في النقط أو تباين في ضبط الكلمات. وكانت مسيرة التجويد والتحسين منسجمة مع حركة المجتمع الإسلامي وتطوره، فقد كانت الدولة بسيطة المعالم في المدينة، عكفت في أيامها الأولى على تثبيت أركان العقيدة، ومواجهة خصومها، ثم اتسعت اهتماماتها، ونمت مطامحها، وامتد سلطانها في مشرق ومغرب، وكان لا بد من مواكبة هذا التطور بتنظيم محكم، وإعداد سديد، واهتمام بمظاهر العمران الذي يجسد عظمة الدولة واستقرارها، ويؤكد استجابة شعبها لما تتطلبه الحضارة من اهتمام بأساليب التطوير والتحسين، من تنظيم للجيوش، وإنشاء لدواوين المال والإدارة والجند، واهتمام بقضايا الفكر والثقافة، وتدوين للعلوم. وأول ما انصرف الاهتمام به العناية بكتاب الله، شرحا لآياته، وتوضيحا لأحكامه، وتفسيرا لمفرداته، وبيانا لأسباب نزوله، وتدوينا لتاريخه، وتجويدا لخطوطه، وضبطا لألفاظه، لئلا يقع أي التباس في كلمة من كلماته. وأول مظاهر هذا التحسين إدخال النقط والشكل فيه، لضبط النطق به، لئلا يقع فيه تحريف أو تبديل، أو لحن أو ما يشبه اللحن، ولم يكن مصحف عثمان منقطا أو مشكولا، ربما لعدم معرفة العرب بالنقط في ذلك الحين، أو لإمكان

стр. 168

قراءة القرآن بما يوافق القراءات المختلفة، وبما يستجيب لكل اللهجات العربية، وبما يوافق الأحرف السبعة. ومن الطبيعي أن يتوقف بعض العلماء أمام النقط والشكل موقف التردد والهيبة، كشأن كل أمر جديد، وسرعان ما أدرك الجميع أهمية الضبط والتيسير في القراءة، لكيلا يقع لحن في النطق أو لبس في ضبط بعض الكلمات. وتشير الروايات إلى أن التفكير في الأمر بدأ في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي خاف من أثر الاختلاط بين العرب والعجم على اللغة، فأمر الحجاج بن يوسف بأن يهتم بالأمر، ويقال بأن الحجاج أصلح الرسم القرآني في أحد عشر موضعا. وتؤكد الروايات كما قال السيوطي في الإتقان أن (١): «أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل: الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثي»، ويبدو أن الحسن البصري كان دوره محصورا في مباركة هذا العمل وتأييده وتشجيعه، إذ لم يعرف له اهتمام بالنقط والشكل، وكان من الضروري أن ينال هذا العمل موافقة العلماء. وهناك روايات تشير إلى أن بعض العلماء كانوا يكرهون النقط والشكل (٢)، وروى عن النخعي أنه كره نقط المصاحف، وروي مثل هذا عن ابن سيرين، وقال ابن مسعود: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، وقال مالك: «لا بأس بالنقط في المصاحف التي يتعلم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا». وقال الحليمي (٣): «تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه، أما النقط فيجوز، لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها».

стр. 169

وقال ابن مجاهد: «ينبغي ألا يشكل إلا ما يشكل» (١)، وقال النووي: نقط المصحف وشكله مستحب، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف (٢). وكان أبو الأسود الدؤلي معنيا بشئون اللغة، واشتهر أنه أول من وضع العربية، وأن الخليل بن أحمد أول من وضع العروض، ومن الطبيعي أن تتوجه الأنظار إليه، وأن يطالب بإعداد ما يضمن سلامة النص القرآني، ويقال بأن زياد ابن أبيه والي البصرة طالبه بأن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله، فتثاقل أبو الأسود وتباطأ، ولعله تهيب الأمر، ولما سمع قارئا يقرأ قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بجر اللام في «رسوله» قال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، وذهب إلى زياد بعد أن أفزعه الأمر وقال له: «قد أجبتك إلى ما سألت» (٣) وعكف على إعداد نقط دالة على الحركات والسكون. ولا شك أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من شرع في الأمر ببدايات بسيطة، إذ لا يعقل أن يقوم بهذا العمل شخص واحد، ولا يمكن أن يكتمل من خلال عمل في جيل واحد، فمثل هذه الأعمال الكبيرة، تبتدئ كفكرة، ثم يشرع فيها بخطوة، ثم تعقبها خطوات متعسرة خجولة تتعثر مرة وتتقدم أخرى إلى أن يستقر الأمر على الأفضل والأيسر مما لا مشقة فيه على الأمة. وهناك رواية تقول: بأن أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر، ويقال: إنه قام بتنقيط مصحف ابن سيرين المتوفى سنة ١١٠ هـ، وكان يحيى بن يعمر من أهل البصرة، واتهم في عصر الحجاج بالتشيع ونفي إلى خراسان، وهناك اشتهرت مكانته وأصبح «قاضي مرو». وتابع العمل من بعده نصر بن عاصم الليثي تلميذ أبي الأسود الدؤلي، وكان أحد قراء البصرة، وهناك من يقول: بأنه أول من نقط المصاحف، ولا يمكن الترجيح بين هذه الأقوال والروايات، لصعوبة تحديد دور كل فرد في هذا العمل

стр. 170

الكبير الذي يرجح أن خطواته الأولى كانت من تفكير أبي الأسود الدؤلي، ثم تكاملت واستقامت على يد كل من يحيى بن يعمر وتلميذه نصر بن عاصم. ويكفينا هذا القدر من بيان نشأة المرحلة الثانية من تاريخ القرآن التي تمثلت في دور التحسين والتجويد والإكمال، لكي يكون الرسم القرآني مكتمل المعالم، واضح الألفاظ، مزودا بإشارات ضابطة للكلمة، مبينة لكيفية النطق بها.

стр. 171

الفصل الثاني عشر: علم المحكم والمتشابه انطلقت بعض المصطلحات القرآنية من القرآن نفسه، وأخذت هذه المصطلحات معاني محددة، لا تخرج في إطارها العام عن المعنى المستفاد من القرآن، وإذا تعددت المفاهيم والاجتهادات في مجال تفسير هذه المصطلحات فإن هذه المفاهيم تظل حبيسة الدلالات القرآنية، لا تتجاوزها بمعنى يناقض تلك الدلالة في إطارها العام .. وكلمة المحكم والمتشابه من هذه المصطلحات القرآنية التي جاء بها القرآن في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧]. وكلمة: «الإحكام» في اللغة تفيد معاني عديدة، أهمها: «المنع» «والإتقان» يقال: أحكمت الأمر أي: أتقنته ومنعته من الفساد، وكلمة «الإحكام» تفيد معنى السداد، والحكمة في القرآن تأتي بمعنى العلم والعدل والنبوة. وكلمة «المتشابه» مأخوذة من التشابه والمشاركة والمماثلة، وتفيد معنى التشابه المؤدي إلى الالتباس وعدم الوضوح ... والتقابل في كلمتي المحكم والمتشابه، تفيد المعنى المراد، فما كان محكما فهو المبين والمفصل، ولا يمكن أن يعطي معنى الإتقان، لأن القرآن كله متقن، فالمتشابه هو الذي لا يتضح معناه إلا ببيان إضافي، والقرآن بعضه واضح الدلالة على معناه، والبعض الآخر ليس واضح الدلالة، وما كان كذلك فيحتاج إلى بيان. آراء العلماء في معنى المتشابه: اختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه، ولا بد من وقوع الخلاف فيه، فالبعض اعتبر أن المحكم هو الواضح الدلالة، ولا يحتاج إلى بيان، والمتشابه هو الخفي الدلالة، ويحتاج إلى بيان، والبعض الآخر اعتبر

стр. 172

«المحكم» ما يمكن معرفة معناه ودلالاته بالتفسير والتأويل، والمتشابه اختص الله به فلا تعلم دلالته ولا معناه، لا بالتفسير ولا بالتأويل. قال السيوطي في الإتقان: وقد اختلف في تعيين «المحكم والمتشابه» على أقوال (١): - فقيل: المحكم ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور. - وقيل: المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه. - وقيل: المحكم ما لا يتحمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها. - وقيل: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه، كإعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، قاله الماوردي. - وقيل: المحكم ما استقل بنفسه والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. - وقيل: المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرى إلا بالتأويل. - وقيل: المحكم ما لم تتكرر ألفاظه ومقابله المتشابه. - وقيل: المحكم الفرائض والوعد الوعيد، والمتشابه القصص والأمثال» (٢). وجاءت بعض المعاني لكل من المحكم والمتشابه، قال ابن عباس: المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه ... والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأقسامه وأمثاله، وروي عن مجاهد قال: المحكمات ما فيه الحرام والحلال وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا ... ، وروي عن الضحاك قوله: المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قد نسخ.

стр. 173

وعرف الزركشي في البرهان المحكم بأنه ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام، والمتشابه ما يشتبه اللفظ فيه في الظاهر مع اختلاف المعاني، ويقال للغامض متشابه، واختلفوا فيه، فقيل: هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا، وقيل: هو المنسوخ غير المعمول به، وقيل: القصص والأمثال، وقيل: فواتح السور، وقيل: ما لا يدرى إلا بالتأويل (١) وهذه الأقوال بالرغم من تعددها فهي دالة على المراد، ومعبرة، وواضحة، فالمتشابه ما كان غامض الدلالة، محتاجا لتأويل، محتملا عدة أوجه، لا مجال للترجيح بينها بمجرد العقل، ولا بد فيها من دليل نقلي ... ونقل صاحب البرهان عن ابن حبيب النيسابوري تعدد الأقوال في هذه المسألة، من حيث كون القرآن محكما ومتشابها أو مشتملا على المحكم والمتشابه، فاعتبر البعض أن القرآن محكم، لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ والبعض قال: إنه متشابه، والصحيح أنه منه المحكم ومنه المتشابه، كما جاء في القرآن نفسه (٢) ... وذهب بعض علماء الكلام إلا أن القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا بطلت فائدة الانتفاع به، ونقل الراغب الأصفهاني قولهم هذا، وناقش الزركشي كلام من قال: ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى، فأجاب بأن الأمر لا يخلو من حالتين (٣): الحالة الأولى: إن كان يمكن علمه فله فائدتان: الفائدة الأولى: حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب. الفائدة الثاني: إظهار فضل العالم على الجاهل، ويستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل ...

стр. 174

الحالة الثانية: إن كان لا يمكن علمه فله فائدتان: الفائدة الأولى: إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها ... ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح ... الفائدة الثانية: إقامة الحجة بها عليهم، وذلك لأن القرآن نزل بلغة العرب فإذا عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وأفهامهم دلّ ذلك على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها. ولا شك أن هناك حكمة من إيراد الآيات المتشابهات، ولا يمكن أن يكون الأمر من غير غاية، ومن الإعجاز أن تخفى غايات المتشابه، وأن يقع الاختلاف في تحديد مراده، لأن العقول البشرية لا يمكن أن تدرك كنه بعض الحقائق المتعلقة بالله وبالكون، وبالغيب وبالحياة الآخرة، ولا بد من بعض الغموض، وهو غموض نسبي، بسبب عجز العقول عن الفهم، ولا يكلف الإنسان بإدراك ما لا يطيق من معرفة الأمور التي لا يدركها العقل. وليس من حق الإنسان أن يطلب معرفة كل شيء، وهذا أمر فيه استحالة، فالحياة أكثر تعقيدا مما يتصوره العقل، وعلى الإنسان أن يسلم فيما لا يقدر على إدراكه، وأن يؤمن بحكمة الله، وأن ما جاء به هو الحق، والخطاب القرآني موجه لكل الناس وفي جميع الأزمان، ولا يمكن أن يدرك كل مخاطب حكمته وأسراره، وأن يحيط بكل شيء ... وذهب الخطابي إلى أن المتشابه على ضربين (١): أحدهما: يعرف معناه إذا رد إلى المحكم واعتبر به. والآخر: لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهذا النوع هو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه فيفتنون ...

стр. 175

وقال ابن الحصار: قسم الله آيات القرآن إلى محكم ومتشابه، وأخبر عن المتشابه أنها أم الكتاب، لأن إليها ترد المتشابهات وهي التي تعتمد في فهم مراد الله من كل ما تعبدهم به من معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتنابه نواهيه» (١). أنواع المتشابه عند الأصفهاني: قسم الراغب الأصفهاني في كتابه: «مفردات القرآن» الآيات إلى ثلاثة أضرب (٢)، محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، والمتشابه ثلاثة أضرب أيضا: الضرب الأول: متشابه من جهة اللفظ فقط، وهذا التشابه يرجع إلى الألفاظ المفردة من حيث الغرابة أو الاشتراك، كما يرجع أحيانا إلى جملة الكلام المركب سواء من حيث الاختصار أو البسط أو النظم ... الضرب الثاني: متشابه من جهة المعنى. ويشمل هذا المتشابه ما تعلق بأوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة، لأن تلك الأوصاف لا تتصور لنا ولا تحصل في نفوسنا ... الضرب الثالث: متشابه من جهة اللفظ والمعنى معا، وهو أقسام: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥]. الثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣]. الثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ، كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢].

стр. 176

الرابع: من جهة المكان والأمور نزلت فيها كقوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧]. ويشترط لفهم الآية معرفة عادات الجاهلية. الخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح، وأكد الأصفهاني أن كل ما ذكره المفسرون عن المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم .. وينقسم المتشابه من جهة أخرى إلى ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، وضرب متردد بين الأمرين، ويختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على غيرهم وهو المشار إليه بقوله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١). وتساءل العلماء هل يمكن أن يكون في القرآن شيء لا تعلم الأمة تأويله، ونقل الزركشي هذا الخلاف بين المفسرين والمتكلمين، فالمفسرون أجازوا أن يكون في القرآن بعض ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا ما أكده عدد من العلماء في تفسيرهم لمعنى المتشابه، وأن بعض المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، ونقل الراغب الأصفهاني عن المتكلمين أن كل القرآن يجب أن يكون معلوما، وإلا أدى ذلك إلى إبطال الانتفاع (٢). آيات الصفات: وأبرز ما وقع الاختلاف فيه في موضوع الآيات المتشابهة آيات الصفات، في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. وذهب جمهور أهل السلف وأهل الحديث إلى الإيمان بما جاء في القرآن، وتفويض المعنى إلى الله، وعدم الخوض في تفسير هذه الآيات وتأويلها (٣)، وسئل مالك عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: «الكيف غير

стр. 177

معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة»، وروي عن محمد بن الحسن قوله: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، ونقل هذا الرأي عن سفيان الثوري ومالك وابن عيينة ووكيع، وقالوا جميعا بضرورة عدم التفسير والتأويل، وذهب بعض أهل السنة إلى جواز تأويل هذه الآيات على ما يليق بجلاله تعالى، وتوسط ابن دقيق العيد، فأجاز التأويل إذا كان قريبا من لسان العرب، فإذا كان التأويل بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه. وموقف أهل السلف أوضح وآمن وأسلم، فإن من الصعب على العقل البشري أن يخوض في تأويل ما ليس به علم، وأنى له علم ذلك والعقل البشري لا يدرك إلا المعاني القريبة منه، مما تدركه الحواس، والتأويل قد يبتدئ يسيرا منضبطا، ثم تتوسع مجالاته، وتنحرف مسالكه، وتضطرب أقواله، ثم يكون مطية لانحراف خطير. وهنا نقف وقفة يسيرة عند أنواع المتشابه كما أوردها «الراغب» في مفرداته، وليس كل متشابه سواء، فمتشابه الغرابة في الألفاظ والتراكيب ليس كمتشابه المعاني، حيث يقف العقل عاجزا عن الفهم، حائرا مضطربا، لا يدري وجه الصواب، وأنى للمفسر أن يدرك الصواب في أوصاف الله وفيما يدخل ضمن الغيب؟ ويكفي المؤمن أن يقف في مثل هذه المواطن مؤمنا مسلما خاشعا تاركا تفسير ذلك وتأويله لله تعالى، فما توصل إليه أهل التأويل في موضوع الاستواء على العرش من حيث تفسير الاستواء بالاستقرار وبالاستيلاء أو بالصعود أو بالعلو لا يبدو مقنعا، لأن كل معنى لا يخلو من محاذير، وأخطرها التجسيم، والله منزه عن ذلك، والآية واضحة الدلالة معبرة صادقة معجزة، ولا تحتاج بعد ذلك إلى تفسير أو تأويل. واعتبر العلماء أن حروف التهجي في أوائل السور القرآنية من المتشابه،

стр. 178

أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور. والمتشابه كالمحكم من حيث مكانة النص القرآني، ولا يقدم المحكم على المتشابه ولا يفضله إلا من حيث وضوح الاستدلال بالمحكم لوضوح لفظه ومعناه، ولا مجال للاستدلال بالمتشابه إلا بعد معرفة ما يراد به، ولا شك أن المتشابه بسبب غموضه قد فتح الآفاق لمجالات واسعة من البحث، ودفع العلماء إلى تقصي معانيه المحتملة، وهذا منهج في البحث مفيد ...

стр. 179

الفصل الثالث عشر: القراءات القرآنية يراد بالقراءات القرآنية العلم بكيفية أداء القرآن من حيث نطق الألفاظ أو اختلاف تركيبها، بحيث تكون القراءة موافقة لما ثبت نقله عن القراء الأوائل الذين اشتهروا بحفظ القرآن وضبطه. ومن الثابت لدى علماء القراءات أن القراءات ليست هي الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وكلمة القراءات السبع هي التي أوجدت ذلك اللبس في المصطلحات، والقراءات ليست منحصرة بسبع قراءات، فهناك أكثر من ذلك، ولكن «ابن مجاهد» شيخ قراء عصره في بغداد المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، حاول أن يضبط القراءات الكثيرة التي انتشرت في البلاد الإسلامية، وكان بعضها ليس موثقا، فحاول أن يجمع القراءات، وأن يستخرج منها ما كان ثابتا عن طريق الرواية المتواترة بنقل الثقات من القراء، فاعتمد سبع قراءات، ووثقها، وثبت لديه أن قراءها عرفوا بالثقة والضبط والأمانة، وعرفت هذه القراءات بالقراءات السبع ... وتحديد عدد القراءات المعتمدة بسبع قراءات جاء بمحض الصدفة، وكان يمكن أن يكون أكثر من ذلك أو أقل، وأدى هذا العدد إلى التباس كبير لدى كثير من الناس بين الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن والقراءات السبعة التي اعتمدها ابن مجاهد في القرن الثالث واختارها من القراءات الكثيرة التي شاعت في عصره. ولا شك أن العمل الذي قام به ابن مجاهد كان عملا عظيما وكان جهدا فائقا، لأنه استطاع أن يضع معايير دقيقة للقراءة المعتمدة الموثقة، وأن يقف عن طريق هذه المعايير في وجه القراءات الكثيرة التي لا يسلم بعضها من شذوذ أو ضعف، وهذا لا يعني أن القراءات الأخرى ليست صحيحة، فهناك قراءات موثوقة، وموافقة لمعايير التوثيق والضبط التي وضعها العلماء، إلا أن «ابن

стр. 180

مجاهد» اقتصر في قبوله للقراءات على سبع قراءات اختارها من بين القراءات التي كانت شائعة. قال مكي بن أبي طالب: من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنعوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابن عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرا ومثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا» (١). وقال ابن الجزري في النشر: كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وخطئوه في ذلك، وقالوا: «ألا اقتصر على دون العدد أو زاده أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة». وقال الضراب في الشافي: «التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد» (٢).
следующие страницы →