وأخذ الوحي يتردد، وبدأت الرسالة.
وتوقف الوحي فجأة، وأحس «محمد» بضيق شديد، ما بال الوحي الذي جاءه انقطع عنه، أيكون قد أخطأ فيما فعل. أيكون قد ضعف أمام جبريل، أيكون ربه قد ودعه وقلاه وهجره، كل ذلك كان يطوق مشاعر النبي ﷺ ويقلق مضجعه.
وسرعان ما جاءه الوحي من جديد، مبشرا واعدا مطمئنا، وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى، ويتهلل وجه الرسول، وينظر للملإ الأعلى نظرة شكر، ويدعو الله، ويتابع الوحي خطابه: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ولا حدود للعطاء، لأنه مرتبط بالرضى، والرضى نهاية ما يتطلع إليه الإنسان، وكلما تطلع لجديد أعطاه الله من جديد إلى أن يتحقق الرضى، في عطاء مستمر لا نهاية له.
وأخذ الوحي يطمئن الرسول ﷺ ، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضحى]، كل ذلك من عطاء الله، والعطاء مستمر حتى يتحقق الرضى.
وبالرغم من كل ذلك، فإن الطبيعة البشرية تأبى إلا أن تشعر في بعض المواقف بالخوف والوجل، وينتابها الفزع والهلع، وهي تحمل أمانة ثقيلة، ستواجه مجتمعا قويا قاسي الملامح متكافلا في دفاعه عن ذاته، ولن يسمح ذلك المجتمع لمحمد أن يتحداه برسالته الجديدة، ولا أن يدعو إلى تغيير ذلك المجتمع، ويتنزل القرآن منجما لكي يحقق غايتين:
الأولى: تثبيت قلب النبي ﷺ ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (١)، وكان النبي ﷺ يحتاج إلى هذا التثبيت المستمر الذي يجدد الأمل ويقوي النفس وبخاصة في مواقف قاسية لا تحتمل النفس قسوتها، وتكاد تفقد قدرتها على الصبر.
стр. 37
الثانية: مواكبة الوحي لحركة المجتمع الإسلامي الوليد، لكي يكون ذلك المجتمع في موطن الرعاية والاحتضان، فلا يضيق ذلك المجتمع بهمومه ومشاكله، وكلما ضاق به الأمر والتبس عليه السبيل وجد في الحي مرشدا وهاديا، فتطمئن القلوب بعد يأس، وتأنس بعد قلق ووحشة، وتواصل طريقها مطمئنة راضية مرضية، وكيف يمكن للقرآن أن ينزل مرة واحدة، ويتوقف الوحي، تاركا رسول الله تائها في خضم تحديات قاسية، لا يعرف كيف يواجهها، وهل كان يمكن للوحي أن يتنزل بتشريع تفصيلي في الأيام الأولى والمسلمون في محنة، تستهدف عقيدتهم وحياتهم، وهل كان يمكن للوحي أن يتحدث عن قضايا لم تقع بعد، فيجيب عنها.
لا شك أن الوحي كان عظيم الأثر في حياة المسلمين، كان الملهم والمرشد، والموجه والمعلم، وهنا تبرز شخصية «محمد» البشرية وهي تستقبل الوحي، ولا تملك تلك الشخصية إلا أن تمتثل لما تؤمر به، وهي لا تملك إلا أن تبلغ الرسالة، كما جاءت.
ويقف «محمد» ﷺ أمام قومه يسمع كلامهم الساخر، ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ويأتيه الوحي معلما ومجيبا، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١).
ولا يملك محمد ﷺ أن يدعي لنفسه شيئا، فهو بشر كسائر البشر في خلقه وتكوينه، وهو مكلف بما يكلف به غيره، إلا أنه يوحى إليه، والوحي هو الخصوصية التي خصه الله تعالى بها، وأكرمه بما خصه به، وجعله سيد المرسلين وخير الناس قاطبة، وأناط به مهمة الدعوة إلى الله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا
стр. 38
ضرا، لأن ذلك من اختصاص الخالق، والخالق هو الله، وما عداه فهو مخلوق، والمخلوق لا يملك لنفسه إلا ما أراده الخالق له قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ (١).
ويقف المشركون حيارى لا يدرون ماذا يقولون، هل محمد مجنون، أم هو ساحر أو شاعر، واضطربت نفوسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فالمجانين لا يتحدون العقلاء فيما تميز به أولئك العقلاء وتفاخروا به، وتحداهم القرآن، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٢). فلما عجزوا عن مواجهة التحدي نزل الوحي يؤكد عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل القرآن قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٣).
وانتصر الوحي بإذن الله، وحفظ الله القرآن، وأعز الله المسلمين بالإسلام، ورفع مكانتهم، وأقام لهم دولة وحضارة، وامتدت دولة القرآن في أمصار الأرض رافعة أعلام الإسلام، محررة الشعوب من الظلم والاستعباد، مقررة حقوق الإنسان، منتصرة لقيم الفضيلة، متحدية كل طغيان واستكبار، داعية إلى عبادة الله وحده، مؤكدة أن دين الحق لا يتحالف مع أعداء الحق، ولا يستسلم أمام جبروت القوة، ويتحدى أعداء الله والإنسان في كل مكان، لكي تظل الأرض موطنا آمنا يجد فيها الإنسان مستقره.
стр. 39
الفصل الثالث: نشأة علوم القرآن
ابتدأت العلوم الإسلامية بالقرآن، فالقرآن هو مصدر العلوم، وهو المنطلق الأول لنشأة العلوم الإسلامية التي تركزت حول دراسة القرآن وتوثيقه وحفظه وتفسيره وبيان إعجازه ومعرفة الناسخ والمنسوخ منه، والمحكم والمتشابه والأحرف السبعة، والقراءات الثابتة الصحيحة ووجوه بلاغته وفصاحته، ودراسة مفرداته ومعانيه.
ولم تكن هناك علوم مدونة بالمفهوم العلمي الذي عرف فيما بعد، فقد كانت اللغة تعتمد على السليقة العربية السليمة، فما استعمله العرب في كلامهم المنثور والمنظوم فهو حجة، وكان الأمر ميسرا، ولم يكن التدوين منتشرا إلا في نطاق ضيق، وكانت الأمية سائدة، ولم تتجه اهتمامات العرب في الجاهلية إلى التوسع في مجال العلوم، واقتصرت اهتماماتهم على لغة العرب التي كان شعراء الجاهلية يتفاخرون بإجادتها والتعبير عنها وبيان فصيحها.
ولما نزل القرآن كان معجزة النبي ﷺ ، وتحدى الله العرب به، وعجز العرب عن الإتيان بمثله، بل عجزوا عن الإتيان بآية من آياته، ووقفوا مذهولين حائرين، يدرسون الظاهرة القرآنية في إطارها العام، ولا يجدون جوابا شافيا لتساؤلاتهم سوى التسليم بعظمة القرآن، وبأنه كلام الله.
وتوجهت الأنظار إلى هذا القرآن، باحثة عن معانيه، دارسة أسلوبه، مستخرجة منه قوانين اللغة، مدونة تاريخه، نزولا وكتابة وحفظا وجمعا، مسجلة أوجه قراءاته، محددة ما يجوز منها وما لا يجوز، معتمدة في ذلك على ضوابط ومعايير علمية موضوعية.
ما أعظم تلك البداية.
كتاب الله هو المنطلق .. ومواكب العلماء تلتف حول نصه، باحثة عن معانيه، مدونة تاريخه، مفسرة مفرداته اللغوية، مبينة أوجه الفصاحة والبلاغة فيه،
стр. 40
وتتلاحق المواكب والأجيال، كل جيل يضع لبنة في صرح هذا التراث العلمي العظيم، معليا بها ذلك الصرح، مضيفا إلى جهود العلماء السابقين إضافة جديدة، في رحلة موفقة من جاهلية قاتمة المعالم، ضيقة الأفق قليلة العطاء إلى حضارة منيرة مشعة، وجدت في المعرفة امتدادها، وضاعفت بفضل الإسلام عطاءها، وتنافست عواصم الإسلام في رفع منارة العلم، وتزاحمت مواكب العلماء تغذي الفكر الإسلامي وتثري مدارسه.
ومن الطبيعي أن تحظى الدراسات القرآنية باهتمام العلماء والباحثين، وأن تنشأ علوم القرآن وتتعدد، وتخصّص في كل علم علماء، يكتبون فيه ويصنفون، ويتفقون ويختلفون، ولولا هذه الحرية لما تعددت المدارس والمذاهب، ولما تكاثرت الآراء وتباعدت، وليس من حق أحد أن يوقف مسيرة الفكر البانية الأركان المنيرة الطريق، مطاردة عصر الأمية والجهل، مقتحمة غوامض الفكر، مفسرة محكمه، مجتهدة في فهم متشابهه، لا تتهيب رأيا ولا تخشى اجتهادا، تبحث عن الحقيقة، كما يراها العقل، والعقول متفاوتة في طاقاتها متباينة في تكوينها، وكلها مخاطب ومسئول، والمخاطب مكلف بالفهم، لا يغني البعض عن البعض الآخر.
وإن من يدرس علوم القرآن يدرك عظمة الجهد الذي بذله علماء الإسلام، في خدمة كتاب الله، ففي كل جزئية علم، وفي كل علم عشرات الكتب، وفي كل كتاب آراء واجتهادات تعبر عن عظمة تراثنا العلمي، وبخاصة ما يتعلق بالدراسات القرآنية، وبالرغم من مئات المؤلفات في هذه الدراسات، فإن علوم القرآن لا حدود لها، ومن حق أي جيل أن يضيف الجديد من رأيه وفكره واجتهاده، فالجيل اللاحق كالجيل السابق في قدراته، لا يتفاضل جيل عن جيل، ولا يحق لأي جيل أن يدعي لنفسه حق الوصاية على جيل لاحق أو سابق، فالكل في مسيرة واحدة، وتتفاضل الآراء بالحجة والبرهان، ولا تتفاضل بأسبقية تاريخية أو انتماءات مكانية، فلا مجال لذلك في مثل هذه الأمور.
والتفسير هو العلم الأهم في العلوم الإسلامية، وتتفاضل الأجيال بمدى
стр. 41
احترامها لقدسية هذا الحق، فالمفسر مجتهد، ولا خير في جيل لا يجد علماؤه ما يكتبونه أو يضيفونه إلى مجال المعرفة الإسلامية سوى ما كتبه السابقون، فمثل هذا الجيل عبء على أجيال سابقة، لأنه لم يضف، والفكر الذي لا يواكب حركة المجتمع سرعان ما ينعزل عن ذلك المجتمع، لأن المجتمع ساحة امتداده، لا يمكن أن يجد ما يقوله، سوى ما سبق أن قيل ولا فضل له فيما نقله عن غيره، فنقلة العلوم لا يرقون إلى درجة العلماء.
وعلوم القرآن كثيرة، ومن الصعب معرفة العلم الأول منها، إذ أن نشأة العلوم بدأت مع بداية نزول القرآن، فالرسم القرآني هو العلم الأول من حيث النشأة، لأنه ارتبط بكتابة القرآن، وكان النبي ﷺ يعلم كتّاب الوحي كيفية كتابة القرآن، والعناية برسمه، بطريقة متميزة عن قواعد الإملاء، وعند ما جمع «عثمان بن عفان» القرآن وكتبه في مصحف موحد، راعى الرسم القرآني الأصيل الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، وتم جمع القرآن لأول مرة في عهد أبي بكر، وتعددت القراءات في وقت مبكر، وكان كل فريق من العلماء يدرس جانبا من جوانب تاريخ القرآن، من حيث الرسم والجمع والنقط والشكل، أو من حيث كيفية الأداء القرآني، كعلم القراءات والتجويد في النطق، أو من حيث معرفة أوجه البلاغة والفصاحة ومنهج الإعجاز البياني.
وكان قراء الصحابة هم الأوائل في معرفة علوم القرآن، وهم الحجة فيما يتعلق بالقرآن، جمعا ورسما وأداء ومعرفة بالناسخ والمنسوخ، وبأسباب النزول، ومعرفة الفواصل والوقف، وكل ما هو توقيفي من علوم القرآن، فلا بد له من سند صحيح يثبت أصله ونقله وصحته.
واشتهر عدد من الصحابة ممن عرفوا بمعرفة القرآن وإتقان حفظه وأدائه، ومن أبرز هؤلاء: زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ومعاوية، وطلحة، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان.
стр. 42
ثم اشتهر عدد من التابعين بقراءة القرآن، ومن أبرز هؤلاء في المدينة: سعيد بن المسيب، وعروة، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن يسار، ومعاذ بن الحارث، وزيد بن أسلم، وفي مكة: عبيد بن عمير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي مليكة، وفي الكوفة: علقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن شرحبيل، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي. وفي البصرة: عامر بن عبد قيس، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، ويحيى بن معمر، وابن سيرين، وقتادة. وفي الشام:
المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وخليد بن سعيد.
ثم تتالت مواكب علماء القرآن، ففي كل عصر هناك علماء مختصون، في كل بلد من بلاد الإسلام، ألفوا في علوم القرآن، وصنفوا في كل علم من علومه، في الناسخ والمنسوخ، وفي أسباب النزول، وفي فضائل القرآن، وفي القراءات القرآنية، وفي إعجاز القرآن، وفي غريب القرآن، وفي مفردات القرآن، وفي مجاز القرآن، وفي مبهمات القرآن، كما كتب بعضهم في علوم القرآن.
وكانت الكتابات الأولى في التفسير، نظرا لأنه الأهم في الدراسات القرآنية، والمنهج الأول في التفسير هو التفسير المأثور، وهو المادة الأساسية لمعرفة تفسير القرآن، ولا يمكن معرفة علم التفسير إلا بعد معرفة التفسير المأثور الذي يعطي المعاني الأولى للآية، ويوضح بعض غوامضها، ويبين أسباب نزولها، ويعتبر تفسير الطبري من أبرز كتب التفسير وأهمها، نظرا لما اشتمل عليه من روايات مأثورة، واستنباط صحيح، وترجيح موثق بالأدلة، وأصالة في المنهج، ودقة في التعبير.
[أبرز الذين صنفوا في علوم القرآن]
ومن أبرز الذين صنفوا في علوم القرآن ما يلي (١):
أولا: في القرن الثالث:
- اشتهر في هذا القرن كل من: علي بن المديني شيخ البخاري الذي كتب في «أسباب النزول» وأبي عبيد القاسم بن سلام الذي كتب في «الناسخ
стр. 43
والمنسوخ» وفي «القراءات وفي فضائل القرآن»، ومحمد بن خلف بن المرزبان الذي كتب «الحاوي في علوم القرآن».
ثانيا: في القرن الرابع:
- اشتهر في هذا القرن كل من: أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري الذي كتب «عجائب علوم القرآن»، وأبي الحسن الأشعري الذي كتب «المختزن في علوم القرآن»، وأبي بكر السجستاني الذي كتب في «غريب القرآن»، وأبي محمد الكرخي الذي كتب في «نكت القرآن».
ثالثا: في القرن الخامس:
- اشتهر في هذا القرن كل من: علي بن سعيد الحوفي الذي كتب «البرهان في علوم القرآن»، و «إعراب القرآن» وأبي عمرو الداني الذي كتب «التيسير في القراءات السبع» و «المحكم في النقط».
ثم توالت الكتب والمؤلفات والمصنفات، ومن أشهرها «فنون الأفنان في علوم القرآن» لابن الجوزي، وجمال القراء للشيخ علم الدين السخاوي، والمرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز لأبي شامه، والبرهان في مشكلات القرآن لأبي المعالي عزيزي بن عبد المالك المعروف بشيذلة (١).
وذكر السيوطي في الإتقان عددا من الكتب التي اعتمد عليها ولخص منها، ومن هذه الكتب ما يلي (٢):
من الكتب النقلية:
تفسير ابن جرير الطبري، وفضائل القرآن لأبي عبيد، وفضائل القرآن لابن أبي شيبة، والمصاحف لابن أبي داود، وأخلاق حملة القرآن للاجري، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي.
стр. 44
من كتب القراءات:
جمال القراء للسخاوي، والنشر والتقريب لابن الجزري، والإرشاد في القراءات العشر للواسطي، والشواذ لابن غليون، والوقف والابتداء لابن الأنباري وللنحاس وللداني.
ومن كتب اللغات والغريب والعربية والإعراب (١):
مفردات القرآن للراغب، وغريب القرآن لابن قتيبة، والوجوه والنظائر للنيسابوري والجمع في القرآن للأخفش، وشرح التسهيل لأبي حيان، وإعراب القرآن لأبي البقاء، ومشكل القرآن لابن قتيبة، واللغات التي نزل بها القرآن للقاسم بن سلام.
ومن كتب الأحكام (٢):
أحكام القرآن للرازي ولابن العربي والكيا الهراسي، ولغيرهم، والناسخ والمنسوخ لمكي ولابن الحصار ولابن العربي وللنحاس وللسجستاني ولأبي القاسم بن سلام، ولغيرهم.
ومن كتب الإعجاز (٣):
إعجاز القرآن للخطابي، وللرماني، ولابن سراقة، ولأبي بكر الباقلاني، ولعبد القاهر الجرجاني، ومجاز القرآن لابن عبد السلام، والإيجاز في المجاز لابن القيم، وبدائع القرآن لابن أبي الإصبع، ومناسبات ترتيب السور لأبي جعفر بن الزبير، وفواصل الآي للطوفي.
[كتب اخرى]
وهناك كتب أخرى منها (٤):
البرهان في متشابه القرآن للكرماني، ودرة التنزيل وغرة التأويل في المتشابه
стр. 45
للرازي، وأمثال القرآن للماوردي، وأقسام القرآن لابن القيم، وجواهر القرآن للغزالي، والتعريف والإعلام فيما وقع في القرآن من الأسماء والأعلام للسهيلي، والتبيان في مبهمات القرآن للقاضي بدر الدين بن جماعة والمقنع للداني.
وهذه الكتب التي ذكرها السيوطي، بعضها وصل إلينا، والبعض الآخر لم يصل، وهناك كتب أخرى كثيرة، وتشير الروايات إلى أن معظم هذه الكتب كان يبحث في علم من علوم القرآن، كالإعجاز والقراءات والوقف والناسخ والمنسوخ والمجاز والإيجاز والفضائل والغريب والمفردات والإعراب، وبعضها كان يبحث في جوانب من علوم القرآن في إطار بحثه في التفسير أو اللغة أو البلاغة أو علم الكلام.
ويبدو أن أول كتاب صنف في علوم القرآن، واشتهر أمره وحظي باهتمام العلماء هو كتاب «البرهان في علوم القرآن» ، للإمام بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ بمصر.
البرهان في علوم القرآن:
يعتبر كتاب «البرهان في علوم القرآن» من أبرز كتب علوم القرآن وأجمعها، ويعود الفضل في التعريف به إلى جلال الدين السيوطي الذي ألف كتابه «الإتقان»، وأشار إلى كتاب البرهان وأشاد به واعتمد عليه، ونقل منه الكثير من الأقوال والنصوص، وقد جمع فيه الزركشي زبدة أقوال العلماء وصفوة آرائهم، ونقل عن المفسرين والمحدثين والفقهاء والنحاة وأهل البلاغة واللغة أقوالهم، وجمع شتات تلك الأقوال في فصول مستقلة واضحة الدلالة، بينة المعنى، عجيبة الترابط والتكامل، وقسم كتابه هذا إلى سبعة وأربعين نوعا، تحدث في كل نوع من الأنواع عن علم من علوم القرآن وخص النوع الأول بالحديث عن معرفة أسباب النزول، وقسمه إلى فصول، واشتملت الفصول على تنبيهات وفوائد، ثم انتقل إلى النوع الثاني وتحدث فيه عن معرفة المناسبات بين الآيات، من حيث ارتباط الآيات بعضها ببعض، أو من حيث اتصال
اللفظ والمعنى، وفي النوع الثالث تحدث عن معرفة الفواصل ورءوس الآيات، وأوضح مباني الفواصل
стр. 46
باعتبار التماثل والتقارب في الحروف، وأكد ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام، وختم هذا النوع بطرق معرفة الفواصل، وهي طريقان توقيفي وقياسي، وتابع دراسة الأنواع المختلفة لعلوم القرآن.
مقدمة البرهان:
قال الزركشي في مقدمة كتابه «البرهان»:
«فإن أولى ما أعملت فيه القرائح وعلقت به الأفكار اللواقح، الفحص عن أسرار التنزيل، والكشف عن حقائق التأويل، الذي تقوم به المعالم، وتثبت به الدعائم، فهو العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدافعة، وهو شفاء الصدور والحكم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل الفصل الذي ليس بالهزل، شهاب لا يخبو ضياؤه وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، قد أحكم الحكيم صنيعته ومبناه» (١).
والمقدمة رائعة معبرة، جميلة المبنى، بديعة الصياغة، رفيعة الأسلوب، تعبر عن عظمة القرآن، وروعة معانيه، وهي تلخص علوم القرآن، وتشير إلى علومه، وتبين الغايات المقصودة، ونقل في هذه المقدمة أقوال عدد من العلماء ممن عرفوا بحسن الفهم ونقاء القلب، يؤكدون فيها أن حكمة القرآن وفهم آياته لا ينالها إلا أهل القلوب، ممن اختصهم الله بالحكمة، ولا يجتمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن أبدا، كما يقول سفيان الثوري، انطلاقا من قوله تعالى في سورة الأعراف: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (٢) وفسر سفيان بن عيينة، هذه الآية بقوله: سأحرمهم فهم القرآن، وقال ذو النون المصري:
أبي الله إلا أن يحرم قلوب البطالين مكنون حكمة الله» (٣).
стр. 47
وقال الزركشي في إشارة إلى كتابه البرهان:
«ولما كانت علوم القرآن لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر الممكن، ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه، كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فاستخرت الله تعالى- وله الحمد- في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من المعاني الأنيقة، والحكم الرشيقة ما يهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا، ليكون مفتاحا لأبوابه، وعنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه ومطلعا على بعض أسراره ودقائقه، والله المخلص والمعين، وعليه أتوكل وبه أستعين، وسميته البرهان في علوم القرآن» (١).
التفسير عند الزركشي:
ابتدأ الزركشي كتابه «البرهان» بمقدمة وفصلين:
الفصل الأول: عرّف فيه التفسير، وقال فيه: «التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف، وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ» (٢).
وأكد في هذا الفصل أن من المعلوم أن الله تعالى خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه، وأنزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير والشرح لأمور ثلاثة (٣):
أحدها: كمال فضيلة المصنف، فإن المصنف لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية، ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له.
стр. 48
ثانيها: قد يكون حذف بعض مقدمات الأقيسة أو أغفل فيها شروطا اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر، فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه.
ثالثها: احتمال اللفظ لمعان ثلاثة، كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو منه
بشر من السهو والغلظ وتكرار الشيء، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك.
والتفسير إما أن يكون من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها وإما أن يكون من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه، ولهذا لا يستغنى عن قانون عام يعول في تفسيره عليه، ويرجع في تفسيره إليه، من معرفة مفردات ألفاظه، ومركباته، وسياقه، وظاهره، وباطنه، وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم، ويدق عنه الفهم.
الفصل الثاني: تحدث فيه عن علوم القرآن، ونقل أقوالا لعدد من العلماء في عدد علوم القرآن وأقسامها، وعما اشتمل عليه القرآن من علوم، فالقاضي أبو بكر بن العربي في كتابه قانون التأويل (١) اعتبر أن علوم القرآن على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، وقال بعض السلف: لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع، وأم علوم القرآن ثلاثة أقسام: توحيد وتذكير وأحكام، فالتوحيد تدخل فيه معرفة الخالق بأسمائه وصفاته، ومعرفة المخلوقات، والتذكير: معرفة الوعد والوعيد والجنة والنار. والأحكام: هي معرفة التكاليف والمنافع والمضار والأمر والنهي والندب.
وقال ابن جرير الطبري: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء: التوحيد، والأخبار، والديانات، وقال غيره: علوم ألفاظ القرآن أربعة: الإعراب والنظم والتعريف والاعتبار، وبه يكون الاستنباط والاستدلال (٢).
стр. 49
أنواع علوم القرآن عند الزركشي:
ذكر الزركشي سبعة وأربعين نوعا، وقال: إن كل نوع من هذه الأنواع لو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ولم يحكم أمره، وإنه اقتصر من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله.
وهذه الأنواع هي:
١ - معرفة سبب النزول.
٢ - معرفة المناسبات بين الآيات.
٣ - معرفة الفواصل.
٤ - معرفة الوجوه والنظائر.
٥ - علم المتشابه.
٦ - علم المبهمات.
٧ - في أسرار الفواتح.
٨ - في خواتم السور.
٩ - في معرفة المكي والمدني.
١٠ - معرفة أول ما نزل.
١١ - معرفة على كم لغة نزل.
١٢ - في كيفية إنزاله.
١٣ - في بيان جمعه.
١٤ - في معرفة تقسيمه.
١٥ - في معرفة أسمائه.
١٦ - في معرفة ما وقع فيه غير لغة الحجاز.
١٧ - معرفة ما فيه من لغة العرب.
١٨ - معرفة غريبه.
١٩ - معرفة التصريف.
٢٠ - معرفة الأحكام.
стр. 50
٢١ - معرفة اللفظ والتركيب.
٢٢ - معرفة اختلاف الألفاظ.
٢٣ - معرفة توجيه القراءات.
٢٤ - معرفة الوقف والابتداء.
٢٥ - علم مرسوم الخط.
٢٦ - معرفة فضائل القرآن.
٢٧ - معرفة خواصه.
٢٨ - هل في القرآن شيء أفضل من شيء.
٢٩ - في آداب التلاوة.
٣٠ - في جواز استعمال آيات القرآن في الرسائل والخطب.
٣١ - معرفة الأمثال الكائنة فيه.
٣٢ - في معرفة أحكامه.
٣٣ - في معرفة جدله.
٣٤ - في معرفة ناسخه ومنسوخه.
٣٥ - في معرفة توهم المختلف.
٣٦ - في معرفة المحكم من المتشابه.
٣٧ - في حكم الآيات المتشابهات.
٣٨ - معرفة الإعجاز.
٣٩ - معرفة وجوب التواتر.
٤٠ - في معرفة معاضدة السنة للكتاب.
٤١ - في معرفة تفسيره.
٤٢ - في معرفة وجوه المخاطبات.
٤٣ - بيان الحقيقة والمجاز.
٤٤ - في الكناية والتعريض.
٤٥ - في أقسام معنى الكلام.
стр. 51
٤٦ - في ذكر ما تيسر من أساليب القرآن.
٤٧ - في معرفة الأدوات.
ترجمة الزركشي مؤلف البرهان:
هو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ بالقاهرة، أخذ العلم عن شيوخ عصره، عن الشيخ جمال الأسنوي والشيخ سراج الدين البلقيني، والحافظ ابن كثير، واستطاع أن يحظى بمكانة كبيرة في عصره، واشتهر أمره، وبانت أهليته وكفاءته، وتفرغ للتدريس والتأليف، وكان ملازما لسوق الكتب، يسجل ويصنف، واشتهر بالزهد والورع والانصراف عن الدنيا، والرضى بالقليل من المال.
وكان شافعي المذهب، وله أكثر من ثلاثين كتابا، في الأصول والقواعد والفروع والأحكام والعقيدة والأدب، وله كتب في التفسير والحديث، وقام بتخريج أحاديث بعض الكتب، منها تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي، والتنقيح لألفاظ الجامع الصحيح، وكان كثير الاهتمام بعلم الأصول والفقه، وقام بتكملة شرح المنهاج للإمام النووي وشرح جمع الجوامع.
ويعتبر كتابه: «البرهان في علوم القرآن» من أهم كتبه، وأكثرها شهرة ومكانة، ويتألف من أربعة أجزاء، وقام الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم بتحقيقه (١).
منهج الزركشي في البرهان:
يتميز الزركشي بأسلوبه الرصين، وعبارته الواضحة والأمانة في النقل، وحسن الاختيار للعبارات المنقولة، والدقة في الاستشهاد، وغالبا ما يذكر في كل علم ما صنف من مؤلفات، ثم يعرف بهذا العلم، بعبارات موجزة واضحة معبرة.
ويمكننا استنتاج معالم منهجه في التأليف من خلال تتبعنا لفصل من فصول كتابه، وهو علم المبهمات الذي يعتبر النوع السادس، وابتدأ هذا العلم بذكر من
стр. 52
صنّف فيه، وهو أبو القاسم السهيلي في كتابه المسمى بالتعريف والإعلام، وتلاه تلميذه ابن عساكر في كتابه المسمى بالتكميل والإتمام (١). ثم ذكر أسباب الإبهام (٢):
الأول: أن يكون أبهم في موضع استغناء ببيانه في آخر في سياق الآية، كقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بيّنه في قوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ.
الثاني: أن يتعين لاشتهاره: كقوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ولم يقل حواء لأنه ليس غيرها.
الثالث: قصد الستر عليه، ليكون أبلغ في استعطافه كقوله تعالى في سورة البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
الرابع: ألا يكون في تعيينه كثير فائدة، كقوله تعالى في سورة البقرة: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ والمراد بها بيت المقدس.
الخامس: التنبيه على التعميم كقوله تعالى في سورة النساء: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
السادس: تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم: كقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ. والمراد الصديق.
السابع: التحقير بالوصف الناقص، كقوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ والمراد به الوليد بن عقبة، وكقوله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ والمراد فيها العاصي ابن وائل.
ثم أعقب ذلك ببعض التنبيهات والتوضيحات (٣)، معتمدا في ذلك على أدلة من القرآن الكريم، وفي مواطن كثيرة يستشهد بأقوال العلماء الذين كتبوا في الموضوع وصنفوا فيه، وينقل أقوالهم وكلامهم، وأحيانا يناقش تلك الأقوال مؤيدا لها أو معارضا أو مرجحا.
стр. 53
ويدل منهجه على ما يلي:
أولا: تمكنه من مادته العلمية وسعة اطلاعه.
ثانيا: حسن استيعابه لما يكتب فيه، فلا يستطرد ولا يطيل.
ثالثا: النقل الأمين، وينسب كل قول لقائله، وينقل عبارة العلماء مروية عنهم.
رابعا: روعة أسلوبه، وسلامة عبارته.
وهذه الخصائص جعلت الزركشي حجة فيما يكتب، وجعلت كتاب البرهان من أبرز الكتب في علوم القرآن، ولا يستغني عنه باحث أو دارس، وقد تأثر به جلال الدين السيوطي في كتابه «الإتقان»، ونقل عنه الكثير من العبارات والنقول، ونستطيع أن نقول إن كتاب الإتقان هو مختصر لما في كتاب البرهان، وهو شديد الشبه به في أسلوبه ومنهجه».
الإتقان في علوم القرآن:
يعتبر كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للحافظ جلال الدين السيوطي من المراجع المعتمدة والهامة، ولا يمكن الاستغناء عنه لكل من يريد البحث في علوم القرآن، فهو كتاب جمع فيه السيوطي علوم القرآن، ونقل أقوال العلماء في كل علم من العلوم، وأشار إلى الكتب المصنفة في كل علم، واختار من كتب السابقين ما يتعلق بالموضوع من آراء وأقوال، وقد قام بتحقيق هذا الكتاب الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم الذي قام بتحقيق كتاب البرهان للزركشي.
وقال المحقق في مقدمة كتاب الإتقان في معرض كلامه عن الحافظ السيوطي (١): وكتابه الإتقان في علوم القرآن هو الحلقة الذهبية في سلسلة كتب الدراسات القرآنية، أحسنها تصنيفا وتأليفا، وأكثرها استيعابا وشمولا، جمع فيه من أشتات الفوائد، ومنثور المسائل ما لم يجتمع في كتاب، ولم تكن هذه
стр. 54
الدراسات قد اتخذت وضعا مستقلا في العصور الإسلامية الأولى، وإنما وردت متفرقة في روايات المحدثين وأقوال العلماء، ومقدمات كتب المفسرين، كالطبري والزمخشري والحوفي وابن عطية والقرطبي، وجاء قدر منها في كتب البلاغة والنقد، كدلائل الإعجاز وأسرار البلاغة والصناعتين ونقد النثر ومفتاح العلوم، ومثلها في كتب الجدل والمناظرات، كالانتصار للباقلاني والمغني للقاضي عبد الجبار، ومثلها أيضا في كتب القراءات والرسم والأحكام، وأول كتاب صنف مستقلا في هذا الفن، كتاب البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، أحد فقهاء الشافعية في القرن الثامن، جمع فيه عصارة أقوال المتقدمين، وصفوة آراء العلماء المحققين، وجعله في سبعة وأربعين بابا».
وظهرت كتب بعد كتاب البرهان، تحدثت عن بعض المسائل المتعلقة بأسباب النزول وطرق الأداء والتفسير والتأويل، وقال عنها السيوطي: «إن ما ورد فيها لم يشف غليلا، ولم يهد إلى المقصود سبيلا، وعندئذ تصدى السيوطي للكتابة في علوم القرآن، وكتب كتابا سماه «التحبير في علوم التفسير» جمع فيه أكثر من مائة باب استوفى
فيه كل ما يتعلق بهذا الفن، وجمع في كل باب كل مسائله وفروعه، ثم شرع في تنقيح هذا الكتاب، وتهذيبه وإعادة النظر في ترتيب أبوابه وفصوله، بشكل يحقق الغاية المقصودة، وكان هذا الكتاب هو «الإتقان في علوم القرآن» وجعله مقدمة لكتابه في التفسير «مجمع البحرين ومطلع البدرين»، وجعل أبوابه ثمانين بابا اشتملت على كل ما يتعلق بعلوم القرآن» (١).
منهجه في التصنيف:
وصف المحقق في مقدمة الكتاب منهج السيوطي في التصنيف بقوله:
«وطريقته في التصنيف أن يذكر عنوان الموضوع، ويذكر أشهر من ألف فيه، ثم يشفعه بفائدة معرفته، وأهميته في تفهم القرآن وتفسير معانيه، ثم يذكر
стр. 55
مسائله، وما عساه أن يكون لها من فروع وذيول، مستشهدا في كل ذلك بالقرآن أو الحديث أو أقوال العلماء، وينقل نصوصا من الكتب التي ألفت فيه، فصولا كاملة أو مختصرا منها، وكثيرا ما يذيل هذه الأبواب برأيه بعد أن يورد كلمة «قلت».
ثم قال المحقق بعد أن ذكر نماذج من كتاب الإتقان:
«ومن خير ما امتاز به كتاب الإتقان أنه أورد فيه كثيرا من نصوص الكتب التي لم تقع لنا، من كتب الجعبري والباقلاني والكيا الهراس والزملكاني وابن الأنباري وغيرهم بعد أن نثرها متفرقة في الفصول والأبواب، ويؤخذ على السيوطي أنه أورد في الكتاب كثيرا من الروايات الضعيفة والأحاديث التي لم تثبت صحتها عند المحدثين، ولكنه أوردها بإسنادها وإن كان في ذكر السند ما يميز الصحيح من الضعيف عند العلماء» (١).
ثم قال بعد ذلك:
«وفي الجملة، فإن كتاب الإتقان بما حواه من مصارف وفنون، وما جمع فيه من أخبار وأقوال يعد بحق من أكرم الذخائر وأنفس الأعلاق» (٢).
السيوطي يعرف كتابه الإتقان:
ولد جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي سنة ثمانمائة وتسع وأربعين هـ، ونشأ يتيما، وأخذ علمه عن كبار علماء عصره في مصر، من أمثال شيخه محيي الدين الكافيجي، وتنقل في عدد من البلاد الإسلامية، واشتهر بكثرة التأليف والتصنيف، وذكر له بروكلمان أربعمائة وخمسين مؤلفا بين مطبوع ومخطوط، وأوصل ابن إياس مؤلفاته إلى ستمائة مؤلف، ونظرا لكثرة مؤلفاته ولشهرته، فقد اتهمه منافسوه بالسطو على كتب المكتبة المحمودية، وادعاء بعض كتبها لنفسه، بعد إدخال بعض التعديلات عليها، وممن شارك في اتهامه
стр. 56
السخاوي، إلا أن تلك التهم لا يمكن أن تقلل من مكانته العلمية وقدرته على التأليف، وهناك كتب عظيمة لا يمكن أن يشك في نسبتها إليه، وهي كافية للتدليل على موهبته وكفاءته وعلمه، واشتهر بالزهد والتقى والصلاح، وتوفي سنة ٩١١ هـ بالقاهرة (١).
وشرح في مقدمة كتابه الإتقان الأسباب التي دفعته لتأليف هذا الكتاب، وإنه أراد أن يضع كتابا جامعا شاملا سماه «التحبير في علوم التفسير» وذكر أبواب هذا الكتاب في مقدمته، وهي أكثر من مائة باب، ثم خطر له أن يؤلف كتابا مبسوطا ومجموعا مضبوطا يسلك فيه طريق الإحصاء، ويمشي فيه على طريق الاستقصاء، وكان يظن أنه متفرد بذلك غير مسبوق بالخوض في هذه المسالك، وبينما هو يجيل في ذلك فكره، بلغه أن الإمام بدر الدين الزركشي ألف كتابا في ذلك سماه «البرهان» (٢).
وقال في وصف ذلك:
ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سرورا، وحمدت الله كثيرا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته، وشددت الحزم في إنشاء التصنيف الذي قصدته، فوضعت هذا الكتاب العلي الشأن، الجلي البرهان، الكثير الفوائد والإتقان، ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع في بعض، وفصلت ما حقه أن يبان، وزدته على ما فيه من الفوائد والفرائد، والقواعد والشوارد، ما يشغف الآذان، وسميته بالإتقان في علوم القرآن، وسترى في كل نوع منه إن شاء الله تعالى ما يصلح أن يكون بالتصنيف مفردا، وستروى من مناهله العذبة ريا ولا ظمأ بعده أبدا، وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه، وسميته بمجمع البحرين ومطلع البدرين «الجامع لتحرير الرواية وتقرير الدراية» (٣).
стр. 57
مقارنة بين البرهان والإتقان:
من اليسير علينا أن نكتشف أوجه التشابه بين كل من البرهان للزركشي والإتقان للسيوطي، وهو تشابه يؤكد أن السيوطي قد اعتمد كل الاعتماد على كتاب البرهان، ونقل الكثير مما ورد فيه من أقوال العلماء، وأحيانا تكون العبارة واحدة في كل من الكتابين، ويتميز البرهان بدقة العبارة، وتكامل الموضوع، وأصالة المنهج، وعمق الدراسة في الوقت الذي يتميز فيه الإتقان بالجمع والإيجاز.
قال الزركشي في البرهان في معرض حديثه عن معرفة أسباب النزول الذي بدأ به أبواب كتابه وأنواع علوم القرآن.
«وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم، وأفردوا فيه تصانيف، منهم علي بن المديني شيخ البخاري، ومن أشهرها تصنيف الواحدي في ذلك، وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته، لجريانه مجرى التاريخ، وليس كذلك، بل له فوائد:
- منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
- ومنها تخصيص الحكم به عن من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
- ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيص.
- ومنها الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال.
- ومنها الوقوف على المعنى.
- ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص.
- ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر» (١).
وقال السيوطي في معرض كلامه عن معرفة سبب النزول:
«أفرده بالتصنيف جماعة أقدمهم علي بن المديني شيخ البخاري، ومن أشهرها كتاب الواحدي على ما فيه من إعواز، وقد اختصره الجعبري فحذف
стр. 58
أسانيده ولم يزد عليه شيئا، وألف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر كتابا مات عنه مسودة، فلم نقف عليه كاملا، وقد ألفت فيه كتابا حافلا موجزا محررا، لم يؤلف مثله في هذا النوع، سميته «لباب النقول في أسباب النزول» (١).
قال الجعبري: نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، وفي هذا النوع مسائل:
المسألة الأولى: زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ، وأخطأ في ذلك، بل له فوائد:
- منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
- ومنها: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
- ومنها: أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه.
- ومنها: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال.
- ومنها: دفع توهم الحصر.
وهناك اختلافات في بعض المسائل، وزيادات، وتقديم وتأخير، وروايات قد نجدها في الأول ولا نجدها في الثاني، وقد ينفرد بها السيوطي، نظرا لأنه المتأخر، واعتمد على مصنفات ومؤلفات لم يطلع عليها الزركشي.
ولا خلاف أن الباحث في علوم القرآن لا يمكنه أن يستغني عن كل من البرهان والإتقان، ومعظم ما كتبه المتأخرون لا يخرج عما ورد فيهما، ولكل منهما خصائصه ومزاياه، ومن اليسير أن نجد كتبا ومصنفات في كل علم من علوم القرآن، كأسباب النزول، والقراءات وغريب القرآن، وإعراب القرآن، وأمثال القرآن، وفضائل القرآن، اشتملت على مباحث ومسائل وفروع لا نجدها في الكتب المؤلفة في علوم القرآن، إلا أن من الصعب أن نجد مصنفات في علوم القرآن ترقى إلى مستوى هذين الكتابين، وما كتبه المتأخرون في علوم القرآن لا يخرج عما كتبه الزركشي والسيوطي.
стр. 59
وتتميز كتب المتأخرين بالاختصار والإيجاز، وعدم الإكثار من الأقوال المنقولة عن العلماء، واستيعاب ما قيل في الموضوع، وهذا منهج من الصعب تجاهل أهميته، وإنكار فوائده، فكثرة النقول، وبخاصة ما يبرز فيها التكرار، لا يضيف شيئا، وربما ينصرف الذهن عن المتابعة، ويعجز عن جمع شتات الأقوال الكثيرة.
وهذا لا ينفي أهمية ذكر هذه الآراء في مجال البحوث المتخصصة، حيث تتكامل الآراء وتتقارب، مكونة مدارس للتفكير ومناهج متميزة تساعد على معرفة تطور
الدراسات القرآنية.
ويجدر هنا أن نفرق بين المؤلفات المدرسية التي يراد بها تيسير الدراسات المتعلقة بعلوم القرآن، والإلمام بكل ما يتعلق بكتاب الله، من حيث مواطن نزوله وجمعه وكيفية قراءته ورسمه وقواعد وقفه وفواتح سوره وخواتمها وفواصله وآياته، أو من حيث إعجازه وأسلوبه وفصاحته وبلاغته، وما جاء منه محكما أو متشابها، والمؤلفات العلمية التي تحرص على دراسة جوانب دقيقة من تاريخ القرآن أو علومه، وما يصح في المؤلفات التي أعدت للتدريس لا يصح في مجال البحث العلمي، ولا يقبل، ولا يعتبر كافيا.
ولا نستطيع أن ننكر أهمية الدراسات والبحوث التي أعدت في العصر الحديث، في مجال الدراسات القرآنية، وهي تؤكد أن عصرنا هذا هو بداية عصر جديد في مجال الدراسات الإسلامية، وبالرغم من قلة البحوث الأصيلة، فإن كل المؤشرات تؤكد على أن هذا الجيل مؤهل لتحمل المسئولية، عازم على متابعة طريق البحث للوصول للمعرفة.
ومعظم الدراسات المتعلقة بتاريخ القرآن يراد بها تعليم الأجيال اللاحقة تاريخ قرآنهم، وإعلامهم بعظمة الجهود التي بذلها علماء السلف في خدمة القرآن، لتوثيق نصوصه وضبط قراءاته، ولا مجال للاجتهاد في هذا الأمر، فتاريخ القرآن لا بد فيه من صحة الروايات، ولا يتصور أن يقع الاجتهاد في أمر يتعلق بجمع القرآن أو بسبب نزوله، وغاية ما يمكن أن يفيده البحث هو ترجيح رواية على أخرى، والترجيح لا بد فيه من دليل.
стр. 60
الفصل الرابع: التفسير والتأويل
قال ابن فارس: معاني العبارات التي يعبر بها عن الأشياء ترجع إلى ثلاثة: المعنى والتفسير والتأويل، وهي إن اختلفت فالمقاصد بها متقاربة (١).
ويراد بالمعنى القصد والمراد، يقال عنيت بهذا الكلام كذا أي قصدت، وهو مشتق من الإظهار ويقال عنت القربة إذا أظهرت الماء ولم تحفظه، ومنه عنوان الكتاب، وتطلق لفظة علماء المعاني على من صنف في معاني القرآن كالزجاج والفراء وابن الأنباري، وأهل المعاني هم العلماء الذين اختصوا بهذا العلم (٢).
المراد بالتفسير:
ويراد بالتفسير الإيضاح والتبيين، ويفيد معنى الإظهار والكشف، وأصله في اللغة من الفسر وهو الإبانة، وفسّر الشيء يفسره بالكسر والضم أي أبانه، والفسر كشف المغطى، ويراد به كشف المغلق من المراد باللفظ وإطلاق للمحتبس عن الفهم به، ويقال فسرت الشيء أفسره تفسيرا، وفسرته أفسره فسرا، وقال بعضهم: فسر مقلوب من سفر ومعناه الكشف، يقال: سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجهها وهي سافرة، وأسفر الصبح أضاء.
وقال الراغب: الفسر والفسر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، وجعل الفسر لإظهار المعنى المعقول، وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار، يقال: سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح (٣).
وذهب أبو حيان إلى أن التفسير يراد به التعرية، يقال: فسرت الفرس إذا عريته لينطلق، وهو يعبر عن معنى الكشف، ومعظم ما جاءت به لفظة التفسير في اللغة معبرة عن معنى الكشف والبيان.
стр. 61
واستعمل القرآن كلمة التفسير مرة واحدة في سورة الفرقان في قوله تعالى:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٣٣]. أي: بيانا، وقال ابن عباس في قوله تعالى: وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي: تفصيلا.
وأطلقت كلمة «التفسير» على العلم الذي يتحدث عن معاني القرآن، من حيث نزول الآية ومناسبتها، والإشارات النازلة فيها ومعانيها المحتملة، والدلالات اللفظية، من حيث العموم والخصوص والمطلق والمقيد والمجمل والمفسر، كما يبحث علم التفسير عن كل ما يتعلق بالقرآن من معاني مستفادة من الألفاظ، من حيث الأحكام والتوجيهات والعبر والقصص والمواعظ.
ويمكننا أن نعرف علم التفسير بأنه العلم الذي يبحث عن كل المعاني القرآنية المحتملة التي تدل عليها الألفاظ، سواء ما يتعلق منها باستنباط الأحكام الشرعية، أو ما تعلق بها بمعرفة المعاني الواردة في القرآن، ويستعين المفسر بأدوات التفسير التي تمكنه من معرفة المراد بالقدر الممكن.
واختلف العلماء في تعريف التفسير، ولا حدود لاجتهادات العلماء في تعريف هذا العلم، فكل عالم يعرف علم التفسير بما يراه الأقرب والأدق، في معرفة المعاني القرآنية، وينظر من زاوية تختلف عن الزاوية الأخرى، فالبعض عرف التفسير بأنه العلم الذي يبحث عن أحوال القرآن من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، والبعض الآخر اعتبره علم نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها، ومحكمها، ومتشابهها، وناسخها، ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها (١).
ولعل المعنى الأيسر للتفسير والأوضح هو العلم الذي يبحث عن معاني القرآن ودلالاته بحسب ما تفيده الدلالة اللفظية، ويستعين لذلك بما ييسر له الأمر.
стр. 62
وهنا يقع التساؤل:
- هل من واجب المفسر أن يبحث عن مراد الله، أم يجب عليه أن يبحث عن الدلالة المستفادة من اللفظ؟
قد يقول قائل: ليس هناك تعارض بين القصدين، فالمفسر يبحث عن مراد الله من خلال الدلالة اللفظية، إذ لا يمكنه أن يكشف مراد الله إلا عن طريق الدلالة اللفظية، ولو تجاوز تلك الدلالة لوقع في خطأ جسيم، وانحرف عن خط الاستقامة، وتحكم في مراد الله بحسب هواه.
وأحيانا قد تقوده الدلالة اللفظية إلى معاني لا يمكن أن تكون من مراد الله، لوجود أدلة وقرائن ومرجحات تؤكد بطلان هذا الاستنتاج، وبخاصة إذا اصطدم هذا التفسير بمقاصد ثابتة للشريعة مستفادة من أدلة قاطعة.
وهنا يبرز دور المفسر، في توجيه الدلالة اللفظية لكي تنسجم مع التوجيهات القرآنية العامة، فلا يمكن أن يقع التناقض بين آية وأخرى، ولا يمكن أن يقع التصادم بين حكم وآخر، كما لا يمكن أن يقع التنافر بين توجيه وآخر، فالقرآن متكامل في توجيهاته، يؤكد بعضه البعض الآخر، وإذا ظهر التنافر والتباين بين آية وأخرى، فهذا التنافر دال على قصور في التفسير، ووقوف عند حدود الألفاظ، والألفاظ متعددة المعاني، والمعنى الأدق والأصح في تفسير الآية هو المعنى الذي يحقق ذلك التلاؤم والتكامل بين الآيات القرآنية.
وتبرز عظمة المفسر وموهبته في مثل هذه المواقف الصعبة، حيث يقف عمالقة المفسرين بشجاعة يتخطون حواجز الألفاظ الضيقة باحثين عن المعنى الأدق والأصح الذي يؤكد الانسجام والتوافق في التوجيه القرآني، وهم في سعيهم هذا يعتمدون على أدوات التفسير اللغوية والعقلية والنظرية لكي يوجهوا النص القرآني نحو غايته المرجوة التي يدل عليها النسق القرآني العام، وتؤكدها مقاصد واضحة للشريعة الإسلامية.
وليست مهمة المفسر قاصرة على شرح المفردات وبيان دلالاتها. فهذا عمل
стр. 63
يسير لا يحقق غاية مرجوة، ولا يتطلب موهبة كبيرة، وتمتد مهمة المفسر لكي يطرح الآفاق المحتملة المستفادة من الآية، بحيث يكون ما استنبطه المفسر وما وصل إليه بعد جهد منسجما مع الهدي القرآني العام، مراعيا غاية القرآن في استقامة أمر البشر، مصححا مسيرة الإنسان في رحلته في الحياة، مدافعا عن حق الإنسان في حياة كريمة.
والمفسر ليس هو الشارح للمفردات اللغوية، فتلك مقدمات ضرورية على طريق التفسير، وليس هو الباحث عن مكي الآيات ومدنيها، وناسخها ومنسوخها، وأسباب نزولها، فذلك شرط ضروري يجب أن يعرفها المفسر قبل أن يتصدى للتفسير، وبعد ذلك تبتدئ مهمة المفسر الشاقة في استكشاف الإرادة القرآنية، وفي استلهام الحكم المرادة المستهدفة، وفي إقرار التوجهات السلوكية في مجال الأمر والنهي، التي تنسجم مع التوجيهات القرآنية العامة المستفادة من القرآن كله، بحيث لا يقع أي تصدع في صرح المنهج الرباني المتكامل، سواء في نظرة القرآن للكون والإنسان، أو في مطاردة كل الأسباب التي تعارض المبادئ التي أقرها الإسلام لاستقامة الحياة البشرية.
المفسر إذا كان ضيق الأفق لا يمكنه أن يستوعب الآفاق الممكنة للتوجيه القرآني، وهو في تفسيره الضيق يضيّق الخناق على النص، فيسيء من حيث لا يدري، ويضيق ما اتسع من آفاق، ويحرم ويحلل وفق معايير يظنها موضوعية وعلمية، وهي في الحقيقة معايير تغلب عليها الرؤية الذاتية، ولا بد في التفسير من النظر إلى شخصية المفسر، فالشخصية عامل هام في التفسير، تحسن وتسيء وتصيب وتخطئ، وتوسع وتضيق، لأن التفسير رؤية ذاتية للنص المفسر، تتأثر بشخصية المفسر، لأنه أداة الرؤية، ويستمد تلك الرؤية من تجربته الذاتية، ولهذا تتفاضل قدرات المفسرين وتتباين في مدى عمقها ودقتها، فمنهم الغني بفكره وآفاقه، ومنهم الضيق الذي لا يضيف شيئا.
الفرق بين التفسير والتأويل:
خصص الزركشي في البرهان فصلا مستقلا لبيان الفرق بين التفسير والتأويل،
стр. 64
ورد على من قال بأن التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال، وقال:
والصحيح تغايرهما (١)، ونقل عن الراغب قوله: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ، وأكثر استعمال التأويل في المعاني، وأكثر ما يستعمل التأويل في الكتب الإلهية، وأكثر ما يستعمل التفسير في معاني مفردات الألفاظ.
ولفظة التأويل مأخوذة في اللغة من الأول، يقال آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، وأصله من المآل وهو العاقبة والمصير، يقال: أوّلته فآل أي: صرفته فانصرف، وكأن التأويل يعني صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني (٢).
وجاءت لفظة التأويل في القرآن في قوله تعالى: ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: ٨٢]، وقوله: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: ٥٣]، وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]، وقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩].
واستعملت لفظة التأويل في مواطن كثيرة في القرآن الكريم في معرض تأويل الأحلام وتأويل الأحاديث، وكأن هذه الاستعمالات للفظة التأويل تفيد أن التأويل أمر
يختص بتفسير الأشياء الغيبية مما لا يتعلق بالألفاظ والمفردات اللغوية، فالتأويل هو تفسير إشارات واستلهام معاني من مفردات وحوادث ووقائع مما لا يخضع للمعايير التفسيرية المحكمة التي لا يملك المفسر فيها حق الخروج عن مقتضى الدلالات اللغوية.
ويمكننا أن نلاحظ أن الفرق بين التفسير والتأويل كما هو واضح في الاستعمالات اللغوية كبير، وقد استعملت لفظة التأويل حيث لا يجوز أن تستعمل لفظة التفسير، فالتفسير توضيح وبيان لمعاني مفردات، ويخضع المفسر لضوابط لغوية، بحيث لا يملك المفسر أن يخرج عن إطار الدلالة اللغوية، بخلاف
стр. 65
التأويل فهو تفسير خفي للإشارات والمواقف، ويغلب عليه جانب الإلهام المعتمد على قوى عقلية خارقة أو على قوة روحية متميزة.
والتفسير هو بيان للمفردات وتوضيح لمعانيها، بحسب الدلالة اللغوية، والتأويل أعم وأشمل، ووسائله ليست هي اللغة، وإنما هي قوة الملاحظة ودقة الإشارة واستلهام المعاني الخفية غير المدركة بالحواس، ولهذا يكون التأويل مظنة للانحراف إذا وجه المؤول العبارة نحو معاني مخالفة لما تدل عليه الألفاظ، معتمدا في ذلك على إشارات خفية.
وبالرغم من كل محاولات إبراز أوجه التباين والاختلاف بين التفسير والتأويل، فإن من الصعب وضع ضوابط دقيقة، لكل من التفسير والتأويل، بل إن بعض العلماء ذهب إلى أنه لا فرق بين التفسير والتأويل، وإنهما يأتيان بمعنى واحد.
آراء العلماء في التفسير والتأويل:
نقل السيوطي في الإتقان (١) والزركشي في البرهان (٢) آراء العلماء في معنى كل من التفسير والتأويل:
- قال أبو عبيد وطائفة من العلماء: التفسير والتأويل بمعنى واحد، وردّ الزركشي هذا الرأي وقال: والصحيح تغايرهما، وحجة من قال بفكرة التماثل والترادف أن كلا من التفسير والتأويل يفيد معنى البيان والتوضيح، ويبدو أن علماء التفسير يرجحون هذا القول، وهذا الرأي يقلل من أهمية الفروق الواضحة في استعمال كل من اللفظتين، وقد استعمل القرآن كلمة التأويل في مواطن محددة حيث يبرز عجز الإنسان عن الإحاطة بإرادة الله، مما لا تستطيع القدرة البشرية أن تفسره أو أن تستكشف معانيه المرادة، وغالبا ما يكون في الأمور الغيبية.
стр. 66
- قال الراغب الأصفهاني: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها (١).
- قال الماتريدي: التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأي، وهو المنهي عنه، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله (٢).
- قال أبو طالب التغلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا، كتفسير الصراط بالطريق والصيب بالمطر، والتأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تفسيره أنه من الرصد، يقال: رصدته راقبته، والمرصاد: فعال منه، وتأويله: التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه، وقاطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة (٣).
- قال الأصبهاني في تفسيره: اعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن، وبيان المراد، أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره وبحسب المعنى الظاهر وغيره، والتأويل أكثره في الجمل، والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو البحيرة والسائبة والوصيلة أو في وجيز يتبين بشرح، نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها كقوله: «إنما النسيء زيادة في الكفر»، وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما ومرة خاصا، نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في
стр. 67
جحود الباري خاصة، وما في لفظ مشترك بين معاني مختلفة، نحو لفظ «وجد» المستعمل في الجدّة والوجد والوجود (١).
- قال البغوي والكواشي: التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط ونقل هذا القول عن ابن القاسم بن حبيب النيسابوري (٢).
- قال أبو نصر القشيري: ويعتبر في التفسير الاتباع والسماع، وإنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل، وما لا يحتمل إلا معنى واحدا حمل عليه، وما احتمل معنيين أو أكثر، فإن وضع لأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الإطلاق، وإن وضع لمعان مختلفة فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر إلا أن يقوم الدليل (٣).
قال أبو حيان: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك» (٤).
ويمكننا أن نستنتج من مجمل هذا التعاريف خصائص كل من التفسير والتأويل كما يلي:
أولا: خصائص التفسير:
١ - أكثر استعمال التفسير في الألفاظ والمفردات.
٢ - مهمة التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا.
٣ - غاية التفسير كشف معاني القرآن وبيان المراد منه.
٤ - يعتبر في التفسير الاتباع والسماع.
٥ - التفسير يتعلق بالرواية.
стр. 68
وهذه الخصائص تجعل مهمة المفسر محددة ومنضبطة، فلا يملك أن يخرج عن حدود مهمته، سواء من حيث ارتباطه بالاتباع والسماع أو من حيث وقوفه عند حدود بيان معاني الألفاظ والمفردات، وظاهر هذا التقييد يفيد أن المهمة البيانية للمفسر لا تؤهله لدور الاستنباط الذي يتطلب جهدا يتجاوز حدود البيان، والاستنباط هو غاية المفسر، وبخاصة فيما يتعلق بآيات الأحكام.
ثانيا: خصائص التأويل:
١ - موطن التأويل في المعاني والجمل.
٢ - غاية التأويل تفسير باطن اللفظ وإخبار عن حقيقة المراد.
٣ - التأويل يعتمد على الترجيح ولا مجال للقطع فيه.
٤ - التأويل يتعلق بالدراية.
وهذه الخصائص تجعل التأويل مرحلة متقدمة في التفسير ولا يستغنى عنه، لأنه يتعلق بالمعاني والجمل، ولأنه يكشف عن حقيقة المراد، وهذا الاختلاف في تعريف كل من التفسير والتأويل يؤكد غموض المعنى المراد بالتأويل، والحرص على أن يظل كل من التفسير والتأويل ملازما للآخر ومتتمما دوره في بيان المعاني الغامضة وكشف النقاب عن المراد.
وبالرغم من وضوح الخصائص لكل من التفسير والتأويل، فإن التداخل بين اللفظين واضح، ومن الصعب وضع معيار دقيق يحدد مواطن التفسير والتأويل، وما يعتبر من التفسير وما يعتبر من التأويل.
ولعل هذا هو السبب الذي دفع طائفة من العلماء إلى القول بأن كلا من التفسير والتأويل يدلان على معنى واحد.
ومع هذا، فإن السليقة العربية التي تعتبر حجة في دلالات الألفاظ والاستعمالات اللغوية لتلك الألفاظ، ومواطن وكيفيات استعمال القرآن للفظة التأويل تجعلنا نقف أمام لفظة التأويل مستوحين منها معاني ودلالات ليست هي نفس الدلالات المستوحاة من لفظة التفسير، فالمعنى البياني واضح في لفظة
стр. 69
التفسير، وليس الأمر كذلك فيما تدل عليه كلمة التأويل، فالتأويل أدق وأعمق، ويحتاج لموهبة خاصة وقدرة متميزة، وإذا كان العقل هو أداة المفسر واللغة هي وسيلته، فإن القلب هو أداة التأويل وهو أداة الفهم، وهو موطن النقاء والصفاء في الإنسان، وليس المراد بالقلب ذلك الجزء النابض بالحياة، وإنما المراد به الخصوصية الإنسانية التي أناط بها الله تعالى مهمة الفقه والفهم، فإذا ختم الله على قلب الإنسان أصبح عاجزا عن الفهم، وعن إدراك المراد، والقلب المعمر بالتقوى والصلاح، يملك من أدوات
الفهم وإمكاناته ما لا يملكه القلب الغافل المثقل بالأوساخ والحجب والستائر التي تحجب القلب عن إدراك الحقائق، فيدرك منها ما لا ينفعه ولا يضره، وقد يقوده عقله المحجوب بالغفلة إلى ضلال في الفهم وسقم في التأويل، فلا يحسن الفهم، ولا تستقيم رؤيته.
وليست هناك في موطن التفسير والتأويل ألفاظ ومعاني ينفصل بعضها عن البعض الآخر، بحيث يختص التفسير بألفاظها والتأويل بمعانيها، وإنما هناك أدوات للفهم، ووسائل للتعبير وهي ضرورية للفهم، فإذا استوعب المفسر كل أدوات التفسير الضرورية كمعرفة معاني المفردات وكل ما يحيط بالنص المراد تفسيره من بيان وتوضيح أدرك بخصوصيته الإنسانية النقية الصافية «حقيقة المراد» واستقرت في نفسه بطريقة تلقائية غير متكلفة وبانت له واضحة متيقنة وكأنه يراها بحواسه.
واستعمل القرآن الكريم لفظة «القلب» كثيرا، والقلب في القرآن ليس هو القلب الصنوبري النابض، وإنما هو الخصوصية الإنسانية. فالقلب هو موطن الإنابة وموطن الذكرى وموطن الإثم وموطن الاطمئنان وموطن الهداية وموطن الغفلة وموطن المرض وموطن الختم وموطن الرعب وموطن الفقه، وموطن الزيغ وموطن الاشمئزاز وموطن الرحمة وموطن القسوة وموطن التآلف وموطن الطهر (١)، وكرر القرآن استعمال لفظة المرض في معرض وصفه للقلوب الغافلة القاسية، وعند ما يطبع الله على قلوب بعض الناس فإنهم لا يفقهون.
стр. 70
ولهذا فالتفسير يتطلب من المفسر نقاء في القلب لكي يدرك حقيقة المراد من معاني الألفاظ، فالألفاظ أدوات للتعبير والإنسان هو المخاطب، ولكي يدرك الإنسان فحوى الخطاب، فلا بد من أن تكون أداة الفهم نقية صافية لم تشوهها توجهات سابقة وتنحرف بها، ولم تحجبها حجب عن إدراك المعاني المقصودة.
وتظل كلمة التأويل خاضعة للتفسير والبيان، لتحديد ما المراد بالتأويل، فبعض العلماء ذهب إلى أن التفسير مختص بالرواية والتأويل مختص بالدراية.
ولا أظن أن هذا الأمر يخضع لهذا المعيار، إذ لا يمكننا اعتبار التفسير قاصرا على الرواية وخاليا من الدراية، فهذا معنى يحمل بعض الانتقاص من مكانة العلماء الذين عرفوا بالتفسير، ولعل المعنى الأقرب في هذا المجال أن التفسير جهد خاضع لمعايير بيانية، ولا بد في التفسير من رواية ودراية، وإذا خلا التفسير من الدراية، فقد خلا من قيمته البيانية والتوضيحية، وإذا كانت الرواية كافية في مجال التفسير بالمأثور، فإن التفسير بالرأي لا بد فيه من دراية واسعة، ولا يحسن هذا النوع من التفسير إلا من أوتي سعة من علم ومعرفة.
وتختلف معاني التأويل بحسب موقع اللفظة في الجملة، فأحيانا تفيد معنى التفسير، وتكون مرادفة لها، وأحيانا تفيد معنى مغايرا للتفسير، بحيث يكون التأويل فيما يخرج عن نطاق مهمة التفسير، بسبب غموض المعاني وعدم وضوحها، وبخاصة فيما يتعلق بالقضايا التي لا تخضع للمقاييس العقلية، ولا تقدم الألفاظ في معانيها اللغوية ما يفيد في كشف الخفاء عن المراد، ويكون التأويل هنا هو بذل جهد متميز في استكشاف المراد، ويحتاج هذا الجهد إلى كفاءة علمية وقدرة ذاتية، وموهبة متميزة وحكمة مكتسبة.
ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في حكم التأويل واتجاهاته، وبخاصة إذا لم يلتزم المتصدي للتأويل بالضوابط اللغوية والشرعية، وعندئذ يكون التأويل مطية للانحراف والزلل، ولذلك يجب وضع ضوابط دقيقة، لكي يكون التأويل سليم الاتجاه مقبول المعاني، وأهم هذه الضوابط أن يكون منسجما مع قواعد الإسلام ومبادئ العقيدة.
стр. 71
[أهم ضوابط التأويل]
وأهم ضوابط التأويل ما يلي:
أولا: أن يكون المعنى مما يمكن استنباطه من النص، ومما تدل عليه اللغة من دلالات ومعاني، والتأويل الذي لا تفيده اللغة لا يمكن الاعتداد به وقبوله، لأنه لا سند له من اللغة، وكيف يستنبط معنى من لفظ لا يدل عليه ولا يفيده، ومن حقنا أن نطرح على صاحب التأويل سؤالا يبين لنا فيه وجه الاستدلال وكيفية الاستنباط، ولا بد له من دليل حسي على ذلك، ولو وقع التسامح في هذا الشرط لأدى ذلك إلى انحراف مؤكد.
ثانيا: أن يكون المؤول عالما باللغة عارفا قواعدها ملما بمعاني الألفاظ، مستوعبا ما قاله العرب في معانيها ودلالاتها، لأن التأويل سواء اتفق في دلالته مع التفسير أو اختلف معه، لا يمكن أن يكون بمعزل عن المعاني المستفادة من الألفاظ، ولا يمكن للتأويل أن يكون مجرد عبث، ولو سلمنا بوضوح معنى الإلهام في التأويل، فهذا الإلهام يعبر عن قدرة المؤول في توجيه الألفاظ القرآنية نحو معاني خفية ليست مدركة لدى المفسر، ويمكن إدراكها بقوة التأويل ودقة صاحبه، بحيث يلتفت الذهن إلى أهمية المعنى المستنبط من تلك الألفاظ.
ثالثا: استقامة المؤول وسلامة عقيدته، وهذا الضابط غايته ضبط حركة الفكر لكي تكون صحيحة المنطلق صادقة التعبير عن رؤية فكرية، نزيهة في تجسيدها لقدرات الإنسان على استلهام معان دقيقة يعجز عنها المفسر الذي يتوقف غالبا عند حدود المعاني المتبادرة إلى الذهن الواضحة الدلالة.
رابعا: أن يكون الحكم المستنبط عن طريق التأويل واضح الانسجام مع التصور القرآني العام في إقراره لمبادئ الإسلام وعقيدته وأن يكون مؤكدا لقيم إسلامية ثابتة، داعيا إلى ترسيخ معاني العقيدة في النفوس، فإذا كان التأويل مناقضا لعقيدة الإسلام ناسخا لأحكام ثابتة في القرآن، مشوها مبادئ الفطرة الإسلامية مشجعا نمو عقائد منحرفة فهذا تأويل واضح البطلان لأمرين:
الأمر الأول: آثاره الضارة على الفكر الإسلامي، وإثارته للفتنة، ودعوته إلى فساد العقيدة.
стр. 72
الأمر الثاني: عدم استناده إلى دليل من لغة أو سند من قرآن أو حديث، وإذا افتقد التأويل سنده اللغوي والشرعي وثبت ضرره في مجال العقيدة، كان تأويلا فاسدا ووجبت مقاومته والتنبيه على فساده وخطره.
وإذا كنا تكلمنا عن خصائص التأويل، وأنه تفسير خفي وأنه يدخل في علم الدراية، وأن جانب الإلهام واضح فيه، فإن هذه الخصائص لا تنفي عنه صفة التأويل المرتبط بالنص، فإذا انتفت صلة التواصل والانتماء بين النص والتأويل انتفت شرعية ذلك التأويل، وأصبح من نوع العبث الدال على الجهل، ولو وقع إقرار هذا النوع من التأويل لتجرأ الجهلة على القرآن، وفسروا آياته تحت شعار التأويل بما شاءت لهم انحرافاتهم أن يقرروه، واختلط التأويل السليم الصحيح الذي يدل على عمق في الفهم ودقة في الإدراك بالتأويل الفاسد والسقيم الذي يدل على جهل صاحبه.
وهذه الضوابط ضرورية وهامة، ولا يجوز التساهل فيها، وإذا جاز لنا أن نقبل تأويل العلماء وأن نستفيد من آرائهم وتصوراتهم وأن نشجع حرية الرأي ونحترم قدسية الفكر فلا يجوز لنا أن نقبل الفكر السقيم ولا أن نسمح للجهال بأن يعبثوا بمعاني القرآن، إرضاء للعوام واستجابة للجهلة والمنحرفين.
قال أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري:
وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل، ما اهتدوا إليه، لا يحسنون القرآن تلاوة، ولا يعرفون معنى السورة أو الآية، ما عندهم إلا التشنيع عند العوام، والتكثر عند الطغام، لنيل ما عندهم من الحطام، أعفوا أنفسهم من الكد والطلب وقلوبهم من الفكر والتعب، لاجتماع الجهال عليهم وازدحام ذوي الأغفال لديهم، لا يكفون الناس عند السؤال، ولا يأنفون عن مجالسة الجهال، مفتضحون عند السبر والزواق، زائغون عن العلماء عند التلاق (١).
стр. 73
الفصل الخامس: ترجمة القرآن
لا خلاف بين العلماء في أن الإعجاز القرآني يتمثل في أسلوب القرآن، ودقة ألفاظه، وذلك التوافق والانسجام بين اللفظ والمعنى المراد، بحيث يصور اللفظ المعاني أدق تصوير، بحيث تبرز عظمة القرآن في روعة ألفاظه وجمالها، وذلك التناسق العجيب بين اللفظ والمعنى، والتكامل والترابط بين الألفاظ، بحيث تكون اللفظة اللغوية معبرة أدق تعبير عن المعنى المراد، ولو وقع أي إبدال أو تغيير في الألفاظ المترادفة لاختلت المعاني واضطرب الأسلوب.
إن كل لفظة في القرآن تعبر عن الإعجاز وتمثل جانبا من جوانبه وتصور عظمة الأسلوب القرآني، ولا مجال لإبدال كلمة بأخرى أو لفظة بما يماثلها، إذ لكل لفظة موسيقاها الخاصة بها من حيث موقعها من الكلام، ومن حيث دقة تعبيرها عن المعنى المراد.
وإبدال لفظة بأخرى ولو كانت مماثلة للمعنى، تخل بالمعنى العام، وتوجد حالة من التوقف في ذلك النسق القرآني، وكأن الآية ليست هي الآية، وكأن المعنى ليس هو المعنى، فالقرآن وحدة متكاملة، من حيث ألفاظه ومعانيه ورسمه وأداؤه، ولو كتب بغير الرسم القرآني لما أدى نفس المشاعر التي يولدها الرسم القرآني في كيفية تعبيره عن الكلمات القرآنية.
ولا يتصور من الناحية العقلية أو الفعلية أن تقع ترجمة القرآن من اللغة العربية إلى لغة أخرى، فالترجمة جهد بشري، ويقع التفاوت فيه، من حيث اختيار المفردات، ولهذا تتعدد الترجمة وتتباين ألفاظها، ويختلف الحكم عليها من حيث الدقة والضبط. وإذا كان من العسير على المفسر في نطاق اللغة العربية أن يستبدل لفظة قرآنية بما يماثلها أو يفسرها بما يدل عليها، فإن من المستحيل على من يريد ترجمة القرآن أن يجد الكلمة المعبرة عن المعنى القرآني فضلا عن استحالة الحفاظ على روعة الألفاظ القرآنية التي تعتبر من مظاهر الإعجاز القرآني.
стр. 74
وكيف يمكن لمترجم أن يعبر عن الألفاظ المتشابهة الدالة على معان متعددة، وأي المعاني هي الأولى والأقرب ...
وإذا ثبت من الناحية الواقعية استحالة ترجمة القرآن إلى أية لغة أخرى وجب علينا القول بأن أية ترجمة للقرآن لا تعتبر قرآنا، لأن هذه الترجمات لا تخلو أولا من أغلاط في الترجمة، وثانيا لا يمكن توحيدها، لأن تفسير المترجمين للألفاظ القرآنية ليس واحدا، وإذا أمكن توحيد تفسير تلك الألفاظ، فإن من الصعب اختيار الكلمات المعبرة والدالة على تلك المعاني.
وهنا نجد أنفسنا أمام حقائق أساسية:
أولا: ترجمة القرآن غير ممكنة، من الناحية اللغوية، لتعدد المعاني المحتملة للألفاظ، وهذا أمر لا مجال لإنكاره، ومن اليسير أن يدرك حقيقته كل من كابد مهمة الترجمة ووقف أمام الألفاظ حائرا مترددا لا يدري بأي المعاني يأخذ، وأي الألفاظ يختار.
ثانيا: كل ترجمة للقرآن لا يمكن أن تكون قرآنا، وإذا انتفت قرآنية النص المترجم انتفت معه كل خصوصيات النص القرآني المتعبد بتلاوته، ولا خيار لنا في هذه الحالة إلا أن ننظر للقرآن المترجم نظرتنا إلى كتب التفسير المختصرة من حيث هي مصادر للتوضيح والبيان، تيسر المعاني وتقربها إلى القراء، وتساعد على معرفة القرآن.
ثالثا: لو جازت ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، واعتبر النص المترجم قرآنا لتعددت نصوص القرآن وتكاثرت لغاته وتباينت معانيه، وضعف الاهتمام بالنص الأصلي المعجز الذي لا يأتيه الباطل، وفي هذا فتنة لا مجال لحصرها، وإذا أمكن التحكم في مسار القرآن المترجم على المدى القصير، فإن من الصعب التحكم في ذلك على المدى
البعيد، وربما أصبحت النصوص المترجمة نصوصا أصلية تفسر ويترجم منها ويحتج بها، مما يؤدي إلى خطر محقق، وبخاصة إذا وقع التنافس بين الشعوب الإسلامية، واحتجت كل أمة بقرآنها الذي احتضنته
стр. 75
وأمسكت به واعتزت بنصوصه، وهذا طريق محاط بالأشواك والأخطار، ومن الواجب تطويق الأخطار قبل أن يستفحل أمرها، وأن يمنع كل أمر يمكن أن يؤدي إلى خلاف وانقسام.
وهذا يؤكد لنا أن ترجمة القرآن ليست ممكنة من الناحية الواقعية، وكل ترجمة للقرآن لا تعتبر قرآنا، ولا يجوز أن يطلق عليها لفظ القرآن، إلا عن طريق المجاز.
مدى الحاجة إلى ترجمة القرآن:
بالرغم من كل ما يقال عن استحالة ترجمة القرآن، فإن ترجمة القرآن إلى لغات الشعوب الإسلامية أمر ضروري، إذ لا يمكن لتلك الشعوب أن تقرأ القرآن بلغته العربية، وهي بحاجة إلى معرفة ما اشتمل عليه القرآن من معان وحكم، ونقل هذه المعاني من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى ليس أمرا محرما وليس ممنوعا، بل هو أمر مطلوب ومفيد، وفيه مصلحة واضحة، ومن حق كل مسلم أن يعرف معاني القرآن بلغته.
وإذا أثبتنا استحالة ترجمة القرآن بطريقة حرفية، لأن أية ترجمة لا يمكن أن تستوعب جميع دلالات الألفاظ العربية، ولا أن تتضمن جميع المقاصد المستفادة من النص القرآني، فإن الترجمة النسبية ممكنة، ويحرص المترجم من خلالها على أن يختار الكلمة المعبرة عن الكلمة الأصلية بقدر الطاقة البشرية، وبحسب ما يتراءى له أنه الأصح والأدق، سواء من حيث فهمه للفظة القرآنية، أو من حيث اختياره للكلمة المرادفة لتلك اللفظة، وفي جميع الأحوال فإن أية ترجمة للقرآن مهما بلغت درجة إتقانها ودقتها، لا يمكن أن تكون قرآنا.
وذهب الزرقاني في كتابه: «مناهل العرفان في علوم القرآن» إلى تقسيم ترجمة القرآن إلى قسمين:
- ترجمة حرفية: وهي غير ممكنة، لأنها تتطلب وجود مفردات متماثلة في اللغة المترجم إليها، واللغة المترجم منها، بحيث تترجم اللفظة بما يماثلها ويعبر