[أهم ضوابط التأويل]
وأهم ضوابط التأويل ما يلي:
أولا: أن يكون المعنى مما يمكن استنباطه من النص، ومما تدل عليه اللغة من دلالات ومعاني، والتأويل الذي لا تفيده اللغة لا يمكن الاعتداد به وقبوله، لأنه لا سند له من اللغة، وكيف يستنبط معنى من لفظ لا يدل عليه ولا يفيده، ومن حقنا أن نطرح على صاحب التأويل سؤالا يبين لنا فيه وجه الاستدلال وكيفية الاستنباط، ولا بد له من دليل حسي على ذلك، ولو وقع التسامح في هذا الشرط لأدى ذلك إلى انحراف مؤكد.
ثانيا: أن يكون المؤول عالما باللغة عارفا قواعدها ملما بمعاني الألفاظ، مستوعبا ما قاله العرب في معانيها ودلالاتها، لأن التأويل سواء اتفق في دلالته مع التفسير أو اختلف معه، لا يمكن أن يكون بمعزل عن المعاني المستفادة من الألفاظ، ولا يمكن للتأويل أن يكون مجرد عبث، ولو سلمنا بوضوح معنى الإلهام في التأويل، فهذا الإلهام يعبر عن قدرة المؤول في توجيه الألفاظ القرآنية نحو معاني خفية ليست مدركة لدى المفسر، ويمكن إدراكها بقوة التأويل ودقة صاحبه، بحيث يلتفت الذهن إلى أهمية المعنى المستنبط من تلك الألفاظ.
ثالثا: استقامة المؤول وسلامة عقيدته، وهذا الضابط غايته ضبط حركة الفكر لكي تكون صحيحة المنطلق صادقة التعبير عن رؤية فكرية، نزيهة في تجسيدها لقدرات الإنسان على استلهام معان دقيقة يعجز عنها المفسر الذي يتوقف غالبا عند حدود المعاني المتبادرة إلى الذهن الواضحة الدلالة.
رابعا: أن يكون الحكم المستنبط عن طريق التأويل واضح الانسجام مع التصور القرآني العام في إقراره لمبادئ الإسلام وعقيدته وأن يكون مؤكدا لقيم إسلامية ثابتة، داعيا إلى ترسيخ معاني العقيدة في النفوس، فإذا كان التأويل مناقضا لعقيدة الإسلام ناسخا لأحكام ثابتة في القرآن، مشوها مبادئ الفطرة الإسلامية مشجعا نمو عقائد منحرفة فهذا تأويل واضح البطلان لأمرين:
الأمر الأول: آثاره الضارة على الفكر الإسلامي، وإثارته للفتنة، ودعوته إلى فساد العقيدة.
стр. 72
الأمر الثاني: عدم استناده إلى دليل من لغة أو سند من قرآن أو حديث، وإذا افتقد التأويل سنده اللغوي والشرعي وثبت ضرره في مجال العقيدة، كان تأويلا فاسدا ووجبت مقاومته والتنبيه على فساده وخطره.
وإذا كنا تكلمنا عن خصائص التأويل، وأنه تفسير خفي وأنه يدخل في علم الدراية، وأن جانب الإلهام واضح فيه، فإن هذه الخصائص لا تنفي عنه صفة التأويل المرتبط بالنص، فإذا انتفت صلة التواصل والانتماء بين النص والتأويل انتفت شرعية ذلك التأويل، وأصبح من نوع العبث الدال على الجهل، ولو وقع إقرار هذا النوع من التأويل لتجرأ الجهلة على القرآن، وفسروا آياته تحت شعار التأويل بما شاءت لهم انحرافاتهم أن يقرروه، واختلط التأويل السليم الصحيح الذي يدل على عمق في الفهم ودقة في الإدراك بالتأويل الفاسد والسقيم الذي يدل على جهل صاحبه.
وهذه الضوابط ضرورية وهامة، ولا يجوز التساهل فيها، وإذا جاز لنا أن نقبل تأويل العلماء وأن نستفيد من آرائهم وتصوراتهم وأن نشجع حرية الرأي ونحترم قدسية الفكر فلا يجوز لنا أن نقبل الفكر السقيم ولا أن نسمح للجهال بأن يعبثوا بمعاني القرآن، إرضاء للعوام واستجابة للجهلة والمنحرفين.
قال أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري:
وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل، ما اهتدوا إليه، لا يحسنون القرآن تلاوة، ولا يعرفون معنى السورة أو الآية، ما عندهم إلا التشنيع عند العوام، والتكثر عند الطغام، لنيل ما عندهم من الحطام، أعفوا أنفسهم من الكد والطلب وقلوبهم من الفكر والتعب، لاجتماع الجهال عليهم وازدحام ذوي الأغفال لديهم، لا يكفون الناس عند السؤال، ولا يأنفون عن مجالسة الجهال، مفتضحون عند السبر والزواق، زائغون عن العلماء عند التلاق (١).
стр. 73
الفصل الخامس: ترجمة القرآن
لا خلاف بين العلماء في أن الإعجاز القرآني يتمثل في أسلوب القرآن، ودقة ألفاظه، وذلك التوافق والانسجام بين اللفظ والمعنى المراد، بحيث يصور اللفظ المعاني أدق تصوير، بحيث تبرز عظمة القرآن في روعة ألفاظه وجمالها، وذلك التناسق العجيب بين اللفظ والمعنى، والتكامل والترابط بين الألفاظ، بحيث تكون اللفظة اللغوية معبرة أدق تعبير عن المعنى المراد، ولو وقع أي إبدال أو تغيير في الألفاظ المترادفة لاختلت المعاني واضطرب الأسلوب.
إن كل لفظة في القرآن تعبر عن الإعجاز وتمثل جانبا من جوانبه وتصور عظمة الأسلوب القرآني، ولا مجال لإبدال كلمة بأخرى أو لفظة بما يماثلها، إذ لكل لفظة موسيقاها الخاصة بها من حيث موقعها من الكلام، ومن حيث دقة تعبيرها عن المعنى المراد.
وإبدال لفظة بأخرى ولو كانت مماثلة للمعنى، تخل بالمعنى العام، وتوجد حالة من التوقف في ذلك النسق القرآني، وكأن الآية ليست هي الآية، وكأن المعنى ليس هو المعنى، فالقرآن وحدة متكاملة، من حيث ألفاظه ومعانيه ورسمه وأداؤه، ولو كتب بغير الرسم القرآني لما أدى نفس المشاعر التي يولدها الرسم القرآني في كيفية تعبيره عن الكلمات القرآنية.
ولا يتصور من الناحية العقلية أو الفعلية أن تقع ترجمة القرآن من اللغة العربية إلى لغة أخرى، فالترجمة جهد بشري، ويقع التفاوت فيه، من حيث اختيار المفردات، ولهذا تتعدد الترجمة وتتباين ألفاظها، ويختلف الحكم عليها من حيث الدقة والضبط. وإذا كان من العسير على المفسر في نطاق اللغة العربية أن يستبدل لفظة قرآنية بما يماثلها أو يفسرها بما يدل عليها، فإن من المستحيل على من يريد ترجمة القرآن أن يجد الكلمة المعبرة عن المعنى القرآني فضلا عن استحالة الحفاظ على روعة الألفاظ القرآنية التي تعتبر من مظاهر الإعجاز القرآني.
стр. 74
وكيف يمكن لمترجم أن يعبر عن الألفاظ المتشابهة الدالة على معان متعددة، وأي المعاني هي الأولى والأقرب ...
وإذا ثبت من الناحية الواقعية استحالة ترجمة القرآن إلى أية لغة أخرى وجب علينا القول بأن أية ترجمة للقرآن لا تعتبر قرآنا، لأن هذه الترجمات لا تخلو أولا من أغلاط في الترجمة، وثانيا لا يمكن توحيدها، لأن تفسير المترجمين للألفاظ القرآنية ليس واحدا، وإذا أمكن توحيد تفسير تلك الألفاظ، فإن من الصعب اختيار الكلمات المعبرة والدالة على تلك المعاني.
وهنا نجد أنفسنا أمام حقائق أساسية:
أولا: ترجمة القرآن غير ممكنة، من الناحية اللغوية، لتعدد المعاني المحتملة للألفاظ، وهذا أمر لا مجال لإنكاره، ومن اليسير أن يدرك حقيقته كل من كابد مهمة الترجمة ووقف أمام الألفاظ حائرا مترددا لا يدري بأي المعاني يأخذ، وأي الألفاظ يختار.
ثانيا: كل ترجمة للقرآن لا يمكن أن تكون قرآنا، وإذا انتفت قرآنية النص المترجم انتفت معه كل خصوصيات النص القرآني المتعبد بتلاوته، ولا خيار لنا في هذه الحالة إلا أن ننظر للقرآن المترجم نظرتنا إلى كتب التفسير المختصرة من حيث هي مصادر للتوضيح والبيان، تيسر المعاني وتقربها إلى القراء، وتساعد على معرفة القرآن.
ثالثا: لو جازت ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، واعتبر النص المترجم قرآنا لتعددت نصوص القرآن وتكاثرت لغاته وتباينت معانيه، وضعف الاهتمام بالنص الأصلي المعجز الذي لا يأتيه الباطل، وفي هذا فتنة لا مجال لحصرها، وإذا أمكن التحكم في مسار القرآن المترجم على المدى القصير، فإن من الصعب التحكم في ذلك على المدى
البعيد، وربما أصبحت النصوص المترجمة نصوصا أصلية تفسر ويترجم منها ويحتج بها، مما يؤدي إلى خطر محقق، وبخاصة إذا وقع التنافس بين الشعوب الإسلامية، واحتجت كل أمة بقرآنها الذي احتضنته
стр. 75
وأمسكت به واعتزت بنصوصه، وهذا طريق محاط بالأشواك والأخطار، ومن الواجب تطويق الأخطار قبل أن يستفحل أمرها، وأن يمنع كل أمر يمكن أن يؤدي إلى خلاف وانقسام.
وهذا يؤكد لنا أن ترجمة القرآن ليست ممكنة من الناحية الواقعية، وكل ترجمة للقرآن لا تعتبر قرآنا، ولا يجوز أن يطلق عليها لفظ القرآن، إلا عن طريق المجاز.
مدى الحاجة إلى ترجمة القرآن:
بالرغم من كل ما يقال عن استحالة ترجمة القرآن، فإن ترجمة القرآن إلى لغات الشعوب الإسلامية أمر ضروري، إذ لا يمكن لتلك الشعوب أن تقرأ القرآن بلغته العربية، وهي بحاجة إلى معرفة ما اشتمل عليه القرآن من معان وحكم، ونقل هذه المعاني من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى ليس أمرا محرما وليس ممنوعا، بل هو أمر مطلوب ومفيد، وفيه مصلحة واضحة، ومن حق كل مسلم أن يعرف معاني القرآن بلغته.
وإذا أثبتنا استحالة ترجمة القرآن بطريقة حرفية، لأن أية ترجمة لا يمكن أن تستوعب جميع دلالات الألفاظ العربية، ولا أن تتضمن جميع المقاصد المستفادة من النص القرآني، فإن الترجمة النسبية ممكنة، ويحرص المترجم من خلالها على أن يختار الكلمة المعبرة عن الكلمة الأصلية بقدر الطاقة البشرية، وبحسب ما يتراءى له أنه الأصح والأدق، سواء من حيث فهمه للفظة القرآنية، أو من حيث اختياره للكلمة المرادفة لتلك اللفظة، وفي جميع الأحوال فإن أية ترجمة للقرآن مهما بلغت درجة إتقانها ودقتها، لا يمكن أن تكون قرآنا.
وذهب الزرقاني في كتابه: «مناهل العرفان في علوم القرآن» إلى تقسيم ترجمة القرآن إلى قسمين:
- ترجمة حرفية: وهي غير ممكنة، لأنها تتطلب وجود مفردات متماثلة في اللغة المترجم إليها، واللغة المترجم منها، بحيث تترجم اللفظة بما يماثلها ويعبر
стр. 76
عنها، وهذا أمر غير ممكن، لعدم إمكان التماثل في اللغات، ولأن كل لفظة تدل على معنى قد لا تدل عليه اللفظة المماثلة في اللغة الأخرى، ولو أمكنت الترجمة الحرفية لتماثلت الترجمات وتوحدت، ولما وقع الاختلاف بين المترجمين في كيفية الترجمة وفي اختيار الألفاظ المعبرة عن المعنى الأصلي.
- ترجمة تفسيرية: وهذه ممكنة من الناحية الواقعية، أولا: لأنها تعتبر الترجمة نوعا من التفسير، وثانيا: لأنها تنفي عن الترجمة صفة الترجمة، ولا تعتبر الترجمة في ظل هذا المفهوم ترجمة للقرآن، وإنما هي نوع من التفسير.
وكلمة التفسير ليست ملائمة في مجال الترجمة، فالترجمة ليست تفسيرا، وشروط الترجمة ليست هي شروط التفسير، وكلمة الترجمة التفسيرية تنفي عن الترجمة صفة الترجمة، لأن المفسر لا يكلف بما يكلف به المترجم من الالتزام باختيار الكلمة المماثلة، فإذا جاءت الكلمة غامضة فليس من حق المترجم أن يفسر غموضها، بخلاف المفسر، فهو مكلف بإزالة الغموض، وإذا كانت اللفظة محتملة لمعان عدة وجب على المترجم أن يأتي باللفظة المحتملة لنفس المعاني والدلالات، وليس من حقه أن يختار ويرجح، بخلاف المفسر فمن واجبه أن يبين ويوضح ويرجح، ولهذا فإن استعمال كلمة «الترجمة التفسيرية» ليست دقيقة في هذا المجال، لاختلاف معاني التفسير عن الترجمة.
وبالرغم من أنني استعملت كلمة الترجمة التفسيرية في بعض كتبي (١) تعبيرا عن معنى الترجمة النسبية، واعتبرت ذلك هو الترجمة الممكنة، فإنني أؤكد أن الكلمة ليست دقيقة، فالترجمة صيغة بديلة عن الأصل، ولا تنفصل عنه، وتفي بجميع معاني الأصل ومقاصده، وكلمة التفسير لا تلزم المفسر بالإتيان بالصيغة البديلة عن الأصل، والتفسير في اللغة هو البيان والتوضيح، والترجمة لا تعني البيان والتوضيح، وإذا قام المترجم ببيان الأصل وإزالة غموضه، فهو مفسر وليس مترجما، وتحكمه مقاييس التفسير وليس مقاييس الترجمة.
стр. 77
ولعل كلمة «الترجمة النسبية» هي الأدق، فليست هناك ترجمة حرفية، وكلمة الترجمة التفسيرية ليست دقيقة، فالمترجم ليس هو المفسر، ويختلف دور كل منهما عن الآخر، فإذا قصد المترجم التفسير، فقد خرج عن مهمته، ويملك المفسر من حرية التعبير ما لا يملكه المترجم، الذي يكلف بوفاء الترجمة لكل معاني النص الأصلي، وجميع دلالاته، وإذا وقع التساهل في ترجمة كلام البشر، فلا يمكن أن يقع التساهل في ترجمة القرآن، حيث يبرز الإعجاز فيه، ولا يمكن للمترجم أن يكون قادرا على فهم أوجه الإعجاز أو التعبير عنه.
الفرق بين الترجمة والتفسير:
فرق الزرقاني في مناهل العرفان بين الترجمة والتفسير، وهو على حق في هذا التفريق، وذكر أربعة فروق (١):
الفارق الأول: صيغة الترجمة صيغة استقلالية، ويراعى فيها الاستغناء بالترجمة عن الأصل، بخلاف التفسير، فإنه يرتبط بأصله ولا ينفصل عنه أبدا، ومهمة المفسر شرح المفردات والجمل، واستنباط المعنى المراد، ولا مكان للتفسير إلا بربطه بالأصل، ويتعدد التفسير وتتباين المعاني المستفادة من النص الأصلي، ويظل الأصل هو الأساس، ولا مجال للقول باستقلال الترجمة القرآنية عن الأصل في جميع الأحوال، مهما بلغت درجة دقة تلك الترجمة، لأن القرآن لا يطلق إلا على القرآن نفسه بلغته
وبألفاظه وبمفرداته، ولا يطلق لفظ القرآن على أية ترجمة، وبخاصة وأن الترجمة متعددة والقرآن واحد ولا يتعدد.
الفارق الثاني: لا يجوز الاستطراد في الترجمة، لأن الأصل فيها أن تكون مطابقة للنص الأصلي، مساوية له في الألفاظ والمفردات معبرة عن معانيه بدقة وأمانة، ولا يجوز للمترجم أن يفسر أو يوضح. وتتمثل مهمته في النقل الأمين للأصل، ويختلف الأمر بالنسبة للتفسير، فمن واجب المفسر أن يوضح ويبين ويستشهد ويرفع الفحوص، ويرجح المعاني المستفادة، ويوجه مسار النص
стр. 78
المفسر ويحكم قبضته عليه بما يملكه من قوة التوجيه ووضوح الأدلة، ولهذا غلب على كتب التفسير أنها تأثرت بشخصية المفسر واختصاصه، ورضخت لآرائه وتوجيهاته واختياراته، وتعددت مناهج المفسرين وتباعدت، وأصاب بعضهم فيما ذهب إليه وأخطأ البعض الآخر، وقسم العلماء التفسير إلى محمود ومذموم، بحسب التزام المفسر بقواعد التفسير الصحيح، وإذا تضمنت الترجمة استطرادا أو تفسيرا أو ترجيحا وتوجيها فلا تعتبر ترجمة، ولا بد من الترجيح في الترجمة لأن المفردات التي تحتمل أكثر من معنى تتطلب من المترجم أن يختار أو يرجح أحد المعاني المحتملة، ولا خيار له في ذلك، فإذا لم يرجح أحد المعاني وجب عليه أن يورد جميع المعاني المحتملة، وهذا أمر غير ممكن في الترجمة.
الفارق الثالث: يفترض في المترجم أن يأتي باللفظ المتضمن لجميع معاني الأصل، ولا يلتمس له العذر فيما قصر فيه، لأن الترجمة تتطلب ذلك، وليس من حقه أن يستبدل لفظة مرادفة للأصل بلفظة أخرى أوضح دلالة على المعنى، لأن غموض الأصل في بعض المواطن يحمل دلالات معينة، ويجعل النص قابلا للتفسير المتعدد، فإذا اختار المترجم تفسيرا واحدا فقد ضيق الخناق على المعنى المترجم وقصره على بعض معانيه، ويختلف الأمر بالنسبة للمفسر، فمن حقه أن يختار من المعاني ما يراه أقرب، ومن حقه أن يرجح وأن يوجه النص لاستنباط حكم تراءى له، فالمترجم ناقل والمفسر متحكم، وسلطة المفسر أوسع وسلطة المترجم ضيقة وأكثر مشقة.
الفارق الرابع: يفترض في المترجم أن يؤكد أن المعاني المستفادة من اللفظ المترجم أو من النص المترجم تفيد نفس المعاني والدلالات المستفادة من النص الأصل، فإن أفاد النص المترجم معنى ليس واردا في النص الأصلي، فهذا خطأ فادح، وتحريف للأصل، وانحراف عنه، ونسبة معنى مستفاد من أصل لأصل، لا يفيد ذلك المعنى، وهذا أمر بالغ الخطورة، ولهذا فإن مسئولية المترجم كبيرة، ولا بد له من الإحاطة بكل ما يفيده النص الأصلي من دلالات، وما يفيده النص
стр. 79
المترجم من معاني، فإذا لاحظ خللا في المعاني المستفادة وجب عليه أن يعيد النظر في الترجمة، فيصحح منها ما يحتاج إلى تصحيح، ويستبدل من الألفاظ ما يحتاج إلى إبدال، ويقوّم أسلوب الترجمة من تقديم وتأخير إلى أن يجد التوافق في المعاني بين الأصل والفرع، بحيث يعبر كلا منهما عن الآخر، وبحيث لو تم الاستغناء عن الأصل لأفاد الفرع المترجم نفس المعاني، وهذا من المحال في مجال ترجمة القرآن، ومن العبث أن يحاول مترجم بلوغ تلك الغاية، وليس الأمر كذلك بالنسبة للمفسر الذي لا يكلف بهذه الإحاطة، وليست هذه مهمة التفسير.
ومن منطلق أهمية ترجمة القرآن، وعدم إمكان ذلك من الناحية الفعلية ذهب بعض العلماء إلى جواز الترجمة، واعتبرت تلك الترجمة «ترجمة تفسيرية»، فهي ليست ترجمة حرفية وهي ليست تفسيرا، ووضعوا ضوابط للترجمة التفسيرية، ومن أهم هذه الضوابط ما يلي (١):
أولا: أن تكون الترجمة على شريطة التفسير، والغاية من هذا الشرط ضبط الترجمة، وتقييد حرية المترجم بحيث يتقيد في ترجمة المفردات بما دلت عليه اللغة العربية، وبما فسرت به السنة النبوية تلك المفردات، وبما دلت عليه الشريعة من معان موضحة لبعض المصطلحات، والمترجم في هذه الحالة، يتقيد بالمعنى التفسيري المنقول، ولا حرية له في تفسير أو توضيح، ويؤخذ على هذا الشرط أن كلمة الترجمة في معناها الأصلي تختلف عن معنى التفسير، فالتفسير قد يكون بنفس اللغة، وقد يكون بلغة أخرى، والترجمة هي أمر آخر، فالمترجم لا يفسر، ولا يملك حق التفسير، بخلاف المفسر، فلا ينكر حقه في التفسير والتوضيح، ومن الصعب وضع ضوابط دقيقة للتفريق بين التفسير والترجمة التفسيرية وكلمة التفسير ليست دقيقة في مجال الترجمة، لاختلاف طبيعة مهمة كل من المفسر والمترجم.
ثانيا: أن يلتزم المترجم بالموضوعية والحياد والإنصاف، وألا يكون صاحب بدعة أو دعوة، فإن كان مؤمنا بعقيدة منافية لعقيدة الإسلام، أو ملتزما ببدعة
стр. 80
مغايرة لما أجمع عليه المسلمون، فلا يمكن الاطمئنان إلى سلامة ترجمته للقرآن، لاحتمال أن يترجم القرآن بما يخالف معناه المأثور عن الصحابة والتابعين، وهذا الشرط ذكره العلماء في مجال شروط المفسر، والمترجم ليس هو المفسر، فالمترجم تحكمه ضوابط ومقاييس في الترجمة من حيث دقة اختياره للمفردات، وليس الأمر كذلك بالنسبة للمفسر الذي يملك حرية التفسير بما يحتمله اللفظ من معان ودلالات، ومن اليسير اكتشاف الخطأ في عمل المترجم، أو عدم الدقة في اختيار المفردات المعبرة عن معنى الأصل.
فقد يملك صاحب بدعة من أدوات الترجمة ما لا يملكه صاحب استقامة من حيث إلمامه بمعاني المفردات في كل من اللغتين، والمترجم منها والمترجم إليها، وما لم يقم دليل على قصد لتزوير المعاني القرآنية، وتحويرها عن معانيها، وإهمال في اختيار المفردات الدقيقة أو جهل باللغة العربية، فإن الترجمة تخضع لمقاييس موضوعية، ومن
اليسير ضبط تلك المقاييس، وتتبع احترامها والالتزام بها، والحكم على الترجمة حكما موضوعيا، من حيث الدقة والالتزام، فقد تقبل الترجمة في لفظة أو آية، وترفض في لفظة أو آية أخرى، ويحكم على الترجمة بحسب دقتها، فإن كثرت أخطأ المترجم، وتجاوزاته حكم عليه بالجهل وردّت ترجمته، ووجب تنبيه الناس إلى تلك التجاوزات وبخاصة إذا كانت فاحشة فاسدة المعنى.
ولسنا بحاجة إلى اشتراط إتقان المترجم لكل من اللغتين المترجم منها والمترجم إليها، فهذا شرط بدهي لا تتصور الترجمة بدونه، إذ كيف يمكن لجاهل بالعربية أن يفهم معاني القرآن، وإذا عجز عن الفهم عجز عن الإتيان باللفظة المعبرة عن المعنى باللغة الأخرى، وإذا أتقن العربية، فلا يمكنه أن يترجم إلى لغة أخرى، إلا أن يكون متقنا لتلك اللغة، ممسكا بزمام مفرداتها مالكا ناصية أمرها، والإتقان المطلوب لكل من اللغتين، ليس هو إتقان حفظ ومعرفة بالمفردات، وإنما هو إتقان فهم للدلالات اللغوية وإتقان أسلوب تتميز به كل لغة عن اللغة الأخرى، وفضلا عن ذلك فالترجمة تحتاج إلى موهبة خلاقة
стр. 81
وذكاء ودقة وحسن فهم وعمق إدراك، فلا يكتفي في الترجمة أن تكون قاصرة على استبدال لفظة بأخرى، أو الإتيان بلفظ مكان لفظ، فهذا مما يحسنه الكثير والترجمة أعمق من ذلك وأدق، وهي عمل متكامل، يجري تصحيحه وتقويمه باستمرار، إلى أن يستوي قريبا من الكمال دقيقا في استيعابه للمعاني والدلالات المطلوبة.
والملكة اللغوية هي أساس كل عمل جدير بالتقدير، ولا بد من ملكة الإجادة في الترجمة، وهي ملكة نابعة من حسن فهم معاني القرآن باللغة العربية، وعمق ما يدل عليه الأسلوب القرآني من مقاصد وغايات وتوجيهات.
ثالثا: الأهلية والكفاءة والقدرة، وهذا هو الشرط الذي يعبر عن كثير مما يجب أن يتوفر في المترجم سواء كان فردا أو هيئة من أهلية وكفاءة وقدرة، ومعرفة كل من اللغتين يدخل ضمن هذا الشرط إلا أن كلمة الأهلية أولى وأوسع، فليس كل عالم باللغتين مؤهلا للقيام بترجمة القرآن، كما أن ليس كل عالم بالعربية مؤهلا لتفسير القرآن وفهمه، فقد ينحرف في تفسيره، وقد يضله علمه فتلتبس عليه المعاني، وتضيق عليه الخناق، فلا يهتدي إلى الطريق، ولا بد في فهم القرآن من «أهلية» تتجاوز حدود المعايير اللغوية، فمن ختم الله على قلبه بالغفلة وسوء الفهم فلا يتوقع منه خير، وكم من عالم أحاط بعلم الأولين واستوعب كل الكتب ومع ذلك فقد ضل طريقه، لأن المعرفة تحتاج إلى بصيرة ثاقبة وأهل البصيرة يدركون بنور تلك البصيرة ما لا يدركه أهل البصر، فالبصر يحتاج إلى نور، والنور عطاء من الله يمن به على من اطمأن قلبه بذكر الله، وخشعت جوارحه بطاعة الله.
وفي كل ترجمة للقرآن يجب أن يذكر نص القرآن بلغته العربية، والتأكيد على أن ذلك النص العربي هو القرآن، بألفاظه وبرسمه، وبترتيبه، وما عداه فهو ليس القرآن، والقرآن لا يتعدد، فليس هناك قرآن باللغة العربية، وقرآن آخر بلغات أخرى، وليس لأية ترجمة للقرآن ما للقرآن من أحكام، سواء من حيث التعبد بقراءته أو من حيث وحدة نصوصه، فالترجمة تتعدد وتقبل الخطأ
стр. 82
والصواب، ويجري عليها ما يجري على أية ترجمة من حيث التقويم والتصحيح والمراجعة والتدقيق في عمل متواصل لا يتوقف، بحثا عن الترجمة الأفضل والأدق.
وأعتقد أن ترجمة القرآن لا يمكن أن ينهض بها فرد مهما بلغت درجة إتقانه، وارتقت مداركه، فالقرآن ليس كتابا كبقية الكتب تحكمه قدرات عادية، ويلتمس العذر لمترجمه في حالتي التقصير أو الخطأ، ويجوز لأي فرد أن يترجم لنفسه آية أو سورة أو يترجم القرآن نفسه، ولكن لا يجوز أن تنشر ترجمة القرآن الفردية إلا بعد أن تعتمد الترجمة وتراجع وتدقق من قبل جهات علمية مختصة، وأقترح في هذا المجال أن يتم إنشاء «هيئة علمية مختصة» (١) تضم كفاءات قادرة في مجال اللغة والتفسير، وفي مجال الدراسات اللغوية المقارنة، تعكف لمدة سنوات على إعداد ترجمة نسبية للقرآن الكريم، تقترب أكثر من المعنى الأدق للمفردات القرآنية، وتعبر عن المراد من الآية، ثم يطرح مشروع الترجمة الأول للحوار والنقاش، يهدف إلى مزيد من الدقة إلى أن يقع اعتماد الترجمة النهائية، التي تمثل الحد الأقصى الممكن من ترجمة القرآن، ثم تقع مراجعة هذه الترجمة بين فترة وأخرى، وتلحق بالترجمة ملاحق بيانية توضح المعاني الممكنة والمحتملة، والأسباب التي دفعت اللجنة المختصة لاختيار اللفظة المعتمدة، وهذه الدراسات البيانية الملحقة بالترجمة هي الأهم لأنها تحقق الأهداف التالية:
أولا: تنفي عن الترجمة صفة القرآن، وتؤكد للباحثين أن الترجمة جهد بشري محتمل للخطأ والصواب، وأنه قابل للحوار والنقاش، ومن حق أي مختص أن يناقش الترجمة المعتمدة منتقدا اختياراتها وترجيحاتها، مبينا ملاحظاته الموضوعية شارحا وجهة نظره في الدلالات الممكنة لكل لفظة تحتمل معاني عدة.
ثانيا: تحدث علما جديدا في إطار الدراسات القرآنية يعطي المعاني المحتملة للمفردات القرآنية في اللغات المختلفة. وتعتبر هذه الدراسات نواة لعلم التفسير في اللغات المختلفة بحيث تتداخل الترجمة والتفسير، في إطار المفردات الدالة
стр. 83
على معنى واحد أو معاني متقاربة، وهذا العلم واضح الأهمية في مجال الدراسات القرآنية، يغني هذه الدراسات، ويعمق مباحثها وينمي معارف جديدة في مجال التفسير.
ثالثا: تقضي على الترجمات الفردية المليئة بالأخطاء سواء بسبب نقص في الإمكانات العلمية لدى المترجم أو بسبب سوء قصد يهدف إلى تشويه المعاني القرآنية، ومن واجب أمتنا في مجال الترجمة، وفي مجال الاجتهاد وفي مجال التقنين أن تعتمد أسلوب العمل العلمي المتقن، الذي يخفف من الأخطاء والتجاوزات ويعطي للجماعة دورها في إثراء فكرنا الإسلامي، فلا تنطلق حركتنا العلمية من خلال وثبات فردية مرتجلة، أو آراء اجتهادية غير مدروسة، تحكمها، وتؤثر فيها نظرات ضيقة قد تكون
ضارة في بعض الأحيان، ومع هذا، فإن الجهد الفردي المدروس لا ينبغي تجاهل أثره ودوره، وهو الأكثر شجاعة في اقتحام الجديد من الآراء، وفي تكسير القيود التي غالبا ما تقيد حركة الفكر وتحد من حرية المجتهد.
ونخلص من هذا إلى أن ترجمة القرآن ليست هي القرآن، وأية ترجمة لا يمكن أن تجسد معاني الإعجاز القرآني، سواء من حيث الأسلوب البياني أو من حيث المعاني والأحكام والدلالات، ومع هذا فالترجمة أمر لا بد منه، لتعريف المسلمين بأمر دينهم.
الترجمة ليست هي التفسير، وما يملكه المفسر لا يملكه المترجم، من حيث حرية التعبير، وتتطلب الترجمة جهدا فائقا وعملا شاقا ومعرفة دقيقة بالقرآن وعلومه واللغات والمفردات والاشتقاقات، وتختلف الترجمة عن التفسير من حيث طبيعة علاقة النص المترجم بالأصل، وتبرز العلاقة قوية في مجال الترجمة حيث يفترض في الترجمة أن تكون معبرة عن الأصل ملتزمة به دالة عليه، وليس الأمر كذلك في مجال التفسير، حيث يقبل الاجتهاد ويتسع مداه، ويلتمس العذر للمفسر في حالة الخطأ ولا يلتمس العذر للمترجم.
وإنشاء هيئة مختصة بترجمة القرآن أمر ضروري، ولا بد منه وهو الطريق لضمان ترجمة دقيقة، يقع الاطمئنان لها، والثقة بها.
стр. 84
الفصل السادس: المكي والمدني من القرآن الكريم
اهتم علماء القرآن بدراسة المكي والمدني من الآيات، لأن معرفة ذلك طريق ضروري لمعرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام، ولا يمكن لفقيه أن يعرف الحكم الشرعي إلا بعد أن يدرس الناسخ والمنسوخ، لكي يصل إلى الحكم النهائي الذي استقر عليه الأمر.
وبالإضافة إلى هذا فإن معرفة المكي والمدني من الآيات يقودنا برفق في مسيرة الدعوة في رحلة طويلة من بداية المرحلة المكية التي بدأت بعد البعثة إلى نهاية العصر المدني الذي توقف بوفاة الرسول ﷺ ، ولكل مرحلة زمنية خصائصها وموضوعاتها وأساليبها وانفعالاتها وأولوياتها.
ومن خصائص التشريع الإسلامي أنه نزل متدرجا، وكانت الآيات القرآنية تنزل على النبي ﷺ مواكبة لمسيرة المجتمع الإسلامي، محتضنة ذلك المجتمع الوليد، مصححة مسيرته، ومؤكدة سداد طريقه، خاصة إياه على الصبر والتضحية، راسمة له معالم الطريق، مشرعة أحكاما ضرورية لاستقامة أمره، ناصحة له أن يتكافل ويتعاون ويتناصر في سبيل الدفاع عن عقيدته.
وكان القرآن هو محور الحركة الاجتماعية، وكان النبي ﷺ هو الرمز البشري الذي يحمل مشعل الدعوة، ويجسد قيم الإسلام بخلقه وسلوكه، وكان الوحي هو أداة التواصل بين السماء والأرض، وهو أداة انتقال الرسالة من مصدرها الإلهي إلى قلب النبي ﷺ .
ومن الطبيعي أن يتوجه اهتمام العلماء والباحثين إلى معرفة المكي والمدني من الآيات، لمواكبة مسيرة الدعوة، ولرصد ذلك التدرج المحكم للتشريع، من بدء الرسالة إلى نهايتها.
قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتابه «التنبيه على فضل علوم القرآن»:
стр. 85
«من أفضل علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، ثم ما يشبه نزول المكي في المدني وما يشبه نزول المدني في المكي» (١).
وقال ابن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ:
«الذي علمناه على الجملة من القرآن أن منه مكيا ومدنيا وسفريا وحضريا، وليليا ونهاريا وسمائيا وأرضيا، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض في الغار» (٢).
اصطلاحات العلماء في المكي والمدني:
استعمل العلماء في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة:
الاصطلاح الأول: يطلق المكي على ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكة كل ما قرب منها من ضواحيها، كعرفات ومنى والحديبية، ويدخل في المدينة ما قرب منها، كبدر وأحد، ولوحظ في هذا التقسيم المكان، وليس الزمان، ومن الصعب في ظل هذا التقسيم تطبيق الخصائص الزمانية المرتبطة بتطور الدعوة، حيث من الصعب دمج الآيات المكية التي نزلت قبل الهجرة والآيات المكية التي نزلت بعد الهجرة في إطار نسق واحد موضوعي وأسلوبي.
الاصطلاح الثاني: وهو الأشهر، يطلق المكي على ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة، وإن كان بالمدينة، ويطلق المدني على ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة، وهذا التقسيم لوحظ فيه الزمان وليس المكان، والزمان يجسد المرحلة التاريخية ويعبر عنها، ومن اليسير في ظل هذا التقسيم تطبيق الخصائص الزمانية المتعلقة بكل من المكي والمدني، وهو تقسيم سليم من هذا الجانب، وييسر الأمر على الدارس والباحث.
стр. 86
وبهذا الاعتبار تعتبر آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ضمن الآيات المدنية مع أنها نزلت بعرفة أثناء حجة الوداع.
الاصطلاح الثالث: يطلق المكي على ما كان خطابا لأهل مكة، والمدني على ما كان خطابا لأهل المدينة، وبناء عليه، فكل خطاب بدأ بلفظ «يا أيها الناس» فهو مكي، لأن غالب أهل مكة كانوا كافرين، وكل خطاب بدأ بلفظ «يا أيها الذين آمنوا» فهو مدني، لأن غالب أهل المدينة كانوا مؤمنين.
أخرج أبو عبيد في كتابه فضائل القرآن عن ميمون بن مهران قال: «ما كان في القرآن يا أيها الناس أو يا بني آدم فإنه مكي، وما كان يا أيها الذين آمنوا فإنه مدني».
ولا سبيل إلى معرفة المكي والمدني من الآيات إلا عن طريق الصحابة الذين كانوا يتابعون نزول الوحي، ويعرفون تاريخ نزول كل آية، والأسباب المؤدية إلى النزول.
قال عبد الله بن مسعود ﵁:
والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه».
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار:
«إنما يرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين، ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة» (١).
فوائد التفريق بين المكي والمدني:
اهتم العلماء بدراسة المكي والمدني من الآيات، وتتبعوا أقوال الصحابة في
стр. 87
ذلك، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الصحابة الذين عاصروا وقت النزول، وعايشوا تلك المرحلة الزمنية، واهتمام العلماء بذلك مؤشر واضح على عناية علماء المسلمين بالقرآن، وتوثيق للقرآن، وتتبع لمراحل نزوله، وتحديد لتاريخ كل آية وموطن نزولها.
وهذا التفريق ساعد العلماء على تحقيق ما يلي:
أولا: تحديد خصائص كل من الآيات المكية والمدنية عن طريق الاستقراء والتتبع، من الناحية الموضوعية والأسلوبية.
ثانيا: دراسة مراحل تاريخ الدعوة الإسلامية خلال المرحلتين المكية والمدنية، وتوثيق روايات السيرة النبوية، المرتبطة كل الارتباط بالقرآن والسنة النبوية.
ثالثا: معرفة الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحكام، وهذا أمر كبير الأهمية، لأن النسخ وقع في القرآن، ومعرفة المتقدم والمتأخر من الآيات هو السبيل الوحيد لمعرفة الناسخ من المنسوخ.
رابعا: فهم النصوص القرآنية عن طريق معرفة تاريخ القرآن، والظروف التي أدت إلى نزول الآيات، واستنتاج منهج الدعوة الإسلامية في الخطاب والإقناع.
واستطاع العلماء بعد جهد كبير وتتبع دقيق أن يعرفوا المكي والمدني من الآيات، ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في بعض الآيات، نتيجة تعدد الروايات فيها، إلا أن ذلك الالتباس أمكن التغلب عليه، والآيات المكية معروفة والآيات المدنية كذلك.
وعدّد «الزركشي في البرهان» والسيوطي في الإتقان كلا من السور المكية والسور المدنية، والسور المكية خمس وثمانون والسور المدنية تسع وعشرون، على اختلاف الروايات، ووقع الاختلاف في اثنتي عشرة سورة، ويبدو أن سبب الخلاف هو أن بعض السور نزلت بين مكة والمدينة أو أن بعضها مكي والبعض الآخر مدني، وهو خلاف يدل على جدية الاهتمام بالأمر، ودقة تتبع الروايات الواردة عن الصحابة.
стр. 88
روى أبو بكر ابن الأنباري عن قتادة قال:
نزل في المدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والرحمن، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبي لم تحرم، إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، وسائر القرآن نزل بمكة» (١).
وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه: الناسخ والمنسوخ:
المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق، ونظم ذلك أبياتا.
وأول ما نزل بمكة من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم تبت يدا أبي لهب وتب، ثم إذا الشمس كوّرت، ثم سبح اسم ربك الأعلى .... وهكذا .....
ووقع خلاف في سورة الفاتحة، وذهب الأكثرون إلى أنها مكية، وورد أنها أول ما نزل، وقال مجاهد: إنها مدنية، وقيل: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة تشريفا لها .. وقيل أيضا: إنها نزلت نصفين، نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة، والظاهر أنه النصف الثاني، وقال السيوطي في الإتقان: ولا دليل لهذا القول.
وخصص السيوطي في كتابه «الإتقان» فصلا خاصا في ذكر ما استثني من المكي والمدني، ونقل عن ابن حجر في شرح البخاري: قد اعتنى بعض الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السور المكية، قال: وأما عكس ذلك، وهو نزول شيء من سورة بمكة، تأخر نزول تلك السورة إلى المدينة، فلم أره إلا نادرا» (٢).
стр. 89
ضوابط المكي والمدني:
اتفق العلماء على أن السماع والنقل عن الصحابة هو معيار العلم بالمكي والمدني من السور والآيات، إلا أن المعيار لا ينفي أن تكون هناك ضوابط وقرائن مستفادة من استقراء الآيات المكية والمدنية يعرف بها المكي والمدني، وهي ضوابط عامة يمكن ملاحظتها بسهولة ويسر، تؤكد انسجام الآيات المكية مع المرحلة الزمنية في مكة من حيث طبيعة الخطاب والمخاطب وأسلوب الخطاب، وكذلك الأمر بالنسبة للآيات المدنية، والأمر لا يخفى على العلماء الذين درسوا السيرة النبوية، وتتبعوا مراحل التشريع وتدرجه.
[خصائص الآيات المكية]
ومن خصائص الآيات المكية ما يلي:
أولا: من حيث الأسلوب:
يلاحظ أن أسلوب الآيات المكية يغلب عليه أسلوب التعنيف والتهديد والتخويف، لأن أهل مكة كانوا مشركين أشداء في عداوتهم قساة القلوب، وكان لا بد من مخاطبتهم بما يلائم حالهم، ويتلاءم مع الوضع النفسي الذي كان قائما آنذاك، ولهذا استعمل القرآن كلمة «كلا» الدالة على الزجر والإنكار، وخاطبهم بلفظة «يا أيها الناس»، وأكثر من قصص الأنبياء بهدف الإقناع، واستشهد بما وقع للأمم السابقة، واستعمل حروف التهجي، وذكر قصة آدم وإبليس ليدلل على الصراع بين الخير والشر والإيمان والكفر، وجاءت الآيات موجزة، والسور قصيرة، وهي مليئة بالقسم.
ثانيا: من حيث الموضوع:
حثت الآيات المكية على تصحيح العقيدة، ونبذ الشرك، والإيمان بالله وحده، والإيمان بالبعث، ودعت هذه الآيات إلى الالتزام بالأخلاق والاستقامة ومحبة الغير، ورفض كل أنواع الفسوق والعصيان والإضرار بالغير والاعتداء على حقوق الآخرين، ومن الطبيعي أن يقترن ذلك بالتنديد بالعادات التي كانت سائدة في العصر الجاهلي من وأد البنات وعبادة الأصنام وظلم القوي للضعيف، وشرب
стр. 90
الخمر وإتيان الفواحش، وأكل مال اليتيم واضطهاد الرجل للمرأة.
ولم تكن المرحلة المكية مهيأة لوضع أسس نظام إسلامي، لغياب مكونات ذلك المجتمع، وكان لا بد من توسيع دائرة الدعوة، لكي ينصب الاهتمام أولا على إصلاح العقيدة، عن طريق المقارنة بين الإيمان والكفر، واستخدام العقل البشري كأداة للتمييز والترجيح، والعقل البشري قادر على أن يكتشف الحقيقة، ولهذا استعمل القرآن الكلمات المعبرة عن ثقة الدعوة الإسلامية بالعقل والعقلاء، والاحتكام إلى أهل البصيرة لكي يسلطوا الضوء على ذلك الصراع التاريخي بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والفضيلة والرذيلة، ولا بد في النهاية من انتصار الحق والإيمان والتوحيد والفضيلة، مهما طال الزمن، لأن الاستقامة هي الأصل، والانحراف عن الأصل سرعان ما ينكشف أمره عند طلوع الفجر.
خصائص الآيات المدنية:
تتميز الآيات المدنية بخصائص تجسد واقع المجتمع الإسلامي الذي يواجه تحديات خارجية تستهدف كيانه ووجوده، وتحديات داخلية تستهدف تنظيم شئونه على قواعد ثابتة تحقق الانسجام بين مبادئ الإسلام وواقع المجتمع الإسلامي.
وكان من الضروري أن ينصرف الاهتمام إلى وضع أسس ذلك المجتمع، إذ لا يمكن لأي خطاب أن يتجاهل طبيعة المخاطب وهمومه ومشاغله وقضاياه، وجاءت الآيات المدنية معبرة عن قضايا المسلمين، منظمة شئونهم، مرشدة لهم لكي يختاروا الطريق السليم في التعامل لإرساء الحجر الأساسي في بناء المجتمع الإسلامي، منظمة أحكام الجهاد والمال والحكم والأسرة والعقوبات داعية المسلمين إلى التكافل المادي الذي هو أساس التناصر وعماد الأمن والاستقرار.
واختلف أسلوب الخطاب القرآني، واختلفت موضوعاته، وتوجه الخطاب إلى أهل المدينة من مؤمنين ومنافقين ويهود، مشجعا المؤمنين على الدفاع عن وجودهم وكيانهم، محذرا المنافقين من مغبة ما يفعلونه في الظلام من غدر
стр. 91
ناصحا إياهم بالتوبة والتزام طريق المؤمنين، وفي نفس الوقت اتجه الخطاب القرآني إلى اليهود، مبينا لهم زيف ما حرفوه من كتبهم وديانتهم، ذاما ما أخذوا أنفسهم به من غدر وخيانة، مشجعا لهم على الانضمام إلى مواكب الإيمان، مرحبا بكل من يعلن توبته وولاءه للإسلام.
ونستطيع أن نحدد خصائص الآيات المدنية بما يلي:
١ - بيان أحكام التشريع
من حدود وإرث ومعاملات مادية وبيان مناهج الحكم، ولهذا جاءت الآيات المدنية ذات طبيعة تشريعية مفصلة للأحكام مبينة للحقوق، وأسلوب البيان التشريعي لا بد فيه من الإطالة والتوضيح.
٢ - وضوح أحكام الجهاد
، والجهاد لم يكن مشروعا في مكة، وجاءت الآيات المدنية مفصلة لأحكام الجهاد والأسرى، مبينة أسباب الانتصار وأسباب الانتكاس، داعية المسلمين إلى الصبر والتضحية.
٣ - توجيه الخطاب إلى المؤمنين
، وخطاب المؤمنين يتطلب اختيار منهج التعليم والتوجيه والنصح والتكوين، ولهذا جاءت أحكام البيان التشريعي في إطار خطاب المؤمنين، وأحيانا يتضمن خطاب المؤمنين الشدة والتخويف والتحذير من غضب الله في حالة التقاعس عن أداء ما أمر الله به، أو ما نهى عنه، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
وهناك ملاحظات كثيرة لاحظها العلماء الذين درسوا الآيات المكية والمدنية من حيث ما اختصت به كل منهما من خصائص، وهذه الملاحظات مأخوذة من استقراء تلك الآيات، واستنتاج ما يغلب عليها.
ومع هذا فإننا نلاحظ وحدة النص القرآني من ناحية الأسلوب المعجز والتوجيه الحكيم والترغيب والترهيب، ودعوة الناس إلى الاحتكام إلى العقل وحسن فهم قيم الإسلام، والتمسك بعقيدة التوحيد التي تعتبر عماد العقيدة الإسلامية.
والقرآن تحكمه مقاصد وغايات، ويخاطب البشر جميعا، فيشتد الخطاب
стр. 92
ويعنف عند ما يتطلب الأمر ذلك، ويلين ويسهل عند ما تتطلب الحكمة ذلك، لا فرق في ذلك بين مكي ومدني، لأن القرآن كلام الله وهو معجز في حكمته، ومن الإعجاز أن يكون الخطاب مؤديا غايته ومحققا مقاصده.
وما اكتشف المفسرون حتى اليوم من إعجاز القرآن لا يتجاوز المقدار القليل، والإعجاز مستمر ومتواصل، والخطاب القرآني متجدد لا يتوقف، وكل جيل مخاطب بالقرآن، ومكلف بأن يكتشف الجديد من إعجازه وأحكامه ومقاصده وغاياته، فإذا كان هناك قصور في الفهم فهذا دليل على عجز الإنسان وجمود فكره وتخلف إدراكاته، ومسيرة البشرية متواصلة، وعطاء القرآن لن يتوقف أبدا.
معرفة أول ما نزل من القرآن:
اختلف العلماء في أول ما نزل من القرآن، وسبب الاختلاف في هذا الأمر بالرغم من شهرة بعض الروايات ورجحانها أن الأمور التي تتعلق بالنقل والرواية يختلف الرأي فيها باختلاف الرواية، وتتعدد الأقوال بتعدد ما ثبت من الروايات، ولا يملك الباحث في موطن الروايات المنقولة إلا أن يقف موقف الحياد، سامعا للرواية، ناقدا لسندها، مفسرا لمتنها مرجحا بالحجة والبيان ما يراه أقوى وأرسخ.
والخلاف في معرفة أول ما نزل وفي معرفة آخر ما نزل يدلنا دلالة أكيدة على أمرين:
الأمر الأول: اهتمام علماء القرآن بكل ما يتعلق بالقرآن من حيث النزول وتاريخ النزول وأسبابه، وهذا الاهتمام عمق الثقة بجدية الدراسات القرآنية، وجعلها في موطن اليقين، لكيلا يتطرق الشك إلى قطعية الثبوت فيما يتعلق بالنص القرآني.
الأمر الثاني: أمانة العلماء في تسجيل ما ثبت لديهم من روايات منقولة، تاركين للباحثين المختصين أمر توثيق تلك الروايات والنظر في أسانيدها، في ضوء مقارنتها مع الروايات المنقولة الأخرى المتعارضة منها، مما يجعل أمر
стр. 93
الترجيح خاضعا لمعايير نقدية معتمدة.
[الأقوال في أول ما نزل]
ووردت أربعة أقوال في أول ما نزل (١):
القول الأول: صدر سورة اقرأ إلى قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، ووصف السيوطي في الإتقان هذا القول بأنه «الصحيح»، واستدل لذلك بما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة ﵂، فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، حتى بلغ «ما لم يعلم» فرجع بها رسول الله ﷺ ترتجف بوادره ... ».
وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة، قالت: «أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك».
وروى أبو عبيد في فضائله عن مجاهد قال: إن أول ما أنزل من القرآن اقرأ باسم ربك ون والقلم».
القول الثاني: أول ما نزل من القرآن: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، واستدل من قال بهذا الرأي بما رواه الشيخان عن سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قلت: أو اقرأ باسم ربك؟ قال:
أحدثكم بما حدثنا به رسول الله ﷺ : «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو- يعني جبريل- فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم
стр. 94
فدثروني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ.
وأجاب أصحاب القول الأول عن هذا الحديث بنفي التعارض بين القولين، وأكدوا بأن صدر سورة «اقرأ» هي أول ما نزل، وإن سورة المدثر هي أول سورة نزلت كاملة، وفيها تكليف ببدء الدعوة، ونزلت بعد آيات القراءة، والقراءة أولا، والتكليف ثانيا، والأولوية ليست أولية مطلقة، فهناك الوحي وهناك بدء الرسالة والتكليف، وقال ابن حجر: إن المراد أول ما نزل بسبب متقدم وهو التدثر الناشئ عن الرعب، بخلاف اقرأ فنزلت ابتداء ... وقال الكرماني: قال جابر بن عبد الله ذلك باجتهاده، وليس هو من روايته، فيقدم عليه ما روته عائشة، ومع هذا فلا يمكن أن يجهل «جابر» أولوية سورة «اقرأ»، والأمر ليس اجتهادا، وإنما هو نقل ورواية، وهي بيان عن نزول سورة المدثر، وهي واضحة في الدلالة على أنها من أول ما نزل من آيات التكليف والدعوة ولا تعارض أولوية سورة «اقرأ» كبدء للوحي، ويؤكد هذا لفظة «فإذا هو» في حديث جابر، وكأن الرسول سبق أن رآه عند ما نزل عليه يأمره بالقراءة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
القول الثالث: أول ما نزل من القرآن «سورة الفاتحة» واستدل من قال بهذا القول بما أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة:
«إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له، وقالت:
اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقصا عليه، فقال: لا تفعل إذا أتاك، فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه، يا محمد قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ وهو مرسل رجاله ثقات.
قال البيهقي: إن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقرأ والمدثر.
стр. 95
وقال الزمخشري في الكشاف: ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت اقْرَأْ، وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب.
ورد ابن حجر على هذا القول مؤكدا أن ما ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول، وما نسب إلى أكثر المفسرين لم يقل به إلا عدد أقل من القليل.
ويلاحظ أيضا عدم التناقض بين هذا القول والأقوال السابقة، فهذا القول يؤكد أن سورة الفاتحة كانت من أوائل السور التي نزلت مع اقرأ والمدثر، ولم يكن أمر الوحي والقرآن في ذلك الحين واضحا للنبي ﷺ ، فكان يأخذه العجب والخوف والهلع كلما جاءه جبريل، ولا يدري ماذا يفعل، وينبغي أن تحمل الروايات الواردة في هذا المجال على أساس تكامل الأحداث التي واكبت نزول القرآن في المرحلة الأولى، واصفة بدقة حالة الرسول ﷺ وهو يفاجئ بالوحي يلاحقه ويخاطبه وينزل عليه القرآن، والرسول وجف خائف يعيش هذه المرحلة ولا يستطيع أن يفسر ظاهرة الوحي التي كانت جديدة عليه.
القول الرابع: أول ما نزل من القرآن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ واستدل من قال بهذا الرأي بما أخرجه الواحدي بإسناد عن عكرمة والحسن قالا:
أول ما نزل من القرآن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وأول سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على النبي ﷺ قال: يا محمد استعذ ثم قل: بسم الله الرحمن الرحيم.
وذكر الزركشي في البرهان (١): طريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وأول ما نزل من أوامر التبليغ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وأول ما نزل من السور «سورة الفاتحة»، وقيل: أول ما نزل للرسالة: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وللنبوة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وقال العلماء: «اقرأ باسم ربك» دال على نبوة محمد ﷺ لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ دليل على رسالته، لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام.
стр. 96
وتعدد الأقوال في هذا الأمر لا يمكن فهمه إلا في إطار وصف المرحلة الأولى التي واكبت نزول القرآن، ولا مجال للقول بتناقض الأقوال أو تباينها، وكل راو كان ينقل ما سمعه عن وصف لبعض المراحل، مما يوثق الروايات التي تؤكد الآيات والسور الأولى التي نزلت من القرآن، ويؤكد صدق النبي ﷺ في تلقيه الوحي، وعفويته في وصف حالته الأولى عند ما بدأ الوحي يتنزل عليه بالآيات الأولى من القرآن.
والروايات تنقل الواقع وتعبر عنه، وكلها صحيحة، وليس فيها تعارض أو تناقض، وهذا التعارض الظاهري يؤكد صدق الظاهرة القرآنية.
معرفة آخر ما نزل من القرآن:
اختلف العلماء في آخر ما نزل من القرآن، كما اختلفوا في أول ما نزل منه، واختلافهم في أول ما نزل أيسر وأوضح، لإمكان معرفة ذلك، ولأن النصوص ذاتها توضح بطريقة جلية الخطاب القرآني الأول، وجاءت الأحاديث واضحة في وصف تلك المرحلة.
بخلاف الأمر في آخر ما نزل، فلا سبيل إلى معرفة ذلك عن طريق السنة، والطريق الوحيد هو ما رواه الصحابة من سماعهم، وربما وقع الاختلاف في آخر ما نزل، لأن بعض الصحابة سمع ما لم يسمعه الآخرون، ووقع الاختلاف في آخر آية، مع اتفاقهم على أن الأمر ينحصر في بعض آيات نزلت في المرحلة الأخيرة التي أعقبت حجة الوداع.
وأرجح الروايات الواردة في ذلك ما أخرجه ابن حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:
٢٨٢]، وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، وأخرج ابن جرير مثل هذه الرواية عن ابن جريج ..
وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين، وقال السيوطي في الإتقان: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنها قصة
стр. 97
واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر.
وذكر ابن حجر في شرح البخاري إمكان الجمع بين آية الربا وقوله: واتقوا يوما، لأن هذه الآية جاءت خاتمة لآيات الربا، وهي معطوفة عليهن، وقال البراء بأن الآيتين نزلتا جميعا، فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما.
وهناك روايات أخرى تقول: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦]، وقيل قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨]، وقيل قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [آل عمران: ١٩٥]، وقيل قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [النساء:
٩٣]، وقيل قوله تعالى في خاتمة سورة براءة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [براءة: ١٢٨ - ١٢٩]، وقيل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: ١١٠]، وقيل سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ هي آخر ما نزل ...
قال القاضي أبو بكر في الانتصار (١):
«وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن، وليس العلم بذلك من فرائض الدين».
стр. 98
الفصل السابع: جمع القرآن وكتابته
استعمل القرآن كلمة الجمع بمعنى الحفظ، وأطلقت لفظة جمّاع القرآن على حفاظ القرآن، وتوفي النبي ﷺ وكان القرآن محفوظا في الصدور ولم يكن مجموعا في مصحف أو مرتبا في سور متتابعة، وعلل الخطابي عدم جمع النبي ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة.
ولفظة «حفظ القرآن» يراد بها أحد معنيين:
المعنى الأول: الجمع بمعنى الحفظ في الصدور.
المعنى الثاني: الجمع بمعنى الكتابة، سواء كانت كتابة مفرقة أو مرتبة.
وشاع استعمال لفظة جمع القرآن للدلالة على الكتابة والتدوين وترتيب الآيات والسور في مصحف واحد.
المعنى الأول: الجمع بمعنى الحفظ:
اتجهت همة النبي ﷺ بعد أن أخذ القرآن يتنزل عليه إلى حفظ آياته واستظهارها خشية أن يفلت منها شيء فينساه، أداء منه ﷺ للأمانة الملقاة عليه، وكان قلق النفس بسبب ذلك، حتى نزلت عليه الآية القرآنية التي دعته إلى الاطمئنان، ووعدته بأن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن وبيانه، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٦ - ١٩]، وقال أيضا: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤].
وكان النبي ﷺ يقرأ القرآن ويعيد قراءته، ويقرئه لأصحابه، ويحضهم على حفظه في الصدور، وروت السيدة عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «كان جبريل يعارضني القرآن في كل سنة مرة».
стр. 99
وكانت مجالس الصحابة هي مجالس قرآن، يتدارسون القرآن، ويحفظونه، فهو بالنسبة إليهم كل شيء، ولا شيء غيره في حياتهم، يخاطبهم ويعلمهم، وكانت الأنظار ترقب نزوله، وسرعان ما تنطلق الحناجر بشغف وحب تردد الآيات الجديدة وتحفظها، حتى أصبحت المساجد تضج بأصوات الصحابة وهم يقرءون القرآن.
روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار».
وروى البخاري ومسلم أن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ اقرأ عليّ القرآن، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
وكان إذا هاجر رجل دفعه النبي ﷺ إلى رجل من الصحابة يعلّمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا.
وقال ابن الجزري صاحب كتاب النشر في القراءات العشر المتوفى سنة ٥٣٣ هـ: «ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة» (١).
وهذا يؤكد لنا أن الأساس في حفظ القرآن هو حفظه في الصدور، وبخاصة أن معظم الصحابة كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، وليس من اليسير عليهم أن يكتبوا القرآن، واعتمدوا على الحفظ في الصدور، وتكرار ذلك، حتى أصبحت آيات القرآن في صدر كل صحابي محفوظة يستشهد بها في كل مناسبة ويقرؤها في كل صلاة.
стр. 100
قال الزركشي في البرهان في بيان من جمع القرآن حفظا في عهده ﷺ :
«حفظه في حياته جماعة من الصحابة، وكل قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة أقلهم بالغون حد التواتر» (١).
المعنى الثاني: الجمع بمعنى الكتابة:
إذا أطلقت كلمة جمع القرآن أريد بها كتابة القرآن في مصحف، وهي التي قام بها أبو بكر الصديق في عهد خلافته، ثم أتمها عثمان بن عفان ... واعتمد الجمع الذي تم في عهد أبي بكر على كتاب الوحي الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله ﷺ .
ونستطيع أن نحدد مراحل الكتابة القرآنية بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الكتابة في عصر النبوة:
أراد النبي ﷺ أن يوثق ما نزل عليه من القرآن بكتابته، بالإضافة إلى حفظه في الصدور، واختار بعض الصحابة الذين يحسنون الكتابة لكي يكتبوا القرآن.
قال الحاكم في المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات، إحداها بحضرة النبي ﷺ ، ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع» (٢).
وقال الإمام الحارث بن أسد المحاسبي المتوفى سنة ٢٤٣ هـ في كتابه فهم السنن: كتابة القرآن ليست محدثة فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ ، فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء».
فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟ قيل: لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ
стр. 101
عشرين سنة، فكان تزويد ما ليس منه مأمونا، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحيحه» (١).
ومن أهم كتاب الوحي الخلفاء الأربعة، ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس.
روي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا».
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٢).
واشتهر بجمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة من الصحابة من الأنصار هم:
أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.
وروى البخاري عن قتادة قال سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وفي رواية: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وقال البيهقي في كتاب المدخل: الرواية الأولى أصح، ثم أسند عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة لا يختلف فيهم، معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من ثلاثة: أبو الدرداء وعثمان، وقيل:
عثمان وتميم الداري .. (٣)
وتكلم القاضي أبو بكر في كتاب الانتصار عن حملة القرآن في حياة النبي ﷺ ، وأقام الدليل على أنهم كانوا أضعاف هذا العدد، ويشهد لذلك كثرة المقتولين من القراء يوم اليمامة، وعلل الروايات التي حددت القراء بأربعة
стр. 102
باضطراب تلك الروايات، أو المراد بها أن هؤلاء هم الذين جمعوا القرآن على جميع الأوجه والأحرف والقراءات (١).
وكانوا يكتبون القرآن على الوسائل المتاحة في ذلك العصر، وهي العسب (٢) واللخاف (٣) والرقاع (٤) وقطع الأديم (٥) وعظام الأكتاف (٦) والأقتاب (٧).
والروايات الواردة تؤكد حقائق أساسية تلقي الضوء على كيفية حفظ القرآن وجمعه وكتابته في عهد النبي ﷺ .
الحقيقة الأولى: الاعتماد على الحفظ في الصدور، وكان هذا الحفظ عاما لدى جميع الصحابة، يتسابقون إليه، ويجتمعون في المساجد لقراءة القرآن وحفظه، ولا يمكن تصور صحابي لا يحفظ بعض آيات القرآن، ويتفاوتون في مدى ذلك الحفظ، فمنهم الحفاظ ومنهم القراء، ومنهم كتاب الوحي، ومنهم من يحفظ القليل أو الكثير مما تيسر له.
الحقيقة الثانية: تأكيد كتابة القرآن في عهد النبي ﷺ وبين يدي رسول الله، عقب نزول القرآن، وكان يختص بذلك كتاب الوحي، وأسماؤهم معروفة، والروايات تؤكد أن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن، وكان الصحابة يكتبون، ونهاهم عن كتابة السنة لئلا يقع الالتباس عليهم فيما كتبوه، حرصا منه ﷺ على سلامة النص القرآني.
الحقيقة الثالثة: ليس هناك شيء من القرآن لم يكن مكتوبا، فكل القرآن مكتوب، وكتاب الوحي متعددون، بحيث إذا غاب البعض عن مجلس رسول الله ﷺ تولى الآخرون الكتابة، ولا يتصور غياب الجميع، وبخاصة أن كتاب الوحي كانوا من أقرب الناس لرسول الله، ومنهم الخلفاء الأربعة.
стр. 103
الحقيقة الرابعة: لم يكن القرآن مجموعا في مصحف وفق ترتيب واحد، وكان كتاب الوحي يحتفظون بما كتبوه، بحيث يسهل على من أراد جمع القرآن أن يقوم بذلك، والسبب في عدم الجمع هو استمرار نزول الوحي حتى الأيام الأخيرة من حياته ﷺ ، ولم تكن الحاجة ملحة لجمع القرآن، لوضوح نصوصه محفوظة في
الصدور، ولثبوت نصوصه مدونة في الرقاع لدى كتاب الوحي ولدى غيرهم ممن كان يحرص على كتابة القرآن.
الحقيقة الخامسة: لا مجال للشك في ثبوت النصوص القرآنية، وما قام به أبو بكر فيما بعد لا يتعدى حدود الجمع، وتوثيق ذلك الجمع والاطمئنان إلى سلامة النص القرآني، ومطابقة النصوص المكتوبة بما هو محفوظ في صدور القراء الذين اشتهروا بالحفظ والدقة.
المرحلة الثانية: الجمع في عهد أبي بكر:
بعد وفاة النبي ﷺ توقف الوحي، واستقرت نصوص القرآن، فلم يعد ينسخ منها شيء، ولا يضاف إليها جديد، وتولى أبو بكر الخلافة، واتجهت أنظار الصحابة إلى حفظ القرآن وجمعه في مصحف موحد، خشية أن يضيع منه شيء أو يضاف إليه ما ليس منه، إذا وقع التقاعس في جمعه في وقت مبكر، وبخاصة بعد معالم فتنة تبدو في الأفق، متمثلة في حركة الردة التي هزت المجتمع الإسلامي الوليد، وأيقظته على واقع جديد مليء بالتحديات والمواجهات.
وفي معركة اليمامة استشهد عدد كبير من حفظة القرآن، وصل عددهم إلى سبعين صحابيا، وبعضهم قال أكثر من ذلك، وخشي عمر بن الخطاب- وكان رجل دولة بعيد النظر واسع الرؤية قوي الحجة شجاعا في قراراته، غيورا على الإسلام- أن يضيع بعض القرآن أو يلتبس الأمر على المسلمين في شأن بعض آياته بعد موت الكثير من الحفاظ، فعرض الأمر على أبي بكر، وتردد الخليفة في قبول ذلك، خشية أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول ﷺ ، وبعد تردد شرح الله صدره لذلك.
стр. 104
روى البخاري في صحيحه أن زيد بن ثابت ﵁ قال:
أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر» (١).
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد خير قال:
سمعت عليا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.
وشرع «زيد» في جمع القرآن، وطلب من حفاظ القرآن وكتابه، أن يأتوا بما لديهم من القرآن، واشترط لقبول ذلك أن يشهد شاهدان على صحة ما يأتيه، مبالغة في الاحتياط، وروى ابن أبي داود قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان (٢).
стр. 105
وفي رواية أخرى أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.
وفسر ابن حجر المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، وقال السخاوي في جمال القراء: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ أو المراد أنهما يشهدان على ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.
ونقل السيوطي عن أبي شامة المقدسي صاحب كتاب الروضتين أنه قال:
وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره أي لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.
وفسر السيوطي في الإتقان معنى الشهادة أن المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي ﷺ عام وفاته (١).
وهذه الروايات الكثيرة تؤكد الوقائع التي أدت إلى جمع القرآن في عهد أبي بكر، وأن هذا الجمع أحيط بضوابط دقيقة لكي يكون القرآن في موطن الثقة واليقين.
وتجلت عوامل الدقة فيما يلي:
العامل الأول: الاعتماد على الحفظ والكتابة التي تمت بين يدي رسول الله ﷺ ، ويؤكد هذا مشاركة الصحابة جميعا في هذا الجمع عن طريق تزويد «زيد» بكل ما هو مكتوب.
العامل الثاني: تفويض أمر الجمع إلى زيد بن ثابت، وقد كان في موطن الثقة، ولم يطعن أحد بكفاءته ونزاهته وقدرته على القيام بهذه المهمة.
العامل الثالث: توثيق النص القرآني بشاهدين، يشهدان على أن الكتابة تمت بين يدي رسول الله ﷺ .
стр. 106
العامل الرابع: تأكيد ما هو محفوظ في صدور الصحابة لما هو موضوع في الرقاع والعسب وقطع الأديم.
ولما اكتمل الجهد، وتكامل الجمع، قال أبو بكر: سموه أو التمسوا له اسما، روى ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر:
التمسوا له اسما، فقال بعضهم: السفر، وقال بعضهم: المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف، وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف (١).
واستقبل هذا المصحف الذي تم جمعه في عهد أبي بكر من الصحابة، بالتقدير والتنويه، اعترافا بعظمة هذا العمل، وتأكيدا على سلامة منهج الجمع الذي نال ثقة الصحابة، وحظي بموافقتهم، وأجمعوا على قبوله والإشادة به.
المرحلة الثالثة: الجمع في عهد عثمان:
في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتد سلطانها، وتباعدت أرجاؤها، واختلطت شعوبها، وتداخلت لغاتها، وتناثر ذلك الجمع المبارك من صحابة رسول الله ﷺ من حفاظ القرآن في تلك البقاع البعيدة، وأخذ كل إقليم يلتف حول رمز من رموز الإسلام من صحابة رسول الله ﷺ يتعلم منهم القرآن، ويسمع منهم ما حفظوه من السنة، وما اختزنوه في ذاكرتهم من أيام الإسلام الأولى في عصر النبوة.
وكان من الطبيعي أن تتعدد القراءات وتتباعد اللهجات، ويقع الاختلاف في ترتيب الآيات والسور وبخاصة في ظل مصاحف مكتوبة، احتفظ بها أصحابها، لا تختلف من حيث الآيات عن مصحف أبي بكر، لأن ذلك مما وقع الإجماع عليه.
ولم يكن من اليسير مراقبة تلك المصاحف الفردية، وتتبع ترتيبها، وضبط تلاوتها ورسمها، لتباعد الأمصار الإسلامية عن المدينة، وخشي بعض الصحابة أن تتسع دائرة الخلاف، ويقع الاختلاف في القرآن، وطلبوا من الخليفة وهو
стр. 107
المؤتمن على القرآن أن يتدارك الأمر قبل أن يستفحل، وأن يوحد المصحف، وأن يضع في كل بلد مصحفا معتمدا يرجع إليه عند الاختلاف، واستجاب عثمان لذلك الطلب، وحققت خطوته الموفقة أهدافها في توحيد المصحف، وكان هذا من توفيق الله وحفظه لكتابه.
روى البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن ارسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (١).
قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فألحقناها في سورتها في المصحف.
قال ابن حجر: وكان ذلك سنة خمس وعشرين.
وأخرج ابن أشتة عن أبي قلابة أن أنس بن مالك قال:
«اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمصلحون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال: عندي تكذبون به وتلحنون فيه، فمن نأى عني كان
стр. 108
أشد تكذيبا وأكثر لحنا، يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما، فاجتمعوا فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا، فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكانا» (١).
قال ابن التين وغيره:
«الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، فجمعه في صحائف
مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة، حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة» (٢).
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني صاحب الإعجاز في كتابه الانتصار:
«لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد» (٣).
стр. 109
وقال الحارث المحاسبي:
«المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق» (١).
وقال أبو الحسين بن فارس في المسائل الخمس:
جمع القرآن على ضربين:
أحدها: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولته الصحابة.
وأما الجمع الآخر: وهو جمع الآيات في السور فهو توفيقي تولاه النبي ﷺ (٢).
وهذه النصوص واضحة الدلالة على تتابع الجهد وتكامل العمل، في رحلة جمع القرآن، وتوثيقه وتوحيد المصحف، وحسم الخلاف، وجمع كلمة المسلمين على مصحف موحد معتمد موثق لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، معتمدين في ذلك على ما كتبه كتاب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ ، وما حفظه الصحابة في صدورهم.
ويلاحظ في جمع عثمان للقرآن ما يلي:
أولا: اعتماده الكلي على مصحف أبي بكر الذي كان محفوظا لدى السيدة حفصة، ومصحف أبي بكر أعدته لجنة مختصة من حفاظ القرآن، ووقع الإجماع عليه، ولو وقع أي خلاف بين المصحفين لما ارتضاه المسلمون.
стр. 110
ثانيا: كلف عثمان لجنة رباعية أحد أفرادها زيد بن ثابت الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر.
ثالثا: هناك إشارة إلى أن جمع عثمان للقرآن كان يستهدف كتابة القرآن ورسم القرآن وتوحيد القراءة، «فاكتبوه بلسان قريش» وهذا دليل على أن أي خلاف لا يمكن أن يتعلق بنص القرآن، وإنما يتعلق بلغة القرآن وكتابة القرآن، وحدد لهم عثمان أنه إذا وقع أي خلاف بينهم وبين زيد فليكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الباقلاني من أن ما قصد إليه عثمان هو جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير.
وهكذا يتبين لنا أن جمع أبي بكر كان يستهدف جمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان مفرقا في الرقاع، وجمع عثمان كان يستهدف توحيد القراءة، لئلا يقع اختلاف بين القراء في قراءة القرآن، والأحاديث التي رواها البخاري في سبب الجمع الأول والجمع الثاني واضحة الدلالة على الأسباب التي دفعت أبا بكر للقيام بجمع القرآن، والأسباب التي دفعت عثمان للقيام بتوحيد القراءة القرآنية لكي تكون موافقة للغة قريش.
ويبدو أن بعض المستشرقين هالهم هذا الجهد المحكم الذي قام به الصحابة في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، منطلقين في ذلك من إيمانهم بالقرآن، مدركين واجبهم في حماية نصوصه، متطلعين لمرضاة الله، فانطلقوا كعادتهم في مثل هذه المواقف يشككون في كل رواية، ويلتمسون لأنفسهم عذرا في طعن مقدسات الإسلام، مفسرين الأحداث والمواقف تفسيرا مريبا، فتارة يكتشفون صراعا بين المكيين والمدنيين، وتارة يفسرون ظاهرة عادية بما يحقق أغراضهم من إثارة الشبهات.
وأفضل رد على هؤلاء تجاهل ما يثيرونه من شبهات، وبخاصة تلك الشبهات التي لا يقوم عليها دليل، ولا تؤيدها حجة، لأن غايتهم الأولى من إثارة تلك الشبهات إشغال
المسلمين بالرد عليها، وأنهاكهم بتتبعها، وإيصال صداها إلى المجتمعات الإسلامية لكي تكون في موطن النقاش والجدال.