← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38039

مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص

محمد عباس الباز

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقريظ فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله خليل الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا والصلاة والسلام على من بعثه الله هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد .. فإن تعلم القرآن الكريم وتعليمه من أجل القربات وأعظمها عند الله تعالى. ومن صور تعلم القرآن الكريم تعلم القراءات التي يقرأ بها هذا القرآن العظيم. وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرف ليوافق لهجات العرب ونزل به الأمين جبريل على نبينا محمد ﷺ . ومن فضل الله تعالى على ابننا محمد عباس الباز أن وفقه لتلقي القراءات القرآنية وقد قرأ علي شيئا منها. وقد وفقه الله لوضع هذا الكتاب الذي جمع فيه كل ما يختص برواية حفص عن عاصم كما بين فيه الكلمات التي انفرد بها حفص دون غيره من القراء العشرة ورواتهم. وقد وضع له عنوان «مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص» وهذا من فضل الله عليه أن وفقه لهذا العمل الجليل وأرجو من الله تعالى أن ينفع به المسلمين في كل البلاد. وقد سمعت منه الكتاب وصححت فيه وأضفت عليه وسررت به كثيرا لأن فيه الجديد الذي لم يذكره غيره من المشتغلين بهذا العلم.

стр. 2

وأقدم شكري للابن محمد بن عباس الباز على هذا العمل الجليل الذي لا يضاهيه أي عمل فلا يوجد أفضل من الاهتمام بالقرآن الكريم. وأسأله سبحانه أن يعين المؤلف لخدمة كتابه الكريم. فضيلة الشيخ المقرئ محمد عبد الحميد شيخ مقارئ الإسكندرية

стр. 3

تقريظ فضيلة الشيخ محمد بن عوض بن زائد الحرباوي الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى ونورا وجعل له حلاوة وعليه طلاوة لمن تلاه حق التلاوة. والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم أنبيائه وعلى آله وصحبه الكرام الذين حملوا أمانة القرآن العظيم سالمة نقية من كل تحريف وأدوها إلى أتباعهم كما تلقوها حتى وصلت إلينا بالسند المتواتر النقي بارزة فيها معجزة قوله تعالى في كتابه الكريم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]. وبعد .. فقد اطلعت على كتاب: «مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص» لصاحبه الأخ الشيخ محمد بن عباس بن محمد الباز فألفيته قد أحاط بمفردات حفص عن عاصم الكوفي مستقصيا جميع المواضع التي انفرد بها عن غيره من القراء العشرة. وهذا الكتاب بحق مفيد للمهتمين بهذا الفن. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياه لخدمة كتابه وأن يجعل العمل خالصا لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه محمد بن عوض بن زائد الحرباوي المدرس بقسم الدراسات القرآنية في كلية المعلمين بالرياض

стр. 4

المقدمة الحمد لله، خلق الإنسان، علمه البيان، قال في محكم القرآن: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، والصلاة والسلام على إمام الهدى وصاحب أفصح وأبين لسان، نبينا محمد ﷺ ، الذي أرسله ربه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. أمرنا ربنا بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦]. وبعد .. فإن القرآن الكريم هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، نور للفرد والأمة، يقاس تقدم الأمة وتقهقرها بقدر تمسكها بهذا النور الهادي؛ ذلك لأن فيه العلاج الناجح لكل تقهقر وتأخر، وفيه الدليل المرشد لكل تقدم ورقي. حينما تمسك به السلف الكرام عزوا وسادوا وقادوا، وحينما تخلى عنه الخلف تقهقروا وتخلفوا وذلوا، ولسان الحال أبين من لسان المقال. يوم أن كان القرآن قائدا؛ جيشت الجيوش تعلي كلمة الله، وتستجيب لصرخة «وا معتصماه!» واليوم تنطلق ملايين الصرخات: «وا إسلاماه! وا معتصماه!» ولكن .. لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشرفي شيء وإن هانا فليت لي بهم قوما إذا ندبوا ... شدوا الإزارة فرسانا ورهبانا

стр. 5

«إن القرآن هو حقيقة الخلق الاجتماعي في الأمة، وهو الذي يجعل الأمة كلها طبقة واحدة على اختلاف المظاهر الاجتماعية عالية ونازلة وما بينهما، فهو بذلك الضمير القانوني للشعب، وبه لا بغيره ثبات الأمة على فضائلها النفسية. ولهذا كان القرآن من أقوى الوسائل التي يعول عليها في إيقاظ ضمير الأمة وتنبيه روحها. وكل أمة ضعف الدين فيها اختلت هندستها الاجتماعية وماج بعضها في بعض. إن هذه الأمة التي يكون واجبها أن تشرف وتسود وتعتز، يكون واجبا عليها ألا تسقط ولا تخضع ولا تذل» (١). كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] إن القرآن هو القلب النابض لأفراد هذه الأمة، ومتى كان القلب سليما وقويّا ومتينا؛ استطاع أن يضخ العزة والشرف في قلوب أبنائه. لقد مر على الأمة زمن لم يفلت من حفظ القرآن فيه إلا نفر قليل عن غير عمد قصدوه، فكنت تقابل الطفل ابن العاشرة فتجده حافظا لكتاب الله ولشيء من سنة رسول الله ﷺ . واليوم لقد عجزت الأمة، بل عجز المثقفون فيها، بل عجز بعض أئمة المساجد، عجز كل هؤلاء عن أن يقيموا بالقرآن ألسنتهم، فعجزوا عن أن يقيموه في قلوبهم، فضلا عن تطبيقه في واقع حياتهم. ألا يا أمة القرآن عودي: ألا يا أمة القرآن عودي، عودي إلي الخير والفلاح، والبر والرشاد، والعزة والسيادة، والتقدم والنماء، ولن يكون ذلك إلا بالشرب من هذا النهر العذب

стр. 6

الصافي، الذي يفيض نورا وعطاء. يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥، ١٦].

стр. 7

التمهيد الحمد لله الذي اختار من عباده أقواما شرفهم بحمل كتابه، وأوجب عليهم تجويده والعمل بما فيه، وأجزل لهم العطاء والرضوان على ذلك سبحانه من إله كريم وهاب فضل أهل القرآن على من سواهم. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة نتخلص بها من النزعات، ونعلو بها أرقى الدرجات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١). اللهم صلّ عليه وعلى آله وصحبه، الذين حفظوا القرآن، وحافظوا عليه، وجودوه، وتدبروا معانيه، وعملوا بما فيه من أحكام، وتخلقوا بما فيه من آداب، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢] أما بعد .. فإن أفضل ما يشغل الإنسان به جوارحه كتاب الله الكريم، من حفظه وتجويده وتدبر معانيه، والعمل بما فيه، ليكون بذلك من أهل السعادة في الدارين. قال رسول الله ﷺ : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين» (٢) وهذه رفعة الدنيا في التمسك به والانقياد لأحكامه. وقال ﵊: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» (٣).

стр. 8

وهذه رفعة الآخرة، فقد جمع القرآن بين سعادة الدارين. هذا الكتاب: يبحث في علم القراءات، وهو علم يتعلق بالقرآن الكريم، وعنوان الكتاب «مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص». جمعت فيه الألفاظ والكلمات التي انفرد بها حفص عن عاصم، وقرأها وحده ولم يتفق معه راو أو قارئ في قراءته لها، كما ضمنته تعريفا بعلم القراءات، وخصصت رواية حفص ببيان أصولها. والسبب في ذلك أن (رواية) حفص انتشرت انتشارا واسعا في أصقاع العالم، ولم يعد عامة المسلمين وكثير من خاصتهم يعرفون غيرها. فأردت أن أبين لإخواني أن هذه القراءة المنتشرة، والتي يقرءون بها اختلفت في كثير من الكلمات والألفاظ عن كل القراءات والروايات، بل إن حفصا اختلف مع قرينه شعبة، وكلاهما تلقى القراءة عن إمام واحد هو الإمام عاصم الكوفي. وفي الحقيقة إن قراءات وروايات القرآن الكريم كانت منتشرة في عالمنا الإسلامي، وكان التلاميذ الصغار يتلقون هذه القراءات عند مشايخهم بأسانيد متصلة إلى رسول الله ﷺ ويحصلون على إجازات في هذه القراءات. «وكانت قراءة عامة المصريين منذ الفتح الإسلامي إلى أواخر القرن الخامس الهجري على طريقة أهل المدينة المنورة سيما التي رواها ورش المصري عن نافع القارئ المدني، ثم اشتهر بعدها بينهم قراءة أبي عمرو البصري، واستمر العمل عليها قراءة وكتابة في مصاحفهم إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري، ثم

стр. 9

حلت محلها قراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي» (١). وكان أهل السودان يقرءون برواية الدوري عن أبي عمرو البصري وقد طبع في السودان مصحف خاص بهذه الرواية، وفي ليبيا يقرءون برواية قالون عن نافع المدني، ولديهم كذلك مصحف مطبوع بهذه الرواية. ولا يزال أهل بلاد المغرب العربي يقرءون برواية ورش عن نافع المدني، وهي القراءة التي لا يعرف أهل موريتانيا غيرها، وقد قام مجمع الملك فهد في المدينة المنورة بطباعة مصحف خاص برواية ورش عن نافع، وتوجد تسجيلات صوتية تخص هذه الرواية لمشاهير قرائنا، وأشهرها: تسجيل الشيخ محمود خليل الحصري، وتسجيل الشيخ محمد صديق المنشاوي لكامل المصحف. وحينما أنعم الله عليّ بتلقي القراءات السبع على يد مشايخ أفاضل علمت عظم هذا العلم، وعلمت كذلك فائدته الجليلة في خدمة كتاب الله تعالى، كما علمت السر في نزول القرآن هكذا، وذلك ليتحقق الغرض الإلهي من التعبد بتلاوته، حيث إنه يصعب جمع ألسنة الناس مع تباينها على قراءة واحدة، وصدق ربنا ﵎: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] وربما اطلع على هذا الكتاب عدد من المسلمين فعرفوا وأفادوا منه شيئا في انفراد حفص (صاحب القراءة المشهورة) عن غيره من الرواة والقراء، في قراءة بعض الألفاظ والكلمات، فكان ذلك حافزا لطلب هذا العلم وإنعام الدراسة خدمة لكتاب الله وحفاظا على ميراث رسول الله ﷺ . وفقنا الله لحفظ كتابه والعمل بما فيه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه/ أبو معاذ محمد عباس الباز حاصل علي إجازة في القراءات السبع

стр. 10

مكانة القرآن وأهمية حفظه أولا: فضل القرآن الكريم: القرآن الكريم هو كلام الله المبين، المنزل على الصادق الأمين، ليرشد الأمة ويدلها على خيري الدارين، ويقودها إلى السعادة الأبدية. وقد نقل القرآن إلينا نقلا متواترا عن جبريل أمين الوحي عن رسول الله ﷺ عن صحابته الكرام عن التابعين وأئمة القراءة، حتى وصل إلينا كما أنزله الله على رسوله الكريم. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]. والقرآن الكريم هو الحبل الذي يصل السماء بالأرض، فمتى أوصلت الأمة خيوط هذا الحبل وشدتها وقوت من حبكها، انعكس ذلك على أوضاعها. القرآن الكريم قاموس اللغة العربية، وسر بقائها، وهو قانون الشريعة الإسلامية، ودستور قيام الدول العادلة الناهضة. لقد كان القرآن وما يزال نورا يضيء القلوب والعقول، وما نبغ علماء الإسلام السابقون إلا بنبوغهم في القرآن الكريم لأنه مفتاح العقول. ولقد شاهدت- بحكم عملي في مجال التربية والتدريس- طلابا يهتمون بحفظ القرآن الكريم، وآخرين لا يعنون بتلاوته فضلا عن حفظه، فكان الذين يحفظون أوائل مدارسهم، والتحقوا بأوائل الكليات، وقابلت منهم القاضي والطبيب، والمهندس، والمترجم، فقلت في نفسي: صدقت يا ربنا حيث قلت: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمران: ١٩٠]، أي أصحاب العقول.

стр. 11

وقد أحسن الإمام الشاطبي حين أشار إلى ذكاء قراء القرآن الكريم فقال: وما كان ذا ضد فإني بضده ... غني فزاحم بالذكاء لتفضلا (١) ١ - القرآن بشارة: في الدنيا والآخرة. قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩]. ٢ - القرآن نور: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥، ١٦]. ٣ - القرآن علو ورقي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢). فمن أراد من الجنة أعلاها وأرقاها فليرتل دائما القرآن الكريم. ٤ - القرآن شفيع: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (٣). وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» (٤) ومعنى تحاجان: أي تدافعان. وذلك من صور الشفاعة.

стр. 12

٥ - القرآن عمار: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (١). ٦ - القرآن يجمع لصاحبه سلامة الباطن وحسن الظاهر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: لا ريح لها وطعمها مر» (٢) فانظر إلى المؤمن كيف حكم له الرسول ﷺ بسلامة الباطن وحسن الظاهر مثل الأترجة وذلك بقراءة القرآن. ٧ - حامل القرآن يظفر بصحبة الملائكة: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٣). ٨ - حامل القرآن يلبس والداه تاجا يوم القيامة: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا» (٤). وإلى هذا المعنى أشار الإمام الشاطبي بقوله: فيا أيها القاري به متمسكا ... مجلّا له في كل حال مبجلا

стр. 13

هنيئا مريئا والداك عليهما ... ملابس أنوار من التاج والحلى (١) ٩ - القرآن ينير قبر صاحبه: وإلى هذا يشير الإمام الشاطبي بقوله: وحيث الفتى يرتاع في ظلماته ... من القبر يلقاه سنا متهللا والمعنى: «إذا كان قارئ القرآن يخشى من أعماله السيئة المظلمة أو من ظلمات القبر فإن القرآن يلقاه مشرقا باسم الوجه، فيأنس به ويتبدل خوفه أمنا وطمأنينة» (٢). ثانيا: فضل تلاوة القرآن الكريم: إن تلاوة القرآن الكريم وتدبر معانيه من أجلّ العبادات وأعظم القربات إلى رب البريات، خالق الأرض والسموات. وقد أمرنا الله بقراءة القرآن فقال: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠]. كما أمرنا ربنا بتدبر آياته فقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩]. كما أن الذين يداومون على تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار هم أصحاب التجارة الرابحة التي لا تخسر أبدا ولا تبور قطعا. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٢٩، ٣٠]. وقد أشار النبي ﷺ إلى عظيم ثواب من يقرأ حرفا من كتاب الله تعالى. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من

стр. 14

كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (١). والقرآن خير جليس يأنس إليه العبد، كما أن الذي يحب القرآن وتلاوته، يظفر بحب الله ورسوله. قال عبد الله بن مسعود ﵁: «من أحب أن يحبه الله ورسوله فلينظر: فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله». وإلى هذا يشير الإمام الشاطبي حيث يقول عن القرآن الكريم: وإنّ كتاب الله أوثق شافع ... وأغنى غناء واهبا متفضلا وخير جليس لا يمل حديثه ... وترداده يزداد فيه تجملا ثالثا: أهمية تعلم القرآن وتعليمه: إن الاشتغال بالعلم والتعليم هو أشرف عمل في هذه الحياة، فما كان الأنبياء إلا معلمين، وأفضل العلوم علوم الدين، وأفضل علوم الدين ما كان متعلقا بكتاب الله جل وعلا، وأفضل ما يتعلق بكتاب الله حسن تلاوته وإتقان قراءته، وضبط حروفه. لهذا قال النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٢). فهنيئا لمشايخ الكتّاب، ومحفظي القرآن الكريم، هنيئا لهم هذا الشرف العظيم، وهذه الخيرية بالشهادة النبوية. ومعلمو القرآن الكريم يجب أن يفخروا على الناس كلهم، فإن كان الناس يفخرون بأموالهم وأحسابهم وأهليهم، فإن أهل القرآن أحق بالفخر لأنهم أهل الله وخاصته القريبة كأقرب ما تكون. قال رسول الله ﷺ فيما رواه أنس بن مالك: «إن لله أهلين من الناس، فقيل: من أهل الله فيهم؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» (٣).

стр. 15

القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم لما كان حامل القرآن الكريم يحظى بشرف عظيم، كان لزاما على من أراد أن يحظى بهذا الشرف أن يعرف القواعد الذهبية في حفظ وضبط وإتقان القرآن الكريم، وقد ذكر حملة القرآن الكريم عدة قواعد في الحفظ والضبط، أخذت من تجارب الحفاظ، ودعمت بالآيات والأحاديث. وهذه القواعد بإيجاز كما يلي: ١ - الإخلاص: وهو لازم من لوازم أي عمل يتقرب به إلى الله. قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١]. وإذا كان الأمر بإخلاص العبادة لله في كل شئون المسلم، فإن هذا الأمر يتأكد ويتعين على حفظة القرآن الكريم، لأنهم أمناء على رسالة الوحي الخالدة، كما أنهم لا يبتغون على حفظهم أجرا ولا جزاء من أحد، لذلك جاء الوعيد الشديد في حديث: «أول ثلاثة تسعر بهم النار» (١). فجاء أولهم قارئ القرآن الذي قرأه وعلمه ليقال عنه: إنه قارئ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما رواه عن رب العزة: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢).

стр. 16

٢ - تصحيح النطق: ويكون ذلك بالقراءة على المشايخ، والتلقي منهم مشافهة، ولا يصلح لتلقي القرآن الكريم، وضبط قراءته، الاستماع من شريط أو من أي آلة، ولكن لا بد من العرض على القراء وأهل الأداء. وهذه الطريقة اتبعها الرسول ﷺ وهو أفصح من خلق الله- في تلقي القرآن الكريم، حيث إنه كان يتلقاه من أمين الوحي جبريل ﵇، كما أنه كان يعرض القرآن على جبريل، يعني يقرأ ويسمع جبريل، وهذا تمام التأكد على وصول الرسالة مؤداة على الوجه الأتم الأكمل. فقد كان الرسول ﷺ يعرض القرآن على جبريل مرة في كل سنة، فلما كان العام الذي توفي فيه ﵊ عرضه مرتين زيادة في الاطمئنان والضبط والإتقان. وقد جربت هذا في التلقي عن علماء القراءات، فكنت كلما قرأت ختمة جديدة على أحدهم، ازددت ضبطا وإتقانا، فكانت ملاحظاتهم- حفظهم الله- تجدد عليّ نفعا وفائدة في كل ختمة. وأذكر عن شيخي وأستاذي فضيلة الشيخ/ سعيد علي حماد أنه كان يسافر إلى أساتذته ليضبط حرفا أو كلمة، وذات مرة التبس عليه الأمر في قراءة الكلمة من سورة القصص «اتبعكما» في قوله تعالى: قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [القصص: ٣٥]. فسافر الشيخ سعيد إلى المدينة المنورة، والتقى بفضيلة الشيخ الدكتور/ إيهاب فكري وصحح عليه قراءة هذه الكلمة.

стр. 17

وتلقي القرآن من أهله وعلمائه، وعرضه عليهم هي الطريقة التي علّم بها الرسول ﷺ صحابته الكرام، فكان يقرأ عليهم، ويقرءون عليه. وحديث عبد الله بن مسعود في السنة الصحيحة يبين ذلك، حينما طلب منه الرسول ﷺ أن يقرأ عليه، فقال ابن مسعود متعجبا: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال له الأمين ﷺ : «إنني أحب أن أسمعه من غيري» إنها الأمانة العظيمة، والحرص البالغ للتأكد من أن الصحابة يقرءون القرآن كما أنزل على رسول الله ﷺ وكان حرص الصحابة شديدا على تعليم التابعين، وحرص التابعون كذلك على تعليم من بعدهم، وهكذا، حتى وصل القرآن إلينا بهذه الطريقة- التلقي بسند متصل إلى رسول الله ﷺ ولله الحمد. وفي زماننا هذا، ما تزال هذه الطريقة موجودة معروفة عند أهل القرآن، وما تزال الإجازات تعطى من قبل المشايخ لطلابهم بسند متصل إلى رسول الله ﷺ . ومهما بلغ تمكن المسلم وتفوقه في اللغة العربية، فلا بد له من تلقي القرآن بهذه الطريقة، فقد كان العرب الأوائل- وهم أفصح منا- لا شك في ذلك بل إننا لم نعد عربا بألسنتنا، لقد كانوا وهم أهل اللغة وأربابها لا يعرفون في تعلم القرآن غير هذه الطريقة (طريقة العرض والتلقي). ورب قائل يقول: وأين المشايخ وأهل القرآن؟ وكيف أصل إليهم؟ والجواب على ذلك: إنهم موجودون، فلا تخلو بلدة، ولا قرية من كتّاب ومحفظ، ومعاهد القرآن منتشرة، وحلقات التدريس في المساجد قائمة، كما أنك لن تعدم صديقا أو زميلا يحسن ويجيد التلاوة فتقرأ وتتعلم معه، من سلك وسأل عرف، ومن عرف وصل.

стр. 18

٣ - تحديد كمية الحفظ: إن لكل إنسان طاقة، وكل إنسان يختلف عن غيره في الذاكرة، ومن الخطأ أن يحمل الإنسان نفسه فوق طاقتها، لأن لذلك أضرارا منها: (أ) عدم ضبط ما يحفظ. (ب) بذل جهد فوق طاقة الإنسان. (ج) عدم القدرة على السير والمواصلة والاستمرار. والله تعالى أرشدنا إلى ذلك في كتابه فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]. وقال سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [الطلاق: ٧]: ونهى الرسول ﷺ عن ذلك: «لا تعملوا من الأعمال إلا ما تطيقون». فمن أراد حفظ القرآن الكريم فهو أعلم بطاقته، ووقته، فيرتب في ذهنه زمنا معينا لحفظ القرآن الكريم، ويضع خطة عريضة، تشمل الشهر والأسبوع واليوم، فيلتزم بها، وليعلم أن التكرار لازم للحفظ، وليحرص على الحفظ بنغمة يحبها حتى لا يمل من التكرار. قال رسول الله ﷺ : «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» (١). ويستحسن الترديد جهرا، فقد أثبتت الدراسات أنه كلما ازداد عدد الجوارح المشاركة في عملية التعلم، كان ذلك أدعى للحفظ والفهم. ٤ - اختيار الزمان والمكان المناسبين: وهذا من الأهمية بمكان، ففي وقت الظهيرة واشتداد الحر يصعب الحفظ، كما يشق الحفظ إذا كان الإنسان مشغول الذهن، وأفضل أوقات الحفظ والوعي

стр. 19

وقت السحر، وبعد صلاة الصبح. «وأجود الأوقات للحفظ: الأسحار، وللبحث: الأبكار، وللكتابة: وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة: الليل» (١). كما أن مكان الحفظ مهم جدّا، فلا يصلح مكان العمل مكانا للحفظ، ولا تصلح وسيلة المواصلات كذلك، كما أنه لا يصلح مكان يتجمع الناس فيه ليكون مكان حفظ، وأفضل مكان هو المسجد، أو في الخلاء بين المزارع، أو في البر، ويحفظ الإنسان في بيته في غرفة خالية، بعيدا عن إزعاج أطفاله. ٥ - لا تنتقل لحفظ جديد حتى تضبط القديم: إنك إذا انتقلت لحفظ جديد، دون أن تضبط القديم كما ينبغي، تشتت ذهنك، فلن تضبط جديدا ولا قديما، وكان القرآن في ذهنك مشوشا، وذلك لأن القلوب والعقول أوعية، ولكل وعاء قدر يحفظه، فلا تتجاوزنّ قدر وعائك. وأوصيك بتكرار ما تحفظ في صلاة النوافل، وبخاصة قيام الليل، فقد أرشدني أخي وأستاذي الدكتور محمود عبد الملك إلى هذه الطريقة فقال لي: إذا حفظت شيئا فتهجد به في يوم حفظك، وادع الله أن يعيه عقلك وقلبك، ففعلت فأفدت كثيرا، بارك الله فيه. ٦ - حافظ على رسم واحد لمصحفك: إذا بدأت الحفظ في مصحف له رسم معين، وعدد سطوره معروفة فلا تحفظ، ولا تقرأ في غيره، وذلك لأن عقل الإنسان يحفظ الجزء في مضمون كله؛ بمعنى: أن العقل يرسم الصفحة ويحدد موقع الكلمة فالعقل يحفظ الكلمة وهي الجزء في مضمون الكل وهي الصفحة. وقد التقيت بإخوة حفظوا على طبعة معينة ذات أسطر محددة، وسافروا وتركوا مصاحفهم، ولم يجدوا في أماكن إقامتهم الجديدة مصاحف طبعتهم التي

стр. 20

حفظوا عليها، فغيروا فتشتت الحفظ. لذلك فإني أنصح إخواني باختيار طبعة منتشرة معروفة يسهل العثور عليها في أي مكان. ٧ - حافظ على ترابط السورة: إن سور القرآن- خاصة الطوال منها- لها أحداث متسلسلة متتابعة، فاحرص على حفظ هذا التسلسل، واربط أحداث السورة ترابطا جيدا، فاعرف أول السورة وآخرها، واربط أولها بآخرها. ومن طرائف اختبارات القرآن الكريم، ما يحكي عن فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري يرحمه الله، أنه أمر طالبا بقوله: أكمل بعد قول الله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٩] وهذه آخر آية في سورة الزخرف فأخذ الطالب يقلب ذهنه عن الآية بعدها. ومن طرائف مشايخ الكتّاب أنهم يصلون آخر كل سورة بأول التي تليها وهذا غاية الضبط والإتقان. فإن صعب عليك هذا الترابط فإن: ٨ - الفهم طريق الحفظ: والمقصود بالفهم: الفهم العام لمضمون الآيات، وترتيب هذا الفهم في الذهن بحيث لا يختلط ولا يتداخل، ومما يعين على هذا الفهم التدبر الواعي للآيات. لذلك قال الله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] فهذه الآية نص صريح يوضح أن التدبر والفهم يفتح القلوب والعقول فتحفظ. فإذا عجزت بعد ذلك فإن: ٩ - التفسير معين ومساعد: احرص على قراءة تفسير ولو بسيط وسهل للقرآن الكريم، وهناك تفاسير

стр. 21

بهوامش المصاحف، ومنها: تفسير الجلالين، ومختصر تفسير الطبري ولكن احرص على أن يكون هذا المصحف هو نفس مصحفك الذي تحفظ منه، وإلا فهناك كتاب: «تفسير القرآن كلمات وبيان» لشيخ الأزهر: محمد حسنين مخلوف. ١٠ - العناية بالمتشابهات: إن العناية بالمتشابهات هي غاية الضبط في الحفظ والإتقان، وما كان شيء يشق عليّ حفظه في القرآن الكريم من الآيات المتشابهة. والقرآن متشابه في ألفاظه ومعانيه قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]. وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧]. وإذا كان عدد آيات القرآن الكريم يزيد على ست آلاف آية، فإن هناك قرابة الألفي آية فيها تشابه كبير، يصل أحيانا إلى درجة التطابق. ولأهمية ضبط المتشابه في القرآن الكريم، نجد أن العلماء قد اعتنوا به عناية فائقة فألفوا فيه الكتب ومن أشهرها: ١ - كتاب «البرهان في توجيه متشابه القرآن» للشيخ محمود بن حمزة الكرماني. ٢ - كتاب «فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن» للشيخ زكريا الأنصاري. ٣ - كتاب «كشف المعاني في المتشابه من المثاني» للشيخ بدر الدين بن جماعة.

стр. 22

وقد ألف أخي الأستاذ الشيخ السيد محمود محمد سند كتابا في المتشابه عنوانه: «أوجز البيان في متشابه القرآن» وقد أفدت منه. ١١ - التسميع والتسابق مع الحفاظ: فليتخير حافظ القرآن رفيقا له يسمع عليه، ويا حبذا لو كان ضابطا ويكون التسميع متبادلا بينهما، على شكل مسابقة، فكل حافظ لديه علامات في رأسه، يستفيد منها رفيقه، وقد استفدت كثيرا من هذه الطريقة، فأفدت من شيخ قرأت عليه فعرفني طريقة ترتيب ما التبس في الذهن عن طريق حروف الهجاء مثل الآيتين في سورة الصافات: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: ٢٧] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: ٥٠] فقال لي الشيخ عبد العزيز ندا- وكنت أقرأ عليه قراءة الإمام أبي عمرو البصري قال- لي: «إن ترتيب هاتين الآيتين عكس حروف الهجاء فالواو بعد الفاء وقد سبقتها في الآية الأولى. فأفدت من طريقته وأخذت أطبقها على آيات كثيرة. وكان لي شيخ بدأت الطلب معه، هو فضيلة الشيخ سعيد حماد كثيرا ما سمّع لي وقرأت عليه، تارة عن طريق الاختبار منه، وأخرى عن طريق التسميع فأفدت منه، وأفدت من هذه الطريقة. وأقول: إنني استفدت من عدد من الإخوة كانوا يقرءون عليّ، بل إنني استفدت من طريقة أخ كان مبتدئا في الحفظ وكنت أسمع له. وخلاصة القول: ألّا يعتمد الحافظ على التسميع على نفسه بل لا بد من التسميع على غيره أو التسميع لغيره. ١٢ - معاهدة القرآن الكريم: وقد أشار النبي ﷺ إلى أهمية تعاهد القرآن الكريم. عن أبي موسى الأشعري ﵁. عن النبي ﷺ قال: «تعاهدوا هذا

стр. 23

القرآن فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها» (١). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (٢). إن القرآن الكريم ليس كأي محفوظ آخر، فهو سريع الهروب من الذهن بخلاف الشعر، والحكمة في ذلك أن يظل الحافظ للقرآن مرتبطا به لا يفارقه، فإذا فارقه نسيه، وقد حفظت متونا: شعرا ونثرا فأمسكها ذهني زمنا دون مراجعة، بخلاف القرآن الكريم الذي يحتاج إلى التعهد الدائم ليظل الحافظ مرتبطا بكتاب الله تعالى. ١٣ - اغتنام سنوات الحفظ: إن مراحل عمر الإنسان تتفاوت في تحصيل وحفظ العلوم وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث الاغتنام «اغتنم خمسا قبل خمس» فذكر منها: «شبابك قبل هرمك». لذلك حرص الصحابة على تحفيظ أولادهم القرآن الكريم في سنيهم المبكرة، كما أننا نجد كثيرا من الأئمة الأعلام قد حفظوا القرآن كاملا دون سن العاشرة؛ فحفظ الإمام الشافعي وهو ابن سبع، وحفظ الإمام أحمد بن حنبل في تمام العاشرة. ولما أدركت الجاحظ الشيخوخة كان ينشد هذين البيتين متحسرا متألما: أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب؟ لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب

стр. 24

ويمكننا أن نقسم سنوات الحفظ ومراحل العمر حسب القدرة على الاستيعاب كما يلي: ١ - من ٥ سنوات إلى ١٠ سنوات مرحلة ذهبية. ٢ - من ١٠ سنوات إلى ١٤ سنة. مرحلة ذهبية* من حفظ في هاتين المرحلتين يصعب نسيانه. ٣ - من ١٤ سنة إلى ٢٣ سنة. مرحلة فضية. ٤ - من ٢٣ سنة إلى ٣٥ سنة. مرحلة برونزية. ولكنني أقول: إنه لا يصعب على أي مسلم في أي مرحلة من عمره أن يحفظ القرآن الكريم، إذا عزم على ذلك، وعرف الله صدقه، فكلمة المستحيل لا يعرفها عقل المسلم ولا خياله. وقد رأيت أخا بدأ في حفظ القرآن بعد الأربعين فأتمه في سنتين ونصف وكان ضابطا متقنا. والأعجب من ذلك أنني أعرف رجلا بدأ في حفظ القرآن بعد الخمسين ثم تلقى عن المشايخ، وسافر عدة بلدان يقرأ عليهم، وحصل على إجازات كثيرة في القراءات السبع، ثم العشر الصغرى، ثم الكبرى، وقد أصبح الآن عالما يسافر الطلاب إليه ويقصدونه، ولم يبدأ إلا بعد سن الخمسين فلا تكسلن أيها المسلم عن الحفظ والتعلم في أي عمر كنت. كان إبراهيم بن المهدي كبيرا في السن، فدخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه فقال له المأمون: يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال المأمون: لم لا تتعلمه اليوم؟ قال: أو يحسن مثلي طلب العلم؟ قال: نعم. والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل.

стр. 25

١٤ - الصلاة خلف إمام حافظ متقن: لقد كان الصحابة ﵃ يسمعون السورة من رسول الله ﷺ في الصلاة فيحفظونها عنه. إن الصلاة خلف إمام حافظ متقن تشجع المسلمين على الحفظ، لأن الإمام قدوة، كما أنها تجعل الحافظ الذي يصلي خلف هذا الإمام متيقظا دائما، ليرد على الإمام خطأه إذا أخطأ. وفي هذا نداء وتوجيه إلى الأئمة- بارك الله فيهم- بأهمية حفظ القرآن الكريم والقراءة به كاملا في صلواتهم، ولتكن لهم ختمات في صلواتهم الجهرية دون إطالة. ١٥ - حافظ على الورد: إذا أتم المسلم حفظ القرآن الكريم، فلا يقنع بذلك ويكسل، بل لا بدّ من ورد يومي ثابت لا يقل عن جزء، يراجعه دائما من حفظه، وبكثرة مراجعته يتعرف على نقاط ضعفه، ويتعرف على المواضع التي تلتبس عليه، فيرعاها بالاهتمام الدائم. وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه (١).

стр. 26

كيف نقرأ القرآن الكريم ؟ القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على رسوله الأمين، يتعبد المسلم بتلاوته في الصلاة وغيرها، ونحن أمرنا أن نصلي كما كان يصلي رسولنا ﷺ ، «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) فكما شرع الله الصلاة بصفة معينة، شرع كذلك تلاوة القرآن بصفة معينة، وجاء الأمر بهذه الصفة في القرآن الكريم، قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] قال الإمام ابن كثير: «أي اقرأه على تمهل فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره، وكذلك كان يقرأ صلوات الله عليه. قالت عائشة ﵂: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها (٢). وقال الإمام الطبري: أي اقرأ بتمهل وتبيين حروف. «وقد أكد الله فعل الأمر (ورتل) بالمصدر (ترتيلا) تعظيما لشأنه واهتماما به» (٣). ولن يتأتى للمسلم ذلك إلا برياضة اللسان بالتلقي، فيرقق المرقق، ويفخم المفخم، ويقصر المقصور ويمد الممدود، ويظهر المظهر ويدغم المدغم، ويخفي المخفى، ويغن الغنة، ويخرج كل حرف من مخرجه، وهذا هو التجويد. فما حكم القراءة بأحكام التجويد ؟ إن قراءة القرآن الكريم يجب أن تكون قراءة مجودة مطبقا فيها أحكام التجويد، فتلاوة القرآن تلاوة مجودة أمر واجب وجوبا عينيا على كل مسلم يريد أن يقرأ شيئا من القرآن الكريم.

стр. 27

والأدلة على وجوب التلاوة المجودة كثيرة، من الكتاب والسنة والإجماع . أما من الكتاب: فقول الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] والأمر في الآية للوجوب، أما كيفية الترتيل فتكون بالتلقي عن علماء القراءات. وقد أثنى الله ﵎ على حفظة القرآن بقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [البقرة: ١٢١] قال الإمام الشوكاني في تفسيره: أي يقرءونه حق قراءته ولا يحرفونه ولا يبدلونه. قال ابن مسعود: «والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله» (١). وإذا كان الله قد مدح الذين يتلون الكتاب حق تلاوته، فبمفهوم المخالفة يتبين ذم الذين لا يحسنون تلاوة القرآن ولا يراعون الأحكام. والدليل من السنة: ما ثبت من حديث موسى بن يزيد الكندي ﵁ قال: كان ابن مسعود ﵁ يقرئ رجلا فقرأ الرجل: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠] مرسلة. فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فقال الرجل: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال أقرأنيها هكذا: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ومدها (٢). «وهكذا أنكر ابن مسعود ﵁ على الرجل أن يقرأ كلمة (الفقراء) بالقصر لأن النبي ﷺ أقرأه إياها بالمد، فدل ذلك على وجوب تلاوة القرآن تلاوة صحيحة وهي الموافقة لأحكام التجويد» (٣).

стр. 28

والواقع إن الناس كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، فهم متعبدون أيضا بتصحيح ألفاظه، وتجويد حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصل سندهم بالنبي ﷺ . ومن الأدلة من السنة أيضا ما ثبت عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة ﵂ عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته؟ قالت: مالكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا (١). قال فضيلة الشيخ عطية نصر قابل عميد معهد القراءات بالقاهرة، والمدرس بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض، قال في كتابه القيم: «غاية المريد في علم التجويد» معلقا على هذا الحديث: «وفي هذا الحديث دليل على أن تحسين القراءة وتجويدها هي سنة رسول الله ﷺ ». ودليل الإجماع: إن الأمة الإسلامية أجمعت على وجوب التجويد أثناء تلاوة القرآن من زمن النبي ﷺ إلى زماننا هذا، ولم يختلف في ذلك أحد، فلا يجوز لأي قارئ أن يقرأ القرآن بغير تجويد، لأن الله توعد الذين يخالفون رسوله والمؤمنين فقال سبحانه: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥]. وقد أدرك الأئمة السابقون، والعلماء المحققون أهمية التجويد، لأنه يتصل اتصالا وثيقا بكتاب رب العالمين، فألفوا الكتب في ذلك، كما نظموا الشعر والنثر فيه. ألف الشيخ سليمان الجمزوري متنا في التجويد سماه «تحفة الأطفال» قال فيه:

стр. 29

«أرجو به أن ينفع الطلابا ... والأجر والقبول والثوابا» (١) وقد ألف العلامة شمس الدين محمد بن الجزري (٧٥١ - ٨٣٣ هـ) متنا في التجويد نسب إليه وسمي (متن الجزرية) يقول في مقدمته: يقول راجي عفو رب سامع ... محمد بن الجزري الشافعي الحمد لله وصلى الله ... على نبيه ومصطفاه محمد وآله وصحبه ... ومقرئ القرآن مع محبه وبعد إن هذه مقدمه ... فيما على قارئه أن يعلمه إذ واجب عليهم محتم ... قبل الشروع أولا أن يعلموا مخارج الحروف والصفات ... ليلفظوا بأفصح اللغات (٢) وإذا كان الإمام ابن الجزري وهو الملقب بإمام الفن قد أشار إلى وجوب التجويد في مقدمة متنه وأكده بقوله (محتم) فإنه عاد وأكد هذا الوجوب في الباب الثالث من أبواب متنه بعد باب مخارج الحروف، وباب الصفات، يقول في باب التجويد: والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجود القرآن آثم لأنه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا وهو إعطاء الحروف حقها ... من صفة لها ومستحقها (٣) يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح قارئ رئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف، بمجمع الملك فهد بالمدينة المنورة وعميد كلية القرآن

стр. 30

الكريم، يقول في كتابه «قواعد التجويد» معلقا على قول ابن الجزري «لقد جعله واجبا شرعيا يأثم الإنسان بتركه، وبه قال أكثر العلماء والفقهاء، ذلك لأن القرآن نزل مجودا وقرأه الرسول ﷺ على جبريل كذلك، وأقرأه الصحابة فهو سنة نبوية». تعقيب: بعد أن تبينت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على وجوب قراءة القرآن قراءة مجودة، رأيت أنه من الواجب بسط القول في هذا الموضوع، والتعقيب على من يقول بعدم وجوب ذلك، ويتناول تعقيبي هذه النقاط: ١ - قال النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١): هذا الحديث حجة على وجوب قراءة القرآن مجودا، فهو أمر من النبي ﷺ ، والأمر يشمل هيئة الصلاة الظاهرية من حركات وغيرها، ويشمل قراءته ﷺ للقرآن فيها، وإذا كان العلماء قد اختلفوا في بعض حركات الصلاة، مثل وضع اليدين عند قراءة الفاتحة، وكذلك وضعهما أو إرسالهما بعد الرفع من الركوع، وغير ذلك من الخلافات الظاهرية. إذا كان العلماء قد بسطوا القول في كل حركات الصلاة، وحرصوا على الوصول إلى الكيفية الصحيحة التي كان يفعلها النبي ﷺ ، فإن الحرص أشد في روح الصلاة، ومبعث الخشوع فيها، وهو القرآن الكريم، كتاب الله وكلامه، فما كان النبي ﷺ يقرأ القرآن إلا مرتلا مجودا كما بينت الروايات. فإذا كان حرص المسلمين شديدا على تقليد النبي ﷺ في كيفية حركات الصلاة، فلا بد وأن يكون التقليد أشد في كيفية قراءته لكتاب الله تعالى. وهكذا يكون فهم أمر النبي ﷺ «صلوا كما رأيتموني أصلي».

стр. 31

٢ - حديث الأحق بالإمامة: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا .. » (١). إن تقديم النبي ﷺ للأقرإ لكتاب الله، دليل واضح على أهمية تجويد القرآن وضرورة حفظه للإمام، كما يبين لنا حرص النبي ﷺ على أن يستمع الصحابة القرآن الكريم استماعا صحيحا سليما كما أنزل. ٣ - لما جمع الفاروق عمر بن الخطاب المسلمين- وأكثرهم من الصحابة- لصلاة التراويح في رمضان، اختار إمامهم سيد القراء (أبي بن كعب) وما هذا إلا لشدة حرصه ﵁ على أهمية ضبط القرآن وتجويده ليسمعه المسلمون من سيد القراء. ٤ - قال النبي ﷺ : «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (٢). وابن أم عبد هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الذي أنكر على الرجل قراءة كلمة (الفقراء) دون مد. «ولعل المقصود من الحديث والله أعلم- أن يقرأ القرآن على الصفة التي قرأ بها بعد الله بن مسعود من حسن الصوت وجودة الترتيل ودقة الأداء» (٣). تنبيه: إن قراءة القرآن قراءة مجودة تجب وجوبا عينيا على كل مسلم، أما العلم بأحكام التجويد فإنه لا يجب إلا على أهل الأداء ومعلمي الناس.

стр. 32

آداب تلاوة القرآن الكريم: ١ - الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر. ٢ - تطهير الفم بالسواك تعظيما للقرآن. ٣ - نظافة الثوب والبدن والمكان. ٤ - وضع الطيب والروائح الحسنة إن أمكن. ٥ - استقبال القبلة إذا أمكن ذلك. ٦ - القراءة المرتلة المجودة. ٧ - حضور القلب فيتأثر بما يقرأ تاركا حديث النفس وأهواءها. ٨ - يستحب البكاء مع القراءة ما أمكن. ٩ - تزيين الصوت بقدر المستطاع بحيث لا يخرج إلى حد التمطيط. ١٠ - القراءة بتفكر وخشوع وتدبر (١). قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩]. ومن آداب الاستماع: ١ - خشوع القلب. ٢ - التفكر والتدبر في المعاني. ٣ - الاتعاظ بما في القرآن من حكم وأحداث. ٤ - البكاء عند سماع آيات الجنة والنار. ٥ - حسن الاستماع وهو الإنصات الذي أشار إليه الله تعالى بقوله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 33

علم القراءات (١) تعريفه: هو علم يعرف كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقا واختلافا مع عزو كل وجه لناقله. موضوعه: كلمات القرآن من حيث أحوال النطق بها، وكيفية أدائها. استمداده: من السنة والإجماع؛ حيث إنه مأخوذ من النقول الصحيحة والمتواترة عن علماء القراءات المتصل سندهم برسول الله ﷺ . فضله: من أشرف العلوم الشرعية لتعلقه المباشر بكلام رب العالمين. غايته: معرفة ما يقرأ به كل واحد من الأئمة والقراء. واضعه: أئمة القراءة، وقيل أبو عمر حفص بن سليمان الدوري، الراوي الأول عن الإمام أبي عمرو البصري، وأول من دون فيه أبو عبيد القاسم بن سلام. حكمه: فرض كفاية تعلما وتعليما. فائدته: ١ - العصمة من الخطأ في النطق بالكلمات القرآنية. ٢ - صيانة كلمات القرآن عن التحريف والتغيير. ٣ - العلم بما يقرأ به كل إمام من أئمة القراءة. ٤ - التمييز بين ما يقرأ به. ٥ - التسهيل والتخفيف على الأمة. ٦ - استنباط الأحكام الفقهية نتيجة لاختلاف القراءات (٢).

стр. 34

ولتوضيح أهمية القراءات في استنباط الأحكام الفقهية نضرب بعض الأمثلة العملية: ١ - الآية: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة: ٣٦] والمعنى المفهوم من هذه القراءة فَأَزَلَّهُمَا كما قال الطبري: يعني أوقعهما الشيطان في الخطأ والزلل فأكلا من الشجرة (١). وقرأ الإمام حمزة (فأزالهما) فيختلف المعنى، فأزالهما بمعنى أبعدهما عما كانا فيه. ٢ - الآية: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩] قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف (تعلمون) بتاء مضمومة وعين مفتوحة ولام مشددة مكسورة بعدها ميم مضمومة والمعنى: تعلّمون غيركم. وقرأ الآخرون (تعلمون) بتاء مفتوحة بعدها عين ساكنة ثم لام مفتوحة بعدها ميم مضمومة، (تعلمون) بمعنى تعلمون في نفوسكم دون تعليم غيركم، والفرق ظاهر. ٣ - الآية: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد: ٤] قرأ البصري وحفص ويعقوب (قتلوا) بالبناء للمجهول، وقرأ الباقون (قاتلوا) والفرق كبير بين المعنيين، فقتلوا لا بد فيها من الشهادة، وقاتلوا يكفي فيها مجرد المشاركة. ٤ - الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب بنصب «أرجلكم» على أساس عطفها على وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فلا بد من غسل الرجلين مثل الوجه واليدين. وقرأ الباقون بالخفض أَرْجُلَكُمْ على أساس عطفها على «برءوسكم» فيكفي مسح الرجلين، وهكذا يستمد الفقهاء أحكامهم من القراءات.

стр. 35

٥ - الآية: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١] قرأ حمزة والكسائي وخلف: «فيقتلون ويقتلون» بتبديل الكلمتين: فكيف يكون ذلك: يقتلون ثم يقتلون؟ إن هذه القراءة نص صريح في شرعية العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون فهم يقتلون ثم يقتلون أعداءهم. والأمثلة كثيرة جدا. والله أعلم.

стр. 36

أركان القراءة الصحيحة لكل قراءات القرآن أركان ثلاثة هي: ١ - موافقة القراءة لوجه من وجوه اللغة العربية ولو ضعيفا: ومن الأمثلة على ذلك: (أ) قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٣٧] في قراءة ابن كثير بنصب آدم ورفع كَلِماتٍ. (ب) قوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢] فنصب المقيمين بفعل تقديره (أخص- أمدح) جائز لغويّا. وقد يكون وجه اللغة العربية ضعيفا ومثال ذلك: (ج) قوله تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧] قرأ ابن عامر الشامي: (زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم). فبني الفعل (زيّن) للمجهول ورفع (قتل) على أنه نائب فاعل ونصب (أولادهم) مفعول للمصدر، وجر (شركائهم) مضافا إلى المصدر. ولقد ثبت أن (شركائهم) مرسوم بالياء في المصحف الذي بعثه الخليفة عثمان ﵁ إلى الشام. والعلة في ضعف هذه القراءة لغويّا، والسبب في إنكار بعض النحاة لها، أن الفصل بين المضاف (قتل) والمضاف إليه (شركائهم) لا يكون إلا بالظرف وليس بالمفعول به ويكون ذلك في الشعر خاصة، ولكن لما كانت قراءة ابن عامر ثابتة

стр. 37

بالتواتر القطعي فهي حجة ولا تحتاج إلى ما يسندها من كلام العرب (١). ٢ - موافقتها للرسم العثماني ولو احتمالا: إن موافقة الرسم قد تكون تحقيقا أو تقديرا، كما في قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] «فقراءة حذف الألف (ملك) لنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وأبي جعفر. هذه القراءة تحتمل اللفظ تحقيقا. وقراءة مالِكِ لعاصم والكسائي ويعقوب وخلف في اختياره تحتمل إثبات الألف تقديرا. وقد تكون القراءة ثابتة في المصاحف العثمانية دون بعض ومثال ذلك الآية من سور التوبة: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ [التوبة: ١٠٠]. قرأ ابن كثير المكي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بزيادة (من) وهي ثابتة في المصحف المكي دون غيره من المصاحف. وإلى قراءة الإمام ابن كثير أشار الشاطبي بقوله: ومن تحتها المكي يجرّ وزاد من ... صلاتك وحد وافتح التا شذا علا ٣ - صحة سندها: وذلك بتواترها عن النبي ﷺ ، وقد ثبت عن زيد بن ثابت قوله: «القراءة سنة متبعة». وإلى هذه الأركان الثلاثة يشير الإمام ابن الجزري في طيبة النشر بقوله: فكل ما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة

стр. 38

أنواع القراءات أنواع القراءات ستة يوضح هذا الجدول أحوالها: نوع القراءة/ تعريفها/ أمثلة من القرآن/ الحكم عليها المتواترة/ هي التي رواها جمع عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب وقد اتفقت الطرق على نقلها./ ملك يوم الدّين مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ/ صحيحة المشهورة/ هي التي صح سندها بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ووافقت العربية والرسم./ ما أشهدنا هموا خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متّخذ المضلّين عضدا [الكهف: ٥١] (١) / صحيحة الآحاد/ هي التي صح سندها وخالفت الرسم أو العربية./ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] (٢) / غير صحيحة الشاذة/ هي التي لم يصح سندها./ ملك يوم الدّين/ غير صحيحة الموضوعة/ هي التي لا أصل لها./ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] / غير صحيحة المدرجة/ هي التي زيدت على وجه التفسير./ وله أخ أو أخت من أم [النساء: ١٢] (٣) / غير صحيحة

стр. 39

نشأة القراءات وتطورها إن نشأة القراءات القرآنية كانت بتبليغ أمين الوحي جبريل ﵇ أول كلمة قرآنية للنبي ﷺ وهي كلمة (اقرأ) فلهذه الكلمة قراءتان متواترتان الأولى بتحقيق الهمزة والثانية بإبدالها ألفا. ثم تتابع نزول القرآن بعد ذلك بالأحرف السبعة (١). عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (٢). كما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقلت: كذبت فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ . فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله. اقرأ يا هشام». فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت». ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» (٣). وعن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسن النبي ﷺ

стр. 40

شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا. فقال لي: «يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه: أن هون على أمتي. فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي. فرد إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي. اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇» (١). وقد بلّغ النبي ﷺ القرآن لأصحابه وقرأه عليهم كما أنزل عليه. قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] وربما علّم النبي ﷺ بعض أصحابه قراءة لم يسمعها غيرهم «فكل ميسر لما خلق له» فصار كل صحابي يقرأ القراءة التي سمعها من رسول الله ﷺ . ومن الصحابة من أخذ القرآن بحرفين ومنهم من زاد حتى جمع القراءات مثل أبيّ بن كعب وسوف تجد اسمه مكتوبا عند عرض سند كل قارئ في هذا الكتاب، ولهذا قال النبي ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم مولى حذيفة ومعاذ وأبيّ بن كعب» (٢).
следующие страницы →