أركان القراءة الصحيحة
لكل قراءات القرآن أركان ثلاثة هي:
١ - موافقة القراءة لوجه من وجوه اللغة العربية ولو ضعيفا:
ومن الأمثلة على ذلك:
(أ) قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٣٧] في قراءة ابن كثير بنصب آدم ورفع كَلِماتٍ.
(ب) قوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢] فنصب المقيمين بفعل تقديره (أخص- أمدح) جائز لغويّا.
وقد يكون وجه اللغة العربية ضعيفا ومثال ذلك:
(ج) قوله تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧] قرأ ابن عامر الشامي: (زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم). فبني الفعل (زيّن) للمجهول ورفع (قتل) على أنه نائب فاعل ونصب (أولادهم) مفعول للمصدر، وجر (شركائهم) مضافا إلى المصدر.
ولقد ثبت أن (شركائهم) مرسوم بالياء في المصحف الذي بعثه الخليفة عثمان ﵁ إلى الشام.
والعلة في ضعف هذه القراءة لغويّا، والسبب في إنكار بعض النحاة لها، أن الفصل بين المضاف (قتل) والمضاف إليه (شركائهم) لا يكون إلا بالظرف وليس بالمفعول به ويكون ذلك في الشعر خاصة، ولكن لما كانت قراءة ابن عامر ثابتة
стр. 37
بالتواتر القطعي فهي حجة ولا تحتاج إلى ما يسندها من كلام العرب (١).
٢ - موافقتها للرسم العثماني ولو احتمالا:
إن موافقة الرسم قد تكون تحقيقا أو تقديرا، كما في قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] «فقراءة حذف الألف (ملك) لنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وأبي جعفر. هذه القراءة تحتمل اللفظ تحقيقا.
وقراءة مالِكِ لعاصم والكسائي ويعقوب وخلف في اختياره تحتمل إثبات الألف تقديرا.
وقد تكون القراءة ثابتة في المصاحف العثمانية دون بعض ومثال ذلك الآية من سور التوبة: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ
[التوبة: ١٠٠].
قرأ ابن كثير المكي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بزيادة (من) وهي ثابتة في المصحف المكي دون غيره من المصاحف.
وإلى قراءة الإمام ابن كثير أشار الشاطبي بقوله:
ومن تحتها المكي يجرّ وزاد من ... صلاتك وحد وافتح التا شذا علا
٣ - صحة سندها:
وذلك بتواترها عن النبي ﷺ ، وقد ثبت عن زيد بن ثابت قوله: «القراءة سنة متبعة».
وإلى هذه الأركان الثلاثة يشير الإمام ابن الجزري في طيبة النشر بقوله:
فكل ما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة
стр. 38
أنواع القراءات
أنواع القراءات ستة يوضح هذا الجدول أحوالها:
نوع القراءة/ تعريفها/ أمثلة من القرآن/ الحكم عليها المتواترة/ هي التي رواها جمع عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب وقد اتفقت الطرق على نقلها./ ملك يوم الدّين مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ/ صحيحة المشهورة/ هي التي صح سندها بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ووافقت العربية والرسم./ ما أشهدنا هموا خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متّخذ المضلّين عضدا [الكهف: ٥١] (١) / صحيحة الآحاد/ هي التي صح سندها وخالفت الرسم أو العربية./ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] (٢) / غير صحيحة الشاذة/ هي التي لم يصح سندها./ ملك يوم الدّين/ غير صحيحة الموضوعة/ هي التي لا أصل لها./ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] / غير صحيحة المدرجة/ هي التي زيدت على وجه التفسير./ وله أخ أو أخت من أم [النساء: ١٢] (٣) / غير صحيحة
стр. 39
نشأة القراءات وتطورها
إن نشأة القراءات القرآنية كانت بتبليغ أمين الوحي جبريل ﵇ أول كلمة قرآنية للنبي ﷺ وهي كلمة (اقرأ) فلهذه الكلمة قراءتان متواترتان الأولى بتحقيق الهمزة والثانية بإبدالها ألفا. ثم تتابع نزول القرآن بعد ذلك بالأحرف السبعة (١).
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (٢).
كما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقلت: كذبت فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت.
فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ . فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله. اقرأ يا هشام».
فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت». ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» (٣).
وعن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسن النبي ﷺ
стр. 40
شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا. فقال لي: «يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه:
أن هون على أمتي. فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي. فرد إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي. اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇» (١).
وقد بلّغ النبي ﷺ القرآن لأصحابه وقرأه عليهم كما أنزل عليه. قال تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] وربما علّم النبي ﷺ بعض أصحابه قراءة لم يسمعها غيرهم «فكل ميسر لما خلق له» فصار كل صحابي يقرأ القراءة التي سمعها من رسول الله ﷺ .
ومن الصحابة من أخذ القرآن بحرفين ومنهم من زاد حتى جمع القراءات مثل أبيّ بن كعب وسوف تجد اسمه مكتوبا عند عرض سند كل قارئ في هذا الكتاب، ولهذا قال النبي ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم مولى حذيفة ومعاذ وأبيّ بن كعب» (٢).
стр. 41
كيف نشأ اختلاف القراءات في الأمصار ؟
لما وجه الخليفة عثمان بن عفان المصاحف إلى الأمصار بعث جماعة من الصحابة يعلمون الناس القرآن بالتلقين والتلقي، وكانت المصاحف غير منقوطة.
فعلّم الصحابة الناس القراءة التي سمعوها من رسول الله ﷺ فكان لكل صحابي قراءة تلقاها فعلّمها القوم الذين بعث إليهم من قبل الخليفة عثمان بن عفان.
لذلك نجد قراءة نافع المدني بالمدينة، وقراءة عاصم الكوفي بالكوفة، وقراءة ابن عامر الشامي بالشام، وقراءة ابن كثير الملكي بمكة، وقراءة أبي عمرو البصري بالبصرة.
ولما كان العلماء يرحلون طلبا للعلوم ومنها القراءات، نجد أن قراءات القرآن قد انتشرت في بلدان العالم الإسلامي.
فقرأت مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى أواخر القرن الخامس الهجري برواية ورش عن نافع المدني، ثم قرأت بقراءة الإمام أبي عمرو البصري حتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وهكذا كانت باقي الأمصار.
ويجب أن نعلم أن اختلاف القراءات اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد مثل: تعلّمون وتعلمون- تكذبون وتكذّبون، وهكذا.
ولما كان مصحف عثمان ﵁ غير منقوط، فكان رسمه يحتمل كل القراءات القرآنية ومثال ذلك كله (فتبينوا) من قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] فرسم هذه الكلمة بغير نقط. (فتبينوا) يحتمل القراءتين: فتبينوا- فتثبتوا.
стр. 42
ما المقصود بالأحرف السبعة ؟
يقول فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي- رحمه الله تعالى في كتابه: «الوافي في شرح الشاطبية»: وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافا كثيرا وذهبوا فيه مذاهب شتى، والذي نرجحه من بين هذه المذاهب مذهب الإمام أبي الفضل الرازي، وهو أن المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف، وهذه الأوجه لا تخرج عن سبعة وهذا بيانها:
الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع:
ومن أمثلة ذلك:
١ - قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤] قرئ (مسكين) بالإفراد وقرئ (مساكين) بالجمع.
٢ - قوله تعالى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠] قرئ (أخويكم) بالتثنية، وقرئ (إخوتكم) بالجمع.
٣ - قوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧] قرئ (الغرفات) بالجمع، وقرئ (الغرفت) بحذف الألف والإفراد.
ويدخل في هذا الاختلاف: اختلاف الأسماء في التذكير والتأنيث.
ومن الأمثلة:
١ - وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [البقرة: ٤٨] قرئ (يقبل) بالتذكير، وقرئ (تقبل) بالتأنيث.
٢ - الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [النحل: ٢٨] قرئ (يتوفاهم) بالتذكير، وقرئ (تتوفاهم) بالتأنيث.
٣ - وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ [الأنفال: ٦٥] قرئ (يكن) بالتذكير، وقرئ (تكن) بالتأنيث.
стр. 43
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر
. ومن أمثلة ذلك:
١ - قوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً [البقرة: ١٨٤] قرئ بفتح التاء والطاء مخففة مع فتح العين على أنه فعل ماض (تطوّع)، وقرئ (يطّوّع) بياء مفتوحة وبعدها طاء مشددة مفتوحة مع جزم العين على أنه فعل مضارع مجزوم بمن.
٢ - قوله تعالى: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ [يوسف: ١١٠] قرئ (فنجّي) بجيم مشددة بعد النون المضمومة وبعدها ياء مفتوحة على أنه فعل ماض. وقرئ (فننجي) بزيادة نون ساكنة بعد النون المضمومة مع تخفيف الجيم وسكون الياء على أنه فعل مضارع.
٣ - قوله تعالى: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأنبياء: ٤] قرئ (قال) على أنه فعل ماض، وقرئ (قل) على أنه فعل أمر.
٤ - قوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:
٢٥٩] قرئ (أعلم) بهمزة قطع مفتوحة مع رفع الميم على أنه فعل مضارع، وقرئ (اعلم) بهمزة وصل مكسورة تثبت في الابتداء وتسقط في الدرج مع سكون الميم على أنه فعل أمر.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب
. ومن الأمثلة على ذلك:
(١) قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: ١١٩] قرئ (تسأل) بضم التاء ورفع اللام على أن لا نافية، وقرئ (تسأل) بفتح التاء وجزم اللام على أن لا ناهية.
٢ - اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [إبراهيم: ٢] قرئ بخفض لفظ الجلالة وقرئ برفعها على الابتداء.
٣ - قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [النور: ٣٦] قرئ (يسبّح) بكسر الباء والبناء للمعلوم، وقرئ (يسبّح) بفتح الباء والبناء للمجهول.
السابع: الاختلاف في اللهجات:
كالفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتسهيل والتحقيق، والتفخيم والترقيق. ومن الأمثلة:
١ - قوله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى: ١، ٢] قرئ بفتح (الضحى- سجى) وقرئ بإمالتها إمالة كبرى أو صغرى.
٢ - قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها [آل عمران: ١٤٥] قرئ بإظهار الدال في (يرد)، وقرئ بإدغامها في الثاء.
٣ - قوله تعالى: أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦] قرئ بتحقيق الهمزتين في (أأنذرتهم) وقرئ بتسهيل الثانية.
٤ - قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [المزمل: ٢٠] قرئ بترقيق اللام في (الصلاة) وقرأ ورش بتفخيمها.
ويدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة العرب وتباينت ألسنتهم في النطق. ومن هذه الكلمات:
خطوات، خطوات/ البيوت، البيوت/ خفية، خفية/ زبورا، زبورا/ السّحت، السّحت/ يعزب، يعزب.
وغير ذلك من الكلمات المذكورة في فرش السور.
وهذا السبب (الاختلاف في اللهجات) هو من أعظم الأسباب تيسيرا وتخفيفا على المسلمين، ومن الناس من لا تستقيم ألسنتهم على الفتح فالإمالة تناسبهم ومنهم من لا تستقيم ألسنتهم على الإظهار فالإدغام يناسبهم. هكذا.
стр. 46
ما الحكمة في إنزال القرآن على هذه الأوجه ؟
الحكمة في ذلك أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ألسنتهم مختلفة، ولهجاتهم متباينة، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التي درج عليها، ومرن لسانه على التخاطب بها، فصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه، وسجية من سجاياه، واختلطت بلحمه ودمه، بحيث لا يمكنه التغاضي عنها، ولا العدول إلى غيرها، ولو بطريق التعلم، وخصوصا الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط.
عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: «لقي رسول الله لله جبريل فقال:
يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال يا محمد: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» (١).
فلو أن الله تعالى كلف العرب مخالفة لهجاتهم والعدول عنها لشق ذلك عليهم، ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت الطاقة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦].
فاقتضت رحمة الله بهذه الأمة أن يخفف عليها، وأن ييسر لها حفظ كتابها وتلاوة دستورها، كما يسر لها أمر دينها، وأن يحقق لها أمنية نبيها حين سأل جبريل زيادة الأحرف، لأنه يعلم أن أمته لا تطيق ذلك، فما زال النبي ﷺ يلح في السؤال حتى أذن له أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف، فكان يقرئ كل قبيلة بما يوافق لغتها ويلائم لسانها (٢).
«ولعل من الحكمة أيضا أن يكون ذلك معجزة للنبي ﷺ على صدق رسالته، حيث ينطق ﷺ القرآن بهذه الأحرف السبعة، وتلك اللهجات المتعددة، وهو النبي الأمي الذي لا يعرف سوى لهجة قريش» (٣).
стр. 47
صلة القراءات بالأحرف السبعة
يظن بعض الناس أن قراءة أي قارئ من القراء السبعة هي أحد الأحرف السبعة المذكورة في الحديث «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف».
فيزعمون أن قراءة الإمام نافع حرف، قراءة الإمام ابن كثير حرف، وهكذا باقي القراءات، كل قراءة منها حرف من الأحرف السبعة، وهذا القول بعيد عن الصواب ومخالف للإجماع كما يقول فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي يرحمه الله.
وذلك لأسباب كثيرة منها: أن الأحرف السبعة: نزلت في أول الأمر للتيسير على الأمة ثم نسخ الكثير منها بالعرضة الأخيرة، مما حدا بالخليفة عثمان بن عفان إلى كتابة المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار وأحرق كل ما عداها من المصاحف.
والصواب أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التي يقرأ الناس بها اليوم هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن وورد بها الحديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف».
وهذه القراءات العشر جميعها موافق لخط مصحف من المصاحف العثمانية، التي أرسلها الخليفة عثمان ﵁ إلى الأمصار، بعد أن أجمع الصحابة عليه، وعلى اطراح كل ما يخالفها (١).
ويجب أن يعلم أن عثمان ﵁ من كبار قراء الصحابة كما سيتضح في الأسانيد.
стр. 48
أثر القراءات في علوم العربية
لقد أثرت القراءات تأثيرا واسعا في علوم اللغة العربية مما حدا بفضيلة الشيخ الدكتور محمد سالم محيسن أن يضع كتابه القيم «القراءات وأثرها في علوم العربية» في مجلدين كبيرين.
ومما ذكره فضيلته:
١ - أثر القراءات في اللهجات العربية من حيث أصواتها مثل ظاهرة الإدغام والإظهار وظاهرة النقل وظاهرة التسهيل وغير ذلك.
٢ - أثر القراءات في اللهجات العربية من حيث الألفاظ المعربة في القرآن مثل: جبريل- ميكائيل- إبراهيم- زكريا- زبورا- آزر- اليسع.
٣ - أثر القراءات في بيان الجامد والمشتق اللغوي.
٤ - أثر القراءات في البلاغة العربية مثل: الحذف والذكر والالتفات.
إلى غير ذلك من الأبواب الكثيرة التي ذكرها فضيلته، وليس هذا مجال بسطها وسردها، فمن أراد أن يعرف أثر القراءات في علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة فليرجع إلى كتابة القيم: «القراءات وأثرها في علوم العربية».
стр. 49
القراءة .. الرواية .. الطريق
القراءة: هي الاختيار المنسوب لإمام من الأئمة بكيفية القراءة للفظ القرآني على ما تلقاه مشافهة بسند متصل إلى رسول الله ﷺ . مثل: قراءة نافع، قراءة ابن كثير.
الرواية: هي ما نسب لمن روى عن إمام من أئمة القراءة من كيفية قراءته للفظ القرآني، ولكل إمام قارئ راويان، اختار كل منهما رواية عن إمامه في إطار قراءته فعرف بها ذلك الراوي مثل: رواية ورش عن نافع، رواية حفص عن عاصم.
الطريق: هي ما نسب للناقل عن الراوي. مثل:
- رواية ورش من طريق الأزرق.
- رواية حفص من طريق عبيد بن الصباح.
««فكل ما نسب للإمام فهو قراءة، وكل ما نسب للراوي فهو رواية، وكل ما نسب للآخذ عن الراوي وإن سفل فهو طريق» (١).
وإليك جدول يبين كل إمام من الأئمة العشرة وراوييه وطريق كل راو.
стр. 50
جدول القراء العشرة ورواتهم وطرقهم (١)
الإمام/ راوييه/ الطريق نافع المدني توفي سنة ١٦٩ هـ/ قالون: عيسى بن مينا المدني.
ورش: عثمان بن سعيد المصري./ أبو نشيط محمد بن هارون.
أبو يعقوب يوسف الأزرق.
ابن كثير المكي توفي سنة ١٢٠ هـ/ البزي: أحمد بن محمد بن أبي بزة المكي قنبل: محمد بن عبد الرحمن المكي./ أبو ربيعة محمد بن إسحاق.
أبو بكر أحمد بن مجاهد.
أبو عمرو البصري توفي سنة ١٥٤ هـ/ الدوري: أبو عمر بن عبد العزيز البغدادي.
السوسي: أبو شعيب صالح بن زياد./ أبو الزعراء عبد الرحمن بن عبدوس.
أبو عمران موسى بن جرير.
ابن عامر الشامي توفي سنة ١١٨ هـ/ هشام: هشام بن عمار القاضي الدمشقي.
ابن ذكوان: عبد الله بن أحمد بن ذكوان القرشي./ أبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني.
أبو عبد الله هارون بن موسى الأخفش.
عاصم الكوفي توفي سنة ١٢٧ هـ/ شعبة: شعبة بن عياش الكوفي.
حفص: حفص بن سليمان الكوفي./ أبو زكريا يحيى بن آدم الصلحي.
أبو محمد عبيد بن الصباح.
стр. 51
تابع .. جدول القراء العشرة ورواتهم وطرقهم
الإمام/ راوييه/ الطريق (١) حمزة الكوفي توفي سنة ١٥٦ هـ/ خلف: خلف بن هشام البزار.
خلاد: خلاد بن خالد الكوفي./ أحمد بن بويان عن إدريس بن عبد الكريم الحداد عنه.
أبو بكر محمد بن شاذان الجوهري.
الكسائي الكوفي توفي سنة ١٨٩ هـ/ أبو الحارث: الليث بن خالد البغدادي.
حفص الدوري: أبو عمر بن عبد العزيز البغدادي./ أبو عبد الله محمد بن يحيى البغدادي.
أبو الفضل جعفر بن محمد النصيبي.
أبو جعفر المدني توفي سنة ١٢٨ هـ/ ابن وردان: عيسى بن وردان المدني.
ابن جماز: سليمان بن مسام بن جماز المدني./ الفضل بن شاذان.
أبو أيوب الهاشمي.
يعقوب البصري توفي سنة ٢٠٥ هـ/ رويس: محمد بن المتوكل البصري.
روح: روح بن عبد المؤمن البصري./ عبد الله بن سليمان النخاس عن التمار عنه.
أبو بكر محمد بن وهب بن العلاء الثقفي عنه.
خلف العاشر الكوفي توفي سنة ٢٢٩ هـ/ إسحاق: إسحاق بن إبراهيم البغدادي.
إدريس: إدريس بن عبد الكريم البغدادي./ أحمد بن عبد الله السوسنجردي عن بن أبي عمر النقاش عنه.
المطوعي والقطيعي.
стр. 52
وقد أشار الإمام الشاطبي إلى القراء السبعة الأوائل ورواتهم بقوله:
جزى الله بالخيرات عنا أئمة ... لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا
فمنهم بدور سبعة قد توسطت ... سماء العلا والعدل زهرا وكملا
لها شهب عنها استنارت فنورت ... سواد الدجى حتى تفرق وانجلى
وسوف تراهم واحدا بعد واحد ... مع اثنين من أصحابه متمثلا
تخيرهم نقادهم كل بارع ... وليس على قرآنه متأكلا
...
فأما الكريم السر في الطيب نافع ... فذاك الذي اختار المدينة منزلا
وقالون عيسى ثم عثمان ورشهم ... بصحبته المجد الرفيع تأثلا
...
ومكة عبد الله فيها مقامه ... هو ابن كثير كاثر القوم معتلى
روى أحمد البزي له ومحمد ... على سند وهو الملقب قنبلا
...
وأما الإمام المازني صريحهم ... أبو عمرو البصري فوالده العلا
أفاض على يحيى اليزيدي سيبه ... فأصبح بالعذب الفرات معللا
أبو عمر الدوري وصالحهم أبو ... شعيب هو السوسي عنه تقبلا
...
وأما دمشق الشام دار ابن عامر ... فتلك بعبد الله طابت محللا
هشام وعبد الله وهو انتسابه ... لذكوان بالإسناد عنه تنقلا
...
وبالكوفة الغراء منهم ثلاثة ... أذاعوا فقد ضاعت شذا وقرنفلا
стр. 53
فأما أبو بكر وعاصم اسمه ... فشعبة راويه المبرز أفضلا
وذاك ابن عياش أبو بكر الرضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضلا
...
وحمزة ما أزكاه من متورع ... إماما صبورا للقرآن مرتلا
روي خلف عنه وخلاد الذي ... رواه سليم متقنا ومحصلا
...
وأما علي فالكسائي نعته ... لما كان في الإحرام فيه تسربلا
روى ليثهم عنه أبو الحارث الرضا ... وحفص هو الدوري وفي الذكر قد خلا
...
أبو عمرهم واليحصبي ابن عامر ... صريح وباقيهم أحاط به الولا
لهم طرق يهدى بها كل طارق ... ولا طارق يخشى بها متمحلا (١)
وقد ذكر الإمام محمد بن الجزري في الدرة الثلاثة المتممين للعشرة فقال:
أبو جعفر عنه ابن وردان ناقلا ... كذلك ابن جماز سليمان ذو العلا
ويعقوب قل عنه رويس وروحهم ... وإسحاق مع إدريس عن خلف تلا (٢)
وقد ذكر الإمام محمد بن الجزري أيضا في طيبة النشر:
ثم أبو جعفر الحبر الرضا ... فعنه عيسى وابن جماز مضى
تاسعهم يعقوب وهو الحضرمي ... له رويس ثم روح ينتمي
والعاشر البزار وهو خلف ... إسحاق مع إدريس عنه يعرف
стр. 54
شجرة إسناد القراء العشرة
стр. 55
شجرة إسناد الإمام نافع
هو أبو رويم عبد الرحمن بن أبي نعيم مولى جعونة وقيل غير ذلك وأصله من أصفهان، أسود اللون، وكان إمام دار الهجرة، عاش عمرا طويلا. أمّ الناس في المسجد النبوي ستين سنة، وقرأ على مالك ﵁ الموطأ وقرأ عليه مالك القرآن.
قالون ورش نافع المدني قرأ على سبعين من التابعين منهم يزيد ابن القعقاع وشيبة ابن نصاح وعبد الرحمن بن هرمز وهم على عبد الله ابن عباس عن أبيّ ابن كعب. على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 56
شجرة إسناد الإمام ابن كثير
الإمام ابن كثير: هو أبو معبد ابن كثير المكي مولى عمرو بن علقمة تابعي جليل، وأصله من أبناء فارس، وكان طويلا جسيما أسمر أشهل يخضب بالحناء.
البزي قنبل ابن كثير المكي قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي الصحابي على أبيّ وعلى مجاهد بن جبير ودرباس على عبد الله بن عباس على أبيّ وزيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 57
شجرة إسناد الإمام أبي عمرو البصري
هو أبو عمرو بن العلاء البصري المازني من بني مازن كازروني الأصل عربي أسمر طويل وهو صريح خالص النسب للعرب واختلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته وقيل: زبان وقيل غير ذلك.
الدوري السوسي أبو عمرو البصري قرأ على جماعة من التابعين بالحجاز والعراق منهم ابن كثير ومجاهد وسعيد بن جبير على عبد الله بن عباس على أبيّ بن كعب. على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 58
شجرة إسناد الإمام ابن عامر الشامي
هو عبد الله بن عامر الدمشقي التابعي، عربي خالص.
هشام ابن ذكوان ابن عامر الشامي قرأ على المغيرة بن شهاب عن عثمان ابن عفان وأبي الدرداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 59
شجرة إسناد الإمام عاصم الكوفي
هو عاصم بن أبي النجود وكنيته أبو بكر تابعي جليل.
شعبة حفص عاصم الكوفي قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وعلى زر بن حبيش الأسدي وعلى سعد بن إلياس الشيباني وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود وقرأ السلمي وزر على عثمان بن عفان وعلي ابن أبي طالب وقرأ السلمي على أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وقرأ ابن مسعود وعثمان وعليّ وأبيّ وزيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 60
شجرة إسناد الإمام حمزة الكوفي
هو حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، كان كما وصفه الشاطبي زكيا متورعا صبورا متحرزا عن أخذ الأجرة على القرآن لا ينام من الليل إلا القليل.
خلف خلاد حمزة الكوفي قرأ على جعفر الصادق على أبيه محمد الباقر على أبيه زين العابدين على أبيه الحسين على أبيه عليّ. وقرأ حمزة أيضا على الأعمش وعلى عمران بن أعين على أبي الأسود على عثمان. وقرأ أيضا على الأعمش على يحيى بن وثاب على ابن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 61
شجرة إسناد الإمام الكسائي الكوفي
هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي مولى لبني أسد كان من أولاد الفرس- قيل له الكسائي من أجل أنه أحرم في كساء- والسربال القميص وكل ما يلبس كالدرع.
أبو الحارث الدوري الكسائي الكوفي قرأ على حمزة بن حبيب الزيات وقد تقدم سنده. وقرأ أيضا على عيسى بن عمرو على طلحة بن معروف على النخعي على علقمة على عبد الله بن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 62
شجرة إسناد الإمام أبي جعفر المدني
هو إمام المدينة المنورة أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني قرأ عليه نافع، وكان أبو جعفر تابعيا جليلا صالحا.
روي عن نافع أنه قال: لما غسّل أبو جعفر بعد وفاته، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده، مثل ورقة المصحف، فما شك أحد ممن حضر أنه نور القرآن.
ابن وردان ابن جماز أبو جعفر المدني قرأ أبو جعفر على كثير من الصحابة منهم أبو هريرة وأبيّ بن كعب وقرأ على ابن عباس على زيد بن ثابت وقرأ زيد وأبيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 63
شجرة إسناد الإمام يعقوب البصري
هو إمام البصرة ومقرئها أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري.
رويس روح يعقوب البصري قرأ على سلّام بن سليمان الطويل وشهاب بن شرنفة ومهدي بن ميمون وأبي الأشهب جعفر ابن حيان العطاردي وقرأ سلّام على عاصم وأبي عمرو وسندهما معروف. وقيل إن يعقوب قرأ على أبي عمرو نفسه فهو بمنزلة يحيى اليزيدي وقرأ شهاب على هارون بن موسى الأعور على أبي عمرو وعلى عاصم الجحدري وقرأ عاصم على الحسن البصري على أبي العالية على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقرأ الجحدري على سليمان بن وقتة وعلى ابن عياش وقرأ مهدي على شعيب بن الحجاب وقرأ على أبي العالية وقرأ على أبيّ وعلى زيد بن ثابت وقرأ أبو الأشهب على أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي وقرأ على أبي موسى الأشعري وقرأ عمر بن الخطاب وأبيّ وزيد وأبو موسى على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 64
شجرة إسناد الإمام خلف العاشر الكوفي
هو خلف بن هشام البزار راوي حمزة، كان عالما ثقة، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين على سليم صاحب حمزة.
إسحاق إدريس خلف العاشر الكوفي حفظ على سليم صاحب حمزة وعلى يعقوب بن خليفة الأعشى صاحب أبي بكر، على ابن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري صاحب المفضل وقرأ أبو بكر والمفضل على عاصم المتصل سنده برسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 65
إسناد فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله
стр. 66
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ختم أنبياءه بنبينا محمد ﷺ سيد الأنام وأنزل عليه القرآن بأبلغ معنى وأحسن نظام وأورثه من اصطفاه من عباده ورفع مقامهم إلى أعلى مقام، وأدخلهم حرز الأماني فبلغوا به الأقرب إلى أقصى مرام، وأسعدهم بتيسير نشر قراءته وعمهم بجزيل فضله وفضلهم بعد النبيين والمرسلين على سائر الأنام.
أحمده حمد عبد مستمر على تلاوة كتابه، محافظ على دراسته، مخلص ببركته من الظنون والأوهام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها ليوم الزحام وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله. نبي أدام الله شريعته إلى يوم القيام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم يشفع القرآن في أهله ويدخلهم الجنة بسلام.
وبعد فيقول الفقير إلى لطف ربه الخفي فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله خليل. المولود بالنقيدي مركز كوم حمادة بمديرية البحيرة بتاريخ ٢٢ من شهر شوال سنة ١٣٤٤ هـ الموافق ٥ مايو ١٩٢٦ م. المقيم بالإسكندرية المالكي المذهب.
يقول: إن أهم العلوم علم القراءات لاشتماله على جميع العلوم بالدلالات؛ لذلك اعتنى به أهل العلم الأخيار ونبهاء الأنام من كبار وصغار.
وقد أخبرني فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله خليل بسنده المتصل برسول الله ﷺ حينما شرفني الله بالقراءة على يديه مع العلم بأن إسناد فضيلته من أعلى الأسانيد في عالمنا الإسلامي اليوم ولله الحمد والمنة. ويشرفني أن
стр. 67
أضمن عملي هذا إسناد فضيلته وبخاصة بعد أن قرأ عليه كبار قراء عالمنا الإسلامي فقد بلغت كثرتهم بحيث يصعب إحصاؤهم. ومما قاله فضيلته حينما أجازني:
وأخبره أني تلقيت القراءات العشر بمقتضى الكتب الثلاثة: الشاطبية والدرة وطيبة النشر على أستاذي الجليل الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخليجي العباسي المقرئ الحنفي الإسكندري.
وأخبرني أنه أخذ ذلك عن شيخه الشيخ عبد العزيز علي كحيل شيخ القراء بالإسكندرية، وهو قرأ ذلك على شيخه الشيخ عبد الله عبد العظيم الدسوقي شيخ القراء بالجامع البرهامي، وهو قرأ ذلك على شيخه الشيخ علي الحدادي الأزهري وهو قرأ ما ذكر على المحقق السيد إبراهيم العبيدي المقرئ الأزهري، وهو قرأ ما ذكر على سيدي الشيخ عبد الرحمن الأجهوري المالكي الأزهري، على العمدة الفاضل السيد على البدري وعلى الشيخ محمد المنير.
فأما الشيخ عبد الرحمن فقرأ على محققي عصرهم: الشيخ أحمد البقري، والشيخ عبده السجاعي، والشيخ أحمد الإسقاطي، ويوسف أفندي زاده شيخ القراء بالقسطنطينية عام إحدى وخمسين ومائة وألف بقلعة مصر وقت قدومه للحج الشريف وكذا على الشيخ محمد الأزبكاوي الشهير نسيب بالجامع الأزهر، وكذا على الشيخ محفوظ به برواق أبي معمر، وكذا على الشيخ عبد الله الشماطي وقت رحلته إلى المدينة المنورة عام اثنين وخمسين ومائة وألف من الهجرة.
فأما الشيخ عبد الله السجاعي فقد قرأ على محقق عصره أبي السماح الشيخ أحمد البقري. وأما الشيخ أحمد الإسقاطي فقد قرأ على أبي النور الدمياطي.
على كل من المحققين: الشيخ أحمد الشهير بابن البنا صاحب كتاب الإتحاف
стр. 68
والشيخ أحمد سلطان المزاحي محرر الفن. وقرأ الشيخ أحمد سلطان علي سيف الدين البصير.
وأما يوسف زاده فقد قرأ على مولانا الشيخ علي المنصوري بالديار القسطنطينية وقت رحلته إليها وإقامته بها. وقرأ المنصوري على الشيخ سلطان وعلى الشيخ علي الشبراملسي. وقرأ الشيخ أحمد البقري على الشيخ محمد البقري على الشيخ عبد الرحمن اليمني على والده الشيخ شحاذة اليمني على الشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي. وقد قرأ الشيخ علي الشبراملسي على الشيخ عبد الرحمن اليمني. وقرأ سيف الدين البصير على السنباطي. وقرأ الشيخ علي الأزبكاوي على الشيخ محمد البقري. وقرأ الشيخ محفوظ على الشيخ الرميلي على الشيخ محمد البقري. وقرأ الشيخ عبد الرحمن الشماطي على كثيرين منهم: الشيخ محمد عبد الخالق الشماطي المتصل سنده بشيخ الإسلام عبد الله الهبيطي صاحب كتاب الأوقاف الشهير المتصل سنده بأبي عمرو الداني. وقرأ الشيخ شحاذة أيضا على الناصر الطبلاوي. وقرأ السنباطي والطبلاوي على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، على شيخه رضوان العقبي، على الشيخ محمد النويري شارح الطيبة، وعلى الشيخ محمد القلقيلي، على شيخهما محمد بن الجزري محرر الفن صاحب كتاب النشر وطيبته وتقريبه، وهو عن شيخه إمام الجامع الأزهر المعروف بابن اللبان، على الشيخ أحمد صهر الشاطبي وهو على الإمام الحبر العلامة الشاطبي وهو على الشيخ أبي الحسن علي بن هذيل على أبي داود سليمان بن نجاح على الحافظ أبي عمرو الداني مؤلف كتاب التيسير.
стр. 69
إسناد قراءة حمزة
هو حمزة بن حبيب الزيات الكوفي كان كما وصفه الشاطبي زكيا متورعا صبورا متحرزا عن أخذ الأجرة على القرآن لا ينام من الليل إلا القليل. قرأ على جعفر الصادق، على أبيه محمد الباقر، على أبيه زين العابدين، على أبيه الحسين، على أبيه علي بن أبي طالب. وقرأ حمزة أيضا على الأعمش، وعلى عمران بن أعين، على أبي الأسود على عثمان وقرأ أيضا على الأعمش، على يحيى بن وثاب، على ابن مسعود، على رسول الله ﷺ .
قال فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله خليل وقد أخبرت الابن محمد بن عباس بن محمد الباز أنني قد قرأت للأئمة السبعة بمقتضى الشاطبية على ما اختاره الشيخ سلطان المزاحي والشيخ عبد الرحمن اليمني، على فضيلة الشيخة نفيسة بنت أبي العلا بن أحمد بن محمد ضيف الإسكندرانية بلدا، المالكية مذهبا. وقد أخبرتني أنها تلقت طرق الشاطبية والدرة المرضية على أستاذها الحافظ الثقة شيخ قراء الإسكندرية المرحوم الشيخ عبد العزيز على كحيل الإسكندراني بلدا الحسيني نسبا، عن شيخه الأستاذ الكامل والعمدة الفاضل المرحوم الشيخ محمد سابق، عن شيخه المرحوم الشيخ خليل عامر المطوبسي، عن شيخه المرحوم الشيخ علي الحلو إبراهيم السمنودي، عن المرحوم الشيخ سليمان الشهداوي الشافعي، عن المرحوم الشيخ مصطفى الميهي، عن والده الشيخ علي الميهي البصير بقلبه. وهو قد نقل ما ذكر عن مشايخ أعلام وجهابذة محققين فخام منهم: أستاذه الفاضل الجليل سيدي وأستاذي المحلي، والمرحوم الشيخ إسماعيل وهو عن شيخه الرميلي وهو عن الشيخ محمد البقري ح ١.
وأخبرني أيضا أنه أخذ للأئمة الأربعة عشر عن شيخه المغدق بالعطاء المزيدي
стр. 70
الحجة الحافظ الشيخ أحمد البقري، وهو عن الشيخ محمد بن قاسم بن إسماعيل البقري ح ١، وأخذ الرشيدي أيضا عن الشيخ العباسي الشهير بالعطار، وهو عن المشايخ الثلاثة: الشيخ سلطان بن أحمد المزاحي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ محمد البقري ح ١. وأخذ الرشيدي أيضا عن الشيخ مصطفى بن عبد الرحمن الإزميري، وهو عن شيخه محمد القرا بإزمير، عن الشيخ القسطنطيني، عن الشيخ شعبان بن مصطفى، عن محمد بن جعفر الشهير بأوليا أفندي ح ٢.
وأخذ الشيخ مصطفى الإزميري عن الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف الشهير بيوسف أفندي زاده عن والده الشيخ محمد بن يوسف عن والده الشيخ يوسف، عن الشيخ محمد بن جعفر الشهير بأوليا أفندي زاده ح ٢. وأخذ الشيخ مصطفى الإزميري أيضا عن الشيخ علي بن سليمان المنصوري وأخذ الشيخ حجازي عن الشيخ علي المنصوري عن المشايخ الثلاثة: سلطان المزاحي والشبراملسي ومحمد البقري- وأخذ الشيخ سلطان عن شيخه سيف الدين البصير بقلبه، والشيخ سيف الدين عن الشيخ شحاذة اليمني، وأخذ البقري والشبراملسي عن الشيخ عبد الرحمن اليمني، عن والده الشيخ شحاذة اليمني إلى قوله تعالى في سورة النساء: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ... [النساء: ٤١] ثم مات والده فاستأنف ختمه على تلميذ والده العلامة ابن عبد الحق السنباطي وابن عبد الحق عن الشيخ شحاذة اليمني، وهو عن الشيخ محمد بن جعفر ح ٢ وهو عن شيخه أحمد المسيري المصري، وهو عن شيخه نصر الدين الطبلاوي، وهو عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو عن الشيخ أحمد بن أسد الأنبوطي، وأبي العباس أحمد بن أبي بكر القليتاني، وأبي نعيم الفقير، وطاهر بن أحمد العقيلي الشهير بالنويري، والإمام نور الدين علي بن محمد بن صالح المخزومي البلبيسي، وأخذ الأنبوطي والقليتاني والعقيلي والفقير ونور الدين عن الشيخ حافظ عصره ووحيد دهره الشيخ محمد بن محمد بن محمد الجزري المقرئ الشافعي مؤلف
стр. 71
طيبة النشر.
قالت الشيخة نفيسة بنت أبي العلا: وقد أخبرت الشيخ محمد عبد الحميد عبد الله أنني تلقيت هذه القراءات أيضا مع طيبة النشر على أستاذي الجليل الشيخ عبد العزيز علي كحيل وأخبرني أنه أخذ ذلك عن شيخه الشيخ عبد الله عبد العظيم الدسوقي المالكي بنفس السند الأول المذكور في هذه الإجازة إلى رسول الله ﷺ .
стр. 72
ترجمة الإمام عاصم
اسمه وكنيته: هو أبو بكر عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، وقيل: اسم أبيه عبد وبهدلة اسم أمه (١).
أصله: مولى بني نصر بن معين الأسدي (٢).
منزلته: هو شيخ الإقراء بالكوفة وأحد القراء السبعة، وكان من التابعين الأجلاء، عده الإمام مكي بن أبي طالب القيسي في الطبقة الثالثة من التابعين هو والإمام نافع (٣).
حدث عن أبي رمثة رفاعة التميمي والحارث بن حسان البكري وكان لهما صحبة، أما حديثه عن أبي رمثة فهو في مسند الإمام أحمد، وأما حديثه عن الحارث فهو في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام.
جمع ﵁ بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن، وقد أثنى عليه الأئمة وتلقوا قراءته بالقبول.
انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي ﵁، حيث جلس مجلسه، ورحل الناس إليه للقراءة من شتى الآفاق قال أبو بكر شعبة بن عياش (راويه الأول): لا أحصي ما سمعت أبا إسحاق السبيعى يقول:
ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النجود، وكان عالما بالسنة لغويا
стр. 73
نحويا فقيها (١).
فضله ومناقبه: مناقبه كثيرة جدا منها:
١ - قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال:
رجل صالح خير ثقة، فسألته: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت: فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم.
٢ - قال أبو بكر شعبة بن عياش: دخلت على عاصم وقد احتضر فجعل يردد هذه الآية: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] يحققها كأنه في الصلاة، لأن تجويد القرآن صار فيه سجية (٢).
أساتذته: قرأ على زر بن حبيش وقرأ زر على عبد الله بن مسعود. وقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وقرأ السلمي على علي بن أبي طالب.
تلامذته: راوياه المشهوران هما: أبو بكر شعبة بن عياش، وحفص بن سليمان، ومن تلامذته: أبان بن تغلب، وحماد بن سلمة، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبو المنذر سلام بن سليمان، وسهل بن شعيب، وخلق لا يحصون (٣).
وروى عنه حروفا من القرآن: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض ومعجم العين، وحمزة بن حبيب الزيات إمام القراءة المعروف.
اتصال سنده برسول الله ﷺ :
يتضح اتصال سنده عند النظر في شجرة سنده السابقة. فقد قرأ على زر بن
стр. 74
حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي وكلاهما قرأ على عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبي بن كعب عن رسول الله ﷺ .
اتجاهاته في القراءة:
١ - شعبة عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود ﵁.
٢ - حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (١).
وفاته: توفي ﵁ آخر سنة سبع وعشرين ومائة هجرية ودفن بالسماوة في اتجاه الشام، وقيل: توفي أول سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية (٢).
стр. 75
ترجمة حفص
اسمه وكنيته: هو أبو عمر حفص بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي الكوفي البزاز- نسبة إلى البز: أي الثياب. معروف بحفيص صاحب عاصم وربيبه، فهو ابن زوجة عاصم.
مولده: ولد سنة ٩٠ هـ.
منزلته: عالية في القراءة، ومما قيل عنه:
١ - قال الذهبي: هو في القراءة ثقة ثبت ضابط.
٢ - قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلم أصحاب عاصم بقراءته، فكان مرجحا على شعبة بضبط الحروف.
وليس ذلك بغريب عليه فقد تربى في بيت عاصم ولازمه.
٣ - قال ابن المنادي: قرأ على عاصم مرارا وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر شعبة بن عياش ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم وأقرأ الناس بها دهرا طويلا (١).
ضبطه وإتقانه: أخذ القراءة عرضا وتلقينا عن عاصم فأتقنها حتى شهد له العلماء بذلك، ولقد كان ﵀ كثير الحفظ والإتقان، وقد أثنى عليه الإمام الشاطبي وفضله على شعبة بقوله:
وذاك ابن عياش أبو بكر الرضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضلا
ولذلك اشتهرت روايته وتلقاها الأئمة بالقبول، قام بإقراء الناس بعد وفاة