← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

المبحث الرابع: أمور لا تنافي العصمة - الأعراض البشرية الجبلية لا تنافي العصمة: فإبراهيم ﵇ أوجس في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم، ولم يكن يعلم أنهم ملائكة تشكلوا في صور البشر فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٠] - عدم صبر موسى ﵇ على تصرفات العبد الصالح: وموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكراً، ولكنه لم يتمالك نفسه، إذ رأى تصرفات غريبة، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف: ٧٥]. وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: ٨٢]. ٣ - تصرفات موسى ﵇ عندما رأى قومه يعبدون العجل: وغضب موسى غضباً شديداً، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وفي نسختها هدى – عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه، فوجدهم يعبدون العجل، وَلَمّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَىَ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمّ أن الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ [الأعراف: ١٥٠] وفي الحديث: ((ليس الخبر كالمعاينة، إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)) (١). - نسيان آدم وجحوده: ومن ذلك نسيان آدم ﵇ وجحوده، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كلٍّ منهم وبيصاً من نور، ثمّ عرضهم على آدم، فقال: أي ربِّ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربّ من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: ربِّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)) (٢). - نبي يحرق قرية النمل:

стр. 1542

ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فعاتبه الله على ذلك، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ : ((نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلاّ نملة واحدة)) (١). - نسيان نبينا ﷺ وصلاته الظهر ركعتين: ومن ذلك نسيان الرسول ﷺ في غير البلاغ، وفي غير أمور التشريع، فمن ذلك ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ ، إحدى صلاتي العشيّ، فصلى ركعتين، ثمّ سلّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه. وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلّى ما ترك، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، فربما سألوه، ثمّ سلّم، فيقول: أنبئت أنّ عمران بن حصين، قال: ثمّ سلّم)) متفق عليه (٢). وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك. وفي رواية، قال: ((بينما أنا أصلّي مع النبي ﷺ صلاة الظهر سلّم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟)) وساق الحديث، رواه أحمد ومسلم (٣). وهذا يدل على أنّ القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه. وفي رواية متفق عليها لما قال: ((لم أنس ولم تقصر، قال: بلى، قد نسيت)) (٤) وهذا يدل على أن ذا اليدين تكّلم بعدما علم عدم النسخ كلاماً ليس بجواب سؤال (٥). وقد صرح الرسول ﷺ بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ((ولكنّي إنّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)) (٦) قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات. أمّا الحديث الذي يروى بلفظ: ((إني لا أنسى، ولكن أُنسَّى لأسنّ)) (٧) فلا يجوز أن يعارض به الحديث السابق، لأنّ هذا الحديث – كما يقول ابن حجر – لا أصل له، فإنّه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد (٨). - مدى العصمة في إصابة الحق في القضاء:

стр. 1543

الأنبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم من وقائع، ويحكمون وفق ما يبدو لهم، فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، فمن ذلك عدم إصابة نبي الله داود في الحكم، وتوفيق الله لابنه سليمان في تلك المسألة. فعن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى)) (١). وقد وضح الرسول ﷺ هذه القضية وجلاّها، فقد روت أمُّ سلمة زوج النبي ﷺ : ((أنّ النبي ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)) (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٩ وبشرية الأنبياء وحصول المرض والجوع والنسيان عليهم كما يحصل ويقع لسائر البشر من الأمور الظاهرة المعروفة عند كافة الناس، وما نقل شيخ الإسلام وغيره الإجماع على ذلك إلا لوجود أولئك الذين يرفعون من قدر المخلوق نبياً كان أو غيره ويعظمونه حتى يعدلوا به الرب أو يلحقوا به بعض صفاته تعالى؛ ولهذا اضطر شيخ الإسلام وغيره على نقل الإجماع في بشرية الأنبياء وحصول المرض والجوع ونحو ذلك عليهم، وهذا مثل ما قاله الإمام الدارمي في كتابه الرد على الجهمية مبيناً اضطراره إلى الكلام في المسائل البديهية حيث قال: (باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة ثم قال: وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام وإليه نلجأ، وبه نستعين) (٣). نص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – ﵀: (والأنبياء يجوز عليهم المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك بالإجماع) (٤). ذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: كون الأنبياء بشراً ويحصل لهم ما يحصل للبشر من المرض والجوع والنسيان فيه رفعة لشأنهم وقدرهم .. وذلك لأنهم مع وجود هذه الصفات فهم محققون لعبودية الله غاية التحقيق وأعلاه .. ولأن هذه المسألة من المسلمات عند المسلمين وذلك بنص القرآن: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠] لم أقف على من تعرض لها ممن جمع في معتقد أهل السنة إلا ما كان من ابن حزم فقد قال –﵀: (وأن جميع النبيين وعيسى ومحمداً ﵈ عبيد لله تعالى مخلوقون، ناس كسائر الناس) (٥). وكونهم بشراً وأناساً يؤكد وقوع المرض والجوع والنسيان عليهم كوقوعه على غيرهم من سائر البشر. ذكر مستند الإجماع على جواز المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك على الأنبياء:

стр. 1544

الأنبياء إنما هم بشر كسائر البشر يحصل لهم ما يحصل للبشر فيمرضون ويجوعون وينسون ونحو ذلك، قال تعالى: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] وقال تعالى عن أيوب ﵇: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ١٤]، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣]. وأخبر الله أن للأنبياء أزواجاً وذرية كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] بل إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:٢٠]، وأخبر الله عن آدم ﵇ أنه نسي، فقال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]، وقال تعالى عن موسى ﵇ وغلامه فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١]، فكل هذه الصفات تبين بشرية الأنبياء، وأنهم يجوز عليهم ما يجوز على سائر البشر، وإنما يوحى إليهم كما قال تعالى على لسان نبيه: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠] ولقد قال النبي ﷺ : ((إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون)) (١). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٧٧

стр. 1545

تمهيد: الأنبياء الذين ابتعثهم الله إلى عباده يقولون للناس: نحن مرسلون من عند الله، وعليكم أن تصدقونا فيما نخبركم به، كما يجب عليكم أن تطيعونا بفعل ما نأمركم به، وترك ما ننهاكم عنه، وقد أخبر الله في سورة الشعراء أن نوحاً خاطب قومه قائلاً: أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء: ١٠٦ - ١٠٨]. وبهذا القول نفسه خاطب رسل الله: هود، وصالح، ولوط، وشعيب، أقوامهم، بل هي مقالة ودعوة كل رسول لقومه. فإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ أن يقيم الله الدلائل والحجج والبراهين المبينة صدق الرسل في دعواهم أنهم رسل الله كي تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد: ٢٥] أي: بالدلائل والآيات البينات التي تدلُّ على صدقهم. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١١٩

стр. 1546

المبحث الأول: تعريف الآية والمعجزة الآية – في لغة العرب – العلامة الدالة على الشيء، والمراد بها هنا: ما يجريه الله على أيدي رسله وأنبيائه من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلاً غير قابل للنقض والإبطال، يدلُّ على صدقهم فيما جاؤوا به. وقد تتابع العلماء على تسمية هذه الآيات بالمعجزات، والمعجزة – في اللغة – اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير (١). ويعرّف الفخر الرازي المعجزة في العرف: بأنّها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة (٢). ويعرفها ابن حمدان الحنبلي بأنَّها ما خرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداءً بحيث لا يقدر أحدٌ على مثلها، ولا على ما يقاربها (٣). وعلى ذلك فإنّ الأمور التالية لا تعدّ من باب المعجزات: ١ - الخوارق التي تعطى للأنبياء وليس مقصوداً بها التحدي، كنبع الماء من بين أصابع الرسول ﷺ ، وتكثيره الطعام القليل، وتسبيح الحصا في كفّه، وإتيان الشجر إليه، وحنين الجذع إليه، وما أشبه ذلك. ٢ - الخوارق التي أعطاها الله لغير الأنبياء ويسميها المتأخرون كرامات. والذين فرقوا هذا التفريق هم العلماء المتأخرون، أمّا المعجزة في اللغة وفي عرف العلماء المتقدمين كالإمام أحمد فإنّها تشمل ذلك كله (٤). وقد أطلقنا عليها اسم (الآية) كما جاء بذلك القرآن الكريم، وهو اسم شامل لكل ما أعطاه الله لأنبيائه للدلالة على صدقهم سواءً أقصد به التحدي أم لم يقصد. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢١

стр. 1547

المبحث الثاني: أنواع الآيات إذا استقرأنا الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسله وأنبيائه نجدها تندرج تحت ثلاثة أمور: العلم، والقدرة، والغنى (١). فالإخبار بالمغيبات الماضية والآتية، كإخبار عيسى قومه بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، وإخبار رسولنا ﷺ بأخبار الأمم السابقة، وإخباره بالفتن وأشراط الساعة التي ستأتي في المستقبل – كل ذلك من باب العلم. وتحويل العصا أفعى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وشقّ القمر وما أشبه هذا – من باب القدرة. وعصمة الله لرسوله ﷺ من الناس، وحمايته له ممن أراد به سوءاً، ومواصلته للصيام مع عدم تأثير ذلك على حيويته ونشاطه من باب الغنى. وهذه الأمور الثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، التي ترجع إليها المعجزات لا ينبغي أن تكون على وجه الكمال إلاّ لله تعالى، ولذلك أمر الله رسوله ﷺ بالبراءة من دعوى هذه الأمور قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام: ٥٠]. فالرسول ﷺ يبرأ من دعوى علم الغيب، وملك خزائن الأرض، ومن كونه مَلَكاً مستغنياً عن الطعام والشراب والمال. والرسل ينالون من هذه الثلاثة المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس بقدر ما يعطيهم الله تعالى، فيعلمون من الله ما علمهم إيّاه، ويقدرون على ما أقدرهم عليه، ويستغنون بما أغناهم به. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٣

стр. 1548

المطلب الأول: آية نبي الله صالح دعا صالح قومه إلى عبادة الله الواحد الأحد وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النمل: ٤٥]، فكذبوه وطلبوا منه آية تدل على صدقه قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٤]. يقول ابن كثير: (ذكر المفسرون أنّ ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح، فدعاهم إلى الله، وذكرهم، وحذّرهم، ووعظهم، وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة هناك – ناقة، من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموها، ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا. فقال لهم نبيهم صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئت به، وتصدقوني بما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثمّ قام إلى مصلاه فصلّى لله – – ما قدّر له، ثم دعا ربّه – – أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا، أو على الصفة التي نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمرَّ أكثرهم على كفرهم (١)، وقد ذكر الله استجابته لطلبهم الآية قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥]، قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ) [الأعراف: ٧٣]، وقد أخبر الله أنها كانت آية واضحة بينة لا خفاء فيها، ولذا سماها مبصرة وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٥

стр. 1549

المطلب الثاني: معجزة إبراهيم ﵇ حطّم إبراهيم آلهة قومه التي كانوا يعبدونها، فأشعلوا له النار، ورموه فيها، فأمر الله جل وعلا النار ألا تصيبه بأذى وأن تكون عليه برداً وسلاماً قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠]. ومن الآيات التي أجراها على يد إبراهيم إحياء الموتى، وقد قصّ الله علينا خبر ذلك: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة: ٢٦٠]. فأمره بذبح هذه الطيور، ثم تقطيعها، وتفريقها على عدة جبال، ثم دعاها فلبت النداء، واجتمعت الأجزاء المتفرقة، والتحمت كما كانت من قبل، ودبت فيها الحياة، وطارت محلقة في الفضاء، فسبحان الله ما أعظم شأنه، وأجلَّ قدرته. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٧

стр. 1550

المطلب الثالث: آيات نبي الله موسى ﵇ أعطى الله موسى تسع آيات بينات وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١]. ١ - وأعظم هذه الآيات وأكبرها العصا التي كانت تتحول إلى حيّة عظيمة عندما يلقيها على الأرض وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه: ١٧ - ٢١]. وكان من شأن هذه العصا أن ابتلعت عشرات من الحبال والعصي التي جاء بها فرعون ليغالبوا موسى، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: ٦٥ - ٦٩]. وعندما عاين السحرة ما فعلته حيَّة موسى، علموا أنَّ هذا ليس من صنع البشر، إنما هو من صنع الله خالق البشر، فلم يتمالكوا أن خروا أمام الجموع ساجدين لله ربِّ العالمين فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠]. ٢ - ومن الآيات التي أرسل بها موسى ما ذكره الله في قوله: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه: ٢٢]، كان يدخل يده في جيبه (درع قميصه)، ثم ينزعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي: من غير برص، ولا بهق. وذكر الله سبع آيات في سورة الأعراف، فقد ذكر الله أنه أصابهم: ٣ - بالسنين، وهي ما أصابهم من الجدب والقحط، بسبب قلة مياه النيل، وانحباس المطر عن أرض مصر. ٤ - نقص الثمرات ذلك أن الأرض تمنع خيرها، وما يخرج يصاب بالآفات والجوائح. ٥ - الطوفان الذي يتلف المزارع ويهدم المدن والقرى. ٦ - الجراد الذي لا يدع خضراء ولا يابسة. ٧ - القمّل، وهي حشرة تؤذي الناس في أجسادهم. ٨ - الضفادع التي نغصت عليهم عيشتهم لكثرتها. ٩ - الدم الذي يصيب طعامهم وشرابهم. وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ - وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣]. آيات أخرى: هذه الآيات التسع التي أرسل بها موسى إلى فرعون، وإلاّ فالآيات التي أجراها الله على يد موسى أكثر من ذلك، فمن ذلك ضرب موسى البحر بعصاه وانفلاقه، ومن هذا ضربه الحجر فينفلق عن اثنتي عشرة عيناً، وإنزال المن والسلوى على بني إسرائيل في صحراء سيناء، وغير ذلك من الآيات. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٨

стр. 1551

المطلب الرابع: معجزات نبي الله عيسى ﵇ من معجزاته التي أخبرنا الله بها أنّه كان يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثمَّ ينفخ فيها فتصبح طيوراً بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه فيبرأ بإذن الله، ويمسح الأبرص فيذهب الله عنه برصه، ويمرُّ على الموتى فيناديهم فيحييهم الله تعالى، وقد حكى القرآن لنا هذا في قوله تعالى مخاطباً عيسى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠]. ومن آياته تلك المائدة التي أنزلها الله من السماء عندما طلب الحواريون من عيسى إنزالها، وكانت على الحال التي طلبها عيسى عيداً لأولهم وآخرهم إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ١١٢ - ١١٥]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٣٠

стр. 1552

المطلب الأول: القرآن القرآن الذي تحدى الله به أفصح الأمم وأبلغها وأقدرها على المنطق وأكثرها فيه اتساعاً وأطولها فيه باعاً وأكملها على أضربه وأنواعه اطلاعاً، مع عظم محادَّتهم له ومشاقتهم فيه وشدة حرصهم على رده، وهو ينادي عليهم بأبلغ عبارة وأوجزها، وأمتنها وأجزلها أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:٣٣ - ٣٤]، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:١٣]، وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:٢٣ - ٢٤]. ثم نادى عليهم بالعجز عن ذلك فلا يقدر أحد منهم على شيء منه لا مجتمعين ولا متفرقين، لا في زمن واحد ولا في أزمان، فقال تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨]، وغير ذلك من الآيات. ولهذا لما أراد مسيلمة الكذاب معارضته مكابرة ومباهاته مع علمه أَنَّه لا يقدر على شيء ألبتة فلما فعل ذلك جعل الله تعالى: كلامه أسمج ما يسمع وأركّ ما ينطق به، وصار أضحوكة للصبيان في كل زمان ومكان، حتى إنَّه لا يشبه كلام العقلاء ولا المجانين ولا النِّساء ولا المخنثين، وصار كذبهُ معلوماً عند كل أحد، ووسمه الله على لسان نبيِّه ﷺ باسم الكذّاب فلا يسمى إلا به، ولا يعرف إلاّ به، حتى صار أشهر من عليه العلم، بل لا علم له غيره أبداً، ويروى أَّن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيُّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إِنِّي فتحتُ المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرتُ فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحدٌ أَنْ يأتي بهذا، قلت: وهذا الذي قاله الفيلسوف مقدار فهمه ومبلغ علمه، وإلاّ فبلاغةُ القرآن فوق ما يصف الواصفون، وكيف يقدر البشر أَنْ يصفوا صفات مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٨٢

стр. 1553

المطلب الثاني: انشقاق القمر قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:١] الآيات، وفي (الصحيحين) عن أنس ﵁ قال: ((سأَل أهل مكة أَنْ يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر)) (١) وعن ابن مسعود ﵁ قال: ((انشقَّ القمرُ على عهد رسولِ اللهِ ﷺ فرقتين فرقةٌ فوق الجبل وفرقةٌ دونه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : اشهدوا)) (٢) زاد في رواية: ((ونحنُ مع النَّبيّ ﷺ ) (٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص١٢٨٢

стр. 1554

المطلب الثالث: حنين الجذع إليه ﷺ كما في (الصحيح) عن جابر بن عبدالله ﵄ ((إِنَّ النَّبيّ ﷺ كان يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالتْ امرأةٌ مِنَ الأنصار أو رجل: يا رسولَ اللهِ ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إِنْ شِئْتُمْ، فجعلوا له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلةُ صياح الصبيِّ، ثم نزل النَّبيّ ﷺ فضمَّها إليه تئن أنين الصبيِّ الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها)) (١) وفي رواية: ((قال فلما صُنِعَ له المنبر وكان عليه فسمعنا من ذلك الجذع صوتاً كصوت العشار، حتى جاء النَّبيّ ﷺ فوضع يده عليها فسكنت)) (٢). فيا حامداً معنى بصورة عاقلٍ ... أَمالك من قلب شهيدٍ ولا سمْع يحنُّ إليه الجذعُ شوقاً وما لنا ... أَلسنا بذاك الشَّوْقِ أولى مِنَ الجذعِ @ معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص١٢٨٢

стр. 1555

المطلب الرابع: تسبيح الطعام وتكثير القليل بإذن الله ، ونبع الماء من أصابعه الشريفة ﷺ كما في (الصحيح) عن ابن مسعود ﵁ قال: ((كُنَّا نعدُّ الآيات بركة، وأَنْتُم تعدُّونها تخويفاً. كنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماءٍ، فجاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، فأَدخل يده في الإناء ثم قال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من اللهِ ، فلقد رأيتُ الماءَ ينبع مِنْ بين أصابع رسولِ اللهِ ﷺ ، ولقد كُنَّا نسمعُ تسبيح الطعام وهو يؤكل)) (١). وعن أنس ﵁ قال: ((أُتي النَّبيّ ﷺ بإناءٍ وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء فجعل الماءُ ينبعُ مِنْ أصابعه فتوضَّأَ القوم، قال وكانوا ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة)) (٢). وعن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: ((عطش الناس يوم الحديبية والنَّبيّ ﷺ بين يده ركوة فتوضَّأَ، فجهش الناس نحوه فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ما نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك. فوضع يده في الرَّكوة فجعل الماء يفورُ بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضَّأنَا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كُنَّا خمس عشرة مائة)) (٣). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: ((كُنَّا يوم الحديبية أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنَزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النَّبيّ ﷺ على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومجَّ في البئر فمكثنا غير بعيدٍ، ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركائبنا)) (٤). وعن أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسولِ الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ؟ قالت: نعم فأخرجتْ أقراصاً من شعيرٍ ثم أخرَجَتْ خماراً لها فلفَّت الخبز ببعضه ثم دسَّته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، قال فذهبتُ به فوجدتُ رسولَ اللهِ ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمتُ عليهم فقال لي رسول الله ﷺ : ((أرسلك أبو طلحة؟ فقلتُ: نعم. قال: بطعامٍ؟ قلت: نعم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ لمن معه: قوموا، فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم حتى جئت ُ أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أُمَّ سليم، قد جاء رسولُ اللهِ ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسولَ اللهِ ﷺ ، فأقبل رسولُ اللهِ ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : هلمَّ يا أُمَّ سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسولُ اللهِ ﷺ ففت وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ فيه ما شاءَ اللهُ أَنْ يقول ثم قال: ائذن لعشرة، فأَذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة، فأَكل القوم كلُّهم حتى شبعوا، والقومُ سبعون أو ثمانون رجلاً)) (٥). وعن جابر ﵁ أَنَّ أباه توفي وعليه دين، قال ((فأتيتُ النَّبيّ ﷺ فقلت: إنَّ أبي ترك ديْناً وليس عندي إلا ما يخرج نخلهُ ولا يبلغ ما يُخْرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر، فدعا ثم آخر ثم جلس عليه فقال: انزعوه فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم)) (٦).

стр. 1556

وفي حديث أبي قتادة الطويل في تلك الغزوة: ((ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيءٌ من ماء فتوضّأً منها وضوءاً دون وضوء، قال وبقي منها شيء من ماءٍ، ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ)) الحديث، إلى أَنْ قال: ((فانتهينا إلى الناس حين امتدَّ النهار وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسولَ اللهِ هلكنا عطشاً فقال: لا هلك عليكم – ثم قال – اطلقوا لي غمري قال ودعا بالميضأة فجعل رسولُ اللهِ ﷺ يصبُّ وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أَنْ رأى الناس ماءً في الميضأة تكابوا عليها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : أحسنوا الملء كلكم سيروى. قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﷺ يصبُّ وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ قال ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي: اشربْ فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسولَ اللهِ، قال: إِنَّ ساقي القوم آخرهم شرباً قال فشربْتُ وشرب رسولُ اللهِ ﷺ قال فأتى الناس الماء جامين رواء)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّه كان يقول: ((والله الذي لا إله إلا هو إِنْ كُنْتُ لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإِنْ كنت لأَشُدَّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية مِنْ كتاب الله ما سألته إلاّ ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرّ أبو القاسم ﷺ فتبسَّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال: (أبا هر) قلتُ: لبيك يا رسولَ اللهِ. قال: (الحق) ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأَذن لي فدخل فوجد لبناً في قدح فقال: (مِنْ أين هذا اللبن؟) قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: (أبا هر) قلت: لبيك يا رسولَ اللهِ، قال: (الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي)، قال: وأَهل الصُّفَّةِ أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مالٍ ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأَشركهم فيها، فساءني ذلك فقلتُ: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أَحقُّ أَنْ أُصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنتُ أَنا أعطيهم، وما عسى أَنْ يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتُهم فدعوتُهم، فأَقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: (أبا هر) قلتُ: لبَّيك يا رسولَ اللهِ، قال: (خذ فأعطهم) قال: فأخذتُ القدح فجعلتُ أُعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد عليّ القدح، فأُعطي الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرُدُّ عليّ القدح، حتى انتهيتُ إلى النَّبيّ ﷺ وقد روى القوم كلُّهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إِليّ فتبسَّم فقال: (يا أبا هر) قلت: لبيك يا رسولَ اللهِ قال: (بقيتُ أَنا وأَنت) قلت: صدقْتَ يا رسولَ اللهِ، قال: (اقعد فاشرب) فقعدتُ فشربْتُ، فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مسلكاً، قال: (فأرني) فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة)) (٢). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٨٢

стр. 1557

المطلب الخامس: الإسراء والمعراج (المعراج: مفعال، من العروج، أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته. وقوله: وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة - اختلف الناس في الإسراء. فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم. فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا: كان مناماً، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين: (أن) ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء، وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال. فما أراد أن الإسراء مناماً، وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت. وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة، ومرة مناماً. وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: ثم استيقظت، وبين سائر الروايات. وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين، مرة قبل الوحي، ومرة بعده. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي، ومرتين بعده. وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة، للتوفيق!! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة، بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر. قال شمس الدين ابن القيم: يا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمساً، فيقول: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها إلى خمس؟! وقد غلط الحفاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد (المسند) منه، ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص. ولم يسرد الحديث. وأجاد ﵀. انتهى كلام الشيخ شمس الدين ﵀. وكان من حديث الإسراء: أنه ﷺ أسري بجسده في اليقظة، على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكباً على البراق، صحبه جبرائيل ﵇، فنزل هناك، صلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد. وقد قيل: أنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة. ثم عرج من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد ﵇، وأقر بنبوته، ثم عرج (به) إلى السماء الثانية.

стр. 1558

فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما، فسلم عليهما، فردا ﵇، ورحبا به، وأقرا بنبوته ثم عرج (به) إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج (به) إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج (به) إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار، ﷻ وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال؟ بخمسين صلاة، فقال: (إن) أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار: أن نعم، إن شئت، فعلا به جبرائيل حتى أتى به (إلى) الجبار ﵎ وهو في مكانه - هذا لفظ البخاري في (صحيحه) وفي بعض الطرق - فوضع عنه عشراً، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎، حتى جعلها خمساً، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكن أرضى وأسلم، فلما نفذ، نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي (١). وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربه بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه، وقوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١١ - ١٣]، صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي (جبرائيل)، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها (٢). وأما قوله تعالى: في سورة النجم: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٨]، فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود ﵄، فإنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٥ - ٨]. فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى: وتدليه. وأما الذي في سورة النجم: أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة، قوله تعالى:: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:١] والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح. فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلاً، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.

стр. 1559

فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولاً؟ فالجواب - والله أعلم -: أن ذلك كان إظهاراً لصدق دعوى الرسول ﷺ المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، فأخبرهم بنعته. وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى: من وجوه، لمن تدبره، وبالله التوفيق شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي-١/ ٢٧٠ قال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح منظومة سلم الوصول بَعْدَ خَمْسِينَ مِنَ الأَعْوَامِ ... مَضَتْ لِعُمْرِ سَيِّدِ الأَنَامِ أَسرَى بِهِ اللهُ إليه فِي الظُّلَمْ ... وَفَرَضَ الْخَمْسَ عَلَيْهِ وَحَتَمْ

стр. 1560

وكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى ثم إلى حيث شاء الله ، قال الله ﵎ في ذكر الإسراء: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء:١]. وقال ﵎ في ذكر المعراج: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:١٣ - ١٨]. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب حديث الإسراء وقول الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:١] حدَّثنا يحيى بن بكير حدَّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدَّثني أبو سلمة بن عبدالرحمن سمعتُ جابرَ بن عبدالله ﵄ قال سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ((لما كذبني قريش، قُمْتُ في الحجر فجلا اللهُ لي بيت المقْدِسِ، فطفقت أُخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) (١). باب المعراج. حدثنا هديةُ بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدَّثنا قتادةُ عن أنس بن مالك عن مالك ابن صعصعة ﵄ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ حدثهم عَنْ ليلة أسري به قال: ((بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعاً إذ أتاني آتٍ، فقد قال وسمعته يقول، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه)) فقلتُ للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به؟ قال من ثغرةِ نحره إلى شعرته. وسمعتُه يقول: مِنْ قَصَّهِ إلى شِعْرَتِهِ ((فاستخرج قلبي. ثم أتيتُ بطست من ذهب مملوءة إيماناً فغسل قلبي، ثم حُشي، ثم أعيد. ثم أتيت بدابةٍ دون البغل وفوق الحمار أبيض)) فقال الجارود: هو البراقُ يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم ((يضع خطوَه عند أقصى طرفه، فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل حتَّى أتى السَّماءَ الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء، ففتح فلما خلصتُ فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنَّبيّ الصَّالح. ثم صعِدَ حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء. ففتح فلما خَلَصتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما. فسلمت فردَّا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنَّبيّ الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء ففتح فلما خَلَصتُ فإذا يوسف، قال هذا يوسف فسلّم عليه، فسلمتُ عليه فردّ ثم قال: مرحباً بالأَخِ الصَّالح والنَّبيّ الصالح. ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: أوقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء. فلما خَلَصْتُ فإذا إدريس، قال هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلمتُ عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنَّبيّ الصالح.

стр. 1561

ثم صَعِد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء. فلما خَلَصْتُ فإذا هارون، قال هذا هارون فسَلِّمْ عليه، فسلمتُ عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخِ الصَّالح والنَّبيّ الصالح، ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: أوقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء فلما خلصتُ فإذا موسى، قال هذا موسى فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصَّالح والنَّبيّ الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها مِنْ أُمَّتي. ثم صعِدَ بي إلى السَّابعة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن مَعَك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به فِنِعْمَ المجيءُ جاء فلما خلصتُ فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك فسلِّم عليه، فسلمتُ عليه فردَّ علي السلام قال: مرحباً بالابن الصالح والنَّبيّ الصالح. ثم رُفِعَتْ إِليَّ سِدْرَةُ المنتهى فإذا نبقُها مثلُ قِلال هَجَر، وإذ ورقها مثل آذانِ الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهرانِ باطنان ونهرانِ ظاهرانِ، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيلُ والفرات، ثم رُفع لي البيتُ المعمور ثم أتيت بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لبنٍ وإناء من عسلٍ، فأخذتُ اللَّبن فقال: هي الفطرة أَنْتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثم فُرِضَتْ عليَّ الصلوات خمسين صلاةً كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إنَّ أُمتك لا تستطيع خمسين صلاة كلَّ يوم، وإِنِّي والله قد جربت الناس قبلك وعالجتُ بني إسرائيل أَشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأُمَّتك، فرجعت فوضع عنِّي عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فوضع عني عشراً فرجعتُ إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنِّي عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فَأُمِرْتُ بعشرِ صلواتٍ كُلَّ يومٍ، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأُمِرْتُ بخمس صلواتٍ كُلَّ يومٍ. فرجعت إلى موسى فقال: بما أُمرت؟ قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إنَّ أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإِنِّي قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أَشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمَّتِكَ، قال: سألتُ ربِّي حتى استحييتُ ولكني أرضى وأسلم، قال فلما تجاوزتُ ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخفَّفْتُ عن عبادي)) (١). قلت: وقوله في هذه الرواية عن إدريس مرحباً بالأخ الصالح هذا قد يشكل، لأن إدريس من آبائه، والمعنى والله أعلم على ما في الحديث ((نحن معاشر الأنبياء أبناء علات)) (٢) إلخ. وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدالله حدَّثني سليمان عن شريك بن عبدالله أَنَّه قال: سمعتُ ابن مالك – يعني أنساً ﵁ – يقول ليلةَ أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: ((إِنَّه جاءَه ثلاثةُ نفرٍ قبل أَنْ يوحى إليه وهو نائمٌ في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أَتوه ليلةً أخرى فيما يرى قلبُهُ وتنامُ عينه ولا ينام قلْبُهُ.

стр. 1562

وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. فلم يكلِّموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئْرِ زمزم فتولاه منهم جبريلُ فشقَّ جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى أفرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه. ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشو إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده – يعني عروق حلقه. ثم أَطبقه. ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء: مَنْ هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومَنْ معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحباً به وأهلاً، فيستبشر أهل السماءِ لا يعلم أهل السماء بما يريدُ اللهُ به في الأرضِ حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل: هذا أبوكَ فسلِّم عليه، فسلَّم وردَّ عليه آدم وقال: مرحباً وأهلاً يا بنيَّ نعم الابن أَنْتَ، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات. ثم مضى به في السماءِ فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خَبَّأَ لك ربُّكَ. ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحباً به وأهلاً. ثم عُرِجَ به إلى السماء الثالثة وقالوا مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عُرِجَ به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عُرِجَ به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عُرِجَ به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عُرِجَ به إلى السماءِ السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمَهُ وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى ربِّ لم أظن أَنْ يرفع عليّ أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللهُ تعالى: حتى جاء سِدْرَةِ المنتهى ودنا الجبَّارُ ربُّ العزَّةِ فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى اللهُ فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أُمَّتِكَ كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربَّكَ؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كلَّ يوم وليلة، قال: إِنَّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفِّف عنك ربُّك وعنهم، فالتفتَ النَّبيّ ﷺ إلى جبريل كأَنَّه يستشيرُهُ في ذلك، فأشار إليه جبريل أَنْ نعم إِنْ شِئْتَ، فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنَّا فإِنَّ أُمَّتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربِّه حتَّى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عِنْد الخمس فقال: يا محمد واللهِ لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأُمَّتكَ أضعفُ أَجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفِّف عنك ربُّكَ، كل ذلك يلتفت النَّبيُّ ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا ربِّ إِنَّ أُمَّتي ضعفاء أجسامهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفِّف عنَّا. فقال الجبَّارُ: يا محمد، قال: لبَّيْكَ وسعديك، قال: إِنَّه لا يبدل القول لديّ، كما فرضتُ عليك في أُمِّ الكتاب.

стр. 1563

قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أُمِّ الكتاب وهي خمسٌ عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفَّف عنَّا، أعطانا بكل حَسَنَةٍ عشر أمثالها، قال موسى: قد واللهِ راودتُ بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارْجع إلى ربِّك فليخفِّف عنك أيضاً، قال رسول الله ﷺ : يا موسى قَدْ والله استحييتُ مِنْ ربِّي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط باسْمِ اللهِ. قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام)) (١). ورواه مسلم بعد حديث ثابت البناني أصله وقال نحو حديث ثابت البناني وقدم فيه شيئاً وأَخَّر وزاد ونقص، وهذا السياق روايته لحديث ثابت قال رحمه الله تعالى: حدَّثنا شيبانُ بنُ فروخ حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة حدَّثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((أتيت بالبراقِ، وهو دابة أبيض طويل فوقَ الحمار ودون البَغْلِ يضع حافرَهُ عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيتَ المقدس. قال فربطته بالحلقَةِ التي يربط بها الأنبياءُ. قال ثم دخلتُ المسجد فصلَّيْتُ فيه ركعتين ثم خرجْتُ، فجاءني جبريلُ ﵇ بإِناءٍ مِنْ خمرٍ وإِناءٍ مِنْ لبنٍ فاخترتُ اللَّبن فقال جبريلُ ﵇: اخترتَ الفطرة. ثم عُرِجَ بنا إلى السماء فاسْتفتح جبريل فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحَّب بي ودعا لي بخير، ثم عُرج بنا إلى السَّماء الثانية فاستفتح جبريلُ ﵇، فقيل: من أَنْتَ؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلواتُ اللهِ عليهما وسلامُهُ، فرحَّبا ودعوا لي بخير، ثم عُرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أَنْتَ؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أَنا بيوسف ﵇ إذ هو قد أعطي شَطْرَ الحسن فرحَّب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السَّماءِ الرابعة فاستفتح جبريلُ ﵇، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد ﷺ .

стр. 1564

قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح الباب فإذا أنا بإدريس ﵇ فرحَّب ودعا لي بخير، قال الله وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم:٥٧] ثم عُرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريلُ، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﵇، فرحَّب ودعا لي بخير، ثم عُرِجَ بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريلُ ﵇، وقيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بموسى ﵇ فرحَّب بي ودعا لي بخير، ثم عُرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسنداً ظهرهُ إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سِدْرَةِ المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا تمرها كالقلال، قال فلما غشيها مِنْ أَمر الله ما غشي تغيَّرت فما أحدٌ مِنْ خلق الله يستطيع أَنْ ينعتها مِنْ حسنها، فأَوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنَزلت إلى موسى ﵇ فقال: ما فرض ربُّك على أُمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربِّك فاسأَله التخفيف فإِنَّ أُمَّتك لا يطيقون ذلك فإِنِّي قد بلوتُ بني إسرائيل وخبرتهم. قال فرجعتُ إلى ربِّي فقلت: يا ربِّ خَفِّفْ عن أُمَّتي، فحَطَّ عني خمساً، فرجعتُ إلى موسى فقلت: حطَّ عنِّي خمساً، قال: إِنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف. قال فلم أزل أرجع بين ربِّي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد إِنَّهنَّ خمس صلوات كل يومٍ وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، فإِنْ عملها كتبت له عشراً. ومن همَّ بسيّئةٍ فلم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئةً واحدة. قال فنَزلتُ حتى انتهيتُ إلى موسى ﵇ فأخْبرتُهُ، فقال: ارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف، فقال رسولُ اللهِ ﷺ فقلت: قد رجعتُ إلى ربِّي حتى استحييتُ منه)) (١). وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب كيف فُرِضت الصلاة في الإسراء. حدَّثنا يحيى بن بكير قال حدَّثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدِّث أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكَّة فنَزل جبريلُ ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطسْتٍ من ذهب مُمتلئ حكمةً وإيماناً فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فخرج بي إلى السماء الدنيا. فلمَّا جاءت السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريلُ، قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، فقال: أُرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجلٌ قاعد على يمينه أَسْوِدَةٌ وعلى يساره أَسوِدةٌ، إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قِبَلَ يساره بكى، فقال مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح.

стр. 1565

قال أنس فذكر أَنَّه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أَنَّه ذكر أَنَّه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مرَّ جبريلُ بالنَّبيّ ﷺ بإدريس قال: مرحباً بالنبيِّ الصالح والأخ الصالح، فقلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحباً بالنبيِّ الصالح والأخِ الصالح، قلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحباً بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح، قلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررتُ بإبراهيم فقال: مرحباً بالنَّبيِّ الصالح والابن الصالح. قلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا إبراهيم ﵇. قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أَنَّ ابْنَ عباس وأبا حبَّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبيّ ﷺ : ثم عُرج بي حتى ظهرت لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام)) قال ابن حزم وأنس بن مالك قال النبيُّ ﷺ : ((ففرض اللهُ على أُمَّتي خمسين صلاة، فرجعتُ بذلك حتى مررتُ على موسى فقال: ما فرض اللهُ لك على أُمَّتك؟ قلتُ: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربِّك فإِنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فراجعتُ فوضع شطرها، فرجعتُ إليه فقال: ارجع إلى ربك فإِنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمسٌ وهي خمسون لا يبدَّلُ القول لديَّ، فرجعتُ إلى موسى فقال: راجع ربَّك، فقلتُ: استحييت من ربِّي ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سِدْرَةِ المنتهى وغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي، ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جبال اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك)). وافقه عليه مسلم رحمه الله تعالى (١). وله عن مُرَّة عن عبدالله قال: ((لما أُسري برسولِ اللهِ ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيُقْبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبْط من فوقها فيُقبض منها، قال إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:١٦] قال فراشٌ من ذهب، قال فأُعطي رسولُ الله ﷺ ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمنْ لم يشركُ بالله مِن أمته شيئاً المقحمات)) (٢). وله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((لقد رأيتُني في الحجر وقريشٌ تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكُربْتُ كربة ما كُربْتُ مثلها قط، قال فرفعه الله لي أنظر إليه: ما يسألوني عن شيء إلا أَنبأْتُهُم به)) (٣) الحديث. وهذا الذي ذكرنا من حديث أنس وجابر ومالك بن صعصعة وأبي ذر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وأبي حبة هي من أصح ما ورد وأقواه وأجوده وأسنده وأشهره وأظهره لاتّفاق الشيخين على إخراجهما، وعن هؤلاء روايات أخر لم نذكرها استغناء عنها بما في (الصحيحين). وفي الباب أحاديث أخر عن جماعة من الصحابة منهم من لم نذكر: عمر بن الخطاب وعلي وأبو سعيد وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبدالرحمن بن قرظ وأبو ليلى وعبد الله بن عمرو وحذيفة وبريدة وأبو أيوب وأبو أمامة وسمرة بن جندب وأبو الحمأ وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر ﵃ أجمعين. ثم الذي دلت عليه الآيات والأحاديث أَنَّ الإسراء والمعراج كانا يقظة لا مناماً، ولا ينافي ذلك ما ذكر في بعض الروايات في قوله ﷺ : ((بينا أنا نائم)) (٤)

стр. 1566

فإن ذلك عند أول ما أتياه ولا يدل على أَنَّه استمر نائماً، ولذا كانت رؤيا الأنبياء وحْياً، ولكن في سياق الأحاديث من ركوبه ونزوله وربطه وصلاته وصعوده وهبوطه وغير ذلك ما يدل على أنه أُسري بروحه وجسده يقظة لا مناماً، وكذا لا ينافي ذلك رواية شريك: ((فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام)) (١) فإن رواية شريك فيها أوهام كثيرة تخالف رواية الجمهور عن أنس في أكثر من عشرة مواضع سردها في الفتح، وسياقه يدل على أّنَّه بالمعنى، وصرَّح في مواضع كثيرة أَنَّه لم يثبتها، وتصريح الآية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:١] شامل للروح والجسد، وكذلك قوله تعالى: في سورة النجم وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى [النجم:١٣ - ١٤] جعل رؤية النَّبيّ ﷺ لجبريل عند سدرة المنتهى مقابلاً لرؤيته إياه في الأبطح، وهي رؤية عين حقيقة لا مناماً. ولو كان الإسراء والمعراج بروحه في المنام لم تكن معجزة ولا كان لتكذيب قريش بها وقولهم كُنَّا نضربُ أكبادَ الإِبل إلى بيت المقدس شهراً ذهاباً وشهراً إياباً، ومحمدٌ يزعم أّنَّه أُسري به إليه وأصبح فينا، إلى آخر تكذيبهم واستهزائهم به ﷺ ، لو كان ذلك رؤيا مناما لم يستبعدوه ولم يكن لردهم عليه معنى، لأنَّ الإنسان قد يرى في منامه ما هو أبعد من بيت المقدس ولا يكذبه أحد استبعاداً لرؤياه، وإنما قصَّ عليهم رسول الله ﷺ مسرى حقيقة يقظة لا مناماً فكذَّبوه واستهزؤوا به استبعاداً لذلك واستعظاماً له، مع نوع مكابرة لقلة علمهم بقدرة الله وأَنَّ الله يفعل ما يريد، ولهذا لما قالوا للصديق وأخبروه الخبر قال: إنْ كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه بذلك؟ قال: نعم، إِنِّي لأُصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء يأتيه بكرةً وعشياً. أو كما قال. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٣٦

стр. 1567

المطلب السادس: كف الأعداء عنه ومن ذلك استجابة الله دعاء نبيه ﷺ عندما كان مهاجراً، وأدركه سراقة ابن مالك، فارتطمت بسراقة فرسه إلى بطنها في أرض صلبة، فقال سراقة: إني أراكما قد دعوتما عليَّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحداً إلاّ قال: كفيتم، ما هاهنا، فلا يلقى أحداً إلاّ ردّه. متفق عليه (١). وفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول الله ﷺ وقلّة من المؤمنين أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة، فلّما حمى الوطيس، أخذ صلوات الله وسلامه عليه حصيات، فرمى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربِّ محمد يقول العباس راوي الحديث: فوالله ما هو إلاّ أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدّهم كليلاً، وأمرهم مدبراً (٢). وفي رواية سلمة بن الأكوع، قال: ((غزونا مع رسول الله ﷺ حنيناً، فولّى صحابة رسول الله ﷺ ، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثمَّ قبض قبضة من تراب الأرض، ثمَّ استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنساناً إلاّ ملأ الله عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين)) (٣). ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ((أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول ﷺ يصلي في المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته، أو ليعفرن وجهه في التراب، فلما رأى الرسول ﷺ ساجداً، أراد أن يفعل ما أقسم عليه، فلما اقترب منه ما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي يديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً)) (٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٠

стр. 1568

المطلب السابع: إجابة دعوته اهتداء أم أبي هريرة بدعوة رسول الله ﷺ : عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أميَّ إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: ((اللهمَّ اهد أم أبي هريرة " فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت، فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف مردود فسمعَتْ أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة تحريك الماء، قال: فاغتسلَتْ، ولبسَتْ درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله فأتيته، وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً)) (١). أصبح بدعوته فارساً: عن جرير بن عبد الله، قال: ((قال لي رسول الله ﷺ : ألا تُريحني من ذي الخلَصةِ؟ فقلت: بلى. فانطلقتُ في خمسين ومائة فارسٍ من أحمسَ، وكانوا أصحابَ خيل وكنتُ لا أثبُتُ على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: اللهم ثبته، واجعلهُ هادياً مهدياً. قال: فما وقعتُ عن فرس بعدُ. قال: وكان ذو الخلَصة بيتاً باليمن لخَثْعَم وبجيلة فيه نُصُبٌ تُعبَد، يقال له: الكعبة. قال: فأتاها فحرَّقها بالنار وكسرها)) (٢). إغاثة الله الناس بدعائه: وعن أنس بن مالك قال: ((أصابت الناس سنةٌ على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطبُ في يوم الجمعة، قام أعرابيٌ فقالَ: يا رسول الله هَلَكَ المالُ، وجاعَ العيالُ، فادعُ الله لنا. فرفعَ يديه، وما نرى في السماء قَزَعةً، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثارَ السحابُ أمثالَ الجبالِ، ثم لم ينزلْ عن منبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغدِ، والذي يليه حتى الجمعةِ الأخرى، وقام ذلك الأعرابي – أو قال غيره – فقال: يا رسول الله تهدَّمَ البناء وغرقَ المالُ، فادعُ الله لنا. فرفعَ يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا " فما يُشيرُ بيده إلى ناحيةٍ من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينةُ مثلَ الجوبة، وسال الوادي قناةُ شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدّث بالجود)) (٣). وفي رواية قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والجبال، والآجام، والظراب، والأودية ومنابت الشجر قال: فأقلعَتْ وخرجنا نمشي في الشمس)) (٤). أصابت الدعوة يد مستكبر: وعن سلمة بن الأكوع ((أنَّ رجلاً أكل عندَ رسول الله ﷺ بشماله فقال: كُل بيمينك قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت ما مَنَعَه إلا الكبرُ. قال: فما رفعها إلى فيه)) (٥). د- بركة دعوة الرسول الله ﷺ تصيب بعير جابر: وعن جابر قال: ((غزوتُ مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي النبي ﷺ وأنا على ناضحٍ لنا قد أعيا، فلا يكادُ يسيرُ فقال لي: ما لبعيرك؟ قال: قلت: عيي، قال: فتخلف رسولُ الله ﷺ فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبلِ قدّامها يسيرُ. فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتُك. قال: أَفتبيعُنيه؟ قال: فاستحييت، ولم يكن لنا ناضحٌ غيره، قال: فقلت: نعم، قال: فبعنيه فبعته إياه على أن لي فقار ظهره إلى المدينة،. . قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه وردَّه عليَّ)) (٦). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٢

стр. 1569

المطلب الثامن: إبراء المرضى إبراؤه من كسرت رجله: عن البراء بن عازب قال: ((بعثَ النبي ﷺ رهطاً إلى أبي رافعٍ، فدخل عليه عبد الله بن عتيك ليلاً وهو نائم فقتله (١)، فقال عبد الله بن عتيكٍ: فوضعتُ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتحُ الأبواب باباً فباباً، حتى انتهيتُ إلى درجة له فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامةٍ فانطلقت إلى أصحابي، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي، فمسحها فكأنها لم أشتكِها قطُّ)) (٢). إبراؤه عين علي بن أبي طالب: وعن سهل بن سعدٍ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتحُ الله على يديه، يحبُّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناسُ غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعطاها فقال: أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفُذْ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله فيه، فوالله لأن يهدي اللهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لكَ حمرُ النعم)) (٣). ساق سلمة بن الأكوع: وعن يزيد بن أبي عبيد قال: ((رأيت أثر ضربةٍ في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربةٌ أصابتني يوم خيبر، فقال الناسُ: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة)) (٤). إخراجه الجن من المصروع: وعن يعلى بن مرة الثقفي قال: ((سرنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بماءٍ، فأتتهُ امرأةٌ بابن لها به جنةٌ، فأخذَ النبي ﷺ بمنخرِهِ ثم قال: اخرج فإني محمد رسول الله ثم سرنا، فلما رجعنا مررنا بذلك الماء، فسألها عن الصبي، فقالت: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما رأينا منه ريباً بعدك)) (٥). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٥

стр. 1570

المطلب التاسع: إخباره بالأمور الغيبية فمن ذلك إخباره عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإخباره عن الملائكة وصفاتهم، وإخباره عن عالم الجن، وعن الجنة والنار، ومن ذلك إخباره عن الحوادث التي وقعت، كما أخبر عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل، وما جرى بينهم وبين أقوامهم، وهو حديث فيه تفصيل وبيان، ومثل هذا لا يتأتى من رجل أمي لم يكن كاتباً ولا قارئاً، ولم يخالط الذين درسوا تاريخ الأمم وعرفوا أخبارها، ثم هو يأتي بأخبار لم يبلغها علم الأمم، وأخبار يكتمها علماء أهل الكتاب، ويصحح لهم كثيراً مما عندهم، وكل ذلك دليل على أنه إنما جاء بهذه العلوم من العليم الخبير، تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ [هود: ٤٩]. وقد أشار القرآن إلى هذا الدليل في عدة مواضع، فمن ذلك قوله في سياق قصة مريم: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤]. وفي سياق قصة موسى، قال: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: ٤٦]. وقد كان يخبر الأخبار المغيبة التي وقعت في حينها، فقد أخبر باستشهاد قادة المسلمين الثلاثة في معركة مؤتة، وباستلام خالد بن الوليد الراية من بعدهم في اليوم الذي وقع فيه الحدث، رواه البخاري (١). وعندما توفي النجاشي أخبر بوفاته في اليوم نفسه الذي توفي فيه، وكذلك عندما توفي كسرى. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٧

стр. 1571

المطلب العاشر: انقياد الشجر وتسليمه وكلامه عن جابر قال ((سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا وادياً أفيح واسعاً، فذهب رسولُ الله ﷺ يقضي حاجته فلم ير شيئاً يستَتِرُ به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسولُ الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش، الذي يصانع قائدَه، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف (الوسط) مما بينهما قال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتةٌ، فإذا برسول الله ﷺ مقبلاً، وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدةٍ منهما على ساقٍ)) (١). وعن يعلى بن مُرة الثقفي قال: ((سِرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا منزلاً، فنام النبي ﷺ فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله ﷺ ذكرتُ له فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلِّم على رسول الله ﷺ فأُذن لها)) (٢). وعن أنس قال: ((جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزينٌ، قد تخضب بالدم من فعل أهل مكة، فقال: يا رسول الله، هل تحبُّ أن نريك آية؟ قال: نعم. فنظر إلى شجرةٍ من ورائه فقال: ادعُ بها. فدعا بها فجاءت فقامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت. فقال رسول الله ﷺ : حسبي حسبي)) (٣). وعن ابن عباس قال: ((جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بمَ أعرفُ أنك نبيٌّ؟ قال: إن دعوت هذا العذقَ من هذه النخلة يشهدُ أني رسول الله فدعاه رسولُ الله ﷺ فجعل ينزلُ من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ثم قال: ارجع فعاد، فأسلم الأعرابي)) (٤). وعن معن بن عبد الرحمن قال (سمعت أبي قال: سألتُ مسروقاً: من آذن النبي ﷺ بالجنِّ ليلة استمعوا القرآن قال: حدثني أبوك – يعني عبد الله بن مسعود – أنه قال: آذنت بهم شجرةٌ) (٥). وعن ابن عمر قال: ((كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له رسولُ الله ﷺ : تشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأنَ محمداً عبدهُ ورسوله؟ قال: ومَن يشهدُ على ما تقولُ؟ قال: هذه السَّلَمة، فدعاها رسولُ الله ﷺ وهو بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدُّ الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثلاثاً أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها)) (٦). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٥٠

стр. 1572

المطلب الحادي عشر: تسليم الحجر عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرفُ حجراً بمكةَ كان يسلمُ عليَّ قبل أن أبعثَ إني لأعرفُهُ الآن)) (١). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٥٢

стр. 1573

المطلب الثاني عشر: شكوى البعير عن يعلى بن مرة الثقفي قال: ((بينما نحنُ نسيرُ مع رسول الله ﷺ إذ مررنا ببعيرٍ يُسنَى عليه، فلما رآه البعيرُ جرجَرَ، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي ﷺ فقال: أين صاحبُ هذا البعير؟ فجاءه فقال: بِعْنِيهِ فقال: بل نهبُهُ لكَ يا رسول الله، وإنه لأهلِ بيتٍ ما لهم معيشةٌ غيرُهُ. قال: أما إذ ذكرتَ هذا من أمره، فإنه شكا كثرةَ العمل، وقلةَ العلفِ، فأحسنوا إليه)) (١). وعن عبد الله بن جعفر قال: ((أردفني رسولُ الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أُحدثُ به أحداً من الناس، وكان أحبَّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجتِهِ هدفٌ أو حائشُ نخلٍ. فدخلَ حائطاً لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ، فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سراته إلى سنامه وذفراه فسَكَنَ فقال: مَن ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاءه فتىً من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعه وتُدئبُهُ)) (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٥٢

стр. 1574

تمهيد: قال تعالى: أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧] فالآية تبين أنَّ من الآيات البينات الدالة على صدق الرسول ﷺ ، وصدق ما جاء به – علم بني إسرائيل بذلك، وهو علم مسجل محفوظ مكتوب في كتبهم التي يتداولونها، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٢

стр. 1575

تمهيد حكى الله سبحانه في القرآن الكريم ما تتضمنه الكتب المنزلة والرسل المرسلة من التبشير بنبينا محمد ﷺ ما يغني عن جميع ما ذكرناه من نصوص تلك الكتب, وإنما أردنا بالنقل منها إلزام الحجة وتكميل الفائدة لمن كان في قلبه ريب, وفي صدره حرج, فمن ذلك قوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ [الأعراف: ١٧٥]. وقال : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] وقال سبحانه: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: ٨٩] وقال سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام: ١١٤] وقال سبحانه: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] وقال ﵎: أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧] وقال سبحانه: وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٣] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] وقال سبحانه: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] وهذا بعض ما اشتمل عليه الكتاب العزيز, وفي الأحاديث ما يؤيد ذلك ويؤكده, فمن ذلك ما رواه ابن اسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل بعثته, فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه, فقال معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلم: يا معشر اليهود, اتقوا الله وأسلموا, فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك, وتخبرونا أنه مبعوث, وتصفونه بصفته, فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه, وما هو بالذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: ٨٩]) (١).

стр. 1576

وروى ابن اسحاق نحو هذه القصة التي هي سبب نزول هذه الآية من طرق, ومنها أنه قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري قال حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت الأنصاري قال: (والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان سنين, أعقل كلما سمعت, إذ سمعت يهودياً يقول على أطم يثرب فصرخ: يا معشر اليهود, فلما اجتمعوا عليه قالوا: مالك وتلك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة) (١) ومن ذلك ما كان من خروج زيد بن عمرو بن نفيل وسؤاله لأهل الكتاب وإخبارهم عن أن نبياً يبعث في العرب فرجع, وأدرك النبي قبل أن يبعث, ومات قبل البعثة وهذا الحديث في البخاري وغيره (٢). وأخرج البيهقي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك: ((أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي ﷺ فمرض, فأتاه النبي يعوده, فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة, فقال له رسول الله ﷺ : يا يهودي: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول الله إنا نجد في التوراة نعتك, ومخرجك, وإني أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, فقال: أقيموا هذا من عند رأسه, ولوا أخاكم)) (٣). وثبت في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل ملك الروم عن صفات رسول الله ﷺ فأخبره فقال: (إن يكن ما تقوله حقاً إنه نبي, وقد كنت أعلم أنه خارج, ولم أكن أظنه منكم, ولو أعلم أني أخلص إليه لأحسنت لقاءه, ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) (٤). وفي البخاري حكاية عن هرقل هذا إنه كان حزاء ينظر في النجوم, فنظر, فقال: (إن ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: يختتن اليهود, فلا يهمك شأنهم, وابعث إلى من في مملكتك من اليهود فيقتلونهم, ثم وجد إنساناً من العرب فقال: انظروا أفختتن هو؟ فنظروا فإذا هو مختتن, وسأله عن العرب فقال: يختتنون) (٥). وفيه أيضاً وكان برومية صاحب لهرقل كان هرقل نظيره في العلم, فأرسل إليه, وسار إلى حمص, فلم يرم حمص, حتى أتى كتاب من صاحبه يوافق رأيه على خروج النبي ﷺ . ومن هذا ما ثبت في كتب السير والحديث من إسلام النجاشي, وتصديقه بالنبي وهو في الحبشة لم يشاهد النبي ﷺ , وإنما وصل إليه بعض أصحابه, وسمع ما تلوه عليه من القرآن, فآمن وصدق. وثبت في الصحيح أن ورقة بن نوفل الذي دار في طلب الدين, وسأل طوائف أهل الكتاب, لما أخبره رسول الله ﷺ بما رأى من نزول جبريل عليه في غار حراء وما قال له فقال ورقة: ((هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى, ليتني كنت جذعاً أدرك إذ يخرجك قومك, فقال النبي ﷺ : أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي, وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي)) (٦).

стр. 1577

ومن هذا ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: (هل تدري عما كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية وأسد بن عبيد نفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير كانوا فوق ذلك؟ قلت: لا, قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان, فأقام عندنا, والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس خيراً منه, فقدم علينا قبل مبعث النبي ﷺ بسنين, وكنا إذا قحطنا, أو قل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان, أخرج فاستق لنا, فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة, فنقول: كم؟ فيقول: صاع من تمر, أو مدين من شعير, فنخرجه ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه, فيستقي, فوالله ما نقوم من مجلسه حتى تمر السحاب, وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة, فحضرته الوفاة, فاجتمعنا إليه, فقال: يا معشر يهود, ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم. قال: فإنه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه, هذه البلاد مهاجره, فاتبعوه ولا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود, فإنه يبعث بسفك الدماء, وسبي الذراري والنساء, فمن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات, فلما كان الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية وكانوا شباناً أحداثاً: يا معشر يهود, والله إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان, فقالوا: ما هو به, قالوا: بلى والله إنه بصفته. ثم نزلوا فأسلموا, وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم, فلما فتح الحصن رد ذلك عليهم) (١). وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت أبي جبير يقول لما بعث الله نبيه وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام, فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: تعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديراً لهم فيه تماثيل وصور, قالوا لي: أنظر هل ترى صورة هذا الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته, قلت: لا أرى صورته. فأدخلوني ديراً أكبر من ذلك الدير, فيه صور أكثر مما في ذلك الدير, فقالوا لي: أنظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته, وإذا أنه بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله, فقالوا لي: انظر هل ترى صفته؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا, وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ ؟ قلت: اللهم نعم. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم. قالوا تشهد أن هذا هو صاحبكم, وأن هذا الخليفة من بعده) (٢) .......

стр. 1578

وأمثال هذا كثيرة جداً يطول المقام ببسط بعضها فضلاً عن كلها, وفي القرآن الكريم من دلائل إثبات النبوات على العموم, وإثبات نبوة نبينا ﷺ على الخصوص ما لا يخفى على من يعرف القرآن, ويفهم كلام العرب, فإنه مصرح بثبوت جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمد ﷺ , وفيه ذكر كل واحد منهم بصفته, وإلى من أرسل, وفي أي زمان كان, مع تقديم المتقدم, وتأخير المتأخر, وذكر ما وقع لكل واحد منهم, من إجابة قومه له, وامتناعهم عليه, وردهم لما جاء به, وما وقع بينه وبينهم من المقاولة, والمحاولة, والمقاتلة. ومن نظر في التوراة وما اشتملت عليه من حكاية حال الأنبياء من لدن آدم إلى موسى وجد القرآن موافقاً لما فيها غير مخالف لها, وهكذا ما اشتملت عليه التوراة مما اتفق لموسى وبني إسرائيل في مصر مع فرعون, وما كان من تلك الحوادث من الآيات البينات التي جاء بها, ومن تلك العقوبات التي عوقب بها فرعون وقومه, ثم ما كان من بني إسرائيل مع موسى من بعد خروجهم من مصر إلى عند موت موسى مع طول تلك المدة, وكثرة تلك الحوادث.

стр. 1579

فإن القرآن حكى ذلك كما هو, وذكره بصفته من غير مخالفة, ثم ما كان من الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى إلى عند قيام المسيح فإن القرآن الكريم حكى قصصهم, وما جرى لهم, وما قالوه لقومهم, وما قاله قومهم لهم, وما وقع بينهم من الحوادث, وكان ما حكاه القرآن موافقاً لما في كتب نبوة أولئك الأنبياء من غير مخالفة, ثم هكذا ما حكاه القرآن عن نبوة المسيح, وما جرى له, وأحواله وحوادثه, فإنه موافق لما اشتمل عليه الإنجيل من غير مخالفة, ومعلوم لكل عاقل يعرف أحوال نبينا ﷺ أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب, وكان منذ ولد إلى أن بعثه الله بين قومه, وهم قوم مشركون لا يعرفون شيئاً من أحوال الأنبياء, ولا يدرون بشيء من الشرائع, ولا يخالطون أحداً من اليهود والنصارى, ولا يعرفون شيئاً من شرائعهم, وإن عرفوا فرداً منها فليس ذلك إلا في مثل ما هو متقرر بينهم يعملون به في عباداتهم ومعاملاتهم باعتبار ما يشتهر عنهم في ذلك كما يبلغ بعض أنواع العالم عن البعض الآخر, فإنه قد يبلغهم بعض ما يتمسكون به في دينهم باعتبار اشتهار ذلك عنهم, وأما العلم بأحوال الأنبياء وما جاءوا به, وإلى من بعثهم الله, وما قالوا لقومهم, وما أجابوهم به, وما جرى بينهم من الحوادث كلياتها وجزئياتها, وفي أي عصر كان كل واحد منهم, وإلى من بعثه الله, وكون هذا النبي كان متقدماً على هذا, وهذا كان متأخراً عن هذا, مع كثرة عددهم, وطول مددهم, واختلاف أنواع قومهم, واختلاف ألسنتهم, وتباين لغاتهم, فهذا أمر لا يحيط بعلمه إلا الله , ولولا اشتمال التوراة على حكاية أحوال من قبل موسى من الأنبياء لانقطع علم ذلك عن البشر, ولم يبق لأحد منهم طريق إليه البتة, فلما جاءنا هذا النبي العربي الأمي المبعوث من بين طائفة مشركة, تعبد الأوثان, وتكفر بجميع الأديان, قد دبروا دنياهم بأمور جاهلية تلقاها الآخر عن الأول, وسمعها اللاحق من السابق, لا يرجع شيء منها إلى ملة من الملل الدينية, ولا إلى كتاب من الكتب المنزلة, ولا إلى رسول من الأنبياء المرسلة, بل غاية علمهم, ونهاية ما لديهم ما يجري بين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة, وما يحفظونه من شعر شعرائهم, وخطب خطبائهم, وبلاغات بلغائهم, وجود أجوادهم, وإقدام أهل الجرأة والجسارة منهم, لا يلتفتون مع ذلك إلى دين, ولا يقبلون على شيء من أعمال الآخرة, ولا يشتغلون بأمر من الأمور التي يشتغل بها أهل الملل, فإن راموا مطلباً من مطالب الدنيا, ورغبوا في أمر من أمورها, قصدوا أصنامهم, وطلبوا حصولها منها, وقربوا إليها بعض أموالهم ليبلغوا بذلك إلى مقاصدهم ومطالبهم, وكان هذا النبي العربي الأمي لا يعلم إلا بما يعلمون, ولا يدري إلا بما يدرون, بل قد يعلم الواحد منهم, المتمكن من قراءة الكتب وكتابة المقروء بغير ما يعلمه هذا النبي, فبينما هو على هذه الصفة بين هؤلاء القوم البالغين في الجهالة إلى هذا الحد جاءنا بهذا الكتاب العظيم الحاكي لما ذكرناه من تفاصيل أحوال الأنبياء وقصصهم, وما جرى لهم مع قومهم على أكمل حال, وأتم وجه, ووجدناه موافقاً لما في تلك الكتب غير مخالف لشيء منها, كان هذا من أعظم الأدلة الدالة على ثبوت نبوته على الخصوص, وثبوت نبوة من قبله من الأنبياء على العموم, ومثل دلالة هذا الدليل لا يتيسر لجاحد ولا لمكابر ولا لزنديق مارق أن يقدح فيها بقادح, أو يعارضها بشبهة من الشبه كائنة ما كانت, إن كان ممن يعقل ويفهم, ويدري بما يوجبه العقل من قبول الأدلة الصحيحة التي لا تقابل بالرد, ولا تدفع بالمعارضة, ولا تقبل التشكيك, ولا تحتمل الشبهة, ومع هذا فقد كان النبي الأمي المبعوث بين هؤلاء يصرح بين ظهرانيهم ببطلان ما هم

стр. 1580

عليه, ويزيف ما هم فيه أبلغ تزييف, ويقدح فيه أعظم قدح, ويبين لهم أنهم أعداء الله, وأنهم مستحقون لغضبه وسخطه وعقوبته, وأنهم ليسوا على شيء, فبهذا السبب صاروا جميعا أعداء له يطعنون عليه بالمطاعن التي يعلمون أنه منزه عنها, مبرأ منها, كقولهم إنه كذاب, وإنه مجنون, وإنه ساحر, فلو علموا أنه تعلم من أحد من أهل الكتاب أو أخذ عن فرد من أفرادهم لجاءوا بهذا المطعن بادئ بدء, وجعلوه عنواناً لتلك المطاعن الكاذبة, بل لو وجدوا إلى ذلك سبيلا ًلعولوا عليه ولم يحتاجوا إلى غيره, فلما لم يأتوا بذلك, ولا تكلموا به, ولا وجدوا إليه سبيلاً علم كل عاقل أنه لم يتعلم من أحد من اليهود ولا من النصارى, ولا من غير هاتين الطائفتين, إذ لم يطعن عليه بذلك هؤلاء الذين هم قومه وقد ولد بينهم, وعاش في ديارهم يخالطهم ويخالطونه, ويواصلهم, ويعرفون جميع أحواله, ولا سيما من كان من قرابته منهم الذين صاروا له بعد البعثة أشد الأعداء, وأعظم الخصوم, كأبي لهب وأمثاله, فإنه لا شك ولا ريب أنه لا يخفى عليهم ما هو دون هذا من أحواله, وأيضاً لو كان قد تعلم من أحد من أهل الكتاب لم يخف ذلك على أهل الكتاب الذين صرح لهم بأنهم إن لم يؤمنوا به فهم من أعداء الله, ومن المستحقين لسخطه وعقوبته, وأنهم على ضلالة, وأنهم قد غيروا كتابهم وحرفوه وبدلوه, وأنهم أحقاء بلعنة الله وغضبه, فلو كان له معلم منهم أو من أمثالهم من أهل الكتاب لجعلوا هذا المطعن عليه مقدماً على كل مطعن يطعنونه به من تلك المطاعن الكاذبة, بل كان هذا المطعن مستغنياً عن كل ما طعنوا به عليه, لأن مسافته قريبة, وتأثيره ظاهر, وقبول عقول العامة له من أهل الكتاب ومن المشركين أيسر من قبولها لتلك المطاعن الكاذبة التي جاءوا بها, هذا معلوم لكل عاقل لا يشك فيه شاك, ولا يتلعثم عنده متلعثم, ولا يكابره فيه مكابر, فلما لم يطعن عليه أحد منهم بشيء من ذلك علمنا علماً يقيناً انتفاء ذلك, وأنه لم يتعلم من أحد منهم, وإذا تقرر هذا البرهان الذي هو أوضح من شمس النهار, أنه لم يكن له معلم من اليهود ولا من النصارى, ولا من غيرهم ممن له علم بأحوال الأنبياء فلم يبق إلا أن يكون اطلع بنفسه منفرداً عن الناس على مثل التوراة, والزبور, والإنجيل, ونحو ذلك من كتب الأنبياء, وقد علمنا علما يقينياً بأنه كان أمياً لا يقرأ المكتوب, ولا يكتب المقروء, ثبت هذا بالنقل المتواتر عن أصحابه, مع عدم مخالفة المخالفين له في ذلك, فإنه لم يسمع عن واحد منهم أنه نسب إليه أنه يقدر على قراءة المكتوب, أو كتابة المقروء, وحينئذ انتفت هذه الطريقة أعني كونه اطلع على الكتب المتقدمة بنفسه منفرداً عن الناس, وإنما قلنا منفرداً عن الناس لأنا لو فرضنا قدرته على ذلك في محضر أحد من الناس لم يخف ذلك على أتباعه ولا على أعدائه, فإذا انتفت قدرته على قراءة المكتوب من حيث كونه أمياً, وانتفى اطلاع أحد من الناس على شيء من ذلك علمنا أنه لم يأخذ شيئاً من ذلك لا بطريق التعليم, ولا بطريق المباشرة منه لتلك الكتب, ولم يسمع عن أحد لا من أتباعه ولا من أعدائه أنه كان بمكة من يعرف أحوال الأنبياء وقصصهم وما جاءوا به من الشرائع, ولا كان بمكة من كتب الله سبحانه المنزلة على رسله شيء, ولا كانت قريش ممن يرغب إلى ذلك أو يطلبه أو يحرص على معرفته, ومع هذا فقد كان أعداؤه من كفار قريش معترفون بصدقه, ويقرون بأنهم لم يجربوا عليه كذباً. وفي حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما في قصة سؤال هرقل لأبي سفيان أنه قال له (فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا) (١) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود (أن سعد بن معاذ لما قال لأمية بن خلف أن النبي ذكر أنه سيقتل, فقال ذلك لامرأته, فقالت: والله ما يكذب محمد, وعزم على ألا يخرج خوفاً من هذا) (٢). وأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس أن النبي قال لقريش: ((لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقاً)) (٣). وأخرج البخاري في تاريخه, وأبو زرعة في دلائله, وابن اسحق أن أبا طالب لما قال للنبي ﷺ أن يكف عن قريش فقال: ((والله ما أقدر على أن أدع ما بعثت به, فقال أبو طالب لقريش: والله ما كذب قط, فارجعوا راشدين)) (٤). وأخرج ابن مردويه في كتاب التفسير, وأبو يعلى الموصلي في مسنده, وعبد بن حميد أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: (وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - بتصرف - ١/ ٥٢١
следующие страницы →