وروى ابن اسحاق نحو هذه القصة التي هي سبب نزول هذه الآية من طرق, ومنها أنه قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري قال حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت الأنصاري قال: (والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان سنين, أعقل كلما سمعت, إذ سمعت يهودياً يقول على أطم يثرب فصرخ: يا معشر اليهود, فلما اجتمعوا عليه قالوا: مالك وتلك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة) (١) ومن ذلك ما كان من خروج زيد بن عمرو بن نفيل وسؤاله لأهل الكتاب وإخبارهم عن أن نبياً يبعث في العرب فرجع, وأدرك النبي قبل أن يبعث, ومات قبل البعثة وهذا الحديث في البخاري وغيره (٢).
وأخرج البيهقي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك: ((أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي ﷺ فمرض, فأتاه النبي يعوده, فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة, فقال له رسول الله ﷺ : يا يهودي: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول الله إنا نجد في التوراة نعتك, ومخرجك, وإني أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, فقال: أقيموا هذا من عند رأسه, ولوا أخاكم)) (٣).
وثبت في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل ملك الروم عن صفات رسول الله ﷺ فأخبره فقال: (إن يكن ما تقوله حقاً إنه نبي, وقد كنت أعلم أنه خارج, ولم أكن أظنه منكم, ولو أعلم أني أخلص إليه لأحسنت لقاءه, ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) (٤).
وفي البخاري حكاية عن هرقل هذا إنه كان حزاء ينظر في النجوم, فنظر, فقال: (إن ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: يختتن اليهود, فلا يهمك شأنهم, وابعث إلى من في مملكتك من اليهود فيقتلونهم, ثم وجد إنساناً من العرب فقال: انظروا أفختتن هو؟ فنظروا فإذا هو مختتن, وسأله عن العرب فقال: يختتنون) (٥).
وفيه أيضاً وكان برومية صاحب لهرقل كان هرقل نظيره في العلم, فأرسل إليه, وسار إلى حمص, فلم يرم حمص, حتى أتى كتاب من صاحبه يوافق رأيه على خروج النبي ﷺ .
ومن هذا ما ثبت في كتب السير والحديث من إسلام النجاشي, وتصديقه بالنبي وهو في الحبشة لم يشاهد النبي ﷺ , وإنما وصل إليه بعض أصحابه, وسمع ما تلوه عليه من القرآن, فآمن وصدق.
وثبت في الصحيح أن ورقة بن نوفل الذي دار في طلب الدين, وسأل طوائف أهل الكتاب, لما أخبره رسول الله ﷺ بما رأى من نزول جبريل عليه في غار حراء وما قال له فقال ورقة: ((هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى, ليتني كنت جذعاً أدرك إذ يخرجك قومك, فقال النبي ﷺ : أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي, وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي)) (٦).
стр. 1577
ومن هذا ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: (هل تدري عما كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية وأسد بن عبيد نفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير كانوا فوق ذلك؟ قلت: لا, قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان, فأقام عندنا, والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس خيراً منه, فقدم علينا قبل مبعث النبي ﷺ بسنين, وكنا إذا قحطنا, أو قل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان, أخرج فاستق لنا, فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة, فنقول: كم؟ فيقول: صاع من تمر, أو مدين من شعير, فنخرجه ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه, فيستقي, فوالله ما نقوم من مجلسه حتى تمر السحاب, وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة, فحضرته الوفاة, فاجتمعنا إليه, فقال: يا معشر يهود, ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم. قال: فإنه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه, هذه البلاد مهاجره, فاتبعوه ولا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود, فإنه يبعث بسفك الدماء, وسبي الذراري والنساء, فمن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات, فلما كان الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية وكانوا شباناً أحداثاً: يا معشر يهود, والله إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان, فقالوا: ما هو به, قالوا: بلى والله إنه بصفته. ثم نزلوا فأسلموا, وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم, فلما فتح الحصن رد ذلك عليهم) (١).
وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت أبي جبير يقول لما بعث الله نبيه وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام, فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: تعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديراً لهم فيه تماثيل وصور, قالوا لي: أنظر هل ترى صورة هذا الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته, قلت: لا أرى صورته. فأدخلوني ديراً أكبر من ذلك الدير, فيه صور أكثر مما في ذلك الدير, فقالوا لي: أنظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته, وإذا أنه بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله, فقالوا لي: انظر هل ترى صفته؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا, وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ ؟ قلت: اللهم نعم. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم. قالوا تشهد أن هذا هو صاحبكم, وأن هذا الخليفة من بعده) (٢) .......
стр. 1578
وأمثال هذا كثيرة جداً يطول المقام ببسط بعضها فضلاً عن كلها, وفي القرآن الكريم من دلائل إثبات النبوات على العموم, وإثبات نبوة نبينا ﷺ على الخصوص ما لا يخفى على من يعرف القرآن, ويفهم كلام العرب, فإنه مصرح بثبوت جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمد ﷺ , وفيه ذكر كل واحد منهم بصفته, وإلى من أرسل, وفي أي زمان كان, مع تقديم المتقدم, وتأخير المتأخر, وذكر ما وقع لكل واحد منهم, من إجابة قومه له, وامتناعهم عليه, وردهم لما جاء به, وما وقع بينه وبينهم من المقاولة, والمحاولة, والمقاتلة. ومن نظر في التوراة وما اشتملت عليه من حكاية حال الأنبياء من لدن آدم إلى موسى وجد القرآن موافقاً لما فيها غير مخالف لها, وهكذا ما اشتملت عليه التوراة مما اتفق لموسى وبني إسرائيل في مصر مع فرعون, وما كان من تلك الحوادث من الآيات البينات التي جاء بها, ومن تلك العقوبات التي عوقب بها فرعون وقومه, ثم ما كان من بني إسرائيل مع موسى من بعد خروجهم من مصر إلى عند موت موسى مع طول تلك المدة, وكثرة تلك الحوادث.
стр. 1579
فإن القرآن حكى ذلك كما هو, وذكره بصفته من غير مخالفة, ثم ما كان من الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى إلى عند قيام المسيح فإن القرآن الكريم حكى قصصهم, وما جرى لهم, وما قالوه لقومهم, وما قاله قومهم لهم, وما وقع بينهم من الحوادث, وكان ما حكاه القرآن موافقاً لما في كتب نبوة أولئك الأنبياء من غير مخالفة, ثم هكذا ما حكاه القرآن عن نبوة المسيح, وما جرى له, وأحواله وحوادثه, فإنه موافق لما اشتمل عليه الإنجيل من غير مخالفة, ومعلوم لكل عاقل يعرف أحوال نبينا ﷺ أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب, وكان منذ ولد إلى أن بعثه الله بين قومه, وهم قوم مشركون لا يعرفون شيئاً من أحوال الأنبياء, ولا يدرون بشيء من الشرائع, ولا يخالطون أحداً من اليهود والنصارى, ولا يعرفون شيئاً من شرائعهم, وإن عرفوا فرداً منها فليس ذلك إلا في مثل ما هو متقرر بينهم يعملون به في عباداتهم ومعاملاتهم باعتبار ما يشتهر عنهم في ذلك كما يبلغ بعض أنواع العالم عن البعض الآخر, فإنه قد يبلغهم بعض ما يتمسكون به في دينهم باعتبار اشتهار ذلك عنهم, وأما العلم بأحوال الأنبياء وما جاءوا به, وإلى من بعثهم الله, وما قالوا لقومهم, وما أجابوهم به, وما جرى بينهم من الحوادث كلياتها وجزئياتها, وفي أي عصر كان كل واحد منهم, وإلى من بعثه الله, وكون هذا النبي كان متقدماً على هذا, وهذا كان متأخراً عن هذا, مع كثرة عددهم, وطول مددهم, واختلاف أنواع قومهم, واختلاف ألسنتهم, وتباين لغاتهم, فهذا أمر لا يحيط بعلمه إلا الله , ولولا اشتمال التوراة على حكاية أحوال من قبل موسى من الأنبياء لانقطع علم ذلك عن البشر, ولم يبق لأحد منهم طريق إليه البتة, فلما جاءنا هذا النبي العربي الأمي المبعوث من بين طائفة مشركة, تعبد الأوثان, وتكفر بجميع الأديان, قد دبروا دنياهم بأمور جاهلية تلقاها الآخر عن الأول, وسمعها اللاحق من السابق, لا يرجع شيء منها إلى ملة من الملل الدينية, ولا إلى كتاب من الكتب المنزلة, ولا إلى رسول من الأنبياء المرسلة, بل غاية علمهم, ونهاية ما لديهم ما يجري بين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة, وما يحفظونه من شعر شعرائهم, وخطب خطبائهم, وبلاغات بلغائهم, وجود أجوادهم, وإقدام أهل الجرأة والجسارة منهم, لا يلتفتون مع ذلك إلى دين, ولا يقبلون على شيء من أعمال الآخرة, ولا يشتغلون بأمر من الأمور التي يشتغل بها أهل الملل, فإن راموا مطلباً من مطالب الدنيا, ورغبوا في أمر من أمورها, قصدوا أصنامهم, وطلبوا حصولها منها, وقربوا إليها بعض أموالهم ليبلغوا بذلك إلى مقاصدهم ومطالبهم, وكان هذا النبي العربي الأمي لا يعلم إلا بما يعلمون, ولا يدري إلا بما يدرون, بل قد يعلم الواحد منهم, المتمكن من قراءة الكتب وكتابة المقروء بغير ما يعلمه هذا النبي, فبينما هو على هذه الصفة بين هؤلاء القوم البالغين في الجهالة إلى هذا الحد جاءنا بهذا الكتاب العظيم الحاكي لما ذكرناه من تفاصيل أحوال الأنبياء وقصصهم, وما جرى لهم مع قومهم على أكمل حال, وأتم وجه, ووجدناه موافقاً لما في تلك الكتب غير مخالف لشيء منها, كان هذا من أعظم الأدلة الدالة على ثبوت نبوته على الخصوص, وثبوت نبوة من قبله من الأنبياء على العموم, ومثل دلالة هذا الدليل لا يتيسر لجاحد ولا لمكابر ولا لزنديق مارق أن يقدح فيها بقادح, أو يعارضها بشبهة من الشبه كائنة ما كانت, إن كان ممن يعقل ويفهم, ويدري بما يوجبه العقل من قبول الأدلة الصحيحة التي لا تقابل بالرد, ولا تدفع بالمعارضة, ولا تقبل التشكيك, ولا تحتمل الشبهة, ومع هذا فقد كان النبي الأمي المبعوث بين هؤلاء يصرح بين ظهرانيهم ببطلان ما هم
стр. 1580
عليه, ويزيف ما هم فيه أبلغ تزييف, ويقدح فيه أعظم قدح, ويبين لهم أنهم أعداء الله, وأنهم مستحقون لغضبه وسخطه وعقوبته, وأنهم ليسوا على شيء, فبهذا السبب صاروا جميعا أعداء له يطعنون عليه بالمطاعن التي يعلمون أنه منزه عنها, مبرأ منها, كقولهم إنه كذاب, وإنه مجنون, وإنه ساحر, فلو علموا أنه تعلم من أحد من أهل الكتاب أو أخذ عن فرد من أفرادهم لجاءوا بهذا المطعن بادئ بدء, وجعلوه عنواناً لتلك المطاعن الكاذبة, بل لو وجدوا إلى ذلك سبيلا ًلعولوا عليه ولم يحتاجوا إلى غيره, فلما لم يأتوا بذلك, ولا تكلموا به, ولا وجدوا إليه سبيلاً علم كل عاقل أنه لم يتعلم من أحد من اليهود ولا من النصارى, ولا من غير هاتين الطائفتين, إذ لم يطعن عليه بذلك هؤلاء الذين هم قومه وقد ولد بينهم, وعاش في ديارهم يخالطهم ويخالطونه, ويواصلهم, ويعرفون جميع أحواله, ولا سيما من كان من قرابته منهم الذين صاروا له بعد البعثة أشد الأعداء, وأعظم الخصوم, كأبي لهب وأمثاله, فإنه لا شك ولا ريب أنه لا يخفى عليهم ما هو دون هذا من أحواله, وأيضاً لو كان قد تعلم من أحد من أهل الكتاب لم يخف ذلك على أهل الكتاب الذين صرح لهم بأنهم إن لم يؤمنوا به فهم من أعداء الله, ومن المستحقين لسخطه وعقوبته, وأنهم على ضلالة, وأنهم قد غيروا كتابهم وحرفوه وبدلوه, وأنهم أحقاء بلعنة الله وغضبه, فلو كان له معلم منهم أو من أمثالهم من أهل الكتاب لجعلوا هذا المطعن عليه مقدماً على كل مطعن يطعنونه به من تلك المطاعن الكاذبة, بل كان هذا المطعن مستغنياً عن كل ما طعنوا به عليه, لأن مسافته قريبة, وتأثيره ظاهر, وقبول عقول العامة له من أهل الكتاب ومن المشركين أيسر من قبولها لتلك المطاعن الكاذبة التي جاءوا بها, هذا معلوم لكل عاقل لا يشك فيه شاك, ولا يتلعثم عنده متلعثم, ولا يكابره فيه مكابر, فلما لم يطعن عليه أحد منهم بشيء من ذلك علمنا علماً يقيناً انتفاء ذلك, وأنه لم يتعلم من أحد منهم, وإذا تقرر هذا البرهان الذي هو أوضح من شمس النهار, أنه لم يكن له معلم من اليهود ولا من النصارى, ولا من غيرهم ممن له علم بأحوال الأنبياء فلم يبق إلا أن يكون اطلع بنفسه منفرداً عن الناس على مثل التوراة, والزبور, والإنجيل, ونحو ذلك من كتب الأنبياء, وقد علمنا علما يقينياً بأنه كان أمياً لا يقرأ المكتوب, ولا يكتب المقروء, ثبت هذا بالنقل المتواتر عن أصحابه, مع عدم مخالفة المخالفين له في ذلك, فإنه لم يسمع عن واحد منهم أنه نسب إليه أنه يقدر على قراءة المكتوب, أو كتابة المقروء, وحينئذ انتفت هذه الطريقة أعني كونه اطلع على الكتب المتقدمة بنفسه منفرداً عن الناس, وإنما قلنا منفرداً عن الناس لأنا لو فرضنا قدرته على ذلك في محضر أحد من الناس لم يخف ذلك على أتباعه ولا على أعدائه, فإذا انتفت قدرته على قراءة المكتوب من حيث كونه أمياً, وانتفى اطلاع أحد من الناس على شيء من ذلك علمنا أنه لم يأخذ شيئاً من ذلك لا بطريق التعليم, ولا بطريق المباشرة منه لتلك الكتب, ولم يسمع عن أحد لا من أتباعه ولا من أعدائه أنه كان بمكة من يعرف أحوال الأنبياء وقصصهم وما جاءوا به من الشرائع, ولا كان بمكة من كتب الله سبحانه المنزلة على رسله شيء, ولا كانت قريش ممن يرغب إلى ذلك أو يطلبه أو يحرص على معرفته, ومع هذا فقد كان أعداؤه من كفار قريش معترفون بصدقه, ويقرون بأنهم لم يجربوا عليه كذباً. وفي حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما في قصة سؤال هرقل لأبي سفيان أنه قال له (فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا) (١) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود (أن سعد بن معاذ لما قال لأمية بن خلف أن النبي ذكر أنه سيقتل, فقال ذلك لامرأته, فقالت: والله ما يكذب محمد, وعزم على ألا يخرج خوفاً من هذا) (٢). وأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس أن النبي قال لقريش: ((لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقاً)) (٣).
وأخرج البخاري في تاريخه, وأبو زرعة في دلائله, وابن اسحق أن أبا طالب لما قال للنبي ﷺ أن يكف عن قريش فقال: ((والله ما أقدر على أن أدع ما بعثت به, فقال أبو طالب لقريش: والله ما كذب قط, فارجعوا راشدين)) (٤).
وأخرج ابن مردويه في كتاب التفسير, وأبو يعلى الموصلي في مسنده, وعبد بن حميد أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: (وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - بتصرف - ١/ ٥٢١
стр. 1581
المطلب الأول: دعوة إبراهيم
عن العرباض بن سارية عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: ((إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري، دعوةُ إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، أنه خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام)) رواه في (شرح السنة) (١).
وقد أخبرنا الله أنَّ خليل الرحمن إبراهيم وابنه إسماعيل كان يبنيان البيت الحرام ويدعوان، ومن دعائهما ما قصه علينا في سورة البقرة وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].
وقد استجاب الله دعاء خليله إبراهيم وابنه نبيّ الله إسماعيل، وكان محمد ﷺ هو تأويل تلك الاستجابة. ولا تزال التوراة الموجودة اليوم – على الرغم مما أصابها من تحريف – تحمل شيئاً من هذه البشارة، فنجد فيها أنَّ الله استجاب دعاء إبراهيم في إسماعيل، فقد ورد في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح السابع عشر فقرة (٢٠): (وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمّة عظيمة كبيرة). وهذا النصُّ ورد في التوراة السامرية بألفاظ قريبة جداً مما أثبتناه هنا، والترجمة الحرفية للتوراة العبرانية لهذا النص: وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأكثره (بمأد مأد) (٢). وقد ذكر ابن القيم أنَّ بعض نسخ التوراة القديمة أوردت النص كما أثبتناه هنا.
ودلالة هذه البشارة على نبينا محمد ﷺ من وجوه: الأول: أنَّ الأمة العظيمة عند الله لا بدَّ أن تكون مسلمة، ولم توجد هذه الأمّة من نسل إسماعيل إلاّ بعد بعثة الرسول وانتشار المسلمين في المشارق والمغارب.
الثاني: النصّ العبراني (مأد مأد) صريح في اسم الرسول ﷺ فالمترجمون ترجموه (جداً جداً أو كثيراً كثيراً) والصواب هو: محمد، لأنها تلفظ بالعبراني (مؤد مؤد) واللفظ العبراني قريب من العربي. الثالث: قوله: اثني عشر رئيساً يلد، هذا موافق لأخبار الرسول ﷺ أنه سيلي أمر هذه الأمة اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٣
стр. 1582
المطلب الثاني: بشارة موسى
لقد جاء بني إسرائيل الخبرُ اليقين بالنبيِّ الأميّ، على يد نبي الله موسى منذ أمد بعيد، جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، ونهج رسالته، وبخصائص ملته، فهو النبي الأمي، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، يضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم ويؤمنون بآيات الله. . وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه ويوقرونه وينصرونه ويؤيدونه ويتبعون النور الذي أنزل معه (أولئك هم المفلحون).
قال تعالى: عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبي الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧].
بقية هذه البشارة في التوراة:
وقد بقي من هذه البشارة بقية في التوراة، ففي سفر التثنية، الإصحاح (١٨) فقرة ١٨ - ١٩ قال الله لموسى: (أقيم لهم أي لبني إسرائيل نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع كلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه).
ودلالة هذه البشارة على رسولنا ﷺ بيَّنه، ذلك أنّه من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل، فجدُّهم هو إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، ثم هو أوسط العرب نسباً، وقوله: مثلك، أي: صاحب شريعة مثل موسى، ومحمد ﷺ هو الذي جعل الله كلامه في فمه حيث كان أميّاً لا يقرأ من الصحف، ولكنَّ الله يوحي إليه كلامه، فيحفظه ويرتله، وهو الرسول المرسل إلى الناس كافة، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته، ومن لم يفعل فإنَّ الله معذبه (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه).
ومما يعرفنا أنَّ هذه البشارة هي بقية البشارة العظيمة التي أوحى الله بها إلى موسى، وأخبرنا بها القرآن الكريم، أن هذه البشارة وردت في موقف معين، فعندما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات الله أخذتهم الرجفة، وذلك بسبب طلبهم رؤية الله جلَّ وعلا، فدعا موسى ربَّه وتوسل إليه، فبعثهم الله من بعد موتهم، قال الله بعد توسل موسى ودعائه عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ .. الآيات.
وإذا رجعت إلى التوراة في سفر الخروج تجد أنَّ هذه البشارة إنما أوحى الله بها إلى موسى بعد ذهابه لميقات الله، وتتحدث التوراة عن شيء قريب من الرجفة (وكل الشعب سمع الأصوات وصوت البوق، ونظروا الشهب والجبل دخاناً ونظر كل القوم وتشردوا ووقفوا من بعد .. ) سفر الخروج، الإصحاح (٢٠) فقرة: ١٨. (وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق، وصوت البوق والجبل يدخن، ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد .. ). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٥
стр. 1583
المطلب الثالث: بشارة عيسى
وأخبرنا الله – سبحانه – أن عيسى بشر برسولنا محمد ﷺ : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [الصف: ٦].
وأحمد من أسماء نبينا محمد ﷺ كما ثبت في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنَّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)) (١).
مثلان في التوراة والإنجيل:
ضرب الله في التوراة والإنجيل مثلين لرسولنا محمد ﷺ ولأصحابه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٧
стр. 1584
المبحث الثاني: بشائر التوراة وأسفار الأنبياء
التوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرَّفة مغيرة يدلك على ذلك هذا الاختلاف الذي تجده في أمور كثيرة بين نسخها وطبعاتها، فهناك ثلاث نسخ للتوراة: العبرانية، واليونانية، والسامرية، وكلُّ قوم يدَّعون أن نسختهم هي الصحيحة، وهناك فروق واضحة بين طبعات التوراة وترجماتها. وقد أدى هذا التحريف إلى ذهاب كثير من البشارات أو طمس معالمها، ومع ذلك فقد بقي من هذه البشارات شيء كثير، ولا تخفى هذه البشارات على من يتأملها، ويعرضها على سيرة رسول الله ﷺ متجرداً من الهوى.
١ - ذكر الرسول ﷺ باسمه في التوراة:
لقد صرح بعض هذه البشارات باسم محمد ﷺ وقد اطلع بعض علماء المسلمين على هذه النصوص، ولكنَّ التحريف المستمر لهذا الكتاب أتى على هذه النصوص، فمن ذلك ما ورد في سفر أشعيا (١): (إني جعلت أمرك محمداً، يا محمد يا قدوس الربّ، اسمك موجود من الأبد) (٢). وقوله إن اسم محمد موجود من الأبد موافق لقول الرسول ﷺ : ((إني مكتوب عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته)) (٣). وفي التوراة العبرانية في الإصحاح الثالث من سفر حبقوق: (وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، ملك بيمينه رقاب الأمم).
وفي النسخة المطبوعة في لندن قديماً سنة ١٨٤٨، والأخرى المطبوعة في بيروت سنة ١٨٨٤، والنسخ القديمة تجد في سفر حبقوق النص في غاية الصراحة والوضوح: (لقد أضاءت السماء من بهاء محمد، امتلأت الأرض من حمده،. . زجرك في الأنهار، واحتدام صوتك في البحار، يا محمد ادن، لقد رأتك الجبال فارتاعت). ٢ - ذكر الرسول ﷺ بأمر يتعلق به:
وفي بعض الأحيان يذكر مكان مبعثه، ففي سفر التثنية الإصحاح الثالث والثلاثون، فقرة (٢): (جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران " وسيناء هي الموضع الذي كلّم الله فيه موسى، وساعير الموضع الذي أوحى الله فيه لعيسى، وفاران هي جبال مكة، حيث أوحى الله لمحمد ﷺ ، وكون جبال فاران هي مكة، دلت عليه نصوص من التوراة. وقد جمع الله هذه الأماكن المقدسة في قوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ١ - ٣] وذكرت التوراة مكان الوحي إليه، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٢١) فقرة: (١٣) وحي من جهة بلاد العرب في الوعر). وقد كان بدء الوحي في بلاد العرب في الوعر في غار حراء.
وفي هذا الموضع من التوراة فقرة: (١٤) حديث عن هجرة الرسول ﷺ وإشارة إلى الجهة التي هاجر إليها (هاتوا ماءً لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزة، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب) وتيماء من أعمال المدينة المنورة، وإذا نظرت في النص ظهر لك بوضوح أنه يتحدث عن هجرة الرسول ﷺ .
стр. 1585
وتكملة النص السابق فقرة: (١٦) يقول: (فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار، وبقية قسى أبطال بني قيدار تقلّ، لأنَّ الربّ إله إسرائيل قد تكلم).
وهذا النص يتحدث عن معركة بدر، فإنّه بعد سنة كسنة الأجير من الهجرة كانت وقعة بدر، وفنى مجد قيدار، وقيدار من أولاد إسماعيل، وأبناؤه أهل مكة، وقد قلت قسى أبناء قيدار بعد غزوة بدر.
٣ - إشارة التوراة إلى معلم من معالم مهاجر الرسول:
وأشارت بعض نصوص التوراة إلى مكان هجرة الرسول ﷺ ، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٤٢) فقرة: (١١) (لترفع البريّة ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الربَّ مجداً .. ).
وقيدار أحد أبناء إسماعيل كما جاء في سفر التكوين إصحاح (٢٥) عدد (١٣).
وسالع جبل سلع في المدينة المنورة.
والترنم والهتاف ذلك الأذان الذي كان ولا يزال يشقُّ أجواز الفضاء كلّ يوم خمس مرات، وذلك التكبير والتحميد في الأعياد وفي أطراف النهار وآناء الليل كانت تهتف به الأفواه الطاهرة من أهل المدينة الطيبة الرابضة بجانب سلع. ٤ - إشارة التوراة إلى أمور جرت على يديه ﷺ :
وقد تذكر النصوص انتشار دعوته وبعض ما يكون من الرسول ﷺ ، ففي سفر حبقوق الإصحاح الثالث فقرة: (٣ - ٦): (الله جاء من تيمان، والقدوس من جبال فاران، سلاه جلاله غطى السماوات والأرض، امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور، له من يده شعاع، وهناك استنارت قدرته، قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى، وقف وقاس الأرض، نظر، فرجفت الأمم، ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القدم).
ففي هذه البشارة إخبار بالنصر العظيم الذي حازه الرسول ﷺ وأتباعه، وإخبار بانتشار دعوته في شتى بقاع الأرض، وبأن الجبال الدهرية وهي الدول القويّة ذات المجد القديم ستدك، وآكام القدم وهي الدول الأقل ستخسف، وقد تحقق ذلك كله، وأشارت هذه البشارة إلى أمرين يدركهما من كان عليماً بسيرة الرسول ﷺ وأخباره، وهما: لمعان كالنور له من يده، وذهاب الوبا من قدامه، وخروج الحمّى من عند رجليه.
٥ - اللمعان والنور الذي شعَّ من يده:
يقول النص: (وكان لمعان كالنور، له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته) ثم يقول: (وقف وقاس الأرض نظر، فرجفت الأمم .. ) والذي يبدو لي أنَّ هذا النص يتحدث عن حادثة بعينها، وهي ما وقع منه ﷺ في غزوة الخندق، عندما أعجزت صخرة الصحابة أثناء حفر الخندق، فجاء الرسول ﷺ فضربها ضربة عظيمة أسقطت ثلثها، وخرج منها نور فكبر الرسول ﷺ فكبر أصحابه، ثمَّ الثانية فالثالثة، وقد أخبر الرسول ﷺ أنه رأى بالنور الأول قصور الشام، وبالنور الثاني قصور فارس، وبالنور الثالث أبواب صنعاء.
стр. 1586
وروى النسائي وأحمد بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: ((لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ ، فجاء فأخذ المعول فقال: باسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثمَّ ضرب الثانية فقطع الثالث الآخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثمَّ ضرب الثالثة، وقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة)) (١).
وفي رواية الطبراني: ((فضرب الصخرة وبرق منها برقة فكبّر، وكبّر، المسلمون))، وفيه ((إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم .. )) (٢).
تأمل النص الذي أوردناه مرة أخرى (لمعان كالنور له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته .. وقف وقاس الأرض نظر .. ).
وتأمل في الأحاديث التي أوردناها أليست هذه الواقعة تأويل لتلك البشارة؟
٦ - ذهاب الوبا وخروج الحمى:
تقول هذه البشارة: (قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى)، وهذه – والله – بشارة صريحة لا تحتمل تأويلاً، فالمدينة قبل مجيء الرسول – ﷺ – كانت معروفة بالحمّى، وفي الحديث عن ابن عباس ((أنَّ الرسول ﷺ وأصحابه عندما قدموا مكة للعمرة – وهي العمرة المعروفة بعمرة القضاء – قال المشركون: إنّه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب)) رواه البخاري (٣). وقد أصابت هذه الحمّى صحابة رسول الله ﷺ أول قدومهم المدينة، فدعا رسول الله ﷺ ربَّه كي يذهب الحمّى.
عن عائشة ﵂ قالت: ((لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وعُك أبو بكر وبلال. قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ... والموتُ أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع رأسه ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ... بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ
وهل أرِدَنْ يوماً مياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومدِّها، وانقل حمّاها، فاجعلها في الجحفة)) رواه البخاري (٤) وزاد البخاري في آخر كتاب الحج: ((ثم يقول بلال: اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء)) (٥).
стр. 1587
إذن كانت يثرب موبُوْءَة بالحمى، لا يكاد يدخلها أحد إلاّ أصابته. وقد استجاب الله لنبيه ﷺ فنقل عنها الحمى، وصحَّحَها، ومنع عن المدينة الطاعون، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل ﵇ بالحمّى والطاعون، فأمسكت الحمّى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام)) (١).
وإمساكه الحمّى بالمدينة لعله في بداية الأمر، ثمَّ أمر بإرسالها إلى الجحفة، أو أن المراد بإمساكها بالمدينة المنطقة التي فيها المدينة، ذلك أن الجحفة تقع قرب المدينة، وعلى كلّ فالبشارة واضحة وقعت كما أخبرت التوراة.
٧ - بشارات جامعة:
وفي بعض الأحيان تكون البشارات جامعة تذكر صفات الرسول ﷺ ووحي الله إليه، وأخبار أمته، وما ينزل إليه عليهم من نصره، وإمدادهم بالملائكة، وشيئاً مما يعطيه الله لرسوله كالعروج به إلى السماء ونحو ذلك، فمن ذلك ما ورد في بشائر دانيال.
قال دانيال (٢) يهدد اليهود، ويصف لهم أمة محمد ﷺ : (إن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبياً، ومنزل عليهم كتاباً، ومملكهم رقابكم، يقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال قيدار في جماعات الشعوب، معهم الملائكة على خيل بيض، فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم النار، نعوذ بالله من النار). وأبناء قيدار بن إسماعيل، قد انتشروا في الأرض، واستولوا على الشام والجزيرة ومصر والعراق، وقد تواترت الآثار أن الملائكة كانت تنزل على الخيل البيض كما نزلت يوم بدر والأحزاب، وقال دانيال مصرحاً باسم محمد ﷺ : (ستنزع في قسيّك إغراقاً، وترتوي السهام بأمرك يا محمد).
وقال دانيال أيضاً: (سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم، ويردّ إليهم ملكهم، ويبعث فيهم الأنبياء، أو يجعل ذلك في غيرهم؟ فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه، فقال: السلام عليكم يا دانيال، إن الله يقول: إنّ بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي، وعبدوا من دوني آلهة أخرى، وصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومن بعد الصدق إلى الكذب. فصلَّت عليهم بخت نصّر، فقتل رجالهم، وسبى ذراريهم، وهدم مساجدهم، وحرق كتبهم، وكذلك فعل من بعده بهم، وأنا غير راض عنهم، ولا مقيلهم عثرات، فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول، وأختم ذلك عليهم باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة، حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملاكي وبشرها، وأوحي إلى ذلك النبي، وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها، أسري به إلي، وأرقيه من سماء إلى سماء، حتى يعلو، فأدنيه، وأسلِّم عليه، وأوحي إليه، ثمَّ أردّه إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظاً لما استودع، صادقاً فيما أخبر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذبونه، ويؤذونه).
стр. 1588
يقول ابن تيمية: (ثمَّ سرد دانيال قصة رسول الله ﷺ بما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أمته بالنفخة، وانقضاء الدنيا).
ثم قال: (وهذه البشارة الآن عند اليهود والنصارى يقرؤونها، ويقولون: لم يظهر صاحبها بعد). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٨
والكلام في تبشير نبينا محمد بمن تقدمه من الأنبياء حتى يتضح لك أن هذه سنة الله في أنبيائه ﵈ فمن ذلك ما ثبت في التوراة في الفصل السابع عشر من السفر الأول منها قال الله سبحانه لإبراهيم: (وقد سمعت قولك في إسماعيل وها أنا مبارك فيه وأثمره وأكثره بمأذ مأذ) انتهى. قوله بمأذ مأذ هو اسم محمد بالعبرانية وهذا صريح في البشارة بنبينا محمد وفي الفصل الثالث والثلاثين من السفر الخامس من التوراة ما لفظه: (يا الله الذي تجلى نوره من طور سينا, وأشرق نوره من جبل سيعير, ولوح به من جبل فاران, وأتى ربوة القدس بشريعة نور من يمينه لهم) انتهى. هذا نص التوراة المعربة تعريباً صحيحاً, وقد حكى هذا اللفظ من نقل عن التوراة بمخالفة لما هنا يسيرة: (هكذا جاء الله من طور سيناء, وأشرق من ساعير, واستعلن من جبال فاران). وفي لفظ: (تجلى الله من طور سيناء أو مجيئه من طور سيناء) الخ.
قال جماعة من العلماء: (إن معنى تجلى نور الله سبحانه من طور سيناء, أو مجيئه من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء, ومعنى إشراقه من جبل سيعير إنزاله الإنجيل على المسيح وكان المسيح من سيعير أو ساعير وهي أرض الخليل من قرية منها تدعى ناصرة وباسمها سمي أتباعه نصارى, ومعنى لوح به من جبل فاران أو استعلن من جبل فاران إنزاله القرآن على محمد وجبال فاران هي جبال مكة بلا خلاف بين علماء المسلمين وأهل الكتاب). ومما يؤيد هذا ما في التوراة في السفر الأول منها ما لفظه: (وغدا إبراهيم فأخذ الغلام يعني إسماعيل وأخذ خبزاً وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر, وحمله عليها وقال لها اذهبي فانطلقت هاجر فظلت سبعاً, ونفذ الماء الذي كان معها, فطرحت الغلام تحت شجرة وجلست مقابلته على مقدار رمية سهم لئلا تبصر الغلام حين يموت, ورفعت صوتها بالبكاء, وسمع الله صوت الغلام فدعا ملك الله هاجر وقال لها: مالك يا هاجر, لا تخشي فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو, فقومي فاحملي الغلام وشدي يديك به فإني جاعله لأمة عظيمة, وفتح الله عينيها فبصرت بئر ماء, فسقت الغلام, وملأت سقاها, وكان الله مع الغلام, فربي وسكن في برية فاران). انتهى. ولا خلاف أن إسماعيل سكن أرض مكة فعلم أنها فاران, وقد حكى الله سبحانه في القرآن الكريم ما يفيد هذا فقال حاكياً عن إبراهيم: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:٣٧] ولا خلاف في أن المراد بهذا الوادي أرض مكة, وفي الأحاديث الصحيحة الحاكية لقصة إبراهيم مع هاجر وولدها إسماعيل ما يفيد هذا ويوضحه, ومما يؤيد هذه البشارة المذكور في كتاب نبوة النبي شمعون ولفظه: (جاء الله من جبال فاران, وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته) ومثل ذلك البشارة المذكورة في نبوة النبي حبقوق ولفظه: (جاء الله من التيمن, وظهر القدس على جبال فاران, وامتلأت الأرض من تحميد أحمد, وملك يمينه رفات الأمم, وأنارت الأرض لنوره, وحملت خيله في البحر). انتهى.
وفي هذا التصريح بجبال فاران مع التصريح باسم نبينا محمد بقوله: (وامتلأت الأرض من تحميد أحمد) تصريحاً لا يبقى بعده ريب لمرتاب.
стр. 1589
ومن البشارات بنبينا محمد في الزبور لداود ﵇ ما لفظه (إن ربنا عظيم محمود جدا ومحمد قد عم الأرض كلها فرحاً). انتهى.
ففي هذا التصريح باسمه, ومن ذلك قوله فيه: (بارك عليك إلى الأبد, ويقلد أبونا الجبار السيف, لأن البهاء لوجهك, والحمد الغالب عليك, اركب كلمة الحق, وسمت التأله, فإن ناموسك وشرائعك معروفة بهيبة يمينك, وسهامك مسنونة, والأمم يخرون تحتك). انتهى.
وهذه صفات نبينا فإنه لم يبعث نبي هذه صفته بعد داود سواه, ومثل هذا قوله في موضع آخر: (ويجوز من البحر إلى البحر, ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض, وتخزى أهل الجزائر بين يديه, ويلحس أعداؤه التراب, ويسجد له ملوك الفرس, وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد, ويخلص البائس المضطهد ممن هو أقوى منه, وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له, ويرأف بالمساكين والضعفاء, ويصلي عليه ويبارك في كل حين). انتهى.
وهذه الصفات أيضاً ليست لأحد من الأنبياء غيره, فإنه لم يملك أحد منهم من البحر إلى البحر, ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض كما ذلك معلوم لكل أحد, بل الذي انتشرت شريعته, وبلغت سيوف أمته إلى هذا المقدار هو نبينا ﷺ , وهكذا قوله: (ويسجد له ملوك الفرس) فإنه لم يفتح الفرس, ويستعبد أهلها, ويضرب عليهم الجزية إلا أمة نبينا, وهكذا قوله: (وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد) فإنها لم تدن الأمم كلها لغيره, وهكذا قوله: (ويصلى عليه ويبارك في كل حين) فإن هذا يختص بنبينا لاستمرار ذلك له في كل وقت, ووقوع الأمر القرآني به, ولم يكن ذلك لغيره من الأنبياء, ومن البشارات ما ذكره أشعيا في كتاب نبوته من التبشير براكب الحمار, وراكب الجمل, ولا شك أن راكب الحمار هو المسيح, وراكب الجمل هو نبينا ﷺ .
وفي نبوة أشعيا أيضاً قوله: (إني جعلت أمرك يا محمد يا قدوس الرب اسمك موجود من الأبد) انتهى. وهذا تصريح باسم نبينا ﷺ , ومثل هذا قول حبقوق النبي في كتاب نبوته: (أضاءت السماء من بهاء محمد, وامتلأت الأرض من شعاع منظره) وكذا قوله في موضع آخر من كتاب نبوته: (وتنزع في مسيك إعراقاً ونزعاً, وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء) فإن هذا تصريح أوضح من الشمس, ومن البشارات قول حزقيال النبي في كتاب نبوته مهدداً لليهود: (وأن الله يظهرهم عليكم, وباعث فيهم نبياً, وينزل عليهم كتاباً, ويملكهم رقابكم, فيقهرونكم, ويذلونكم بالحق, ويخرج رجال بني قيذار في جماعات الشعوب, معهم ملائكة على خيل بيض) انتهى.
ففي هذا التصريح ببعثة نبينا ﷺ وقهر أمته للأمم, فإن قيذار هو ابن إسماعيل بن إبراهيم بلا خلاف, ولم يبعث الله فيهم نبياً إلا نبينا محمداً ﷺ , وهذا معلوم لكل أحد لا يخالف فيه مخالف, ولا ينكره منكر.
ومن البشارات ما في كتاب نبوة دانيال النبي, فإنه صرح فيها باسم النبي بمثل ما تقدم في نبوة حبقوق فقال: (ستنزع في مسيك إعراقاً, وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء) انتهى.
стр. 1590
وفي موضع آخر من كتابه هذا التصريح ببعثة نبينا فقال بعد ذكر التبشير بالمسيح ما لفظه: (حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر, وأرسلت إليها ملائكة فبشروها, فأوحى إلى ذلك النبي, وأعلمه السماء, وأزينه بالتقوى, وأجعل البر شعاره, والتقوى جهده, والصدق قوله, والوفاء طبيعته, والقصد سيرته, والرشد سنته, بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب, وناسخ لبعض ما فيها, أسري به إلي, وأرقيه من سماء إلى سماء حتى يعلو, فأدنيه, وأسلم عليه, وأوحي إليه, ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة, حافظاً لما استودع, صادعاً بما أمر, يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة, لا فظ, ولا غليظ, ولا صخاب في الأسواق, رؤوف بمن والاه, رحيم بمن آمن به حتى على من عاداه) انتهى.
ولا ريب أن هذه صفات نبينا ﷺ , وأنه لم يبعث الله نبياً من بني إسماعيل سواه, ومثل هذه الصفات ما في حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري وغيره (أنه قيل له: أخبرنا ببعض صفة رسول الله في التوراة, قال: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً, ومبشراً, ونذيراً, وحرزاً للأميين. أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل, لست بفظ, ولا غليظ, ولا صخاب بالأسواق, ولا يجزي بالسيئة السيئة, ولكن يجزي السيئة بالحسنة, ويعفو ويغفر, ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء, فأفتح به أعيناً عمياء, وآذاناً صماً, وقلوبا غلفاً بأن يقولوا: لا إله إلا الله).
قيل: قد يراد بلفظ التوراة جنس الكتب المتقدمة من التوراة, والزبور, والإنجيل, وسائر كتب أنبياء بني إسرائيل, فعلى هذا يكون المراد بقول عبد الله بن عمرو: (إنه لموصوف في التوراة) هذه الصفات المذكورة في نبوة دانيال, ولا مانع من أن تكون هذه الصفات كانت موجودة في التوراة فحذفتها اليهود, فما ذلك بأول تحريف وتبديل وتغيير منهم الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - ١/ ٥١٠
стр. 1591
المبحث الثالث: بشارات من الإنجيل
وفي إنجيل متى الإصحاح (١١) عدد (١٤) (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع).
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى نبي، فيكون إيلياء الذي بشر به عيسى هو محمداً ﷺ . وإيليا بحساب الجمل الذي أغرمت به اليهود يساوي محمداً.
وفي إنجيل يوحنا إصحاح (١٤) عدد (١٥) (إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، وفي اللغات الأجنبية (فيعطيكم باركليتوس) ليمكث معكم إلى الأبد) والمعنى الحرفي لكلمة (باركليتوس) اليونانية هو أحمد، وهو من أسماء الرسول ﷺ (١).
وفي إصحاح يوحنا (١٥) عدد (٢٦) (ومتى جاء المعزي الذي أرسله أنا إليكم من الآب روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي) (ويشهد لي) لأن النبي محمد ﷺ شهد للمسيح بالنبوة والرسالة، وروح الحقّ كناية عن الرسول محمد ﷺ ، والمعاني الواردة في هذه الترجمة الحديث ليست دقيقة، لأن أصلها باليونانية، وهي اللغة التي ترجمت منها هذه الأناجيل – مكتوبة (بيركليتوس) وفي التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨٢١، سنة ١٨٣١، سنة ١٨٤٤، في لندن تجدها (فارقليط) وهي أقرب إلى العبارة اليونانية المشار إليها (٢)، أمّا ترجمتها في الطبعات الحديثة إلى المعزي فهو من التحريف الذي ذم الله أهل الكتاب به يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [النساء: ٤٦]. ويلاحظ أن هناك جملة ساقطة قبل الجملة الواردة في عدد (٢٦) من هذا الإصحاح سقطت من الطبعات الحديثة، لكنها واردة صراحة في الطبعات القديمة للإنجيل، ونص هذه الجملة: (فلو قد جاء المنحمنا الذي يرسله الله إليكم) ومعنى المنحمنا الحرفي باللغة السريانية محمد (٣)(٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٧٤
وجاء في (إنجيل متى) في الإصحاح الحادي والعشرين:
(٤٢ قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هوذا قد صار رأس الزاوية، من قِبَل الرب كان هذا هو عجيب في أعيننا. ٤٣ لذلك أقول لكم إنَّ ملكوت الله يُنزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره. ٤٤ ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه).
وهذا الحجر إنما هو سيدنا محمد، جاء في (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)) (٥).
قال ابن القيم (٦): (وتأمل قوله المسيح في البشارة الأخرى: ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤون صار رأساً للزاوية، كيف تجده مطابقاً لقول النبي ﷺ : ((مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة منها، فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلاّ وضعت تلك اللبنة فكنت أنا تلك اللبنة)) (٧).
стр. 1592
وتأمل قول المسيح في هذه البشارة: إن ذلك عجيب في أعيننا. وتأمل قوله فيها: (إن ملكوت الله سيؤخذ منكم، ويدفع إلى آخر) كيف تجده مطابقاً لقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥].
ونحو هذا النص ما جاء في (إنجيل متى) في الإصحاح الثامن:
(١١ وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان).
وهذه بشارة تشير إلى ظهور أمة الإسلام التي تأتي من المشارق والمغارب، وتكون مرضية عند الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
جاء في (الفارق): (أيها المسيحي إذا أنصفت تحكم بأن هؤلاء الذين سيأتون من مشارق الأرض ومغاربها هم الأمة المحمدية، لأنكم مخاطبون حاضرون إذ ذاك، والمسيح سلام الله عليه يخبر عن قوم سيأتون في مستقبل الزمن، وقد أخرجكم بقوله: وأما بنو الملكوت) (١).
ونحو ذلك ما جاء في (إنجيل يوحنا) في الإصحاح الرابع:
(٢٠ - ٢٤ قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله).
وهذا النص يشير إلى ظهور الدين الجديد، وإنّه سيتحول مركزه عن أورشليم ويشير إلى تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة، قبلة أصحاب الدين الجديد، ويصدقه قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤].
فقد كان المسلمون أول الأمر يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نزلت الآية بوجوب توجههم إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة. - من إنجيل لوقا (٢):
ذكر صاحب كتاب (الإنجيل والصليب) أنه جاء في (إنجيل لوقا) ٢: ١٤ (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد).
ولكن المترجمين ترجموها في الإنجيل هكذا:
(الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة).
ومؤلف الكتاب يرى أن الترجمة الصحيحة ما ذكره هو.
يقول المؤلف أنّ ثمة كلمتين وردتا في اللغة الأصلية لم يدرك أحد ما تحتويان عليه من المعاني تماماً، فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من السريانية.
هاتان الكلمتان هما:
أيريني – التي يترجمونها: السلامة.
وأيودكيا – التي يترجمونها: حسن الرضا.
فالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (أيريني)، فقد ترجمت بكلمات (سلامة) (مسالمة) (سلام).
стр. 1593
والمؤلف يرى أن ترجمتها الصحيحة (إسلام) فيقول في ص: ٤٠: (ومن المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جداً، ويشتمل على ما تشتمل عليه ألفاظ (السلم، السلام) (الصلح، المسالمة) (الأمن، الراحة). . وتتضمن معنى زائداً وتأويلاً آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى، ولكن قول الملائكة: (على الأرض سلام) لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة، لأنّ جميع الكائنات وعلى الأخص الحيَّة منها، ولا سيما النوع البشري الموجود على كرة الأرض دارنا الصغيرة هي بمقتضى السنن الطبيعة والنواميس الاجتماعية خاضعة للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات .. ، فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة).
ثم يستشهد بقول المسيح: (ما جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً) (متى ١٠: ٣٤).
ويستشهد بقول آخر للمسيح: (جئت لألقي ناراً على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض؟ كلا أقول لكم بل انقساماً) (لوقا: ١٢: ٤٩ - ٥٣).
وعلى هذا فالترجمة لا تنطبق ورسالة المسيح وأقواله والصواب (وعلى الأرض إسلام). (انظر البحث من ص٣٨ - ٤٤).
كما يرى أن (أيادوكيا) بمعنى (أحمد) لا (المسرة أو حسن الرضا) كما يترجمها القسس، وذلك لأنه لا يقال في اليونانية لحسن الرضا (أيودوكيا) بل يقال: (ثليما). ويقول: إن كلمة (دوكوته)، هي بمعنى (الحمد، الاشتهاء، الشوق، الرغبة، بيان الفكر). وها هي ذي الصفات المشتقة من هذا الفعل (دوكسا) وهي (حمد، محمود، ممدوح، نفيس، مشتهى، مرغوب، مجيد).
واستشهد بأمثلة كثيرة من اليونانية لذلك. وقال: إنهم يترجمون (محمديتو) في (أشعيا ٦٤: ١١) بـ (اندوكساهيمون)، ويترجمون الصفات منها (محمد، أحمد، أمجد، ممدوح، محتشم، ذو الشوكة) بـ (ايندكسوس).
واستدل بهذا التحقيق النفيس أن الترجمة الحقيقية الصحيحة لما ذكره لوقا هي (أحمد، محمد) لا (المسرة)، فتكون الترجمة الصحيحة لعبارة الإنجيل: (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد) (١).
- بشارات إنجيل برنابا:
هذا الإنجيل مليء بالبشارات الصريحة بالرسول المصطفى المختار، ومما ورد فيه (ص١٦١): (قال الله اصبر يا محمد. .) وفي (ص١٦٢) (إن اسمه المبارك محمد. .) (ص١٦٢): (يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم).
رأي في إنجيل برنابا:
لا شكّ أن هذا الإنجيل من الأناجيل التي كانت معروفة قديماً، وقد ورد ذكره في كتب القرن الثاني والثالث للميلاد، ثمّ لم يرد له ذكر بعد ذلك، إلى أن عثر على نسخة منه في أوائل القرن الثامن عشر الهجري، ولا تزال هذه النسخة في مكتبة بلاط (فيّنا).
وعندما نشر هذا الكتاب أحدث ضجّة – كبرى في ذلك الوقت – في أوربا في نوادي العلم والدين، وقد طبعت ترجمة هذا الكتاب مرتين باللغة العربية، الطبعة الثانية نشرتها دار القلم بالكويت.
стр. 1594
وقد اطلعت على هذا الكتاب، وأمعنت النظر فيه، فتبين لي فيه رأي لم أجد أحداً قد تنبه إليه، تبين لي أن هذا الكتاب وإن كان له أصل فقد لعبت فيه يد مسلم، فأدخلت فيه ما ليس منه، والذي جعلني أذهب هذا المذهب ليست تلك التعليقات العربية التي وجدت على هامش النسخة الأصلية الموجودة في (فينّا)، وإنّما تلك المبالغات التي وصف بها الإنجيل الرسول ﷺ ، نحن نصدّق أن يبشر الإنجيل بالرسول ﷺ ولكننا نستبعد كل البعد أن يكون قد شاع بين أهل الكتاب تلك الخرافات التي شاعت بين المسلمين بعد بعثة الرسول ﷺ ، ونسبوها للرسول ﷺ ، فنجد في هذا الإنجيل أنّ الله أعطى رسوله محمداً ﷺ كل شيء، وخلق من أجله كل شيء، وجعله قبل كل شيء، انظر ص (٩١، ٩٣، ١١٠)، وفي ص (١١١) يقول حاكياً كلام الرسول ﷺ : (يا رب اذكر أنك لما خلقتني قلت: إنّك أردت أن تخلق العالم والجنة والملائكة – والناس حبّاً فيّ ليمجدوك بي أنا عبدك). وفي ص (١٦١)، اصبر يا محمد، لأجلك أريد أن أخلق الجنّة والعالم وجمّاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك. .).
وفي ص (٢٦٦) (هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء).
وفي ص (١٥٢) يقول: (ولذلك لما خلق الله قبل كل شيء رسوله).
هذه الأقوال بدون شكّ غير صحيحة، وهي تناقض الحقّ الذي بين أيدينا، فالله خلق البشر والملائكة والجنَّ لعبادته وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].
وأول المخلوقات القلم كما في الحديث ((أول ما خلق الله القلم)) (١) وهذه الأقوال التي فيها غلو شاعت بين المسلمين، وصاغوها أحاديث نسبوها إلى الرسول ﷺ ، ومن هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث ((لولاك لما خلقت الأفلاك)) (٢) (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث رقم ٢٨٢) وحديث ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)) (٣) (حديث رقم ٣٠٢، ٣٠٣) وحديث: ((كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث)) (٤) (كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص٣٢٦).
وحديث: ((لقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك علي ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا)) (٥) (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ص٣٢٥).
وفي هذا المصدر ص٣٣٧ حديث يقول: ((خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري)) (٦).
стр. 1595
وإذا أنت قارنت بين ما نقلته عن إنجيل برنابا وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة أدركت أن الذي أدخل هذه الأوصاف كان من هذا النوع الذي عشعشت أمثال هذه الأحاديث المكذوبة في ذهنه.
وهناك أمور منسوبة إلى الرسول ﷺ زوراً، لأنها تخالف الحقَّ الذي في أيدينا، فمن ذلك ما ورد (ص٢٠٩) من (أن الجحيم ترتعد لحضور الرسول ﵇، فيمكث بلا مكابدة عقاب مدة إقامة رسول الله ﷺ لمشاهدة الجحيم). فهذا مخالف لصريح القرآن لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:٧٥].
ومن ذلك نقل هذا الكتاب عن عيسى قوله في (ص٩٢): (لست أهلاً أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله) ويقول قريباً من هذا في ص (٩٦) وص (١٦٠)، ومثل هذا بعيد أن يصدر عن رسول من أولي العزم من الرسل. ومع ذلك فقد وصف الكتاب الرسول ﷺ بأمور فيها تحقير له، ففي ص (١٠٨) يصف الرسول ﷺ بأنّه سيكون كالمخبول، وفي ص (١٠٥) يقول: (إن الله سيجرد رسوله محمد في يوم القيامة من الذاكرة). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٧٨
ومن البشارات به في الإنجيل ما في الفصل الخامس عشر من الإنجيل الذي جمعه يوحنا: (أن الفارقليط روح الحق الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء). انتهى.
وفي موضع آخر منه: (والفارقليط روح القدس الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء, وهو يذكركم ما قلت لكم) , وفي موضع آخر منه: (إذا جاء الفارقليط الذي أرسله الله روح الحق الذي هو يشهد لي, قلت لكم هذا حتى إذا كان يؤمنون به ولا يشكون فيه).
وفي الفصل السادس عشر منه: لكني أقول لكم الحق: (إنه خير لكم أن أنطلق, لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط, فإذا انطلقت أرسلته إليكم, فهو يوبخ العالم على الخطيئة, وعلى البر, وعلى الحكم, أما على الخطيئة فإنهم لم يؤمنوا بي, وأما على البر فإني منطلق ولستم تروني, وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم يدان, وأن لي كلاماً كثيراً لستم تطيقون كله الآن, لكن إذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق, لأنه ليس ينطق من عنده, بل يتكلم بما يسمع, ويخبركم بكل ما يأتي). انتهى.
وقد تكرر ذكر الفارقليط في الإنجيل, وأنذر به المسيح, وبشر به قومه في غير موضع منه, وقد اختلفوا في المراد فالفارقليط في لغتهم على أقوال, وذهب الأكثر من النصارى إنه المخلص, وقالوا: هو مشتق من الفاروق, أو من فارق, قالوا ومعنى ليط كلمة تزاد كما يقال رجل هو, وحجر هو, وعالم هو, وجاهل هو.
وقد تقرر أنه لا نبي بعد المسيح غير نبينا ﷺ , وهذه البشارات قد تضمنت أنه سيأتي بعد المسيح نبي يخلص تلك الأمة مما هم فيه, ويوبخهم على الخطية, ويتكلم بما يسمع, ويخبر بكل ما يأتي, ولم يكن هذا لأحد بعد المسيح غير نبينا ﷺ , ومما يدل على أن المراد بالفارقليط هو نبينا ﷺ أنه وقع الحذف بهذا اللفظ من بعض نسخ الإنجيل مع ثبوته في غالبها, وليس ذلك إلا تغييراً وتبديلاً من النصارى لما يعلمونه من أن المراد بهذا اللفظ هو التبشير بنبي يأتي بعد المسيح, وأنها ستقوم بذلك الحجة عليهم, فحذفوا هذا اللفظ لهذه العلة, وقد حكى الله سبحانه في القرآن العظيم أن المسيح بشر بنبينا محمد ﷺ فقال: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] وفي الإنجيل الذي جمعه يوحنا أن المسيح قال: (أركون العالم سيأتي, وليس لي شيء) وهذا اللفظ فيه أعظم بشارة بنبينا محمد, فإن الأركون في لغة النصارى العظيم القدر, ولم يأت بعد المسيح من هو بهذه الصفة إلا نبينا ﷺ , فإنه جعله أركون العالم, وقال عن نفسه ليس له من الأمر شيء, فدل هذا على أنه سيأتي بعده عظيم من عظماء العالم, يكون منه الإصدار والإيراد, والحل والعقد في الدين وإثبات الشرائع, وأن المسيح بالنسبة إليه كمن ليس له شيء, وهذا إنما يكون تبشيراً بمن هو أعظم من المبشر به أعني المسيح ﵇, ولا يصح حمله على رجل عظيم القدر في الدنيا, أو في الملك, أو غير ذلك, لأن الأنبياء لا يبشرون بمن هو كذلك ويجعلونه أركون العالم, ويجعلون الأمر إليه, وينفون الأمر عن أنفسهم, فإن هذا لا يكون أبداً من الأنبياء, ولا يصح نسبته إليهم, ولا صدوره منهم قط بلا خلاف بين أهل الملل, ولا يمكن أن يدعي مدع أنه جاء بعد المسيح من هو بهذه الصفة غير نبينا ﷺ , فإن الحواريين إنما دانوا بدينه, ودعوا الناس إلى شريعته, ولم يستقل أحد منهم بشيء من جهة نفسه قط, ومن جاء بعدهم من أتباع المسيح فهو دونهم بمراحل. الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - ١/ ٥١٨
стр. 1596
المبحث الرابع: شيوع هذه البشارات قبل البعثة
لقد كانت هذه البشارات منتشرة قبل البعثة النبوية، فلم يكن أهل الكتاب يكتمونها في ذلك الوقت، بل كانوا يذيعونها، ويزعمون أنهم سيتابعون صاحبها عندما يبعث، وقد حفظ لنا المسلمون بعض هذه البشارات، ونقل لنا الأنصار من أهل المدينة أحاديث اليهود قبل البعثة عن هذه البشارات، وقد تعرف بعض أهل الكتاب على الرسول ﷺ في صغره، وانتفع بعض أهل الكتاب بهذه البشارات وآمنوا.
١ - صفة رسولنا ﷺ في التوراة:
روى البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قال: ((لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، والله إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يَا أَيُّهَا النبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥]، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق السخب: الصياح، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولا يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح أعينا عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً)) (١)(١). وروى الدارمي عن عطاء عن ابن سلام ونحوه (٢) وعن كعب – وهو من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي ﷺ – قال: ((نجد مكتوباً في التوراة محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كلّ منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفهم في القتال، وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل)) قال التبريزي: هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير (٣) يسير.
أين هذه البشارة في التوراة:
стр. 1597
وهذه البشارة ليست موجودة في التوراة المنتشرة اليوم بين اليهود والنصارى، فإن كان المراد بالتوراة التوراة المعينة فتكون هذه البشارة مما أخفته اليهود، وقد تكون مخفية عندهم مما لا يطلع عليه إلاّ أحبارهم، إلاّ أنه قد تطلق التوراة ولا يراد بها توراة موسى، بل يراد بها الكتب المنزلة من عند الله، وقد يطلق على الكتب المنزلة اسم القرآن، كما في الحديث الصحيح ((خفّف على داود القرآن، فكان ما بين أن يسرج دابته على أن يركبها يقرأ القرآن)) (١) والمراد به قرآنه وهو الزبور. وجاء في بعض البشارات عن هذه الأمة (أناجيلهم في صدورهم) (٢) فسمى القرآن إنجيلاً، وعلى ذلك فهذه البشارة موجودة عندهم في نبوة أشعيا، فقد جاء فيها: (عبدي الذي سرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، والآذان الصمّ، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحداً، يحمد الله حمداً جديداً، يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البريّة وسكانها، يهللون على كلِّ شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى مشقح، ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّي الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا ينطفي، أثر سلطانه على كتفيه) (٣).
٢ - خبر ابن الهيبان:
ومما حفظته لنا كتب السنة عن علماء اليهود قبل الإسلام أن رجلاً من اليهود كان يدعى ابن الهيبان قدم المدينة ونزل في يهود بني قريظة قبل الإسلام بسنين، قال راوي القصة: ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مدّين من شعير، قال: فنخرجها ثمَّ يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي، وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً. قال: ثَمَّ حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنّه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: الله أعلم. قال: فإني إنّما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعثه الله، وقد أظلّكم زمانه، فلا تسبقّن إليه يا معشر يهود، فإنّه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري، فيمن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه، وفد انتفع بوصية ابن الهيبان مجموعة من شباب يهود بني قريظة، وهم ثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأسد بن عبيد، فإنّ الرسول ﷺ – لما حاصر بني قريظة – قال هؤلاء الفتية وكانوا شباباً أحداثاً: يا بني قريظة، والله إنّه للنبي الذي عهد إليكم ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى، إنّه لهو صفته، فنزلوا، فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم ورحالهم (٤).
٣ - خبر يوشع:
وروى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناده عن محمد بن سلمة، قال: ((لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له: يوشع، فسمعته يقول – وإني لغلام في إزار – قد أظلَّكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثمّ أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدّقه، فبعث رسول الله فأسلمنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسداً وبغياً)) (٥).
стр. 1598
٤ - خبر عبد الله بن سلام:
وقد كان عبد الله بن سلام سيد اليهود وأعلمهم وابن سيدهم وأعلمهم، قال: ((لما سمعت برسول الله ﷺ وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسراً صامتاً عليه، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلمّا قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبّرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها: أي عمّة، والله هو أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث بما بعث به. قال: فقالت: يا ابن أخي أهو الذي كنّا نخبر أنّه يبعث مع الساعة؟ قال: قلت: نعم، قالت: فذاك إذاً)) (١).
وقد ذكر البخاري قصة مجيء عبد الله بن سلام إلى الرسول ﷺ وإسلامه وطلبه من الرسول ﷺ أن يرسل إلى اليهود ويسألهم عنه بل أن يعلموا بإسلامه، فلما جاؤوا قال لهم الرسول ﷺ : ((يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقاً، وأنّي جئتكم بحقٍّ، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ ، (قالها ثلاث مرات) قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاش لله ما كان ليسلم (سألهم ذلك ثلاثاً، ويرددون عليه بالجواب نفسه)، قال: يا ابن سلام، اخرج عليهم "، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ ) (٢).
٥ - شهادة غلام يهودي:
وروى أنس بن مالك ((أنَّ غلاماً يهودياً كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ : يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا.
قال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنّا لنجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإنّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله)) رواه البيهقي بإسناد صحيح (٣).
٦ - فراسة راهب:
وقد تعرف على الرسول ﷺ أحد الرهبان وهو صغير، عندما كان في تجارة مع عمّه أبي طالب إلى الشام، روى أبو موسى قال: ((خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلمّا أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، قال: فهم يحلّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين.
стр. 1599
فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجداً، ولا يسجدان إلاّ لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثمَّ رجع فصنع لهم طعاماً، فلمّا أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل عليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)) (١).
٧ - معرفة علماء اليهود بموعد خروج النبي ﷺ :
عندما اقترب موعد خروج المصطفى ﷺ علم أهل الكتاب بذلك بأمارات كانت عندهم، فقد روى أبو زرعة بإسناد صحيح عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة ((أن الرسول ﷺ التقى بزيد بن عمرو بن نفيل قبل البعثة، وكان مما أخبر به زيد الرسول ﷺ أنه رحل في طلب الدين الحق دين التوحيد فقال له حبر في الشام: إنك لتسأل عن دين ما نعلم عليه أحداً يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة.
قال فخرجت: فقدمت عليه، فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كلّ من رأيت في ضلالة، ممنّ أنت؟
قلت: أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرظ.
فقال: إنه قد خرج في بلدك نبيّ، أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه، فرجعت فلم أحسّ شيئاً بعد)) (٢).
كان زيد يحدّث بهذا الرسول ﷺ قبل بعثته، ولم يكن يعلم أنَّ الذي يحدثه هو الرسول ﷺ الذي ظهر نجمه، ومات زيد قبل البعثة بسنوات.
وقد سبق ذكر خبر ابن الهيبان، الذي خرج من الشام إلى المدينة، فقد قال لليهود عندما حضرته الوفاة: (إنّما أخرجني توقع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، هذه البلاد مهاجره) (٣).
وفي صحيح البخاري: (كان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفاً على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختانِ قد ظهر. وقال هرقل في آخر كلامه: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر) (٤) الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٨٩ - ١٩٦
стр. 1600
تمهيد:
إن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام. ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ ، وقد أجمع على ذلك المسلمون .....
- عناية الكتاب والسنة بالإيمان باليوم الآخر:
إن المتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة؛ يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطاً واسعاً من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة، ويتمثل ذلك فيما يلي:
١ - ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر:
كما قال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، وكذا قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، فنحن نرى كيف ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر, وجعله في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله.
فلا إيمان إذاً للشخص وإن قال أنه مؤمن بالله حتى يؤمن باليوم الآخر كإيمانه بالله تعالى، وإن المفرق بينهما لا حظَّ له من الإيمان وإن ادعاه، وقد كان كثير من الكفار يؤمنون بالله ولكنهم يجحدون اليوم الآخر؛ فلم ينفعهم ذلك الإيمان, وأباح الله للمؤمنين دماءهم وأموالهم لأنهم كفار.
ويتمثل كذلك ربط الإيمان بالله باليوم الآخر من السنة المطهرة في مثل قوله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)) (١)، وقال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (٢). وقال ﷺ : ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) (٣).
٢ - الإكثار من ذكره في القرآن الكريم وفي السنة النبوية:
فقلما تخلو سورة من سور القرآن عن التحدث عنه وتقريبه إلى الأذهان بشتى الأساليب، من إقامة للحجة والبرهان، أو من ضرب الأمثال، كالاستدلال بالنشأة الأولى، وكذا خلق السموات والأرض, وإحياء الأرض بعد موتها - على الإعادة، وما إلى ذلك من المسالك التي سلكها القرآن الكريم ...
٣ - كثرة الأسماء التي جاءت له في القرآن الكريم:
فقد وردت أسماء كثيرة وكلها تبين ما سيقع في هذا اليوم من أهوال (٤).
ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم.
ولتلك العناية أسباب نذكرها فيما يلي:
بعض أسباب العناية باليوم الآخر:
стр. 1601
لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد ﷺ في وقت انمحت فيه كثير من الأمور التعبدية، وجهلت فيه على الخصوص عقيدة الإيمان باليوم الآخر، فلم تعد على ذلك الوضوح الذي كان في زمن الأنبياء، بل صارت بتطاول الزمن عقيدة محرفة بعيدة عن الصواب والواقع، فلم تبق من معالم الإيمان باليوم الآخر إلا بقايا رسوم؛ هي إلى الاندثار أقرب منها إلى التماسك، ليس عند جهة أو قوم بل في كل بقاع الأرض, وعند كل أمة عربية أو غير عربية، اللهم إلا ما ورد عن أناس بخصوصهم من العرب بقوا على الحنفية ملة إبراهيم.
فالعرب منهم مشركون ينكرون اليوم الآخر أساساً، وأهل الكتاب من يهود ونصارى –وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر عموماً – لكنهم على جهل كبير بحقيقته, وما ينبغي اعتقاده فيه، وغير هؤلاء وثنيون أو مجوس لا يؤمنون به مطلقاً عند بعضهم، وعند بعضهم الآخر يؤمنون أن هناك عودة للروح، لكنه لا يمت إلى الإيمان باليوم الآخر كما جاءت به الأنبياء بأي صلة، كما هو الحال عند الهنود والبوذيين وغيرهم من الفرق الضالة.
وعلى هذا فمن أسباب تلك العناية ما يلي:
١ - إنكار المشركين لليوم الآخر أشد الإنكار، ونسبة ما يشاهد من الإحياء والإماتة إلى الدهر، دون أن يكون هناك تنظيم لهذا التغير المستمر أو هدف من وراء هذا الخلق: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
فكان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول ﷺ في مواجهة ذلك السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر.
٢ - فإن أهل الكتاب وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر لكنهم لم يكونوا على العقيدة الصحيحة فيه، فقد حرفوه وبلغوا به منتهى الفساد، وحتى صاروا فيه كالوثنيين من هنود وبوذيين، وذلك من ناحية أن الهنود يعتقدون في كرشنة أنه هو المخلص لهم من الآلام (١).
والنصارى – بخصوصهم – يعتقدون في عيسى أنه هو المخلص لأمته من عقوبة الخطايا في الآخرة؛ فالكل في الجنة والنعيم (٢).
وأما اليهود فقد اختلفوا في الإيمان باليوم الآخر، وحتى نفس هذا الاختلاف بعيد كل البعد عن حقيقة اليوم الآخر.
٣ - ومن الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يهتم باليوم الآخر ذلك الاهتمام الشديد، هو التأكيد على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يوماً يجازى فيه المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته؛ لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى, والمصير مجهول, ولا وازع نفسي, ولا ضمير حي.
إذاً فلا عجب إن رأينا الإسلام يهتم بذكر اليوم الآخر, ويحث على الإيمان به, ويجعله من أهم القضايا الأساسية التي لا يمكن أن يسمى الشخص مؤمناً إلا إذا جاء بها, معتقداً صحتها في قرارة نفسه.
فالإسلام خاتم الديانات ورسوله خاتم المرسلين، ولا عجب كذلك حينما نرى ونقرأ حقائق وتفاصيل عن اليوم الآخر لم تكن معلومة عند أهل الديانات السابقة.
وهذا هو الذي حمل بعض الفلاسفة ومن سار على طريقهم على القول بأنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا نبينا محمد ﷺ (٣)، ...
ولأن تلك التفاصيل لم تكن معلومة لدى الكفار من قريش وغيرهم؛ نرى أن الإسلام قد سلك مسالك شتى وطرقاً متعددة في إقناع الكفار بالإيمان باليوم الآخر، مبيناً أن هذا الكون لابد وأن ينتهي ويزول كل أثر له، وأنه لم يخلق عبثاً دون حساب وجزاء. الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف - ١/ ٧٣
стр. 1602
تمهيد
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر (الإيمان بالموت) الذي هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وهو ساعة كل إنسان بخصوصه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث ..... : ((إنْ يعش هذا لَمْ يُدْرِكْهُ الهرم قامَتْ عليكم ساعَتُكُمْ)) (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – بتصرف - ص ٨٦٠
стр. 1603
المبحث الأول: تعريف الاحتضار
الحضور: نقيض المغيب والغيبة، يقال: حَضَر الرجل يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضَارة، ويعدّى فيقال: حَضَرَه، يَحْضُرُهُ، وأحْضَرَ الشيء وأَحْضَرَه إياه، وكان ذلك بِحَضْرَةِ فلان وحِضْرَته وحُضْرَتِهِ، وحَضَرِه ومَحْضَرِه، وكلّمته بِحَضْرَةِ فُلان وبمَحْضَرٍ منه، أي بمشهد منه.
وحَضْرَةُ الرجل: قُرْبه وفِناؤه، والحَضْرة: قرب الشيء، يقال: أُكْرِم فلانُ بِحَضْرة فلان وبمَحْضَرِه، ويقال: حَضَرَت الصَلاة.
ورجل حَضِرٌ وحَضُرٌ: يتحيّن طعام الناس حتى يَحْضُرَه، تقول العرب: اللبن مُحْتضِرٌ ومَحْضُوْرٌ فَغَطِّه: أي كثير الآفة، يعني يحتضره الجنّ والدواب وغيرها.
وقوله تعالى: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٨] أي: أعوذ بك من حضور الشياطين في شيء من أمري (١).
وحضره الهمُّ واحْتضره وتَحَضّرَه إذا نزل به.
وحُضِر المريض واحْتُضِرَ إذا نزل به الموت (٢).
نخلص مما سبق إلى أن الاحتضار هو حضور الموت ونزوله بالعبد. أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ ص ٧١
стр. 1604
المبحث الثاني: حضُور ملائكة الموت
إذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسلِّ الروح المدبِّرة للجسد والمحركة له، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، وملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صورة مخيفة، ففي حديث البراء بن عازب ﵁ أن الرسول ﷺ قال: ((إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ بصره، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها ... وإن العبد الكافر -وفي رواية الفاجر- إذا كان في انقطاع من الآخرة، وإقبال من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة -غلاظ شداد- سود الوجوه، معهم المسوح -من النار- فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود -الكثير الشعب- من الصوف المبلول، -فتقطع معها العروق والعصب-)) (١).
وما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا ربنا ﵎ عن حال المحتضر فقال: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]: والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت، وإن كانوا لا يرون ملائكة الرحمن التي تسلُّ روحه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] كما قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١].
وقال في الآية الأخرى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠] والتي تبلغ التراقي هي الروح، والتراقي جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق (٢).
стр. 1605
وقد صرح الحديث بأن ملك الموت يبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان، ويبشر الكافر أو الفاجر بسخط الله وغضبه، وهذا قد صرحت به نصوص كثيرة في كتاب الله، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وهذا التنزُّل – كما قال طائفة من أئمة التفسير منهم مجاهد والسدي – إنما يكون حالة الاحتضار (١)، ولا شك أن الإنسان في حالة الاحتضار يكون في موقف صعب، يخاف فيه من المستقبل الآتي، كما يخاف على من خلَّف بعده، فتأتي الملائكة لتؤمنه مما يخاف ويحزن، وتُطَمئِنُ قلبه، وتقول له: لا تخف من المستقبل الآتي في البرزخ والآخرة، ولا تحزن على ما خلفت من أهل وولد أو دَيْنٍ، وتبشره بالبشرى العظيمة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠]، وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١]، وما دام العبد قد تولى الله وحده، فإن الله يتولاه دائماً، وخاصة في المواقف الصعبة، ومن أشقها هذا الموقف، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣١]. أما الكفرة الفجرة فإن الملائكة تتنزل عليهم بنقيض ذلك إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ٩٧]، وقد نزلت هذه الآية كما أخرج البخاري عن ابن عباس في فريق أسلم، ولكنه لم يهاجر فأدركه الموت، أو قتل في صفوف الأعداء (٢)، فإن الملائكة تقرِّع هؤلاء في حال الاحتضار وتوبخهم، وتبشرهم بالنار.
وقد حدثنا ربنا عن توفي الملائكة للكفرة في معركة بدر فقال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ - ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١].
قال ابن كثير في تفسير الآيات: (ولو ترى يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً عظيماً فظيعاً منكراً، إذ يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون ذوقوا عذاب الحريق) (٣).
وقد أشار المفسر المدقق العلامة ابن كثير إلى أن هذا وإن كان في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ .. (٤).
وهذا الذي قاله ابن كثير صحيح يدل عليه أكثر من آية في كتاب الله تعالى، كقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧]، وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٢٨]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد: ٢٥ - ٢٧]. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩
стр. 1606
المبحث الثالث: مع ملك الموت ملائكة يعاونونه في قبض الروح
إذا حان أجل العبد وأراد الله تعالى قبض روحه أرسل إليه ملك الموت ومعه ملائكة يعاونونه على قبض روح ذلك العبد، قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، فقوله: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي احتضر وحان أجله، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا أي ملائكة موكلون بذلك، روى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وغير واحد قولهم: إن لملك الموت أعواناً من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم (١).
يقول الطبري: (يقول تعالى ذكره: إن ربكم يحفظكم ... إلى أن يحضركم الموت، وينْزل بكم أمر الله وإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به وهم لا يفرطون في ذلك، فيضيعونه؛ فإن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت فكيف قيل تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا والرسل جملة، وهو واحد، أو ليس قد قال يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١]، قيل جائز أن يكون الله تعالى أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافاً، وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إلى ملك الموت؛ إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان، وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده) (٢).
فالمتأمل في نصوص القرآن الكريم يدرك أن الله أسند التوفي للملائكة كما في قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النحل: ٢٨]، وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ [سورة النحل: ٣٢]، وقوله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا، وغيرها من الآيات، وأسنده في آية أخرى لملك الموت، قال تعالى: قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، وأسنده سبحانه في آية أخرى إليه جل وعلا، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، ولا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناد التوفي إليه ؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته وإذنه كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران: ١٤٥]، وإسناده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وإسناده للملائكة؛ لأن لملك الموت أعواناً من الملائكة ينْزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم؛ فيأخذها ملك الموت) (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ ص ٧١
стр. 1607
المبحث الرابع: حضور الشيطان عند الموت
إذا حضر الموت كان الشيطان حريصاً على الإنسان حتى لا يفلت منه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة)) (١).
وقد ذكر علماؤنا أن الشيطان يأتي الإنسان في تلك اللحظات الحرجة في صورة أبيه أو أمه أو غيرهم ممن هو شفيق عليه ناصح له، ويدعوه إلى اتباع اليهودية أو النصرانية أو غيرها من المبادئ المعارضة للإسلام، فهناك يزيغ الله من كتبت له الشقاوة (٢)، وهو معنى قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨].
وقد حدث عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: (حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي خرقة لأشد لحييه، فكان يغرق، ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مراراً، فقلت له: يا أبت أي شيء يبدو منك؟ قال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت) (٣).
وقال القرطبي: سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي، يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق، ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا، لا ... ) (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر- ص: ٢٩
وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث – حديث جابر بن عبد الله - على حضور الشيطان عند المحتضر؛ لإغوائه وافتتانه، كما استدلوا أيضاً بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) (٥).
قال ابن دقيق العيد ت ٧٠٢هـ: (فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر) (٦).
стр. 1608
كما قد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات على حضور الشيطان عند المحتضر لإغوائه، وأنه قد يعرض الأديان على بعض العباد، حيث قال ﵀: (أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمراً عاماً لكل أحد، ولا هو أيضاً منتفياً عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا، منها ما في الحديث الصحيح ((أمرنا النبي ﷺ أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) (١)، ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((الأعمال بخواتيمها)) (٢) وقال ﷺ : ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) (٣) ... ، ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك، لما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من ملك زاداً أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً)) (٤) ... ) (٥).
وقال في موضع آخر: (وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض ... ) (٦).
وذكر ابن حجر أن الأكثر والأغلب في سوء الخاتمة أنه لا يقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصرّ على الكبائر والمجترئ على العظائم، إذ يهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه (٧) الشيطان عند تلك الصدمة، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته (٨).
ويدل على حضور الشيطان عند المحتضر قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧، ٩٨]، فالمعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمرٍ من أموري كائناً ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات (٩).
стр. 1609
وتحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي عن حضور الشيطان عند المحتضر تحت عنوان (الفصل الثاني والعشرون في اجتهاد الشيطان على المؤمن عند الموت)، واستشهد بما رواه النسائي وأبو داود بسنديهما عن أبي اليسر قال: كان رسول الله ﷺ يقول ((اللهم إني أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً)) (١).
فقوله ﷺ : ((وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت))، قال الخطابي ت٣٨٨هـ في شرحه: (هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله، ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكره له الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له، ويلقى الله وهو ساخط عليه) (٢).
ويقول ابن الجوزي ت٥٩٧هـ: (وقد يتعرض إبليس للمريض فيؤذيه في دينه ودنياه، وقد يستولي على الإنسان فيضله في اعتقاده، وربما حال بينه وبين التوبة ... وربما جاء الاعتراض على المقدر؛ فينبغي للمؤمن أن يعلم أن تلك الساعة هي مصدوقة للحرب، وحين يحمى الوطيس فينبغي أن يتجلد، ويستعين بالله على العدو) (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٢٣
стр. 1610
المبحث الأول: تحتم الموت على من كان في الدنيا من المخلوقات
إن الموت واقع حتما ... على من كان في الدنيا من أهل السموات والأرض من الإنس والجن والملائكة وغيرهم من المخلوقات قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] وقال تعالى: لنبيه ﷺ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:٣٠ - ٣١] وقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:٣٤ – ٣٥]، وقال تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:١١] وفي (الصحيح) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: ((أعوذُ بعزَّتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أَنْتَ الحيُّ الذي لا يموت، والجِنُّ والإِنسُ يَمُوتُونَ)) (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦٠
стр. 1611
المبحث الثاني: الإيمان بأن الأجل محدود
إنَّ كلًّا له أجلٌ محدود وأمدٌ ممدود ينتهي إليه لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، وقد علم الله تعالى: جميع ذلك بعلمه الذي هو صفته، وجرى به القلم بأمره يوم خلقه، ثم كتبه الملك على كل أحد في بطن أمه بأمر ربه عند تخليق النطفة في عينه في أي مكان يكون وفي أي زمان فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يغير ولا يبدل عما سبق به علم الله تعالى: وجرى به قضاؤه وقدره، وأنَّ كُلَّ إنسانٍ مات أو قتل أو حرق أو غرق أو بأَيِّ حتف هلك بأجله لم يستأخر عنه ولم يستقدم طرفة عين، وأن ذلك السبب الذي كان هو فيه حتفه هو الذي قدره الله تعالى: عليه وقضاه عليه وأمضاه فيه ولم يكن له بد منه ولا محيص عنه ولا مفر له ولا مهرب ولا فكاك ولا خلاص، وأنى وكيف وإلى أين ولات حين مناص، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا [آل عمران:١٤٥] الآية. وقال تعالى: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران: ١٥٤] الآيات. وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:٧٨] وقال تعالى: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:٦١ – ٦٢] وقال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:٣٤] في مواضع من القرآن، وقال تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى [الرعد:٢] وقال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:١٢٩] وقال تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:٨] وقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:٨]، وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:٤٢] وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إليه مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأنعام:٦٠] وغيرها من الآيات. وروى مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن المعرور بن سويد عن عبدالله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة ﵂: اللَّهُمَّ مَتِّعني بزوجي رسولِ الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله ﷺ : ((إنَّكِ سألتِ الله تعالى: لآجالٍ مضروبةٍ وآثارٍ موطوءةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها يوماً بعد حله، ولو سألت الله تعالى: أنْ يعافيك من عذابٍ في النار وعذابٍ في القبر لكانَ خيراً لكِ)) (١).
стр. 1612
وفي رواية: ((قد سألتِ الله لآجالٍ مضروبةٍ وأيام معدودةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لَنْ يعجل شيئاً قبل حله أو يؤخر شيئاً عن حله، ولو كُنتِ سألتِ الله تعالى: أن يعيذكِ من عذابٍ في النار أو عذابٍ في القبر كانَ خيراً وأفضل)) (١) وفي أخرى ((وآثارٍ مبلوغةٍ)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١] يقول: ((ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١] يقول كل ذلك في كتاب عنده)) (٣). وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وأما حديث أنس في (الصحيحين) وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَنْ سَرَّهُ أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه)) (٤) فإنه يفسر بحديث أبي الدرداء ﵁ عند ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: ((إنَّ الله تعالى: لا يؤخِّر نفساً إذا جاء أجلها، وإنّما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادةُ العمر)) (٥) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦١
стр. 1613
المبحث الثالث: الإيمان بأن الأجل لا يعلمه أحد إلا الله
الإيمان بأن ذلك الأجل المحتوم والحد المرسوم لانتهاء كل عمر إليه لا اطلاع لنا عليه ولا علم لنا به وأنَّ ذلك من مفاتح الغيب التي استأثر الله تعالى: بعلمها عن جميع خلقه فلا يعلمها إلا هو كما قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩] الآية. وقال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:٣٤] الآية. ... وفي الحديث المشهور عند أحمد والترمذي وغيرهما عن جماعة من الصحابة قال رسول الله ﷺ : ((إذا أراد الله تعالى: قَبْضَ روحِ عبدٍ بأرضٍ جعل له فيها – أو قال: بها – حاجةً)) (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي –بتصرف- – ٢/ ٨٦٣
стр. 1614
المبحث الرابع: الإكثار من ذكر الموت
ذكر العبد الموت وجعله على باله وهو المفضي به إلى أعماله وإلى الحسن والقبيح من أقواله وأفعاله وإلى الجزاء الأوفى من الحكم العدل في شرعه وقدره وقضائه ووعده ووعيده فلا يعاقب أحداً بذنب غيره ولا يهضمه ذرة من حسن أعماله. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي والنسائي وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكثروا من ذكر هادم اللَّذات)) الموت (١). وقال البخاري رحمه الله تعالى: في كتاب الرقاق من (صحيحه): باب قول النبي ﷺ (كُنْ في الدنيا كأَنَّك غريب أو عابر سبيل) ... عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: أَخَذَ رسولُ الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كُنْ في الدنيا كأنَّك غريب أو عابرُ سبيل)) وكان ابنُ عمر ﵄ يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساءَ. وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتِك)) (٢) ثم قال: باب في الأمل وطوله وقول الله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] بمزحزحه بمباعده. وقال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:٣]، وقال علي ﵁: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل) (٣). عن ربيع بن خُثيم عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: خَطَّ النبيُّ ﷺ خطّاً مربعاً وخط خطّاً في الوسط خارجاً منه وخطّ خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به أو قد أحاط به. وهذا الذي هو خارجٌ أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأهُ هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا)) (٤)، ... عن أنس ﵁ قال: خَطَّ النبيُّ ﷺ خطوطاً فقال: ((هذا الأملُ، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءَهُ الخط الأقرب)) (٥) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٨٦٥
стр. 1615
المبحث الخامس: التأهب للموت قبل نزوله
والمبادرة بالعمل الصالح والسعي النافع قبل دهوم البلاء وحلوله، وهو - المقصود الأعظم - إذ هو الفيصل بين هذه الدار وبين دار القرار وهو الفصل بين ساعة العمل والجزاء عليه، والحد الفارق بين أوان تقديم الزاد والقدوم عليه، إذ ليس بعده لأحد من مستعتب ولا اعتذار، ولا زيادة في الحسنات ولا نقص من السيئات، ولا حيلة ولا افتداء ولا درهم ولا دينار ولا مقعد ولا منْزل إلا القبر وهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلى يوم البعث والجزاء وجمع الأوَّلين والآخرين وأهل السموات والأرضين والموقف الطويل بين يدي القويِّ المتين، يوم يقوم الناس لرب العالمين الحكيم العليم المقسط العدل الحكيم الذي لا يحيف ولا يجور ولا يظلم مثقال ذرة إن ربي على صراط مستقيم، ثم إما نعيم مقيم في جنات النعيم، وإما عذاب أليم في نار الجحيم، وإنَّ لكل ظاعن مقراً ولكل نبأ مستقراً وسوف تعلمون، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:٩٩ – ١٠٠] الآيات، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:١٨] الآيات، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:٩ – ١١] وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ [الشورى:٤٤] وهذا سؤالهم الرجعة عند الاحتضار، وكذلك يسألون الرجعة عند معاينة العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ [إبراهيم:٤٤] الآيات.