ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم. ومنها أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه. كما في (المسند) عن عبدالله بن جحش: ((أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولى، قال: إلا الدين، سارني به جبرائيل آنفا)) (١). ومن الأرواح من يكون محبوساً على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : ((رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة)) (٢) ومنهم من يكون محبوساً في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة، والله أعلم. وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره، في قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:١٦٩]، وقوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة:١٥٤] فهي: أن الله تعالى: جعل أرواحهم في أجواف طير خضر. كما في حديث عبدالله بن عباس ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما أصيب إخوانكم، يعني يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلة في ظل العرش)) الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود (٣)، وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم (٤). فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها. ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، ففي (الموطأ) أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ ، قال: ((إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه)) (٥). فقوله نسمة المؤمن تعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: هي في جوف طير خضر، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم. وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في (السنن) (٦). وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم. وكأنه - والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - بتصرف - ٢/ ٥٨٢
стр. 1682
المطلب الثاني: هل العذاب في البرزخ على الروح أم على البدن أم على كليهما ؟
الفِرَقُ الإسلامية في هذا الموضوع على أقوال (١):
الأول: مذهب أهل السنة والجماعة أن الروح منفصلة عن الجسد، ومتصلة به، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح مفردة عن البدن).
الثاني: قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين ينكرون النعيم والعذاب في البرزخ مطلقاً، والسِّر في ذلك أنهم ينكرون وجود روح مستقلة عن الجسد، فالروح عندهم هي الحياة، ولا تبقى الروح في نظرهم بعد الموت، فلا نعيم ولا عذاب حتى يبعث الله العباد، قال بذلك بعض المعتزلة والأشاعرة كالقاضي أبي بكر، وهذا قول باطل لا شك في بطلانه خالفه أبو المعالي الجويني، وقد نقل غير واحد من أهل السنة الإجماع على أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة.
الثالث: قول الفلاسفة الذين يرون أن النعيم والعذاب على الروح وحدها، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وقد قال بهذا القول من أهل السنة ابن ميسرة، وابن حزم. الرابع: قول من قال من علماء الكلام: إن الذي ينعم ويعذب في القبر البدن وحده، وقال بذلك طائفة من أهل الحديث منهم ابن الزاغوني (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٧
وليس السؤال في القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين. وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به. واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر- وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك - فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله. بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد. والله المستعان. فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم - صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً. فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم، ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى: يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها. بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه. وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما. وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير. وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره، ولو اطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في (الصحيح) عنه ﷺ : ((لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)) (٣). ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٧٩
стр. 1683
المبحث السابع: هل يعلم الإنسان شيئاً عن أحوال الدنيا بعد موته
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، بعد وضعه في قبره، حال انصرافهم، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم .. )) (١) ووقف الرسول ﷺ بعد ثلاثة أيام من معركة بدر على قتلى بدر من المشركين، فنادى رجالاً منهم، فقال: ((يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! كيف يسمعوا أنى يجيبوا وقد جيفوا؟! قال: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا، فألقوا في قليب بدر)) (٢).
وقد ساق ابن تيمية جملة من الأحاديث التي تدل على أن الموتى يسمعون، ثم قال: (فهذه النصوص وأمثالها تُبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائماً، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له) (٣)، وقد أجاب شيخ الإسلام على إشكال من يقول: إن الله نفى السماع عن الميت في قوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، وكيف تزعمون أن الموتى يسمعون؟ فقال: وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به، ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ [الأنفال: ٢٣] (٤).
وقد جاءت النصوص دالة أيضاً على أن الميت مع سماعه يتكلم، فإن منكراً ونكيراً يسألانه، فالمؤمن يوفق للجواب الحق، والكافر والمنافق يضل عن الجواب، ويتكلم أيضاً في غير سؤال منكر ونكير، وكل هذا مخالف لما عهده أهل الدنيا من كلام، فإن الذي يسأل ويتكلم الروح، وهي التي تجيب وتقعد وتعذب وتنعم، وإن كان لها نوع اتصال بالجسد القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٩
стр. 1684
المبحث الثامن: التفاضل في البرزخ
والمؤمنون يتفاضلون في البرزخ, وتتفاوت درجاتهم تفاوتاً عظيماً، وأفضلهم درجة في البرزخ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم, فأرواح الأنبياء في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، ويدل على ذلك حديث الإسراء والمعراج المخرج في الصحيحين ... وفيه أن النبي ﷺ التقى بالأنبياء في السموات على اختلاف منازلهم فيها، وأنه رأى موسى قائماً يصلي, ورأى عيسى قائماً يصلي, ورأى إبراهيم قائماً يصلي, ورأى إبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور (١).
وفي أحاديث الإسراء والمعراج دلالتان:
الأولى: أن الأنبياء أفضل المؤمنين حياة في البرزخ.
الثانية: أن الأنبياء متفاضلون في حياتهم البرزخية.
وقد ورد في الأنبياء قوله ﷺ : ((إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء)) (٢)
ومن تفاضل المؤمنين في البرزخ ما ثبت في فضل الشهداء من قوله ﷺ لما سئل عن قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
فقال ﷺ : ((أرواحهم في جوف طير خضر. لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطلع إليهم ربهم اطلاعة. فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب, نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)) (٣).
وقال ﷺ : ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة)) (٤).
فالشهيد اختص بحياة في البرزخ امتاز بها عن غيره من المؤمنين، قال شارح الطحاوية في الشهداء: (فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم, وإن كان الميت أعلى درجة منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه) (٥). إلا الشهيد يتساوى مع بقية المؤمنين في المؤاخذة بالدين, وإن كان يمتاز في سوى ذلك، قال ﷺ : ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)) (٦).
стр. 1685
فمن المؤمنين طائفة يحبسون في البرزخ عن الجنة وهم المحبوسون بدين عليهم حتى يؤدى، ففي الحديث أن النبي ﷺ صلى على جنازة – وفي رواية صلى الصبح – فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ قالوا: نعم، قال: ((إن فلاناً – لرجل منهم – مأسور بدينه عن الجنة – (وفي رواية محتبس على باب الجنة في دين عليه) – فإن شئتم فافدوه, وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)) (١).
стр. 1686
وفي هذا الحديث دلالة على أن في المؤمنين في البرزخ من يحبس على باب الجنة حتى يزول سبب الحبس، وهو دال على أن فيهم من يدخل الجنة، وهناك أحاديث تدل على أن في المؤمنين من يعذب في البرزخ بذنوب ارتكبوها, وفيها دلالة على تفاوت هؤلاء في العذاب على تفاوتهم فيما آتوا من الذنوب، وهي أحاديث يطول حصرها جداً, ومن أمثلتها قوله ﷺ لأصحابه: ((إنه أتاني الليلة آتيان، وأنهما ابتعثاني، وأنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة, وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر ههنا, فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، قال: فانطلقنا, فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه, وربما قال أبو رجاء: فيشق - قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر فاه فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن, وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعداً، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه، يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة، الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ , وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطراً منهم حسناً وشطراً منهم قبيحاً، فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم)) (١).
ففي الحديث أن من المؤمنين في البرزخ من يثلغ رأسه أي يشدخ بالحجر، وأن منهم من يكون في تنور الزناة والزواني، وأن منهم من يكون في نهر الدم يسبح فيه ويلقم بالحجارة، ذلك لمعاصي أتوها، وأن منهم من يكون شطره حسناً وشطره الآخر قبيحاً لخلطه عملا صالحاً وآخر سيئاً. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٣٨٦
стр. 1687
المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة
الأشراط جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شُرَط السلطان وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده.
الأشراط في اللغة هي علامات الشيء المتقدمة عليه والدالة عليه، ومما يدل على تسمية هذه الأشراط في السنة بالعلامات ما جاء في حديث جبريل المشهور عند النسائي، قال: ((يا محمد، أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس، فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ورفع رأسه فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن لها علامات تعرف بها ... )) (١) الحديث والساعة: هي جزء من أجزاء الليل أو النهار وجمعها ساعات وساع. والساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وقد سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص٤٢
стр. 1688
المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات شرعا
هي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها.
يقول الحليمي: أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة وهي أعلامها. ويقول البيهقي في تحديد المراد من الأشراط: أي: ما يتقدمها من العلامات الدالة على قرب حينها.
ويقول الحافظ ابن حجر المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص٤٢
стр. 1689
المطلب الأول: بعثة النبي ﷺ
أخبر ﷺ أن بعثته دليل على قرب الساعة, وأنه نبي الساعة, ففي الحديث عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما)) (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بعثت أنا والساعة كهاتين، قال: وضم السبابة والوسطى)) (٢).
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جبيرة مرفوعاً ((بعثت في نسم الساعة)) (٣).
فأول أشراط الساعة بعثة المصطفى ﷺ , فهو النبي الأخير فلا يليه نبي آخر, وإنما تليه القيامة كما يلي السبابة الوسطى, وليس بينهما أصبع آخر، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (٤)، ويدل على ذلك رواية الترمذي ((بعثت أنا والساعة كهاتين – وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى – فما فضل إحداهما على الأخرى)) (٥).
وفي رواية مسلم: قال شعبة: وسمعت قتادة يقول: (في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة) (٦).
قال القرطبي: (أولها النبي ﷺ , لأنه نبي آخر الزمان, وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي) (٧).
قال تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠]. أشراط الساعة ليوسف الوابل - ٦٤
стр. 1690
المطلب الثاني: موت النبي ﷺ
من أشراط الساعة موت النبي ﷺ , ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي)) (١) الحديث.
فقد كان موت النبي ﷺ من أعظم المصائب التي وقعت على المسلمين, فقد أظلمت الدنيا في عيون الصحابة ﵃ عندما مات ﵊.
قال أنس بن مالك ﵁: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا) (٢).
قال ابن حجر: (يريد أنهم وجدوها تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة، لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم والتأديب) (٣).
فبموته ﷺ انقطع الوحي من السماء كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النبي ﷺ , فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: (ما يبكيك ما عند الله خير لرسول الله ﷺ .
فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ , ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها) (٤).
فقد مات ﵊ كما يموت الناس لأن الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدنيا لأحد من الخلق, بل هي دار ممر لا دار مقر كما قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]. إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن الموت حق, وأن كل نفس ذائقة الموت، حتى ولو كان سيد الخلق وإمام المتقين محمد بن عبد الله ﷺ . وكان موته كما قال القرطبي: (أول أمر دهم الإسلام .. ثم بعده موت عمر فبموت النبي ﷺ انقطع الوحي وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه) (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل - ٦٤
стр. 1691
المطلب الثالث: انشقاق القمر
اتفق العلماء على أن القمر قد انشق في عهد رسول الله ﷺ وأن انشقاقه إحدى المعجزات الباهرة، وقد صرح القرآن بهذا في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ [القمر:١ - ٢] القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٤١
стр. 1692
المطلب الرابع: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى)) (١).
وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم في وصفها.
قال النووي: (خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة, وكانت ناراً عظيمة جداً من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة) (٢).
ونقل ابن كثير أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى، شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز (٣).
وذكر القرطبي ظهور هذه النار وأفاض في وصفها في كتابه (التذكرة) (٤)، فذكر أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى.
وقال ابن حجر: (والذي ظهر لي أن النار المذكورة ... هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره) (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-٩٢
стр. 1693
المطلب الخامس: فتح بيت المقدس
ومن أشراط الساعة فتح بيت المقدس, فقد جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعدد ستاً بين يدي الساعة)) فذكر منها ((فتح بيت المقدس)) (١).
ففي عهد عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر ﵁ بنفسه, وصالح أهلها, وفتحها, وطهرها من اليهود والنصارى, وبنى بها مسجداً في قبلة بيت المقدس (٢).
روى الإمام أحمد من طريق عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار: (أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك!
فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ فتقدم إلى القبلة فصلى, ثم جاء فبسط رداءه, فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس) (٣). أشراط الساعة ليوسف الوابل – ص: ٦٨
стр. 1694
المطلب السادس: طاعون عمواس
جاء في حديث عوف بن مالك ... قوله ﷺ : ((أعدد ستاً بين يدي الساعة)) فذكر منها ((ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم)) (١).
قال ابن حجر: (يقال أن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس) (٢).
ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الذي عليه الجمهور (٣) وقع طاعون في كورة عمواس, ثم انتشر في أرض الشام, فمات فيه خلق كثير من الصحابة ﵃، ومن غيرهم، قيل: بلغ عدد من مات فيه – خمسة وعشرون ألفا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين أبو عبيدة عامر الجراح أمين هذه الأمة ﵁ (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٦٨
стр. 1695
المطلب السابع: توقف الجزية والخراج
وهما من أهم مصادر بيت مال المسلمين وقد أخبر الرسول ﷺ بأن ذلك سيتوقف وسيفقد المسلمون بسبب ذلك موردا إسلاميا هاما ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم))، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٥٤
стр. 1696
المطلب الأول: الفتوحات والحروب
قد كان الرسول ﷺ يخبر الصحابة بما سيكون من الفتوحات والانتصارات التي سيجريها الله على أيديهم أو على أيدي من بعدهم حيث أخبر ﷺ بفتح فارس والروم وزوال ملك كسرى وقيصر، وغزو الهند ثم فتح القسطنطينية وفتح روما وقتال الترك. قال ﷺ : ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)) (١)، وقال ﷺ : ((عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى بن مريم ﵇) (٢)، وفي الحديث الصحيح عن أبي قبيل قال: كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : ((مدينة هرقل تفتح أولا يعني القسطنطينية)) (٣). وقال ﷺ : ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر)) (٤). وقال ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك ... )) (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٥٧
стр. 1697
المطلب الثاني: خروج الدجالين أدعياء النبوة
ومن العلامات التي ظهرت خروج الكذابين الذين يدعون النبوة, وهم قريب من ثلاثين كذاباً, وقد خرج بعضهم في الزمن النبوي وفي عهد الصحابة, ولا يزالون يظهرون, وليس التحديد في الأحاديث مراداً به كل من ادعى النبوة مطلقاً, فإنهم كثير لا يحصون, وإنما المراد من قامت له شوكة, وكثر أتباعه, واشتهر بين الناس (١).
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين. كلهم يزعم أنه رسول الله)) (٢).
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)) (٣).
والأحاديث في ظهور هؤلاء الدجاجلة كثيرة, وفي بعضها وقع أنهم ثلاثون بالجزم كما في حديث ثوبان, وفي بعضها أنهم قريب من الثلاثين كما في حديث الصحيحين, ولعل رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (٤).
وممن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذاب, فادعى النبوة في آخر زمن النبي ﷺ , وكاتبه رسول الله ﷺ وسماه مسيلمة الكذاب وقد كثر أتباعه, وعظم شره على المسلمين حتى قضى عليه الصحابة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في معركة اليمامة المشهورة.
وظهر كذلك الأسود العنسي في اليمن وادعى النبوة, فقتله الصحابة قبل موت النبي ﷺ , وظهرت سجاح وادعت النبوة, وتزوجها مسيلمة ثم لما قتل رجعت إلى الإسلام.
وتنبأ أيضاً طليحة بن خويلد الأسدي, ثم تاب ورجع إلى الإسلام وحسن إسلامه. ثم ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي, وأظهر محبة أهل البيت, والمطالبة بدم الحسين, وكثر أتباعه فتغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير, ثم أغواه الشيطان فادعى النبوة ونزول جبريل عليه (٥). والذي يقوي أنه من الدجالين ما رواه أبو داود بعد سياقة لحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في ذكر الكذابين عن إبراهيم النخعي أنه قال لعبيدة السلماني: أترى هذا منهم – يعني المختار؟ قال: فقال عبيدة: أما أنه من الرؤوس) (٦).
ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل وخرج في خلافة بني العباس جماعة (٧).
وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند وادعى النبوة, وأنه المسيح المنتظر, وأن عيسى ليس بحي في السماء, إلى غير ذلك من الإدعاءات الباطلة, وصار له أتباع وأنصار, وانبرى له كثير من العلماء, فردوا عليه وبينوا أنه أحد الدجالين.
ولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحداً بعد الآخر حتى يظهر آخرهم الأعور الدجال. فقد روى الإمام أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشمس على عهده: ((وأنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً آخرهم الأعور الكذاب)) (٨).
ومن هؤلاء الكذابين أربع نسوة, فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: ((في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة, وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي)) (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٨٩
стр. 1698
المطلب الثالث: ظهور الفتن
الفتن: جمع فتنة, وهي الابتلاء والامتحان والاختبار, ثم كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه, ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه, كالإثم, والكفر, والقتل, والتحريق وغير ذلك من الأمور المكروهة (١).
وقد أخبر النبي ﷺ أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً, ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً.
كلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، ويظهر غيرها فيقول هذه هذه, ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم الساعة.
ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً, ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً, القاعد فيها خير من القائم, والقائم فيها خير من الماشي, والماشي فيها خير من الساعي, فكسروا قسيكم, وقطعوا أوتاركم, واضربوا سيوفكم الحجارة, فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم)) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في (المستدرك) (٢).
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً, أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع دينه بعرض من الدنيا)) (٣).
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: ((استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعاً، يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه لكي يصلين - رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) (٤).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة, فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها. وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. وتجيء الفتنة فيرقق بعضها بعضاً. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)) رواه مسلم (٥).
وأحاديث الفتن كثيرة جداً فقد حذر النبي ﷺ أمته من الفتن, وأمر بالتعوذ منها, وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاء وفتن عظيمة, وليس هنالك عاصم منها إلا الإيمان بالله, واليوم الآخر, ولزوم جماعة المسلمين, وهم أهل السنة وإن قلُّوا, والابتعاد عن الفتن والتعوذ منها, فقد قال ﵊: ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)) رواه مسلم عن زيد بن ثابت ﵁ (٦).
ظهور الفتن من المشرق:
стр. 1699
أكثر الفتن التي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان. وهذا مطابق لما أخبر به نبي الرحمة ﷺ , فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا أن الفتنة هاهنا, ألا أن الفتنة هاهنا, من حيث يطلع قرن الشيطان)) رواه الشيخان (١) وفي رواية لمسلم أنه قال: ((رأس الكفر من هاهنا, من حيث يطلع قرن الشيطان)) (٢)
وعن ابن عباس ﵄ قال: دعا النبي ﷺ : ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا, وبارك لنا في شامنا ويمننا, فقال رجل من القوم: يا نبي الله, وفي عراقنا، قال: أن بها قرن الشيطان, وتهيج الفتن, وأن الجفاء بالمشرق)) (٣).
قال ابن حجر: (وأول الفتن كان منبعها من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة) (٤).
فمن العراق ظهر الخوارج, والشيعة الروافض, والباطنية, والقدرية, والجهمية, والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق من جهة الفرس المجوس كالزردشتية, والمانوية, والمزدكية, والهندوسية, والبوذية، وأخيراً وليس آخراً القاديانية, والبهائية إلى غير ذلك من المذاهب الهدامة.
وأيضاً فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق, وقد حدث على أيديهم من الدمار والقتل والشر العظيم ما هو مدون في كتب التاريخ، وإلى اليوم لا يزال المشرق منبعاً للفتن, والشرور, والبدع, والخرافات, والإلحاد, فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجال, ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٧٢
стр. 1700
المطلب الرابع: إسناد الأمر إلى غير أهله
عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال ((أين السائل عن الساعة)). قال: ها أنا يا رسول الله قال: ((فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)). قال كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٧٨
стр. 1701
المطلب الخامس: اتباع سنن الأمم الماضية
ومن الفتن العظيمة اتباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم, فقد قلد بعض المسلمين الكفار, وتشبهوا بهم, وتخلقوا بأخلاقهم, وأعجبوا بهم, وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ , ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر, وذراعاً بذراع. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك)) رواه البخاري (١).
وفي رواية عن أبي سعيد: ((قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن)) رواه البخاري ومسلم (٢).
قال ابن بطال: (أُعْلِمَ ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور, والبدع والأهواء, كما وقع للأمم قبلهم. وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر, والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس, وأن الدين إنما يبقى قائماً عند خاصة من الناس) (٣).
وقال ابن حجر: (وقد وقع معظم ما أنذر به ﷺ وسيقع بقية ذلك) (٤).
وفي هذا الزمن كثر في المسلمين من يتشبه بالكفار من شرقيين وغربيين, فتشبه رجالنا برجالهم, ونساءنا بنسائهم, وافتتنوا بهم حتى أدى الأمر ببعض الناس أن خرجوا عن الإسلام, واعتقدوا أنه لا يتم لهم تقدم وحضارة إلا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , ومن عرف الإسلام الصحيح عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة من بعد عن تعاليم الإسلام, وانحراف عن عقيدته, فلم يبق عند بعضهم من الإسلام إلا اسمه, فقد حكموا قوانين الكفار, وابتعدوا عن شريعة الله, وليس هناك أبلغ مما وصف به النبي ﷺ المسلمين في اتباعهم ومحاكاتهم للكفار فقال: ((شبراً بشبر, وذراعاً بذراع, حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم)) (٥).
قال النووي: (والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم, والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات, لا في الكفر وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ (٦)
هذا والفتن ليس لها حصر ففتنة النساء، وفتنة المال, وحب الشهوات, وحب السلطان, والسيادة والزعامة, كلها فتن ربما تهلك الإنسان وتعصف به إلى مهاوي الردى نسأل الله العافية والسلامة. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٨٧
стр. 1702
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان
عن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث)). قال ما الإسلام؟ قال ((الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)). قال ما الإحسان؟ قال ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). قال متى الساعة؟ قال ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله)). ثم تلا النبي ﷺ إن الله عنده علم الساعة الآية ثم أدبر فقال ((ردوه)) فلم يروا شيئا فقال: ((هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)) (١). والمراد بقوله: (أن تلد الأمة ربها) أي: سيدتها ومالكتها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٨٣
стр. 1703
المطلب السابع: استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض, حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه)) (١).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحداً يأخذها منه)) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ٦٩
стр. 1704
المطلب الثامن: تداعي الأمم على الأمة الإسلامية
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)). فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن)). فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٨٥
стр. 1705
المطلب التاسع: ضياع الأمانة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (١).
وبيَّن النبي ﷺ كيف ترفع الأمانة من القلوب, وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها.
روى حذيفة ﵁ قال: ((حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. وحدثنا عن رفعها قال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله, وما أظرفه, وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً ردَّه عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانياً ردَّه عليَّ ساعيه، فأما اليوم: فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً)) (٢).
ففي هذا الحديث بيان أن الأمانة سترفع من القلوب، حتى يصير الرجل خائناً بعد أن كان أميناً، وهذا إنما يقع لمن ذهبت خشيته, وضعف إيمانه, وخالط أهل الخيانة فيصير خائناً، لأن القرين يقتدي بقرينه.
ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها، لأن في ذلك تضييعاً لحقوق الناس، واستخفافاً بمصالحهم, وإيغاراً لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم.
فإذا ضيع من يتولى أمر الناس الأمانة، والناس تبع لمن يتولى أمرهم، كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاح حال الولاة صلاح لحال الرعية, وفساده فساد لهم، ثم أن إسناد الأمر إلى غير أهله دليل واضح على عدم اكتراث الناس بدينهم, حتى أنهم ليولون أمرهم من لا يهتم بدينه وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم, ولهذا ذكر البخاري ﵀ حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم إشارة إلى هذا.
قال ابن حجر: (ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط) (٣) وقد أخبر ﷺ أنه ستكون هناك سنون خداعة, تنعكس فيها الأمور, يكذب فيها الصادق, ويصدق فيها الكاذب، ويخون الأمين, ويؤتمن الخائن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٩٩
стр. 1706
المطلب العاشر: قبض العلم وظهور الجهل
ومن أشراطها قبض العلم, وفشو الجهل، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل)) (١).
وروى البخاري عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال النبي ﷺ : ((إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل, ويرفع العلم)) (٢).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقي الشح، ويكثر الهرج)) (٣).
قال ابن بطال: (وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عياناً, فقد نقص العلم, وظهر الجهل, وألقي الشح في القلوب, وعمت الفتن, وكثر القتل) (٤) وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: (الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى بما يقابله إلا النادر, وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم, فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم, لأنهم يكونون حينئذ معمورين في أولئك) (٥).
وقبض العلم يكون بقبض العلماء, ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) (٦).
قال النووي: (هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته, ويتخذ الناس جهالاً يحكمون بجهالاتهم, فيَضِلُّون ويُضِلِّون) (٧)
والمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈, فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وبذهابهم يذهب العلم وتموت السنن وتظهر البدع ويعم الجهل، وأما علم الدنيا فإنه في زيادة وليس هو المراد في الأحاديث، بدليل قوله ﷺ : ((فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)). والعلماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم, ويوجهون الأمة ويدلونها على طريق الحق والهدى, فإن العلم بدون عمل لا فائدة فيه, بل يكون وبالاً على صاحبه، وقد جاء في رواية للبخاري ((وينقص العمل)) (٨).
قال الإمام مؤرخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: (وما أوتوا من العلم إلا قليلاً، وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل في أناس قليل ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا الله ونعم الوكيل) (٩) وإذا كان هذا في عصر الذهبي فما بالك بزمننا هذا؟ فإنه كلما بعد الزمان من عهد النبوة كلما قل العلم وكثر الجهل, فإن الصحابة ﵃ كانوا أعلم هذه الأمة ثم التابعين, ثم تابعيهم, وهم خير القرون كما قال ﷺ : ((خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم)) (١٠).
стр. 1707
ولا يزال العلم ينقص والجهل يكثر حتى لا يعرف الناس فرائض الإسلام, فقد روى حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة, ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية, وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله, فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة, ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة, تنجيهم من النار ثلاثاً)) (١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((لينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلاً فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء)) (٢).
قال ابن تيمية: (يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف) (٣).
وأعظم من هذا أن لا يذكر اسم الله تعالى في الأرض كما في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)) (٤).
قال ابن كثير: (في معنى هذا الحديث قولان:
أحدهما: أن معناه أن أحداً لا ينكر منكراً, ولا يزجر أحداً إذا رآه قد تعاطى منكراً، وعبر عن ذلك بقوله ((حتى لا يقال: الله الله))، كما ... في حديث عبد الله بن عمرو ((فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً)) (٥).
والقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض, ولا يعرف اسمه فيها, وذلك عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان" (٦). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٠٢
стр. 1708
المطلب الحادي عشر: الخسف والقذف والمسخ
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبث)) (١).
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف)) (٢).
وقد جاء الخبر أن الزنادقة والقدرية يقع عليهم المسخ والقذف، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الزندقية والقدرية)) (٣).
وفي رواية للترمذي: ((في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر)) (٤).
وعن عبد الرحمن بن صحار العبدي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل, فيقال: من بقي من بني فلان؟ قال: فعرفت حين قال: قبائل أنها العرب, لأن العجم تنسب إلى قراها)) (٥).
وعن محمد بن إبراهيم التيمي قال: سمعت بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: ((إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريباً فقد أظلت الساعة)) (٦).
والخسف قد وجد في مواضع في الشرق والغرب (٧) قبل عصرنا هذا، ووقع في هذا الزمن كثير من الخسوفات في أماكن متفرقة من الأرض, وهي نذير بين يدي عذاب شديد, وتخويف من الله لعباده، وعقوبة لأهل البدع والمعاصي, كي يعتبر الناس ويرجعوا إلى ربهم ويعلموا أن الساعة قد أزفت، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه.
стр. 1709
وقد جاء الوعيد للعصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف، روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف. فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القيان والمعازف, وشربت الخمور)) (١).
وروى ابن ماجة عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها, يعزف على رؤوسهم بالمعازف, يخسف الله بهم الأرض, ويجعل منهم القردة والخنازير)) (٢).
والمسخ يكون حقيقياً، ويكون معنوياً، فقد فسر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥].
بأنه مسخ حقيقي وليس مسخاً معنوياً فقط، وهذا القول هو الراجح, وهو ما ذهب إليه ابن عباس وغيره من أئمة التفسير (٣).
وذهب مجاهد وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنوياً وأنه كان لقلوبهم ولم يمسخوا قردة (٤) ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين ورجح الأول (٥) ورجح رشيد رضا في تفسيره القول الثاني، وهو أنه كان مسخاً في أخلاقهم (٦).
واستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد وقال: (أنه قول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وغيره) (٧).
ثم قال بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ – من أن مسخهم إنما كان معنوياً لا صورياً بل الصحيح أنه معنوي صوري والله أعلم (٨).
وإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنوياً فإن كثيراً من المستحلين للمعاصي قد مسخت قلوبهم فأصبحوا لا يفرقون بين الحلال والحرام, ولا بين المعروف والمنكر, مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير – نسأل الله العافية والسلامة – وسيقع ما أخبر به ﷺ من المسخ سواء كان معنوياً أو صورياً. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٣٣
стр. 1710
المطلب الثاني عشر: انتشار الزنا
ومن العلامات التي ظهرت فشو الزنا وكثرته بين الناس, فقد أخبر النبي ﷺ بأن ذلك من أشراط الساعة:- ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أشراط الساعة (فذكر منها) ويظهر الزنا)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((سيأتي على الناس سنوات خداعات (فذكر الحديث وفيه) وتشيع فيها الفاحشة)) (٢).
وأعظم من ذلك استحلال الزنا. فقد ثبت في الصحيح عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير)) (٣)، وفي آخر الزمان بعد ذهاب المؤمنين يبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر, كما جاء في حديث النواس ﵁ ((ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر, فعليهم تقوم الساعة)) (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط)) (٥). قال القرطبي في كتابه (المفهم) على حديث أنس السابق: (في هذا الحديث علم من أعلم النبوة إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت خصوصاً في هذه الأزمان) (٦).
وإذا كان هذا في زمان القرطبي فهو في زماننا هذا أكثر ظهوراً لعظم غلبة الجهل وانتشار الفساد بين الناس. أشراط الساعة ليوسف الوابل-١٠٧
стр. 1711
المطلب الثالث عشر: انتشار الربا
ومنها ظهور الربا وانتشاره بين الناس, وعدم المبالاة بأكل الحرام، ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((بين يدي الساعة يظهر الربا)) (١).
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام)) (٢).
وهذه الأحاديث تنطبق على كثير من المسلمين في هذا الزمن, فتجدهم لا يتحرون الحلال في المكاسب, بل يجمعون المال من الحلال والحرام وأغلب ذلك بدخول الربا في معاملات الناس، فقد انتشرت المصارف المتعاملة بالربا, ووقع كثير من الناس في هذا البلاء العظيم.
ومن فقه الإمام البخاري ﵀ أنه أورد حديث أبي هريرة السابق في باب قول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٣٠] ليبين أن أكل الأضعاف المضاعفة من الربا يكون بالتوسع فيه عند عدم مبالاة الناس بطرق جمع المال, وعدم التمييز بين الحلال والحرام. أشراط الساعة ليوسف الوابل-١٠٨
стр. 1712
المطلب الرابع عشر: ظهور المعازف واستحلالها
عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ((سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات)) (١).
وهذه العلامة قد وقع شيء كبير منها في العصور السابقة, وهي الآن أكثر ظهوراً, فقد ظهرت المعازف في هذا الزمن وانتشرت انتشاراً عظيماً, وكثر المغنون والمغنيات وهم المشار إليهم في هذا الحديث بـ " القينات" وأعظم من ذلك استحلال كثير من الناس للمعازف, وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ, والقذف, والخسف كما في الحديث السابق, ولما ثبت في صحيح البخاري ﵀ قال: قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد - ثم ساق السند إلى أبي مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)) (٢).
وقد زعم ابن حزم أن هذا الحديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد, ورد عليه العلامة ابن القيم, وبيَّن أنَّ ما قاله ابن حزم باطل من ستة وجوه (٣):
١ - أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعناً حمل على الاتصال اتفاقاً لحصول المعاصرة والسماع فإذا قال: (قال هشام) لم يكن فرق بينه وبين قوله: (عن هشام) أصلاً.
٢ - أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولاً، قال الإسماعيلي في صحيحه: (أخبرني الحسن حدثنا هشام بن عمار) بإسناده ومتنه.
٣ - أنه قد صح من غير حديث هشام, فرواه الإسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري ﵁.
٤ - أن البخاري لو لم يلق هشاماً ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام إما لشهرتهم, وإما لكثرتهم فهو معروف مشهور عن هشام.
٥ - أن البخاري إذا قال في صحيحه: (قال فلان) فالمراد أن الحديث صحيح عنده.
٦ - أن البخاري ذكر هذا الحديث محتجاً به, مدخلاً له في صحيحه أصلاً لا استشهاداً فالحديث صحيح بلا ريب.
وقال ابن الصلاح ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك فذكره ثم قال: – والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح, والبخاري ﵀ قد يفعل مثل ذلك لكون ذلك الحديث معروفاً من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسنداً متصلاً وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع والله أعلم (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ١٠٩
стр. 1713
المطلب الخامس عشر: كثرة شرب الخمر واستحلالها
ظهر في هذه الأمة شرب الخمر وتسميتها بغير اسمها, والأدهى من ذلك استحلال بعض الناس لها، وهذا من أمارات الساعة، فقد روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أشراط الساعة)) وذكر منها ((ويشرب الخمر)) (١) ومضى ذكر بعض الأحاديث في الكلام على المعازف وفيها أنه سيكون من هذه الأمة من يستحل شرب الخمر. ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه)) (٢).
فقد أطلق على الخمر أسماء كثيرة, حتى سميت بالمشروبات الروحية ونحو ذلك, والأحاديث في بيان أن هذه الأمة سيفشو فيها شرب الخمر, وأن فيهم من يستحلها ويغير اسمها، وفسر ابن العربي استحلال الخمر بتفسيرين:
الأول: اعتقاد حل شربها.
الثاني: أن يكون المراد بذلك الاسترسال في شربها كالاسترسال في الحلال.
وذكر أنه سمع ورأى من يفعل ذلك (٣)، وهو في زمننا هذا أكثر, فقد فتن بعض الناس بشربها, وأعظم من ذلك بيعها جهاراً وشربها علانية في بعض البلدان الإسلامية، وانتشار المخدرات انتشاراً عظيماً لم يسبق له مثيل مما ينذر بخطر عظيم، وفساد كبير، والأمر لله من قبل ومن بعد. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١١٢
стр. 1714
المطلب السادس عشر: زخرفة المساجد والتباهي بها
ومنها زخرفة المساجد ونقشها والتفاخر بها فقد روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) (١) وفي رواية للنسائي وابن خزيمة ﵁ أن النبي ﷺ قال ((ومن أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)) (٢).
قال البخاري: (قال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً, فالتباهي بها العناية بزخرفتها) (٣).
قال ابن عباس: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى) (٤).
وقد نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن زخرفة المساجد لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم. وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي (أكِنَّ الناسَ من المطر, وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) (٥).
ورحم الله عمر فإن الناس لم يأخذوا بوصيته, ولم يقتصروا على التحمير والتصفير. بل تعدوا ذلك إلى نقش المساجد كما ينقش الثوب، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد وتزويقها حتى أتوا في ذلك بالعجب, ولا زالت هذه المساجد قائمة حتى الآن كما في الشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس وغيرها. وحتى الآن لا يزال المسلمون يتباهون في زخرفة المساجد.
ولا شك أن زخرفة المساجد علامة على الترف والتبذير، وعمارتها إنما تكون بالطاعة والذكر فيها, ويكفي الناس ما يكنهم من الحر والقر والمطر، وقد جاء الوعيد بالدمار إذا زخرفت المساجد وحليت المصاحف, فقد روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: (إذا زخرفتم مساجدكم, وحليتم مصاحفكم, فالدمار عليكم) (٦)، قال المناوي: (فزخرفة المساجد, وتحلية المصاحف منهي عنها, لأن ذلك يشغل القلب, ويلهي عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله تعالى، والذي عليه الشافعية أن تزويق المسجد ولو الكعبة بذهب أو فضة حرام مطلقاً وبغيرهما مكروه) (٧). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ١١٣
стр. 1715
المطلب السابع عشر: تقارب الزمن
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى .. يتقارب الزمان)) (١).
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة)) (٢). وللعلماء أقوال في المراد بتقارب الزمان منها:
١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان (٣).
قال ابن حجر: (وقد وجد في زماننا هذا, فإننا نجد من سرعة مر الأيام ما لم يكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا) (٤).
٢ - أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى ﵇ من استلذاذ الناس للعيش وتوفر الأمن وغلبة العدل وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وأن طالت, وتطول عليهم مدة الشدة وأن قصرت (٥).
٣ - أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله وذلك عند ترك طلب العلم خاصة والرضى بالجهل, وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم, فدرجات العلم تتفاوت كما قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٦) [يوسف: ٧٦] وإنما يتساوون إذا كانوا جهالاً.
٤ - أن المراد تقارب أهل الزمان بسبب توفر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد (٧).
٥ - أن المراد بذلك هو قصر الزمان وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان, وهذا لم يقع إلى الآن ويؤيد ذلك ما جاء أن أيام الدجال تطول حتى يكون اليوم كالسنة وكالشهر وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيام تطول فإنها تقصر (٨) وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا.
قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث ((لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر)) وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسياً ويحتمل أن يكون معنوياً، أما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة.
وأما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك, ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيراً من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما يكون من طريق قوة الإيمان, واتباع الأمر, واجتناب النهي, والشاهد لذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦] (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٢٠
стр. 1716
المطلب الثامن عشر: كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ : ((إن بين يدي الساعة ... شهادة الزور وكتمان شهادة الحق)) (١).
وشهادة الزور هي الكذب متعمداً في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.
قال الله تعالى: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣].
وعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. ثلاثاً الإشراك بالله، وعقوق الوالدين, وشهادة الزور, أو قول الزور وكان متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت)) (٢).
وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن، ولعظم خطرها قرنها النبي ﷺ بالشرك وعقوق الوالدين، فإن شهادة الزور سبب للظلم والجور وضياع حقوق الناس في الأموال والأعراض، وظهورها دليل على ضعف الإيمان وعدم الخوف من الرحمن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٠
стр. 1717
المطلب الأول: عودة جزيرة العرب جنات وأنهاراً
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٥
стр. 1718
المطلب الثاني: انتفاخ الأهلة
من الأدلة على اقتراب الساعة أن يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٦
стр. 1719
المطلب الثالث: تكليم السباع والجماد الإنس
عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال: يا عجبي ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة ثم خرج فقال للراعي: ((أخبرهم)). فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ : ((صدق والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٧
стр. 1720
المطلب الرابع: انحسار الفرات عن جبل من ذهب
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب. يقتتل الناس عليه. فيقتل من كل مائة، تسعة وتسعون. ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)) (١).
وليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط) (البترول الأسود) كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على النهاية في الفتن لابن كثير (٢) وذلك من وجوه:
١ - أن النص جاء فيه (جبل من ذهب) والبترول ليس بذهب على الحقيقة فإن الذهب هو المعدن المعروف.
٢ - أن النبي ﷺ أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب فيراه الناس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.
٣ - أن النبي ﷺ خص الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض وفي أماكن كثيرة متعددة.
٤ - أن النبي ﷺ أخبر أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل أن النبي ﷺ نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئاً كما في الرواية الأخرى عن أبي بن كعب ﵁ قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا .. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً)) (٣).
ومن حمله على النفط فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الأخذ من النفط ولم يقل به أحد (٤).
وقد رجح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٦