المطلب الثامن عشر: كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ : ((إن بين يدي الساعة ... شهادة الزور وكتمان شهادة الحق)) (١).
وشهادة الزور هي الكذب متعمداً في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.
قال الله تعالى: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣].
وعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. ثلاثاً الإشراك بالله، وعقوق الوالدين, وشهادة الزور, أو قول الزور وكان متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت)) (٢).
وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن، ولعظم خطرها قرنها النبي ﷺ بالشرك وعقوق الوالدين، فإن شهادة الزور سبب للظلم والجور وضياع حقوق الناس في الأموال والأعراض، وظهورها دليل على ضعف الإيمان وعدم الخوف من الرحمن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٠
стр. 1717
المطلب الأول: عودة جزيرة العرب جنات وأنهاراً
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٥
стр. 1718
المطلب الثاني: انتفاخ الأهلة
من الأدلة على اقتراب الساعة أن يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٦
стр. 1719
المطلب الثالث: تكليم السباع والجماد الإنس
عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال: يا عجبي ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة ثم خرج فقال للراعي: ((أخبرهم)). فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ : ((صدق والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٧
стр. 1720
المطلب الرابع: انحسار الفرات عن جبل من ذهب
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب. يقتتل الناس عليه. فيقتل من كل مائة، تسعة وتسعون. ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)) (١).
وليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط) (البترول الأسود) كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على النهاية في الفتن لابن كثير (٢) وذلك من وجوه:
١ - أن النص جاء فيه (جبل من ذهب) والبترول ليس بذهب على الحقيقة فإن الذهب هو المعدن المعروف.
٢ - أن النبي ﷺ أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب فيراه الناس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.
٣ - أن النبي ﷺ خص الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض وفي أماكن كثيرة متعددة.
٤ - أن النبي ﷺ أخبر أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل أن النبي ﷺ نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئاً كما في الرواية الأخرى عن أبي بن كعب ﵁ قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا .. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً)) (٣).
ومن حمله على النفط فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الأخذ من النفط ولم يقل به أحد (٤).
وقد رجح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٦
стр. 1721
المطلب الخامس: إخراج الأرض كنوزها المخبوءة
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي. ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا)) (١). وهذه آية من آيات الله حيث يأمر الحق الأرض أن تخرج كنوزها المخبوءة في جوفها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠١
стр. 1722
المطلب السادس: محاصرة المسلمين إلى المدينة
من أشراط الساعة أن يهزم المسلمون وينحسر ظلهم ويحيط بهم أعداؤهم ويحاصرونهم في المدينة المنورة. عن ابن عمر: ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٢
стр. 1723
المطلب السابع: إحراز الجهجاه الملك
الجهجاه رجل من قحطان سيصير إليه الملك وهو شديد القوة والبطش، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)) (١) وفي رواية: ((لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه)) (٢). ويحتمل أن يكون هذا الذي في الرواية الأخيرة غير الأول فقد صح في سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي يقال له جهجاه)) (٣) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٣
стр. 1724
المطلب الثامن: فتح القسطنطينية
ومنها فتح مدينة القسطنطينية – قبل خروج الدجال - على يدي المسلمين, والذي تدل عليه الأحاديث أن هذا الفتح العظيم يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجون إلى مدينة القسطنطينية فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق. فإذا جاؤوها نزلوا. فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم. قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها. قال ثور (أحد رواة الحديث): لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر. ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط جانبها الآخر. ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم. فيدخلوها فيغنموا. فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء ويرجعون)) (١).
وقد أشكل قوله في هذا الحديث: ((يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق)) والروم من بني إسحاق, لأنهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟
قال القاضي عياض: (كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم من بني إسحاق, ثم قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بني إسماعيل، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه لأنه إنما أراد العرب) (٢).
وذهب الحافظ ابن كثير: إلى أن هذا الحديث (يدل على أن الروم يسلمون في آخر الزمان, ولعل فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم كما نطق به الحديث المتقدم أنه يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق) واستشهد على ذلك بأنهم مدحوا في حديث المستورد القرشي فقد قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك)) (٣).
... ويدل أيضاً على أن الروم يسلمون في آخر الزمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم وفيه: أن الروم يقولون للمسلمين ((خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا)) (٤) فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سبي منهم لأنهم أسلموا فيرفض المسلمون ذلك, ويبينون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممن سبي من الكفار ليس بمستغرب.
قال النووي: (وهذا موجود في زماننا، بل معظم عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر سبوا ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار وقد سبوهم في زماننا مراراً كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفاً ولله الحمد على إظهار الإسلام وإعزازه) (٥).
стр. 1725
ويؤيد كون هذا الجيش الذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريباً من ألف ألف، فيقتل بعضهم ويسلم بعضهم ويكون من أسلم مع جيش المسلمين الذي يفتح القسطنطينية والله أعلم. وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن وقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: ((فتح القسطنطينية مع قيام الساعة)) (١).
ثم قال الترمذي: قال محمد أي ابن غيلان شيخ الترمذي: هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجال, والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ (٢) , والصحيح أن القسطنطينية لم تفتح في عصر الصحابة فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتم لهم فتحها ثم حاصرها مسلمة بن عبد الملك ولم تفتح أيضاً, ولكنه صالح أهلها على بناء مسجد بها (٣).
وفتح الترك أيضاً للقسطنطينية كان بقتال، ... وستفتح فتحا أخيراً كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ .
قال أحمد شاكر: (فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد يعلمه الله ، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية وعاهدت الكفار أعداء الإسلام, وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله كما بشر به رسول الله ﷺ (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- بتصرف- ص: ١٦٤
стр. 1726
المطلب التاسع: فتنة الأحلاس وفتنة الدهيماء
عن عبدالله بن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ قعودا فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: ((هي فتنة هَرَب وحَرَب ثم فتنة السراء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما وليّي المتقون ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل: انقطعت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد)) (١) والأحلاس: جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب شبهت به الفتنة لملازمتها للناس حين تنزل بهم كما يلازم الحلس ظهر البعير وقال الخطابي: يحتمل أن تكون هذه الفتنة شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها. والحرب: ذهاب المال والأهل، والدهيماء: الداهية التي تدهم الناس بشرها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٤
стр. 1727
المطلب العاشر: خروج المهدي
• الفرع الأول: اسمه وصفته.
• الفرع الثاني: مكان خروجه.
• الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره.
• الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها.
• الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي.
• الفرع السادس: عقائد الفرق الإسلامية في المهدي.
стр. 1728
الفرع الأول: اسمه وصفته
وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ ، واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله, وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ , ثم من ولد الحسن بن علي ﵃.
قال ابن كثير ﵀ في المهدي: (وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁ (١).
وصفته الواردة: أنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف. أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص ١٩٣
стр. 1729
الفرع الثاني: مكان خروجه
يكون ظهور المهدي من قبل المشرق, فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصل إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئاً – لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي)) (١).
قال ابن كثير ﵀: (والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن, وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان, لا من كتاب ولا سنة, ولا معقول صحيح ولا استحسان)، وقال أيضاً: (ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه, ويقيمون سلطانه, ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سود أيضاً، وهو زي عليه الوقار لأن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء يقال لها العقاب) إلى أن قال: (والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص ١٩٤
стр. 1730
الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره
جاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النص على المهدي ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط, وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديث وهي كافية في إثبات ظهوره في آخر الزمان علامة من علامات الساعة.
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً، أو ثمانياً، يعني حججاً)) (١).
٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبشركم بالمهدي يبعث على اختلاف من الناس وزلازل, فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً, يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض, يقسم المال صحاحاً. فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: بالسوية بين الناس، قال: ويملأ الله قلوب أمة محمد ﷺ غنى، ويسعهم عدله, حتى يأمر منادياً فينادي، فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: أحث, حتى إذا جعله في حجرة وأبرزه ندم, فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً، أو عجز عني ما وسعهم، قال: فيرده، فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده، أوقال: لا خير في الحياة بعده)) (٢).
وفي هذا دليل على أنه بعد موت المهدي، يظهر الشر والفتن العظيمة.
٣ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)) (٣).
قال ابن كثير: (أي يتوب عليه ويوفقه، ويلهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك) (٤).
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المهدي مني؛ أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين)) (٥).
١ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المهدي من عترتي من ولد فاطمة)) (٦).
стр. 1731
٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة)) (١).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه)) (٢).
٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي, ويواطئ اسمه اسمي)) (٣).
وفي رواية: ((يواطئ اسمه اسمي, واسم أبيه اسم أبي)) (٤).
بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلق بالمهدي:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم, وإمامكم منكم)) (٥).
٢ - وعن جابر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال، فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة الله هذه الأمة)) (٦).
٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عدد)).
قال الجريري – أحد رواة الحديث – قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا" (٧).
فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:
أحدهما: أنه عند نزول عيسى بن مريم – ﵊ – من السماء يكون المتولي لأمرة المسلمين رجلا منهم.
стр. 1732
والثاني: أن حضور أميرهم للصلاة, وصلاته بالمسلمين وطلبه من عيسى ﵇ عند نزوله أن يتقدم ليصلي لهم يدل على صلاح في هذا الأمير وهدى, وهي وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي إلا أنها تدل على صفات رجل صالح يؤم المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى محمد بن عبد الله ويقال له المهدي، والسنة يفسر بعضها بعضاً، ومن الأحاديث الدالة على ذلك الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي)) (١) فهو دال على أن ذلك الأمير المذكور في صحيح مسلم الذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدم للصلاة يقال له المهدي.
وقد أورد الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة جملة كبيرة من أحاديث المهدي جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثم قال عقبه: (وليس فيه ذكر المهدي ولكن لا محمل له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر كما دلت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل - ص ١٩٥
٤ - عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)) (٣). وفي رواية: قال: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا)) (٤). قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز: أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها تواتر معنوي، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبدالله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، وهذا الإمام من رحمة الله بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦
стр. 1733
الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها
أخرج أحاديث المهدي الإمام أحمد بن حنبل، والطبراني، وأبو يعلى، والبزار وعبد الرازق الصنعاني، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم بن حماد، وابن ماجة، والترمذي، والحاكم، وأبو داود، وفي أحاديثهم: الصحيح والحسن والضعيف.
وممن صحح أحاديث المهدي من علماء السلف والخلف: العقيلي، وأبو الحسن الآبري، والقرطبي، وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي, والمنذري، والهيثمي، وابن حجر العسقلاني، والمباركفوري، وشمس الحق آبادي، وعلي بن سلطان محمد القاري، والشعراني، والكشميري، والخطابي، والشوكاني، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، والبوصيري، ومحمد بن أحمد السفاريني، ومحمد بن جعفر الكناني، وأبو العلاء السيد إدريس العراقي، وأبو الطيب صديق حسن خان، والسيد محمد الشهروزي، وأبو عبد الله محمد جسوس، ومحمد العربي الفاسي.
- ومن العلماء المعاصرين العلامة الفاضل الشيخ عبد العزيز بن باز، ومحدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد بن عثيمين وغيرهم كثيرون.
- وإذا كان الحق لا يعرف بالرجال, فلا شك أن الرجال هم الواسطة في معرفة هذا الحق, ولابد أن يراعى قدرهم وجلالتهم وإمامتهم خاصة إذا انضم إلى ذلك كثرة عددهم في جانب مخالفيهم, وقلة علم مخالفيهم بالنسبة إليهم, وقبل ذلك كله صحة الأحاديث الواردة في ذلك، بل وحكم الكثير منهم عليها بالتواتر المعنوي، والحق أنه لم يعرف أنه خالف في هذه العقيدة من الغابرين سوى ابن خلدون، وليس من أهل التحقيق كما قال العلماء. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٨٧
стр. 1734
الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي
قال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (١):
(اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين, ويظهر العدل, ويتبعه المسلمون, ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.
وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود, والترمذي, وابن ماجة, والبزار, والحاكم, والطبراني, وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي, وابن عباس, وابن عمر, وطلحة, وعبد الله بن مسعود, وأبي هريرة, وأنس, وأبي سعيد الخدري, وأم حبيبة, وأم سلمة, وثوبان, وقرة بن إياس, وعلي الهلالي, وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃.
وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح, وحسن, وضعيف. وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ).
قال القاضي الشوكاني في الفتح الرباني:
(الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثا وثمانية وعشرون أثراً. ثم سردهم مع الكلام عليها) ثم قال: (وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى من له فضل اطلاع). اهـ.
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري في كتاب (مناقب الشافعي):
(وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه). اهـ.
قال المحدث الناقد أبو العلاء السيد إدريس بن محمد بن إدريس العراقي الحسيني في تأليف له في المهدي ما نصه:
(أحاديث المهدي متواترة – أو كادت – وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد). اهـ.
قال الشوكاني في تأليف له سماه (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح) (٢):
(والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح, والحسن, والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك). اهـ.
قال المحدث أبو الطيب صديق حسن الحسيني البخاري في كتاب (الإذاعة):
(والأحاديث الواردة في المهدي – على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حد التواتر, وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد) وقال أيضاً بعد كلام له ما نصه:
(وأحاديث المهدي بعضها صحيح, وبعضها حسن, وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار). اهـ.
وقال العلامة أبو عبد الله محمد جسوس في شرح رسالة أبي زيد ما نصه:
(ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر). اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير في (نهاية البداية والنهاية) (١/ ٣٧):
стр. 1735
(فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وليس بالمنتظر الذي تزعم الروافض, وترتجي ظهوره من سرداب في سامرا, فإن ذاك مالا حقيقة له ولا عين ولا أثر .. وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ أنه في آخر الدهر, وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى بن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث ثم ذكر الحافظ ابن كثير بعض ما ورد في ظهور المهدي من الآثار). اهـ.
وقال السفاريني في عقيدته المسماة (بالدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية):
(وما أتى في النص من أشراط ... فكله حق بلا شطاط
منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح)
وقال أيضاً في شرحها: (كثرت أقوال في المهدي حتى قيل: (لا مهدي إلا عيسى) , والصواب الذي عليه أهل الحق: أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي, وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم .. ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة فيه من طريق جماعة من الصحابة ثم قال: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة). اهـ.
وقال صاحب كتاب (الإذاعة) (ص: ١٢٤).
(وقد جمع السيد العلامة بدر الملة المنير محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد ﷺ , وأنه يظهر في آخر الزمان) ثم قال: (ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل الدجال). اهـ.
وقال أيضاً:
(ونقل العلامة الشيخ مرعي في كتابه (فوائد الفكر) عن محمد بن الحسين أنه قال: قد تواترت الأحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته ﷺ . اهـ.
وقال الحافظ في فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٨٢).
أثناء شرحه لحديث: ((تصدقوا فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها)) (١). فذكر الحافظ احتمالات تعلق هذا الحديث بالباب الذي قبله وهو باب خروج النار فقال ﵀: (وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم، وهو أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عن طروق الفتنة، فلا يلوي على الأهل فضلاً عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط, والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم، وإما عند ظهور النار التي تسوقهم إلى المحشر). اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (منهاج السنة النبوية ٤/ ٢١١):
(الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود, والترمذي, وأحمد, وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره.
ثم ذكر شيخ الإسلام روايات ابن مسعود, وأم سلمة, وأبي سعيد, وعلي ﵃ جميعاً.
وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ (٢):
(أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل، لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان, وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً، قد تواترت تواتراً معنوياً، وكثرت جداً واستفاضت كما صرح بذلك جماعة من العلماء بينهم: أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع, والعلامة السفاريني, والعلامة الشوكاني وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم، ولكن لا يجوز الجزم بأن فلاناً هو المهدي إلا بعد توافر العلامات التي بينها النبي ﷺ في الأحاديث الثابتة، وأعظمها وأوضحها كونه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً). اهـ. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٨٩
стр. 1736
١ - عقيدة أهل السنة والجماعة
عقيدة أهل السنة والجماعة موافقة ... للأحاديث الصحيحة وأن المهدي حاكم صالح راشد يبعثه الله مجددا لهذا الدين ويعلي الله هذا الدين على يديه. يقول ابن خلدون: اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في (الصحيح) على إثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر -بتصرف - ص ٢٠٦
стр. 1737
٢– عقيدة الشيعة الإمامية
الذين يعتقدون أن المهدي هو آخر أئمتهم وهو الإمام الثاني عشر المدعو محمد بن الحسن العسكري وهو عندهم من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن وهم يعتقدون أنه دخل سرداب سامراء منذ أكثر من ألف ومائة سنة وعمره خمس سنوات ويعتقدون أنه حاضر في الأمصار غائب عن الأبصار وهو المهدي الذي ينتظرون عودته وكلامهم هذا لم يقم عليه دليل ولا برهان من عقل أو نقل وهو مخالف لسنة الله في البشر. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦
стр. 1738
٣ - المكذبون بوجود المهدي
وهؤلاء أفراد من الذين ينسبون لأهل السنة ليس لهم باع طويل في تحقيق النصوص والكشف عن الأسانيد وقد دحض شبهاتهم كثير من أهل العلم في مؤلفات مستقلة وآخرها فيما اطلعنا عليه ما كتبه فضيلة الشيخ العلامة عبد المحسن العباد في كتابه: (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي)، وما كتبه فضيلة الشيخ حمود بن عبدالله بن حمد التويجري كتب مجلداً بعنوان (الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦
стр. 1739
٤ - رجال من الحكام الماضين ادّعوا المهدية أو ادعاها لهم أقوام
وبعض هؤلاء رجال صالحون لقب الواحد منهم بالمهدي لا على أنه ذلك المهدي الذي أخبر عنه الرسول ﷺ بل تفاؤلا بأن يكون من الأئمة المهديين الذين يقولون بالحق وبه يحكمون ومن هؤلاء المهدي الخليفة العباسي. وبعض الذين ادعوا المهدية من الحكام أو ادعيت لهم أقوام فجرة مثل الملحد عبيد الله بن ميمون القداح المتوفى ٣٢٢هـ، ومهدي المغاربة محمد بن تومرت، ومهدي الفرقة المدعوة بالكيسانية وهم يزعمون أنه محمد بن الحنفية. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦
- مهدي القرامطة الباطنية:
هو الملحد عبيد الله بن ميمون القداح وكان جده يهودياً من بيت مجوسي, فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت, وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ وملك تغلب، واستفحل أمره إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب, ومصر, والحجاز, والشام, واستشرت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم, وكانوا يدعون الإلهية, ويدعون أن للشريعة باطناً يخالف ظاهرها, وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب كذباً إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه، ولم يزل أمرهم ظاهراً إلى أن أنقذ الله الملة الإسلامية منهم وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.
- مهدي المغاربة:
هو محمد بن تومرت, فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل, ملك بالظلم والتغلب والتخيل، فقتل النفوس, وأباح حريم المسلمين, وسبى ذراريهم, وأخذ أموالهم.
وكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، يأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ثم يردم عليهم ليلا لئلا يكذبوه بعد ذلك. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٩٤
ولهذا لما كان الحديث المعروف عند السلف والخلف أن النبي ﷺ قال في المهدي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي صار يطمع كثير من الناس في أن يكون هو المهدي حتى سمى المنصور ابنه محمد ولقبه بالمهدي مواطأة لاسمه باسمه واسم أبيه باسم أبيه ولكن لم يكن هو الموعود به وأبو عبدالله محمد بن التومرت الملقب بالمهدي الذي ظهر بالمغرب ولقب طائفته بالموحدين وأحواله معروفة كان يقول إنه المهدي المبشر به وكان أصحابه يخطبون له على منابرهم فيقولون في خطبتهم الإمام المعصوم المهدي المعلوم الذي بشرت به في صريح وحيك الذي اكتنفته بالنور الواضح والعدل اللائح الذي ملأ البرية قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وهذا الملقب بالمهدي ظهر سنة بضع وخمسمائة وتوفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وكان ينتسب إلى أنه من ولد الحسن لأنه كان أعلم بالحديث فادعى أنه هو المبشر به ولم يكن الأمر كذلك ولا ملأ الأرض كلها قسطا ولا عدلا بل دخل في أمور منكرة منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٤/ ٤٠
стр. 1740
قال الجونبوري وهو من مدعي المهدية في الهند: (كثر الخلاف في الحديث ويصعب تمييز الصحيح من السقيم، فالذي يوافق كتاب الله تعالى: ويوافق أحوالي فاقبلوه). فهل يقول مثل هذا عاقل؟ وهل يقر به متجرد عن الهوى؟ اللهم لا، ولما سأل علماء هرات الجونبوري: على أي أساس تدعي المهدية لنفسك؟ قال: أنا لا أدعيها من عند نفسي، بل أدعيها بأمر من الله ، وسئل مرة: إن اسم أبي المهدي عبدالله، وأنت ابن سيدخان، فأجاب قائلا: أليس الله بقادر على أن يبعث مهديا ابن سيدخان؟! وأجاب مرة ثانية: اسألوا الله لماذا بعث ابن سيدخان مهديا؟! وقال مرة ثالثة: اذهبوا فقاتلوا الله تعالى: لماذا بعث ابن سيدخان، فتأمل كيف يسيطر الهوى على أمثال أولئك ويردون النصوص ويحرفونها لتسلم لهم دعاويهم الفارغة. أما أتباع بعض دعاة المهدية فحالهم كذلك عجيب خذ مثلا ما نشر في (العروة الوثقى) (١): لقد أخذ الاعتقاد بمحمد أحمد سبيلا في قلوب الهنديين، حتى كتب إلينا أحد أصدقائنا في لاهور أن محمد أحمد لو كان دجالا لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهديا، وأن لا نفرط في شيء مما يؤيده. نعم و (لو كان دجالا لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهديا) هل يقول هذا عاقل متجرد لنصرة الحق؟ أم هو من أقوال من غلبتهم أهواؤهم فأعمتهم وأصمتهم؟ نسأل الله الهداية، ولذا فإن كثيرا من تلكم الدعوات القائمة على دعوى المهدوية تستمر ولو مات المهدي المزعوم أو قتل، ولا يكون في مثل ذلك عبرة وعظة للأتباع لمعرفة حجم الضلال والانحراف الذي وقع بهم ومنهم، ويصعب عليهم العود إلى الحق، فيلوون عنق الواقع، كما لووا عنق النصوص، فلان ما مات، فلان حي وسيعود، فلان في دور الستر وسيخرج، فلان قد رئي العام عند الكعبة وهكذا، ومثال هذا ما ذكره البرزنجي قال: وقد ذكر الشيخ علي المتقي في رسالة له في أمر المهدي: أن في زمانه خرج رجل بالهند ادعى أنه المهدي المنتظر واتبعه خلق كثير، وظهر أمره وطار صيته، ثم إنه مات بعد مدة، وأن أتباعه لم يرجعوا عن اعتقادهم، ... وأن أولئك القوم إلى الآن على ذلك الاعتقاد الخبيث، وأنهم يعرفون بالمهدوية، وربما سموا بالقتالية، لأن كل من قال لهم: إن اعتقادكم باطل، قتلوه، حتى إن الرجل الواحد منهم يكون بين الجمع الكثير من المسلمين، فإذا قيل له: إن اعتقادك باطل، قتل القائل، ولا يبالي أيقتل أم يسلم، وهم خلق كثير، وقد ضموا إلى ذلك الاعتقاد بدعا أخر خرجوا بها عن سواء الصراط)، قال صديق حسن خان: (قلت: وهذا هو السيد محمد الجونفوري).
والمقصود أن من أراد أن يلج هذا الباب - ... باب تنزيل النصوص على الواقع- فيجب عليه أن يلقي على عتبته أهواءه ليسلم له دينه أولاً، ويصح له تنزيله ثانيا، أما أن يبقى على هواه ويريد أن يصح التنزيل فلا، وليعلم أنه سيكون ساعتئذ منزلا لهواه على الواقع لا لنصوص مولاه وأقوال نبيه ﷺ . منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري - بتصرف- ص١٢٣
стр. 1741
يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم: (ومن العبث بأشراط الساعة: تكلف بعضهم اصطناع هذه الأشراط، وإيجادها في الواقع عنوة، حتى إن من مدعي المهدية من يغير اسمه واسم أبيه، أو يدعي الانتساب إلى آل البيت الشريف، متناسين أن المنتظر تصنعه المهدية، لكنه لا يصنعها ولا يصطنعها) ... ومن الأمثلة على هذا ما وقع من محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية ﵀، حين تلقب بالمهدي، قال ابن كثير: (تلقب بالمهدي طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث، فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه، ولا ما تمناه، فإنا لله). ومن الأمثلة كذلك ما وقع للخليفة العباسي المهدي، قال ابن كثير: (وإنما لقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم يكن به وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل ذاك يأتي آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت فجورا وظلما وقد قيل: إنّ في أيامه ينزل عيسى بن مريم بدمشق). ومن الأمثلة كذلك ما ذكره البرزنجي قال: (وظهر قبل تأليفي لهذا الكتاب بقليل، رجل بجبال عقر أو العمادية من الأكراد يسمى عبدالله، ويدعي أنه شريف حسيني، وله ولد صغير ابن اثنتي عشرة سنة أو أقل أو أكثر، قد سماه محمدا ولقبه المهدي، فادعى أنّ ابنه هو المهدي الموعود، وتبعه جماعة كثيرة من القبائل، واستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه والي الموصل ووقع بينهم قتال وسفك دماء، وقد انهزم المدعي وأخذ هو وابنه إلى استنبول، ثم إن السلطان عفى عنهما ومنعهما من الرجوع إلى بلادهما وماتا جميعا. وأعجب منه صنيع الجنبوري، (قال أبو رجاء محمد الشاه جهانبوري في (الهدية المهدية): إن الجنبوري -واسمه محمد بن يوسف الحسيني- لم يمنع أصحابه من ذلك، (أي من نسبة المهدوية إليه)، وبدل اسم أبيه بعبدالله، واسم أمه بآمنة، وأشاعهما في الناس. ومن النماذج المضحكة على هذا الافتعال ما صنعه ميرزا غلام أحمد القادياني والذي ادعى الإصلاح ثم التجديد ثم المهدوية ثم كونه المسيح المنتظر فقام ببناء منارة بقاديان سماها منارة المسيح وذلك بعد دعواه المسيحية بـ١٢ سنة، وذلك ليكمل دعواه أنه المسيح ابن مريم الذي ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق!!. منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري - ص١٣٠
стр. 1742
تمهيد
هناك علامات كبرى تدل على قرب قيام الساعة فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ إلينا ونحن نتذاكر فقال: ((ما تذاكرون؟)) قالوا: نذكر الساعة قال: ((إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات)). فذكر ((الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم)) (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٧
стр. 1743
المبحث الأول: الدخان
قال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ.
قال ابن كثير في (النهاية): (وقد نقل البخاري عن ابن مسعود ﵁: أنه فسر ذلك بما كان يحصل لقريش من شدة الجوع بسبب القحط الذي دعا عليهم به رسول الله ﷺ ، فكان أحدهم يرى فيما بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع، وهذا تفسير غريب جداً، لم ينقل مثله عن أحد من الصحابة غيره، وقد حاول بعض العلماء المتأخرين رد ذلك ومعارضته؛ لما ثبت في حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵁: ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات -فذكر فيهن الدجال والدخان والدابة)) (١)، والحديثان في (صحيح مسلم) مرفوعان، والمرفوع مقدم على كل موقوف.
وفي ظاهر القرآن ما يدل على وجود دخان من السماء يغشى الناس، وهذا أمر محقق عام، وليس كما روي عن ابن مسعود: أنه خيال عن أعين قريش من شدة الجوع.
وقال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ؛ أي: ظاهر واضح جلي، ليس خيالاً من شدة الجوع، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ؛ أي: ينادي أهل ذلك الزمان ربهم بهذا الدعاء، يسألون كشف هذه الشدة عنهم؛ فإنهم قد آمنوا وأيقنوا بما وعدوا به من الأمور الغيبية الكائنة بعد ذلك يوم القيامة، وهذا دليل على أنه يكون قبل يوم القيامة، حيث يمكن رفعه، ويمكن استدراك التوبة والإنابة، والله أعلم). انتهى.
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: ((اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ... -فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها-)) (٢) الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) ...
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات –وذكر منها الدخان-)) (٣).
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه هو والذهبي، ...
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان؛ يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال)) (٤).
رواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في (تفسيره): (وإسناده جيد).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن؛ فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر؛ فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه)) (٥) رواه ابن أبي حاتم.
стр. 1744
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول الآيات الدجال، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر؛ تقيل معهم إذا قالوا، والدخان. قال حذيفة: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن؛ فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر؛ فيكون بمنزلة السكران؛ يخرج من منخريه وأذنيه ودبره)) (١).
رواه: ابن جرير، والبغوي؛ بإسناد ضعيف، وله شاهد مما تقدم عن أبي مالك الأشعري ﵁.
وعن علي ﵁؛ قال: ((لم تمض آية الدخان بعد؛ يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفذ)) (٢).رواه ابن أبي حاتم.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: ((يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض؛ تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها؛ فما مؤمن إلا تمسحه، ولا منافق ولا كافر إلا تخطمه، وإن التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها)) (٣). رواه الحاكم في (مستدركه) وصححه، وإسناده ضعيف،. .... وقد رواه ابن جرير مختصراً، ولفظه: قال: ((يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون الرأس الحنيذ)) (٤).
وعن عبد الله بن أبي مليكة؛ قال: (غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب؛ فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت) (٥).
رواه: ابن جرير، وابن أبي حاتم. قال ابن كثير في (تفسيره): (إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄. إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لحمود بن عبد الله التويجري - بتصرف– ٣/ ١٨٨
стр. 1745
المطلب الأول: معنى المسيح
ذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثة وعشرين قولاً في اشتقاق هذا اللفظ (١)، وأوصلها صاحب (القاموس) إلى خمسين قولاً.
وهذه اللفظة تطلق على الصديق، وعلى الضليل الكذاب. فالمسيح عيسى بن مريم ﵇ الصديق.
والمسيح الدجال الضليل الكذاب، فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر.
فعيسى ﵇ مسيح الهدى, يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.
والدجال – لعنه الله – مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر, وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق. وسمي الدجال مسيحاً: لأن إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يوماً.
والقول الأول هو الراجح لما جاء في الحديث: ((إن الدجال ممسوح العين)) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢١٣
стр. 1746
المطلب الثاني: معنى الدجال
أما لفظ الدجال فهو مأخوذ من قولهم: دجل البعير إذا طلاه بالقطران وغطاه به.
وأصل الدجل: معناه الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، والدجال: المموه الكذاب الممخرق وهو من أبنية المبالغة على وزن فعال، أي يكثر منه الكذب والتلبيس.
وجمعه: دجالون، وجمعه الإمام مالك على دجاجلة وهو جمع تكسير، وذكر القرطبي أن الدجال في اللغة يطلق على عشرة وجوه.
ولفظة الدجال: أصبحت علماً على المسيح الأعور الكذاب، فإذا قيل: (الدجال) فلا يتبادر إلى الذهن غيره.
وسمي الدجال دجالاً: لأنه يغطي الحق بالباطل، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم.
وقيل: لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه. والله أعلم (١). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢١٤
стр. 1747
المطلب الثالث: فتنة الدجال من أعظم الفتن
وفتنته من أعظم الفتن التي تمر على البشرية عبر تاريخها، ففي (صحيح مسلم) عن أبي الدهماء وأبي قتادة قالوا: كنا نمر على هشام بن عامر نأتي عمران بن حصين فقال ذات يوم إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني ولا أعلم بحديثه مني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال)) (١). وفي رواية: ((أمر أكبر من الدجال)) (٢). من أجل ذلك فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته ولكن رسولنا ﷺ كان أكثر تحذيرا لأمته منه. ففي (صحيح البخاري) عن عبدالله بن عمر ﵄ قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: ((إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)) (٣). وفي (الصحيحين) عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ما بعث نبي إلا وأنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وإن بين عينيه مكتوب كافر)) (٤).
ويقول ابن الأثير: سمي الدجال مسيحاً لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب فهو فعيل بمعنى مفعول بخلاف المسيح عيسى بن مريم فإنه فعيل بمعنى فاعل سمي به لأنه كان يمسح المريض فيبرأ بإذن الله والدجال الكذاب. وسمي دجالا كما يقول ابن حجر: لأنه يغطي الحق بباطله ويقال: دجل البعير بالقطران والإناء بالذهب إذا طلاه .. وقال ابن دريد: سمي الدجال لأنه يغطي الحق بالكذب وقيل: لضربه نواحي الأرض وقيل بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض. ومن صفاته كما أخبر عنها النبي ﷺ قال: ((بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف - أو يهراق - رأسه ماء قلت من هذا قالوا ابن مريم. ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين، كأن عينه عنبة طافية قالوا هذا الدجال. أقرب الناس به شبها ابن قطن)) (٥). وعن عبادة بن الصامت أنه قال إن رسول الله ﷺ قال: ((إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا إن مسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ليس بناتئة ولا حجراء فإن ألبس عليكم - قال يزيد - ربكم فاعلموا أن ربكم ﵎ ليس بأعور وإنكم لن ترون ربكم ﵎ حتى تموتوا)) قال يزيد ((تروا ربكم حتى تموتوا)) (٦)
ويكون خروجه من المشرق من بلاد فارسية يقال لها خراسان. عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ : ((إن الدجال يخرج من أرض بالشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة)) (٧). ولكن ظهور أمره عندما يصل إلى مكان بين العراق والشام، عن النواس مرفوعا: ((إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا)). وسأل الصحابة النبي ﷺ عن المدة التي يمكثها في الأرض فقالوا: وما لبثه في الأرض؟ قال: ((أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قالوا: لا اقدروا له قدره)) (٨). وإجابة النبي ﷺ تدل على أن اليوم يطول حقيقةً لا مجازاً. ولن يستطيع دخول مكة والمدينة فعن أبي هريرة مرفوعاً: ((على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)) (٩). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٤
стр. 1748
الفرع الأول: سرعة انتقاله في الأرض
ففي حديث النواس بن سمعان في (صحيح مسلم): أن النبي ﷺ سئل عن إسراع الدجال في الأرض فقال: ((كالغيث استدبرته الريح)) (١) وقد أخبر الرسول ﷺ أنه سيجول في أقطار الأرض ولا يترك بلدا إلا دخله إلا مكة والمدينة ففي حديث أنس في (الصحيحين): ((ليس من بلدٍ إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة)) (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٧
стр. 1749
الفرع الثاني: جنته وناره
ومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار أو معه ما يشبه نهرا من ماء ونهرا من نار وواقع الأمر ليس كما يبدو للناس فإن الذي يرونه نارا إنما هو ماء بارد وحقيقة الذي يرونه ماء باردا نار. ففي (صحيح مسلم) عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : ((معه (أي: الدجال) جنة ونار فناره جنة وجنته نار)) (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٨
стр. 1750
الفرع الثالث: استجابة الجماد والحيوان لأمره
ففي حديث النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ ((فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل)) (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠
стр. 1751
الفرع الرابع: قتله ذلك الشاب ثم إحياؤه إياه
عن أبي سعيد الخدري قال حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: ((يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا. قال فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن - قال - فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه)) (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠
стр. 1752
الفرع الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في المسيح الدجال
قال النووي في (شرحه لمسلم): قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى: من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى: ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى: بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنه لو كان حقا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص فيصدقه من صدقه في هذه الحالة. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٠
стр. 1753
المطلب الأول: هل ابن صياد هو الدجال الأكبر ؟
ابن صياد: اسمه: هو صافي وقيل عبد الله بن صياد أو صائد (١).
كان من يهود المدينة، وقيل من الأنصار، وكان صغيراً عند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة.
وذكر ابن كثير أنه أسلم، وكان ابنه عمارة من سادات التابعين روى عنه الإمام مالك وغيره (٢).
وترجم له الذهبي في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) فقال: (عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين، وقال: هو ابن صائد كان أبوه يهوديا فولد عبد الله أعور مختوناً، وهو الذي قيل إنه الدجال ثم أسلم فهو تابعي له رؤية) وترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) فذكر ما قاله الذهبي ثم قال: (ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب روى عنه مالك وغيره) (٣).
ثم ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صياد ... – ثم قال: (وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعاً لأنه يموت كافراً، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي ﷺ لم يكن مسلماً.
لكن إن أسلم بعد ذلك فهو تابعي له رؤية) (٤) كما قال الذهبي.
وترجم ابن حجر في كتابه: (تهذيب التهذيب) لعمارة بن صياد فقال: (عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري أبو أيوب المدني، روى عن جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعطاء بن يسار، وعنه الضحاك بن عثمان الخزامي ومالك بن أنس وغيرهما.
قال ابن معين والنسائي: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحداً.
وكانوا يقولون: (نحن بنو أشيهب بن النجار، فدفعهم بنو النجار فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النجار، ولا يدري ممن هم) (٥).
أحواله: كان ابن صياد دجالاً, وكان يتكهن أحياناً فيصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس، وشاع أنه الدجال كما سيأتي في ذكر امتحان النبي ﷺ له.
امتحان النبي ﷺ له:
لما شاع بين الناس أمر ابن صياد وأنه هو الدجال، أراد النبي ﷺ أن يطلع على أمره ويتبين حاله، فكان يذهب إليه مختفياً حتى لا يشعر به ابن صياد، رجاء أن يسمع منه شيئاً، وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته.
ففي الحديث عن ابن عمر ﵄: ((أن عمر انطلق مع النبي ﷺ في رهط قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان، عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن الصياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ بيده، ثم قال لابن الصياد: تشهد أني رسول الله. فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه وقال: آمنت بالله وبرسله. فقال له: ما ترى. قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي ﷺ : خلط عليك الأمر. ثم قال له النبي ﷺ : إني خبأت لك خبيئاً. فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ : إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله)) (٦).
стр. 1754
وفي رواية أن النبي ﷺ قال له: ((ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء فقال رسول الله ﷺ : ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ قال: أرى صادقين وكذاباً أو كاذبين وصادقاً. فقال رسول الله ﷺ : لبس عليه, دعوه)) (١).
وقال ابن عمر ﵄ يقول: ((انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب، إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئاً، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي ﷺ وهو مضطجع، يعني في قطيفة، له فيها رمزة أوزمرة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ ، وهو يتقي بجذوع النخل.
فقالت لابن صياد: يا صاف، وهو اسم ابن صياد، هذا محمد ﷺ ، فثار ابن صياد، فقال النبي ﷺ : لو تركته بين)) (٢).
وقال أبو ذر ﵁: ((كان رسول الله ﷺ قد بعثني إلى أمه، قال سلها كم حملت به، فأتيتها فسألتها فقالت حملت به اثني عشر شهراً. قال ثم أرسلني إليها: فقال سلها عن صيحته حين وقع، قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صياح الصبي ابن شهر. ثم قال له رسول الله ﷺ : إني قد خبأت لك خبأ. قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان قال: فأراد أن يقول: الدخان فلم يستطع فقال: الدخ)) (٣).
فامتحان النبي ﷺ له (بالدخان) ليتعرف على حقيقة أمره.
والمراد بالدخان هنا قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠].
فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإمام أحمد ((أني قد خبأت لك خبيئاً، وخبأ له يوم تأتي السماء بدخان مبين)) (٤).
قال ابن كثير: (إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان وهم يقرطون – أي يقطعون – العبارة ولهذا قال: هو الدخ، يعني الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية، فقال له اخسأ فلن تعدو قدرك) (٥).
وفاته:
عن جابر ﵁ قال: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) (٦).
وقد صحح ابن حجر هذه الرواية، وضعف قول من ذهب إلى أنه مات في المدينة, وأنهم كشفوا عن وجهه وصلوا عليه (٧).
هل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟
مضى في الكلام على أحوال ابن صياد وامتحان النبي ﷺ له ما يدل على أن النبي ﷺ كان متوقفاً في أمر ابن صياد، لأنه لم يوح إليه أنه الدجال ولا غيره.
وكان عمر ﵁ يحلف عند النبي ﷺ أن ابن صياد هو الدجال ولم ينكر عليه ذلك رسول الله ﷺ .
стр. 1755
وكان بعض الصحابة ﵃ يرى رأي عمر ويحلف أن ابن صياد هو الدجال كما ثبت ذلك عن جابر, وابن عمر, وأبي ذر.
ففي الحديث عن محمد بن المنكدر قال: (رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد هو الدجال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ (١).
وعن نافع قال: كان ابن عمر يقول: (والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد) (٢).
وعن زيد بن وهب قال: قال أبو ذر ﵁: (لأن أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به) (٣).
وعن نافع قال: ((لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها)) (٤).
وفي رواية عن نافع قال: ((قال ابن عمر: لقيته مرتين قال: فلقيته فقلت لبعضهم هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالاً وولداً، فكذلك هو زعموا اليوم.
قال فتحدثنا ثم فارقته، قال: فلقيته مرة أخرى، وقد نفرت عينه، قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري.
قلت: لا تدري وهي في رأسك؟
قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.
قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت وأما أنا فوالله ما شعرت.
قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها، فقالت: ما تريد إليه ألم تعلم أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه)) (٥).
وكان ابن صياد يسمع ما يقوله الناس فيه فيتأذى من ذلك كثيراً، ويدافع عن نفسه بأنه ليس الدجال, ويحتج على ذلك بأن ما أخبر به النبي ﷺ من صفات الدجال لا تنطبق عليه.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((خرجنا حجاجاً أو عماراً ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلاً. فتفرق الناس وبقيت أنا وهو. فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه. قال وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي. فقلت: إن الحر شديد. فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم. فانطلق فجاء بعس. فقال: اشرب. أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديد واللبن حار. ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال آخذ عن يده -.