تمهيد:
لا شك أن سعادة المؤمنين لا تعادلها سعادة عندما يساقون معززين مكرمين زمراً إلى جنات النعيم، حتى إذا ما وصلوا إليها فتحت أبوابها، واستقبلتهم الملائكة الكرام يهنئونهم بسلامة الوصول، بعدما عانوه من الكربات، وشاهدوه من الأهوال وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:٧٣]، أي طابت أعمالكم وأقوالكم وعقائدكم، فأصبحت نفوسكم زاكية، وقلوبكم طاهرة، فبذلك استحققتم الجنات. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص: ١١٩
стр. 2067
المطلب الأول: الشفاعة في دخول الجنة
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين عندما يطول عليهم الموقف في يوم الجزاء يطلبون من الأنبياء أن يستفتحوا لهم باب الجنة، فكلهم يمتنع ويتأبى، ويقول: لست لها حتى يبلغ الأمر نبينا محمد ﷺ فيشفع في ذلك، فيُشفّع، ففي (صحيح مسلم) عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون، حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك .. )). الحديث (١)
وذكر فيه تدافع الأنبياء لها، حتى يأتون محمداً ﷺ ، فيؤذن لهم. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٠
стр. 2068
المطلب الثاني: تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول
بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهاراً أبراراً، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضاً بشيء. روى البخاري في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)) (١) ورسولنا ﷺ هو أول من يستفتح الجنة بعد أن يأبى أبو البشر آدم وأولوا العزم من الرسل التعرض لهذه المهمة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢١
стр. 2069
المطلب الثالث: الأوائل في دخول الجنة
أن أول من يقرع باب الجنة رسول الله ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته.
وأخرج الطبراني عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((آتي باب الجنة فأستفتح فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك, ولا أقوم لأحد بعدك)) (١) وذلك أن قيامه إليه ﷺ خاصة إظهار المرتبة ومرتبته، ولا يقوم في خدمة أحد بعده, بل خزنة الجنة دونه يقومون في خدمته، وهو كالملك عليهم, وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله، حتى مشى إليه وفتح الباب.
وأخرجه مسلم في صحيحه عنه بلفظ: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا أول من يفتح له باب الجنة, إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتامي)) (٣).
وفي الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ قال: ((جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه, فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون, فسمع حديثهم, فقال بعضهم: عجباً إن لله من خلقه خليلاً اتخذ الله إبراهيم خليلاً, وقال آخر: ماذا بأعجب من كلامه موسى كلمه تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه, وقال آخر: آدم اصطفاه الله, فخرج عليهم فسلم وقال: سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر)) (٤). قوله ﷺ : (ولا فخر) (٥) أي: ولا فخر أعظم من هذا الفخر.
وقال بعضهم: وعندي أن معناه أني لا أقول ذلك افتخاراً واستكباراً بل على سبيل التنويه والتعريف والتذكر بنعم الله تعالى:
قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].
فما قاله ﷺ من باب التحدث بالنعم.
نكتة: لا بأس للعالم أن يذكر ما لديه من العلوم على سبيل التنويه ليقصد ويؤخذ عنه ذلك لا على سبيل الافتخار, فإن ذلك مزلة إلى النار, وبم يعجب العاقل وما لديه من العلم ليس من وسعه وقوته, وإنما هو من فضل مولاه ومنته والله أعلم.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد بيدي، ومفاتح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر, يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون)). رواه الترمذي، والبيهقي واللفظ له (٦).
стр. 2070
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة)) (١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم)) (٢) أي: لم يسبقونا إلا بهذا القدر.
قال في (حادي الأرواح): (معنى (بيد) معنى سوى، وغير، وإلا ونحوها أي من أدوات الاستثناء فمعنى بيد أنهم أي: غير أنهم والله أعلم).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه)) (٣).
وفي الصحيحين عنه مرفوعاً: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا, وأوتيناه من بعدهم)) (٤).
وعند الدارقطني عن عمر بن الخطاب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي)) (٥).
والحديث غريب كما نبه عليه الدارقطني، والحاصل أن هذه الأمة المشرفة أسبق الأمم خروجاً من الأرض، وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف, وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وإلى الجواز على الصراط، وإلى دخول الجنة, فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ﷺ ، ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي)) (٦).
وقوله ﵁: (وددت أني كنت معك) حرص منه على زيادة اليقين, وأن يصير الخبر عياناً لا أنه ﵁ عنده شك في ذلك – معاذ الله – نظيره قول سيدنا إبراهيم ﷺ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
ومن المعلوم أنه ليس الخبر كالعيان, وإن جزم بأن المخبر به واقع لا محالة. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠١٦
стр. 2071
المطلب الرابع: الذين يدخلون الجنة بغير حساب
أول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق، يدخلون الجنة صفاً واحداً، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.
روى البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً)) (١)
وروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)). (٢)
وقد صح أن الله أعطى رسوله ﷺ مع كل واحد من السبعين هؤلاء سبعين ألفاً، ففي (مسند أحمد) بإسناد صحيح عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أعطيت سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ، فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً)) (٣)
وفي (مسند أحمد) و (سنن الترمذي) و (صحيح ابن حبان) عن أبي أمامة بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: ((وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بلا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون، وثلاث حثيات من حثيات ربي)) (٤) فذكر هذا الحديث زياد ثلاث حثيات.
وقد وصف الرسول ﷺ السبعين ألفاً الأوائل وبيَّن علاماتهم، ففي (صحيح البخاري) عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : ((عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة)) (٥)
ولعل هؤلاء هم الذين سماهم الحق بالمقربين، وهم السابقون، وَالسابِقُونَ السابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون [الواقعة:١٠ - ١٢]، وهؤلاء ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ [الواقعة:١٣ - ١٤] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٣
стр. 2072
المطلب الخامس: الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة
روى مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)). (١)
وروى الترمذي عن أبي سعيد (٢)، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة)) (٣)
وقد بيّن الرسول ﷺ في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في (مستدركه) عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)) (٤) وفي (صحيح البخاري) عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال: ((قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) (٥). وأصحاب الجد هم الأغنياء من المسلمين. وقد وقع في الأحاديث السابقة أن الفقراء يسبقون الأغنياء بأربعين خريفاً، وجاء في حديث آخر بخمسمائة عام، ووجه التوفيق بين الحديثين أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء – كما يقول القرطبي-. فالفقراء متفاوتون في قوة إيمانهم وتقدمهم، والأغنياء كذلك، فإذا كان الحساب باعتبار أول الفقراء دخولاً الجنة وآخر الأغنياء دخولاً الجنة فتكون المدة خمسمائة عام، أما إذا نظرت إلى آخر الفقراء دخولاً الجنة وأول الأغنياء دخولاً الجنة فتكون المدة أربعين خريفاً، باعتبار أول الفقراء وآخر الأغنياء والله أعلم". الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٦
стр. 2073
المطلب السادس: دخول عصاة المؤمنين الجنة
إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة بالشفاعة
روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)) (١).
ولمسلم من حديث جابر بن عبدالله يرفعه إلى رسول الله ﷺ : ((إن أقواماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة)) (٢).
وهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة يسميهم أهل الجنة بالجهنميين، ففي (صحيح البخاري) عن عمران بن حصين ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين)) (٣).
وفي (الصحيح) أيضاً عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يخرج من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير، قلت: وما الثعارير؟ قال: الضغابيس)) (٤)
وروى البخاري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ((يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)) (٥)
وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة الطويل في وصف الآخرة: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا (احترقوا)، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت الحبة في حميل السيل)) (٦)
وقد ورد في أكثر من حديث أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار أو نصف دينار أو مثقال ذرة من إيمان، بل يخرج أقواماً لم يعملوا خيرا ً قط، ففي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه حبة من خردل من إيمان فأخرجوه)) (٧)
وفي حديث جابر بن عبدالله في ورود النار: ((ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير مثقال شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في حميل السيل. ويذهب حراقه ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها)) (٨).
وفي حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن الذرة)) (٩) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ١٢٩
стр. 2074
المطلب السابع: آخر من يدخل الجنة
حدثنا الرسول ﷺ قصة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة، وما جرى من حوار بينه وبين ربه، وما أعطاه الله من الكرامة العظيمة التي لم يُصدّق أن الله أكرمه بها لعظمها، وقد جمع ابن الأثير روايات هذا الحديث في (جامع الأصول)، ومنه نقلنا هذه الأحاديث:
١ - عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ – ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة: رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله : اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي – أو أتضحك بي – وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة)) أخرجه البخاري ومسلم (١).
ولمسلم قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار: رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب فيدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنَّ، فيتمنى فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه)) (٢). وفي رواية الترمذي مثل هذه التي لمسلم (٣).
٢ - عن عبدالله بن مسعود رضي الله أن رسول الله ﷺ قال: ((آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله : يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا، يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها، قال: وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى، يا رب لا أسألك غيرها – وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)) أخرجه مسلم (٤)
وهذا الحديث هكذا أخرجه الحميدي وحده في أفراد مسلم، والذي قبله في المتفق عليه، وقال: إنما أفردناه للزيادة التي فيه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة: رجل صرف الله وجهه عن النار قِبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب، قدمني إلى هذه الشجرة لأكون في ظلها وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود، ولم يذكر: فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك؟. . إلى آخر الحديث)). وزاد فيه: ((ويذكره الله، سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت)) أخرجه مسلم هكذا عقيب حديث ابن مسعود. (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٣٥
стр. 2075
المطلب الثامن: الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة
أول من دخل الجنة من البشر هو أبو البشر آدم وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظالِمِينَ [البقرة:٣٥]، وقال: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظالِمِينَ [الأعراف: ١٩]، ولكن آدم عصى ربه بأكله من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها فأهبطه الله من الجنة إلى دار الشقاء: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه: ١١٥ - ١٢٣].
وقد رأى الرسول ﷺ الجنة ففي (صحيح البخاري) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: ((اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)). (١)
ومن الذين يدخلون الجنة قبل يوم القيامة الشهداء، ففي (صحيح مسلم) عن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:١٦٩]. قال: ((إنا قد سألنا عن ذلك فقال:" أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا: قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)). (٢)
ومن مات عرض عليه مقعده من الجنة والنار بالغداة والعشي، ففي (صحيح مسلم) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٣٨
стр. 2076
المبحث الثالث: أسماء الجنة
قال في (حادي الأرواح): لها عدة أسماء باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه، وهكذا أسماء الرب تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النار.
الاسم الأول: الجنة، وهو العام المتناول لتلك الدار جملة، وما اشتملت عليه في أنواع النعيم، وأصل اشتقاقه من الستر والتغطية، ومنه الجنين لاستتاره في البطن, والجان لاستتاره عن عيون الإنس، والمجن، السترة ووقاية الوجه، والمجنون لاستتار عقله، وتواره عنه. والجان وهي الحية الصغيرة الدقيقة، ومنه سمي البستان جنة؛ لأنه يستر ما داخله من الأشجار، ولا يطلق هذا الاسم إلا على موضع كثير الشجر مختلف الأنواع، والجنة بالضم ما يستجن أي: يوقى به من نحو ترس، وبالكسر الجن كما في قوله تعالى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦].
الثاني: دار السلام وقد سماه الله بهذا الاسم في قوله تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧] وقوله: وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ [يونس: ٢٥]، وهي جديرة بهذا الاسم؛ لسلامتها من كل بلية وآفة، فإن الله هو السلام، وهي داره، فمن أسمائه الحسنى السلام. فالله سبحانه سلم هذه الدار، وسلم أهلها من كل نكبة وداهية، وتحيتهم فيها سلام، والرب تعالى سلم عليهم من فوقهم، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم، وكلامهم كله فيها سلام، ولا يسمعون فيها لغوا إلا سلاماً.
وأما قوله تعالى: وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٩٠ - ٩١] فحقق في (حادي الأرواح) أن المعنى: سلام لك أيها الراحل في الدنيا, سلموا من الدنيا وأنكادها, والنار وعذابها, فبشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا وقدومه على الله تعالى، كما يبشر الملك روحه عند أخذها بقوله: ((أبشري بروح وريحان, ورب غير غضبان)) (١). وهذا أول البشرى التي للمؤمنين في الآخرة.
الثالث: دار الخلد، وسميت بذلك لأن أهلها لا يظعنون عنها، واشتقاقه من الخلد وهو دوام البقاء. تقول: خلد الرجل يخلد خلوداً وأخلده الله إخلاداً. وخلده تخليداً أبقاه. وأخلدت إلى فلان: ركنت إليه.
وأخلد بالمكان أقام به، وأما الخلد بالتحريك: فالبال.
يقال: سنح في خلدي أي: خطر في روعي وبالي وقلبي، والخلد أيضاً: ضرب من الجرادين أعمى. والله أعلم.
الرابع: دار المقامة: قال تعالى حكاية عن أهلها: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٤ - ٣٥] قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود أقاموا فيها أبداً لا يموتون ولا يتحولون. قال أهل اللغة: المقامة والإقامة بمعنى.
الخامس: جنة المأوى، وهو مفعل من آوى يأوي أي انضم إلى المكان. قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٤٠ - ٤١] وقال في النار: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٣٩] وقال تعالى: عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٤ - ١٥].
стр. 2077
قال عطاء عن ابن عباس ﵄: (هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة). وقال مقاتل: (هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء). وقال كعب: (جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء).
وقالت عائشة ﵂: (هي جنة من الجنات).
قال المحقق: (والصحيح أنه اسم من أسماء الجنة).
السادس: جنات عدن قيل: هو اسم لجنة من جملة الجنات.
قال المحقق: (والصحيح أنه اسم لجملة الجنات، فكلها جنات عدن).
قال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ [مريم: ٦١] وقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [فاطر: ٣٣] وقال تعالى: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [الصف: ١٢].
والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن، فإنه من الإقامة والدوام. يقال عدن بالمكان: إذا أقام به، وعدنت البلد: توطنته، وعدنت الإبل بمكان كذا: لزمته فلم تبرح منه.
قال الجوهري: (ومنه جنات عدن أي: جنات إقامة. وثم قول بأن جنة عدن اسم لموضع من الجنة مخصوص) (١).
وهو جنة من جملة الجنان، ... ولا مانع من كونه اسم لموضع مخصوص، ويطلق على الكل أنه عدن أي: أقام, وخلد, واستمر، وأما أنه جنة مخصوصة من جملة الجنان فهذا أظهر من الشمس الصابحة لورود الأحاديث الثابتة بذلك، ...
ما أخرج الطبراني في المعجم عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر الله في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينظر في الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء, والشهداء, والصديقون، وفيها ما لم يره أحد, ولا خطر على قلب بشر, ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له؟ ألا سائل يسألني فأعطيه؟ ألا داع يدعوني فأستجيب له؟ حتى يطلع الفجر)) (٢). قال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨] فيشهده الله.
وأخرج الدارمي عن ابن عمر موقوفاً: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن، وآدم ثم قال لسائر الخلق: كن فكان) (٣).
وأخرج الدارمي عن ميسرة: (إن الله لم يمس شيئاً من خلقه بيده غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده) (٤).
وأخرج عن كعب قال: (لم يخلق الله بيده غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي. قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١]) (٥).
وذكر الحاكم عن مجاهد: (أن الله تعالى غرس جنات عدن بيده فلما تكاملت أغلقت فهي تفتح كل سحر، فينظر الله إليها فيقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (٦).
стр. 2078
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ مرفوعاً: ((خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء, ملاطها المسك, وحصباؤها اللؤلؤ, وحشيشها الزعفران. ثم قال لها: انطقي. قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. فقال الله : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل. ثم تلا رسول الله ﷺ : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩])) (١) فهذه الجنة من الجنان كآدم في نوع الحيوان بجامع أن كلاً منها خلقه الله بيده جل شأنه وتعالى سلطانه.
قال في (حادي الأرواح): (تأمل هذه العناية كيف خص الجنة التي غرسها بيديه لمن خلقه، ولأفضل ذريته اعتناء, وتشريفاً, وإظهاراً لفضل ما خلقه بيده على غيره. فهذا كله يدل على أن جنة عدن اسم لموضع من الجنان مخصوص، ويطلق على جملة الجنات، إما حقيقة لوجود الحقيقة وهي الإقامة والدوام والاستمرار، وإما مجازاً من باب إطلاق البعض على الكل. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم) (٢).
السابع من أسماء الجنة: دار الحيوان قال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت: ٦٤] والمراد الجنة.
قال أهل التفسير: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ يعني: الجنة لَهِيَ الْحَيَوَانُ هي: دار الحياة التي لا موت فيها).
قال أهل اللغة: (الحيوان بمعنى: الحياة).
قال أبو عبيدة وابن قتيبة: (الحياة: الحيوان)، ...
قال أبو علي: (يعني: إنها مصادر، فالحياة فعلة كالجبلة، والحيوان كالنزوان والغليان، والحي كالعي).
وقال أبو زيد: (الحيوان ما فيه روح، والموتان والموات ما لا روح فيه, والصواب: أن الحيوان يقع على ضربين: أحدهما: مصدر كما حكاه أبو عبيدة، والثاني: وصف كما حكاه أبو زيد).
فعلى قول أبي زيد يكون المعنى أنها الدار التي لا تفنى, ولا تنقطع, ولا تبيد كما تفنى الأحياء في هذه الدار, فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت والأول أظهر والله أعلم.
الثامن: الفردوس.
قال تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠ - ١١] وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: ١٠٧]، ...
قال كعب: (هو البستان الذي فيه الأعناب). وقال الليث: (الفردوس جنة ذات كروم يقال: كرم مفردس أي: معرش). وقال الضحاك: (واختاره المبرد أنها الجنة الملتفة بالأشجار). وقيل: (إنه ليس بعربي، وإنما هو رومي ومعناه بالعربية: البستان) قاله الزجاج وقال: (حقيقته البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين).
قال حسان بن ثابت ﵁:
وإن ثواب الله لكل مخلد ... جنان من الفردوس فيها يخلد
التاسع: جنات النعيم
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨] وهو اسم جامع لجميع الجنات لما اشتملت عليه من النعيم المقيم.
العاشر: المقام الأمين.
قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] فالمقام موضع الإقامة والأمين الأمن من كل سوء ومكروه.
الحادي عشر والثاني عشر: مقعد الصدق وقدم الصدق
стр. 2079
قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [القمر: ٥٤ - ٥٥] فسمى الجنة مقعد صدق لحصول ما يراد من المقعد الحسن كما يقال: مودة صادقة إذا كانت ثابتة وموضوع هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال، ومنه قوله ﷺ : ((الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة)) (١). ومنه الصدق في الحديث، والصدق في العمل، والصديق الذي يصدق قوله بالعمل.
وفسر قدم الصدق بالجنة، وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة، وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك. قال المحقق: (والتحقيق أن الجميع حق, فإنهم سبقت لهم من الله السابقة بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله, وادخر لهم جزاءها يوم القيامة, ولسان الصدق هو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال, وجميل الطرائق, وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل.
ومدخل الصدق، ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامناً على الله وهو دخوله وخروجه بالله ولله, وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد, فإنه لا يزال داخلاً في أمر وخارجاً من آخر, فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق وأخرج مخرج صدق. والله أعلم) (٢). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – ٣/ ٩٩٨
أخرج أبو بكر البزار من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: ((خلق الله ﵎ الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة, وملاطها المسك, وقال لها: تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك)) (١) وهذا يروى موقوفاً عن أبي سعيد قال: (خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك منزل الملوك) (٢).
ومن حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري: ((أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة فقال (درمكة) بيضاء مسك خالص)) (٣).
وعن أنس بن مالك عن النبي ﵇ قال: ((أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك)) (٤)
الجنابذ: القباب واحدها جنبذة.
وذكر مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((قال الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, مصداق ذلك في كتاب الله فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧])) (٥).
وذكر مسلم أيضاً من حديث سهل بن (سعد) عن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)) (٦) قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش (الرزقي) فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب ذو الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها)) (٧).
وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, اقرؤا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة: ٣٠] ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إن شئتم: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥])) (٨).
وأما ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((إن في الجنة شجرة يستظل الراكب في ظلها مائة سنة واقرؤوا إن شئتم: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ , ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب)) (٩).
стр. 2082
وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب)) (١) .... وذكر ابن المبارك عن سليم بن عامر قال: ((كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: إنه لينفعنا الله بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يوماً فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية, وما كنت أدري في الجنة شجرة تؤذي صاحبها, فقال رسول الله ﷺ : وما هي؟ قال: السدر فإن له شوكاً مؤذياً, فقال رسول الله ﷺ : أو ليس يقول: سِدْرٍ مَّخْضُودٍ خضد الله شوكه, فجعل مكان كل ذي شوكة ثمرة, فإنها لتنبت تمراً تفتق التمرة منها عن اثنين وسبعين لوناً من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر)) (٢) ويروى ثمراً بالثاء المثلثة فيها كلها.
وقال ﵇: وذكر سدرة المنتهى ((وإذا ثمرها كالقلال)) (٣) ذكره مسلم بن الحجاج ﵀.
وذكر مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) (٤).
وذكر مسلم أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون (أهل الغرف) من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده, رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) (٥).
وذكر مسلم أيضاً عن محمد بن سيرين قال: (أما تفاخروا وأما تذاكروا, الرجال أكثر في الجنة أم النساء) فقال أبو هريرة ألم يقل أبو القاسم ﷺ : ((إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر, والتي بعدها على أضوأ كوكب دري في السماء, لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان, يرى مخ سوقها من وراء اللحم وما في الجنة أعزب)) (٦).
وذكر الترمذي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : ((إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة ضوء وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر, والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب في السماء, لكل واحد منهم زوجتان, على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها)) (٧).
وذكر مسلم بن الحجاج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر, والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة, لا يبولون, ولا يتغوطون, ولا يتمخطون, ولا يتفلون, أمشاطهم الذهب, ورشحهم المسك, ومجامرهم الأَلُوَّة، وأزواجهم الحور العين, أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء)) (٨).
стр. 2083
وذكر مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر, ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة, ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون, ولا يبولون, ولا يتمخطون, ولا يبصقون, أمشاطهم الذهب, ومجامرهم الأَلُوَّة, ورشحهم المسك, أخلاقهم على خلق رجل واحد, على طول أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعاً في السماء)) (١) ويروى: على خلق.
وذكر أيضاً من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر, لا يبصقون فيها, ولا يتمخطون فيها, ولا يتغوطون فيها, آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة, ومجامرهم من الأَلُوَّة, ورشحهم المسك, ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن, لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد, يسبحون الله بكرة وعشياً)) (٢).
وذكر من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأكل أهل الجنة فيها ويشربون, ولا يتغوطون, ولا يتمخطون, ولا يبولون, ولكن طعامهم ذلك (جشاء) كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس)) (٣).
وذكر النسائي من حديث زيد بن أرقم قال: ((جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم أتزعمون أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: إي والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل, والشرب, والجماع, والشهوة. قال الرجل: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة, وليس في الجنة أذى, فقال النبي ﷺ : حاجة أحد منهم رشح يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر)) (٤).
وذكر الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: ((سئل رسول الله ﷺ : ما الكوثر؟ قال: ذلك نهر أعطانيه الله، يعني في الجنة, أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل, فيه طير أعناقها كأعناق الجزر، قال عمر: إن هذه لناعمة. قال رسول الله ﷺ : آكلها أنعم منها)) (٥) .... وذكر الترمذي أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: ((من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبداً, وكذلك أهل النار)) (٦).
كذا قال ثلاثين، والأول أحسن إسناداً.
وذكر مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس, لا تبلى ثيابه, ولا يفنى شبابه)) (٧).
وذكر مسلم أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري, وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً, وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً, وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً, وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً, فذلك قوله : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) (٨). العاقبة أو الموت والحشر والنشور لعبد الحق الأشبيلي الآذى– ص: ٣١١
стр. 2084
المطلب الثاني: مفتاح الجنة
واعلم أن الباب لابد له من مفتاح، وأن مفتاح الجنة هي كلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعاً: ((مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله)) (١). قال الحافظ ابن رجب في كتابه (التوحيد): إسناده منقطع وسنده صحيح.
البخاري عن وهب بن منبه: (أنه قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلا له أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح) (٢).
......... وفي المسند عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله)) (٣).
قال في حادي الأرواح: (ولقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحاً يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهارة، كما قال ﷺ : ((مفتاح الصلاة الطهور)) (٤)، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال، وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة، ومفتاح المحبة الذكر، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الدخول على الله سلامة القلب، وسلامته له والإخلاص له في الحب والبغض والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن, والتضرع بالأسحار, وترك الذنوب والأوزار، ومفتاح حصول الرحمة الإحساس في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده، ومفتاح حصول الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم لمعرفة مفاتيح الخير والشر، فإن الله جعل للخير وللشر مفتاحاً وباباً يدخل فيه إليه، كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحاً للنار، والخمر مفتاح كل إثم، والغناء مفتاح الزنا، وإطلاق النظرة في الصور مفتاح الطلب، والعشق والكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، والمعاصي مفتاح الكفر، والكذب مفتاح النفاق، والشح والحرص مفتاح البخل، وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله والإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة, فسبحان مسبب الأسباب والله الموفق) وإلى المفتاح أشار في النونية بقوله (٥):
هذا وفتح الباب ليس بممكن ... إلا بمفتاح على أسنان
مفتاحه بشهادة الإخلاص والتوحيد ... تلك شهادة الإيمان
أسنانه الأعمال وهي شرائع الإسلام ... والمفتاح بالأسنان
لا تلغين هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان
@ البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – بتصرف – ٣/ ٩٦٢
стр. 2085
المطلب الثالث: أبواب الجنة
قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣]، وقال في صفة النار: حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧١]، بغير واو, فزعمت طائفة أن هذه الواو واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية بخلاف أبواب النار فإنها سبعة, وذكره الإمام ناصر السنة ابن الجوزي في (التبصرة) وانتصر له.
... الواو عاطفة على قوله تعالى: جَاؤُوهَا وأن الجواب محذوف.
... (وهو اختيار أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وغيرهم، قال المبرد: (وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم). قال أبو الفتح ابن جني: (وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ويرون أن الجواب محذوف للعلم به). فإن قيل: ما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية أهل النار؟ فالجواب: إن هذا أبلغ في الموضعين, فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة, حتى إذا جاءوها فتحت في وجوههم ففجئهم العذاب بغتة, فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة، فإن هذا أن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبه، فإنها دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في دخولها، وأما الجنة فدار كرامته تعالى، ومحل خواصه وأوليائه, فإذا انتهوا إليها صادفوها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم، ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله فكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم، وسيدهم، وأفضلهم فيقول: ((أنا لها)) (١). فيأتي تحت العرش، ويخر ساجداً لربه فيدعه ما شاء أن يدعه, ثم يأذن له في رفع رأسه، وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه، ويفتحها تعظيماً لخطرها, وإظهاراً لمنزلة رسوله وكرامته عليه وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن ينتهي إليها وما ركبه من الأطباق طبقاً فوق طبق) (٢).
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩]: (يعني الشدائد والأهوال والموت، ثم البعث، ثم العرض).
وقال عكرمة (٣): (حالاً بعد حال رضيعاً، ثم فطيماً، ثم غلاماً، ثم شاباً، ثم شيخاً هذا معنى الآية الكريمة).
وقيل غير ذلك من الشدائد، والمصائب شدة بعد أخرى حتى يأذن الله سبحانه لنبيه وخاتم رسله أن يشفع إليه في فتحها لهم, وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة، وحصول الفرح والسرور لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء فجنة الله غالية، ومنزلة عالية بين الناس, وبينها من العقاب، والمفاوز، والأخطار ما لا تنال إلا به, فما لمن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار, فليعد عنها إلى ما هو أولى به وقد خلق لها وهي له ...
стр. 2086
تدبر قوله تعالى: زُمَرًا وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها: طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا أي: سلامتكم ودخولها يطيبكم، فإن الله حرمها إلا على الطيبين فيبشرونهم بالسلامة, والطيب, والدخول, والخلود، وأما أهل النار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحالة من الهم, والغم, والخزي, والحزن فتحت لهم أبوابها, فوقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه من الخزي والنكال توبيخ خزنتها وتبكيتهم بقولهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا فاعترفوا وقَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: ٧١].
وكلمة العذاب قوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣].
وحقت بمعنى وجبت، فيبشرونهم حينئذ بدخولها والخلود فيها, وأنها بئس المأوى لهم، وتأمل قول خزنة الجنة لأهليها: ادخلوها وقول خزنة النار لأهلها: ادخلو أبواب جهنم تجد تحته سراً لطيفاً, ومعنى بديعاً ظريفاً، وهو أنها لما كانت دار العقوبة فأبوابها أفظع كل شيء, وأشده حراً, وأعظمه غماً, يستقبل الداخل في العذاب ما هو أشد منها, ويدنو من الغم والخزي بدخول الأبواب فقيل: ادخلوا أبوابها صغاراً لهم, وإذلالاً وخزياً ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم على مجرد ذلك, ولكن وراء ذلك الخلود في النار.
وأما الجنة فهي دار الكرامة, والمنزل الذي أعد الله لأوليائه, فيبشرون من أول وهلة بالدخول إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها، وتأمل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥٠ - ٥١] كيف تجد تحته معنى بديعاً، وهو أنهم إذا دخلوا لم تغلق أبوابها عليهم, بل تبقى مفتحة كما هي خلاف النار, فإذا دخلوها أغلقت عليهم، كما قال تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ [الهمزة: ٨] أي: مطبقة, ومنه سمي الباب وصيداً, وهي مؤصدة في عمد ممدة, قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب.
قال مقاتل: (يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب, ولا يخرج منها غم, ولا (يدخل فيها روح) ولا يدخل فيها نسيم آخر الأبد، وأيضاً فإن في فتح الأبواب حيث شاؤوا, ودخول الملائكة عليهم من كل باب في كل وقت, بالتحف والألطاف من ربهم, وأيضاً إشارة إلى أنها دار من لا يحتاج إلى غلق الأبواب كما في الدنيا ...
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((في الجنة ثمانية أبواب: باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون)) (١)
وفيهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. فقال أبو بكر ﵁: والله يا رسول الله ما على أحد من ضرورة من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وإني لأرجو أن تكون منهم)) (٢) قال القرطبي: (قيل الدعاء من جميعها دعاء تنويه وإكرام ثم يدخل من الباب الذي غلب عليه العمل) (٣).
стр. 2087
وأخرج مسلم عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ – أو فيسبغ – الوضوء ثم يقول: أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم اجعلني من التوابين. إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)) (١). زاد الترمذي: ((واجعلني من المتطهرين)) (٢). زاد الإمام أحمد وأبو داود: ((ثم رفع نظره إلى السماء فقال: اللهم اجعلني ... )) (٣) الحديث.
وعند الإمام أحمد عن أنس ﵁ يرفعه: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إلا فتح له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل)) (٤).
وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد، وابن ماجه عن عتبة بن عبد الله السلمي مرفوعاً: ((ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)) (٥). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – بتصرف – ٣/ ٩٤٧
стр. 2088
المطلب الرابع: درجات الجنة
قال الله تعالى: وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ٩٥ - ٩٦].
قال ابن محيريز: (هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين عاماً). وأخرج ابن المبارك عن الضحاك في قوله تعالى: لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنفال: ٤] وقال بعضهم: أفضل من بعض فيرى الذي عقد فضل به فضله, ولا يرى الذي أسفل منه أنه فضل عليه أحد من الناس قلت: وهذا من تمام نعم الله على عبده لأن الأنفس مطبوعة على التألم بمشاهدة من هو فوقها إلا من وفقه الله، وهنا نكتة عنَّ لي أن أنبه عليها وهي: أن العاقل ينبغي له أن يتألم بسبق غيره له في الطاعات ووجوه الخير فيبادر إلى فعل مثل ما فعل ذلك المبادر
إذا أعجبتك خلالاً منه ... فكنه تكن مثل من يعجبك
فليس على الجود والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك
والله الموفق
... قوله تعالى: فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ الآيتين أوقع التفضل أولاً بدرجة ثم أوقعه ثانياً بدرجات فقيل: الأول بين القاعد, المعذور, والمجاهد. والثاني: بين القاعد بلا عذر والمجاهد. وقال تعالى: هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣] وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إلى قوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٣ - ٤].
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) (١).
ولفظ البخاري في ((الأفق)) وهو أبين قال في ((حادي الأرواح)): (الغابر هو: الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكوكب – المسامت للرأس وهو أعلى فائدتان أحدهما: بعده عن العيون. والثانية: أن الجنة درجات بعضها فوق بعض وأعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من رأس الجبل إلى ذيله) (٢). انتهى.
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة كما تراءون الكوكب في أفق السماء)) (٣) وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((أن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون أو ترون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات. قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قال: بلى، والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) (٤).
قال في (حادي الأرواح): ورجال هذا الإسناد احتج بهم البخاري في صحيحه. وفي هذا الحديث: (الغارب) وفي حديث أبي سعيد: (الغابر) وقوله: (الطالع) صفة للكوكب وصفة بكونه غارباً وبكونه طالعاً.
стр. 2089
وقد خرج هذا المعنى في الحديث الذي رواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((إن أهل الجنة ليتراءون في الغرف كما يرى الكوكب الشرقي والكوكب الغربي في الأفق في تفاضل الدرجات. قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قال: بلى والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) (١). قال: وهذا على شرط البخاري أيضاً.
وفي المسند عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المتحابين لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي والغربي فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله ) (٢).
وفي المسند من حديث أبي سعيد أيضاً عن النبي ﷺ قال: ((إن الجنة مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم)) وفيه عنه أيضاً عن النبي ﷺ قال: ((يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد. فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه)) (٣).
قال المحقق: وهذا صريح في أن درج الجنة تزيد على مائة.
وأما حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أن الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة)) (٤).
فالجواب عنه: أنه يحتمل أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج أو تكون نهايتها هذه المائة، وفي ضمن كل درجة درج دونها.
... والثاني أوجه؛ لأن لفظ حديث البخاري معرفة الطرفين فيفيد الحصر على رأي البيانيين، وإن استوجه المحقق الأول، واستدل له بما خرجه الترمذي عن معاذ ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: ((من صلى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقاً على الله أن يغفر له هاجر أو قعد حيث ولدته أمه. قلت: يا رسول الله ألا أخرج فأؤذن الناس؟ قال: ذر الناس يعملون, فإن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين منهما مثل ما بين السماء والأرض، وأعلى درجة منها الفردوس، وعليها يكون العرش، وهي أوسط شيء في الجنة، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس)) (٥) فرواه بلفظة (في).
стр. 2090
وأخرج أيضاً عن عبادة بن الصامت مرفوعاً: ((في الجنة مائة درجة)) (١) فذكر نحوه وعنده أيضاً عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((في الجنة مائة درجة)) (٢) وذكر نحوه وقال حديث حسن غريب، وفيه عن أبي سعيد مرفوعاً: ((إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم)) (٣) ورواه الإمام أحمد بدون لفظة (في) كما تقدم فرويت هذه الأحاديث بلفظة في وبدونها. فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجتها، وإن كان المحفوظ سقوطها فهي الدرج الكبار المتضمنة للدرج الصغار، ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطء، والنبي ﷺ ذكر هذا تقريباً للإفهام يدل له حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: ((مائة درجة في الجنة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعدهما بين السماء والأرض. قلت: يا رسول الله: لمن؟ قال: لمجاهدين في سبيل الله)) (٤). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ٩٦٢
وهذه الجنات متفاضلة، ففيها جنات عُلَى كما قال سبحانه: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه: ٧٥]. وفيها درجات دون التي فوقها كما قال سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ إلى أن قال: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦ - ٦٢]. والجنات بعضها فوق بعض كما دل عليه قوله ﷺ : ((إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)) (٥).
فقوله: ((من فوقهم)) يدل على ما ذكر، وهذه الجنات متباعدات كما دل عليه قوله ﷺ : ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله, ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة, وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار الجنة)) (٦).
فهذا تباعد ما بين درجات هذه المائة التي أعدت للمجاهدين، ودرجات الجنة كثيرة لم يرد حصرها في عدد, فهذه مائة أعدت للمجاهدين, وقال ﷺ : ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا, فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)) (٧) وهذا يدل على أن درج الجنة لا حصر لها.
стр. 2091
والجنات على كثرتها وعدم إحصائها إلا أنها ترجع إلى نوعين: جنتان ذهبيتان بكل ما اشتملتا عليه, وهما المخصوصتان بالمقربين، وجنتان فضيتان بكل ما اشتملتا عليه وهما لأصحاب اليمين (١) قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ إلى أن قال: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦ - ٦٢].
قال ﷺ : ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما)) (٢).
والمؤمنون متفاضلون بتفاضل درجاتها، وأعلاهم وأكملهم درجة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما في الحديث المذكور قريباً، قال ﷺ : ((إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) (٣).
أي: نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم ذلك, ولكن قد يتفضل الله تعالى على غيرهم بالوصول إلى تلك الدرجة (٤).
وأفضل الأنبياء درجة محمد ﷺ فقد قال ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. ثم صلوا عليّ. فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً. ثم سلوا الله لي الوسيلة. فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو)) (٥).
فهذه منزلة في الجنة خاصة به ﷺ ، وهو ﷺ أول من يقرع باب الجنة فقد قال: ((أنا أول من يقرع باب الجنة)) (٦)
فيكون أول من يفتح له، قال ﷺ : ((آتي باب الجنة يوم القيامة. فأستفتح. فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)) (٧).
стр. 2092
ثم يتفاضل المؤمنون بعد الأنبياء في الجنات، قال ﷺ : ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة)) (١). ولعل المراد بأول زمرة السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب من أمة محمد ﷺ كما تقدم في الأحاديث المذكورة فيهم أنهم يتقدمون الأمة, وأن من صفاتهم أنهم زمرة واحدة على صورة القمر. وأقل أهل الجنة منزلة المخرجون من النار بعد العقوبة، قال ﷺ : ((يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع, فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين)) (٢). وهؤلاء يتفاضلون في خروجهم من النار، يخرج بعضهم قبل بعض على منازلهم في الإيمان كما في حديث الرؤية الطويل الذي فيه ((أن المجاوزين الصراط إذا رأوا أنهم قد نجو وبقي إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا)) (٣).
وآخر أهل النار خروجاً منها ما جاء فيه: ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولاً، رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربي وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها)) وجاء في آخر الرواية: ((فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة)) (٤).
وهذا هو أدنى أهل الجنة منزلة كما في حديث: ((سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب, كيف وقد نزل الناس منازلهم, وأخذوا أخذتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله, ومثله, ومثله, ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله. ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت, غرست كرامتهم بيدي, وختمت عليها. فلم تر عين, ولم تسمع أذن, ولم يخطر على قلب بشر. قال ومصداقه في كتاب الله : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧])) (٥).
وحظ الرجال من الجنة أعظم من حظ النساء ففي الحديث: ((أريت النار فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع, ورأيت أكثر أهلها النساء)) (٦).
وقال ﷺ للنساء: ((تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم)) (٧).
وأمة محمد ﷺ أفضل أهل الجنة, فهم أول من يدخل الجنة، قال ﷺ : ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة. ونحن أول من يدخل الجنة)) (٨). وهم أكثر أهل الجنة, إذ هم نصف أهل الجنة. ففي الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه: ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟. قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم، فقال: ((والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر)) (٩). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٤٠٦
стр. 2093
المطلب الخامس: تربة الجنة
أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: ((قلنا: يا رسول الله إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد قال: لو تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم. قال: قلنا: يا رسول الله, حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران, من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه, ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السموات، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)) (١).
قوله: ((وملاطها المسك)) قال في النهاية: (الملاط الطين الذي يجعل بين ساقي البناء يملط به الحائط أي: يخلط. ...
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)) (٢) وهو قطعة من حديث المعراج. قوله: ((جنابذ اللؤلؤ)) بالجيم والنون المفتوحين، ثم ألف، ثم ذال معجمة القباب, وفي (مشارق الأنوار) للقاضي عياض ما نصه: وفي الحديث: ((وإذا فيها جنابذ اللؤلؤ)) كذا في كتاب مسلم، وفي البخاري في كتاب الأنبياء (٣) من رواية غير المروزي فسروه بالقباب, واحدتها جنبذة بالضم، والجنبذة ما ارتفع من البناء وجاء في البخاري في الصلاة ((حبائل اللؤلؤ)) , وزعم قوم أنه تصحيف من جنابذ وقال: في حرف الجاء مع الباء ((فيها حبائل اللؤلؤ)) كذا لجميعهم في البخاري وفي مسلم ((جنابذ اللؤلؤ)) وهو الصواب وقد جاء في حديث آخر ((حافاته قباب اللؤلؤ)) والجنابذ جمع جنبذة وهي القبة وقال من ذهب إلى صحة الرواية: إن الحبائل القلائد العقود، أو يكون من حبال الرمل أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أي: وهو ما طال منه وضخم، قال: أو من الحبلة وهو ضرب من الحلي معروف.
قال ابن قرقول في (استدراكاته) على القاضي عياض: وهذا كله تخييل ضعيف، بل هو لا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنما تكون جمع حبالة، أو حبيلة. انتهى.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁: ((أن رسول الله ﷺ سأل ابن صياد عن تربة الجنة فقال: درمكة بيضاء مسك خالص، فقال ﷺ : صدق)) (٤).
стр. 2094
قال سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر ﵁ قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد قد غلب أصحابك. قال: وبأي شيء غلبوا؟ قال: سألهم اليهود: كم عدد خزنة النار؟ فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا, فقال رسول الله ﷺ : أيغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا: حتى نسأل نبينا، ولكن هم أعداء الله سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة، علي بأعداء الله فإني سائلهم عن تربة الجنة، وإنها درمكة. فلما أن جاءوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدة خزنة أهل النار؟ فقال رسول الله ﷺ بيديه كلتيهما: هكذا وهكذا وقبض واحدة أي: تسعة عشر فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تربة الجنة؟ فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال ﷺ : الخبزة من الدرمك)) (١).
فحصل من هذه الأحاديث ثلاث صفات في تربتها: قيل: زعفران، أو مسك، أو خبزة.
قال في (حادي الأرواح): لا تعارض بينها لإمكان الجمع قال: ذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين: المسك، والزعفران. قال: ويحتمل معنين آخرين أحدهما: أن يكون التراب من: زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكاً، والطين يسمى تراباً ويدل على هذا قوله (ملاطها المسك) والملاط الطين. وفي بعض الروايات: ((ترابها الزعفران وطينها المسك)) (٢) فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيب وانضم أحدهما إلى الآخر حدث لهما طيب آخر فصار مسكاً.
الثاني: أن يكون زعفراناً باعتبار لونه، مسكاً باعتبار رائحته، وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران ورائحة المسك. قال: وكذلك تشبيهها بالدرمك، وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، قال: وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (أرض الجنة من فضة، وترابها مسك، فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك) (٣).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((أرض الجنة بيضاء عرصتها صخور الكافور، وقد أحاط به المسك مثل كثبات الرمل، فيها أنهار مطردة، فيجتمع فيها أهل الجنة أدناهم وآخرهم فيتعارفون، فيبعث الله ريح الرحمة، فتهيج عليهم ريح المسك)) الحديث (٤).
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قلت ليلة أسري بي: يا جبريل إنهم سيسألوني عن الجنة؟ قال: فأخبرهم: أنها من درة بيضاء، وأن أرضها عقيان)) (٥).
قال في (حادي الأرواح): (العقيان من الذهب فإن كان (ابن علاثة حفظه) فهي أرض الجنتين الذهبيتين، ويكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين والله أعلم) (٦). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٣٦
стр. 2095
المطلب السادس: أنهار الجنة
أخبرنا الله ﵎ بأن الجنة تجري من تحتها الأنهار، وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٢٥] وأحيانا يقول: تجري تحتهم الأنهار: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَناتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:٣١]. وقد حدثنا الرسول ﷺ عن أنهار الجنة حديثا واضحاً بينا، ففي إسرائه صلوات الله وسلامه عليه: ((رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان: فنهران في الجنة وأما الظاهران: فالنيل والفرات)) (١)
وفي (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((رفعت لي السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: فالنيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة)). (٢)
وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة)). (٣) (ولعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل الإنسان من الجنة، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار تنبع من منابعها المعروفة في الأرض، فإذا لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه، فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم للمخبر عنها).
стр. 2096
وقال القاري: " إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها ". ومن أنهار الجنة الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ : إِنا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١]، وقد رآه الرسول ﷺ وحدثنا عنه، ففي (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ((بينما أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه- أو طينه – مسك أذفر)) شك هُدْبة. (١) وقد فسر ابن عباس الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ ، فقال أبو بشر لسعيد بن جبير راوي هذا التفسير عن ابن عباس: إن أناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٢) وقد جمع الحافظ بن كثير الأحاديث التي أخبر الرسول ﷺ فيها عن الكوثر، فمن هذه الأحاديث ما رواه مسلم في (صحيحه) عن أنس، أن الرسول ﷺ حين أنزلت عليه إِنا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] قال: ((أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو نهر وعدنيه الله ، عليه خير كثير)). (٣) وساق حديث أنس عند أحمد في (مسنده) عن الرسول ﷺ قال: ((أعطيت الكوثر، فإذا نهر يجري على ظهر الأرض، حافتاه قباب اللؤلؤ، ليس مسقوفاً، فضربت بيدي إلى تربته، فإذا تربته مسك أذفر، وحصباؤه اللؤلؤ)). (٤) وفي رواية أخرى في (المسند) عن أنس يرفعه: ((هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طيور أعناقها مثل أعناق الجزور)). (٥) وقد ساق الحافظ ابن كثير روايات أخرى كثيرة في الموضوع فارجع إليه إن شئت المزيد. (٦)
وأنهار الجنة ليست ماء فحسب، بل منها الماء، ومنها اللبن، ومنها الخمر، ومنها العسل المصفى.
قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [محمد:١٥]. وفي (سنن الترمذي) بإسناد صحيح عن حكيم بن معاوية (وهو جد بهز بن حكيم) أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة بحر العسل، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر الماء، ثم تنشق الأنهار بعد)) (٧) فأنهار الجنة تنشق من تلك البحار التي ذكرها الرسول ﷺ ، وأخبرنا الرسول ﷺ عن نهر يسمى بارق يكون على باب الجنة، ويكون الشهداء في البرزخ عند هذا النهر، ففي (مسند أحمد)، و (معجم الطبراني)، و (مستدرك الحاكم) عن ابن عباس بإسناد حسن أن رسول الله ﷺ قال: ((الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً)). (٨) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٦٥
стр. 2097
المطلب السابع: عيون الجنة
في الجنة عيون كثيرة مختلفة الطعوم والمشارب إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَناتٍ وَعُيُونٍ [الحجر:٤٥]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:٤١]، وقال في وصف الجنتين اللتين أعدهما لمن خاف ربه فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن:٥٠]. وقال في وصف الجنتين اللتين دونهما فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضاخَتَانِ [الرحمن: ٦٦].
وفي الجنة عينان يشرب المقربون ماءها صرفاً غير مخلوط، ويشرب منهما الأبرار الشراب مخلوطاً ممزوجاً بغيره.
العين الأولى: عين الكافور قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان: ٥ - ٦]. فقد أخبر أن الأبرار يشربون شرابهم ممزوجاً من عين الكافور، بينما عباد الله يشربونها خالصاً.
العين الثانية: عين التسنيم، قال تعالىٍ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:٢٢ - ٢٨].
ومن عيون الجنة عين تسمى السلسبيل، قال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً [الإنسان:١٧ - ١٨]. ولعل هذه هي العين الأولى نفسها. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٦٩
стр. 2098
المطلب الثامن: قصور الجنة وخيامها
يبني الله لأهل الجنة في الجنة مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَناتِ عَدْنٍ [التوبة:٧٢]. وقد سمى الله في مواضع من كتابه هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:٣٧]، وقال في جزاء عباد الرحمن: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [الفرقان:٧٥]، وقال تعالى واصفاً هذه الغرفات: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ [الزمر:٢٠]. قال ابن كثير: أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة وهي القصور أي الشاهقة، مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ [الزمر: ٢٠]، طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات.
وقد وصف لنا الرسول ﷺ هذه القصور، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) عن أبي مالك الأشعري والترمذي عن عليٍّ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام)) (١) وقد أخبرنا الحق ﵎ أن في الجنة خياماً، قال تعالى: حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:٧٢]. وهذه الخيام خيام عجيبة، فهي من لؤلؤ، بل هي من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً، وفي بعض الروايات عرضها ستون ميلاً ففي (صحيح البخاري) عن عبدالله بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : ((الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون))، قال أبو عبد الصمد والحارث عن أبي عمران: ((ستون ميلاً)) (٢)
ورواه مسلم عن عبدالله بن قيس عن النبي ﷺ قال: ((إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلاً ٍ، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضاً)). (٣)
стр. 2099
وفي رواية عند مسلم: ((في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن)) (١) وقد أخبرنا الرسول ﷺ عن صفات قصور بعض أزواجه وبعض أصحابه، ففي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة، قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: ((يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام وطعام، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)) (٢) وفي (صحيح البخاري) ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك، فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: أعليك أغار؟)) (٣) وقد أخبر الرسول ﷺ بالطريق الذي يحصل به المؤمن على مزيد من البيوت في الجنة، فالذي يبني لله مسجداً يبني الله له بيتاً في الجنة، ففي (مسند أحمد) عن ابن عباس بإسناد صحيح أن الرسول ﷺ قال: ((من بني لله مسجداً، ولو كمفحص قطاة لبيضها بني الله له بيتاً في الجنة)). (٤) وفي (مسند أحمد) و (صحيحي البخاري ومسلم) و (سنن الترمذي) و (سنن ابن ماجه) عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: ((من بني مسجداً، يبتغي به وجه الله، بني الله له مثله في الجنة)). (٥) وفي (صحيح مسلم) و (مسند أحمد) و (سنن أبي داود)، و (سنن النسائي)، و (سنن ابن ماجه) عن أم حبيبة أن رسول الله ﷺ قال: ((من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعاً، بني الله له بيتاً في الجنة)) (٦) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٧١
стр. 2100
المطلب التاسع: الثامن: عيم الجنةنور الجنة
قال القرطبي: (قال العلماء: ليس في الجنة ليل ونهار، وإنما هم في نور دائم أبداً، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج بن الجوزي. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:٦٢ - ٦٣] " أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلاً ونهاراً، ولكنهم في ٍأوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار). ويقول ابن تيمية في هذا الموضوع: (والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قِبل العرش). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٧٤
стр. 2101
المطلب العاشر: ريح الجنة
أما ريحها فأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: ((من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد في مسيرة مائة عام)) (١). وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: ((ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)) (٢).
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((ألا من قتل نفساً معاهداً له ذمة الله، وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً)) (٣). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال في (حادي الأرواح): (قال محمد بن عبد الواحد: وإسناده عندي على شرط الصحيح) (٤).
... وقد رواه الطبراني عنه مرفوعاً ((من قتل نفساً معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام)) (٥) وأخرج عن أبي بكرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام)) (٦).
قال في (حادي الأرواح): (وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه، وقد أخرجا في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: ((لم يشهد عمي مع رسول الله ﷺ بدرا قال: فشق عليه قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه, فإن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع قال: فهاب أن يقول غيرها. قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد قال: فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أين؟ فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة، وطعنة، ورمية فقالت أخته: عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه)) (٧)(٨).
قال في (حادي الأرواح) (٩): (وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحياناً لا يدركه العباد، وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار، وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب وبعد، وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه، ورسله، وهذا الذي وجده أنس بن النضر ﵁ يجوز أن يكون من هذا، وأن يكون من الأول). انتهى.
... الظاهر أنه من الثاني؛ لأنه قوله: (لريح الجنة أجده دون أحد، يشير إلى هذا)، فتأمل.
стр. 2102
وأخرج (أبو نعيم) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((رائحة الجنة توجد من مسيرة خمسمائة عام)) (١).
وأخرج الطبراني عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء)) (٢).
وأخرج أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو ﵄: ((من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة, وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام)) (٣).
أخرج الطبراني، وأبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً قال: ((تراح رائحة الجنة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها منان بعمله، ولا عاق، ولا مدمن خمر)) (٤).
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) (٥).
... والجمع بين هذه الأحاديث أنه يختلف ذلك باختلاف الشام، وهذا الذي أومأ إليه المحقق في (حادي الأرواح) (٦) حيث قال: (وهذه الألفاظ لا تعارض بينها والله الموفق).
قال في (حادي الأرواح) (٧): (وأشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار آثاراً من آثار الجنة، وأنموذجاً منها من الرائحة الطيبة، واللذات المشتهاه، والمناظر البهية، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسرور، وقرة العين).
وأخرج أبو نعيم عن جابر ﵁ مرفوعاً: ((يقول الله للجنة: طيبي لأهلك فتزداد طيباً. فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك)) (٨)، كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وأحزانها مذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا [الواقعة: ٧٣].
وأخبر الصادق ﷺ أن: ((شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم)) (٩). فلابد أن يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، والله المستعان. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٧٥
стр. 2103
الفرع الأول: كثرة أشجار الجنة وثمارها
أشجار الجنة كثيرة طيبة متنوعة، وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان، كما فيها أشجار السدر والطلح، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ:٣١ - ٣٢]، فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمانٌ [الرحمن:٦٨]، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاء مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [الواقعة:٢٧ - ٣٢]، والسدر هو شجر النبق الشائك، ولكنه في الجنة مخضود شوكه، أي منزوع. والطلح: شجر من شجر الحجاز من نوع العضاه فيه شوك، ولكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كد ولا مشقة.
وهذا الذي ذكره القرآن من أشجار الجنان شيء قليل مما تحويه تلك الجنان، ولذا قال الحق: فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن: ٥٢] ولكثرتها فإن أهلها يدعون منها بما يريدون، ويتخيرون منها ما يشتهون مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص:٥١] وَفَاكِهَةٍ مِّما يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة:٢٠] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِما يَشْتَهُونَ [المرسلات:٤١ - ٤٢]، وبالجملة فإن في الجنة من أنواع الثمار والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذه العيون يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:٧١].
وقال ابن كثير كلاماً لطيفاً دلل فيه على عظيم ثمار الجنة، إذ استنتج أن الله نبه بالقليل على الكثير، والهين على العظيم عندما ذكر السدر والطلح، قال: (وإذا كان السدر الذي في الدنيا لا يثمر إلا ثمرة ضعيفة وهو النبق، وشوكه كثير، والطلح الذي لا يراد منه في الدنيا إلا الظل، يكونان في الجنة في غاية من كثرة الثمار وحسنها، حتى إن الثمرة الواحدة منها تتفتق عن سبعين نوعاً من الطعوم، والألوان، التي يشبه بعضها بعضاً، فما ظنك بثمار الأشجار، التي تكون في الدنيا حسنة الثمار، كالتفاح، والنخل، والعنب، وغير ذلك؟ وما ظنك بأنواع الرياحين، والأزاهير؟ وبالجملة فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله منها من فضله).
وأشجار الجنة دائمة العطاء، فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النارُ [الرعد: ٣٥] وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة:٣٢ - ٣٣] أي دائمة مستمرة، وهي مع دوامها لا يمنع عنها أهل الجنة. ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٢٥].
وأشجار الجنة ذات فروع وأغصان باسقة نامية وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ [الرحمن:٤٦ - ٤٨]، وهي شديدة الخضرة: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:٦٢ - ٦٤]، ولا توصف الجنة بأنها مدهامة إلا إذا كانت أشجارها مائلة إلى السواد من شدة خضرتها، واشتباك أشجارها. أما ثمار تلك الأشجار فإنها قريبة دانية مذللة ينالها أهل الجنة بيسر وسهولة، مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن:٥٤]، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:١٤]. أما ظلها فكما قال تعالى: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً [النساء:٥٧]، ووَظِلٍّ مَّمْدُودٍ [الواقعة:٣٠]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:٤١] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٧٦
стр. 2104
الفرع الثاني: وصف بعض شجر الجنة
حدثنا الرسول ﷺ عن بعض شجر الجنة حديثاً عجباً ينبيك عن خلق بديع هائل يسبح الخيال في تقديره والتعرف عليه طويلاً، ونحن نسوق لك بعض ما حدثنا به الرسول ﷺ . الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٧٩
- الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام
هذه شجرة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها، وقد بين الرسول ﷺ عظم هذه الشجرة بأن أخبر أن الراكب لفرس من الخيل التي تعد للسباق يحتاج إلى مائة عام حتى يقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه، ففي (الصحيحين) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها)) (١)
وفي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ – قال: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: (وظل ممدود) [الواقعة:٣٠])). (٢)
ورواه مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد عن رسول الله ﷺ – قال: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها)) (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٧٩
- سدرة المنتهى
وهذه الشجرة ذكرها الحق في محكم التنزيل، وأخبر الحق أن رسولنا محمداً ﷺ رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها عندها، وأن هذه الشجرة عند جنة المأوى، كما أعلمنا أنه قد غشيها ما غشيها مما لا يعلمه إلا الله عندما رآها الرسول ﷺ : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٣ - ١٧].
وقد أخبرنا الرسول ﷺ عن هذه الشجرة بشيء مما رآه: ((ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: (أي جبريل) هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات)). رواه البخاري ومسلم. (٤) وفي (الصحيحين) أيضاً: ((ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ونبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)). (٥). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٠
- شجرة طوبى
стр. 2105
وهذه شجرة عظيمة كبيرة تصنع ثياب أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و (تفسير ابن جرير)، و (صحيح ابن حبان) عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: ((طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها)) (١) وقد دل على أن ثياب أهل الجنة تشقق عنها ثمار الجنة – الحديث الذي يرويه أحمد في (مسنده) عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقاً تخلق، أمن نسجاً تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : ((ومم تضحكون، من جاهل سأل عالماً؟ ثم أكب رسول الله ﷺ ثم قال: أين السائل؟ قال: هو ذا أنا يا رسول الله، قال: لا بل تشقق عنها ثمر الجنة، ثلاث مرات)). (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٠
- سيد ريحان الجنة
أخبرنا الله أن في الجنة ريحاناً فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، وأخبرنا الرسول ﷺ أن سيد ريحان أهل الجنة الحناء، ففي (معجم الطبراني الكبير) بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: ((سيد ريحان الجنة الحناء)) (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨١
- سيقان أشجار الجنة من ذهب
ومن عجب ما أخبرنا به الرسول ﷺ أن سيقان أشجار الجنة من ذهب، ففي (سنن الترمذي)، و (صحيح ابن حبان)، و (سنن البيهقي)، بإسناد صحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب)) (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٢
- كيف يكثر المؤمن حظه من أشجار الجنة؟
طلب خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ من نبينا محمد ﷺ في ليلة الإسراء أن يبلغ أمته السلام وأن يخبرهم بالطريقة التي يستطيعون بها تكثير حظهم من أشجار الجنة، فقد روى الترمذي بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك أن الجنة أرض طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٢