← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

المطلب الثالث: ما ورد في القرآن الكريم بشأن أصحاب الأعراف يقول تعالى: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: ٤٦]. ويقول تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: ٤٨ - ٤٩]. وقال تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣]. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٦٧

стр. 2032

المبحث الثاني: الخلاف في تعيين أصحاب الأعراف اختلف العلماء في تعيين أصحاب الأعراف، وفي السبب الذي صاروا به موقوفين على الأعراف، كما أخبر الله عنهم؛ اختلف العلماء في ذلك إلى آراء مختلفة وأقوال متباينة، وفيما يلي: نذكر ما قيل في تعيينهم ثم الترجيح: فمما قيل في تعيينهم: ١ - أنهم مساكين أهل الجنة، وينسب هذا القول إلى ابن مسعود وكعب الأحبار وابن عباس (١). وأخرج الطبري عن ابن عباس أنه قال: (الأعراف سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدا لله – هكذا بالأصل – أن يعافيهم؛ انطلق بهم إلى نهر يقال له: الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك؛ فألقوا فيه، حتى تصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمن، فقال: تمنوا ما شئتم، قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون مساكين الجنة) (٢). وهو رأى عبد الله بن الحارث –أيضا- كما أخرج الطبري عن مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: (أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له: الحياة، حافتاه قصب من ذهب، قال سفيان: أراه قال: مكلل باللؤلؤ، قال: فيغتسلون فيزدادون، فكلما اغتسلوا ازدادت بياضاً، فيقال لهم: تمنوا ما شئتم، فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ماتمنيتم وسبعون ضعفاً، قال: فهم مساكين أهل الجنة) (٣). ٢ - أنهم قوم صالحون، فقهاء، علماء، وينسب هذا القول إلى مجاهد (٤)؛ وهذه صفة مدح لهم، غير أنه جاء في التفسير المنسوب إلى ابن عباس أن هؤلاء كانوا شاكين في الرزق (٥)؛ وهذه صفة ذم، وقد وصف ابن كثير هذا القول بأن فيه غرابة (٦). ٣ - أنهم الشهداء، ذكره المهدوي (٧)، وعزاه الشوكاني إلى القشيري وشرحبيل بن سعد (٨). ٤ - هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الكريم القشيري (٩)، وعزاه الشوكاني إلى مجاهد (١٠). ٥ - هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم، ويعزى هذا القول إلى شرحبيل بن سعد أيضاً (١١). وأخرج الطبري حديثين في هذا: الأول منهما قال فيه: حدثني المثنى، وساق السند إلى يحيى بن شبل، أو رجلاً من بني النضير أخبره عن رجل من بني هلال، أن أباه أخبره، أنه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: ((هم قوم غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم، فقتلوا فاعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله، وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة)) (١٢). وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه عن يحيى بن شبل، مولى بني هاشم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: ((قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة)) (١٣)، وهذا الحديث قد ضعفه بعض العلماء (١٤).

стр. 2033

ويروى عن أبي سعيد أنه قال: سئل النبي ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: ((هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار، ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار، حتى تذبل لحومهم وشحومهم، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم، تغمدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته)) (١). وقد ذكر الرازي، أن القول الذي يجعل الأعراف، عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار، يعود أيضاً إلى قول من يجعل الأعراف، عبارة عن الأمكنة العالية، على السور المضروب بين الجنة وبين النار، لأن هؤلاء الأقوام لابد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة وأهل النار (٢). ٦ - هم: العباس، وحمزة، وعلي بن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضهم بسواد الوجوه، ذكره الثعلبي عن ابن عباس (٣). وبعد هذا القول لا يخفى؛ لأن هذا التخصيص لا معنى له، ولعله من أقوال الشيعة: بل قد ذكر محمد رشيد رضا أنه من أقوالهم، وهو كذلك لم يوجد في كتب التفسير المعتمدة عن السلف؛ قال: (وهذا القول: ذكر الآلوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس: ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثورة، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلاً من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم؛ أي فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم، وأي فائدة في تمييز هؤلاء السادة – على الصراط- لمن كان يبغضهم من الأمويين، ومن يبغضون علياً خاصة، من المنافقين والنواصب؟ وأين الأعراف من الصراط؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جداً) (٤). ٧ - هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة، ذكره الزهراوي، واختاره النحاس (٥). قال العلامة محمد رشيد رضا: (فكما ثبت أن كل رسول يشهد على أمته أن أمة محمد ﷺ شهداء على جملة من الأمم بعده؛ ثبت أيضاً أن في الأمم شهداء غير الأنبياء ﵈، قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١]. وقال في خطاب هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، وقال في صفة يوم القيامة: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزُّمر: ٦٩]. وهؤلاء الشهداء هم حجة الله على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق والتزامهم للخير وأعمال البر) (٦). ٨ - هم قوم أنبياء، قاله الزجاج (٧). (أي يجعلهم الله تعالى على أعالي ذلك السور، تمييزاً لهم على الناس، ولأنهم شهداؤه على الأمم، ورجح هذا القول الرازي) (٨). هذا كلام محمد رشيد رضا عنه. وقد أورد الرازي في تفسيره -بعد ذكر هذا القول- أن هذا الوجه لا يتفق مع معنى الآية: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء والملائكة والشهداء.

стр. 2034

لكنه قال في الإجابة عن هذا: (أجاب الذاهبون إلى هذه الوجه بأن قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر؛ والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة، ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة، لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم. وأما الطمع المذكور في الآية، فهو على ما ذكر هؤلاء، يكون معناه: اليقين، لا الطمع الذي لا يثق صاحبه بحصول المراد، وعلى هذا قوله تعالى عن إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] فهذا الطمع طمع يقين (١). ٩ - هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا فوقفوا، وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم، فيقع في مقابلة صغائرهم. حكاه ابن عطية القاضي أبو محمد في تفسيره (٢). ١٠ - ذكره ابن وهب عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف الذين ذكر الله في القرآن، أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة، وذكره ابن المبارك؛ قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم بسواد الوجوه، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم. وفي رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود: (وكانوا آخر أهل الجنة دخولاً الجنة) (٣). ١١ - أنهم أولاد الزنا، ذكره أبو نصر القشيري عن ابن عباس (٤). ١٢ - أنهم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار. قاله أبو مجلز لاحق بن حميد، فقيل له: لا يقال للملائكة رجال، فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما وضع على الجن في قوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ [الجنّ: ٦] (٥). وذكر الطبري روايات عن أبي مجلز في تقوية هذا القول الذي يتزعمه، ويجادل في أن أهل الأعراف هم رجال من الملائكة. وهناك روايات كثيرة عن أبي مجلز لا حاجة إلى التطويل بذكرها، فهي لا تخلو – سواء أصحت نسبتها إليه أم لم تصح – عن كونها قولاً من الأقوال يحتاج لصحة إثباته إلى نص عن رسول الله ﷺ . على أن ابن كثير قد ذكر بعد إيراد الرواية عنه صحة نسبة هذا القول إلى أبي مجلز، ولكن حكم عليها بالغرابة، وعدم الانسياق مع الظاهر من وصف الملائكة، فقال: (وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد – أحد التابعين – وهو غريب من قوله، وخلاف الظهر من السياق) (٦). وقال محمد رشيد رضا في سبب حكم ابن كثير على قول أبي مجلز بالغرابة: (وإنما عده غريباً عنه لمخالفته لقول الجمهور، ولتسميته الملائكة رجالاً وهم لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة) (٧). ١٣ - أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم (فجعلوا هناك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم) (٨).

стр. 2035

ويعزى هذا القول إلى ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، والشعبي، والضحاك، وسعيد بن جبير، فمما يعزى إلى حذيفة بالسند، ما أخرجه الطبري عن الشعبي أنه قال: أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد، وعبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكر. فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات، فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبيانهم كذلك اطلع إليهم ربك ﵎ فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة؛ فإني قد غفرت لكم. وفي رواية أخرى للشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم. وعن عامر عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم ذنوب وحسنات، فقصرت ذنوبهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه فينفذ فيهم أمره، وفيه روايات أخرى عن حذيفة وهي بمعنى ما سبق. ومما يعزى إلى ابن مسعود، ما أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود، قال: (يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم [الأعراف: ٨ - ٩]. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، قال: فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم ونظروا إلى أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فيتعوذون بالله من منازلهم. قال فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نوراً فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نوراً، وكل أمة نوراً، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، فكان الطمع دخولاً، قال: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشراً، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلب وحداته أعشاره) (١). وينسب هذا الرأي أيضاً إلى ابن عباس، فإنه كان يقول: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ما ينص عليه الطبري بسنده إلى ابن عباس أنه قال: (أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم) (٢). ويذكر قتادة عن ابن عباس أنه كان يقول: (الأعراف بين الجنة والنار، حبس عليه أقوام بأعمالهم)، وكان يقول: (قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم) (٣). ١٤ - هم مؤمنو الجن. ١٥ - هم قوم كانت عليهم ديون.

стр. 2036

ويذكر السيوطي حديثاً يعزوه إلى البيهقي في رفع القول الأول إلى النبي ﷺ ؛ فإن السيوطي بعد أن ذكر تلك الأقوال السابقة أورد الحديث الآتي: عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ((إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد، فسألناه: وما الأعراف؟ قال: حائط الجنة تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار)) (١) .. وفي هذا القول – أي بأنهم مؤمنو الجن – يقول محمد رشيد رضا: (وروي ابن عساكر فيه حديثاً مرفوعاً عن أنس بن مالك من طريق الوليد بن موسى الدمشقي، وهو منكر الحديث في أعدل الأقوال، ورماه بعضهم بالوضع) (٢). أما القول بأنهم قوم عليهم ديون فهو ما يعزى إلى مسلم بن يسار، قال قتادة: (وقال مسلم بن يسار: قوم كان عليهم دين) (٣). ومنها القول بأن أصحاب الأعراف هم: ١٦ - أهل الفترة. ١٧ - هم أولاد المشركين الذين ماتوا قبل سن التكليف. ١٨ - هم أهل العجب بأنفسهم، ويعزى هذا القول إلى الحسن (٤). ١٩ - هم آخر من يفصل الله بينهم، وهم عتقاؤه من النار) (٥). وإذا علمنا ذلك الاختلاف الكثير والمتباين في بعض الأقوال، فإن قول الإمام الحافظ ابن كثير ﵀، في اختلاف عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف وتعيينهم: (وكلها – كما يقول – قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم) (٦) – فيه نظر: فإن هذا المعنى الذي ذكره إنما هو قول من تلك الأقوال المتقدمة التي بينها غاية التباعد والتباين. الحياة الآخرة لغالب عواجي–٢/ ١٣٧٧

стр. 2037

المبحث الثالث: الراجح في أهل الأعراف ذكر الله في كتابه الكريم أصحاب الأعراف، وذكر بعض أوصافهم على سبيل الإجمال. واختلف العلماء في تعينهم اختلافا كثيرا، فتعددت أقوالهم وتضاربت آراؤهم كما تقدم تفصيل ذلك. وبهذا ندرك أن ترجيح قول من الأقوال، في تعيين أصحاب الأعراف، أمر من الصعوبة بمكان؛ ذلك أن القرآن الكريم لم يبين من هم بالتحديد. وما ورد في السنة من أخبار، فإنها كلها لا تخلو عن مقال، ولم يثبت منها شيء بسند صحيح يكون قاطعا للنزاع والخلاف. وأما استنباطات العلماء فهي كما قدمنا تفتقر إلى دليل صحيح، بغض النظر عن كون تلك الأقوال المنسوبة إلى قائليها تصح نسبتها إليهم أم لا. وإذا علم هذا فإنه لم يبق لنا من مستند إلا ما جاء في القرآن الكريم فنثبت ما أثبته في حقهم ولا نتعداه، فإن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لامجال للجزم برأي فيها دون نص ثابت عن رسول الله ﷺ ، وقد أخبر القرآن الكريم عنهم بأنهم: رجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، اختصهم الله بتلك المزية من بين خلقه. وقد قال ابن جرير في الترجيح بين تلك الأقوال، وفي الرد على أبي مجلز: (والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال – كما قال الله جل ثناؤه فيهم: - هم رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ [الأعراف: ٤٦] من أهل الجنة وأهل النار بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: ٤٦] ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده، ولا أنه متفق على تأويلها، وإجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يدرك قياسا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم، ودون سائر الخلق غيرهم؛ كان بينا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة: قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك، ما قاله سائر أهل التأويل غيره، هذا مع أن من قال بخلافه من أصحاب الرسول ﷺ ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها). (٢) ولعل هذا هو الذي يتعين القول به من بين تلك الأقوال، وإن كان القول بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم هو ما ذهب إليه كثير من العلماء؛ إلا أن تلك الروايات لم تصف من الشوائب؛ بل هي كما قال الحافظ ابن كثير: (الله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة). غير أن الجمهور تمسك بها. وعن رأيهم هذا يقول محمد رشيد رضا: ورجح الجمهور بكثرة الروايات أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم. (١) وقال – مستنبطا من دعاء أهل الأعراف: رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٧]: (والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم، وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم). (٢) ومما تقدم يظهر لنا مدى تفاوت أقوال العلماء في تعينهم لأهل الأعراف. على أن في بعض هذه الأقوال تناقضا ظاهرا، والمثال على ذلك: أن بعضهم قال: إن أهل الأعراف هم من الأنبياء، وكانوا على الأعراف لعلو منزلتهم وعظيم مكانتهم. وعلى نقيض هذا القول من قال: أن أهل الأعراف هم أولاد الزنا أو مساكين أهل الجنة، وهذان القولان بينهما من البعد ما لا يخفى. على أن هذه الأقوال جميعها ليس لها سند صحيح من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسوله ﷺ . ولما كان هذا الموضوع من الغيبيات؛ فلابد للقول بإثباته – على هيئة خاصة أو اعتقاده – من وجود سند صحيح؛ فالأولى أن يقال بتفويض العلم بحقيقتهم إلى الله . والله أعلم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٩١

стр. 2038

تمهيد يؤمن أهل السنة والجماعة بنهر الكوثر الذي أعطاه الله نبيه ﷺ وهو الحوض المورود طوله مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبداً. نص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – ﵀: (الجنة والنار والبعث ... والحوض ... فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة) (١) ...... قال الإمام أبو الحسن الأشعري – ﵀: (وأجمعوا ... على أن لرسول الله ﷺ حوضاً يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه) (٢). وقال الإمام ابن بطة العكبري ﵀: (ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ... مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة – (فذكر جملة من معتقد أهل السنة) ثم قال -: ثم الإيمان بالحوض) (٣). وقال الإمام سفيان بن عيينة ﵀: (السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك شيئاً فقد ترك السنة، إثبات القدر ... والحوض) (٤). وقال الإمام أحمد ﵀: (ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها ... والإيمان بالحوض وأن لرسول الله ﷺ حوضاً يوم القيامة ترد عليه أمته ... ) (٥). وانظر أيضاً ما قاله أبو محمد البربهاري في (شرح السنة) (٦)، وأبو الحسن الأشعري في (الإبانة عن أصول الديانة) (٧)، وابن أبي زيد القيرواني في (القيروانية) (٨)، وابن حزم في (المحلى) (٩). ذكر مستند الإجماع على الحوض: قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]. والكوثر هو الحوض الذي أعطاه الله لنبيه محمد ﷺ ، قالت عائشة ﵂ – لمن سألها عن الكوثر -: (هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم) (١٠) .. وقال ابن عباس ﵄ في نهر الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه) (١). وعن أنس ﵁ قال: ((لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر)). (١١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبداً)). (١٢) المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٨٧٨

стр. 2039

المطلب الأول: الحوض في اللغة الحوض في اللغة يطلق ويراد به: مجمع الماء، وجمعه: حياض وأحواض، قال الليث: الحوض معروف، والجمع: الحياض والأحواض، والفعل: التحويض، واستحوض الماء: أي اتخذ لنفسه حوضا. (١) قال الجوهري: الحوض: واحد الحياض والأحواض، وحضت أحوض: اتخذت حوضا، واستحوض الماء: اجتمع، والمحوض (٢) – بالتشديد -: شئ كالحوض ويجعل للنخلة تشرب منه، ومنه قولهم: أنا أحوض ذلك الأمر، أي أدور حوله، مثل: أحوط. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي - ٢/ ١٤٠٥

стр. 2040

المطلب الثاني: الحوض في الاصطلاح أما المراد بالحوض في الشرع: فهو ما جاء به الخبر، من أن لنبينا محمد حوضا، ترد عليه أمته يوم القيامة، جعله الله غياثا لهم، وإكراما لنبينا محمد ﷺ . الحياة الآخرة لغالب عواجي - ٢/ ١٤٠٥

стр. 2041

المطلب الثالث: الأحاديث الواردة في الحوض الأحاديث الواردة في الحوض متواترة، لا شك في تواترها عند أهل العلم بأحاديث الرسول ﷺ ، وقد رواها عن الرسول ﷺ أكثر من خمسين صحابياً، وقد ذكر ابن حجر أسماء رواة أحاديثه من الصحابة القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٨ ونحن نسوق هنا بعض هذه الأحاديث: قال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا آدم حدَّثنا شيبانُ حدثنا قتادة عن أنس ﵁ قال: ((لما عُرِجَ بالنبيِّ ﷺ إلى السَّماء قال: أتيت على نهرٍ حافَّتاهُ قبابُ اللؤلؤ المجوَّف فقلتُ ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر)) (١). وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو الوليد حدَّثنا همام عن قتادة عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ . وحدَّثنا هدبة بن خالد حدثنا همامُ حدثنا قتادة حدثنا أنسُ بن مالك عن النبي ﷺ قال ((بينما أنا أسيرُ في الجنَّةِ إِذ أنا بنهر حافَّتاهُ قِبابُ الدرِّ المجوَّف، قلت ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّكَ، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر)) شك هُدْبَة (٢). وقال رحمه الله تعالى: حدثنا سعيدُ بن عفير قال حدثني ابنُ وهب عن يونس قال ابن شهاب: حدثني أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال ((إِنَّ قدر حوضي كما بين أَيْلَه وصنعاء من اليمن، وإِنَّ فيه مِنَ الأباريقِ بعدد نجوم السماءِ)) ووافقه على إخراجه مسلم بهذا اللفظ (٣)، وبلفظ: ((ما بين ناحيتي حوْضي كما بين صنعاءَ والمدينة)) وبلفظ ((ترى فيه أباريق الذَّهب والفضة كعدد نجوم السماء)) (٤). وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسلم بنُ إبراهيم حدثنا وهيبٌ حدثنا عبد العزيز عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال ((لَيَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقولُ أصحابي، فيقولُ لا تدري ما أحْدثوا بعدك)) (٥). ورواه مسلم بلفظ ((إِنَّ النبي ﷺ قال ليردن علي الحوض رجالٌ ممن صاحَبني حتى إذا رأيتهم وُرفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلأقولن أي ربِّ أصيحابي أصيحابي، فليقالنَّ لي إِنَّك لا تدري ما أَحْدَثوا بعدك)) (٦) وأما عن ابن عمر فقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسدَّدُ حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثني نافعُ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((أمامكم حوضٌ كما بين جرباءَ وأذرُح)) (٧) ورواه مسلم بلفظ ((ما بين ناحيتيهِ كما بين جَرْباءَ وأذرُح)) (٨) وزاد في رواية ((فيه أباريق كنجوم السماءِ، مَنْ ورده فشرب منه لا يظمأ بعدها أبداً)) (٩) زاد في أخرى: قال عبيد الله ((فسألته فقال: قريتين بالشَّامِ بينهما مسيرةُ ثلاث ليال)) (١٠).

стр. 2042

وأما عن حارثة بن وهب فقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عليُّ بنُ عبدالله حدثنا حرمي بنُ عمارة حدثنا شعبة عن معبد بن خالد أِنِّه سمع حرثة بن وهب ﵁ يقول: ((سمعتُ النبي ﷺ وذكر الحوض فقال: كما بين المدينةِ وصنعاءَ)) (١). وزاد ابن أبي عدي عن شعبة عن معبد بن خالد عن حارثه سمع النبي ﷺ قوله: ((حَوْضه ما بين صنعاءَ والمدينة)) فقال له المستورد: ((ألم تسمعْهُ قال الأواني؟ قال لا. قال المستورد: تُرى فيه الآنيةُ مثل الكواكب)) (٢). ورواه مسلم بهذا اللفظ (٣). وأما عن جندب بن عبدالله فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا عبدان أخبرني أبي عن شُعبة عن عبد الملك قال: سمعتُ جنْدَباً قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول ((أَنَا فَرَطُكُمْ على الحوض)) (٤). ورواه مسلم هكذا. (٥). وأما عن سهل بن سعد فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريم حدثنا محمد بن مطوف حدثني أبو حازم عن حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ ((إنِّي فرطُكُم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومَنْ شربَ لم يظمأ أبداً. لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني ثمَّ يحالُ بيني وبينهم)) (٦) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عيَّاش فقال: هكذا سمعت مِنْ سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ هو يزيدُ فيها ((فأقول إنَّهم مِنِّي، فيقالُ: إنَّك لا تدري ما أحْدَثُوا بعدك، فأقول سُحْقاً سُحقاُ لمن غير بعدي)) (٧) ورواه مسلم وفيه: ((لمن بدل بعدي)) (٨) وأما عن عائشة فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا خالدُ بن يزيد الكاهليَ حدثنا إسرائيلُ عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عَنْ عائشة ﵂ قال: سألتُها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] قالت: ((نهْرٌ أعطيهِ نبيّكُم ﷺ شاطئاهُ عليه دُرٌّ مجوَّفٌ آنيته كعدد النجوم)) (٩) وقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثنا ابن أبي عمر حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خُثيم عن عبدالله بن عبيد الله بن أبي مُليكة أنَّه سمع عائشة ﵂ تقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه ((إنِّي على الحوض أنتظرُ مَنْ يردُ عليَّ منكم، فوالله ليقتطعنَّ دوني رجالٌ فلأقولنَّ أي ربِّ منِّي ومن أُمَّتِي، فيقول: إنَّك لا تدري ما عملوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم)) (١٠)

стр. 2043

وأما عن عقبة بن عامر فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا عمرو بن خالد حدثنا الليثُ عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة ﵁ أنَّ النبي ﷺ خرج يوماً فصلَّى على أهل أُحُدٍ صلاته على الميِّتِ، ثم انصرف على المنبر فقال: ((إنّي فرطٌ لكم وأنا شهيدٌ عليكم، وإنِّي والله لأنظُرُ إلى حوضي الآن وإنِّي أعطيت مفاتيح خزائن الأرض – أو مفاتيح الأرض – وإنِّي والله ما أخاف أن تُشْرِكُوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنْ تنافسوا فيها)) (١) ورواه مسلم بهذا اللفظ (٢)، وبلفظ وصلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على قتلى أُحُدٍ، ثم صعد المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات فقال: ((إنِّي فرطُكُم على الحوض، وإنَّ عرضه كما بين أيلة إلى الجُحفة. إنِّي لستُ أخشى عليكم أنْ تشركوا بعدي، ولكنِّي أخشى عليكم الدنيا أنْ تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم)). قال عقبة: وكانت آخر ما رأيت رسولَ الله ﷺ على المنبر (٣). وأمَّا عن عبدالله بن مسعود فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا يحيى بن حمَّاد حدَّثنا أبو عوانة عن سليمان عن شقيق عن عبدالله ﵁ عَنِ النبي ﷺ ((أنا فرطُكُمْ على الحوضِ)) (٤). وحدثني عمرو بن علي حدَّثنا محمدُ بن جعفر حدَّثنا شُعبةُ عن المغيرة قال سمعتُ أبا وائل عن عبدالله ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال ((أنا فرطُكُم على الحوض، وليُرْفَعَنَّ رجالٌ منكم ثم لَيُختلَجُنَّ دوني فأقول يا ربِّ: أصحابي، فيقال إنَّك لا تدري ما أحْدثوا بعدك)) تابعه عاصم عن أبي وائل، وقال حصين عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي ﷺ (٥). وروى مسلم حديث ابن مسعود بلفظ قال: قال رسول الله ﷺ ((أنا فَرَطُكُم على الحوض ولأُنازعنَّ أقواماً ثم لأُغلبَنَّ عليهم فأقولُ: يا ربِّ أصحابي أصحابي فيقالُ: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) (٦). وأشار إلى حديث حذيفة بنحو رواية الأعمش ومغيرة. وأما عن أبي هريرة فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر الحزامي حدَّثنا محمدُ بن فليح حدثنا أبي قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ((بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرجَ رجلٌ من بيني وبينهم فقال هلمَّ، فقلت إلى أين؟ قال إلى النَّار واللهِ، قلت وما شأنهم، قال إنهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرجَ رجلٌ من بيني وبينهم قال هلمَّ، قلت إلى أين؟ قال إلى النَّار واللهِ، قلت ما شأنهم، قال إنهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراهُ يخلصُ منهم إلا مثل همل النِّعم)) (٧). وله عنه أنه كان يحدِّث أنَّ رسول الله ﷺ قال ((يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيحلأون عن الحوض فأقولُ يا ربِّ أصحابي، فيقولُ إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري)) (٨). وله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)) (٩)

стр. 2044

وقال مسلمٌ رحمه الله تعالى: حدَّثنا عبدالرحمن بن سلامٍ الجمحي حدَّثنا الربيع يعني ابن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيّ ﷺ قال ((لأذودنَّ عن حوضي رجالاً كما تذادُ الغريبة من الإبل)) (١) وله عن أبي حاتم عنه ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال ((إِنَّ حوضي أبعد من أيلة من عدنٍ، لهو أشدُّ بياضاً من الثلج وأحلى من العسل باللَّبن، ولآنيتُهُ أكثر من عدد النجوم، وإنِّي لأصدُّ الناس عنه كما يصدُّ الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا يا رسولَ اللهِ أتعرفنا يومئذٍ. قال: نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم، تردون عليَّ غُرَّاً محجَّلين من أثر الوضوء)) (٢) وأما عن عبدالله بن عمرو بن العاص فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم حدَّثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قال عبدالله بن عمرو قال النبي ﷺ ((حَوْضي مسيرةُ شهرٍ ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبداً)) (٣)، ورواه مسلم بلفظ: ((حوضي مسيرة شهرٍ وزواياه سواء وماؤُه أبيض من الورِقِ وريحُهُ أطيبُ من المسك وكيزانه كنجوم السماءِ، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً)) (٤). وأما عن ابن عباس فهو ما تقدم في أول الباب، وروى ابنُ جرير عن سعيد بن جبير عنه ﵁ قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنَّة حافَّتاه من ذهبٍ وفضةٍ يجري على الياقوت والدُرَّ ماؤُه أبيض من الثلج وأحلى من العسل (٥). وله عن عطاء بن السائب قال قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدَّثنا عن ابن عباس: أنه الخير الكثير، فقال صدق والله إنه للخير الكثير، ولكن حدَّثنا ابن عمر قال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] قال رسول الله ﷺ : ((الكوثر نهرٌ في الجنَّة حافَّتاه من ذهبٍ يجري على الدر والياقوت)) (٦). وأما عن أسماء فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريم عن نافع بن عمر، قال حدثني بن أبي مليكة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : ((إنِّي على الحوض حتى أنظر من يردُ عليَّ منكم، وسيؤْخذ ناسٌ دوني فأقول: يا ربِّ مِنِّي ومن أُمَّتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك واللهِ ما برحوا يرجعون على أعقابهم)). وكان ابن أبي مليكة يقول ((اللَّهُمَّ إنَّا نعوذ بك أَنْ نرجع على أعقابنا أو نُفتن عن ديننا)) (٧) ورواه مسلم بسند حديث عبدالله بن عمرو متصلا بمتنه ولفظه كلفظ البخاري (٨).

стр. 2045

وأما عن ثوبان فقال مسلمٌ رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو غسان المسمعيُّ ومحمد بن المثنى وابنُ بشار وألفاظهم متقاربة قالوا: حدَّثنا معاذُ وهو ابنُ هشام حدَّثني أبي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمريُّ عن ثوبان ﵁ أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: ((إِنِّي لَبِعُقْرِ حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم، فسئل عن عرضه فقال: من مقامي إلى عمّان، وسُئل عن شرابه فقال: أشدُّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدَّانه من الجنة أحدهما من ذهبٍ والآخر من ورق)) (١). وقال الترمذي رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا يحيى بن صالح أنبأنا محمدُ بن مهاجر عن العباس عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد فلمَّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين لقد شقَّ عليَّ مركبي البريد. فقال: يا أبا سلاّم ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدِّثه عن ثوبان عن النَّبيّ ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به، قال أبو سلام: حدَّثني ثوبانُ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال ((حوضي من عدن إلى عمَّان البلقاءِ، ماؤُه أشدُّ بياضاً من اللبن وأَحْلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً، أوَّل الناس وروداً عليه فقراء المهاجرين، الشُّعث رؤوساً الدُّنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم السدد)) قال عمر: لكنِّي نكحت المتنعمات وفتحت لي السدد، ونكحت فاطمة بنت عبد الملك، لا جرم إِنِّي لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ (٢). ورواه ابن ماجه بلفظ ((إنَّ حوضي ما بين عدنٍ إلى أيلة أشدُّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، أكاويبه كعدد نجوم السماء، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً)) الحديث وفيه قال: فبكى عمر حتى اخضلت لحيته. وفيه ((ولا أدهن رأسي حتى يشعث)) (٣). وأما عن أبي ذر فقال مسلمٌ رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن أبي شيبة، قال إسحاق أخبرنا - وقال الآخران حدثنا - عبد العزيز بن عبد الصمد العميّ عن أبي عمران الجوني عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال: ((قلتُ يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمدٍ بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخُب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ. عرضه مثل طوله ما بين عمَّان إلى أيْلة ماؤُه أشدُّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل)) (٤) رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال: حسن صحيح غريب (٥).

стр. 2046

وأمَّا عن أم سلمة ﵂ فقال مسلمُ بن الحجاج: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفيُّ أخبرني عبدالله بن وهب أخبرني عمرو وهو ابن الحارث أنَّ بكيراً حدَّثه عن القاسم بن عباس الهاشمي عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أُمِّ سلمة زوج النبي ﷺ أنَّها قالت: ((كُنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله ﷺ ، فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشُطني فسمعت رسول الله ﷺ يقول: أيُّها الناس. فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنَّما دعا الرجال ولم يدع النساء. فقلت: إنِّي من الناس. فقال رسولُ الله ﷺ : إِنِّي لكم فرطٌ على الحوض، فإيَّاي لا يأْتينَّ أحدكم فيذبُّ عني كما يذبُّ البعير الضال، فأقول فيم هذا؟ فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً)) (١). وأما عن جابر بن سمرة فقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثني الوليد بن شجاع بن الوليد السَّكوني حدثني أبي رحمه الله تعالى: حدَّثني زياد بن خيثمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة عن رسولِ الله ﷺ قال: ((ألا إِنِّي فرطٌ لكم على الحوض، وإِنَّ بُعْدَ ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأَيلة، كأَنَّ الأباريق فيه النجوم)) (٢). وأَمَّا عن زيد بن أرقم فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا حفص بن عمر النمري حدَّثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: ((كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ فنزلنا منزلاً فقال: ما أنتم بجزءٍ من مائة ألف جزءٍ ممَّن يرد عليَّ الحوض. قال قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة)) (٣). وأما عن سمرة بن جندب فقال الترمذيُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا أحمد بنُ نيزك البغداديُّ أنبأنا محمد بكَّار الدمشقي أنبأنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن بن سمرة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضاً وإِنَّهم يتباهون أَيُّهم أكثر وارده، وإِنِّي أرجو أن أكون أكثرهم وارده)) (٤). وقال ابن ماجه رحمه الله تعالى: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن أبي مالك سعدِ بن طارق عن ربعيِّ عن حذيفة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ((إِنَّ حوضي لأبعد من أيلة إلى عدنٍ، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، ولهو أشدُّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، والذي نفسي بيده إِنِّي لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه. قيل: يا رسول الله أتعرفنا؟ قال: نعم تردون عليَّ غُرّاً محجَّلين من أَثر الوضوء، ليست لأحدٍ غيركم)) (٥). ورواه مسلم في الطهارة بهذا اللفظ وبهذا السند (٦).

стр. 2047

وأما عن أبي برزة فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم حدَّثنا عبد السلام بن أبي حازم أبو طالوت قال: شهدتُ أبا برزة دخل على عبيدِ الله بن زيادٍ فحدَّثني فلانٌ سماه مسلم وكان في السِّماط فلما رآه عبيدُ اللهِ قال إِنَّ محمديكم هذا لدحداح، ففهمها الشيخ فقال: ما كنت أحسب أَنِّي أبقى في قومٍ يعيروني بصحبةِ محمَّدٍ ﷺ ، فقال له عبيد الله: إِنَّ صحبة محمدٍ ﷺ لك زين غير شين، ثم قال: إِنَّما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يذكر فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة: نعم لا مرَّة ولا اثنتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً ولا خمساً، فمن كذب به فلا سقاهُ الله منه، ثم خرج مغضباً (١). وأما حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ فقال ابن ماجه رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا محمد بنُ بشرٍ حدَّثنا زكريا حدَّثنا عطية عن أبي سعيد الخدري أَن النَّبيّ ﷺ قال: ((إِنَّ لي حوضاً ما بين الكعبة وبيت المقدس أبيض من اللبن آنيته عدد النجوم، وإِنِّي لأكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة)) (٢). وأما عن عبدالله بن زيد فرواه البخاري ومسلم عنه مطولاً في قصة قسم غنائم حنين، وفي آخره قوله ﷺ للأنصار ﵃: ((إنَّكم ستلقوْنَ بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلْقَوْنِي على الحوض)) (٣) وأما عن أسامة بن زيد فقال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدَّثني البرني حدَّثنا ابن أبي مريم حدَّثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير أخبرني حرامُ بنُ عثمان عن عبدالرحمن الأعرج عن أسامة بن زيد: ((أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى حمزة بن عبد المطلب فلم يجده فسأل عنه امرأته وكانت من بني النجار فقالت: خرج يا نبيَّ الله عامداً نحوك، فأظنُّه أخطأك في بعض أزقة بني النجار. أوَلا تدخل يا رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حيساً فأكل منه، فقالت: يا رسولَ الله هنيئاً لك ومريئاً، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك لأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة أنَّك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر. فقال: أجل وعرضه – يعني أرضه – ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ)) (٤). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: حرام بنُ عثمان ضعيف، ولكن هذا سياق حسن، وقد صحّ أصل هذا بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث (٥).اهـ. قلت: وقد ذكرنا منها ما تيسر. وفي الباب عدة أحاديث غير ما ذكرنا، ولمن ذكرنا من الصحابة أحاديث أخر لم نذكرها، ولهم روايات في الأصول التي عزونا إليها غير ما سقناه، وإنما أشرنا إشارة إلى بعضها لتعرف شهرة هذا الباب واستفاضته وتواتره مع الإيجاز والاختصار. ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٠٤٧

стр. 2048

وقد أورد القرطبي في (التذكرة) بعض الأحاديث التي سقناها ثم قال: قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون. وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع. ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا يكون نور الوضوء يعرفون به، ثم يقال لهم: سحقاً، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف لهم الغطاء فيقال لهم: سحقاً سحقاً، ولا يخلد في النار إلا كل جاحد مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٦٢ وقال الجلال السيوطي في كتابه (البدور السافرة) (١): (قد ورد ذكر الحوض من رواية بضع وخمسين صحابياً منهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وأنس، والبراء بن عازب، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة). وذكر بقيتهم. قال في (التذكرة) (٢): (ذهب صاحب (القوت) إلى أن الحوض بعد الصراط والصحيح أنه قبله). وهكذا قال الغزالي: (ذهب بعض السلف إلى أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله). قال القرطبي: (والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط, فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم كما تقدم فناسب تقديمه). قال ابن عباس ﵄: ((سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين: هل فيه ماء؟ قال: إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈) (٣). وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً)) (٤) وفي رواية: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق)) (٥). وهي عندهما أيضاً.

стр. 2049

وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح، وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله وعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب)) فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب. فقال رسول الله ﷺ : ((قد وعدني سبعين ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً، وزادني ثلاث حثيات)). قال: فما سعة حوضك يا رسول الله؟ قال: ((كما بين عدن إلى عُمَان، وأوسع وأوسع)) يشير بيده قال: ((فيه مثعبان)) بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء قاله الحافظ المنذري: ((من ذهب)) أي ذلك المثعبان من ذهب: ((وفضة)) قال: فما حوضك يا نبي الله؟ قال: ((أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، ولم يسود وجهه أبداً)) (١). وأخرج مسلم عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إني لبعقر حوضي)) أي: مؤخره وهو بضم العين إسكان القاف ((أذود الناس لأهل اليمن)) أي: أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن قاله ابن المنذر ((أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم)) فسئل عن عرضه؟ فقال: ((من مقامي إلى عمان)). وسئل عن شرابه؟ فقال: ((أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل يغت)) أي: بغين معجمة مضمومة ثم مثناة فوق أي: يجريان ((فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق)) (٢). وروى الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إلي عمر بن عبد العزيز, فحملت على البريد فلما دخلت إليه قلت: يا أمير المؤمنين لقد شق علي مركبي البريد فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك, ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به فقلت: حدثني ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: ((حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء, ماؤه أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أول الناس وروداً عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوساً)) أي: البعيد عهداً بدهن رأسه، وغسله، وتسريح شعره. ((الدنس ثيابا)) أي: الوسخ ثياباً وهو بضم الدال والنون جمع دنس. ((الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم الأبواب السدد)). فقال عمر: قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك، وفتحت لي الأبواب السدد, ولا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ (٣).

стр. 2050

وأخرج الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((حوضي كما بين عدن وعمان, أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك, أكوابه مثل نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أول الناس عليه وروداً صعاليك المهاجرين)). قال قائل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الشعثة رؤوسهم الشحبة)) أي: بفتح الشين المعجمة وكسر المهملة بعدها موحدة: المتغيرة ((وجوههم)) وذلك من جوع, أو هزال, أو تعب ((الدنسة ثيابهم)) أي: الوسخة ثيابهم ((لا تفتح لهم السدد)) أي: الأبواب المغلقة وذلك لإهانتهم عند الناس, وعدم اكتراثهم بهم ((ولا ينكحون المنعمات, الذين يعطون كل الذي عليهم, ولا يأخذون كل الذي لهم)) (١). وعند الطبراني بإسناد حسن في المتابعات عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((حوضي كما بين عدن وعمان فيه أكاويب)) جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له. فإذا كان له خرطوم فهو إبريق. ((عدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا)) (٢) الحديث. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة)) وفي رواية: ((مثل المدينة وعمان)). وفي رواية ((فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء)). زاد في رواية: ((وأكثر من عدد نجوم السماء)) رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما (٣). وفي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينا أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. قال: فضرب الملك فإذا طينه مسك أذفر)) (٤) وفي صحيح مسلم عنه مرفوعاً: ((الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي ) (٥). وفي (حادي الأرواح) للإمام المحقق ابن القيم قدس الله روحه: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((دخلت الجنة فإذا بنهر يجري، حافتاه خيام اللؤلؤ, فضربت بيدي إلى ما يجري فيه من الماء, فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ) (٦).

стр. 2051

وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج)) قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). تنبيه: قال في (التذكرة) (٢): (الصحيح أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما: في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثراً والكوثر في كلام العرب الخير الكثير). قال الجلال السيوطي (٣): (وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط, ورجحه القاضي عياض) قال السيوطي: (فإن قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتج إلى الشرب منه. قلت: كلا بل هم محبوسون هناك لأجل المظالم فكان الشرب في موقف القصاص. ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب حتى يهذبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى.) انتهى. قال العلامة في (البهجة): (هذا كلام في غاية التحقيق جامع للقولين وهو دقيق). انتهى. قال القرطبي في (التذكرة) (٤): (ولا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن هذا الحوض يكون على وجه هذه الأرض, وإنما يكون وجوده على الأرض المبدلة على مسافات هذه الأقطار، وفي المواضع التي تكون بدلاً من هذه المواضع في هذه الأرض، وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط كما تقدم). لطيفة: أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود ﵁: (يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط, فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقا لله أسقاه الله، ومن عمل لله أغناه الله، ومن عفا لله أعفاه الله) (٥). وأخرج ابن خزيمة، والبيهقي عن سلمان مرفوعاً: ((من يسقي صائماً لله سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة)) (٦). وأخرج الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من أتاه أخوه منتصلاً-أي: معتذراً- فليقبل ذلك منه محقاً كان ذلك أو مبطلاً, فإن لم يفعل لم يرد الحوض)). وأخرج الطبراني عن أم المؤمنين عائشة ﵂ مرفوعا: ((من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد على الحوض)) (٧). تنبيه: قال القرطبي: (ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف). قال: (وليس كذلك وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطباً لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهل الشام: ما بين أدرج وحرباء، ولأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن. وتارة يقدر بالزمان فيقول: مسيرة شهر والمقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا وكان ذلك التحديد بحسب من (حضره) ممن يعرف تلك الجهات فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها) انتهى. وسيأتي للكلام على الحوض تتمة في صفات الجنة إن شاء الله تعالى. تتمة: اعلم أن لكل نبي حوضاً كما ورد ذلك في الأخبار، والأحاديث، والآثار، فقد أخرج الترمذي عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارداً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً)) (٨) قال الترمذي: حديث حسن غريب ...... وفي حديث ابن عباس ﵄: (وإن أولياء الله ليردون إلى حياض الأنبياء) (٩) (١٠). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف– ٢/ ٨٨٧

стр. 2052

المبحث الثاني: الإيمان بالحوض قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:٢ - ٣]، فالإيمان بالغيب هو أول صفة وصف الله بها عباده المؤمنين في كتابه الكريم. ولذلك كان الإيمان بالغيب من أسس العقيدة الإسلامية، ومن ركائزها المتينة، التي عليها تقوم وعلى أساسها ترتكز. والغيب كل ما غاب عنا, وأخبرنا به الله أو رسوله ﷺ , ومن ذلك الغيب الذي يجب أن نؤمن به الجنة والنار، والحساب والعقاب، والصراط والميزان، والشفاعة والحوض .... وغير ذلك من الأمور الغيبية. فالإيمان بحوض النبي ﷺ واجب، فقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة بلغت حد التواتر. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه. قال: (وحديثه متواتر النقل, رواه خلائق من الصحابة.) أ. هـ (١) قال الحافظ رحمه الله تعالى: بعد ما ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض: (فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفساً، وزاد عليه النووي ثلاثة، وزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء فزادت العدة على الخمسين). قال: (ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد, كأبي هريرة, وأنس, وابن عباس, وأبي سعيد, وعبدالله بن عمرو. قال: (وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض، وفي صفته بعضها, وفيمن يرد عليه بعضها، وفيمن يدفع عنه بعضها) قال: (وبلغني أن بعض المتأخرين وصلها إلى رواية ثمانين صحابياً) أهـ (٢) تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي – ص ٥

стр. 2053

المبحث الثالث: أقوال علماء الإسلام في إثبات الحوض قال السفاريني: (والحوض والكوثر ثابت بالنص وإجماع أهل السنة والجماعة حتى عده أهل السنة في العقائد الدينية لأجل الرد على أهل البدع والضلال) (١). وقد ذكر ابن كثير – ﵀ – عددا من الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض، فقال: ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي – سقانا الله منه يوم القيامة – من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتضافرة؛ وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة، القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف: ((من كذب بكرامة لم ينلها)) ثم شرع في ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض، ونذكر هنا أسماءهم إجمالا: ((أبي بن كعب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وحمزة بن عبد المطلب، والبراء بن عازب، ويزيد بن حبيب، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وجرير بن عبد الله البجلي، وحارثة ابن وهب، وحذيفة بن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد الله السلمي، وعثمان بن مظعون، والمستورد، وعقبة بن عامر الجهني، والنواس بن سمعان، وأبو أمامة الباهلي، وأبو برزة الأسلمي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وأبو هريرة الدوسي، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة، ﵃ أجمعين، امرأة حمزة عم الرسول ﷺ ,وهي من بني النجار راوية أبي كعب الأنصاري ﵁ (٢). ويقول ابن حجر ﵀: وقال القرطبي في (المفهم) – تبعا للقاضي عياض في غالبه؛ أي أغلب الكلام الآتي: - مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي؛ إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين منهم؛ في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين وأمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلم جرا، وأجمع على إثبات السلف وأهل السنة من الخلف. (٣). وقال القاضي عياض – ﵀ – فيما ينقله النووي: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه وقال القاضي: وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، ثم شرع في ذكر أسمائهم، قال النووي: وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات (٤). وكل تلك الروايات المتكاثرة تجعل المسلم يجزم دون أي تردد في إثبات الحوض، بل إن في بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا (٥). كما قال عياض – ﵀. وقد ذكر ابن حجر جميع من روى أحاديث الحوض وأماكن تلك الروايات ثم قال: فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفسا وزاد عليه النووي ثلاثة، وزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء، فزادت العدة على الخمسين، ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد كأبي هريرة وأنس وابن عباس وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو، وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض، وفي صفته بعضها، وفيمن يرد عليه بعضها، وفيمن يدفع عنه بعضها، وكذلك في الأحاديث التي أوردها المصنف – يعني البخاري – في هذا الباب، وجملة طرقها تسعة عشر طريقا، وبلغنى أن بعض المتأخرين أوصلها إلى رواية ثمانين صحابيا (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٤٢٧

стр. 2054

المطلب الأول: سعة حوض النبي ﷺ حوض النبي ﷺ مسيرة شهر بالراكب المسرع كما بين أيلة في الشام وصنعاء في اليمن, وعرضه كطوله يعنى مربعاً. ١ - فعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ وذكر الحوض فقال: ((كما بين المدينة وصنعاء)) (١) قلت: يعني طول الحوض كما بين المدينة المنورة وصنعاء التي في اليمن. ٢ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((أمامكم حوض كما بين جرباء وأذرح)) (٢) قلت: وجرباء وأذرح قريتان بالشام. ٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الإباريق كعدد نجوم السماء)) (٣). قلت: وأيلة مدينة كانت بجوار العقبة المعروفة الآن في الأردن. ٤ - وعن عبدالله بن عمرو ﵄ قال النبي ﷺ : ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن, وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبداً)) (٤). قلت: مسيرة شهر يعني للجواد المسرع. وفي رواية لمسلم: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء, وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك)) (٥). قلت: ومعنى زواياه سواء يعني عرضه كطوله (مربعاً) , وماؤه أبيض من الورق: يعني الفضة. ٥ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: ((صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: إني فرطكم على الحوض, وإن عرضه لما بين أيلة إلى الجحفة, إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها, وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم)) (٦). قال عقبة: (فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر). تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي – ص: ٨ - ١٠

стр. 2055

المطلب الثاني: لون ماء الحوض وريحه ١ - فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك)) (١) ما أجمل ماءه، وما أطيب ريحه، وكيف لا؟ وقد أعده الله ﵎ لحبيبه محمد ﷺ . ولكن ما طعم هذا الماء الذي أعده الله لنبيه ﷺ ؟ ٢ - فعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ماؤه أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل)) (٢). ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن، لهو أشد بياضاً من الثلج, وأحلى من العسل باللبن, ولآنيته أكثر من عدد النجوم)) (٣). ولكن من أين يأتي هذا الماء؟ وهل يمكن أن ينتهي؟ ٤ - فعن ثوبان ﵁: ((أن النبي ﷺ سئل عن شراب الحوض فقال: أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل, يغث فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق)) (٤). كيف ينتهي ماؤه والنهران يصبان فيه من الجنة؟ بل كيف ينتهي والذي أعده هو الله رب العالمين؟ لا والله لن ينتهي أبداً، سيظل مكرمة للنبي ﷺ . ولكن هل هذا الماء بارد أم ساخن؟ ٥ - فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((حوض كما بين عدن وعمّان, أبرد من الثلج, وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك)) (٥). تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي - بتصرف - ص١١ - ١٣

стр. 2056

المطلب الثالث: أباريق الحوض ١ - عن عبدالله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: ((حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبداً)) (١). كيزانه كنجوم السماء: يعني في الكثرة وقيل في اللون يعني تضئ وتلمع كنجوم السماء. ٢ - عن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال: ((حوضه ما بين صنعاء والمدينة)) فقال له المستورد: ألم تسمعه قال: الأواني! قال: لا, قال المستورد: (ترى فيه الآنية مثل الكوكب) (٢). ٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن قدر حوضي كما بين أيله وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء)) (٣). ٤ - وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إن أمامكم حوضاً كما بين جرباء وأذرح، فيه أباريق كنجوم السماء, من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبداً)) (٤). ٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: ((قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه, يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ, عرضه مثل طوله ما بين عمّان إلى أيله, ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل)) (٥). قوله: الليلة المظلمة يعني التي لا قمر فيها, لأن وجود القمر يستر كثيراً من النجوم, ورغم ذلك فإن السماء صافية، ونجومها ظاهرة, يشخب فيه ميزابان من الجنة: يصب فيه نهران من الجنة. ٦ - وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إني فرط لكم على الحوض, وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة, كأن الأباريق فيه النجوم)) (٦). ٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن لي حوضاً ما بين الكعبة وبيت المقدس, أبيض مثل اللبن, آنيته عدد النجوم, وإني لأكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة)) (٧). ٨ - وعن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن حوضي من عدن إلى عمّان البلقاء, ماؤه أشد بياضاً من اللبن, وأحلى من العسل, أكاويبه عدد النجوم, من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً)) (٨). ومن مجموع تلك الأحاديث يتبين لنا أن الحوض فيه كيزان كنجوم السماء, وفيه آنية كنجوم السماء, وفيه أباريق كعدد نجوم السماء, وفيه أكواب كنجوم السماء, كل هذا في حوض نبينا ﷺ , أعطاه الله إياه فضلاً منه ونعمة وشرفاً له وكرامة تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي – ص: ١٤ - ١٧

стр. 2057

المبحث الخامس: التفاضل في ورود الحوض وأما الحوض: فإن لكل نبي حوض كما في الحديث: ((إن لكل نبي حوضاً، وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة)) (١). وأحواض الأنبياء متفاضلة، وأفضلها حوض النبي ﷺ فهو أكثرهم وارداً، وقد جاء في صفته أنه مسيرة شهر, وأن زواياه سواء, وأن ماءه أبيض من اللبن, وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم الماء من شرب منه لم يظمأ أبداً (٢). وماء حوض نبياً ﷺ ((يشخب فيه ميزابان من الجنة)) (٣) كما قال ﷺ . وقد خص ﷺ عن الأنبياء بالكوثر كما قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]. والكوثر نهر في الجنة، قال ﷺ : ((بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك, فإذا طيبه – أو طينه - مسك أذفر)) (٤). شك من الراوي. وهذا من فضائله ﷺ . والمؤمنون يتفاضلون في ورود الحوض, فمنهم من يرده, ومنهم من يذاد عنه. قال ﷺ : ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم, وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك, والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) (٥). وقال ﷺ : ((إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم)) (٦). وهذه فضيلة لأهل اليمن, وكرامة أن يدفع النبي ﷺ الناس عن حوضه حتى يشربوا هم ويتقدموا في الشرب (٧). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٤٠٢

стр. 2058

المطلب الأول: تعريف الكوثر لغة يطلق الكوثر في اللغة على عدة معان دائرة حول الكثرة والاتساع، ومن تعريفات أهل اللغة له ما قاله الأزهري: الكوثر فوعل من الكثرة، ومعناه الخير الكثير (١). وقال الفيروز آبادي: والكوثر: الكثير من كل شئ، والكثير الملتف من الغبار، والإسلام، والنبوة، والرجل الخير المعطاء، والسيد والنهر، ونهر في الجنة تتفجر منه جميع أنهارها (٢). وعرفه الراغب بقوله: قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي ﷺ ، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشئ: كثر كثرة متناهية، قال الشاعر: وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا (٣). وكل تعريفات أهل اللغة في مادة: كثر تدور حول معنى الكثرة والاتساع. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٤٩٣

стр. 2059

المطلب الثاني: تعريف الكوثر اصطلاحا أما تعريفه في الاصطلاح، فهو حسب مفهوم تعريفات العلماء له – على ضوء ما عرفه رسول الله ﷺ من أنه: نهر في الجنة، أعطاه الله نبيه محمد ﷺ زيادة في إكرامه ولطفه به وبأمته. وهو متصل بالحوض الذي هو في الموقف – كما أشرنا إلى ذلك في مبحث الحوض، وكما سيأتي إيضاحه أيضا. وقد فسر الكوثر بأنه نهر في الجنة، كما جاء في حديث أبي عبيدة عن عائشة ﵂ أنه قال: ((سألتها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١] قالت: هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم)) (١). فهذا الحديث نص في تفسير الكوثر بأنه النهر الذي أعطيه الرسول ﷺ ، على أنه قد جاء في رواية ابن عباس أنه فسر الكوثر تفسيرا عاما يندرج تحته الكوثر الذي هو النهر في الجنة وغيره، وذلك فيما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه) , قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٢) , وهذا جمع من سعيد بن جبير بين ابن عباس وعائشة وما في معناهما مما يدل على تفسير الكوثر بالنهر. قال ابن حجر: هذا تأويل من سعيد بن جبير بين حديثي عائشة وابن عباس، وكأن الناس الذين عناهم أبو بشر وأبو اسحاق وقتادة ونحوهما ممن روى ذلك صريحا أن الكوثر هو النهر (٣)، على أنه لا تعارض بين تفسير ابن عباس وتفسير عائشة للكوثر – كما ذكر ابن حجر العسقلاني – إذ إن حاصل ما قاله سعيد بن جبير أن قول غيره أن المراد به نهر في الجنة؛ لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير. ولعل سعيدا أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه؛ لأنه يشمل كل خير كثير مفرط؛ من علم وعمل وشرف الدارين، وهذا – وإن كان تأويلا حسنا – لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ من عدة طرق عن عدد من الصحابة، فلا معدل عنه؛ لثبوت ذلك وصحته عن الذي أنزل عليه الوحي (٤) .... وهناك أقوال لأهل العلم في بيان معنى الكوثر، هي في الواقع لا تخرج عن مضمون ما سبق، قال الشوكاني: (وذهب أكثر المفسرين – كما حكاه الواحدي – إلى أن الكوثر نهر في الجنة، وقيل: هو حوض النبي ﷺ في الموقف، قاله عطاء، وقال عكرمة،: الكوثر النبوة، وقال الحسن: هو القرآن، وقال الحسن بن الفضل: هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقال أبوبكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأمة، وقال ابن كيسان: هو الإيثار، وقيل: هو الإسلام، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: نور القلب، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات، وقيل: إجابة الدعوة، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس) (٥). وذكر السيوطي عن مجاهد ﵁ قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة (٦)، فهذا الأقوال لا ينافي بعضها بعضا؛ إذ أنها تشترك في إثبات أن خيرا خص الله نبيه محمدا ﷺ إكراما وتشريفا له، وهذا يصدق على كل ما قيل في ذلك، أما القول الأول؛ وهو أن الكوثر نهر في الجنة، فهذا هو الراجح في بيان معناه والذي تشهد له النصوص كما أشرنا إليه.

стр. 2060

وأما القول الثاني: وهو أن الكوثر هو نفس الحوض الذي وعد به نبينا محمد ﷺ فهو من باب تغليب التسمية باعتبار ما يصب فيه من الكوثر الذي هو داخل الجنة – كما سيأتي في وجه الاتصال بينهما، وأما الأقوال الأخرى فإنها كلها تهدف إلى إثبات خير أوتيه نبينا ﷺ ، وكلها تدخل في تعريف من عرف الكوثر بأنه الخير الكثير، وإن كان في تلك الصفات ما يختص به وحده ومنها ما يشركه فيها من الأنبياء والرسل وأتباعهم كالشفاعة مثلا. وفي هذا يقول الخازن في تفسيره: فجميع ما جاء في تفسير الكوثر فقد أعطيه النبي ﷺ ؛ أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والإسلام وإظهاره على الأديان كلها والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه وبعده إلى يوم القيامة. وأولى الأقاويل في الكوثر الذي عليه جمهور العلماء أنه نهر في الجنة (١). وقال النيسابوري: قال أهل المعنى: ولعله إنما سمي كوثرا لأنه أكثر أنهار الجنة ماء أو خيرا، ولأن أنهار الجنة تتفجر منه (٢). ويقول ابن حجر: والكوثر فوعل من الكثرة، سمي بها لكثرة مائه وآنيته وعظم قدره وخيره (٣). وقد ذكر النيسابوري إضافة إلى ما سبق من الأقوال قولين يبدو عليهما أثر التكلف؛ مثل القول بأن المراد بالكوثر هم أولاد الرسول ﷺ ، أي أولاد ابنته فاطمة، أو هم علماء أمته (٤). وهما وإن كانا داخلين في عموم لفظ الكوثر بمعناه اللغوي إلا أنهما لا دليل عليهما. الحياة الآخرة لغالب عواجي - بتصرف- ٢/ ١٤٩٦

стр. 2061

المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم: جاء في كتاب الله الامتنان على نبي الله محمد ﷺ بما حباه به ربه من إعطائه الكوثر، فقال مبشرا له: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر: ١ - ٣]. فهذه الآية الكريمة صريحة في ثبوت الكوثر، لكنها لم تحدد موقعه. ولكن جاءت السنة النبوية فوضحت ذلك، وأنه نهر في الجنة. وهذا ما نتبينه في الأدلة الآتية من السنة النبوية.

стр. 2062

المطلب الثاني: الأدلة من السنة: أخرج عن أبي عبيدة عن عائشة ﵂ قال سألتها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]، فقالت: ((هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ وشاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم)) (١). وعن أنس ﵁ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: ((أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر)) (٢) وفي رواية أخرى للبخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا - طينه – أو طيبه – مسك أذفر)) (٣). وهذه الرؤية حصلت ليلة الإسراء. وعن أنس ﵁ قال: ((بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة (٤). ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفا (٥). سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر: ١ - ٣] (٦). ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ (٧) فقلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج (٨) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ماتدري ما أحدثت بعدك)) , زاد ابن حجر في حديثه ((بين أظهرنا في المسجد ... وقال: ما أحدث بعدك)) (٩) والقائل له هذا القول: يحتمل أن يكون من الملائكة ويحتمل أن يكون الله تعالى (١٠). ولعل هذا الحديث إنما يتوجه إلى الحوض الذي هو خارج الجنة، بدليل ما يقع فيه من اختلاج أقوام ومنعهم من الشرب منه؛ إذ لو كان المراد النهر الذي هو داخل الجنة لما حصل المنع والاختلاج، وأما تسميته بالكوثر؛ فإن ذلك يرجع على ملاحظة أن ماء الحوض إنما هو من الكوثر حيث يمد بواسطة ميزابين. ولهذا فإن الداودي استشكل ما جاء من أخبار الرسول ﷺ بأن نهر الكوثر داخل الجنة بقوله ﵊: ((بينما أنا أسير في الجنة إذ بنهر ... )) إلخ. الحديث (١١) وبين ما جاء في طرد أناس واختلاجهم عنه بعدما يراهم ويناديهم ومعلوم أن تلك الرؤية له ﷺ حصلت في الإسراء، فظن الداودي – كما يذكر ابن حجر – أن هذا يكون في يوم القيامة لأنه قال: إن كان هذا محفوظا دل على أن الحوض الذي يدفع عنه أقوام غير النهر الذي في الجنة، ويكون يراهم وهو داخل الجنة وهم من خارجها، فيناديهم فيصرفون عنه. قال ابن حجر معلقا على هذا القول: (وهو تكلف عجيب يغني عنه أن الحوض الذي هو خارج الجنة يمد من النهر الذي هو داخل الجنة فلا إشكال أصلا) (١٢). وقد جاء التصريح كذلك بأنه نهر في الجنة في رواية الإمام أحمد، وقد ذكرها بما تقدم عند مسلم بزيادة قال: ((هو نهر أعطانيه ربي في الجنة)) الحديث (١٣).

стр. 2063

وقد قال النووي في شرحه للحديث: والكوثر هنا نهر في الجنة – كما فسره النبي ﷺ ، وهو في موضع آخر عبارة عن الخير الكثير (١). وعن المختار بن فلفل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة بنحو حديث ابن مسهر – أي السابق – غير إنه قال: ((نهر وعدنيه ربي في الجنة وعليه الحوض))، ولم يذكر آنيته عدد النجوم (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكوثر نهر من الجنة حافتاه من ذهب، مجراه على الياقوت والدر، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأشد بياضا من الثلج)) (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ فقال: ذاك نهر أعطانيه الله)) – يعنى في الجنة – ((أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر (٤). قال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله ﷺ : أكلتها أنعم منها)) (٥). وأخرج الطبري عن أنس أن القائل ((إنها لناعمة)) هو أبو بكر ﵁ (٦).، وأخرج أيضا رواية أخرى أن القائل هو عمر (٧). ولا منافاة في هذا فيمكن أن يكون كل منهما قد قال هذا القول، ولامانع من حصول هذا والله أعلم. وفي رواية الإمام أحمد: ((أكلتها أنعم منها)) (٨) وعند الطبري: ((آكلها أنعم منها)) (٩). ففي الأولى جاء الوصف لبيان لذة أكلها، وفي الثانية جاء الوصف لبيان نعومة آكلها، وفي كلتا الحالتين فالأمر لا يختلف؛ فإن أكلها ناعم ولذيذ وآكلها كذلك ناعم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، أكوابه مثل نجوم السماء، من شرب شربة لم يظمأ بعدها، أول الناس ورودا علي صعاليك المهاجرين. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الشعثة رؤوسهم والنحيفة وجوهم والدنسة ثيابهم، لا تفتح لهم السدد ولا ينكحون المنعمات والذين يعطون كل الذي عليهم، ولا يأخذون كل الذي لهم)) (١٠) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٥٠١

стр. 2064

المبحث الثالث: تسمية الكوثر بالحوض والحوض بالكوثر وبيان وجه الاتصال بينهما فسر الرسول ﷺ الكوثر بأنه: نهر في الجنة من أنهارها، وأخبر عن الحوض بما يدل على أنه في الموقف في عرصات القيامة، وأخبر عن وجه الاتصال بينهما بأن ذلك يتم بواسطة ميزابين يجريان من الكوثر إلى الحوض، ولكن وقع خلاف بين العلماء في إطلاق بعض العلماء التسمية على الحوض أنه الكوثر؟ واستدل لإثباته من القرآن الكريم بسورة الكوثر. والجواب عن ذلك: أن تفسير الكوثر بأنه نهر في الجنة هو ما أخبر به الرسول ﷺ كما تقدمت أدلة ذلك، وعلى هذا الرأي كثير من العلماء، ومنهم: الإمام الطبري، حيث قال – بعد أن ذكر أقوال العلماء في معنى الكوثر: أولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله ﷺ في الجنة؛ وصفه الله بالكثرة لعظم قدره (١).ومنهم الشوكاني، فهو بعد أن أورد بعض الأحاديث التي تثبت الكوثر بأنه نهر في الجنة قال: فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة فيتعين المصير إليها وعدم التعويل على غيرها (٢). وليس معنى هذا أن يغفل اتصال الكوثر بالحوض، فإن اتصالهما أمر معلوم كما ورد. وأما الذين أطلقوا تسمية الكوثر على الحوض فهو من باب تغليب الأصل على الفرع ووقد أصبح معلوما أن موقع الحوض غير موقع الكوثر، وتسمية الحوض – بغض النظر عن اتصاله بالكوثر – غير الكوثر، ولكن الإيراد يأتي على من فسر الكوثر بالحوض وحيث غلب الفرع على الأصل، مثلما كان يفسر عطاء الكوثر لمن يسأله عنه بالحوض الذي يكثر الناس عليه، أي حوض نبينا ﷺ (٣). وكذلك ما يذكره صاحب النشر الطيب أن الكوثر هو الحوض، وأن هذا هو قول الجمهور، وذلك في قوله: اختلف في تفسير الكوثر على أقوال: الأول أنه الحوض، وصححه ابن جزي وعليه الجمهور، لظاهر هذا الحديث – يعني به حديث أنس في وصف الكوثر والطير التي ترد عليه، ولما في الصحيحين عن أنس عنه ﷺ حين أنزلت عليه سورة الكوثر: ((أتدرون ما الكوثر؟)) (٤). إلخ الحديث ومثله ما ذكره عاشور في كتابه: نعيم الجنة من أن الكوثر هو حوض النبي ﷺ ، وهو رأي الجمهور (٥). وأما حجتهم في تسمية الحوض بالكوثر فهو ما أشار إليه ابن حجر من أنهم تمسكوا بحديث المختار بن فلفل. قال ابن حجر: وجاء إطلاق الكوثر على الحوض في حديث المختار بن فلفل (٦). وقد قدمنا ذكر هذا الحديث وهو واضح في إطلاق الكوثر على الحوض لما فيه من الصفات التي تليق بالحوض، ولكن الرسول ﷺ حينما قال هذا لعله غلب تسمية الكوثر على الحوض مع مراعاة الفوارق بينهما. أما من ناحية وجه الاتصال بينهما حقيقة فهو ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه يشخب فيه ميزابان من الكوثر يمدانه. وقد صرح رسول الله ﷺ – كما في حديث ثوبان الذي قدمناه ذكره في باب الحوض – بالرابطة التي تربط بين الحوض والكوثر، وهو قوله ﷺ : ((يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق)) (٧) .. ومثل حديث ثوبان حديث آخر عن ابن مسعود، وفيه التصريح ببيان وجه الاتصال بين الحوض والكوثر أيضا، وهو حديث طويل نأخذ منه قوله ﷺ : ((ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض)) (٨) الحديث. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٥٠٩

стр. 2065

المبحث الأول: تعريف الجنة الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول ﷺ يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه. استمع إلى قوله ﵎ في الحديث القدسي ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) ثم قال الرسول ﷺ : ((اقرؤوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:١٧])) (١) وتظهر عظمة النعيم بمقارنته بمتاع الدنيا، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئاً. ففي (صحيح البخاري) عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) (٢) ولذا كان دخول الجنة والنجاة من النار في حكم الله وتقديره هو الفلاح العظيم، والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥]، وقال: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَناتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:٧٢]، وقال أيضا: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:١٣] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١١٧

стр. 2066

تمهيد: لا شك أن سعادة المؤمنين لا تعادلها سعادة عندما يساقون معززين مكرمين زمراً إلى جنات النعيم، حتى إذا ما وصلوا إليها فتحت أبوابها، واستقبلتهم الملائكة الكرام يهنئونهم بسلامة الوصول، بعدما عانوه من الكربات، وشاهدوه من الأهوال وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:٧٣]، أي طابت أعمالكم وأقوالكم وعقائدكم، فأصبحت نفوسكم زاكية، وقلوبكم طاهرة، فبذلك استحققتم الجنات. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص: ١١٩

стр. 2067

المطلب الأول: الشفاعة في دخول الجنة ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين عندما يطول عليهم الموقف في يوم الجزاء يطلبون من الأنبياء أن يستفتحوا لهم باب الجنة، فكلهم يمتنع ويتأبى، ويقول: لست لها حتى يبلغ الأمر نبينا محمد ﷺ فيشفع في ذلك، فيُشفّع، ففي (صحيح مسلم) عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون، حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك .. )). الحديث (١) وذكر فيه تدافع الأنبياء لها، حتى يأتون محمداً ﷺ ، فيؤذن لهم. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٠

стр. 2068

المطلب الثاني: تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهاراً أبراراً، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضاً بشيء. روى البخاري في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)) (١) ورسولنا ﷺ هو أول من يستفتح الجنة بعد أن يأبى أبو البشر آدم وأولوا العزم من الرسل التعرض لهذه المهمة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢١

стр. 2069

المطلب الثالث: الأوائل في دخول الجنة أن أول من يقرع باب الجنة رسول الله ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته. وأخرج الطبراني عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((آتي باب الجنة فأستفتح فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك, ولا أقوم لأحد بعدك)) (١) وذلك أن قيامه إليه ﷺ خاصة إظهار المرتبة ومرتبته، ولا يقوم في خدمة أحد بعده, بل خزنة الجنة دونه يقومون في خدمته، وهو كالملك عليهم, وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله، حتى مشى إليه وفتح الباب. وأخرجه مسلم في صحيحه عنه بلفظ: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا أول من يفتح له باب الجنة, إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتامي)) (٣). وفي الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ قال: ((جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه, فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون, فسمع حديثهم, فقال بعضهم: عجباً إن لله من خلقه خليلاً اتخذ الله إبراهيم خليلاً, وقال آخر: ماذا بأعجب من كلامه موسى كلمه تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه, وقال آخر: آدم اصطفاه الله, فخرج عليهم فسلم وقال: سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر)) (٤). قوله ﷺ : (ولا فخر) (٥) أي: ولا فخر أعظم من هذا الفخر. وقال بعضهم: وعندي أن معناه أني لا أقول ذلك افتخاراً واستكباراً بل على سبيل التنويه والتعريف والتذكر بنعم الله تعالى: قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]. فما قاله ﷺ من باب التحدث بالنعم. نكتة: لا بأس للعالم أن يذكر ما لديه من العلوم على سبيل التنويه ليقصد ويؤخذ عنه ذلك لا على سبيل الافتخار, فإن ذلك مزلة إلى النار, وبم يعجب العاقل وما لديه من العلم ليس من وسعه وقوته, وإنما هو من فضل مولاه ومنته والله أعلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد بيدي، ومفاتح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر, يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون)). رواه الترمذي، والبيهقي واللفظ له (٦).

стр. 2070

وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة)) (١). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم)) (٢) أي: لم يسبقونا إلا بهذا القدر. قال في (حادي الأرواح): (معنى (بيد) معنى سوى، وغير، وإلا ونحوها أي من أدوات الاستثناء فمعنى بيد أنهم أي: غير أنهم والله أعلم). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه)) (٣). وفي الصحيحين عنه مرفوعاً: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا, وأوتيناه من بعدهم)) (٤). وعند الدارقطني عن عمر بن الخطاب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي)) (٥). والحديث غريب كما نبه عليه الدارقطني، والحاصل أن هذه الأمة المشرفة أسبق الأمم خروجاً من الأرض، وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف, وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وإلى الجواز على الصراط، وإلى دخول الجنة, فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ﷺ ، ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي)) (٦). وقوله ﵁: (وددت أني كنت معك) حرص منه على زيادة اليقين, وأن يصير الخبر عياناً لا أنه ﵁ عنده شك في ذلك – معاذ الله – نظيره قول سيدنا إبراهيم ﷺ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]. ومن المعلوم أنه ليس الخبر كالعيان, وإن جزم بأن المخبر به واقع لا محالة. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠١٦
следующие страницы →