← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وأجيب: بأن أمهات المؤمنين أفضل من حيثية الزوجية لا من سائر الحيثيات (١). وهذا الجواب ضعيف؛ إذ أنه يحصر أفضلية الأمهات في حيثية الزوجية، والأحسن أن يقال: إن الآية عامة في فضل أمهات المؤمنين على سائر النساء، لكن تخرج فاطمة من ذلك العموم بالأدلة التي تدل على فضلها وسيادتها لنساء هذه الأمة. قال ﷺ لفاطمة ﵂: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة)) (٢). وبناء على هذا يكون أولى القولين بالصواب القول الثاني، على أن الألوسي حاول التوفيق بين القولين فأجاد حيث قال: (لأن فضل الجماعة على الجماعة يكون غالباً لفضل كل منها) (٣). وقد اجتهد المفسرون في استنباط العلة التي من أجلها فضلت نساء النبي ﷺ على بقية النساء، فمن ذلك ما قاله الرازي: (كما أن محمداً ليس كأحد من الرجال ... كذلك قرابته اللاتي يشرفن به، وبين الزوجين نوع من الكفاءة) (٤). ويشهد لكلام الرازي تصدير آيات التخيير بلفظ الزوجية. أما الطاهر ابن عاشور فله رأي آخر: (وسبب ذلك أنهن اتصلن بالنبي ﷺ اتصالاً أقرب من كل اتصال، وصرن أنيساته، ملازمات شؤونه فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرهن من أحواله وخلقه ... ويتخلقن بخلقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن؛ ولأن إقباله عليهن إقبال خاص، ألا ترى إلى قوله: ((حبب إلي من دنياكم ... ))) (٥). ولا مانع من صحة التعليلين، بل ويمكن أن يضاف إليها ما اتصفن به من صفات التقوى والإيمان وما تميزن به من تلقي تربية النبي ﷺ أكثر من بقية النساء. الفضيلة التاسعة: الوعد بقبول العمل: قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣]. يقول الألوسي: (والآية متضمنة الوعد منه تعالى لأهل بيت نبيه بأنهم إن ينتهوا عما ينهى عنه، ويأتمروا بما يأمرهم به؛ يذهب عنهم لا محالة مبادئ ما يستهجن، ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم وترتب الآثار الجميلة عليها قطعاً، ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من عداهم، من حيث إن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك) (٦). ويشهد لقوله ﵀ التعبير القرآني حيث أكد التطهير بالمصدر؛ ليعلم أنه في أعلى مراتب التطهير، بل وذكره في سياق الامتنان؛ لإفادة العموم ليشمل جل مراتب التطهير (٧). الفضيلة العاشرة: الاصطفاء الإلهي: قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٤]. لقد فطن المفسرون للحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين، إذ أن من المعلوم عند أهل العلم بالتفسير وثاقة الصلة بين الآية وما تختم به من أسماء كريمة (٨). إن ختم الآية بذكر الخبير لها دلالتها الواضحة على أن الله تعالى اختار لنبيه أزواجاً هن خير الأزواج، حيث اصطفى له سبحانه خير نساء العالمين. وكفى بذلك شرفاً وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]، وقد لحظ هذا المعنى أهل التفسير. قال الزمخشري تعليقاً على قوله تعالى: خَبِيرًا: (أي علم من يصلح لنبوته ومن يصلح لأن يكونوا أهل بيته) (٩).

стр. 3432

وقال ابن كثير: (بخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن به ... واختاركن لرسوله أزواجاً) (١). فليس الأمر إعطاء، بل تخصيص واختيار ولا ريب أن هذه تزكية إلهية ما بعدها تزكية، تدل على كمال صلاح وإيمان أمهات المؤمنين وتؤكد حقيقة اصطفاء أمهات المؤمنين على سائر النساء. وفي ختام هذا المطلب نقول: إن هذه الآيات الكريمات أظهرت لكل مسلم رفعة درجة أمهات المؤمنين، وعلو همتهن، وصحة مقصدهن باختيار الله ورسوله ﷺ ، كما أظهرت اصطفاءهن على نساء العالمين، وأن الله اختارهن لكمالهن زوجات لنبيه فلا يناسبه وهو الأكمل ﷺ إلا أكمل النساء. وهذا يستوجب على كل مسلم ومسلمة: تولي زوجات النبي ﷺ ، ومعرفة فضلهن وإحسان القول فيهن وسلامة اللسان تجاههن، والذب عنهن، والرد على منتقصهن، أو من يقلل من مكانتهن، بل وإظهار فضائلهن، ودراسة سيرتهن، ومعرفة أخبارهن وآدابهن وعبادتهن؛ فإنهن أعظم النساء تعلماً في مدرسة النبوة بل إن هناك أموراً عديدة من هديه ﷺ لا يمكن العلم بها إلا من طريقهن ﵅. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ١٤٥

стр. 3433

أولاً: فضل خديجة ﵂ هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يلتقي نسبها بنسب النبي ﷺ في الجد الخامس قصي بن كلاب، وهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي ﷺ في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة، وكانت أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، تزوجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة كانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي حليف بني عبد الدار، وبقيت مع النبي ﷺ إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، فهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان ﷺ يثني عليها ويفضلها على سائر نسائه ﵅ ويبالغ في تعظيمها، فلم يتزوج امرأة قبلها، وكل أولاده منها إلا إبراهيم ﵁ فإنه من سريته مارية ﵂ كما لم يتزوج ﷺ عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها ﵂ فكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنين (١). ولقد وردت الأحاديث الصحيحة في مناقبها ﵂ ومن ذلك: ١ - ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمرو قال ((كنت امرءاً تاجراً، وكنت صديقاً للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذا المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب. قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام)) (٢). في هذا الحديث منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة ﵂ حيث كانت في السابقين الأولين إلى الإسلام فهي أول من آمن به ﷺ من النساء. قال الحافظ ابن حجر: (ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن، لما ثبت ((أنه من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء)) (٣) وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله (٤). ٢ - ومن مناقبها التي انفردت بها دون سائر أمهات المؤمنين ﵅ أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت)) (٥).

стр. 3434

قال الحافظ ابن حجر: (وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين، لأنه ﷺ عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك. وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها) (١). ٣ - ومن مناقبها ﵂ التي تدل على شرفها وجلالة قدرها عند رسول الله ﷺ أنه كان يكثر من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وما يسرها في حياتها حيث يصل من يودها. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ((ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد)) (٢). وروى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ((ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها)) (٣). وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرت يوماً فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله بها خيراً منها قال: ما أبدلني الله خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء)) (٤). في هذه الأحاديث المتقدمة (ثبوت الغيرة وأنه غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بينت ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي ﷺ إياها ... وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة) (٥). قال القرطبي: (كان حبه ﷺ لها لما تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرة كل منها سبب في إيجاد المحبة) (٦). وقال ابن العربي عند ذكر فضائلها: (كان النبي ﷺ قد انتفع بخديجة برأيها ومالها ونصرها فرعاها حية وميتة برها موجودة ومعدومة وأتى بعد موتها ما يعلم أن يسرها لو كان في حياتها. ومن هذا المعنى ما روي من أن ((من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)) (٧).) (٨). ٤ - ومن مناقبها ما أخبر به النبي ﷺ بأن حبه لها كان رزقاً من الله رزقه إياه. فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة فقال رسول الله ﷺ : إني قد رزقت حبها)) (٩). ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لخديجة ﵂.

стр. 3435

قال الإمام النووي عند قوله ﷺ : ((رزقت حبها)): (فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت) (١). ٥ - ومما يدل على فضلها وجلالة قدرها أن الله أرسل إليها السلام مع جبريل وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة ﵁ قال: ((أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب)) (٢). ورويا أيضا بإسنادهما إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: (قلت لعبد الله بن أبي أوفى ﵄ بشر النبي ﷺ خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب) (٣). وفي ذلك منقبتان عظيمتان لأم المؤمنين خديجة ﵂: الأولى: إرسال الرب جل وعلا سلامه عليها مع جبريل وإبلاغ النبي ﷺ لذلك، وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها (٤). الثانية: البشرى لها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. قال السهيلي: (لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضاً غيرها، قال: وجزاء الفعل يذكر غالباً بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر) (٥). وقال الحافظ ابن حجر: (وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣] قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعلياً والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي)) الحديث أخرجه الترمذي وغيره (٦). ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها) (٧). وقوله ﷺ : ((من قصب)) قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف، قال الحافظ وعند الطبراني في (الأوسط) من حديث فاطمة قالت قلت: ((يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب. قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت)) (٨).

стр. 3436

قال السهيلي: (النكتة في قوله: ((من قصب)) ولم يقل من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ الحديث) (١). وقال الحافظ ابن حجر: (وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حرية على رضاه بكل ممكن ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها) (٢). ومعنى قوله ﷺ : ((لا صخب فيه ولا نصب)) الصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب: التعب (٣). فنفى عنه ما في بيوت الدنيا من آفة جلبة الأصوات وتعب تهيئتها وإصلاحها. وقد أبدى السهيلي لنفي هاتين الصفتين حكمة لطيفة فقال: (لأنه ﷺ لما دعا إلى الإيمان أجابت خديجة ﵂ طوعاً فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب، بل أزالت عنه كل تعب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها) (٤). ٦ - ومن مناقبها ما حظيت به ﵂ من أن النبي ﷺ كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوتها لما وضع الله لها في قلبه من المحبة ﵂ فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((استأذنت هالة بنت خويلد – أخت خديجة - على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: اللهم هالة قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدل الله خيراً منها)) (٥). ففي هذا الحديث (دلالة حسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حياً وميتاً، وإكرام معارف ذلك الصاحب) (٦). ٧ - ومن مناقبها ما أخبر به النبي ﷺ من أنها ﵂ خير نساء هذه الأمة: فقد روى البخاري بإسناده إلى علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة)) (٧). وعند مسلم بلفظ: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد)) قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض (٨). قال النووي عند شرحه الحديث: (أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه) (٩). قال القرطبي: (الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني: به الدنيا) (١٠). وقال الحافظ ابن حجر بعد أن حكى أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله ﷺ : ((خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة)) والذي يظهر لي أن قوله: ((خير نسائها)) خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال مريم خير نساء زمانها، وكذا في خديجة، وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية)) (١١) فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبت لمريم، فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق وجاء ما يفسر المراد صريحاً، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه ((لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين)) (١٢) وهو حديث حسن الإسناد واستدل بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة (١٣)، وسيأتي مزيد تفصيل عند ذكر فضائل عائشة ﵅ فإنه أدعى لذلك والله أعلم. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي-ص: ٧٦

стр. 3437

ثانياً: فضل سودة ﵂ هي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدون بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو بن زيد الأنصارية، كانت عند السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو فتوفي عنها، وتزوجها النبي ﷺ بمكة وهي أول امرأة تزوجها بعد خديجة ﵅ وانفردت به ﷺ نحواً من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة، وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله ﷺ . وتوفي النبي ﷺ وهي مع سائر من توفي عنهن من أزواجه ﵅ وأرضاهن وكانت وفاتها ﵂ في آخر زمن عمر بن الخطاب، وقيل سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية ﵃ أجمعين (١). وقد وردت لأم المؤمنين سودة ﵂ فضائل ومناقب تدل على جلالة قدرها وعظيم شأنها ﵂ ومن تلك المناقب: ١ - حرصها على البقاء في عصمة النبي ﷺ وإيثارها يومها في القسم لعائشة ﵅ إيثاراً منها لرضاه ﵊ وحباً في البقاء معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة. فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز)) (٢). وروى البخاري بإسناده إلى عائشة: (أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة) (٣). وعن عائشة ﵂ أيضاً قالت: ((كان رسول الله، إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ ) (٤). قلت: ففي طلب سودة ﵂ من النبي ﷺ إمساكها مع إيثار لضرتها بقسمها ما يدل على رجاحة عقلها ونبل مقصدها. وقد تضمنت موافقة رسول ﷺ على إمساكها فضيلة ظاهرة لسودة ﵂ حيث بقيت في عصمته ﵊ وتوفي وهي في عداد زوجاته الطاهرات. قال ابن القيم ﵀: (فلما توفاها الله –يقصد خديجة- تزوج بعدها سودة بنت زمعة .. وكبرت عنده وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي ﷺ تقرباً إلى رسول الله ﷺ وحباً له، وإيثارا لمقامها معه، فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ ﵂ (٥). ٢ - ومن مناقبها ﵂ أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها: فقد روى مسلم بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: ((ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة قالت فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة قالت: يا رسول الله قد جلعت يومي منك لعائشة فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين ويوم سودة)) (٦). قال ابن الأثير: (كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها) (٧). وقال النووي: (وقولها من امرأة، قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام، ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحد بكسر الحاء) (٨) فرضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي ص ٨٥

стр. 3438

ثالثاً: فضل عائشة ﵂ هي الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان وأمها أم رومان بنت عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنوات أو خمس. تزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع سنين وكان دخولها بها في شوال في السنة الأولى، وقيل في السنة الثانية من الهجرة. وهي المبرأة من فوق سبع سموات، وكانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه، ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق، فكان الأكابر من الصحابة ﵃ أجمعين إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، وقد توفي عنها النبي ﷺ وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت وفاتها ﵂ في سنة ثمان وخمسين ليلة السابع عشر من رمضان وصلى عليها أبو هريرة ﵃ أجمعين ودفنت في البقيع ﵂ وأرضاها (١). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي ص٨٨ ١ - فضل عائشة ﵂ في القرآن الكريم أوجه دلالات آيات الإفك على فضلها ﵂ الفضيلة الأولى: إرادة الله تعالى الخير بها هذا التعبير مستفاد من قوله تعالى: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [النور: ١١]. وقد تحدث المفسرون كل على طريقته في طبيعة هذا الخير فذكروا من ذلك: أولاً: اكتساب الثواب العظيم والأجر الجزيل (٢). يقول الرازي (صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله فاستوجبوا به الثواب، وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم) (٣). وحصول الأجر هو غاية منى الصالحين، والذي هو من علم الغيب، لا يقطع به؛ ولأجل هذا كان من دعاء النبي ﷺ : ((وثبت الأجر إن شاء الله)) (٤). فعلق على المشيئة؛ لأنه أمر غيبي. هذا الأمر الغيبي صار بالنسبة لعائشة ﵂ في أمر الإفك أصبح من علم الشهادة المقطوع به، قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]. ثانياً: إنزال ثماني عشرة آية من القرآن في شأنها (٥). وهذه الآيات كل واحدة منها ناطقة بتعظيم شأن رسول الله ﷺ ، وهي تنزيه وتبريء لأم المؤمنين وذم ولعن للقاذفين، وهذا ترفيع من الله ولا شك (٦). قال ابن كثير: (ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة) (٧). وهذا أحد الأمور التي ذكرها ابن عباس لعائشة يبشرها وهي في فراش الموت (٨). ثالثاً: حصول البراءة القطعية (٩).

стр. 3439

وإنما كانت هذه البراءة قطعية؛ لأن الله تعالى حكم ببراءتها واقعاً، أما غير عائشة فإنه إن لم يشهد عليه أربعة شهود بارتكاب الزنا، حكم ببراءته ظاهراً مع أنه قد يكون زانياً في نفس الأمر. وإذا علم ببراءة عائشة ﵂ قطعاً، فيكفر قاذفها لتكذيبه القرآن الكريم. قال ابن العربي: (إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله، فكل من رماها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر) (١). ويترتب على هذه الفضيلة، فضيلة أخرى وهو أن الإيمان والكفر أصبح متعلقاً بمدحها وقدحها. يقول الرازي: (صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها؛ فإن الله تعالى نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه، فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية) (٢). رابعاً: وعظ المؤمنين إلى يوم الدين، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة (٣). فإن هذه الآيات فيها من المواعظ والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والتهديد والدروس والفوائد الشيء الكثير، وهذا كله إنما نشأ بسببها ﵂ فكانت كما قال عمران بن حصين: (والله ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) (٤). وفي رواية: (جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيراً) (٥). قال الرازي: (لولا إظهارهم للإفك؛ كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر ... وشهد الله بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم) (٦). الفضيلة الثانية: الشهادة الإلهية لها بالدرجة العالية من الإيمان والعفاف. قال تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ [النور: ١٢]. يقول ابن عطية: (كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم فإذا كان ذلك يبعد فيهم، فكانوا يقضون بأنه في عائشة أبعد، وقد روي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب وامرأته وذلك أنه دخل عليها فقالت يا أبا أيوب: أسمعت ما قيل؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب تفعلينه؟ فقالت: لا والله، قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم) (٧) (٨). وهذا القياس يدل على أنه استقر في نفوس الأكابر كأبي أيوب ﵁، المكانة العالية الرفيعة لعائشة ﵂. ففي الآية دليل على صدق إيمانها، ودرجة عفافها، وإلا لم يكن الخطاب في هذه الآية بهذه القوة. ويستتبع هذه الفضيلة فضيلة أخرى وهي: الأمر الإلهي القاضي بوجوب ظن الخير في خصوص عائشة أما غيرها فمن جهة العموم؛ لأنها سبب النزول ودخول سبب النزول في الآية قطعي، وما كان هذا الواجب ليحصل لولا عظيم مرتبتها في الإيمان، فلها الأولوية ﵂ في الظن الحسن وأحقية الدفاع. قال الألوسي: (وجوب ظن الخير بعائشة خصوصاً للقطع في دخولها بالعموم، أو على القول بأنها مرادة خصوصاً) (٩). الفضيلة الثالثة: عتاب أهل الإيمان لأجلها.

стр. 3440

إن مما يلحظ في آيات الإفك أن الله تعالى عاتب أهل الإيمان عتاباً شديداً وبعبارات متنوعة لأجل التقصير في حق عائشة ﵂، الأمر الذي نص عليه عدد من المفسرين. قال تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [النور: ١٢]. قال الطبري: (هذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة) (١). كما لاحظ المفسرون أمر الالتفات في الآية من الخطاب إلى الغيبة. قال الزمخشري: (عدل عن الغيبة إلى الخطاب وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات) (٢). الآية تشير على أن من كان مؤمناً فشأنه الثناء على عائشة والدفاع عنها، وأن القدح فيها دلالة على خلل في الإيمان (٣). وقال تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣] قال الزمخشري: (وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاجهم عليه بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، إذا قذف امرأة من عرض نساء المسلمين فكيف بالصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله؟!) (٤). فإذا كان كل هذا التوبيخ لمن قصر في دفعه، فكيف بمن أشاعه؟ فكيف بمن اعتقده بعد نزول هذه الآيات؟ وقال تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور: ١٦]. وهذه الآية أيضاً من جملة آيات العتاب. قال ابن عطية والقرطبي والشوكاني: (هذا عتاب لجميع المؤمنين) (٥). قال ابن عطية: (أي كان ينبغي أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله أن يقع هذا من زوجة نبيه، وأن تحكموا عليه بالبهتان) (٦). فالله تعالى يعاتب عموم المؤمنين لأجلها –﵂. ومن لطائف التفسير أننا لا نجد لوماً للمؤمنين لأجل أحد، إلا لأبي بكر الصديق وبنته عائشة ﵄. أما أبو بكر ففي قوله تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ [التوبة: ٤٠]. فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر) (٧). وهكذا يعاتب الله المؤمنين في مواضع متعددة على التقصير في جنب عائشة وليس الأمر عتاباً فقط بل تحذير أيضاً من معاودة مثل هذا. قال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [النور: ١٧]. قال الطاهر بن عاشور: (بعد أن بين الله بادئ ذي بدء أنه ليس شراً، وأن الذين جاؤوا به ما اكتسبوا إلا الإثم، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سبباً للحاق العذاب بهم ... أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله) (٨). وبين القرطبي أن مثل هذا العود كفر حيث قال: (لما في ذلك من أذية رسول الله ﷺ في عرضه وأهله وذلك كفر من فاعله) (٩). الفضيلة الرابعة: التهديد بالعقوبة لأجل عائشة ﵂: لعظم الأمر وشناعته، لم يقتصر الرب على لوم المؤمنين وعتابهم في شأن عائشة ﵂، بل نجد أمراً وراء ذلك وهو التهديد بالعقوبة.

стр. 3441

قال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٠]. قال الطبري: (لولا أن الله تفضل عليكم ... لهلكتم فيما أفضتم وعاجلتكم من الله العقوبة) (١). وقال ابن عطية: (لفضحكم بذنوبكم، ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان) (٢). ويلاحظ أنهما فهما من الآية تكراراً في العقوبة. وقال ابن الجوزي: (جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة) (٣). وقد تتابع المفسرون على تقرير هذا المعنى (٤)، وأجاد الرازي في تتبع الزواجر المأخوذة من الآية (٥). وهذا التنصيص على أن المتكلم في عائشة مستحق للعقوبة، أمر لم يحصل لغيرها سواء من الصحابة أو أهل البيت، بل إن الله تعالى امتن عليهم بعدم العقوبة بل وكرر منته بذلك. قال الشوكاني: (تكرير لما تقدم وتذكيراً للمنة منه سبحانه على عباده بترك المعاجلة لهم) (٦). وقال الألوسي: (وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة) (٧). ولم نر هذا الأسلوب من التكرار والامتنان في القرآن الكريم إلا في حق عائشة، حتى إن الوعيد بالعقوبة في مسألة أخذ الغنائم لم يكن فيه مثل هذا التكرار ولا مثل إبراز المنة بهذه الأساليب المتعددة، وهذا كله يدل على أنه عظيم عند الله الاعتداء على زوج نبيه وما ذاك إلا لمكانتها العالية ﵂ وهذا مصداق قوله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا [النور: ١٥]. يقول ابن كثير: (فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل، الله يغار لهذا، وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك حاشا وكلا ... فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: ١٥]) (٨). الفضيلة الخامسة: أن القدح في عائشة ﵂ قدح في الله تعالى. وذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن ينزهوه عند سماع خبر القدح في زوجة نبيه (٩)، فالله تعالى ينزه أن يحصل لقرابة نبيه تدنيس (١٠). وعند التأمل في هذا الأمر نجد أن القدح في عائشة قدح في الله إذ جعل تحت نبيه من ليست أهلاً له، وأيضاً فإن الله تعالى ينزه أن لا يعاقب هؤلاء المفترين لما فيه من القدح في الحكمة، وأيضاً فإن الله تعالى منزه أن يرضى بظلم هؤلاء المفترين (١١). ومن بديع التناظرات القرآنية ما ذكره القاسمي بقوله: (ولأجل هذا قال العلماء: قذف عائشة كفر، لأن الله تعالى سبح نفسه عند ذكره كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد) (١٢). فالقدح في عائشة ﵂، تكاد تبلغ شناعته نسبة الولد أو الزوج لله تعالى بل إن ظاهر قوله تعالى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: ٢٥]، يدل على أن القدح في عائشة مناف لكونه تعالى حقاً.

стр. 3442

وهذا ما فهمه الألوسي حيث قال: (ولعل فائدة هذا العلم يأسهم من إنقاذ أحد إياهم ... أو تبين خطأهم في رميهم حرم رسول الله ﷺ بالباطل لما أن حقيته تأبى كونه حقا أي موجداً للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة، وكذا تأبى كونه حقاً أي واجباً لذاته بناء على أن الوجوب الذاتي يستتبع الاتصاف بالحكمة بل لجميع الصفات الكاملة) (١). ولئن عذر من رماها قبل التنزيل لغفلة أو جهل فلا مجال لإعذار من قدح فيها ﵂ بعد التنزيل؛ إذ أن الحجة القرآنية قد قامت عليه من كل وجه. الفضيلة السادسة: الشهادة لها بالإحصان والإيمان: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور: ٢٣]. يرى بعض أهل التفسير أن هذه الآية خاصة في أم المؤمنين عائشة، ويرى بعضهم أنها تعمها وأمهات المؤمنات، ويرى بعضهم أنها في عموم المؤمنات. وعلى كافة هذه الأقوال فدخول عائشة ﵂ فيها قطعي؛ إذ أنها سبب نزول الآية (٢). ففي حديث قصة الإفك، بشر النبي ﷺ عائشة وتلا عليها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ ... الآية (٣)، وهذا نص في كون هذه الآية من آيات الإفك وسبب النزول قطعي الدخول في الآية ولا يخرج بالتخصيص بحال، كما نص على ذلك أهل العلم في كتب علوم القرآن (٤). وعليه فيكون من فضائل عائشة ﵂ أنها مؤمنة، محصنة بنص القرآن الكريم. وقد أورد الزمخشري إشكالاً وأجاب عليه، وهو أنه إذا أريد وحدها فلماذا الجمع؟ وأجاب عن ذلك: بأنه إما إرادة لها ولبنات جنسها؛ لكونها أم المؤمنين، أو دخل معهن أزواج النبي ﷺ وعائشة كبراهن وأقربهن منزلة (٥). الفضيلة السابعة: الشهادة لها بالطيب: اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: ٢٦]. فقال بعضهم: المراد بالخبيثات أي النساء الخبيثات والخبيثون الرجال الخبيثون، والطيبات أي النساء الطيبات والطيبون أي الرجال منهم (٦). واختار هذا القول الرازي (٧)، وابن المنير (٨)، وابن تيمية (٩)، وأبو حيان (١٠)، وأبو السعود (١١) (١٢). قال الألوسي: (ورواه الإمامية عن أبي عبد الله وأبي جعفر) (١٣). وتفرع على هذا القول الحكم بطيب عائشة ﵂؛ ولأجل هذا قال ابن عباس يخاطب عائشة ﵂: وطيبك فقال: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦]. وجاء عنها ﵂ أنها قالت: (لقد نزل عذري من السماء، وقد خلفت طيبة عند طيب) (١٤).

стр. 3443

وقد ضبطت كلمة (خلفت) بالفاء: خلفت، أي: تركت عند رسول الله ﷺ بعد وفاته طيبة (١). وحيث إن رسول الله ﷺ أطيب الطيبين فتكون عائشة من أطيب الطيبات بدلالة الآية، وقد نص على ذلك من اختار القول الثاني. قال الرازي: (ولا أحد أطيب ولا أطهر من رسول الله ﷺ فأزواجه إذن لا يكن إلا طيبات) (٢)، وجمع ﵀ بين قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: ١٢١]، حيث غدا يوم أحد من بيت عائشة وبين هذه الآية فقال: (فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة من كل قبيح) (٣). قال ابن تيمية: (أخبر تعالى أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين فلا تكون خبيثة لطيب؛ فإنه خلاف الحصر، وأخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون طيب لخبيثة؛ فإنه خلاف الحصر، إذ قد ذكر أن جميع الخبيثات للخبيثين فلا يبقى خبيثة لطيب ولا طيب لخبيثة) (٤). وقال ابن القيم: (وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) (٥). والقول الآخر في هذه الآية: أن المراد بالطيب والخبيث الكلمات، فالكلمات الخبيثات أولى بأهل الخبث والقبح، والكلام الطيب أولى بأهل الطيب (٦). والفضيلة ثابتة لعائشة حتى على هذا القول. قال ابن كثير: (فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم) (٧). ورأى ﵀ أن القولين متلازمان قال: (وهذا –القول الأول- يرجع إلى ما قاله أولئك – القول الثاني – باللازم) (٨). وذلك؛ لأنها طيبة فلا يصلح لها، إلا الكلام الطيب، ومن تكلم فيها كان أحق بالكلام الخبيث. وتفرع على هذه الفضيلة فضيلة أخرى وهي: أن الله تعالى مدح مادح عائشة وذم ذامها. يقول الشوكاني في هذه الآية: (هذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث ومدح للذين برؤها) (٩)، وتبعه صديق حسن وهذا شرف أي شرف، أن يفيض الثناء على المحسن حتى يصل لمن أثنى عليه وهذا فضل من الله عظيم يؤتيه من يشاء، واختيار منه سبحانه مبني على الحكمة قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء [آل عمران: ٧٣]، وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]. الفضيلة الثامنة: الشهادة لها بالبراءة والنزاهة من الأدناس: قال تعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: ٢٦]. اتفق المفسرون على أن الضمير في قوله تعالى: أُوْلَئِكَ عائد إلى الطيبات والطيبين بمراعاة الخلاف في معنى الطيبات والطيبين، فقيل إن الضمير عائد إلى كل طيب وطيبة. قال ابن جرير: (الطيبون من الناس مبرؤون من خبيثات القول) (١٠). وقيل عائد إلى عائشة وصفوان، فهم منزهون من أقوال أهل الافتراء (١١)، وقيل إنها في كافة الأزواج.

стр. 3444

قال ابن عطية: (وبهذه الآية قيل لأزواج النبي ﷺ : الطيبات المبرآت) (١)، وعلى كافة الأقوال فالآية شاهدة لعائشة بالبراءة والنزاهة من الأدناس، أما على القول الثاني والثالث فظاهر، وأما على القول الأول؛ فلأنها كانت سبب النزول فتكون أولى من دخل في مصداق الآية، وقد ثبت في السنة المطهرة ذلك ففي حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((يا عائشة أما الله فقد برأك)) (٢). والذي يظهر أن البراءة في هذا الموضع تختلف عن البراءة في صدر الآيات، فالبراءة في صدر الآيات من التهمة الشنيعة والبراءة في آخر الآيات من عموم الأدناس والتهم وهذا أحسن من القول بالتأكيد؛ لأن التأسيس مقدم على التأكيد على ما قرره علماء التفسير (٣). وإذا تقرر هذا، علمنا أن من فضائل عائشة ﵂ أن الله ذكر أمر تطهيرها في القرآن الكريم في موضعين: الأول: حين الحديث عن آيات أمهات المؤمنين في (سورة الأحزاب). والثاني: في هذا الموضع من (سورة النور). وعليه فيكون هذا الأمر مما تميزت به عائشة من أهل البيت وبقية الصحابة. الفضيلة التاسعة: الشهادة لها بالجنة: من فضائل عائشة ﵂ أنها بشرت بالجنة في قوله تعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: ٢٦]. فقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الرزق الكريم في الآية الجنة (٤). قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: (أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة) (٥). وقد سلم بهذا بعض مفسري الشيعة (٦). ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٣١]. فإن المراد به الجنة بقرينة أعتدنا، والقرآن يفسر بعضه بعضاً (٧). ويلاحظ أن هذه الآية الكريمة التي تبشر أم المؤمنين بالجنة، لم تقيد ذلك بقيد مما يقطع بأن عائشة ﵂ في الجنة بدلالة القرآن الكريم، ومثلها في ذلك بقية أمهات المؤمنين (٨). وهذه الدلالة نبه عليها ابن عباس في عبارته لأم المؤمنين في مرض وفاتها حيث سمعها تقول: أعوذ بالله من النار فقال ابن عباس: (ما لك وللنار يا أم المؤمنين أعاذك الله منها) (٩). ولعله لأجل هذه الفضائل القرآنية وغيرها، كانت لها المكانة العظيمة عند رسول الله ﷺ . عن أم سلمة ﵂ قالت: (والله ما كان على الأرض نسمة أحب إلى رسول الله منك (أي عائشة)، ثم استدركت فقالت: أستغفر الله بعد أبيها) (١٠). ورغم هذه الفضائل المتعددة كتاباً وسنة كانت تقول في مرض موتها بعد ثناء ابن عباس عليها: (دعني منك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً) (١١)، فرضي الله عنها وأرضاها. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ٢٠٦ ٢ - فضل عائشة في السنة

стр. 3445

مناقبها ﵂ كثيرة مشهورة فقد وردت أحاديث صحيحة بخصائص انفردت بها عن سواها من أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن ومنها: ١ - مجيء الملك بصورتها إلى النبي ﷺ في سرقة من حرير قبل زواجها به ﷺ فقد روى الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: ((قال رسول الله ﷺ أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه)) (١). ٢ - ومن مناقبها ﵂ أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ وقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليها. فقد روى البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص ﵁ ((أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها ... )) (٢) الحديث. قال الحافظ الذهبي ﵀: (وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان ﵊ ليحب إلا طيباً وقد قال: ((لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل)) (٣)، فأحب أفضل رجل من أمته، وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله. وحبه ﵇ لعائشة كان أمراً مستفيضاً) (٤). ٣ - ومن مناقبها ﵂ نزول الوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها دون غيرها من نسائه ﵊، فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها)) (٥). قال الذهبي: (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) (٦). ٤ - ومن مناقبها ﵂ أن جبريل ﵇ أرسل إليها سلامه مع النبي ﷺ فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ((قال رسول الله ﷺ يوماً: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله ﷺ ) (٧). قال النووي: (وفيه فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂ (٨).

стр. 3446

٥ - ومن مناقبها ﵂ أن النبي ﷺ بدأ بتخييرها عند نزول آية التخيير وقرن ذلك بإرشادها إلى استشارة أبويها في ذلك الشأن لعلمه أن أبويها لا يأمرانها بفراقه فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه ﷺ . فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى عائشة ﵂ قالت: ((لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثلما فعلت)) (١). ٦ - ومن مناقبها ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته ﷺ بين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها (٢). فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة، قالت: فلما كان يومي سكن)) (٣). وعند مسلم عنها أيضاً قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: ((أين أنا اليوم أين أنا غداً؟ استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري)) (٤). وروى البخاري أيضا بإسناده عنها: ((أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيها يقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به. فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن. فأعطانيه فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مستند إلى صدري)) (٥). وفي رواية أخرى بزيادة ((فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة)) (٦) ٧ - ومنها إخباره ﷺ بأنها من أصحاب الجنة. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت ((قلت: يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنك منهن؟ قالت: فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكراً غيري)) (٧). وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد: ((أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر)) (٨). وفي هذا فضيلة عظيمة لعائشة ﵂ حيث قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف (٩).

стр. 3447

٨ - ومن مناقبها ﵂ ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (١). في هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. قال النووي: (قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة: نفعه والتشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة) (٢). وبهذا يتبين فضلها ومنزلتها ﵂ وأرضاها. وقد اختلف العلماء في التفضيل بين خديجة وفاطمة وعائشة ﵅ حتى اشتهر ذلك (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل) (٤). وعند التحقيق والنظر في النصوص الواردة في تفضيل كل واحدة منهن ﵅ نجد أنها تدل على أفضلية خديجة وفاطمة ثم عائشة ﵅، وذلك أن الضمير الوارد في قوله ﷺ : ((خير نسائها خديجة)) (٥) قد فسر صريحا بقوله ﷺ : ((لقد فضلت خديجة على نساء أمتي)) (٦). وقد قال ﷺ : ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية)) (٧). قال ابن حجر: (وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل) (٨). وقال ﷺ : ((حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون)) (٩).

стр. 3448

وهذا نص في أن خديجة ﵂ أفضل نساء الأمة. ثم إن اللفظ الوارد في تفضيل فاطمة ﵂ وهو قوله ﷺ : ((يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) (١). وفي لفظ ((سيدة نساء أهل الجنة)) (٢) (فهو صريح لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل، وهو نص في أنها أفضل نساء الأمة وسيدة نساء أهل الجنة، وقد شاركت أمها في هذا التفضيل فهي وأمها أفضل نساء أهل الجنة، وهي وأمها أفضل نساء الأمة بهذا وردت النصوص) (٣). أما ما ورد في تفضيل عائشة ﵂ من قوله ﷺ : ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (٤) فهو لفظ لا يستلزم الأفضلية المطلقة كما قال ابن حجر: (وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة ﵂ على غيرها، لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤونة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى) (٥). فالحديث إذاً دال على أفضلية عائشة ﵂ على سائر نساء هذه الأمة ما عدا خديجة وفاطمة ﵅ لورود الدليل على ذلك مما قيد تلك الأفضلية لعائشة ﵂. وأما ما ورد من حديث عمرو بن العاص لما سأل النبي ﷺ : ((أي النساء أحب إليك؟ فقال ﷺ : عائشة)) (٦) فقد أشار ابن حبان ﵀ على أنه مقيد في نسائه ﷺ إذ عقد عنواناً في صحيحه فقال: (ذكر خبر وهم في تأويله من لم يحكم صناعة الحديث) وساق تحته حديث عمرو بلفظ: ((قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، فقال: أبو بكر أو قال أبوها)) (٧). ثم قال ابن حبان: (ذكر الخبر الدال على أن مخرج هذا السؤال كان عن أهله دون سائر النساء من فاطمة وغيرها) وأخرج بسنده عن أنس قال: ((سئل رسول الله ﷺ : من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة قيل له: ليس عن أهلك نسألك قال: فأبوها)) (٨). وبهذا يتبين أن عائشة تلي خديجة وفاطمة في الفضل ﵂ إذ كل ما ورد من دليل على عموم تفضيلها ﵂ مقيد بالنص الوارد في خديجة وفاطمة ﵅. ولا ينكر أن لعائشة ﵂ من الفضائل كالعلم مثلاً ما تختص به عن خديجة وفاطمة ﵅ إلا أنه (لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق) (٩). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ٨٩ بتصرف

стр. 3449

رابعاً: فضل حفصة ﵂ وهي حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وهي أخت عبدالله لأبيه وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة، أخت عثمان بن مظعون. وقد تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد وكان بدرياً شهد بدراً مع النبي ﷺ ومات بالمدينة، وكانت ﵂ صوامة قوامة، ولدت قبل المبعث بخمس سنين وكانت وفاتها في شعبان سنة خمس وأربعين ﵂ وأرضاها (١). وقد وردت في مناقبها أحاديث منها: ١ - أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة فقد روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: (تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة) (٢). ٢ - روى البخاري بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يحدث ((أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبث ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي. ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفش سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها)) (٣). ٣ - روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد ((أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة ... فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ : آتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة)) (٤). في هذا الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين حفصة ﵂ حيث الثناء عليها بكثرة الصيام والقيام والإخبار بأنها زوجة المصطفى ﷺ في الجنة. قال ابن القيم ﵀: (ومن خواصها: ما ذكره الحافظ المقدسي في (مختصر السيرة): ((أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل فقال: ((إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة)) (٥). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي- ص: ٩٨

стр. 3450

خامساً: فضل أم سلمة ﵂ وهي هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين أم سلمة مشهورة بكنيتها معروفة باسمها وكان أبوها يلقب زاد الركب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زاداً بل هو كان يكفيهم. وأما عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: أنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة ولما مات زوجها خطبها النبي ﷺ ودخل به سنة أربع من الهجرة وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسباً، وكانت وفاتها ﵂ سنة إحدى وستين (١). وقد وردت أحاديث في مناقبها منها: ١ - ما رواه مسلم بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول: ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . قالت: أرسل إلى رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتاً وأنا غيور فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب الغيرة)) (٢). ٢ - ومن مناقبها ما شرفت به ﵂ من رؤية جبريل ﵇ في صورة دحية بن خليفة الكلبي: فقد روى الشيخان بإسنادهما عن معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: ((أنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي ﷺ لأم سلمة: من هذا؟ أو كما قال. قالت: هذا دحية فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي ﷺ يخبر خبر جبريل. أو كما قال. قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد)) (٣). قال النووي: (قوله إن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية: هو – بفتح الدال وكسرها – وفيه منقبة لأم سلمة ﵂. وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك ويرونهم على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم، وكان النبي ﷺ يرى جبريل على صورة دحية غالباً، ورآه مرتين على صورته الأصلية) (٤). وقال ابن القيم: (ومن خصائصها أن جبريل دخل على النبي ﷺ وهي عنده فرأته صورة دحية الكلبي) (٥). فرضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ١٠٢

стр. 3451

سادساً: فضل زينب بنت جحش ﵂ وهي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ وكانت من المهاجرات الأول، تزوجها ﷺ سنة ثلاث، وقيل سنة خمس، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٢٧] وكان زيد يدعي ابن محمد فلما نزلت ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥]، وتزوج النبي ﷺ امرأته انتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه بحيث يتوارثان إلى غير ذلك، وكانت زينب ﵂ من سادات النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً وهي أول نساء النبي ﷺ لحوقا به حيث كانت وفاتها سنة عشرين فرضي الله عنها وأرضاها (١). العقيدة في أهل اليت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ١٠٤ ١ - فضل زينب بنت جحش ﵂ في القرآن الكريم أوجه دلالات قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة .. على فضل زينب ﵂ هذه الآيات الكريمات دلت على عدد من فضائل زينب ﵂ وهي كالتالي: الفضيلة الأولى: دلالة الآية على إيمانها: بحسب ما ذكره جمهور المفسرين في سبب نزول الآية الأولى فإنها تدل بكل وضوح على عمق إيمانها ﵂ فرغم أنها من بيت شريف نسيب، والشأن عند العرب أنه لا ينكحها إلا مثلها إلا أنها استجابت لأمر رسول الله ﷺ فرضيت بزيد زوجاً فكان عاقبة هذا الرضى والتسليم لأمر الله ورسوله ﷺ أن صار زوجها بعد ذلك هو سيد ولد آدم ﷺ . الفضيلة الثانية: أن الله ﵎ هو الذي تولى تزويجها: وهذا ثابت في قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧]، فهذه الآية الكريمة تدل على أن الذي زوج النبي ﷺ بزينب هو الله تعالى. وترتب على هذا الفضيلة الثالثة: أنه لم يحصل في زواج زينب شيء مما هو معتبر في النكاح من ولي وصداق وشهود. قال ابن القيم: (ومن خصائص زينب أن الله سبحانه كان هو وليها الذي زوجها لرسوله ﷺ من فوق سماواته) (٢). قال الشوكاني: (دخل النبي ﷺ على زينب بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في حق النكاح في حق أمته) (٣). وعلى دلالة الآية على هذا ذهب غير واحد من المفسرين (٤)، وقد تأيد هذا المعنى بروايات في السنة المطهرة، فعن أنس ﵁: (أن زيداً لما خطب زينب للنبي ﷺ قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن وجاء رسول الله ودخل عليها بغير إذن) (٥) ... ولهذه الفضيلة كانت ﵂ تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: (زوجكن أهليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات) (٦). وفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء) (٧).

стр. 3452

وكانت ﵂ تقول للنبي ﷺ : (إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: أن جدي وجدك واحد، وأني أنكحنيك الله من السماء، وأن السفير جبريل ﵇ (١)، ولعل لأجل هذه الفضيلة أولم عليها ﵂ النبي ﷺ ما لم يولم على امرأة من نسائه (٢). الفضيلة الرابعة: نزول الحجاب في زواجها: حيث ثبت أن آية الحجاب وهي قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣]، نزلت في قصة زواجها، وقد ثبت ذلك من حديث أنس ﵁ (٣) وقد عد ذلك أهل العلم من فضائلها (٤)، ولعل مرد ذلك ما يوحي به نزول الآية في وقت زواجها من مزيد العناية بها ﵂، ولعل هذا من توابع تزويج الله لها فكأنه زوجها، وجعل من تبعات ذلك ضرب الحجاب عليها وعلى نساء النبي ﷺ والأمة. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ٢٦٢ ٢ - فضل زينب في السنة - ثناء النبي ﷺ عليها بين أزواجه بذكر إحدى مآثرها بصيغة يتحقق تأويلها مستقبلاً وهي الصدقة والإنفاق في سبيل الله. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((قال رسول الله ﷺ : أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً قالت فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق)) (٥). وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ((قال رسول الله ﷺ لأزواجه: أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة قالت: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله ) (٦). قال النووي: (معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلمن أن المراد طول اليد في الصدقة والجود ... وفيه معجزة باهرة لرسوله ﷺ ومنقبة ظاهرة لزينب. ووقع الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ: متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقاً سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع) (٧). ٤ - ومن مناقبها ثناء عائشة ﵂ ووصفها بصفات مكارم الأخلاق والتي اشتملت على البر والتقوى والورع.

стр. 3453

فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ من حديث طويل وفيه ((فأرسلت أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى)) (١). وفي حديث الإفك قالت عائشة ﵂: ((وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: يا زينب ماذا عملت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً. قالت وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله ﷺ فعصمها الله بالورع)) (٢). ففي ما تقدم من كلام عائشة ﵂ فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين زينب ﵂ وأرضاها. وفي ذلك يقول الإمام الذهبي: ويروى عن عائشة أنها قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها، ونطق به القرآن، وإن رسول الله قال لنا: ((أسرعكن بي لحوقاً أطولكن باعاً)) فبشرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة (٣). ومناقبها التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة وحسبنا هنا ما تقدم. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ١٠٧

стр. 3454

سابعاً: فضل جويرية بنت الحارث ﵂ هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، كانت إحدى سبايا غزوة بني المصطلق (المريسيع) سنة خمس أو ست من الهجرة فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي والذي قتل في تلك المعركة، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا أصهار رسول الله ﷺ وكان ذلك من بركتها على قومها (١). وقد وردت في مناقبها ﵂ أحاديث دلت على فضلها وعظم شأنها منها: ١ - ما رواه الإمام أحمد في (مسنده) من حديث عائشة ﵂ قالت: ((لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها رسول الله ﷺ ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها)) (٢). ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ حيث كان زواجها بالنبي ﷺ خيراً لها ولقومها فما أن علم الصحابة ﵃ أجمعين بذلك حتى أطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها إجلالاً وتعظيماً لسيد الخلق المصطفى ﷺ لأنهم صاروا أصهاره فكان خيرها شاملاً لقومها. ٢ - ومن مناقبها أنها كانت من المكثرات للعبادة الذاكرات الله ذكراً كثيراً ﵂ فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ عن جويرية ((أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم قال النبي ﷺ : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)) (٣). ٣ - تسمية النبي ﷺ لها بهذا الاسم فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس قال: ((كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة)) (٤). وقد كانت وفاتها ﵂ سنة خمسين للهجرة وقيل سنة ست وخمسين (٥). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي –ص: ١٠٩

стр. 3455

ثامناً: فضل أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ وهي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي ﷺ تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ولدت ﵂ قبل البعثة بسبعة عشر عاماً وكانت قبل النبي ﷺ عند عبيد الله بن جحش بن رباب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، وقد ارتد زوجها عبيد الله بن جحش عن الإسلام ودخل في النصرانية فهلك وهو على تلك الحالة وتمسكت هي بدينها وذلك من فضل الله عليها ليتم لها الإسلام والهجرة فأبدلها الله به خير البشر وأفضلهم سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ، وهي أقرب أزواجه نسباً إليه وأكثرهن صداقاً ﵂ وأرضاها (١). قال الذهبي عنها: (وهي من بنات عم الرسول الله ﷺ وليس في أزواجه من هي أكرم نسباً إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقاً منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له ﷺ عليها بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربعمائة دينار، وجهزها بأشياء) (٢). وقد ورد لها بعض المناقب التي تدل على علو مكانتها وعظيم شأنها ﵂ وأرضاها ومن تلك المناقب: ١ - أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى الحبشة فارة بدينها ﵂: فقد روى الحاكم بإسناده إلى إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: ((قالت أم حبيبة رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوء صورة وأشوهها ففزعت فقلت تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأري في النوم كأن آتيا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول الله النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقالت: بشرك الله بخير قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته ... )) (٣) الحديث. ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين أم حبيبة ﵂ وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة وثبتت على إسلامها وهجرتها ﵂ وأرضاها. وفي ذلك يقول ابن سعد: (وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فتنصر وارتد عن الإسلام وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها) (٤). وقال ابن كثير: (أسلمت قديماً وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتنصر هناك زوجها وثبتت على دينها ﵂ (٥).

стр. 3456

٣ - ومن مناقبها أنها أكرمت فراش رسول الله ﷺ من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة لعقد الهدنة بين الرسول ﷺ وبين قريش ومنعته من الجلوس عليه لأنه كان يومئذ على الشرك ولم يكن قد أسلم. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: (لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلي رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه، فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك فقال: يا بنية أصابك بعدي شر) (١). قال ابن القيم ﵀: (وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة وقالت: (إنك مشرك) ومنعته من الجلوس عليه) (٢). ٣ - ومن مناقبها ما رواه ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: (سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي ﷺ عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك، وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄ (٣) ورضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي –ص: ١١١

стр. 3457

تاسعاً: فضل صفية بنت حيي ﵂ وهي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉، كانت قبل إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها النبي ﷺ فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها. كانت من سيدات النساء عبادة وورعاً وزهادة وبراً وصدقة كما كانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين ﵂ وأرضاها (١). وقد ورد في مناقبها ﵂ أحاديث منها: ١ - ما روى الشيخان من حديث طويل عن أنس ﵁ في غزوة خيبر وفيه ((فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ ، فجعل عتقها صداقها)) (٢). وفي رواية: فقال ثابت لأنس: ((ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها)) (٣). قال ابن القيم: (ومن خصائصها أن رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها ... وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته) (٤). ٢ - ومنها ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده إلى أنس ﵁ قال: ((قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروساً فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال لي آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب)) (٥). وقال الحافظ ابن حجر: (ووقع في مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع رسول الله ﷺ لها فخذه لتركب فأجلت رسول الله ﷺ أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت) (٦). ففي ذلك دليل على عظم شأنها وجلالة قدرها حيث كانت تجل المصطفى ﷺ وتكرمه من أن تضع رجلها على فخذه وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب فرضي الله عنها. ٣ - ومن مناقبها ما ورد عن النبي ﷺ من التنويه بشرف نسبها فقد روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: ((بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: فما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة أني ابنة يهودي فقال النبي ﷺ : وإنك لابنة نبي، وأن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة)) (٧). وقد تضمن بياناً لمكانتها وجبراً لخاطرها. قال ابن القيم: (وهذا من خصائصها ﵂ (٨). ٤ - مدح النبي ﷺ لها ووصفه لها بالصدق، قد أخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم ((أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي توفي فيه اجتمعت إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزنها أزواج النبي ﷺ وأبصرهن رسول الله ﷺ فقال: مضمضن. فقلن: من أي شيء يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن والله إنها لصادقة)) (٩). فكانت ﵂ عاقلة حليمة فاضلة وكانت وفاتها سنة اثنين وخمسين في خلافة معاوية ﵃ أجمعين. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي –ص: ١١٤

стр. 3458

عاشراً: فضل ميمونة بنت الحارث ﵂ هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن قماطة من حمير. كانت تزوجت مسعود بن عمرو الثقفي ثم فارقها فخلف عليها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها فتزوجها النبي ﷺ زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها. وهي خالة بني العباس بن عبد المطلب بن عبد الله وإخوته، وبنى بها رسول الله ﷺ بسرف على عشرة أميال من مكة وكانت آخر امرأة تزوجها النبي ﷺ وذلك سنة سبع من عمرة القضية (١). وقد وردت لها مناقب ﵂ في أحاديث منها: ١ - ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأخوات مؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ وأختها أم الفضل بنت الحارث، وأختها سلمة بنت الحارث امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن)) (٢). ففي هذا الحديث منقبة عظيمة وفضيلة ظاهرة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ حيث شهد لها المصطفى ﷺ بحقيقة الإيمان واستقراره في قلبها هي وأخواتها اللاتي ذكرن معها ﵅ وأرضاهن. ٢ - إن تسميتها باسم (ميمونة) إنما سماها بهذا الاسم النبي ﷺ روى الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: ((كان اسم خالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة)) (٣). ٣ - ومن مناقبها ﵂ ما رواه الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة قال: ((تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن لطلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله ﵎ ساقك حتى جعلك في أهل بيت نبيه؟ ذهبت والله ميمونة ورمى برسنك على غاربك، أما أنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم)) (٤). ففي هذا الحديث شهادة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ بأنها صاحبة تقوى وممن يصل الرحم الذي حث الله على صلتها وتوعد بالعقوبة من قطعها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط – سليمان بن سالم السحيمي – ص١١٧

стр. 3459

حادي عشر: فضل زينب بنت خزيمة تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂ جلاء الأفهام لابن القيم – ص: ٣٧٥

стр. 3460

١ - فضل زينب ﵂ وهي زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله ﷺ القرشية الهاشمية، وأمها خديجة بنت خويلد، وكانت أكبر بناته ﷺ وأول من تزوج منهن ﵅، وقد ولدت قبل البعثة بمدة قيل إنها عشر سنين وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هاله بنت خويلد خالة زينب بنت رسول الله ﷺ ، وولدت زينب لأبي العاص علياً وأمامة فتوفي علي وهو صغير، وبقيت أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت زينب ﵂ من المهاجرات السيدات (١). وقد وردت جملة من الأحاديث في مناقبها ﵂: ١ - فقد روى ابن سعد والحاكم بإسناديهما إلى عائشة ﵂: ((أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدراً مع المشركين فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري. فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمر بن الربيع وبعثت معه زينب بنت رسول الله، وهي يومئذ بمكة، بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار، وظفار جبل باليمن وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها، فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله ﷺ ، القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب قلادتها وأخذ النبي ﷺ على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل)) (٢). ٢ - وروى الحاكم بإسناده عن عائشة زوج النبي ﷺ : (أن رسول الله لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في إثرها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهرقت دماً فحملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أميه فقال: بنو أمية نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول لها هند: هذا بسبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيئني بزينب قال: بلى يا رسول الله قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه فانطلق زيد وترك بعيره فلم يزل يتلطف حتى لقي راعياً فقال: لمن ترعى قال: لأبي العاص قال: فلمن هذه الغنم قال: لزينب بنت محمد فسار معه شيئاً ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم فانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال رجل قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها: اركبي قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى أتت فكان رسول الله ﷺ يقول: هي أفضل بناتي أصيبت في) (٣)

стр. 3461

٣ - وروى البزار بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((بعث رسول الله ﷺ سرية وكنت فيهم، فقال: إن لقيتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو فأحرقوهما، وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت، فلم تزل ضبنة حتى ماتت، ثم قال: إن لقيتموهما، فاقتلوهما، فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله)) (١). وجاء عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما)) (٢). والمعني بفلان وفلان هبار بن الأسود ورفيقه كما تقدم في الحديث السابق، قال ابن حجر ﵀: (والقصة مشهورة عند ابن إسحاق وغيره .. ) (٣) (وقد أسلم هبار هذا، ففي رواية أبي نجيح فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر) (٤). ٤ - وروى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ ((أن زينب بنت رسول الله ﷺ أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أماناً من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي ﷺ في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله ﷺ وإني أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير المسلمين أدناهم)) (٥). (ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب ﵂ حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة) (٦). ٥ - وروى مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: ((لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ : إغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً واجعلن في الخامسة كافوراً أو شيئاً من كافور فإذا غَسَلْتُنَّهَا فأعلمنني قالت: فأعلمناها فأعطانا حقوه وقال .... أشعرنها إياه)) (٧). ففي هذه الأحاديث بيان لمناقب وفضائل زينب بنت رسول الله ﷺ وما لها من منزلة عند رسول الله ﷺ ، إذ كانت ممن تقدم إسلامهم، وممن حظيت بالهجرة حتى أوذيت في الله وصبرت وتحملت من الأذى ما كان سبباً في وفاتها، وقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى في أول السنة الثامنة من الهجرة (٨) ﵂.

стр. 3462

٢ - فضل رقية ﵂ هي رقية بنت خير الخلق وسيد البشر ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمية وأمها خديجة بنت خويلد كانت ولادتها سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها ﷺ (١). قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافاً أن زينب أكبر بناته ﷺ واختلف فيمن بعدها منهن ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاثين سنة، وولدت رقية بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاث وثلاثين سنة) (٢). وكانت ﵂ قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب، وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: (فارقا ابنتي محمد) وقال أبو لهب: (رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما) (٣). وقد أبدلها الله بزوج من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ فقد جاء عن قتادة ﵁ أنه قال: (كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب فلما أنزل الله ﵎ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] سأل النبي ﷺ عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك فطلقها، فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية وتوفيت عنده) (٤). وقد تزوجها عثمان بن عفان ﵁ بمكة وهاجرا إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنا سماه عبد الله فكان يكنى به ومات وهو صغير، وقيل مات في جمادى الأولى سنة أربع وهو ابن ست سنين نقره ديك في عينه فتورم وجهه ومرض ومات (٥). وقد وردت في فضائلها طائفة من الأحاديث والآثار منها: ١ - ما رواه الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى الحبشة قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ (٦). ففي هذا منقبة ظاهرة لرقية وزوجها عثمان ﵄ إذ شرفوا بفضل الهجرة الأولى. ٢ - ومن فضائلها أنها لما مرضت ﵂ أمر النبي ﷺ زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال رسول الله ﷺ : ((إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه)) (٧). وفي ذلك منقبة عظيمة ومنزلة رفيعة لرقية ﵂ عند رسول الله ﷺ إذ أنه أذن لعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة فاصلة بين جيش الإيمان وجيش الكفر، لتمريضها ﵂ وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله كمن حضر الغزوة، إكراماً لها وتعظيماً لشأنها ﵂. وقد كانت وفاتها يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة قال ابن عبد البر: (وأما وفاة رقية فالصحيح في ذلك أن عثمان تخلف عليها بأمر رسول الله، وهي مريضة في حين خرج رسول الله ﷺ إلى بدر وتوفيت يوم وقعة بدر ودفنت يوم جاء بن حارثة بشيراً بما فتح الله عليهم ببدر) (٨). وقال ابن كثير عند ذكره لبنات النبي ﷺ : (وماتت رقية ورسول الله ﷺ ببدر، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره) (٩). فرضي الله عنها وأرضاها وبما تقدم يتبين فضلها ومنزلتها عند رسول الله ﷺ .

стр. 3463

٣ - فضل أم كلثوم ﵂ هي أم كلثوم بنت المصطفى سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ ، وأمها خديجة بنت خويلد، تزوجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة، فلما بعث رسول الله ﷺ ، وأنزل الله تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته، ففارقها ولم يكن دخل بها، فلم تزل بمكة مع أبيها ﷺ وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة، فلم تزل بها، ولما توفيت رقية بنت رسول الله ﷺ ، زوجها الرسول ﷺ عثمان بن عفان، وكان ذلك شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة، فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئاً. فرضي الله عنها وأرضاها (١). وقد وردت لها مناقب تدل على فضلها ومنزلتها ﵂: ١ - ما ذكره ابن عبد البر من قوله: (وكان عثمان ﵁ إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد سمع رسول الله ﷺ يذكرها فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: ((ألا أدل عثمان على من هو خير له منها وأدلها على من هو خير لها من عثمان)) فتزوج رسول الله ﷺ حفصة وزوج عثمان أم كلثوم) (٢). ٢ - وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: شهدنا بنتاً لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال فقال: ((هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها)) (٣). قال الحافظ ابن حجر عند شرحه الحديث: (قوله: شهدنا بنتاً للنبي ﷺ هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في (الطبقات) في ترجمة أم كلثوم (٤)، وكذا الدولابي في (الذرية الطاهرة) (٥) .. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في (التاريخ الأوسط) والحاكم في (المستدرك) (٦)، قال البخاري: (ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها، قلت: وهم حماد في تسميتها فقط) (٧). ٣ - ومن مناقبها أن النبي ﷺ صلى على جنازتها ﵂ فقد روى ابن سعد في ترجمتها بإسناده: (أن النبي ﷺ صلى عليها وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد) (٨). وبهذا يتبين فضلها ومنزلتها إذ أبدلها الله بعد مفارقة ابن أبي لهب برجل حيي كريم تستحي منه الملائكة من أفضل صحابة رسول الله ﷺ ، فكان نعم الزوج لها ونعمة الزوجة له، كما أنها حظيت ﵂ بأن يكون المصطفى ﷺ إمام المصلين على جنازتها وكفى بذلك منقبة وفضيلة لما في دعائه لها من البركة والرحمة والمغفرة. وقد كانت وفاتها سنة تسع من الهجرة (٩) فرضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط سليمان بن سالم بن رجاء السحيمي– ص: ١٢١

стр. 3464

٤ - فضل فاطمة ﵂ هي فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله ﷺ وأمها خديجة بنت خويلد كانت تكنى بأم أبيها ولدت ﵂ قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي ﷺ ، زوجها النبي ﷺ علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر وولدت له الحسن والحسين ومحسنا وأم كلثوم وكانت وفاتها بعد وفاة النبي ﷺ بستة أشهر فرضي الله عنها وأرضاها ولقد وردت في مناقبها وفضائلها أحاديث كثيرة منها العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن رجاء السحيمي- ص١٣١ عن عائشة ﵂ قالت: ((أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : مرحباً يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ثم أسر إليها حديثاً فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، حتى قبض النبي ﷺ فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. فبكيت. فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة – أو نساء المؤمنين – فضحكت لذلك)) (١). عن حذيفة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : ((نزل ملك من السماء فاستأذن الله أن يسلم علي لم ينزل قبلها فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)) (٢). عن عائشة ﵂ قالت: ((دعا النبي ﷺ فاطمة ﵍ في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألنا عن ذلك فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت)) (٣). عن المسور بن مخرمة قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها)) (٤). عن عبد الله بن الزبير: ((أن علياً ذكر ابنة أبي جهل فبلغ النبي ﷺ فقال: إنها فاطمة بضعة منى يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها)) (٥). عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: ((ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً، وقال الحسن: حديثاً وكلاماً – ولم يذكر الحسن السمت والهدى والدل – برسول الله ﷺ من فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها)) (٦). عن سالم عن أبيه أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ حين أمر أسامة بن زيد فبلغه أن الناس عابوا أسامة وطعنوا في إمارته فقام رسول الله ﷺ في الناس فقال كما حدثني سالم: ((ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لأحب الناس كلهم إلي، وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم. قال سالم ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط إلا قال ما حاشا فاطمة)) (٧). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ٢٥٢

стр. 3465

أولا: حمزة سيد الشهداء عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) (١).

стр. 3466

ثانيا: شهادة عبد الرحمن بن عوف – أحد العشرة – لحمزة بأنه خير منه عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أتي بطعام – وكان صائماً – فقال: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة – وهو خير مني – ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط – أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا – وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) (١).

стр. 3467

ثالثا: حمزة أسد الله عن سعد بن أبي وقاص قال: (كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: أنا أسد الله) (١).

стр. 3468

رابعا: حمزة المبارز يوم بدر عن قيس بن عباد عن أبي ذر ﵁ (أنه كان يقسم فيها قسماً إن هذه الآية: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر) (١).

стр. 3469

خامسا: قصة قتل حمزة ووجد الرسول ﷺ عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: ((خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص فسألنا عنه فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير فسلمنا فرد السلام قال: وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك. قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر قال: فلما أن خرج الناس عام عينين – وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد – خرجت مع الناس إلى القتال فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله ﷺ ؟ قال: ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب. قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا منى رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذاك العهد به فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلاً فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ فلما رآني قال: أنت وحشي قلت: نعم. قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ قال: فخرجت فلما قبض رسول الله ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته حربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته)) (١). عن ابن عباس قال: (لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع قال: فلقيت علياً والزبير فقال علي للزبير: اذكر لأمك، قال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك قالت: ما فعل حمزة؟ قال فأرياها أنهما لا يدريان قال: فجاء النبي ﷺ فقال: إني أخاف على عقلها قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء وقام عليه وقد مثل به فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع. قال: ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبعاً ثم يرفعون ويترك حمزة ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم حتى فرغ منهم) (٢).

стр. 3470

سادسا: بعد حمزة من النار عن ابن مسعود قال: ((قال أبو سفيان يوم أحد: قد كانت في القوم مثلة، وإن كانت لعن غير ملاء مني، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ساءني ولا سرني قال: ونظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع هند أن تأكلها فقال رسول الله ﵌ أكلت منها شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار)) (١). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ١٨٤
следующие страницы →