← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

قلت: وذلك لأن صاحب الشرف مظنة الاتباع والقدوة لغيره. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم بن رجاء السحيمي– ص: ١٩٧ الشرط الثالث: ثبوت النسب: أشرفُ الأنساب نسَبُ نبيِّنا محمد ﷺ ، وأشرف انتسابٍ ما كان إليه ﷺ وإلى أهل بيتِه إذا كان الانتسابُ صحيحاً، وقد كثُرَ في العرب والعجم الانتماءُ إلى هذا النَّسب، فمَن كان من أهل هذا البيت وهو مؤمنٌ، فقد جمَع الله له بين شرف الإيمان وشرف النَّسب، ومَن ادَّعى هذا النَّسبَ الشريف وهو ليس من أهله فقد ارتكب أمراً محرَّماً، وهو متشبِّعٌ بِما لَم يُعط، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : ((المتشبِّعُ بِما لَم يُعْطَ كلابس ثوبَي زور))، رواه مسلمٌ في (صحيحه) (١) من حديث عائشة ﵂. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تحريمُ انتساب المرء إلى غير نسبِه، ومِمَّا ورد في ذلك حديثُ أبي ذر ﵁ أنَّه سَمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: ((ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يَعلَمه إلاَّ كفر بالله، ومَن ادَّعى قوماً ليس له فيهم نسبٌ فليتبوَّأ مقعَدَه من النار))، رواه البخاريُّ، ومسلم، واللفظ للبخاري (٢). وفي (صحيح البخاري) من حديث واثلة بن الأَسْقع ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ مِن أعظَمِ الفري أن يَدَّعيَ الرَّجلُ إلى غير أبيه، أو يُري عينَه ما لَم تَرَ، أو يقولَ على رسول الله ﷺ ما لَم يقل)) (٣)، ومعنى الفري: الكذب، وقوله: ((أو يُري عينَه ما لَم تَرَ))، أي: في المنام. وفي (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) ﵀ (٣١/ ٩٣) أنَّ الوقفَ على أهل البيت أو الأشراف لا يستحقُّ الأخذَ منه إلاَّ مَن ثبت نسبُه إلى أهل البيت، فقد سُئل عن الوقف الذي أُوقِف على الأشراف، ويقول: (إنَّهم أقارب)، هل الأقاربُ شرفاء أم غير شرفاء؟ وهل يجوز أن يتناولوا شيئاً من الوقف أم لا؟ فأجاب: (الحمد لله، إن كان الوقفُ على أهل بيتِ النَّبِيِّ ﷺ أو على بعض أهل البيت، كالعلويِّين والفاطميِّين أو الطالبيِّين، الذين يدخل فيهم بنو جعفر وبنو عَقيل، أو على العبَّاسيِّين ونحوِ ذلك، فإنَّه لا يستحقُّ مِن ذلك إلاَّ مَن كان نسبُه صحيحاً ثابتاً، فأمَّا مَن ادَّعى أنَّه منهم أو عُلِم أنَّه ليس منهم، فلا يستحقُّ مِن هذا الوقفِ، وإن ادَّعى أنَّه منهم، كبَنِي عبدالله بن ميمون القدَّاح؛ فإنَّ أهلَ العلمِ بالأنسَاب وغيرَهم يعلمون أنَّه ليس لهم نسبٌ صحيحٌ، وقد شهد بذلك طوائفُ أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والأنساب، وثبت في ذلك محاضرُ شرعيَّة، وهذا مذكورٌ في كتب عظيمة مِن كتب المسلمين، بل ذلك مِمَّا تواتر عند أهل العلم. وكذلك مَن وقف على الأشراف، فإنَّ هذا اللفظ في العُرف لا يدخل فيه إلاَّ مَن كان صحيح النَّسَب من أهل بيت النَّبِيِّ ﷺ . وأمَّا إن وقف واقفٌ على بني فلانٍ أو أقارب فلانٍ ونحو ذلك، ولم يكن في الوقف ما يقتضي أنَّه لأهل البيت النبويِّ، وكان الموقوف مُلكاً للواقف يصح وقفُه على ذريّة المعيَّن، لم يدخل بنو هاشم في هذا الوقف). فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة لعبدالمحسن بن حمد العباد البدر-ص: ٨٢ فمتى ثبت الانتساب إلى آل البيت مع الإسلام استحق ما لهم من حقوق. ويتعين على هذا ترك الانتساب إليه ﷺ إلا بحق وقد جاء الوعيد الشديد في من انتسب إلى غير أبيه أو ادعى قوماً ليس له فيهم نسب.

стр. 3502

فقد جاء في الحديث الصحيح عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل)) (١). وجاء عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار)) (٢). وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر)) (٤). ففي هذه الأحاديث الوعيد الشديد لمن انتسب إلى غير أبيه أو قوماً غير قومه، وتحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره، وقيد لك بالعلم ولابد منه في الحالتين إثباتاً أو نفياً لأن الإثم يترتب على العالم بالشيء المتعمد له (٥). ومما يدل على عظم جرم صاحب ذلك الفعل أنه عطفه على الكذب على النبي ﷺ والكذب على النبي ﷺ كذب على الله وقد قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأنعام: ٢١]. وقد ذكر القاضي عياض أنه روي عن مالك فيمن انتسب إلى بيت النبي ﷺ أنه يضرب ضرباً وجيعاً، ويشهر، ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق رسول الله ﷺ (٦). ومع هذا فقد كثر في العصور المتأخرة الانتساب إلى آل البيت إما لمطامع دنيوية وطلب رفعة ومنزلة مكذوبة أو من أجل الكيد للإسلام وأهله. فالناظر في كتب التصوف يجد أن كثيراً من أرباب الطرق ينتسبون إلى آل البيت ليخدعوا الناس بتلك الدعوى، كما أن كتب الرافضة مليئة بذلك حيث اتخذوا آل البيت ستاراً لبث أفكارهم ومعتقداتهم. وكما تقدم من أن الانتساب إلى آل البيت لا يكفي لوحده ولو ثبت ذلك فإن الصوفية القائلة بوحدة الوجود أو أن الشريعة لها ظاهر وباطن أو جواز الطواف على القبور والعكوف عندها، والرافضة القائلة بأن القرآن محرف ومزيد فيه ومنقوص منه (٧)، وأن الصحابة جلهم قد ارتد عن الإسلام (٨) وأن الأئمة معصومون (٩)، وغير ذلك من المعتقدات التي تنافي الإسلام كالقول بالرجعة ونسبة البداء لله فهؤلاء وأمثالهم لا حظ لهم في الحقوق ولو صح انتسابهم إلى آل البيت لعدم توافر الشرط اللازم لذلك، والله أعلم. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم بن رجاء السحيمي- ص: ١٩٧

стр. 3503

الفصل الثالث: موقف أهل السنة من العلماء • ١ - أنه لصبرهم وتقواهم كانت لهم الإمامة في الدين:. • ٢ - أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله ﷺ :. • ٣ - أن الرد إليهم عند نزول النوازل لما خصهم الله به من القدرة على الاستنباط. • ٤ - ومن فضلهم: أنه قرنت شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة. • ٥ - ومن فضلهم: أن اتباعهم يهدي إلى الصراط السوي. • ٦ - ومن فضلهم: أنهم ورثة الأنبياء. • ٧ - أنهم ممن أراد الله بهم الخير. • ٨ - أن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين يصلون على معلم الناس الخير. • ٩ - أن العالم لا ينقطع عمله ما بقي علمه ينتفع به الناس. • ١٠ - العلماء هم الدعاة إلى الله .

стр. 3504

١ - أنه لصبرهم وتقواهم كانت لهم الإمامة في الدين: قال الله ﵎: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٧]. فبين لهم نبيهم ﵊ أن الله اصطفاه عليهم، ونوه إلى اتصافه بالبسط في العلم والجسم، ففي هذا إشارة إلى أن ذلك من أوصاف من يكون قائداً: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤]. (فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك؛ قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به، وصار متبوعاً لمن بعده، كما كان تابعاً لمن قبله، وإلا فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وتلقاه عنهم التابعون، ثم تابعوهم إلى يوما القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم، وعليها أصبر، والله أعلم وأحكم، والله أعلم) (١) اهـ.

стр. 3505

٢ - أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله ﷺ : قال الله –﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: ٥٩]. وأولو الأمر هم: الأمراء، والعلماء. فطاعة العلماء تبع لطاعة الله ورسوله ﷺ . وطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء. فإن باب الخروج على الأمراء والحكام هو العلماء، فإن أضيع حق العلماء؛ ضاع حق الأمراء، وإذا ضاع حق العلماء والأمراء؛ خرج الناس عليهم؛ فحياة العالم وصلاحه حياة العالم وصلاحه! فإذا ضاعت حقوق العلماء؛ ضاعت حقوق الأمراء، وإذا ضاعت حقوق العلماء والأمراء؛ فسد العالم!!

стр. 3506

٣ - أن الرد إليهم عند نزول النوازل لما خصهم الله به من القدرة على الاستنباط قال الله – ﵎: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: ٨٣]. ففي الآية الرجوع إليهم عند نزول النوازل وطلب حكمها، وترك الافتئات عليهم، والتقدم عليهم فيها. وفي الآية أن الرجوع إلى أهل الرأي رد لما أمر الله به من الرد إلى العلماء الذين يستنبطونه؛ لأن أهل الرأي ليسوا من أهل الاستنباط.

стр. 3507

٤ - ومن فضلهم: أنه قرنت شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة قال الله ﵎: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨].

стр. 3508

٥ - ومن فضلهم: أن اتباعهم يهدي إلى الصراط السوي قال الله ﵎: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم: ٤٣]. وقال ﵎: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣]. عن عبد الله بن مسعود قال: ((خط لنا رسول الله ﷺ خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣])) (١). فمن اتبع العلماء؛ اتبع الصراط المستقيم، ومن خالف العلماء، وأضاع حقهم؛ فقد خرج إلى سبيل الشيطان، ففارق الصراط المستقيم الذي عليه الرسول ﷺ وأتباعه. قال محمد بن الحسين الآجري – ﵀: (فما ظنكم –رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا؛ فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية. ثم جاءت طبقات من الناس لابد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة؛ فما ظنكم بهم؟! هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه؛ إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العالم تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها مصيبة) (٢) اهـ.

стр. 3509

٦ - ومن فضلهم: أنهم ورثة الأنبياء عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سلك طريقا يطلب فيه علما؛ سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، وأورثوا العلم، فمن أخذه؛ أخذ بحظ وافر)) (١). قال أبو حاتم بن حبان ﵁: (في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرناهم الذين يعلمون علم النبي ﷺ دون غيره من سائر العلوم، ألا تراه يقول: ((العلماء ورثة الأنبياء)). والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا ﷺ ، سنته، فمن تعرى عن معرفتها؛ لم يكن من ورثة الأنبياء) (٢) اهـ. قال ابن القيم –﵀: (قوله: ((إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، وأورثوا العلم)). هذا من كمال الأنبياء، وعظم نصحهم للأمم، وتمام نعمة الله عليهم وعلى أممهم أن أزاح جميع العلل، وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس أن الأنبياء من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها، فحماهم الله من ذلك أتم الحماية. ثم لما كان الغالب على الناس أن أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده، ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده؛ سد هذه الذريعة عن أنبيائه ورسله، وقطع هذا الوهم الذي عساه أن يخالط كثيراً من النفوس التي تقول: فلعله إن لم يطلب الدنيا لنفسه؛ فهو يحصلها لولده، فقال: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة)) (٣). فلم تورث الأنبياء ديناراً ولا درهما، وإنما ورثوا العلم. وأما قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل: ١٦]. فهو ميراث العلم والنبوة لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين وغيرهم؛ وهذا لأن داود ﵇ كان له أولاد كثيرة سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال؛ لم يكن سليمان مختصاً به. وأيضاً؛ فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان، وورثه ابنه، ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة. وأيضاً؛ فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة، لا وراثة المال. قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل: ١٥ - ١٦]. وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل: ١٦]. وكذلك قول زكريا –﵊: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: ٥ - ٦]. فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوا ماله، فيسأل العظيم ولداً يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم. وقد نزه الله أنبياءه ورسوله عن هذا وأمثاله، فبعداً لمن حرف كتاب الله ورد على رسوله كلامه، ونسب الأنبياء إلى ما هم برآء منزهون عنه، والحمد لله على توفيقه وهدايته) (٤) اهـ. فالعلماء ورثوا العلم، فبه يسوسون العباد والبلاد والممالك، فموتهم فساد لنظام العالم.

стр. 3510

٧ - أنهم ممن أراد الله بهم الخير عن معاوية ﵁، قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً؛ يفقهه في الدين)) (١). فالعالم ممن أراد الله به خيراً. والعلماء ثلاثة: - عالم بالله وبأمره. - عالم بالله غير عالم بأمره. - عالم بأمره غير عالم به. وقال علي بن خشرم: (سمعت ابن عيينة يقول: قال بعض الفقهاء: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله، وعالم بالله وبأمر الله. وأما العالم بأمر الله: فهو الذي يعلم السنة ولا يخاف الله. وأما العالم بالله: فهو الذي يخاف الله، ولا يعلم السنة. وأما العالم بالله وبأمر الله: فهو الذي يعلم السنة، ويخاف الله؛ فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السموات) (٢).

стр. 3511

٨ - أن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين يصلون على معلم الناس الخير عن أبي أمامة الباهلي قال: ((ذكر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله ﷺ : إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)) (١). قال الفضيل بن عياض: (عالم عامل معلم يدعى كبيراً في ملكوت السموات) (٢).

стр. 3512

٩ - أن العالم لا ينقطع عمله ما بقي علمه ينتفع به الناس عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (١). والحديث يدل على أن عمل العالم والثواب عليه لا ينقطع بمجرد موته، ما دام الناس ينتفعون بعلمه، وهذا يشمل ما خلفه من تعليم علمه للناس، وما خلفه من تصانيف ينتفع بها الناس، ويشمل في زماننا ما في حكم التصانيف من دروس وفتاوى مسجلة. معاملة العلماء – محمد بن عمر بن سالم بازمول ص: ٢٩

стр. 3513

١٠ - العلماء هم الدعاة إلى الله العلماء المقصود بهم: العالمون بشرع الله، والمتفقهون في الدين، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، على سنة رسول الله ﷺ ، وسلف الأمة، الداعون إلى الله بالحكمة التي وهبهم الله إياها: وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩]. والحكمة: العلم والفقه. فعلى هذا فالعلماء بهذا التعريف: هم الدعاة بداهة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم الدعاة، فأجدر من يتصدر الدعوة بعد الأنبياء – وقد انقضت النبوة وانتهت – هم العلماء وذلك: أولا: لأنهم ورثتهم. والأنبياء لم يورثوا درهما ولا ديناراً، إنما ورثوا هذا العلم. والدعوة إنما تكون بالعلم، فأهل العمل هم الدعاة. ثانياً: العلماء هم حجة الله في أرضه على الخلق، والحجة لا تقوم إلا على لسان داعية بفقهه وبعلمه وبقدوته، فعلى هذا، فالعلماء هم أجدر الناس بالدعوة. ثالثاً: العلماء هم أهل الحل والعقد في الأمة، وهم أولو الأمر الذين تجب طاعتهم، كما قال غير واحد من السلف في تفسير قوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]. قال مجاهد: هم أولو العلم والفقه، وإذا كانوا هم أولوا الأمر فولايتهم للدعوة من باب أولى. رابعاً: العلماء هم المؤتمنون على مصالح الأمة العظمى؛ على دينها، وعلى دنياها وأمنها ومن باب أولى أن يكونوا هم المؤتمنون على الدعوة وشؤونها. خامساً: العلماء هم أهل الشورى الذين ترجع إليهم الأمة في جميع شؤونها ومصالحها. وإذا كانوا يستشارون في جميع مصالح الأمة – في دينها ودنياها – فمن باب أولى أن يكونوا هم أهل الشورى في الدعوة وقيادتها. سادساً: العلماء هم أئمة الدين، والإمامة في الدين فضل عظيم، وشرف ومنزلة رفيعة، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤]. والإمامة في الدين تقتضي بالضرورة الإمامة في الدعوة. وما الدين إلا بالدعوة، وما الدعوة إلا بالدين. سابعا: العلماء هم أهل الذكر، والذكر بالعلم والدعوة، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]. فعلى هذا هم أهل الدعوة إلى الله تعالى. ثامنا: العلماء أفضل الناس كما قال تعالى: يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، وأفضل الناس هو الداعي إلى الله. تاسعاً: العلماء هم أزكى الناس، وأخشاهم لله، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]. وإذا كانوا هم كذلك، فهم الأجدر أن يكونوا هم الدعاة على هذه الصفات، وهم الأجدر أن يكونوا هم القادة والرواد في الدعوة. عاشراً: العلماء هم الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر بالعلم والحكمة، إذا فالعلماء هم الدعاة. حادي عشر: العلماء هم شهداء الله الذين أشهدهم الله على توحيده، وقرن شهادته بشهادته – سبحانه – وبشهادة ملائكته؛ وفي هذا تزكيتهم وتعديلهم، فقال تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ ومن كانوا كذلك فهم المؤتمنون على الدعوة، وهم الأولى بقيادتها وريادتها. هذا على وجه العموم، فالعلماء هم أهل هذه الخصال. ولا يلزم أن تتوفر كل هذه الخصال في كل عالم، فالكمال لا يكون إلا لله – سبحانه – لكنهم في الجملة – أي العلماء – لا شك أنهم المتميزون بهذه الصفات الجديرون بها. العلماء هم الدعاة لناصر بن عبد الكريم العقل – ص: ٥

стр. 3514

تمهيد مما لا شك فيه أن العلماء كغيرهم من الناس بل هم عرضة للخطأ والغفلة والسهو فقد تقع منهم الأخطاء ولذلك نسب النبي ﷺ الخطأ إلى أبي بكر الصديق. فقال له: ((أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً)) (١) وذلك لما طلب منه رسول الله ﷺ أن يسمح له بتعبير رؤيا. وعن أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)) (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ كما في (مجموع الفتاوى): ( .... فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين وهذا في الذنوب المحققة وأما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم وخطؤهم مغفور لهم) (٣)، ويقول الإمام الشاطبي كما في (الاعتصام): ( ... فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلاً وأنه متى وجد متوجهاً غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكماً ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة) (٤). وقال في (الموافقات): (إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليداً له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها) (٥). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ١٧

стр. 3515

المطلب الأول: التحذير من زلة العالم شبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير (١). وقيل: زلة العالم مضروب بها الطبل. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن (٢) , وأئمة مضلون) (٣). وقال سلمان الفارسي ﵁: ((كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة العالم، فإن اهتدى؛ فلا تقلدوه دينكم، تقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وننتهي عما ينتهي عنه فلان، وأن أخطأ؛ فلا تقطعوا إياسكم منه، فتعينوا عليه الشيطان)) الحديث (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: (ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه؛ فيترك قوله ذلك، ثم يمضي الأتباع) (٥). وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول في خطبته كثيراً: (وإياكم وزيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به؛ فإن على الحق نوراً، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟، قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه؛ فإنه يوشك أن يفيء، وأن يراجع الحق) (٦). وقال الحسين بن فضل: (لكل عالم هفوة) (٧). وقال علي بن الحسين ﵀ ورضي عن أبيه: (ليس ما لا يعرف من العلم، إنما العلم ما عرف، وتواطأت عليه الألسن) (٨). وقال إبراهيم بن أبي عبلة ﵀: (من حمل شاذ العلم حمل شراً كثيراً) (٩). قال مالك: (شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس) (١٠). وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (لا يكون إماماً في الحديث من تتبع شواذ الحديث، أو حدث بكل ما يسمع، أو حدث عن كل أحد) (١١). حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٦٦

стр. 3516

المطلب الثاني: أصناف الناس تجاه زلة العالم الناس تجاه زلة العالم ثلاثة أصناف: ١ - صنف لا يرى أن عند هذا العالم أي خطأ، فهو يعظمه ويجله ويصوبه لدرجة أن يجعل سيئاته حسنات. ٢ - وصنف يسقط ذلك العالم لمجرد تلك الزلة أو الزلات فلا يرى له حسنة إطلاقاً. ٣ - وصنف وفقه الله وسدده فاتبع الحق وهو العدل، فتراه يعظم من يستحق التعظيم من أهل العلم والدعاة والصالحين مع إقرارهم بأنه وإن عظم شأن الرجل فإنه تكون له الحسنات والسيئات فيمدح ويوالى ويذم ويعادى بحسب ما فيه من الحسنات والسيئات. قال شيخ الإسلام ﵀: (ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة .. أهل البيت وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتقين. ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه ... وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه. بل في بره وكونه من أهل الجنة بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد. والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا. ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه. فيعظم الحق ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه، ويبغض من وجه. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (١). قلت: ومن قرأ في التاريخ عرف ما حصل من الفتن بسبب القدح في العلماء والطعن فيهم أو تعظيمهم وإنزالهم منزلة المعصومين. فالروافض مثلاً غلوا في قدحهم في أبي بكر رضوان الله عليه وأعلام الصحابة، كما غلوا في مدحهم علياً ﵁. والنواصب غلوا في قدحهم علياً ومدحهم لبقية الصحابة رضوان الله على الجميع. فهذا الغلو من الطرفين جر الأمة إلى مصائب فادحة في جوانب شتى. قال شيخ الإسلام: (والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم كحال أهل البدع. فإن الرافضة تعمد إلى أقوام متقاربين في الفضيلة تريد أن تجعل أحدهم معصوماً من الذنوب والخطايا. والآخر مأثوماً فاسقاً أو كافراً فيظهر جهلهم وتناقضهم كاليهودي والنصراني إذا أراد أن يثبت نبوة موسى أو عيسى مع قدحه في نبوة محمد ﵊ فإنه يظهر عجزه وجهله وتناقضه) (٢). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ١٣ الموقف المذموم من زلة العالم وله صورتان: الأولى: موقف من يتتبعون عثرات العلماء، ويتصيدون زلاتهم، ويفرحون بها، ويستثمرونها في تأثيمهم، والتشهير بهم، والتشنيع عليهم، لإهدار قدرهم، وإسقاط منزلتهم، وإحباط محاسنهم، وجحود فضائلهم، بداع من التعصب الأعمى، أو التحزب الجاهلي، أو التآمر لتحطيم قمم الإسلام، ورموز نهضته. والمؤمن الصادق ينصح لوجه الله، لإحقاق الحق، وهداية الناس، لا للتجريح والتشهير والعدوان، وإذكاء نار الفتن التي تأكل الأوقات، وتستنفد الطاقات. وقد شكا العلماء قديماً وحديثاً من هذا الصنف المتربص الجاحد الظالم: قال داود بن يزيد: سمعت الشعبي يقول: (والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة، وأخطأت مرة؛ لأعدوا علي تلك الواحدة) (٣). وفي هؤلاء قال الشاعر: إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحاً ... مني وما يسمعوا من صالح دفنوا آخر: إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا، وإن لم يسمعوا أفكوا

стр. 3517

وقال محمد بن سيرين: (ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره) (١). الصورة الثانية: موقف من يغالون في أئمتهم وعلمائهم ومشائخهم غلواً يقطعهم عن رؤية زلتهم، فضلاً عن الحذر منها، وكأنهم اقتبسوا شعلة من نور العصمة التي لا تنبغي إلا لنبي، وقد قيل: (حبك الشيء يعمي ويصم)، وقال ابن مسعود ﵁: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) (٢). وقال الإمام أحمد ﵀: (لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا). وهاك صوراً من الغلو في العلماء: فمن ذلك قول بعضهم: (نظرة عندنا من أحمد - أي: ابن حنبل – تعدل عبادة سنة). وقول آخر: (عندنا بخراسان يظنون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة). وقال شيخ السلمي له: (من قال لأستاذه: لم؟ لم يفلح أبداً) (٣). وحكى الشيخ سليمان بن يوسف بن مفلح أحد أعلام الشافعية ﵀ عن نفسه، فقال: (كنت إذا سمعت شخصاً يقول: أخطأ النووي، أعتقد أنه كفر) (٤). فأين هؤلاء من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله). قال الإمام ابن القيم: (اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه, بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة) اهـ (٥). وقال ابن المبارك ﵀ لمناظرين في الكوفة في النبيذ المختلف فيه لما احتجوا بأسماء بعض أهل العلم: (فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال؛ فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحد أن يحتج بها؟) (٦). حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص ٣٦٨

стр. 3518

أولاً: اعتقاد عدم عصمة العالم وأن الخطأ لا يستلزم الإثم الخطأ من مقتضى الطبيعة البشرية لا يسلم منه إلا المعصوم ﷺ ، وإن الخطأ لا يستلزم الإثم؛ بل المجتهد المخطئ مأجور. وقال أبو هلال العسكري ﵀: (ولا يضع من العالم الذي برع في علمه زلة، إن كانت على سبيل السهو والإغفال؛ فإن لم يعر من الخطإ إلا من عصم الله جل ذكره، وقد قالت الحكماء: (الفاضل من عدت سقطاته)، وليتنا أدركنا بعض صوابهم, أو كنا ممن يميز خطأهم) (١) اهـ. تريد مهذباً لا عيب فيه ... وهل عود يفوح بلا دخان آخر: فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف وقال الإمام ابن الأثير – ﵀: (وإنما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((حق على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه)) (٢)) (٣). من ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحضة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان: لا يعصمون, ولا يؤثمون) (٤). وقال أيضاً ﵀: (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا، كما قال تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]. قال الله: ((قد فعلت)) (٥). وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فنقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر: ١٠]. وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين، لاسيما أهل العلم منهم، كما أمر الله ورسوله، ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد، وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فهو من الظالمين، ومن عظم حرمات الله، وأحسن إلى عباد الله، كان من أولياء الله المتقين، والله سبحانه أعلم) (٦). حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٧١ لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ، فعلماء الحديث والأثر وأهل الفقه والنظر ربما حصل منهم أغلاط لأنَّهُم غير معصومين، وهذه الأغلاط التي قد تحصل منهم، حُصُولها من نِعَمِ الله . ولمَّا سُئِلَ بعض الأئمة عن غلط العالم؛ كيف يغلط العالم، كيف يخالف السنة، كيف يكون في سلوكه مُقَصِّرْ، كيف يغيب عن ذهنه في مسألة التدقيق ويتساهل؟

стр. 3519

فقال (لئلا يُشَابِهْ العلماء الأنبياء)، لأنَّ النبي هو الذي لا ينطق عن الهوى، هو الذي يصيب في كل شيء وهو الذي يُتَّبَعْ في كل شيء، فإذا كان العالم على صوابٍ كثير وربما وقع في اجتهاد هو عليه مأجور ولكنه أخطأ في ذلك، لم يكن عند الناس رَفْعْ لعالم في منزلة النبي فَيُتَّبَعْ على كل شيء، فيحصل في النفوس التوحيد والبحث عن الحق من الكتاب والسنة والنظر فيما يُبَرِّئْ الذمة في ذلك. وهذه عبوديات في القلب يسلكها الناس مع وجود هذا الخلاف بين أهل العلم. ولهذا إذا نظرت في هؤلاء الذين عَنَاهُمْ الطحاوي (أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) هو عَنَى بهم أوَّلِيًّا الأئمة الأربعة: - أبو حنيفة: وهو من أهل الفقه والنظر ليس هو من أهل الحديث والأثر. - والإمام مالك والشافعي وأحمد: وهؤلاء هم أئمة أهل الحديث كما أنهم أئمة أهل الفقه في المذاهب المتبوعة المعروفة. هؤلاء بينهم خلاف في مذاهبهم، أبو حنيفة يذهب إلى قول، مالك يذهب إلى قول، الشافعي يذهب إلى قول، الإمام أحمد يذهب إلى قول. هؤلاء منهم من يكون قوله هو الصواب، ومنهم من يكون قوله خلاف الأولى، أو يكون قوله مرجوحاً وهكذا. فالعالم يُدَقِّقْ ويَتَحَرَّى من الأقوال ولا يُقَلِّدُ عالماً في كل ما قال؛ لأنَّ المسائل كثيرة جداً وهو بشر فقد يتهيأ له في المسألة أَنْ يُدَقِّقْ وفي مسألة أخرى لا يدقق وهكذا. لهذا وجب على أهل الإيمان أنْ يَتَوَلَّوا جميع العلماء وأن يذكروهم بخير وأن لا يذكروا أحداً منهم بسوء شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ

стр. 3520

ثانيا: أن نثبت له الأجر ولا نقلده على خطئه لقوله ﵊: ((الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر)) (١). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ١٣ هذا الحديث يدل على أن العالم – إذا كان مستوفياً لشروط الاجتهاد – إذا اجتهد في مسألة ما واستفرغ جهده للوصول إلى الحق أجر على ذلك أجران إن أصاب الحق، أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق. وإذا لم يصب الحق أجر أجراً واحداً وذلك على اجتهاده ورفع عنه الإثم والحرج على عدم إصابته للحق لقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] لكن الأمر الذي يجب أن يتنبه له هو أن هذا الخطأ الذي أخطأ فيه العالم لا يجوز متابعته عليه بل يجب أن يحذر العامة كي لا يغتروا به، إلا أن المتتبعين للرخص يحتجون بتقليد العالم في هذه الزلة فيقال لهم: طالما وأنتم مقلدون فما هو الحامل لكم على تقليد هذا العالم ومخالفة الكثيرين من العلماء من أفتى بخلافه. ثم يقال لهم أيضاً إن كنت حسب ما تقولون إنكم مقلدون لهذا العالم في هذه الزلة (والتي تسمونها رخصة)، فلم لا تقلدونه في الأمور الأخرى مما لم يرخص فيه؟ بل نراكم تبحثون عن عالم آخر تأخذون عنه زلاته التي خالف فيها العالم الأول وهكذا دواليك. والحقيقة أنهم اتخذوا التقليد ستاراً لتحقيق رغبات أنفسهم. هذا ولقد حذر سلفنا الصالح من زلات العلماء وذلك لأن العالم إذا زل تابعه على ذلك كثير من الناس ولذلك قيل: (زلة العالِم – بكسر اللام – زلة العالَم – بفتح اللام-). وقال عمر بن الخطاب ﵁ كما روى ذلك عنه الدارمي في (السنن)، وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) بإسناد صحيح قال: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) (٢). وقال ابن عباس كما في (المدخل) للبيهقي والخطيب في (الفقيه والمتفقه) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) بإسناد حسن: قال: ويل للأتباع من زلة العالم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم برسول الله ﵌ منه فيخبره ويرجع ويقضي الأتباع بما حكم (٣). وقال الإمام الشاطبي كما في كتابه (الموافقات): (وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك –يعني في النبيذ المختلف فيه- فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة. فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه. فاحتجوا، فما جاؤوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة فما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه. قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق: عدَّ أن ابن مسعود لو كان ههنا جالساً فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن: فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام؟

стр. 3521

فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاووس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خياراً. قال فقلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يداً بيد؟ فقالوا: حرام. فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالاً فماتوا وهم يأكلون الحرام، فبقوا وانقطعت حجتهم هذا ما حكى) (١) اهـ المراد. وقال الغزالي في (المستصفى): فمن اعتقد أن الشافعي ﵀ أعلم والصواب على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده) (٢) اهـ المراد. وقال الفتوحي في (شرح الكوكب المنير): ( ... ويحرم عليه -أي على العامي- تتبع الرخص وهو أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب. ويفسق به -أي تتبع الرخص- لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين، فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره. قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً. ومما يحكى أن بعض الناس تتبع رخص المذاهب من أقوال العلماء وجمعها في كتاب وذهب به إلى بعض الخلفاء فعرضه على بعض العلماء الأعيان فلما رآها قال: (يا أمير المؤمنين هذه زندقة في الدين ولا يقول بمجموع ذلك أحد من المسلمين) (٣). قلت: هذه الحكاية نقلها الإمام الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول ص: ٢٧٢) فقال: (وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فرفع إلي كتاباً لأنظر فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم. فقلت: مصنف هذا زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر. وما من عالم إلا وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب). وقال الإمام الشوكاني ﵀: (أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له فقال أبو إسحاق المروزي: يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق. قال الإمام أحمد بن حنبل: لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة بالسماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقاً) (٤). قلت: وانظر (روضة الطالبين) للنووي (٥). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ٤١

стр. 3522

ثالثا: عدم الاعتماد عليها وترك العمل بها أن يعلم أن زلة العالم ليست من الشرع في شيء، فلا تنسب إليه، ولا هي من الخلاف السائغ، ولا يجوز اقتداء به فيها، بل يتعين تبرئة الشريعة منها. قال الإمام الشاطبي في (الموافقات): (إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليداً له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتداً بها؛ لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها. كما أنه لا ينبغي أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً؛ فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) اهـ (١). وقال الإمام الشاطبي أيضاً: (إنه لا يصح اعتمادها – أي زلة العالم – خلافاً في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد؛ فهو لم يصادف فيها محلاً، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: (إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء, وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) اهـ (٢). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: (ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله – وهو مما يختص به العلماء رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها) اهـ (٣). ومع أهمية التنبيه إلى زلة العالم، فإن هذا لا يستلزم هجره وإطراح ما عدا ذلك من علومه النافعة، كما يفعل الغلاة من المنتسبين إلى طلب العلم، وفي هذا يقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى: (فهذه الآراء المغلوطة لم تكن سبباً في الحرمان من علوم هؤلاء الأجلة، بل مازالت منارات يهتدي بها في أيدي أهل الإسلام، وما زال العلماء على هذا المشرع ينبهون على خطإ الأئمة مع الاستفادة من علمهم وفضلهم، ولو سلكوا مسلك الهجر لهدمت أصول وأركان، ولتقلص ظل العلم في الإسلام، وأصبح الاختلال واضحاً للعيان، والله المستعان) (٤) اهـ. حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٧٣

стр. 3523

رابعا: أن يلتمس العذر للعالم، ويحسن الظن به، ويقيله عثرته قال الإمام السبكي – ﵀: (فإذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله) (١). وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه، ويناظر عنه) (٢). وأسند البخاري في كتاب الشروط من (صحيحه) قصة الحديبية ومسير النبي ﷺ إليها، وفيها: ((وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)) إلخ الحديث. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فقه الحديث: (جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها، لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحاً، ولم يعاتبهم النبي ﷺ على ذلك لعذرهم في ظنهم) (٣) اهـ. قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: (فقد أعذر النبي ﷺ غير المكلف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالماً عاملاً، ثم وقعت منه هنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها – استصحاباً للأصل – وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنف قاطعاً للطريق ردءاً للنفس اللوامة، وسبباً في حرمان العالم من علمه، وقد نهينا أن يكون أحدنا عونا للشيطان على أخيه) (٤) اهـ. ثم نقل قول الصنعاني رحمه الله تعالى: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) اهـ. وعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : ((من أقال مسلما أقال الله عثرته)) (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) (٦). قال الإمام الشافعي – ﵀ – (ذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم الذين ليسوا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة) (٧).

стр. 3524

وقال الإمام العز بن عبد السلام – ﵀: (لو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها، بل يقيل عثرتهم، ويستر زلتهم، فهم أولى من أقيلت عثرته، وسترت زلته) (١). وقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: (الظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عضب صبره، وأديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته مالم يكن حداً من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع) (٢) اهـ. حرمة أهل العلم - لمحمد إسماعيل المقدم – ص ٣٧٤ يجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول ﷺ . ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه - فلا بد له في تركه من عذر. وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز – ٢/ ٧٤٠

стр. 3525

خامسا: أن يحفظ للعالم قدره، ولا يجحد محاسنه قال الذهبي في ترجمة القفال الشاشي: (قال أبو الحسن الصفار: سمعت أبا سهل الصعلوكي، وسئل عن تفسير أبي بكر القفال، فقال: (قدسه من وجه، ودنسه من وجه)، أي دنسه من جهة نصر الاعتزال، قلت: قد مر موته، والكمال عزيز – وإنما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها، وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١). واستدرك الإمام المحقق ابن القيم ﵀ بعض ألفاظ الشيخ أبي إسماعيل الهروي، وقال: (في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير، يجبره حسن حال صاحبه وصدقه، وتعظيمه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له) (٢). وقال أيضاً: (شيخ الإسلام حبيبنا، ولكن الحق أحب إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: (عمله خير من علمه)، وصدق ﵀، فسيرته بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد أهل البدع، لا يشق له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وقد أخطأ في هذا الباب لفظاً ومعنى .. ) (٣) .. حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٧٧ بحيث لا نسقط مكانته من نفوس الناس ولا نشنع عليه من أجلها ونلغي ما عنده من العلم وموافقة الحق مع التحذير من الزلة التي وقعت منه وتحذير الأمة من الاغترار بها ومتابعتها. أقوال أهل العلم في ذلك: قال الإمام الشاطبي ﵀: (لا ينبغي أن ينسب صاحبها – أي الزلة – إلى التقصير ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه المخالفة بحتاً فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) (٤) اهـ وقال العلامة ابن القيم ﵀: (من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد يكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين) (٥) اهـ ثم اعلم أن الزلات تتفاوت فمنها ما يكون ذا أثر على الناس فيجب في هذه الحالة تحذيرهم من الاغترار بها وليكن هذا التحذير بأسلوب حسن بحيث لا يشعر الناس بالتنقص من هذا العالم ولا يطعن في العالم ولا في رتبته. وأما إن كانت غير مؤثرة على الناس فيجب سترها وإقالة عثرة هذا العالم. كما جاء في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) (٦)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال: ((من أقال مسلماً أقال الله عثرته)) (٧). فالعلماء ولا شك من ذوي الهيئات الذين تقال عثراتهم. تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ٢٠

стр. 3526

سادسا: إسداء النصح له إن العالم كغيره من الناس له حق النصح إذا أخطأ وهو مندرج تحت قوله ﵊ كما في حديث تميم بن أوس الداري: قال رسول الله ﷺ : ((الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم (١). وأبو داود (٢). والترمذي (٣)، وعنده أنه قال الدين النصيحة ثلاث مرات، فالعلماء يعتبرون من أئمة المسلمين. ولكن من الذي ينصحهم؟ أهم أصحاب الألسن الحادة والكلمات الجارحة من المتحمسين والمتشنجين ... ؟ أم ذلك الذي لا يرى الحق إلا ما كان على مثل ما هو عليه؟ أقول: إن الذين ينصحون هم أولئك الذين عرفوا الحق ورحموا الخلق، فكلماتهم بلسم على الجراح، يأتون بالعبارة التي يفوح منها الحنان والشفقة بالمنصوح لا يشعرونه بأنهم مترفعون عليه ولا شامتين به، إنهم العلماء الربانيون الذين لا يشهرون بالمنصوح بحجة النصح ولا يحرجونه بحجة التقويم ويضعون نصب أعينهم ما يلي: الإخلاص لله تعالى في هذه النصيحة فإنها من جملة العبادات التي كلفنا بها ولا تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله تعالى قال وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء [البينة:٥]. أن يكون القصد منها الإصلاح إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:٨٨]. أن يكون القصد إظهار الحق حتى قال الإمام الشافعي (قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب) وقوله (ما ناظرت أحدا إلا سألت الله أن يظهر الحق على لساني أو على لسانه). أن يكون مبتعدا عن كل ما يجعل المنصوح معاندا متماديا على الباطل متأسيا بذلك بسيد ولد آدم ﵊ حيث كان إذا أراد النصح قال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا) (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) (٤). أن يكون التركيز على الرأي أو المسألة لا على قائلها لقوله ﵊: ((ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله .. )) الحديث، (٥). مع معرفته ﵊ بالذين اشترطوا تلك الشروط في قضية عتق بريرة، وفي الثلاثة النفر الذين سألوا عن أعماله فكأنهم تقالّوها، والسنة مليئة بمثل هذا. تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري – ص ٢٨

стр. 3527

المبحث الثالث: خطر الطعن على العلماء, وشؤم الحط من أقدارهم الجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثم قال الطحاوي في (عقيدته): (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين – أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر – لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير السبيل) (١). قال ابن المبارك: (من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته) (٢). وقال أبو سنان الأسدي: (إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس؛ متى يفلح؟!) (٣). وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: (الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب) (٤). وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: (كفى بالمرء شراً أن لا يكون صالحاً، وهو يقع في الصالحين) (٥). والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف: بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١]. وهم من شرار عباد الله؛ بشهادة رسول الله ﷺ فعن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ قال: ((خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت)) (٦). وهم مفسدون في الأرض، وقد قال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٨١]. وهم عرضة لحرب الله تعالى، القائل في الحديث القدسي: ((من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب)) (٧). وهم متعرضون لاستجابة دعوة العالم المظلوم عليهم، فدعوة المظلوم – ولو كان فاسقاً – ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف بدعوة ولي الله الذي قال فيه: ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) (٨). قال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: (ما هذا؟! قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة) (٩). ولما أنكر السلطان على الوزير نظام الملك صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم، أجابه: (أقمت لك بها جنداً لا ترد سهامهم بالأسحار)، فاستصوب فعله، وساعده عليه (١٠). وقيل: إن أولاد يحيى – أي ابن خالد البرمكي – قالوا له وهم في القيود مسجونين: (يا أبة صرنا بعد العز إلى هذا؟!) قال: (يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها، لم يغفل الله عنها) (١١).

стр. 3528

وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: مثل البغي، وقطيعة الرحم)) (١). يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاعدل فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله (٢) وبما أن الجزاء من جنس العمل؛ فليبشر الطاعن في العلماء المستهزئ بهم؛ بعاقبة من جنس فعله: فعن إبراهيم ﵀ قال: (إني أجد نفسي تحدثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به). وقال عمرو بن شرحبيل: (لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه؛ لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً). وقد حكي أن رجلاً كان يجرئ تلامذته على الطعن في العلماء وإهانتهم، وذات يوم تكلم بكلام لم يرق أحد تلامذته، فقام إليه فصفعه على رؤوس الأشهاد: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [آل عمران: ١٨٢]، قال خالد بن زهير الهذلي: فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها وليعلم أنه يخشى على من تلذذ بغيبة العلماء والقدح فيهم أن يبتلى بسوء الخاتمة عياذاً بالله منها، فهذا القاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبد الله الزبيدي (ولد سنة عشر وسبعمائة) (شرح التنبيه في أربعة وعشرين مجلداً، درس وأفتى، وكثرت طلابه ببلاد اليمن، واشتهر ذكره، وبعد صيته، قال الجمال المصري: إنه شاهده عند وفاته وقد اندلع لسانه واسود، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي ﵏ جميعاً (٣). إن السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر ثم الخائض في أعراض العلماء ظلماً وعدواً إن حمل عنه ذلك، واقتدى به فيه، فقد سن سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال على الشر كفاعله، والسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس: ١٢]. وما من كاتب إلا سيلقى ... غداة الحشر ما كتبت يداه فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه وروي عن الإمام أحمد أنه قال: (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات) (٤). وعن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يوماً عند الحسن بن ذكوان رجلاً بشيء، فقال: (مه لا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك). لحوم أهل العلم مسمومة ... ومن يعاديهم سريع الهلاك فكن لأهل العلم عونا، وإن ... عاديتهم يوما فخذ ما أتاك قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: (واعلم يا أخي – وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء – رحمة الله عليهم – مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم) (٥).

стр. 3529

وقال أيضاً ﵀: ( .. ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب؛ ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]) (١). ومن مخاطر الطعن في العلماء: التسبب إلى تعطيل الانتفاع بعلمهم: وقد نهى رسول الله ﷺ عن سب الديك؛ لأنه يدعو إلى الصلاة (٢) فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله ؟! وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣]. قال أبو الدرداء ﵁: (ما نحن لولا كلمات الفقهاء؟!). وكان الحسن البصري ﵀ يقول: (الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالس العلماء) (٣). وقال الإمام السخاوي ﵀: (إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟!) (٤). ومن شؤم الطعن في العلماء: أن القدح بالحامل يفضي إلى القدم بما يحمله من الشرع والدين، ولهذا أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: (القدح في العلماء). لما استهزأ رجل من المنافقين بالصحابة ﵃، قائلاً: (ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء) أنزل الله : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٥). ويقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى: (بادرة ملعونة .. وهي تكفير الأئمة: النووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جرح شهود الشرع جرح المشهود به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون) (٦). ومن شؤم تلويث الجو الدعوي بالطعن في العلماء، وتجريح الأخيار: التسبب في انزواء بعض هؤلاء الأخيار، وابتعادهم عن ساحة التربية والتعليم والدعوة، صيانة لأعراضهم، وحفظاً لحياة قلوبهم؛ لأن القلوب الحرة يؤذيها التعكير: (إن الحساسية تبلغ مداها لدى الداعية السوي، ونفسه تعاف كل جو خانق غير نقي، إن روحه لا تطيق الأجواء المغبرة وانعدام الأوكسجين، ومؤلمة هي لفحات التراب .. أسلوب في القتل هو الخنق، ونمط في الإرهاب الطائش هو العصف) (٧). ( .. وإذا لم نتقيد بالضوابط في الممارسات الدعوية، فإن الأذواق ستفسد، ويكثر الصخب الذي يرهق الثقة المؤهل للتقدم، فينزوي حفاظاً على عرضه وسمعته، ولئلا يقسو قلبه عبر قيل وقال) (٨).

стр. 3530

فأقبح به من تعويق، وتثبيط، وتزهيد حذرنا منه العلامة الشيخ طاهر الجزائري (ت ١٣٣٨هـ) وهو على فراش الموت بكلمات حقها أن تكتب بماء العيون لا بماء الذهب؛ إذ قال ﵀: (عدوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زلاتهم، وعضوا عليهم بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم، ولا تنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم) (١). فإذا خلت الساحة من أهل العلم والتقى، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، يفتونهم بغير علم، وإذا أفتوهم بغير علم فلا تسأل عن الحرمات التي تستباح، والدم المعصوم الذي يهراق، والعرض الذي ينتهك، والمال الذي يهدر، ونظرة واحدة إلى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم، وتأولوا بأهوائهم، وركبوا رؤوسهم، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء؛ تنبئك عن مخاطر تغييب العلماء، وقطع الصلة بينهم وبين الشباب. إن العلماء هم (عقول الأمة) والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء .. حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم –ص: ٣١٩ قال الطحاوي: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. هذه الجملة من هذه العقيدة المباركة قَرَّرَ فيها الطحاوي منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل العلم من أهل الأثر وأهل الفقه. فإنهم كما قال (لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ) لأنَّهُم نَقَلَةْ الشريعة ولأنهم المُفتون في مسائل الشريعة، ولأنهم المُبَيِّنُون للناس معنى كلام الله في كتابه ومعنى حديث النبي ﷺ ، وهم الذين يدفعون عن الدين ويذبُّونَ عنه بتثبيت العقيدة الصحيحة وتثبيت سنة النبي ﷺ ورد الموضوعات والأحاديث المنكرة والباطلة التي أضيفت للنبي ﷺ . فهم إذاً حُمَاةُ الشريعة الحماية العلمية، ولهذا كان العلماء ورَثَةَ الأنبياء؛ لأنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارا ولا درهما وإنما وَرَّثُوا العلم، والذين حَمَى العلم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم التابعون من علماء السلف وعلماء تابعي التابعين من أهل الحديث ومن أهل الفقه. فهؤلاء منهج أهل السنة والجماعة أن يُذْكَرَ الجميع بالجميل، وأن لا نقع في عالمٍ من العلماء لا من أهل الحديث ولا من أهل الفقه، بل يُذْكَرُونَ بالجميل ولا يُذْكَرُونَ بسوء، وإنما يُرْجَى لهم فيما أخطؤوا فيه أنهم إنِّمَا اجتهدوا ورَجَوا الأجر والثواب والخطأ لا يُتَابَعُ عليه صاحبه. وهذا الأصل ذكره الطحاوي في هذا المقام لأجل أنَّ طائفةً من غلاة أهل الحديث في ذاك الزمن كانوا يقعون في أهل الفقه، وطائفة من غلاة أهل الفقه كانوا يقعون في أهل الحديث ويصفونهم بالجمود. وأهل السنة الذين تحققوا بالكتاب وبسنة النبي ﷺ وبهدي الصحابة يعلمون أنَّ الجميع مُحْسِنْ، وأنَّ هؤلاء وهؤلاء ما أرادوا إلا نصرة الشريعة والحفاظ على العلم والفقه. نعم هم درجات في مقامهم وفي علمهم، لكنَّهُم لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، والله سَخَّرَ هؤلاء لشيء وسَخَّرْ هؤلاء لشيء، والوسط هو سِمَةُ أهل الاعتدال وسِمَةُ أهل السنة والجماعة كما كان عليه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعات أهل العلم فإنهم كانوا على هذا السبيل. ونذكر هاهنا مسائل: المسألة الأولى: أنَّ ذِكر العلماء بالجميل وعدم ذكرهم بأي سوءٍ أو قدح هذا امتثال لأمرين:

стр. 3531

١ - الأمر الأول: امتثال لقول الله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:٧١]، ولقوله: يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:١١]، ولقوله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:٨٣]، فَبَيَّنَ الله منزلة أهل العلم وبَيَّنَ فضل العلم وفضل أهله وأنهم مرفُوعون عن سائر المؤمنين درجات لِمَا عندهم من العلم بالله . وبَيَّنَ أنَّ المؤمن للمؤمن مُوالي، أنَّ المؤمن يُوالي المؤمن، ومعنى هذه الموالاة في قوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:٧١]، هي من الوَلَاية وهي المحبة والنُّصْرَة. وهذه المحبة والنُّصْرَة عند أهل السنة والجماعة تتفاضل بتفاضل تحقق وصف الإيمان. فالمؤمن يحب ويوالي المؤمن الآخر إذا كان كامل الإيمان أكثر من نُصْرَتِهِ ومحبته لمن كان دونه. ومعلومٌ أنَّ العلماء هم الذين أثنى الله عليهم وأثنى عليهم رسوله ﷺ ، فواجبٌ إذاً بنص الآية أن يُوَالَوا وأن يُذْكَرُوا بالجميل وأن يُحَبُّوا وأن يُنْصَرُوا وأن لا يُذْكَرُوا بغير الحَسَنِ والجميل. ٢ - الأمر الثاني: أنَّ القدح في أهل العلم فيما أخطؤوا فيه ... يرجع في الحقيقة عند العامة إلى قَدْحٍ في حَمَلَةِ الشريعة ونَقَلَةِ الشريعة وبالتالي فيضعف في النفوس محبة الشّرع؛ لأنَّ أهل العلم حينئذٍ في النفوس ليسوا على مقامٍ رفيع وليسوا على منزلةٍ رفيعة في النفوس. فحينئذ يُشَكْ فيما ينقلونه من الدين وفيما يحفظون به الشريعة، فتؤول الأمور حينئذ إلى الأهواء والآراء فلا يكون ثَمَّ مرجعية إلى أهل العلم فيما أشكل على الناس فَتَتَفَصَّمْ عرى الإيمان .... لهذا كان ذِكْرُ العلماء بسوء هو من جنس ذكر الصحابة بسوء، ولهذا أتْبَعَ الطحاوي ذكر الصحابة بذكر العلماء، يعني لمَّا فَرَغَ من ذِكْرِ الصحابة ذَكَرَ العلماء؛ لأنَّ القدح في الصحابة والقدح في العلماء منشؤه واحد ونهايته واحدة، فإنَّ القدح في الصحابة طعنٌ في الدين، والقدح في العلماء المستقيمين، العلماء الربانيين فيما أخطؤوا فيه أو فيما اجتهدوا فيه هذا أيضاً يرجع إلى القدح في الدين، فالباب بابٌ واحد. شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ

стр. 3532

تمهيد الإمامة هل هي من مواضيع العقيدة أم من مواضيع الفقه؟ الحق أن لها جوانب عقدية، ولها جوانب فقهية، كما أن لها جوانب تاريخية، ولذلك فعلماء السلف ﵏ عند ذكرهم لعقائدهم يذكرون ذلك، فلا نكاد نجد أحدًا ذكر عقيدته إلا وينص على التربيع بالخلفاء الأربعة وأن ترتيبهم في الخلافة على ترتيبهم في الفضل، كما ينصون على أن الإمامة في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله في النار، وينصون على الصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر والجهاد والحج معه، وعلى تحريم الخروج على الأئمة، وعلى السمع والطاعة لهم في غير معصية، وهذه كلها من مباحث الإمامة، ولذلك نجد المتكلمين ينصون على باب الإمامة في أواخر كتبهم في العقيدة. كما أنهم يوردون ذلك في مسائل العقيدة للرد على الانحرافات والبدع التي نشأت حول هذا الموضوع، كبدعة الروافض، واعتقاداتهم الفاسدة في الإمامة، وأنها من أركان الدين، واعتقاد العصمة، والرجعة، وعلم الغيب ونحو ذلك في أئمتهم، فيذكرها علماء السلف للرد عليهم، ولتبيين مخالفتهم في ذلك، ومع بدعة الروافض بدعة الخوارج في وجوب الخروج على الأئمة الفسقة ونحو ذلك. وكذلك مما يجعلها من المسائل المتعلقة بالعقيدة في العصر الحاضر هو إنكار بعض المنتسبين للدين أنها من الدين، وهذه من أخطر المسائل الفكرية المعاصرة. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ١٩

стр. 3533

المبحث الأول: تعريف الإمامة لغةً الإمامة في اللغة مصدر من الفعل (أمَّ) تقول: (أمَّهم وأمَّ بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل ما ائتم به من رئيس أو غيره) (١). ويقول ابن منظور: (الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين .. والجمع: أئمة، وإمام كل شيء قيَّمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتُم به: اقتدي به. والإمام: المثال، وإمام الغلام في المكتب ما يتعلمه كل يوم، وإمام المثال ما امتثل عليه، والإمام: الخيط الذي يُمَدُّ على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه ساف البناء .. ) اهـ (٢). وقال صاحب (تاج العروس): (والإمام: الطريق الواسع، وبه فُسِّر قوله تعالى: وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ [سورة الحجر: ٧٩] أي: بطريق يُؤم، أي: يقصد فيتميز) قال: (والخليفة إمام الرعية، قال أبو بكر: يقال فلان إمام القوم معناه: هو المتقدم عليهم، ويكون الإمام رئيسًا كقولك: إمام المسلمين)، قال: (والدليل: إمام السفر، والحادي: إمام الإبل، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها .. ) اهـ (٣). وقال الجوهري في (الصحاح): (الأمُّ بالفتح القصد، يقال: أَمّه وأممه وتأممه إذا قصده) (٤). إلى غير ذلك من المعاني المقاربة. ومن جميع ما سبق نلاحظ تقارب مدلول هذه الألفاظ عند أصحاب اللغة. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٧

стр. 3534

المبحث الثاني: تعريف الإمامة اصطلاحاً أما من حيث الاصطلاح: فقد عرفها العلماء بعدة تعريفات، وهي وإن اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني، ومن هذه التعريفات ما يلي: (١) ما ذكره الماوردي حيث قال: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) اهـ (١). (٢) ويقول إمام الحرمين الجويني: (الإمامة رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا) اهـ (٢). (٣) وعرفها النسفي في عقائده بقوله: (نيابة عن الرسول ﵇ في إقامة الدين بحيث يجب على كافة الأمم الاتباع) (٣). (٤) ويقول صاحب (المواقف): (هي خلافة الرسول ﷺ في إقامة الدين بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة) (٤). ٥) أما العلامة ابن خلدون فيعرفها بقوله: (هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) أهـ (٥). (٦) ويقول الأستاذ محمد نجيب المطيعي: (المراد بها - أي الإمامة- الرئاسة العامة في شؤون الدنيا والدين) (٦). إلى غير ذلك من التعريفات التي تدور حول هذه المعاني. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٨

стр. 3535

المبحث الثالث: لفظ (الإمام) في الكتاب والسنة هذا وقد ورد لفظ (الإمام) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد في عدة مواضع منها قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]. والمعنى: (أني مُصَيِّرُك للناس إمامًا يؤتم به، ويقتدى به) (١). كما ورد في قوله تعالى حكاية عن دعاء المؤمنين: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان: ٧٤] أي: (أئمة يقتدي بنا من بعدنا) (٢) وقال البخاري: (أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا) (٣). وورد اللفظ بصيغة الجمع في قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء: ٧٣]. أي: (أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره ونهيه، ويقتدى بهم، ويتبعون عليه) (٤). وفي قوله تعالى: وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص: ٥] أي: ولاة وملوكًا (٥). كما ورد اللفظ بمعنى: من يؤتم بهم في الشر. فقال تعالى: فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ [التوبة: ١٢] أي: (رؤساء الكفر بالله) (٦) وقوله: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ [القصص: ٤١] أي: (جعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على الله والكفر به) (٧). لكن إذا أطلق لفظ (الإمام) فإنه لا ينصرف إلى أئمة الباطل، لأنه ورد ذكرهم في القرآن بهذه الكلمة مقيدة. كما في هذه الآيات. وورد اللفظ أيضًا في مواطن كثيرة من الحديث النبوي الشريف منها قوله ﷺ : ((الإمام الأعظم الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته .. )) الحديث (٨). وقوله ﷺ : ((الأئمة من قريش)) (٩). والمراد: الحاكم أو الخليفة. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة. وهكذا أخذت الإمامة معناً اصطلاحيًا إسلاميًا، فقصد بالإمام: خليفة المسلمين وحاكمهم، وتوصف الإمامة أحيانًا بالإمامة العظمى أو الكبرى تمييزًا لها عن الإمامة في الصلاة، على أن الإمامة إذا أطلقت فإنها توجه إلى الإمامة الكبرى أو العامة، كما أوضح ذلك ابن حزم ﵀ (١٠). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٠

стр. 3536

المبحث الرابع: الترادف بين ألفاظ: الإمام والخليفة وأمير المؤمنين والذي يبدو من استعراض الأحاديث الواردة في باب الخلافة والإمامة أن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين الذين رووها لم يفرقوا بين لفظ خليفة وإمام، ومن بعد تولية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أضافوا إليها لفظ: أمير المؤمنين - وإلى ذلك ذهب العلماء فجعلوها من الكلمات المترادفة المؤدية إلى معنى واحد فيقول النووي: (يجوز أن يقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين) (١). ويقول ابن خلدون: (وإذ قد بيَّنَّا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإمام) اهـ. (٢)، ويعرف ابن منظور الخلافة بأنها الإمارة (٣). وإلى ذلك ذهب الأستاذ محمد نجيب المطيعي في تكملته (للمجموع) للنووي حيث قال: (الإمامة والخلافة وإمرة المؤمنين مترادفة) (٤) وكذلك الأستاذ محمد رشيد رضا (٥)، ويفسر الشيخ أبو زهرة الترادف بين لفظي الخلافة والإمامة بقوله: (المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى، وسميت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (٦) ﷺ في إدارة شؤونهم، وتسمى إمامة: لأن الخليفة كان يسمى إمامًا، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس كانوا يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم الصلاة) (٧) أي يأتمون به، وقد كان الخلفاء هم الذين يتولون إمامة الصلاة خاصة الجمع والأعياد لكن لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وضعفت الناحية العلمية عند الخلفاء، أخذوا ينيبون عنهم من يقومون مقامهم في إمامة الصلاة، وخطب الجمع والأعياد.

стр. 3537

كما يفسر الأستاذ محمد المبارك ﵀ سبب اختيار هذه الألفاظ (الإمام، والخليفة، وأمير المؤمنين) بأنه: ابتعاد بالمفهوم الإسلامي للدولة ورياستها عن النظام الملكي بمفهومه القديم عند الأمم الأخرى من الفرس والرومان المختلف اختلافًا أساسيًا عن المفهوم الإسلامي الجديد) (١). هذا وقد كان الخلفاء الأُوَّل يلقبون بالخلفاء كما يلقبون بالأئمة، ومنذ خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استعمل المسلمون لقب (أمير المؤمنين) فيذكر ابن سعد في طبقاته: أنه لما مات أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكان يُدْعَى خليفة رسول الله ﷺ قيل لعمر: خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فقال المسلمون: من جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة خليفة رسول الله ﷺ فيطول هذا، ولكن اجتمعوا على اسم تدعون به الخليفة، يدعى به من بعده من الخلفاء، قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدعي عمر (أمير المؤمنين) فهو أول من سمي بذلك (٢). وروي أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم ﵄ لما قدما من المدينة، قالا لعمرو بن العاص: استأذن لنا يا عمرو أمير المؤمنين، فقال: أنتما والله أصبتما اسمه، فهو الأمير ونحن المؤمنون، فدخل عمرو على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: أنت الأمير، ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من يومئذ (٣). وقيل في سببها غير ذلك (٤) أما لفظ الأمير بإطلاق فقد كان مستعملاً في عهد النبي ﷺ ، لكن لم يكن مقصورًا على الخليفة، وإنما يسمى به أمراء الجيوش والأقاليم والمدن ونحو ذلك، وقد ورد في الحديث: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) (٥). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٢

стр. 3538

المبحث الخامس: استعمالات لفظي الخلافة والإمامة ومن الملاحظ أن لفظ (الإمامة) يغلب استعماله عادة عند أهل السنة في مباحثهم العقدية والفقهية، بينما الغالب استعمالهم لفظ (الخلافة) في كتاباتهم التاريخية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن هذه المباحث - خاصة العقدية - قد كتبت للرد على المبتدعة في هذا الباب كالشيعة والخوارج. فالشيعة يستخدمون لفظ الإمامة دون الخلافة، ويعتبرونها إحدى أركان الإيمان عندهم، ويفرقون بين الإمامة والخلافة، فهم يعتبرون الإمامة رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة (١)، ويريدون من ذلك إثبات أن عليًا رضي الله تعالى عنه كان إمامًا زمن خلافة الثلاثة الذين سبقوه. وفي ذلك فصل للدين عن الدولة. وهذا لا يقره الإسلام. وممن ذهب إلى التفريق بينهما أيضًا الرافضة الباطنية (٢)، وبعض المعتزلة (٣). وأرجع بعض الكتاب المعاصرين سبب استعمال لفظ (الإمامة) عند أهل السنة إلى تأثر أهل السنة بالشيعة (٤). ويرى بعضهم أن هذه التسمية من اختراعات الشيعة (٥) وهذا غير صحيح لاستعمال المسلمين هذا اللفظ قبل انشقاق الشيعة عن الجماعة، ولوروده في بعض الآيات والأحاديث كما سبق، ولاستعمال الصحابة رضوان الله عليهم له. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٦

стр. 3539

تمهيد يقول الإمام ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم). اهـ (١). وقال القرطبي: (ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم. وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه) (٢). والموجبون لها منهم من يرى وجوبها عن طريق الشرع، وهم أهل السنة والجماعة وأكثر المعتزلة (٣)، ومنهم من يوجبها عقلاً، والموجبون لها عقلاً منهم من يوجبها على الله تعالى - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - وهم الشيعة، ومنهم من يوجبها على الناس. وهم المعتزلة البغداديون (٤)، والجاحظ من معتزلة البصرة (٥). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص ٤٦

стр. 3540

مبحث: الأدلة على وجوب الإمامة • المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم. • المطلب الثاني: الأدلة من السنة. • المطلب الثالث: الإجماع. • المطلب الرابع: القاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). • المطلب الخامس: دفع أضرار الفوضى. • المطلب السادس: الإمامة من الأمور التي تقتضيها الفطرة وعادات الناس.
следующие страницы →