← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

ولو أن هذا الصوفي تدبر قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة: ٩٦]، لجزم قاطعا بأن اللاطم لم يكن سوى إبليس؛ إذ الله لا يعاقب على صيد ما أباحه، ولا يحرم صيد الأسماك؛ لأنها تذكر الله ؛ فإنه ما من شيء إلا يسبح بحمده ويذكره، ولو تركنا ذبح الأنعام –وهي تذكر الله- تعالى-أيضا، لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان. وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال: حدثني أبي قال: كان السرمقاني المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني، واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد نزل إلى دجلة، وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه، وجعل يأكله، فشق ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء، فأخبره بحاله، فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأوي إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحاً من غير أن يعلمه، ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزاً سميداً، ومعها دجاجة، وحلوى سكرا، ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدوام، فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحاً في القبلة، ورأى الباب مغلقاً فتعجب، وقال في نفسه: هذا من الجنة، ويجب كتمانه، وأن لا أتحدث به، فإن من شروط الكرامة كتمانها، وأنشدني: من أطلعوه على سر فباح به ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا فلما استوى حاله، وأخصب جسمه، سأله ابن العلاف عن سبب ذلك، وهو عارف به، وقصد المزاح معه، فأخذ يوري ولا يصرح، ويكني ولا يفصح، ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده في المسجد كرامة؛ إذ لا طريق لمخلوق عليه، فقال له ابن العلاف: (يجب أن تدعو لابن المسلمة، فإنه هو الذي فعل ذلك)، فنغص عيشه بإخباره، وبانت عليه شواهد الانكسار (١). اهـ. أمثلة من الأحوال الشيطانية: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية: (وهؤلاء تقترن بهم الشياطين، وتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين، قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، وهؤلاء جميعاً ينتسبون على المكاشفات، وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلابد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم، ولابد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور؛ مثل نوع من الشرك، أو الظلم، أو الفواحش، أو الغلو، أو البدع في العبادة. ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن؛ قال الله تعالى: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]).

стр. 3817

ومن الأحوال الشيطانية حال (عبد الله بن صياد)، الذي ظهر في زمن النبي ﷺ ، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان، فقال له النبي ﷺ : ((قد خبأت لك خبئا)) قال: ((الدخ الدخ))، وقد كان خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي ﷺ : ((اخسأ فلن تعدو قدرك)) (١)، يعني إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما هو في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: ((إن الملائكة تنزل في العنان – وهو السحاب – فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة من عند أنفسهم)) (٢). وهذا المسيح الدجال الذي هو أعظم فتنة تمر على البشرية في تاريخها، حتى حذر جميع الأنبياء منه أممهم، وحتى قال فيه النبي ﷺ : فيما رواه أبو داود عن عمران بن حصين ﵄: ((من سمع الدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ مما يبعث به من الشبهات)) (٣)، وسوف يأتي بأعظم الخوارق: فمنها: ما رواه حذيفة ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار)) (٤). ومنها: أنه يستعين بالشياطين؛ فقد روي عن أبي أمامة ﵁ قال: ((وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه؛ فإنه ربك)) (٥). ومن فتنته أنه يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها المدفونة فتستجيب. ومن فتنته أنه يقتل ذلك الشاب المؤمن فيما يظهر للناس، ثم يدعي أنه أحياه، فيقول ذلك الشاب: ((والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم)) (٦). يقول شيخ الإسلام في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية: (وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم، وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة؛ كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام. وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في (صحيحه) عن النبي ﷺ أنه قال: ((سيكون في ثقيف كذاب ومبير)) (٧)، وكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد. والمبير: الحجاج بن يوسف، فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق، قال الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].

стр. 3818

وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام: ١٢١] (١). (والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبين لها كفره، فقتلوه. وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور. وأمثال هؤلاء كثيرون؛ مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يري الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله، فطعنه فقتله (٢). وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها؛ مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁، لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : ((ما فعل أسيرك البارحة؟))، فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: ((كذبك وإنه سيعود))، فلما كان في المرة الثانية، قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فاقرآ آية الكرسي: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] ... إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: ((صدقك وهو كذوب)) (٣)، وأخبره أنه شيطان. ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها؛ مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أو يحضر سماع المكاء والتصدية، فتنزل عليه الشياطين، وتتكلم على لسانه كلاماً لا يعلم، وربما لا يفقه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة؛ كما يتكلم الجني على لسان المصروع، والإنسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك، بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه، وتكلم على لسانه، فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال) (٤). اهـ. المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد إسماعيل المقدم– ص: ٢٣٧ من الخوارق ما لا يكون بتسبب شيطاني مباشر، وإنما يكون بطريق التعلم والحيلة، كما يفعله النصارى كثيراً، وكما كان يفعل ابن تومرت (٥)، وكما روي عن الحلاج، من أنه (كان يدفن شيئاً من الخبز، والشواء، والحلوى في موضع من البرية، ويطلع بعض أصحابه على ذلك، فإذا أصبح قال لأصحابه: (إن رأيتم أن نخرج على وجه السياحة)، فيقوم، ويمشي الناس معه، فإذا جاءوا إلى ذلك المكان، قال له صاحبه الذي أطلعه على ذلك: (نشتهي الآن كذا وكذا)، فيتركهم الحلاج، وينزوي عنهم إلى ذلك المكان، فيصلي ركعتين، ويأتيهم بذلك، وكان يمد يده إلى الهواء، ويطرح الذهب في أيدي الناس ويمخرق، وقد قال له بعض الحاضرين يوما: (هذه الدراهم معروفة، ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك)، وما زال يمخرق إلى وقت صلبه) (٦). ومن ذلك ما ذكره بعض أصحاب ابن الشباس قال: (حضرنا يوماً عنده، فأخرج جدياً مشوياً، فأمرنا بأكله، وأن نكسر عظمه ولا نهشمها، فلما فرغنا أمر بردها إلى التنور، وترك على التنور طبقا، ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا، ولم نر للنار أثرا، ولا للرماد ولا للعظام خبرا، قال: فتلطفت حتى عرفت ذلك، وذلك أن التنور يفضي إلى سرداب، وبينهما طبق نحاس بلولب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه فينزل عليه فيسده وينفتح السرداب، وإذا أراد أن يظهر النار أعاد الطبق إلى فم السرداب فتراءى للناس). قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة ويقول: هؤلاء ضيف مكرمون، يوهم أن الملائكة قد حضرت، ويقول لهم: تقدموا إلي. وأخذ رجل في زماننا إبريقا جديداً فترك فيه عسلا، فتشرب في الخزف طعم العسل، واستصحب الإبريق في سفره، فكان إذا غرف به الماء من النهر، وسقى أصحابه وجدوا طعم العسل، وما في هؤلاء من يعرف الله، ولا يخاف في الله لومة لائم، نعوذ بالله من الخذلان) (٧). المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد إسماعيل المقدم– ص: ٢٥٦

стр. 3819

المبحث الخامس: الفرق بين المعجزة والكرامة الفرق بين المعجزة والكرامة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة. بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة وإنما حصلت له الكرامة باتباع النبي والاستقامة على شرعه. فالمعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة. وذهب بعض الأئمة من العلماء: إلى أن كرامات الأولياء في الحقيقة تدخل في معجزات الأنبياء لأن الكرامات إنما حصلت للولي باتباع الرسول، فكل كرامة لولي هي من معجزات رسوله الذي يعبد الله بشرعه. ومن هذا يتبين أن إطلاق المعجزة على خوارق الأنبياء والكرامة على خوارق الأولياء معنيان اصطلاحيان ليسا موجودين في الكتاب والسنة وإنما اصطلح عليهما العلماء فيما بعد وإن كانا في مدلولهما يرجعان إلى ما تقرر في النصوص من الحق. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص٢٠٣ مما يتعلق بتمييز الكرامة عن غيرها من خوارق العادات؛ التمييز بين الولي الذي يجوز أن تحدث له الكرامة، وبين من هو أعلى منه منزلة؛ وهو النبي، أو من يدعي مثل منزلته كذباً وبهتاناً، وهو المشعوذ والساحر وغيرهم. فأما الفرق بين النبي والولي من جهة الخارق الذي يجري على يد كل منهما، فقد علمنا أن النبي تجري على يده المعجزات، وهي نوعان، سماها ابن تيمية معجزات كبرى، وهي دليل صدقه، ونوع من التوابع والنوافل سماها معجزات صغرى. والولي تحدث على يده الكرامات، وقد تشتبه بالمعجزات الصغرى، أو تماثلها، ولكن النبي يختص بالعصمة دون الولي، فالمعجزة للنبي دليل على عصمته من الخطإ فيما أرسل من أجله؛ وهو التشريع. أما الولي فكرامته إنما تدل على صدق النبي الذي آمن به هذا الولي، واتبعه في شريعته، ولا تدل بحال على عصمته هو من أن يخطئ في بعض أعماله أو عباداته أو توجيهاته لأنه لم يرسل ويصطف من الله – لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه، أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض (١). الكرامة تدل على الولاية، لكنها لا تدل على العصمة: ومن هنا وجبت طاعة النبي مطلقا، بينما لا تجب طاعة الولي مطلقاً، إلا فيما عليه دليل شرعي واضح، وفارق آخر بين المعجزة والكرامة؛ هو أن الكرامة تحدث بحسب حاجة الولي، فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه؛ جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيق عليه، أو على من يدعو له؛ جاءه من ذلك ما يفرج كربته ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات؛ فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: (وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله. ومن هنا، ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم؛ فإن الحواريين –مثلاً- كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم، كما يستلزم عصمة الأنبياء فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون وهذا غلط). والحقيقة أن كثيراً من المسلمين –أيضا- قد وقع فيما وقع فيه النصارى من الخطإ الذي ذكره ابن تيمية، فبمجرد أن يشتهر شخص بشيء من الكرامات ترتفع درجة الثقة في أقواله، وتوجيهاته، وأوامره، ونواهيه، إلى حد أن أكثر الناس لا يقبل فيها جدلاً البتة (٢). المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد إسماعيل المقدم– ص: ٢٣٦

стр. 3820

الفصل الأول: المسح على الخفين من أقدم الأئمة الذين قرروا تلك المسألة: الإمام سفيان الثوري في عقيدته حيث قال مخاطباً من سأله عن معتقده: (يا شعيب بن حرب، لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك) (١). بل قال سفيان الثوري: (من لم يمسح على الخفين فاتهموه على دينكم) (٢). وعد سهل بن عبد الله التستري المسح على الخفين من خصال أهل السنة (٣). كما قرر ذلك أبو حنيفة (٤) وأبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) (٥)، والطحاوي في (عقيدته) (٦)، وابن بطة في (الإبانة الصغرى) (٧)، والبربهاري في (شرح السنة) (٨)، وابن خفيف في (عقيدته) (٩)، وأبو عمرو الداني في (الرسالة الوافية) (١٠). ووجه إيراد مسألة المسح على الخفين ضمن كتب الاعتقاد: مخالفة الروافض والخوارج الذين لا يجيزون المسح على الخفين، وكما قال الإمام محمد بن نصر المروزي: (وقد أنكر طوائف من أهل الأهواء والبدع من الخوارج والروافض المسح على الخفين) (١١). وقال الإمام النووي: (أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها ... وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم) (١٢). وجاء عن الإمام الشعبي أنه قال: (واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة) (١٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: (وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك) (١٤). وقال في موضع آخر: (وكان سفيان الثوري يذكر من السنة المسح على الخفين؛ لأن هذا كان شعاراً للرافضة) (١٥). مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة جمعاً ودراسة لعبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف– ص: ٤ يقول العلامة الطحاوي: (وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ). يريد بذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة المتبعين للآثار لا يُعَارِضُون الآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ وعن صحابته الكرام بالأقْيِسَةْ أو بالدِّلالات العقلية، وإنما يجعلونها مُقَدَّمَةً على ما هو دونها من القياس والدلالة العقلية ونحو ذلك؛ لأنَّ منهج الاستدلال عندهم أنْ يُؤْخَذَ بما جاء في الكتاب والحديث عن النبي ﷺ وما جاء في القرآن حق وما جاءت به السنة حق، والحق يعضد الحق ولا يعارضه أو يناقضه؛ بل هذا يدل على هذا كما السنة تدل على القرآن وتُبَيِّنُهْ.

стр. 3821

وهذه المسألة كما هو ظاهر مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفقه لا من مسائل العقيدة؛ ولكن أُدْخِلَتْ في مسائل الاعتقاد لأجل أنَّ أهل السنة تميَّزُوا عن عدد من الفرق بأنَّهُمْ يرون المسح على الخفين، والمخالف في ذلك هم الخوارج -أعني طائفةً منهم- والرافضة وعدد من الناس مختلفون في أماكنهم لا يُنْسَبُونَ إلى فرقة من الفرق. فلأجل مخالفة تلك الفرق صارت المسألة من المسائل العقدية؛ لأنَّهَا تُمَيِّزْ أهل العقيدة الحقة من الفرق الباطلة، فصارت هذه المسألة وهي المسح على الخفين صارت عَلَمَاً يُفَرَّقُ به ما بين السني وما بين الرافضي والخارجي ونحوهما. ولهذا فإنَّ مسائل الاعتقاد أعني المسائل التي تُذْكَرْ في العقيدة في مصنفات أهل السنة في الماضي وفي الحاضر على أقسام منها: القسم الأول: ما هو في بيان الأركان الستة. القسم الثاني: ما تميَّز به أهل السنة عن غيرهم في مسائل المعاملة؛ معاملة ولاة الأمر أو معاملة المبتدع أو معاملة العصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التعامل مع صحابة رسول الله? وزوجاته? وهكذا. وأمَّا المسح على الجوارب فليس كذلك؛ لأنَّهُ نُقِلَ عن نحو سبعة أو ثمانية من الصحابة أو أكثر بقليل، ولهذا المسح على الجوربين فيه خلافٌ فقهي معروف عند أهل السنة. أما المسح على الخفين فهو أصل من الأصول العظيمة في العمل؛ لأنَّ النبي تواتَرَ عنه المسح وفَعَلَهُ صحابته وتواتر عنهم ونقلوه نقلاً قولياً وعملياً. والآثار في مسحه على الخفين في أسفاره وفي الحضر أيضاً، كما قال ((يمسح المقيم يوما وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن)) (١)، فهذا معنى قوله في السفر والحضر؛ لأنَّ السُّنَّةَ ماضية في هذا وهذا. المسألة الثالثة: مما أُسْتُدِلَّ به على المسح على الخفين من القرآن قوله: في آية الوضوء يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:٦]، اسْتُدِلَّ به على أنَّ المسح هنا -مسح الأرجل- يُرَادُ به المسح على الخفين، والقراءة هكذا بالجر هي أحد القراءتين السبعيَّتَين، هاهنا قراءتان: القراءة الأولى وَأَرْجُلَكُمْ بنصب الأرْجُل عطفاً على المغسولات. والثانية وَأَرْجُلِكُمْ عَطْفَاً على الرأس عند أصحاب هذا القول؛ يعني فتكون مجرورة. وهذا الاستدلال فيه نظر، وإن كان محلُّهُ كتب الفقه؛ لكن من باب الاستطراد نذكره، فيه نظر لأنَّ المسح على الخفين لا يكون إلى الكعبين، وإنما يَمْسَحُ ظاهر الخف على ظاهر القدم، وليست السُّنَّة أن تُسْتَوعَبْ الرجل مسحاً إلى الكعبين، ولهذا صار القول الظاهر في الآية على قراءة الجر أنَّ لها توجيهين: (التوجيه الأول: أن يكون هذا الجر لأجل المجاورة، والجر بالمجاورة أسلوب عربي معروف كثير الاستعمال، ومنه قول الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: ٢٦]، مع أنَّ الألم وصف للعذاب، وأما اليوم فهو ظرف ولا يُوصف اليوم بأنه مؤلم أو ليس بمؤلم، ولهذا صار الظاهر هنا في هذه الآية أنَّ معناها إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، يعني عذاباً أليماً في يوم، كما هو القول الأظهر من قولي العلماء هنا. وجُرَّ هنا لأجل المجاورة فهي أسهل في اللفظ ولأجل الختام قال عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، وأما في لغة العرب فهو كثير معروف ومنه قول الشاعر: فظلّ طُهَاةُ اللحم ما بين مُنْضِجٍ خفيفاً شواءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ (ما بين منضج خفيفاً شواء)؛ لأنها مفعول لاسم الفاعل.

стр. 3822

(خفيف شواء) فجر شواء لأنها مضاف إليه. ثم قال (أو قديرٍ) مع أنَّ حقها أن يقول أو قديراً لأنها معطوفة على ما يُنْضَجْ لكنه جَرَّهَا بالمجاورة. (التوجيه الثاني: أنَّ قراءة الجر إذا كانت معطوفة على الرأس فإنه يكون المسح هنا بأنَّ العطف في مقام تسليط الفعل الأول على الجملة الثانية أو على الاسم الثاني. فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين. والمسح هنا لما جَعَلَ له غاية وهي أنه إلى الكعبين دلَّ على دخول الكعبين في المسح، وهذا يدل على أنَّ المسح المراد به هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ العرب تُطْلِقُ على الغسل مسحاً لأنَّهُ إمرارٌ خفيف وهو موجودٌ في اللغة، ومنه قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: ٣٣] يعني مَرَّ عليها قتلاً على خفة. فالمسح يكون بمرورٍ على خِفَّة، فالمسح الذي هو من الغَسْلْ هو غسل خفيف وهو مستعمل عندهم حيث يقولون مثلاً: تَمَسَّحْتُ للصلاة إذا أراد أن يكون وضوؤه خفيفاً. المسألة الرابعة: قراءة الجر هذه بأبْعَدَ من أن تكون دليلاً على المسح على الخفين؛ قيل إنَّهَا دليلٌ على إبطال المسح على الخفين، وهذا هو الذي يتوجه إليه من يتكلم على الآية وذَكَرَهُ عندكم الشارح والرَّدُّ بَأَوْجَهْ أن يكون بالوجهين السالفين. شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ الحكم الجليل الذي به فرق بين أهل السنة وأهل البدع وهو المسح على الخفين لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين وقالوا إنه خلاف القرآن وعسى القرآن نسخه ومعاذ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله بل بين مراد الله منه كما أمره الله في قوله: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. [النحل: ٤٤] وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية [النساء: ٦٥]. والقائلون بالمسح جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين قديما وحديثا وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن أعاذنا الله من الخذلان. روى ابن عيينة والثوري وشعبة وأبو معاوية وغيرهم عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: ((رأيت جريرا يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا فقال وما يمنعني أن أفعله وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله)). قال إبراهيم: فكانوا يعني أصحاب عبد الله وغيرهم يعجبهم هذا الحديث ويستبشرون به لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وعن ... جرير بن عبد الله قال: ((وضأت رسول الله ﷺ فمسح على خفيه بعد ما أنزلت سورة المائدة)) ..... عن همام بن الحارث قال: ((رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقالوا أتمسح على خفيك فقال إني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه)) وكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله يقولون إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة. عن إبراهيم عن همام قال: ((بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا وقد بلت فقال نعم رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه)) قال إبراهيم: وكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة. وعن إبراهيم عن همام بن الحارث ((عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه وصلى فسئل عن ذلك فقال رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا)). وكان يعجبهم هذا الحديث من أجل أن جريرا كان من آخر من أسلم.

стр. 3823

عن بكير بن عامر بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن جريرا بال ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له في ذلك فقال ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. وروى عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر وأتت به الفرق إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة وهذه دعوى لا وجه لها ولا معنى. وقد روي عن الحسن البصري ﵀ قال أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يمسح على خفيه. وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين أجمعين وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار وجماعة أهل الفقه والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء ....... ممن روينا عنه أنه مسح على الخفين وأمر بالمسح عليهما في الحضر والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان والمغيرة وسليمان وبلال وخزيمة بن ثابت وعمرو بن أبي أمية وعبد الله بن الحارث بن جرير الزبيري وأبو أيوب وجرير وأبو موسى وعمار وسهل بن سعد وأبو هريرة. ولم يرو عن غيرهم منهم خلاف إلا شيء لا يثبت عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة. التمهيد لابن عبد البر - بتصرف -١١/ ١٣٤

стр. 3824

الفصل الثاني: مسائل فقهية أخرى ١ - الطهارة: - إذا كان الإسلام وسطاً بين الملل، فإن أهل السنة وسط بين النحل؛ ففي الطهارة كان الإسلام وسطاً بين تشدد اليهود وتفريط النصارى، كما أن أهل السنة وسط بين الإفراد والتفريط في هذا الباب. يبين شيخ الإسلام وسطية الإسلام في باب الطهارة قائلاً: (فإن التشديد في النجاسات جنساً وقدراً هو دين اليهود، والتساهل هو دين النصارى، ودين الإسلام هو الوسط) (١). ويقول في موضع آخر: (ومن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين: هؤلاء في طرف، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط ... إلى أن قال: فالنصارى حللوا الخنزير وغيره من الخبائث. كما أسقطوا الختان وغيره، وأنواع الطهارة من الغسل وإزالة النجاسة وغير ذلك. واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات) (٢). وأما عن وسطية أهل السنة بين الإفراط والتفريط الواقع عند طوائف المبتدعة، فأهل السنة مجانبون للتشدد والإفراط، فيأمرون بالصلاة في النعال مخالفة لليهود (٣)، كما قال النبي ﷺ : ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) (٤). وقال ابن القيم: (ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله ﷺ وأصحابه فعلاً منه وأمراً) (٥). ويجيز أهل السنة الصلاة في السراويل خلافاً للخوارج. قال البربهاري: (ولا بأس بالصلاة في السراويل) (٦). وقال الملطي: (ومن شذوذ الحرورية في الفروع إذا تطهر منهم الرجل لا يبرح ولا يمشي حتى يصلي في مكانه؛ لأنه إذا مشى تحرك شرجه، ولا يصلون في السراويل) (٧). وجانب أهل السنة تعنت الرافضة الذين زعموا أن سؤر الكافر نجس، بل قالوا بتنجيس المائعات التي يباشرها أهل السنة، وكل ذلك تأثراً باليهود السامرة التي تحرم وتنجس ما باشره غيرهم من المائعات (٨). ومن تشدد الرافضة: إيجابهم الابتداء باليمين في اليدين والرجلين عند الوضوء (٩)، ولذا قال الإمام النووي: (وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، ولو خالفها فاته الفضل وصح الوضوء، وقال الشيعة هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة) (١٠). كما جانب أهل السنة أيضاً التفريط في باب الطهارة؛ فالرافضة – مثلا- خالفوا الأدلة في اعتبار المذي من موجبات الوضوء، فحكم الرافضة بطهارة المذي وعدم انتقاض الوضوء بخروج المذي (١١).

стр. 3825

وأوجب الشيعة مسح الرجلين ببقية البلل إلا في حال التقية (١)، وقال بعض طوائف المعتزلة بالتخيير بين مسح الرجلين وبين غسلهما. قال النووي: (أجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرجلين، وانفردت الرافضة عن العلماء، فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم؛ فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما) (٢). وقال شيخ الإسلام: (ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن، ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل) (٣). وقال في موطن آخر: (فالقدم كثيراً ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها، حتى قد اعتقد كثير من أهل الضلال أنها لا تغسل، بل فرضها مسح ظاهرها عند طائفة من الشيعة، والتخيير بينه وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة) (٤). ٢ - الصلاة: أ- ومن ذلك ترك الجهر بالبسملة – في الصلاة الجهرية – حيث قال الإمام سفيان الثوري في اعتقاده: (وإخفاء البسملة أفضل من الجهر) (٥). وقال ابن بطة: (من السنة ألا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) (٦). وذلك مخالفة للرافضة الذين يستحبون الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات (٧)، وكان سفيان الثوري إمام أهل الكوفة، وقد ظهر فيهم الرفض، حتى قال عبد الله بن المبارك ﵀: (لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئاً)، ولذا أظهر سفيان مخالفتهم بترك الجهر بالبسملة، لاسيما أن الرافضة قد وضعوا أحاديث في الجهر بالبسملة (٨) وهذه المسألة خلافية بين أهل السنة أنفسهم؛ فمنهم من استحب الجهر بالبسملة محتجاً بأدلة، ومنهم من استحب إخفاءها لأدلة (٩). والمقصود من إيرادها بيان ما كان عليه أئمة السلف من مجانبة المبتدعة والحذر من موافقتهم؛ ففي هذه الحالة تكون مصلحة مخالفتهم والتمييز عنهم بترك الجهر بالبسملة آكد من مصلحة هذا المستحب – أي الجهر بالبسملة – كما حقق ذلك شيخ الإسلام تحقيقاً دقيقاً فقال: (الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعاً لم يترك لمجرد فعل أهل البدع (١٠)، لا الرافضة ولا غيرهم وأصول الأئمة كلهم توافق هذا. إلى أن قال: فالجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة، وبعض الناس تكلم في الشافعي بسببها، ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية؛ لأن المعروف في العراق أن الجهر كان من شعار الرافضة، حتى إن سفيان الثوري وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة؛ لأنه كان عندهم من شعار الرافضة .. ومع هذا فالشافعي لما رأى أن هذا هو السنة كان ذلك مذهبه وإن وافق قول الرافضة.

стр. 3826

ثم قال: إنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحباً، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم، فإنه لم يترك واجباً بذلك، لكن قال في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب، وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب، لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائماً) (١). ومما يؤكد هذا التحقيق أن المروي عن الإمام أحمد بن حنبل – ﵀ – أن الجهر بالبسملة غير مسنون (٢)، ومع ذلك استحب الجهر بها لمصلحة راجحة، حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة يجهر بها؛ لأن أهل المدينة كانوا ينكرون على من يجهر بها (٣). ب- ومن مسائل الصلاة: المبادرة بصلاة المغرب إذا دخل وقتها. قال ابن بطة: (ومن السنة المبادرة بصلاة المغرب إذا غاب حاجب الشمس قبل ظهور النجوم) (٤). وذلك مخالفة لليهود ومن تأثر بهم من الرافضة كما في مقالة الإمام الشعبي –﵀: (واليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم .. وكذلك الرافضة) (٥). قال النووي: (قد ذكرنا إجماعهم على أن أول وقتها غروب الشمس، وحكى الماوردي وغيره عن الشيعة أنهم قالوا: لا يدخل وقتها حتى تشتبك النجوم، والشيعة لا يعتد بخلافهم) (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ عن الرافضة: (فلهذا تجد فيما انفردوا به عن الجماعة أقوالاً في غاية الفساد، مثل تأخيرهم صلاة المغرب حتى يطلع الكوكب مضاهاة لليهود، وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بتعجيل المغرب) (٧). وقال في موضع آخر: (وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تزال أمتي بخير –أو على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم)) ورواه ابن ماجة من حديث العباس (٨)، ورواه الإمام أحمد من حديث السائب بن يزيد (٩). وقد جاء مفسراً تعليله: (لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم، مضاهاة لليهود ... ) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الصلت بن بهرام، عن الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية)) (١٠).

стр. 3827

ومما يحسن إلحاقه بهذه المسألة: ما قرره ابن تيمية من مشروعية الفصل بين الفرض والنفل في صلاة الجمعة، لما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ ((نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام)) (١) ثم علل ابن تيمية ذلك بقوله: (فإن كثيراً من أهل البدع لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا، وما سلموا، فيصلون ظهراً، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) (٢). د- يقرر أهل السنة مشروعية إقامة صلاة التراويح – كما هو مبسوط في موضعه– خلافاً للروافض القائلين بأنها بدعة حدثت في عهد عمر بن الخطاب ﵁ (٣). قال الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر: (والتراويح في ليالي شهر رمضان سنة) (٤). وقال الملا علي قاري في شرحه للفقه الأكبر: (وفيه رد على الروافض) (٥). وقال أبو عبد الله محمد بن خفيف في (عقيدته): (والتراويح سنة) (٦). وقال قوام السنة الأصفهاني: (ومن السنة صلاة التراويح في شهر رمضان في الجماعة) (٧). ولما سئل ابن تيمية عمن يصلي التراويح قبل العشاء الآخرة، كان من جوابه: (ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح؛ فإذا صلوا قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح .. فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة) (٨). وإذا تقرر – عند أهل السنة – استحباب صلاة التراويح خلافاً للرافضة، فإن أهل السنة وسط في هذا الباب بين غلاة المتعبدة الذين أوجبوا قيام الليل، وبين الروافض الجفاة، كما بين ذلك ابن تيمية بقوله: (وغلاة العباد يوجبون على أصحابهم صلاة الضحى والوتر وقيام الليل، فتصير الصلاة عندهم سبعاً، وهو دين النصارى، والرافضة لا تصلي جمعة ولا جماعة، لا خلف أصحابهم ولا غير أصحابهم، ولا يصلون إلا خلف المعصوم، ولا معصوم عندهم) (٩). هـ- ومسائل الصلاة التي قررها أهل السنة في كتب العقيدة كثيرة يتعسر حصرها، لكن أشير في خاتمة هذا المبحث إلى بعضها على سبيل الاختصار: - قرر أهل السنة مشروعية قصر الصلاة في السفر – كما جاءت به السنة – وكما قال الإمام المزني – في عقيدته: (وإقصار الصلاة في الأسفار) (١٠). كما قرر ذلك البربهاري (١١)، وقوام السنة الأصفهاني (١٢)، خلافاً لبعض الخوارج الذين لا يجيزون القصر إلا مع الخوف (١٣). - توسط أهل الحديث في مسألة القنوت بين من كره القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها (١٤)، وبين من استحبها عند النوازل وغيرها، كما حكاه ابن القيم (١٥). قال ابن بطة: (ومن السنة ألا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا تقنت في الفجر إلا أن يدهم المسلمين أمر من عدوهم، فيقنت الإمام فيتبعه) (١٦).

стр. 3828

- ومن المسائل التي يمكن إلحاقها ها هنا: أن لا يفرد بالصلاة على أحد إلا رسول الله ﷺ وعلى آله خلافاً للروافض. وقد قال ابن عباس – ﵄: (لا أعلم صلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله ﷺ . وقد قاله لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي بن أبي طالب – ﵁ – فهذا مكروه منهي عنه (١). ولذا قال البربهاري: (ولا تفرد بالصلاة على أحد إلا على رسول الله ﷺ وعلى آهل فقط) (٢). ومما سطره ابن القيم أثناء تحريره مسألة (الصلاة على غير النبي ﷺ وآله وأزواجه) ما يلي: (وإن كان شخصاً معيناً أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيما إذا جعلها شعاراً له، ومنع منها نظيره أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁؛ فإنه حيث ذكره قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعاراً لا يخل به، فتركه حينئذ متعين) (٣). ٣ - الجنازة: أ- قرر أهل السنة مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة. كما قال الإمام الطحاوي: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم) (٤). وقال البربهاري: (والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة) (٥). وقرر قوام السنة الأصفهاني هذه المسألة بقوله: (فمن مذهبهم الصلاة على من مات من أهل القبلة) (٦). وإذا تقرر مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة، ففي ذلك رد على الخوارج – ومن تبعهم الذين يكفرون مرتكب الكبيرة فلا يصلون عليه، كما أن في هذا التقرير إجراء لأحكام الإسلام على أهل القبلة باعتبار ظواهرهم والله يتولى سرائرهم. ب- ومما قرره علماء أهل السنة في هذا المقام أن الأموات – من المسلمين- ينتفعون بدعاء الأحياء وصدقاتهم كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة. قال الأشعري: (ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك) (٧). وقال الطحاوي: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) (٨). وفي هذا التقرير رد على المبتدعة الذين ينكرون ذلك، وكما قال النووي: (وأما ما حكاه الماوردي في كتابه الحاوي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب فهو مذهب باطل قطعاً وخطأ بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه) (٩). وقال ابن أبي العز الحنفي: (وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء ألبتة لا الدعاء ولا غيره) (١٠). وصرح الشوكاني بأنهم المعتزلة (١١). ٤ - الحج: قرر أئمة أهل السنة أن متعة الحج سنة ثابتة، فتوسطوا بين من أوجبها وحرم ما عداها – كالشيعة - وبين من حرم المتعة – كالناصبة. قال قوام السنة الأصفهاني: (ومتعة الحج سنة ثابتة) (١٢).

стр. 3829

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب أو يمنع ذلك؛ فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ما عداها، ومن الناصبة من يحرم المتعة ولا يبيحها بحال) (١). وما ظهر للإمام أحمد بن حنبل –﵀ استحباب متعة الحج قرر ذلك وأظهره (حتى قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة، فقال: يا سلمة! كان يبلغني عنك أنك أحمق، وكنت أدفع عنك، والآن، فقد ثبت عندي أنك أحمق، عندي أحد عشر حديثاً صحاحاً عن النبي ﷺ أتركها لقولك؟) (٢). فالأصل أن ما كان مشروعاً لم يترك لمجرد فعل أهل البدع، لكن إن كان في فعل المستحب مفسدة راجحة مثل مشابهة المبتدعة، فإن مصلحة التميز عنهم آكد من مصلحة هذا المستحب (٣)، كما سبق تقريره. ٥ - النكاح: توسط أهل السنة في هذا الباب بين من أحل ما حرم الله تعالى؛ كمن أباح نكاح المتعة، وأشنع من ذلك من أباح نكاح التحليل، وبين من حرم ما أحل الله تعالى؛ كمن حرم نكاح المحصنات من أهل الكتاب، فأحل أهل السنة ما أحل الله تعالى ورسوله وحرموا ما حرم الله تعالى ورسوله ﷺ . وقرر أهل السنة في عقائدهم حرمة نكاح التحليل والمتعة؛ حيث قال ابن بطة: (ومن السنة أن يعلم أن المتعة حرام إلى يوم القيامة) (٤). وقال البربهاري: (واعلم أن المتعة – متعة النساء- والاستحلال حرام إلى يوم القيامة) (٥). وقال قوام السنة الأصفهاني: (ومتعة النساء حرام إلى يوم القيامة) (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه ﷺ حرم المتعة بعد إحلالها) (٧). وتحدث شيخ الإسلام عن شناعة نكاح التحليل، فكان مما قاله: (يوجد في نكاح التحليل من الفساد أعظم مما يوجد في نكاح المتعة (٨)؛ إذ المتمتع قاصد للنكاح إلى وقت، والمحلل لا غرض له في ذلك؛ فكل فساد نهى عنه المتمتع فهو في التحليل وزيادة؛ ولهذا تنكر قلوب الناس التحليل أعظم مما تنكر المتعة، والمتعة أبيحت أول الإسلام، وتنازع السلف في بقاء الحل، ونكاح التحليل لم يبح قط، ولا تنازع السلف في تحريمه. ومن شنع على الشيعة بإباحة المتعة مع إباحته للتحليل فقد سلطهم على القدح في السنة، كما تسلطت النصارى على القدح في الإسلام بمثل إباحة التحليل، حتى قالوا: إن هؤلاء قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل له حتى تزني؛ وذلك أن نكاح التحليل سفاح كما سماه الصحابة بذلك) (٩). وبسط ابن القيم الحديث عن قبائح التحليل ومفاسده، فكان مما قاله: (وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين، وشجى في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيراً ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أفضح الفضائح، وقد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل.

стр. 3830

إلى أن قال: ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفرداً بوطئها، فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان، فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العشراء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها ... ) (١). وجاء تقرير حرمة نكاح المتعة خلافاً للروافض الذين يزعمون أن (متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويوردون في فضائلها أخباراً كثيرة موضوعة ومفتراة) (٢). وقد حكى الإجماع على تحريم نكاح المتعة غير واحد من الأئمة، كما بينه الحافظ ابن حجر بقوله: (قال ابن المنذر: لا أعلم اليوم أحداً يجيزها إلا بعض الروافض، ولا معتمد لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته؛ فقد صح عن علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض) (٣). وأباح جمهور السلف الصالح نكاح المحصنات من أهل الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:٥] وحرم الرافضة ما أحل الله فمنعوا نكاح الكتابيات (٤). قال ابن تيمية عن أولئك الروافض: (هؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا، ولا من أقوال أتباعهم، وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم) (٥). ٦ - الأطعمة والأشربة: أ- عني أهل السنة بأكل الحلال تقريراً وتحقيقاً، فأثبتوه في عقائدهم، حتى قال الفضيل بن عياض: (إن لله عباداً يحيي بهم البلاد والعباد، وهم أصحاب سنة، من كان يعقل ما يدخل جوفه من حله كان في حزب الله تعالى) (٦). وقال سهل بن عبد الله التستري: (أصولنا ستة: التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق) (٧). ووصف شيخ الإسلام الصابوني أهل الحديث أنهم يتواصون بالتعفف في المآكل والمشارب والمنكح والملبس (٨). وقال قوام السنة الأصفهاني: (ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح) (٩).

стр. 3831

ب- ومع تحرز أهل السنة في الأطعمة والأشربة وحرصهم على أكل الحلال .. إلا أنهم لم يتشددوا في ذلك فلم يحرموا ما أحل الله تعالى؛ كما وقع فيه بعض أهل البدع، بل كانوا وسطاً بين أهل الفجور والشهوات، وبين أصحاب الرهبانية والتشدد الذين حرموا ما أحل الله من الطيبات، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. قال شيخ الإسلام: (نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات، وعن الاعتداء في تناولها، وهو مجاوزة الحد، وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضرهم، فيكونوا قد تجاوزوا الحد وأسرفوا، وقيل لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام من أموال الناس، فإن آكل الطيبات والشهوات المعتدي فيها لابد أن يقع في الحرام لأجل الإسراف في ذلك) (١). ج- رد أهل السنة على الذين حرموا ما أحل الله تعالى، فقرروا أن البيع والشراء حلال، وكذا سائر المباحات من أنواع المكاسب والمطاعم، كما ردوا على ما ادعاه بعضهم من إطباق الحرام وخلو الأرض من الحلال. ولما غلب على طوائف من المتصوفة تحريم الحلال وترك المكاسب المباحة (٢)، قام بالرد عليهم المشتغلون بعقائد الصوفية الأوائل. ومن ذلك ما قرره ابن خفيف بقوله: (ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع .. وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارة، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة. وأن مما نعتقده أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض) (٣). وقال الكلاباذي: (أجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث، وغير ذلك مما أباحته الشريعة عن تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات) (٤). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا الزمان. فكان من جوابه: (هذا القائل الذي قال: أكل الحلال متعذر، لا يمكن وجوده في هذا الزمان. غالط مخطئ في قوله باتفاق أئمة الإسلام، فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل النسك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك، حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة (٥). إلى أن قال: ومثل هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر، وبناء على هذه الشبهة الفاسدة، وهو أن الحرام قد غلب على الأموال لكثرة الغصوب والعقود الفاسدة ولم يتميز الحلال من الحرام. ووقعت مثل هذه الشبهة عند طائفة من مصنفي الفقهاء، فأفتوا بأن الإنسان لا يتناول إلا مقدار الضرورة، وطائفة لما رأت مثل هذا الحرج سدت باب الورع ... ) (٦).

стр. 3832

د- قرر أهل السنة – في عقائدهم – إباحة المكاسب والطيبات، خلافاً لليهود ومن سلك سبيلهم من الرافضة والمعتزلة. يقول البربهاري: (واعلم أن الشراء والبيع حلال، ما بيع في أسواق المسلمين حلال، ما بيع على حكم الكتاب والسنة من غير أن يدخله تغيير أو ظلم) (١). وقال ابن بطة: (ولا تحرم شيئاً مما أحله الله فإن فاعل ذلك مفتر على الله، راد لقوله معتد ظالم ... ثم إن الروافض تشبهت باليهود في تحريم ما أحل الله ... وحرموا الجري (ضرب من السمك لا يأكله اليهود) ولحم الجزور) (٢). وقال أبو عمرو الداني: (وأكل الحلال فريضة، لقوله تعالى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون: ٥١] وتجنب الشبهات واتقاؤها من كمال الورع، وفي ذلك السلامة من الحرام لقوله ﷺ : ((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) (٣)، والحلال موجود وغير معدوم، قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] وقال: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ [البقرة: ١٨٨]، والتجارة رزق الله، وحلال من حلال الله تعالى، ولو كان الحلال معدوماً على ما يزعمه بعض المعتزلة لصار الحرام مباحاً للضرورة) (٤). وقال قوام السنة الأصفهاني: (والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة على حكم الكتاب والسنة) (٥). هـ- قرر جمهور أهل السنة أن كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام. سواء كان من العنب أو غيره، خلافاً لأهل الكوفة الذين فرقوا بين ماء العنب وغيره، فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وأما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم عندهم (٦). (وأظهر الإمام أحمد بن حنبل مذهب أهل الحديث ومخالفة الكوفيين فيما خالفوا فيه السنة، وصنف كتاب الأشربة، وكان يقرؤه على الناس، لكثرة من يشرب المسكر هناك، حتى كان يدخل الرجل بغداد – مع أنها كانت أعظم مدائن الإسلام – فيقول: هل فيها من يحرم النبيذ؟ - يعني المختلف فيه – يقولون: لا، إلا أحمد بن حنبل، كما ذكر ذلك الخلال) (٧). وعقد الإمام البخاري – في كتاب الأشربة – باباً بعنوان: (باب الخمر من العنب وغيره) ومراده الرد على الكوفيين الذين فرقوا بين ماء العنب وغيره .. كما قاله ابن المنير (٨). وجاء هذا التحريم مقرراً في كتب الاعتقاد كما قال أبو عمرو الداني: (وكل شراب من عنب أو زبيب أو تمر أو تين أو عسل أو حنطة أسكر كثيره فقليله حرام، لقوله ﷺ حين سئل عن البتع –وهو شراب يصنع من العسل-: ((كل شراب أسكر كثيره فهو حرام)).) (٩). وقال شيخ الإسلام الصابوني: (ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة: المتخذ من العنب أو الزبيب أو التمر أو العسل أو الذرة، أو غير ذلك مما يسكر، يحرمون قليله وكثيره) (١٠). وقال قوام السنة الأصفهاني: (وكل شراب يسكر كثيره فقليله حرام) (١١). ٨ - الحدود:

стр. 3833

قرر أهل السنة حد الرجم – في حق الزاني المحصن – في عقائدهم كما جاءت بذلك الأدلة الثابتة، خلافاً للحرورية وبعض المعتزلة المنكرين للرجم. قال الإمام أحمد بن حنبل في اعتقاده: (والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه البينة) (١). وقال البربهاري: (والرجم حق) (٢). وقال ابن بطال: (أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامداً عالماً مختاراً فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج) (٣). وقال ابن قدامة: (وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج) (٤). نخلص من خلال استقراء هذه الفروع الواردة في كتب الاعتقاد إلى النتائج الآتية: أولاً: ساق أئمة السلف جملة من الفروع والعبادات في ثنايا مصنفاتهم في العقيدة باعتبار أن دين الله تعالى يشمل الأصول والفروع، والاعتقادات والأعمال، كما جاء في مثل قوله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ... الآية [البقرة: ١٧٧]. وكما جاء في مثل حديث عمرو بن عبسة –﵁ حيث سأل رسول الله ﷺ فقال: بأي شيء أرسلك؟ فقال رسول الله: ((أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأصنام، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء)) (٥). وإذا كان اسم الدين يشمل العقائد والأعمال، فكذلك اسم الشريعة ينتظم كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال – كما هو اصطلاح غالب أهل الحديث -، كما أن (السنة)، كذلك فتستوعب كل ما سن الرسول وما شرعه في العقائد والأعمال (٦). وإذا تقرر ذلك فلا إشكال في إيراد مسائل الفروع ضمن مصنفات لأهل السنة التي تسمى (السنة) أو (الشريعة) ونحوهما، وإن كانوا قد يطلقون (السنة) أو (الشريعة). على ما يتعلق بمسائل الاعتقاد فقط. ثانياً: يظهر من خلال الفروع الواردة وسطية أهل السنة في باب الفروع، كما كانوا وسطاً في باب الاعتقاد، فسلموا من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء. يقول شيخ الإسلام – في هذا الصدد-: (وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفياً وإثباتاً حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء ... فوجدت كثيراً منها يعود بالصواب فيه إلى الوسط .. وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمى أصول الدين) (٧). ويقول –في موضع آخر-: (الانحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس) (٨).

стр. 3834

ثالثاً: يتبين من خلال النظر في الفروع المذكورة أن الإفراط والتشديد يفضي إلى التفريط والتساهل، وأن تحريم الحلال يؤول إلى ارتكاب الحرام. كما وضحه ابن تيمية بقوله: (وهكذا من غلا في الزهد والورع حتى خرج عن الحد الشرعي، ينتهي أمره إلى الرغبة الفاسدة وانتهاك المحارم كما قد رئي ذلك وجرب) (١). فالرافضة – مثلاً – حرمت نكاح المحصنات من أهل الكتاب، فاستحلت الزنا والفواحش باسم المتعة، وقد أشار ابن بطة إلى ذلك بقوله: (ثم إن الروافض تشبهت باليهود في تحريم ما أحل الله، وردوا على الله قوله ... ولعل الأكثر منهم ممن يحرم هذا يزني ويشرب الخمر) (٢). كما آل أهل الورع الفاسد – الذين زعموا أن أكل الحلال متعذر – إلى الإباحية، فصار الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا، وسبب ذلك كما بينه ابن تيمية بقوله عنهم: (لأنهم ظنوا مثل هذا الظن الفاسد وهو أن الحرام قد طبق الأرض، ورأوا أنه لابد للإنسان من الطعام والكسوة، فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكنهم، فلينظر العاقل عاقبة ذلك الورع الفاسد، كيف أورث الانحلال من دين الإسلام) (٣). رابعاً: نلحظ من خلال إيراد تلك الفروع ما كان عليه السلف الصالح من تعظيم السنة وتوقيرها، وذلك بإظهارها ونشرها لاسيما عند خفائها واندراسها. ومن ذلك أن الإمام سفيان الثوري كان يقول: (إذا كنت بالشام فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر) (٤). وكما مر آنفاً أن الإمام أحمد بن حنبل أظهر في بغداد تحريم النبيذ – من غير العنب مما يسكر كثيره – فألف كتاب الأشربة، حتى إن الرجل يدخل بغداد فيقول: هل فيها من يحرم النبيذ؟ فيقولون: لا، إلا أحمد بن حنبل. ومما يحسن ذكره هاهنا ما سطره ابن تيمية قائلاً: (وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان: أحدهما: تكلمهم في علي، والثاني: تأخير الصلاة عن وقتها. ولهذا رئي عمر بن مرة الجملي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر له بمحافظتي على الصلوات في مواقيتها، وحبي علي بن أبي طالب، فهذا حافظ على هاتين السنتين حين ظهر خلافهما، فغفر الله له بذلك، وهكذا شأن من تمسك بالسنة إذا ظهرت البدعة، مثل من تمسك بحب الخلفاء الثلاثة حيث يظهر خلاف ذلك وما أشبهه) (٥). خامساً: يتمثل من خلال الفروع المذكورة شذة حرص السلف الصالح على إظهار مخالفة الكفار والمبتدعة، وأن إظهار مجانبة سبيل الكافرين والمبتدعين أمر مقصود سواء كان في العقائد أو الفروع. ومن ذلك أن مقالة ابن عباس ﵄: لا أعلم صلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله ﷺ . إنما قالها لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره، كما سبق إيراده. وكان أئمة السلف يذكرون ما يتميزون به في عقائدهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن يذكروا ما يتميز به أهل السنة عن الكفار والمبتدعين) (٦). فإن كان هؤلاء الأئمة يذكرون تميزهم في الاعتقاد، فكذلك يذكرون تميزهم في الفروع عن المخالفين من المبتدعة والكافرين.

стр. 3835

لاسيما وأن الأدلة الشرعية تذم عموم الابتداع في الدين سواء كان في العقائد أو غيرها كما حرره الشاطبي (١). كما أن ظهور البدع سبب في خفاء السنة وانطماسها، كما في حديث غضيف بن الحارث– ﵁ – قال: بعث إلى عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منهما؛ لأن النبي ﷺ قال: ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)) (٢). قال الحافظ ابن حجر معلقاً على القصة: (وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة، فما ظنك بما لا أصل له فيها. فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟) (٣). سادساً: وكما حذر السلف من مخالفة الكفار والمبتدعين، حذروا أيضاً من أرباب الأقوال الإمام الأوزاعي: (من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في الصرف، وبقول أهل المدينة في الغناء، فقد جمع الشر كله) (٤). وكما قال عبد الله بن المبارك: (لا تأخذوا عن أهل مكة في الصرف شيئاً، ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئاً) (٥). وذلك أن أهل الكوفة عرفوا بإباحة النبيذ – من غير العنب مما يسكر كثيره – كما أن أهل مكة أجازوا الصرف، حيث نسب إلى ابن عباس ﵄ أنه أجاز ربا الفضل (٦). كما عرف بعض أهل المدينة بالترخص في الغناء (٧). فهذه الرخصة – كما يقول ابن القيم – (تتبعها حرام، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص) (٨). سابعاً: نلحظ من خلال النظر في تلك الفروع – المذكورة في كتب الاعتقاد – تفاوتها كما ونوعاً، وتنوعها حسب تباين هذه الكتب زماناً ومكاناً وحالاً، فمن الفروع ما يكثر إيراده دون غيره، ومن الفروع ما يذكر في مصنف دون مصنف آخر، فهذا التفاوت والتباين حسب الأحوال والملابسات التي تصاحب تأليف هذه المصنفات. ثامناً: يبدو– من خلال تتبع الأمثلة المذكورة في الفروع – أن أعظم طوائف المبتدعة انحرافاً في الأصول والاعتقاد هم أعظم انحرافاً في الفروع؛ فالرافضة – مثلاً – أشد ضلالاً من الخوارج والمعتزلة في الاعتقاد، ومن ثم كانت مخالفتهم وشذوذهم في المسائل الفقهية سواء في العبادات أو المعاملات أكثر وأظهر. تاسعاً: يظهر من خلال بعض الفروع الواردة – ما كان عليه السلف الصالح من ذم الحيل المفضية إلى الحرام وما فيها من المخادعة والاستخفاف بشرع الله تعالى، والصد عن سبيل الله تعالى، وشماتة أعداء الإسلام وتسلطهم، كما هو ظاهر في نكاح التحليل، كما يظهر أيضاً عناية السلف الصالح بقاعدة سد الذرائع علماً وتحقيقاً. قال الشاطبي: (سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع) (٩).

стр. 3836

وقال ابن القيم: (وإذا تدبرت الشريع وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس فتح باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم تناقض، والشارع حرم الذرائع، وإن لم يقصد بها المحرم، لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟) (١). وحذر ابن القيم من التوثب على محارم الله تعالى باسم الحيل فقال: (فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكراً وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يوماً تنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، ويصير الباطن فيه ظاهراً، ويحصل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب تعالى هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه، وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يعلبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) (٢). مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة جمعاً ودراسة لعبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف– ص: ٤

стр. 3837

المبحث الأول: تعريف الجن في اللغة الجن بالكسر: اسم جنس جمعي واحده جني، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون، والجمع جنان وهم الجنة (١). وعلى هذا فهم ضد الإنس، لأن الإنس سمي بذلك لظهوره, وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته. ويقال: لا جنَّ بهذا الأمر: أي لا خفاء به ولا ستر. والمجن بالكسر: هو الترس، لأن المقاتل يستتر به من الرامي والطاعن وغير ذلك. وكل شيء وقيت به نفسك واستترت به فهو جنة (٢). ومنه قول الرسول ﷺ : (( .. والصيام جنة)) (٣). أي وقاية، لأنه يقي صاحبه من المعاصي. وجن الرجل جنوناً وأجنه الله فهو مجنون: إذا خفي عقله واستتر، وجن الرجل كذلك: أعجب بنفسه حتى يصير كالمجنون من شدة إعجابه. وقال القتيبي: وأحسب قول الشنفري من هذا: فلو جن إنسان من الحسن جنت (٤) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣ أسماء الجن في لغة العرب: قال ابن عبد البر: (الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان على مراتب: ١ - فإذا ذكروا الجن خالصاً قالوا جني. ٢ - فإذا أرادوا أنه مما يسكن مع الناس، قالوا: عامر والجمع عمار. ٣ - فإن كان مما يعرض للصبيان قالوا: أرواح. ٤ - فإن خبث وتعرض قالوا: شيطان. ٥ - فإن زاد أمره على ذلك وقوي أمره قالوا: عفريت عالم الجن والشياطين لعم سليمان الأشقر – ص: ١٢

стр. 3838

المبحث الثاني: تعريف الجن اصطلاحا ورد لفظ الجن في القرآن الكريم في آيات كثيرة, وسميت باسمهم سورة هي سورة الجن، وورد في السنة المطهرة كذلك ذكر الجن في مواضع متعددة، وكل ذلك إنما يدل على أهمية هذا المخلوق، إذ أنه يشاطر الإنس في التكليف، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وعلى هذا فما هو هذا المخلوق؟. يستخلص من التعريفات المتعددة للجن: بأنهم نوع من الأرواح العاقلة, المريدة, المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم, ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون, ويشربون, ويتناكحون, ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة. وهذا التعريف يعطي الصفات البارزة لهذا العالم الذي نجهل الكثير عن طبيعة حياته، لأنه غائب عن حواسنا، ... وبناء على ما تقدم فإن الجن خلق يغاير طبيعة البشر من حيث الشكل وأصل المادة التي خلقوا منها، إذ أنهم مخلوقون من النار، بعكس الإنسان الذي خلق من الطين قال تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن: ١٤ - ١٥]. وكذلك فإن هذا المخلوق له حياته الخاصة من حيث الطعام والشراب، يختلف فيها عن الإنسان، وغير ذلك مما يختص به من الصفات .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٨

стр. 3839

المبحث الأول: الأدلة السمعية على وجود الجن أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة, فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعاً عدا عن الآيات التي تحدثت عن الشيطان وهي كثيرة، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول ﵊ وهو بمكة هي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن, قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:١ - ٢]. واعتبرهم القرآن نوعاً آخر يشترك مع الإنسان في التكليف وإن اختلف عنهم في الصفات, فجاءت كثير من خطابات التكليف شاملة للجن والإنس قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. وقال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام: ١٣٠]، ورتب القرآن الجزاء لهم حسب أعمالهم في الدنيا فقال: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]، وقال في معرض الحديث عن نعيم الجنة: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]. وتحدى الله الجن والإنس أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن الجن يعلمون الغيب فقال في معرض الحديث عن موت سليمان ﵇: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ: ١٤]. وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحوال هذا المخلوق. ومعلوم أن القرآن الكريم قد ثبتت صحته، لأنه منقول إلينا بالتواتر، فعلى هذا الأساس لا مجال لإنكار هذا النوع من المخلوقات متى كان الخبر صادقاً، وإنكارهم يكون تكذيباً لخبر الله عنهم دون حجة أو برهان، وذلك لا يكون إلا من سمات الجاهلين أو الكافرين، ووجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل بأي شكل من الأشكال (١). وأما السنة النبوية فقد ورد ذكرهم في أحاديث كثيرة، وهذه الأحاديث بمجملها تبين أحوال هذا المخلوق، من حيث المادة التي خلقوا منها، ومن حيث طعامهم وشرابهم وتناسلهم ومطالبتهم بالتكاليف الشرعية، ومحاسبتهم في الآخرة، بالإضافة إلى الأحاديث التي تبين إمكانية رؤيتهم بمختلف الصور التي يتشكلون فيها، وغيرها من الأحاديث التي تشرح أحوالهم، قال الدميري: (واعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر) (٢).

стр. 3840

فمن حيث بيان أصل المادة التي خلقوا منها، فقد أورد الإمام مسلم في صحيحه من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خلقت الملائكة من نور, وخلق الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم)) (١). وما ورد من الأحاديث في تكليم الرسول ﷺ الجن وقراءته القرآن عليهم ودعوتهم إلى الله في أكثر من مرة، وقد كان ابن مسعود رفيقاً للرسول ﵇ في كثير منها ... وهذه الأحاديث في كثير منها أحاديث صحيحة، رواها الثقات من الصحابة والتابعين عن الصادق المصدوق ﵊، فلا مجال لتكذيبها أو تأويلها تأويلاً فاسداً يخرج عن المقصود منها. وقد فصلت هذه الأحاديث كثيراً من أحوال الجن وصفاتهم، ومتى ثبتت صحتها، فإن المكذب بها يكون مكذباً للقرآن، الذي نص على وجوب الإيمان بما أخبر به ﵊، قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]. تنبيه: على أن هذه الأدلة السمعية الواردة عن الرسول ﷺ في وجود الجن، لها في نفس الوقت دلالات حسية كذلك على وجودهم، إذ قد ثبت رؤيتهم له ﵇ ولنفر من أصحابة الذين رافقوه عند ذهابه لتكليم الجن وقراءة القرآن عليهم، ومثل هذا قد حصل لأبي هريرة عندما جاءه الشيطان في صورة رجل فقير فجعل يحثو من مال الصدقة ... وكما ورد عن ابن عباس ((أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا به جنون، وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا، فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا، فثع ثعة، وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى)) (٢). فهذه قصة سمعية من جهة، حسية من جهة أخرى، حيث دلت على رؤية الحاضرين للجني على شكل جرو أسود يسعى، وما حصل ذلك من أخذ الرسول ﵇ للشيطان وخنقه إياه عندما جاءه ليقطع صلاته، حتى وجد برد لعابه على يديه الشريفتين. وغير ذلك من الروايات التي تحمل دلالات حسية على رؤية الجن مما لا يجعل مجالاً للشك في وجودهم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٧٩

стр. 3841

المبحث الثاني: الأدلة العقلية إن العقل لا يمنع من وجود عوالم غائبة عن حِسِّنا، لأنه قد ثبت وجود أشياء كثيرة في هذا الكون لا يراها الإنسان ولكنه يحس بوجودها، وعدم رؤية الإنسان لشيء من الأشياء لا يستلزم عدم وجوده، والقاعدة العلمية تقول: عدم العلم بوجود شيء لا يستلزم عدم وجوده. أي عدم رؤيتك للشيء الذي تبحث عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقوداً، إذ أن الموجودات أعظم من المشاهدات، أي ليس كل الموجودات خاضعة لحاسة الرؤية، أو لمطلق الحواس، وإلا لوجب على الإنسان أن يؤمن بوجود السيارة مثلاً ما دامت واقفة أمامه، فإذا ما سار بها قائدها وابتعدت حتى خرجت عن سلطان المشاهدة والحواس وجب إنكار وجودها، ... فإذا ظهر لك برهان علمي قاطع يجزم بأحد طرفي وجود ذلك الشيء أو عدمه، فإن من العبث أن تقارع ذلك البرهان القاطع بجهلك السابق (١). وقد ثبت عن طريق القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن طريق السنة الصحيحة وجود عالم يختلف عن الإنسان يسمى عالم الجن، وهذا القرآن ليس من تأليف الرسول ﵇, أو من تأليف أحد من البشر على الإطلاق، فعندئذ وجب التصديق بهذا الإخبار الصحيح عن الله وعن رسوله ﷺ ، ولا اعتبار بجهل الإنسان بهذا العالم ما دام المخبر صادقاً. ولا يدعي إنسان عاقل على الإطلاق أنه رأى الميكروبات بالعين المجردة التي لا ترى إلا بالمجهر بعد تكبيرها آلاف المرات، لأن السبب في عدم رؤيتها أن حاسة البصر عند الإنسان غير مؤهلة لهذه الرؤية، ما دامت الرؤية لهذا البصر محدودة في مجال العالم المشهود للإنسان، قال محمد رشيد رضا: (ولو كان الاستدلال بعدم رؤية الشيء على عدم وجوده صحيحاً وأصلاً ينبغي للعقلاء الاعتماد عليه، لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد والقوى المجهولة، ولما كشفت هذه الميكروبات التي ارتقت بها علوم الطب والجراحة إلى الدرجة التي وصلت إليها، ولا تزال قابلة للارتقاء بكشف أمثالها، ولما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها هذا التأثير العظيم في الحضارة، ولولم تكشف الميكروبات – وأخبر أمثالهم بها في القرون الخالية – لعدوه مجنوناً، وجزموا باستحالة وجود أحياء لا ترى، إذ يوجد في نقطة الماء ألوف الألوف منها، وأنها تدخل في الأبدان من خرطوم البعوضة أو البرغوث .. الخ، كما أن ما يجزم به علماء الكهرباء من تأثيرها في تكوين العوالم، وما تعرفه الشعوب الكثيرة الآن من تخاطب الناس بها من البلاد البعيدة بآلات التلغراف والتليفون اللاسكلية – كله مما لم يكن يتصوره عقل، وقد وقع بالفعل) (٢). ويقول أيضاً: (ويعجبني قول الدكتور (فانديك) في كلامه عن الحواس الخمس إذ يقول: لو كانت لنا حواس أخر فوق الخمس التي لنا، لربما توصلنا بها إلى معرفة أشياء كثيرة لا نقدر على إدراكها بالحواس الخمسة التي نملكها، ولو كانت حواسنا الموجودة أحدَّ مما عليه لربما أفادتنا أكثر مما تفيدنا وهي على حالتنا الحاضرة، ولو كان سمعنا أحدَّ لربما سمعنا أصواتاً تأتينا من عالم غير هذا الذي نحن فيه) (٣)، ولكن حكمة الله اقتضت أن تكون حواسنا كما هي عليه الآن. وقد أثبتت التجارب وجود أشياء كثيرة في هذا الكون مع أن الإنسان لا يراها، فالكهرب الذي يسري في السلك موجود ولكننا لا نراه، والموجات الصوتية التي تنتقل عبر الأثير نحس بها ونلمس آثارها، خاصة في هذا العصر الذي ارتقت فيه المعارف والعلوم ارتقاء عجيباً ... وباسم المنهج التجريبي في البحث أنكر كثير من المنتسبين له وجود مخلوقات تسمى بالملائكة والجن، ولم يكن لهم حجة يلجأون إليها في إنكار ذلك إلا أنهم لم يشاهدوها ولم يضعوها تحت المجهر أو في أنابيب الاختبار، ليجروا عليها التجارب، في الوقت الذي يتحدثون فيه للبشرية عن وجود الجاذبية والمغناطيسية والكهرب، وغيرها من الأشياء التي تغيب عن حواسنا، ولقد أخطأت الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات المادية عندما آمنت بالعقل وجحدت ما سواه, وعاشت تحت ظلال وثنية عقلية، هي أخطر ألوان الوثنيات وأشدها إذلالاً وإهدارا للقيم الإنسانية العليا، وهذا العقل الذي عبدته هذه الحضارة شيء عظيم حقاً في عالم الحس والمشاهدة، لأنهما يخضعان لهذا العقل في مجال التجربة والاختبار، أما ما وراء الحس والمشاهدة، فلا مجال للعقل أن يحكم على ذلك بالظنون والتخرصات، وفي الوقت الذي نجد فيه إبداع هذه الحضارة المادية في مجال الماديات، نجدها في الجانب الآخر قد تعثرت تعثرا مضحكاً في المعنويات والأخلاقيات والعبادات، وفي كافة ما يتصل بأمور الغيب كالروح والإلهام والوحي، لأنها أمور فوق الحس والمشاهدة (٤) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبيدات – ص: ٨٢

стр. 3842

المبحث الثالث: عقائد الناس في الجن انقسم الناس قديماً وحديثاً في أمر الجن إلى مذاهب شتى، فما بين مثبت لوجودهم، أو منكر، أو مؤول لهم بشتى التأويلات الفاسدة، أو مغالٍ في قدرتهم وسلطانهم في الأرض، إلى غير ذلك من المذاهب والتصريفات المختلفة في شأن هذا المخلوق. ويمكن إجمال هذه المذاهب فيما يلي: ... ١ - مذهب أهل السنة والجماعة: الذي عليه أهل السنة والجماعة من المسلمين وهو إثبات وجود مخلوقات غائبة عن حواسنا تسمى الجن، وأنها لا تظهر إلا أذا تشكلت في صور غير صورها في بعض الأحوال ولبعض الناس، وأنها مخلوقات عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو ما عليه البشر، وأنهم يأكلون, ويشربون, ويتناكحون ولهم ذرية، قال ابن حزم: (لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحلية للطبائع بنص الله وعلى وجود الجن في العالم، وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم، وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة، متناسلة، يموتون. وأجمع المسلمون كلهم على ذلك) (١). ويقول ابن تيمية: (لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ولا في أن الله أرسل محمداً ﷺ إليهم .. إلى أن يقول: وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضاً قائمة بلإنسان أو غيره كما يزعم بعض الملاحدة) (٢). ويقول ابن حجر الهيتمي: (وأما الجان فأهل السنة والجماعة يؤمنون بوجودهم) (٣). وقد تقدم كثير من الأدلة التي يستند إليها أهل السنة والجماعة في إثبات وجود الجن، سواء كانت هذه الأدلة مأخوذة من القرآن أو السنة، بالإضافة إلى دلالة الإجماع على ذلك ... ٢ - مذهب جمهور الكفار: كعامة أهل الكتاب والمجوس، وجمهور الكنعانيين, واليونانيين, والرومان, والهنود القدماء, وعامة مشركي العرب: الإقرار بوجود الجن، مع انحراف في تصورهم عن هذا المخلوق. هذه الطوائف المختلفة أقرت بوجود الجن، ولكن إقرارهم هذا صاحبه تصورات فاسدة ومنحرفة، فمنهم من اعتبر أن الجن شركاء لله في الخلق والتدبير، ومنهم من اعتبر أن للجن سلطاناً في الأرض, وأنهم يعلمون الغيب، ومنهم من أثبت أخوة بين الله وإبليس - تعالى الله عن ذلك- إلى غير ذلك من التصورات المنحرفة .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٩٠ ٣ - مذهب أكثر الفلاسفة والأطباء وجماعة من القدرية: والمعتزلة والجهمية، وكافة الزنادقة قديماً وحديثاً: إنكار الجن، بالإضافة إلى نفر قد أولوا النصوص الدالة على وجود الجن تأويلاً يدل على إنكارهم، كما سيأتي: قال الإمام القرطبي: (وقد أنكر جماع من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم) (٤) وقال ابن تيمية: (وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين, وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، وكما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك، كما يوجد في طوائف المسلمين كالجهمية والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك) (٥). والملاحدة والمتفلسفة يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة (٦) ...

стр. 3843

وقد أنكرت جماهير القدرية وكافة الزنادقة الجن كما ذكر الجويني إمام الحرمين حيث يقول: (وكثير من الفلاسفة, وجماهير القدرية, وكافة الزنادقة أنكروا الجن والشياطين رأساً، ولا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدبر ولا يتشبث بالشريعة، وإنما العجب من إنكار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار) (١). والذي يظهر أن المتأخرين من القدرية هم الذين ينكرون وجود الجن مع اعتراف متقدميهم بذلك، قال أبو بكر الباقلاني: (وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديماً وينفون وجودهم الآن، ومنه من يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فيها، ومنهم من قال: إنما لا يرون لأنهم لا ألوان لهم) (٢). وأما المعتزلة فالمشهور عن أكثر العلماء أن الكثيرين منهم ينكرون وجود الجن، يقول الجويني: (وقد أنكرهم معظم المعتزلة، ودل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم, وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه, ونص الشرع على ثبوته) (٣). وقال ابن حجر الهيتمي: (وإنكار المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، بل ألزموا به كفراً لأن فيه تكذيب النصوص القطعية بوجودهم) (٤). وقال الدميري: (فإذا قيل: ما تقول فيما حكى عن بعض المعتزلة أنه ينكر وجود الجن؟ قلنا: عجيب أن يثبت ذلك عمن يصدق بالقرآن وهو ناطق بوجودهم) (٥). ... وقد ذكر محمد رشيد رضا أن الزمخشري وشيعته لم يكونوا من المنكرين لوجود الجن، وإنما الجن – كما يقولون – من عالم الغيب، لا نصدق من خبرهم إلا ما أثبته الشرع، أو ما هو في قوته من دليل الحس أو العقل، ولم يثبت شرعاً, ولا عقلاً, ولا اختباراً, أن شياطين الجن تأكل الناس, ولا أنها تظهر لهم في الفيافي كما كانت تزعم العرب، وغير ذلك في طور الجهل والخرافات (٦) ... أما الزنادقة قديماً وحديثاً كالدهرية والملحدين من الشيوعيين وغيرهم فإنهم ينكرون الغيبيات بشكل عام، ويعتبرون أن الكون وجد هكذا صدفة، وعلى هذا فهم يحاربون الأديان ويعتبرونها أفيون الشعوب، وذلك كما تفعل الشيوعية في الوقت الحاضر. وليس لهؤلاء حجة في إنكار الغيبيات – والجن من بينهم – إلا عدم الإيمان بما لا يقع عليه الحس، ولا يعرف بالتجربة والمشاهدة، وهي حجة ساقطة من أساسها، لا تقوى على الوقوف أمام الأدلة الكثيرة الناطقة بوجودهم ... شبه المنكرين لوجود الجن والرد عليها: وجملة الشبه التي يتمسك بها المنكرون للجن تتلخص فيما يلي: ١ - أن الجن لو كانوا موجودين لوجب أن يكونوا أجساماً كثيفة أو لطيفة، ولو كانوا أجساماً كثيفة لرآهم كل إنسان سليم الحس، ولو كانوا أجساماً لطيفة لتمزقوا عند هبوب الرياح والعواصف، وللزم أن لا يكون لهم قدرة على الأعمال الشاقة كما يقول مثبتو الجن على حد قولهم (٧). والجواب على هذه الشبهة: أن الجن مجردون عن المادة والجسمية التي نشاهدها في الأمور المحسوسة أمامنا كالبشر, والدواب, والأشجار وغير ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن يجعل الله فيهم خاصية القدرة على التشكل بالأشكال المختلفة: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في تشكلهم بمختلف الصور، فمعارضة هذه النصوص بالظن إنما هو تحكم بالباطل.

стр. 3844

أما قولهم: إنهم لو كانوا أجساماً لطيفة لتمزقوا عند هبوب الرياح والعواصف فجوابه: لقد ثبت عند الفلاسفة أن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر، فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة؟!، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها، وأنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها, فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها (١) وقد ثبت تسخيرهم للنبي سليمان ﵇ بصريح القرآن، وقد كان يراهم على صورهم الأصلية كما دل عليه ظاهر القرآن. ٢ - أن هذه الأشخاص المسماة بالجن لو كانوا حاضرين في هذا العالم، مخالطين للبشر، فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة, وإما عداوة، فإن حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة، وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضاد بسبب تلك العداوة، إلا أننا لا نرى أثراً لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة (٢). والجواب على هذه الشبهة: أنه لا يشترط أن يحصل للإنسان من مصاحبة أحد صداقة أو عداوة يترتب عليهما المنافع والمضار، ومع ذلك فإن الوقائع الصحيحة التي وردت في السنة تدل على أن بعض الجن قد حصل منهم إيذاء لبعض من يكرهونه من الأنس، وقد ثبت علاج الرسول ﷺ لبعض من صرعتهم الجن، وقد ثبت كذلك نفع الجن لبعض الإنس كما حصل مع أبي هريرة عندما جاءه الشيطان فجعل يحثو من الطعام وقد تكرر مجيئه ثلاث مرات، وكان يزعم أنه لا يعود، حتى همَّ أبو هريرة أن يرفع أمره للرسول ﷺ ، فقال الشيطان عند ذلك: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، فعلمه آية الكرسي وقال له: اقرأها فإنه لا يقربك شيطان (٣) , وغير ذلك مما قد ثبت في نفع الجن لبعض الناس وإضرارهم لبعض منهم. ٣ - إن الطريق إلى معرفة الجن إما الحس وإما المشاهدة وإما الدليل، ولم يثبت لنا بالحس وجودهم ورؤيتهم، والذين يقولون إنا أبصرناهم وسمعنا أصواتهم طائفة من المجانين يتخيلون ذلك، وليست في الحقيقة كذلك، وأما الخبر بواسطة الأنبياء ﵈ فباطل، لأن ذلك يؤدي إلى إبطال نبوتهم، ولجاز أن يقال إن كل ما أتى به الأنبياء من المعجزات إنما هو بإعانة الجن والشياطين، فإذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال: إن حنين الجذع إنما كان لأن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الناقة تكلمت مع الرسول ﷺ لأن الشيطان دخل في باطنها فتكلمت؟ وأما الدليل والنظر فهو متعذر، لأنا لا نعرف دليلاً عقلياً يدل على وجود الجن والشياطين (٤). والجواب على هذه الشبهة: أن الدليل الحسي قد دل على وجود الجن، حيث رآهم الرسول ﵊ وهو نبي معصوم من الخطأ والكذب، ورآهم ابن مسعود عندما ذهب معه ليلة تكليم الجن، ورآهم أبو هريرة عندما جاءه الشيطان في صورة رجل فقير، فأخذ يحثو من مال الصدقة، وقد حدث مثل ذلك لنفر من الصحابة، وغير ذلك من الوقائع التي تدل على رؤية الجن من قبل هؤلاء، وهم صحابة أجلاء وليسوا من المجانين كما يزعم المنكرون لوجود الجن، بل هم من العقلاء الموثوق بهم.

стр. 3845

وأما الخبر فقد جاءت نصوص القرآن مخبرة عن أحوال الجن في مواضع متعددة من القرآن، وليس هناك من سبيل للطعن بكتاب الله – المنقول بالتواتر – بأي حال من الأحوال، ودل على وجودهم السنة المتواترة التي تقطع الشك وترفع العذر في إنكار وجودهم أو تأويلهم. والقول أن في الاعتراف بهم إبطالاً لنبوة الأنبياء غير صحيح، لأنه قد ثبت لنا وجودهم عن طريق هؤلاء الأنبياء كذلك، فالشك في وجودهم يوجب الطعن في نبوتهم أيضاً. وأما أن الإقرار بوجودهم يوجب إنكار معجزات الأنبياء فغير مسلم، لأن المعجزة إنما هي تأييد من الله لأنبيائه حتى يظهر للناس صدق نبوتهم، والرسل معصومون من تلبيس الجن والشياطين، فلا يمكن أن يكون حنين الجذع وتكليم الناقة للرسول ﵇ من قبيل هذه التلبيسات. أما الذين ينكرون وجود الجن بحجة عدم رؤيتهم، أمثال الزنادقة والماديين، فهؤلاء ينكرون كل ما لا يقع عليه الحس، ... وأنه لم يدل دليل عقلي على نفي وجودهم، ولا يمنع العقل من وجودهم، في الوقت الذي دل فيه العقل على وجود أشياء كثيرة غائبة من الحس، وهو أمر لا تحيله الطباع ولا تنكره العقول، ثم إن العقل لم يدع أنه توصل إلى معرفة جميع الأشياء، وأن ما وصل إليه علم الإنسان غيض من فيض. فثبت بهذا بطلان شبهات منكري الجن. موقف المنكرين لوجود الجن من النصوص الدالة على إثبات وجودهم: وفي الوقت الذي يقرر الإسلام وجود الجن وأنهم مخلوقات عاقلة مكلفة خلقوا من النار، يأتي المنكرون للجن من الملاحدة والفلاسفة وغيرهم فيؤولون النصوص الدالة على وجود الجن والملائكة تأويلاً يبعد عن مقصد القرآن والسنة، وهو تأويل لا يعتمد على دليل يؤيده بل هو من تحريف الكلم عن مواضعه، تضليلاً للناس وصدا لهم عن سبيل الله، وهي تأويلات معلومة الفساد بالضرورة من دين الإسلام، وقد أدى تأويل هذا النفر من الناس إلى إنكار الجن بالكلية، وبهذا يتفقون مع المنكرين في الغاية والهدف. وقد تجلت هذه النظرة عند القدامى والمحدثين: أما عند القدامى فيقول ابن تيمية: (وقد زعم الملاحدة والمتفلسفة بأن الملائكة هم قوى النفس الصالحة, والشياطين هم قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل، ونحو ذلك من المقالات التي يقولها أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من القرامطة الباطنية، ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة، وقد يوجد نحو هذه الأقوال في أقوال المفسرين التي لا إسناد لها يعتمد عليه) (١). ويوضح هذه النظرة التي ذكرها ابن تيمية عن هذه الطوائف فخر الدين الرازي في تفسيره، حيث يبين موقف الطوائف المختلفة من الجن، وقد ذكر عن هؤلاء الفلاسفة قولهم: (النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة وقد تكون شريرة، فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث، وتصير تلك النفس المفارقة، معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها، فإن كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة، كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاماً، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة، كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة) (٢). وقال ابن حزم: (وذهب القائلون بتناسخ الأرواح أمثال أحمد بن خابط, وأبو مسلم الخراساني, والرازي الطبيب المعروف وغيرهم أن الشياطين هي أرواح الشريرين من الناس، والملائكة هي أرواح الخيرين منهم) (٣)، وذكر نحو هذا البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق حيث يقول: (والباطنية يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين والأبالسة على مخالفيهم) (٤). وما تقدم من تأويل الجن والملائكة هذا التأويل الفاسد إنما سببه الانحراف والزيغ عن منهج الحق، حيث ضلت هذه الفرق عن الإسلام، وتأولت آيات القرآن تأويلاً باطلا يوافق أهواءهم وما انتحلوه من إنكار هذه العوالم، فجمعوا بين إنكار الحق الثابت وتحريف النصوص. وتأويل بعض هؤلاء الجن, والملائكة, بالأرواح المفارقة للأبدان ... هو من القول بالتناسخ أو يشابهه، ولا شك أن مذهب التناسخ مذهب باطل كما هو مقرر في الإسلام، فإن الأرواح لا تنتقل إلى أبدان أخر بعد الموت، بل تبقى في مستقرها في دار البرزخ منعمة أو معذبة. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات- بتصرف - ص١٠٨

стр. 3846

المبحث الأول: المادة التي خلق منها الجن صرح القرآن الكريم والسنة النبوية بذكر المادة التي خلق منها الجن، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: ٢٧]. في مقابل الحديث عن خلق الإنسان من الطين، وفي قوله: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن: ١٤ - ١٥]. وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن إباء إبليس من السجود لآدم ﵇ كقوله تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢]. أما في السنة النبوية فقد ورد في صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)) (١) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٣

стр. 3847

أولا: قدرتهم على التشكل الذي تشير إليه الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة. قال ابن تيمية: (والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل, والبقر, والغنم, والخيل, والبغال, والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم) (١). ولا يمنع خلقهم من النار تشكلهم في الصور المختلفة، يقول الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها، ويخلق لهم أغراضاً تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم ناراً، ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة) (٢). الأدلة على تشكل الجن ورؤيتهم: أما من القرآن فقوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٤٨]. قال الطبري في تفسير هذه الآية: (عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشيطان، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ [الأنفال: ٤٨]، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه – وكانت يده في يد رجل من المشركين – انتزع إبليس يده، فولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جار لنا؟ قال: إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٤٨] وذلك حين رأى الملائكة) (٣).

стр. 3848

ومن الأدلة التاريخية التي تصلح في هذا المقام: ما ورد أن الشيطان تصور في صورة شيخ نجدي، عندما اجتمعت قريش بدار الندوة، لتمكر بالرسول ﷺ ، وذلك قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]. وذلك أن قريشاً اجتمعت بدار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ نجدي عليه بتٌّ، فلما رأوه واقفاً على الباب قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم رأياً ونصحاً، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، فأشار بعضهم فقال: نحبسه في الحديد، ونغلق عليه الباب حتى يموت، فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجن أمره من وراء الباب إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من بين أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا غيره، فأشار بعضهم بنفيه من البلاد، فقال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ألم تروا إلى حسن حديثه وغلبته على قلوب الرجال؟ حيث يقدر على تأليف القلوب حوله، أديروا فيه رأياً غير هذا. حتى أشار أبو جهل برأيه الذي استقر عليه الأمر بأخذ شاب من كل قبيلة، فيدخلوا على الرسول ﵊ فيقتلوه جميعاً، فيتفرق دمه على القبائل. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي ولا رأي غيره، فتفرق القوم وهم مجتمعون على هذا (١). نلاحظ مما تقدم أن الشيطان قد جاء المشركين في صورة رجل، فرأوه وعاينوه. وقد يظهر الشيطان لبعض الناس في صورة بعض الأموات، وأكبر ما يقع ذلك من المشركين، يقول ابن تيمية: (وقد وقع هذا كثيراً، حتى أنه يتصور لمن يعظم شخصاً في صورته، فإذا استغاث به فيظن ذلك الشخص أنه شيخه الميت) (٢). ويقول في موطن آخر: (وكذلك يأتي كثيراً من الناس في مواضع ويقول إنه الخضر، وإنما كان جنياً من الجن) (٣). وغير هذا كثير مما يقع من أتباع الشيطان مع شياطينهم، حيث يتصورون لهم في صور عديدة، ليوهموهم ويستدرجوهم. الأدلة من السنة: ورد في السنة المطهرة أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، نجتزئ بعضها للاستدلال على ذلك: ١ - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم -. ثم ذكرت قول أخي سليمان: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] فرده الله خاسئاً)) (٤). وقد جاء في روايات أخرى أن الشيطان جاء بشعلة من نار ليحرق بها وجه الرسول ﷺ , فأخذه حتى وجد برد لسانه على يده الشريفة.

стр. 3849

فعن أبي سعيد الخدري ((أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل)) (١). وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: ((قام رسول الله ﷺ ، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك, ثم قال: ألعنك بلعنة الله. ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله, قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً، لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة)) (٢). فهذه الروايات تدل على أن الرسول ﷺ رأى الشيطان، ومعه شعلة من نار ليحرق بها وجهه، فأخذه، ولولا دعوة النبي سليمان ﵇ لربطه في أحد سواري المسجد لينظر إليه الناس. ٢ - عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود قال: ((استتبعني رسول الله ﷺ ليلة الجن، فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة، فخط لي خطاً وقال: لا تبرح، ثم انصاع في أجبال الجن، فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه، فاخترطت السيف وقلت: لأضربن حتى استعد رسول الله ﷺ ، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجر .. )). الحديث (٣) فقوله في الحديث: (فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال) فيه دليل على أنهم ظهروا لابن مسعود في صورة الرجال، حتى خاف على الرسول ﷺ منهم، فهم بسيفه ليقاتلهم.

стр. 3850

٣ - ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: ((وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج, وعلي عيال, ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود. فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : إنه سيعود. فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج, وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود. فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة. قال: لا، قال: ذاك شيطان)) (١). وقد جاء هذا الحديث من عدة روايات، كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني، فقد قال: (قوله: فأخذته زاد في رواية أبي المتوكل ((أن أبا هريرة شكى ذلك إلى النبي ﷺ أولاً، فقال له: إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخرك لمحمد، قال: فقلتها، فإذا أنا به قائم بين يدي فأخذته)).) وقال ابن حجر: (وفي رواية الروياني: ((فأخذته فالتفت يدي على وسطه, فقلت: يا عدو الله: وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته، وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فيفضحك)) وفي رواية الروياني: ((ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال، ما أتيتك إلا من نصيبين)) (٢). وقد ورد في حديث معاذ بن جبل قوله: ((ضم إليّ رسول الله ﷺ تمر الصدقة، فكنت أجد فيه كل يوم نقصاناً، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال لي: هو عمل الشيطان فارصده، فرصدته، فأقبل في صورة فيل، فلما انتهى إلى خلل الباب، دخل من خلل الباب في غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت عليّ ثيابي فتوسطته)) (٣).

стр. 3851

وقد بين ابن حجر أن اختلاف هذه الروايات محمول على التعدد، فقد جاء الشيطان مرة في صورة رجل فقير يطلب الصدقة، ومرة أخرى في صورة فيل، وفي روايات أخرى ذكرها ابن حجر أنه جاء في صورة دابة تشبه الغلام المحتلم، فعن أبي بن كعب: ((أن أباه أخبره أنه كان لهم جرن فيه تمر، وكان مما يتعاهده فيجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة كهيأة الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت: جن أم أنس؟ فقال: جن، فقلت: ناولني يدك, فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ما فيهم من أحد هو أشد مني، فقلت: ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني إنك رجل تحب الصدقة، فأحببت أن أصيب من طعامك، قلت: فما الذي يحرزنا منكم؟ فقال: هذه الآية، آية الكرسي, قال: فتركته، وغدا أبي إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : صدق الخبيث)) (١). إلى غير ذلك. وهذه الروايات بمجموعها تدل على تشكل الجن ورؤيتهم في صورهم التي تشكلوا بها. ٤ - روى مسلم في صحيحه ((أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. فسمعت تحريكاٍ في عراجين في ناحية البيت. فالتفت فإذا حية. فوثبت لأقتلها. فأشار إليّ: أن أجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار. فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يوماً. فقال له رسول الله ﷺ : خذ عليك سلاحك. فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه. ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى إليها الرمح ليطعنها به. وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش. فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه في الدار. فاضطربت عليه. فما يدري أيهما كان أسرع موتاً. الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له. وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا. فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام. فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان)) (٢). ففي هذا الحديث دلالة على أن الجن يتشكلون في صورة الحيات، وقد كانت تلك الحية التي دخلت البيت عبارة عن جن في صورة حية، صرع الفتى بسببها، ولذا فإن الرسول ﵊ نهى عن قتل حيات البيوت قبل استئذانها ثلاثة أيام، لئلا تكون تلك الحية جناً مسلمين. فعن عمر بن نافع قال: (كان عبد الله بن عمر ﵄ يوماً عند هدم, فرأى وبيص جان فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت النبي ﷺ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر, وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر, ويتبعان ما في بطون النساء) (٣). وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((اقتلوا ذا الطفيتين، فإنه يطمس البصر, ويصيب الحبل)) (٤).

стр. 3852

والنهي عن قتل حيات البيوت لكون الجان يتمثل بصورة الحيات، قال ابن حجر الهيتمي: (إن استثناء هذين – يقصد الأبتر وذا الطفيتين - يقتضي أن الجني لا يتصور بصورتهما، فيسن قتلهما مطلقاً، ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر بقتلهما لأن الجن لا تتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل بهما) (١). ثم قال ابن حجر: (وما ورد عن ابن مسعود ﵁ مما يقتضي عدم قتله مطلقاً يحمل على ما إذا لم ينذر، وأن الإنذار يتأكد فيه، لأنه أقرب إلى صورة الجن من غيره، وكذلك يحمل على هذا حديث مسلم: أنه ﷺ نهى عن قتل الجان إلا الأبتر وذو الطفيتين) (٢). وأخرج أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: ((اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض، الذي كأنه قضيب فضة)). وذلك لتمثل الجان في صورة الحيات البيضاء قال أبو داود: (فقال لي إنسان: الجان لا يعرج في مشيته، فإذا كان هذا صحيحاً كانت علامة فيه إن شاء الله) (٣) وفائدة الإنذار أن الجني الذي يظهر بصورة حية إذا كان مسلماً يخرج بسماعه للإنذار، وإذا لم يخرج فهو جن كافر أو حية، وكل منهما يقتل شرعاً. والجن يتصور بصورة الكلاب كذلك قال ابن تيمية: (والجن تتصور بصورة الكلب الأسود, وكذلك بصورة القط الأسود, لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة). فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان)) (٤)). وقد أخبر ﵊ أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، فعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل. فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار, والمرأة, والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان)) (٥). فعلل بأنه شيطان، والجن تتشكل بالصور المختلفة للحيوانات سواء كانت كلاباً أو غيره. وهكذا يظهر لنا مما تقدم أن الجن يتشكلون في الصور المختلفة، وعندئذ يمكن رؤيتهم، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء من المسلمين، لما ورد من الآثار الكثيرة في تشكيلهم ورؤيتهم، وقد مر معنا قسم منها. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ١٩

стр. 3853

ثانيا: مدى إمكانية رؤيتهم ويحسن بنا في هذا المقام أن نبين آراء الفقهاء في مسألة رؤية الجن وتشكلهم. ١ - رأي الجمهور: أن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات، ولبعض الناس. ٢ - الفريق الثاني: يرى أن رؤية الجن مختصة بالأنبياء – ﵈ – فقط. وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم والنحاس والقشيري وبعض المحدثين. ٣ - الفريق الثالث: ينكر رؤية البشر للجن، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء، وهو قول لبعض المحدثين. ٤ - الفريق الرابع: يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء, ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر, وهو قول الألوسي, وابن العربي، على تفصيل سيأتي فيما بعد. وإليك تفصيل هذه الآراء مع أدلتها: ١ - رأي الجمهور من الفقهاء: الذين قالوا بأن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات ولبعض الناس. قال محمد رشيد رضا: (والجمهور على أن الجن تتشكل) (١)، وقال في موطن آخر: (واختلفت فرق المسلمين في تشكله في الصور. فالجمهور يثبتونه) (٢) وقال المجلسي: (لا خلاف بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة، يرون في بعض الأحيان، ولا يرون في بعضها .. وقد جعل الله لهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وصور متنوعة، كما هو الأظهر من الأخبار والآثار) (٣). ويقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها) (٤). ويقول الإمام القرطبي: (وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة، فمنها حديث أبي هريرة الذي وكله رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان – وذكر قصة طويلة – وفيها: أن الشيطان كان يأتيه على صورة رجل فقير، يحثو من الطعام، حتى رفع أمره إلى الرسول وأخبره أن الذي يأتيه إنما هو شيطان) (٥) (٦). وقد رأى ابن مسعود الجن على غير صورهم الأصلية، حين ذهب ﵊ لتكليم الجن. فقد روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ((أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط علي خطاً فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر)) (٧).

стр. 3854

وقد جاء من طرق هذا الحديث: ((ثم انطلق – أي ابن مسعود – حتى قام عليَّ أي رسول الله ﷺ فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطاً وغمغمة، حتى خفت على النبي ﷺ ، وغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي ﷺ مع الفجر فقال: أنمت؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مستثفري ثياب بيض، فقال: أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع، والمتاع الزاد .. )) الحديث (١). وفي إحدى الروايات عن ابن مسعود جاء فيها: ( ... فلما أصبحت قلت: لأعلمن علماً حيث كان رسول الله ﷺ قال: فذهبت، فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً)، وذلك حين ذهب الرسول ليكلم نفراً من الجن. وفي هذا دلالة على أن الجن الذين كلمهم ﵊ لهم أجسام، بحيث يمكن مشاهدتهم، فقد تركوا أثرا يدل على تشكلهم، وهي آثار مقاعدهم عندما كانوا مجتمعين حول الرسول ﵊. وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد, قال ذلك ثلاثاً فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز, فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري ثيابهم من بين أرجلهم, فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق, فلما دنونا منهم خط لي رسول الله بإبهام رجله في الأرض خطاً فقال لي اقعد في وسطه فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة, ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآناً رفيعاً حتى طلع الفجر ثم أقبل حين مر بي فقال لي: الحق، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد فقلت: يا رسول الله أرى سواداً كثيراً, فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض, فنظم عظماً بروثة ثم رمى به إليهم, ثم قال: رشد أولئك من وفد قوم هم وفد نصيبين, سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة, قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبداً)) (٢). وعندما قدم ابن مسعود الكوفة، رأى شيوخاً شمطاً من الزط فراعوه، قال: (من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم، قال: ما رأيت للذين قرأ عليهم النبي ﷺ الإسلام من الجن شبهاً أدنى من هؤلاء) (٣). فهذه الروايات تدعم قول القائلين بإمكانية رؤية الجن، فقد ظهروا لابن مسعود وغيره مرة في صورة النسور، ومرة في صورة الحجل، ومرة في صورة رجال سود، عليهم ثياب بيض. ورآهم ابن مسعود يجتمعون حول الرسول ﵊ وهو يقرعهم بعصاه، ثم يتلو عليهم القرآن، ويطلبون منه الزاد فيزودهم العظم لهم، والروث لدوابهم. وقد تكررت وفادات الجن على الرسول ﷺ وذكر الألوسي أنه كان للجن ست وفادات. وهذه الوفادات تدل على رؤية الجن من قبل ابن مسعود وغيره عند تكليم الرسول ﷺ للجن ودعوتهم إلى الله.

стр. 3855

أما حديث ابن عباس الذي يقول فيه: (ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم. انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر- فلما سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا! إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به. ولن نشرك بربنا أحداً. فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ) (١). هذا الحديث الذي يبين فيه ابن عباس أن رسول الله ﷺ ما رأى الجن، يقول فيه ابن العربي: (وابن مسعود الذي يثبت رؤية الرسول للجن - في الحديث المتقدم – أعرف من ابن عباس لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة) (٢)، ويقول السبكي: (ويقدم قول ابن مسعود لأنه إثبات وقول ابن عباس نفي، والإثبات مقدم على النفي، لاسيما وقصة الجن كانت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك طفلاً، أولم يولد بالكلية، فهو إنما يرويها عن غيره، وابن مسعود يرويها مباشرة عن النبي ﷺ ، فالأولى أن يجعل كلام ابن عباس غير معارض لكلام ابن مسعود، وأن يكونا مرتين: إحداهما التي ذكرها ابن عباس، وهي التي أشار إليها القرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن، إذ لم يكن النبي ﷺ قصدهم, ولا شعر بهم, ولا رآهم, ولا قرأ عليهم قصداً، بل سمعوا قراءته وآمنوا به كما نطق بذلك الكتاب العزيز، وثبوتها من حيث الجملة قطعي) (٣)، وهذه المرة كانت بنخلة، والثانية التي تثبت رؤية الرسول للجن وهي بمكة (٤). وأما قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. حكاية عن إبليس وقبيله من الشياطين، فقد قال الإمام الشوكاني: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه – أي إبليس – يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً) (٥). ثم إن المقصود من الآية عدم رؤيتنا لهم على صورتهم الأصلية التي خلقهم الله عليها، وليس معناها انتفاء رؤيتنا لهم في حالة تشكلهم بمختلف الصور، التي ثبت تشكلهم بها، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك. قال الحافظ ابن حجر: (إن الشيطان قد يتصور ببعض الصور، فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها، .. وأنهم يظهرون للإنس بالشرط المذكور) (٦)، يقصد إذا تشكلوا بغير صورهم.
следующие страницы →