وقد بين ابن حجر أن اختلاف هذه الروايات محمول على التعدد، فقد جاء الشيطان مرة في صورة رجل فقير يطلب الصدقة، ومرة أخرى في صورة فيل، وفي روايات أخرى ذكرها ابن حجر أنه جاء في صورة دابة تشبه الغلام المحتلم، فعن أبي بن كعب: ((أن أباه أخبره أنه كان لهم جرن فيه تمر، وكان مما يتعاهده فيجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة كهيأة الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت: جن أم أنس؟ فقال: جن، فقلت: ناولني يدك, فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ما فيهم من أحد هو أشد مني، فقلت: ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني إنك رجل تحب الصدقة، فأحببت أن أصيب من طعامك، قلت: فما الذي يحرزنا منكم؟ فقال: هذه الآية، آية الكرسي, قال: فتركته، وغدا أبي إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : صدق الخبيث)) (١). إلى غير ذلك.
وهذه الروايات بمجموعها تدل على تشكل الجن ورؤيتهم في صورهم التي تشكلوا بها.
٤ - روى مسلم في صحيحه ((أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. فسمعت تحريكاٍ في عراجين في ناحية البيت. فالتفت فإذا حية. فوثبت لأقتلها. فأشار إليّ: أن أجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار. فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يوماً. فقال له رسول الله ﷺ : خذ عليك سلاحك. فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه. ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى إليها الرمح ليطعنها به. وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش. فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه في الدار. فاضطربت عليه. فما يدري أيهما كان أسرع موتاً. الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له. وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا. فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام. فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان)) (٢).
ففي هذا الحديث دلالة على أن الجن يتشكلون في صورة الحيات، وقد كانت تلك الحية التي دخلت البيت عبارة عن جن في صورة حية، صرع الفتى بسببها، ولذا فإن الرسول ﵊ نهى عن قتل حيات البيوت قبل استئذانها ثلاثة أيام، لئلا تكون تلك الحية جناً مسلمين.
فعن عمر بن نافع قال: (كان عبد الله بن عمر ﵄ يوماً عند هدم, فرأى وبيص جان فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت النبي ﷺ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر, وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر, ويتبعان ما في بطون النساء) (٣).
وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((اقتلوا ذا الطفيتين، فإنه يطمس البصر, ويصيب الحبل)) (٤).
стр. 3852
والنهي عن قتل حيات البيوت لكون الجان يتمثل بصورة الحيات، قال ابن حجر الهيتمي: (إن استثناء هذين – يقصد الأبتر وذا الطفيتين - يقتضي أن الجني لا يتصور بصورتهما، فيسن قتلهما مطلقاً، ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر بقتلهما لأن الجن لا تتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل بهما) (١).
ثم قال ابن حجر: (وما ورد عن ابن مسعود ﵁ مما يقتضي عدم قتله مطلقاً يحمل على ما إذا لم ينذر، وأن الإنذار يتأكد فيه، لأنه أقرب إلى صورة الجن من غيره، وكذلك يحمل على هذا حديث مسلم: أنه ﷺ نهى عن قتل الجان إلا الأبتر وذو الطفيتين) (٢).
وأخرج أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: ((اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض، الذي كأنه قضيب فضة)). وذلك لتمثل الجان في صورة الحيات البيضاء قال أبو داود: (فقال لي إنسان: الجان لا يعرج في مشيته، فإذا كان هذا صحيحاً كانت علامة فيه إن شاء الله) (٣)
وفائدة الإنذار أن الجني الذي يظهر بصورة حية إذا كان مسلماً يخرج بسماعه للإنذار، وإذا لم يخرج فهو جن كافر أو حية، وكل منهما يقتل شرعاً.
والجن يتصور بصورة الكلاب كذلك قال ابن تيمية: (والجن تتصور بصورة الكلب الأسود, وكذلك بصورة القط الأسود, لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة).
فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان)) (٤)).
وقد أخبر ﵊ أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، فعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل. فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار, والمرأة, والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان)) (٥). فعلل بأنه شيطان، والجن تتشكل بالصور المختلفة للحيوانات سواء كانت كلاباً أو غيره.
وهكذا يظهر لنا مما تقدم أن الجن يتشكلون في الصور المختلفة، وعندئذ يمكن رؤيتهم، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء من المسلمين، لما ورد من الآثار الكثيرة في تشكيلهم ورؤيتهم، وقد مر معنا قسم منها. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ١٩
стр. 3853
ثانيا: مدى إمكانية رؤيتهم
ويحسن بنا في هذا المقام أن نبين آراء الفقهاء في مسألة رؤية الجن وتشكلهم.
١ - رأي الجمهور: أن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات، ولبعض الناس.
٢ - الفريق الثاني: يرى أن رؤية الجن مختصة بالأنبياء – ﵈ – فقط. وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم والنحاس والقشيري وبعض المحدثين.
٣ - الفريق الثالث: ينكر رؤية البشر للجن، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء، وهو قول لبعض المحدثين.
٤ - الفريق الرابع: يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء, ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر, وهو قول الألوسي, وابن العربي، على تفصيل سيأتي فيما بعد.
وإليك تفصيل هذه الآراء مع أدلتها:
١ - رأي الجمهور من الفقهاء:
الذين قالوا بأن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات ولبعض الناس.
قال محمد رشيد رضا: (والجمهور على أن الجن تتشكل) (١)، وقال في موطن آخر: (واختلفت فرق المسلمين في تشكله في الصور. فالجمهور يثبتونه) (٢) وقال المجلسي: (لا خلاف بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة، يرون في بعض الأحيان، ولا يرون في بعضها .. وقد جعل الله لهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وصور متنوعة، كما هو الأظهر من الأخبار والآثار) (٣).
ويقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها) (٤).
ويقول الإمام القرطبي: (وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة، فمنها حديث أبي هريرة الذي وكله رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان – وذكر قصة طويلة – وفيها: أن الشيطان كان يأتيه على صورة رجل فقير، يحثو من الطعام، حتى رفع أمره إلى الرسول وأخبره أن الذي يأتيه إنما هو شيطان) (٥)(٦).
وقد رأى ابن مسعود الجن على غير صورهم الأصلية، حين ذهب ﵊ لتكليم الجن.
فقد روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ((أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط علي خطاً فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر)) (٧).
стр. 3854
وقد جاء من طرق هذا الحديث: ((ثم انطلق – أي ابن مسعود – حتى قام عليَّ أي رسول الله ﷺ فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطاً وغمغمة، حتى خفت على النبي ﷺ ، وغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي ﷺ مع الفجر فقال: أنمت؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مستثفري ثياب بيض، فقال: أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع، والمتاع الزاد .. )) الحديث (١).
وفي إحدى الروايات عن ابن مسعود جاء فيها: ( ... فلما أصبحت قلت: لأعلمن علماً حيث كان رسول الله ﷺ قال: فذهبت، فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً)، وذلك حين ذهب الرسول ليكلم نفراً من الجن. وفي هذا دلالة على أن الجن الذين كلمهم ﵊ لهم أجسام، بحيث يمكن مشاهدتهم، فقد تركوا أثرا يدل على تشكلهم، وهي آثار مقاعدهم عندما كانوا مجتمعين حول الرسول ﵊.
وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد, قال ذلك ثلاثاً فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز, فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري ثيابهم من بين أرجلهم, فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق, فلما دنونا منهم خط لي رسول الله بإبهام رجله في الأرض خطاً فقال لي اقعد في وسطه فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة, ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآناً رفيعاً حتى طلع الفجر ثم أقبل حين مر بي فقال لي: الحق، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد فقلت: يا رسول الله أرى سواداً كثيراً, فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض, فنظم عظماً بروثة ثم رمى به إليهم, ثم قال: رشد أولئك من وفد قوم هم وفد نصيبين, سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة, قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبداً)) (٢).
وعندما قدم ابن مسعود الكوفة، رأى شيوخاً شمطاً من الزط فراعوه، قال: (من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم، قال: ما رأيت للذين قرأ عليهم النبي ﷺ الإسلام من الجن شبهاً أدنى من هؤلاء) (٣).
فهذه الروايات تدعم قول القائلين بإمكانية رؤية الجن، فقد ظهروا لابن مسعود وغيره مرة في صورة النسور، ومرة في صورة الحجل، ومرة في صورة رجال سود، عليهم ثياب بيض. ورآهم ابن مسعود يجتمعون حول الرسول ﵊ وهو يقرعهم بعصاه، ثم يتلو عليهم القرآن، ويطلبون منه الزاد فيزودهم العظم لهم، والروث لدوابهم.
وقد تكررت وفادات الجن على الرسول ﷺ وذكر الألوسي أنه كان للجن ست وفادات. وهذه الوفادات تدل على رؤية الجن من قبل ابن مسعود وغيره عند تكليم الرسول ﷺ للجن ودعوتهم إلى الله.
стр. 3855
أما حديث ابن عباس الذي يقول فيه: (ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم. انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر- فلما سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا! إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به. ولن نشرك بربنا أحداً. فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ) (١).
هذا الحديث الذي يبين فيه ابن عباس أن رسول الله ﷺ ما رأى الجن، يقول فيه ابن العربي: (وابن مسعود الذي يثبت رؤية الرسول للجن - في الحديث المتقدم – أعرف من ابن عباس لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة) (٢)، ويقول السبكي: (ويقدم قول ابن مسعود لأنه إثبات وقول ابن عباس نفي، والإثبات مقدم على النفي، لاسيما وقصة الجن كانت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك طفلاً، أولم يولد بالكلية، فهو إنما يرويها عن غيره، وابن مسعود يرويها مباشرة عن النبي ﷺ ، فالأولى أن يجعل كلام ابن عباس غير معارض لكلام ابن مسعود، وأن يكونا مرتين: إحداهما التي ذكرها ابن عباس، وهي التي أشار إليها القرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن، إذ لم يكن النبي ﷺ قصدهم, ولا شعر بهم, ولا رآهم, ولا قرأ عليهم قصداً، بل سمعوا قراءته وآمنوا به كما نطق بذلك الكتاب العزيز، وثبوتها من حيث الجملة قطعي) (٣)، وهذه المرة كانت بنخلة، والثانية التي تثبت رؤية الرسول للجن وهي بمكة (٤).
وأما قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. حكاية عن إبليس وقبيله من الشياطين، فقد قال الإمام الشوكاني: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه – أي إبليس – يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً) (٥).
ثم إن المقصود من الآية عدم رؤيتنا لهم على صورتهم الأصلية التي خلقهم الله عليها، وليس معناها انتفاء رؤيتنا لهم في حالة تشكلهم بمختلف الصور، التي ثبت تشكلهم بها، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك. قال الحافظ ابن حجر: (إن الشيطان قد يتصور ببعض الصور، فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها، .. وأنهم يظهرون للإنس بالشرط المذكور) (٦)، يقصد إذا تشكلوا بغير صورهم.
стр. 3856
وكذلك يحمل قول الإمام الشافعي كما حملت هذه الآية على امتناع رؤيتهم بصورهم الأصلية. فقد روى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع: (سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبياً) (١).
يقول الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها ويخلق لهم أعراضاً تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم ناراً، ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة) (٢). ويقول في موضع آخر: (إنما رآهم من رآهم لأنهم أجساد مؤلفة وجثث) (٣).
على أن القاضي أبي يعلى الحنبلي يعتبر أن قدرة الجن على التشكل بالصور المختلفة، ليست من خصائصهم التي أودعها الله فيهم، وإنما قدرتهم على التشكل إنما هي بتعليم الله للجن كلمات وضرباً من ضروب الأفعال، إذا قالها وفعلها، نقله الله من صورته إلى صورة الحيوان الذي تشكل به. يقول بهذا الصدد: (ولا قدرة للملائكة والشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمه الله تعالى كلمات وضرباً من ضروب الأفعال، إذا فعله وتكلم به، نقله الله تعالى من صورة إلى صورة, فيقال إنه قادر على التصور والتمثيل، على معنى أنه قادر على قول إذا قاله أو فعله نقله الله تعالى من صورته إلى صورة أخرى بجري العادة، فأما أن يصور نفسه فذلك محال، لأن انتقالها من صورة إلى صورة، إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، فإذا انتقضت بطلت الحياة، واستحال وقوع الفعل من الجملة، فكيف تنقل نفسها؟. والذي روي أن إبليس تصور في صورة سراقة بن مالك، وأن جبريل تمثل في صورة دحية الكلبي، وقوله تعالى: فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: ١٧] محمول على ما ذكرنا، وهو أنه أقدره على قول قاله، نقله الله تعالى عن صورته إلى صورة أخرى) (٤).
وقول أبي يعلى دعوى تفتقر إلى دليل، ولا دليل عليها، بل خاصية التشكل للجن من الخصائص التي أودعها الله فيهم، وجعل لهم القدرة على ذلك فلا يكونون بذلك خارجين عن قدرة الله، بل تصرفوا في حدود ما منحهم الله إياه من القدرة على التشكل.
٢ - الفريق الثاني:
الذين يرون بأن رؤية الجن إنما هي مختصة بالأنبياء، كما ورد في تسخير الجن للنبي سليمان ﵇، وذلك قوله تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٦ - ٣٩] فالجن كانوا مرئيين وظاهرين لسليمان ﵇ بمعجزة. وكما نعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة، وأمر تجري حوادثه خلافاً للأمور التي تجرى تبعاً للسنن الكونية (٥).
وكما حدث للرسول محمد ﵊ من رؤيته للجن في مواضع كثيرة، ... ومجيء الشيطان إليه بشعلة من نار ليحرق بها وجهه، فقال له: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً، ولولا دعوة أخيه سليمان عليه لأخذه وربطه في سارية من سواري المسجد، حتى يلعب به ولدان أهل المدينة. وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت رؤية الرسول ﵊ للجن. ...
فالبشر لا يرون الجن عند هذا الفريق إلا أن يكون ذلك نبياً، فقد كان الإمام الشافعي ﵀ يرى أن رؤيتهم من الخوارق الخاصة بالأنبياء ...
وقول الإمام الشافعي المتقدم محمول على رؤيتهم بصورتهم الأصلية كما مر معنا.
стр. 3857
وبمثل قول الشافعي قال النحاس. ففي تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. قال القرطبي: (قال النحاس: مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي، ليكون ذلك دلالة على نبوته، لأن الله جل وعز خلقهم خلقاً لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم، وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) (١).
وقال القرطبي: (قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم) (٢).
ومن قال بالمنع ابن حزم الظاهري، فقد قال: (وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] .. وإذ أخبرنا الله أنا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون نبياً من الأنبياء ﵈، فذلك معجزة لهم، كما نص النبي ﷺ : ((أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته .. )) (٣)). ثم يقول: (ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله ﷺ ، وإنما هي منقطعات أو عمن لا خير فيه) (٤).
وقول ابن حزم إنما هو محمول على رؤيتهم بصورهم الأصلية، كما حمل قول الإمام الشافعي من قبل.
وروي عن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ أن رؤية الجن ليست حقيقة، وإنما هي من باب التخييل.
فعن أسيد بن عمرو قال: (ذكرنا عند عمر الغيلان فقال: إنه لا يستطيع شيء أن يتحول عن خلق الله الذي خلقه، ولكن فيهم سحرة كسحرتكم، فإذا أحسستم من ذلك شيئاً فأذِّنوا) (٥).
وعلى قول عمر فإن ظهور الجن بالصور المختلفة ليس حقيقة، وإنما هو من باب التخييل، كتخييل السحرة على الرائين. ولكن الأدلة الصحيحة تثبت رؤيتهم حقيقة وليس تخييلاً، كما حصل مع أبي هريرة في الحديث المتقدم الذي أخرجه البخاري، عندما جاءه الشيطان على صورة رجل فقير ذي عيال، وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت رؤيتهم حقيقة.
٣ - الفريق الثالث:
الذي ينكر حتى رؤية النبي ﷺ للجن، فقد قال عبد الله النوري في جوابه على سؤال وجه إليه عن رؤية الرسول ﵇ للجن: (لم يثبت أن النبي ﷺ رأى الجن بعينيه، وإنما أوحي إليه أن نفراً من الجن استمع إليه، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن: ١]).
وهو لا يثبت الرؤية إلا للنبي سليمان ﵇، كما ورد في الآيات التي تبين تسخير الجن له.
وعلى هذا فهو يخالف كل الآراء التي تجمع على رؤية النبي ﵇ للجن، وأما بالنسبة للآية التي ذكرها، فقد كانت إخباراً من الله لنبيه بأن نفراً من الجن استمعوا إليه، وهي تشعر بأن الرسول ﵊ لم يرهم في هذه المرة، ولكن وفادات الجن على الرسول ﵇ قد تكررت عدة مرات، رآهم فيها، ...
стр. 3858
وأما أن هذه خصوصية للنبي سليمان ﵇ ومعجزة دالة على رسالته ـ كما قال صاحب الدعوى عبد الله النوري ـ فهي دعوى لا تمنع من تسخيرهم ورؤيتهم بعده. يقول البهي الخولي: (وإذا كان ذلك التسخير خصوصية لا تنبغي لأحد بعد سليمان فإن سر تلك الخصوصية لم ينقطع بعده) (١) واختصاص سليمان ﵇ بذلك إنما هو على جهة تسخيرهم في الأعمال, وبناء القصور, والقلاع وغير ذلك، وهذا لم يقل به أحد من الناس، وأنه ممكن للبشر بعده، أما أن يختص سليمان برؤيتهم دون غيره فهذا ما ترده الشواهد الدالة على إمكانية رؤية الأنبياء وغيرهم للجن. بل إن تسخيرهم لنبينا ﵊ كان ممكناً عندما قال: ((فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم)) (٢) الحديث، لكن الذي منعه هو تذكره لدعوة أخيه سليمان ﵇: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥]. وإلا فالتسخير كان ممكناً لمحمد ﵇، فكيف لا تكون الرؤية للجن جائزة في حقه صلى الله عليه وسلام؟.
وبمثل هذا القول قالت القدرية بانتفاء رؤيتهم مطلقاً للأنبياء وغيرهم، يقول الباقلاني: (ومن يقر بوجودهم من القدرية يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع منها ... ، ومن العلماء من قال: أنهم لا يرون، لأنهم لا ألوان لهم) (٣).
٤ - الفريق الرابع:
الذي يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بخلقتهم الأصلية للأنبياء، ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء. قال ابن العربي: (وليس يمتنع أن يراهم النبي ﷺ في صورهم كما يرى الملائكة) (٤). ويقول الألوسي: (وقد ترى - أي الجن - بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة ﵈، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، ومن شاء الله تعالى من خواص عباده (٥).
وأما رؤية الجن في صورتهم الأصلية لغير الأنبياء فقد روى البيهقي في الدلائل عن الحسن: أن عمار بن ياسر قال: (قاتلت مع رسول الله ﷺ الجن والإنس، فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته، فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال النبي ﷺ لأصحابه: ((إن عمار لقي الشيطان عند البئر فقاتله)) , فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، فكان أبي هريرة ﵁ يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان رسول الله ﷺ (٦).
ومما تقدم لنا من الأقوال في مسألة رؤية الجن يتبين لنا أن الحق مع الفريق الذي قال بوقوع رؤيتهم للأنبياء مطلقاً ولغيرهم عند تمثلهم، وهو ما عليه الأكثرية من العلماء، وهو القول الذي تدعمه النصوص الثابتة من السنة النبوية، وهو الذي تشهد له التجربة مع كثير من الناس. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٩
стр. 3859
المطلب الثاني: الجن يتناكحون ويتناسلون
والجن يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية، يقول ابن حجر الهيتمي: (واستدلوا لتناكح الجن فيما بينهم بقوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠]. فهذا يدل على أنهم يتناكحون لأجل الذرية). (١) ويقول الألوسي: (والظاهر أن المراد بالذرية: الأولاد، فتكون الآية دالة على أن له أولاداً، وبذلك قال جماعة، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به. وعن قتادة: أنه ينكح وينسل كما ينكح وينسل بنو آدم) (٢) وبمثل قول قتادة قال الحسن البصري (٣). والذي يدل على ما رواه ابن زيد ما رواه ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)) (٤).
ومن الأدلة على تناكحهم وتناسلهم قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:٥٦].
يقول ابن حجر الهيتمي: (وهذا يدل على أنه يتأتى منهم الطمث وهو الجماع والافتضاض) (٥)، ويقول الفخر الرازي في الآية المتقدمة: (ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع؟ نقول: ليس كذلك، بل الجن لهم أولاد وذريات، وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الأنس أم لا؟ والمشهور أنهم يواقعون) (٦).
ولو كان الجن لا يتوالدون لانقرضوا وما بقي منهم أحد، لأنه قد ثبت موتهم بكثير من الأدلة، كما هو الشأن عند البشر، فلو كان البشر لا يتوالدون لانقرضوا.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (إن الله جزَّأ الإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، والإنس جزء واحد، فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة) (٧).
وقال الشعبي: (سألني رجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي [الكهف:٥٠]. فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم) (٨).
ومن الأدلة على أن الجن يتناكحون ولهم ذرية ما ورد في سورة الجن، من أن للجن رجالاً، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]، ومتى كان فيهم رجال ففيهم إناث، وذلك يقتضي التناسل (٩).
ومن الأدلة ما جاء في تفسير الخبث والخبائث في حديث الرسول ﷺ فيما رواه عبد العزيز بن صهيب قال: () سمعت أنساً يقول: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)) (١٠). قال ابن حجر العسقلاني: (والخبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد: ذكران الشياطين وإناثهم، قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما) (١١). فقد دل هذا التفسير للحديث على أنه يوجد في الجن ذكران وإناث، وهو يقتضي الجماع والتناسل.
وفي قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف: ٣١]- إخباراً عن النفر الذين استمعوا إلى القرآن من الرسول ﷺ ما يفيد تناكح الجن وتناسلهم، قال ابن منظور: (والقوم: الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل هو للرجال خاصة دون النساء).
وقال: (وقوم كل رجل شيعته وقرابته). وعلى هذا الأساس فإن في الجن رجالاً ونساء وذلك يقتضي التناسل.
وقد ذكر نفر بأنهم لا يتوالدون، والمراد من الذرية قي قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي [الكهف: ٥٠]. "بأنهم الأتباع من الشياطين، وعبر عنهم بذلك مجازاً تشبيهاً لهم بالأولاد (١٢).
قال الألوسي: (وقيل - ولعله الحق - أن له أولاداً وأتباعاً ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معا على التغليب، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يراه، أو عموم المجاز) (١٣).
والصحيح أن الجن يتناكحون ويتوالدون ... ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -بتصرف- ص ٤٢
стр. 3860
المطلب الثالث: الجن يأكلون ويشربون
اختلف العلماء في أن الجن هل يأكلون ويشربون أم لا؟ للعلماء في هذه المسالة ثلاثة أقوال:
أولاً: أن جميع الجن يأكلون ويشربون.
ثانياً: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون.
ثالثاً: أن قسماً منهم يأكل ويشرب, والقسم الآخر لا يأكل ولا يشرب.
وقد اعتمد القائلون على أن قسماً من الجن لا يأكلون ولا يشربون على بعض الأحاديث، فقد ورد أنه ﷺ قال: ((خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب)) (١). قال السهيلي: (ولعل الصنف الثاني هو الذي لا يأكل ولا يشرب، إن صح أن الجن لا تأكل ولا تشرب) (٢).
ويقول القاضي بدر الدين الشبلي: (عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: وسئل عن الجن ما هم، وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون، منهم السعالي والقطرب وأشباه ذلك) (٣). ويقول ابن حجر الهيتمي: (قال الإمام فخر الدين الرازي: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون, ولا يشربون, ولا يتناكحون، وأما الجن فإنهم يأكلون, ويشربون, وينكحون, ويتوالدون) (٤).
والذي تدل عليه النصوص أن الجن يأكلون ويشربون، دون تخصيص بعضهم بذلك دون بعض، ففي حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن, قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم, وآثار نيرانهم, وسألوه الزاد, فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً, وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه: فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم)) (٥).
وأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: (قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم, أو روثة, أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، فنهى النبي ﷺ عن ذلك) (٦).
وقد ذكر عماد الدين العامري أن العظم الذي ذكر اسم الله عليه هو طعام المؤمنين من الجن، وأما الكافرون منهم فإنما طعامهم فيما لم يذكر اسم الله عليه (٧).
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الشيطان يأكل ويشرب، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)).
وكذلك ما ورد من أن الشيطان يدخل هو وأتباعه على البيوت التي لا يذكر أصحابها اسم الله ، فيأكلون ويبيتون معهم، فعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء)) (٨).
стр. 3861
وقد ورد كذلك أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، فعن حذيفة قال: ((كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده, وأنَّا حضرنا معه مرة طعاماً، فجاءت جارية كأنها تدفع. فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع. فأخذ بيده. فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه. وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها. فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به. فأخذت بيده. والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها)) (١).
ففي الحديث دلالة على أن الشيطان يستحل الطعام بالأكل منه إذا لم يذكر اسم الله عليه، وقد كان الشيطان وراء تلك الجارية والأعرابي، يدفعهما بسرعة إلى الطعام، بحيث لا يذكرون اسم الله عليه، فبذلك يأكل الشيطان معهما من الطعام، ولذلك نزع ﵊ أيديهما من الطعام، وذكر اسم الله، ثم أكل.
وأما القول الثاني الذي يقول: إن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهو قول لا دليل عليه، وهو مخالف للأحاديث الصريحة، الدالة على أكل الجن وشربهم، يقول القاضي بدر الدين الشبلي: (فالقائلون أن الجن لا تأكل ولا تشرب، إن أرادوا أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهذا قول ساقط، لمصادمته الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا أن صنفاً منهم لا يأكلون ولا يشربون، فهو محتمل، غير أن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون) (٢).
ولكنه قد حصل خلاف بين العلماء في كيفية أكلهم وشربهم.
فقال بعضهم: (إن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، لا مضغ وبلع).
وقال آخرون: (إن أكلهم وشربهم مضع وبلع) (٣)، والذي تشهد له الأحاديث أن أكل الجن وشربهم مضغ وبلع، لا تشمم واسترواح كما قال بعضهم، فقد روى أبو داود عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: ((كان رسول الله ﷺ جالساً ورجل يأكل، فلم يسم حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره, فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه)) (٤).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن وفداً من نصيبين سألوني الزاد، فلا تستنجوا بعظم ولا روثة، فإنهما طعام إخوانك من الجن، فقالوا: وما يغني ذلك عنهم؟ قال: لا يمرون بعظم إلا وجدوا عليه عرقة، ولا يمرون بروثة إلا وجدوا عليها طُعماً)) (٥).
ولو كان أكلهم تشمماً واسترواحاً لما سألوه الزاد ولاكتفوا بالعظم وحده. إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنهم يأكلون ويشربون حقيقة، والله أعلم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ٤٦
стр. 3862
المطلب الرابع: يتميزون بسرعة الحركة والقدرة على الأعمال الشاقة
خص الله الجن عن الإنس بأن جعل لهم قدرات ومهارات عظيمة، فقد سخر الله الجن للنبي سليمان ﵇، فكانوا يبنون له القصور والمحاريب، ويصنعون التماثيل، ويعملون الجفان الواسعة للطعام، وحياض الماء الكبيرة، قال تعالى في وصف ذلك: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣].
فقد وصف الله هذه القدور بأنها راسيات. أي ثابتات لا تنتقل لضخامتها، وفي وصف الجفان بهذه الضخامة والاتساع، ووصف القدور بهذه الأحجام العظيمة دليل على قدرتهم العظيمة.
وفي حديث القرآن عن عفريت أحد الجان - الذي تعهد بإحضار عرش بلقيس ملكة سبأ قبل قيام سليمان ﵇ من مجلسه - دليل على حركتهم السريعة في التنقل، قال تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩].
وما ورد من ارتيادهم للفضاء، كما ورد في القرآن الكريم، في معرض الحديث عن استراق الجن لأخبار السماء ورميهم بالشهب، قال تعالى حكاية عنهم: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩].
ففي كل من هذه الآيات دليل على قدرتهم على الأعمال الشاقة، وسرعة تنقلهم بين الأماكن البعيدة، ولا غرابة في ذلك، فهم مخلوقات عنصرهم النار، التي تتميز بالخفة، فسبحان من أبدع كل شيء صنعاً. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ٥٠
стр. 3863
المطلب الخامس: الجن يموتون ويبعثون بعد الموت
والجن مخلوقات تموت كما يموت الإنس، فمن الأدلة القرآنية على موتهم قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف: ١٨].
قال الألوسي: (واستدل بقوله : فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ [الأحقاف: ١٨]. الآية على أن الجن يموتون قرناً بعد قرن كالأنس) (١). وروي عن الحسن في بعض مجالسه: أن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت (٢). ويقول ابن حجر الهيتمي معلقاً على قول الحسن هذا: (الآية دليل على أنهم يموتون، فإن أراد الحسن أنهم لا يموتون مثلنا، بل ينظرون مع إبليس، فإذا مات ماتوا معه، قلنا: إن أراد ذلك في بعضهم كشياطين إبليس وأعوانه فهو محتمل، وإن أراد ذلك نافاه ما ورد من الوقائع الكثيرة في موتهم) (٣). قال القاضي بدر الدين الشبلي: (ومعنى قول الحسن أن الجن لا يموتون أنهم منظرون مع إبليس، فإذا مات ماتوا معه, وظاهر القرآن يدل على أن إبليس غير مخصوص بالانظار إلى يوم القيامة، أما ولده وقبيله فلم يقم دليل على أنهم منظرون معه وظاهر قوله تعالى: قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ [الأعراف: ١٥]. يدل على أن ثمَّ منظرين غير إبليس، وليس في القرآن ما يدل على أن المنظرين هم الجن كلهم، فيحتمل أن يكون بعض الجن منظرين، أما كلهم فلا دليل عليه) (٤).
وسئل ابن حجر عن موت الجن فقال: (كل الحيوانات يموتون، وكذلك سائر العالم، لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]. مع قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]).
وأما الدليل من السنة على موتهم:
فعن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: ((أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)) (٥). وهو أصرح الأحاديث الدالة على موت الجن ...
وأخرج عن ابن جرير عن ابن عباس قال: (وكل ملك الموت بقبض أرواح المؤمنين والملائكة, وملك بالجن، وملك بالشياطين، وملك بالطير والوحوش والسباع والحيات، فهم أربعة أملاك) (٦).
... حديث الفتى الذي صرعه الجني، وفيه دليل على أن الجن يموتون، فقد ورد في الحديث: ((فما يدرى أيهما أسرع موتاً الحية أم الفتى)) (٧). وقد كانت تلك الحية من الجن الذين يسكنون المدينة، لقوله ﵊ في الحديث: ((إن في المدينة جناً قد أسلموا .. )) (٨).
وأما عن بعثهم بعد الموت فإن كثيراً من الآيات القرآنية التي توعدت العصاة والكفرة، قد دلت على بعثهم بعد الموت ومحاسبتهم على أعمالهم، قال الله تعالى في سؤال الكفرة من الجنسين في الآخرة: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلى [الأنعام: ١٣٠]. وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -بتصرف - ص ٥٢
стр. 3864
المطلب السادس: ما تعجز عنه الجن
عجزهم عن الاتيان بالمعجزات:
لا تستطيع الجن الاتيان بمثل المعجزات التي جاءت بها الرسل تدليلاً على صدق ما جاءت به.
فعندما زعم بعض الكفرة أن القرآن من صنع الشياطين قال تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
وتحدى الله بالقرآن الإنس والجن: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].
لا يتمثلون بالرسول ﷺ في الرؤيا:
والشياطين تعجز عن التمثل في صورة الرسول ﷺ في الرؤيا:
ففي الحديث الذي يرويه الترمذي في سننه بإسناد صحيح: ((من رآني فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي)) (١).
وهو في الصحيحين بلفظ: ((من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتزيا بي)) (٢).
والظاهر من الأحاديث أن الشيطان لا يتزيا بصورة الرسول ﷺ الحقيقية، ولا يمنعه هذا من التمثل في غير صورة الرسول ﷺ والزعم بأنه رسول الله.
ولذلك فلا يجوز أن يحتج بهذا الحديث على أن كل من رأى الرسول ﷺ في المنام أنه رآه حقاً، إلا إذا كانت صفته هي الصفة التي روتها لنا كتب الحديث. وإلا فكثير من الناس يزعم أنه رآه على صورة مخالفة للصورة المروية في كتب الثقات.
لا يستطيعون أن يتجاوزوا حدوداً معينة في أجواز الفضاء:
قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٣ - ٣٥].
فمع قدراتهم وسرعة حركتهم لهم مجالات لا يستطيعون أن يتعدوها، وإلا فإنهم هالكون.
لا يستطيعون فتح باب أغلق وذكر اسم الله عليه:
أخبر بذلك الرسول ﷺ حيث يقول: ((أجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح باباً أجيف عليه)) رواه أبو داود، وأحمد، وابن حبان، والحاكم (٣).
وفي الحديث المتفق عليه: ((فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم)) (٤).
وفي مسند أحمد: ((أغلقوا أبوابكم، وخمروا آنيتكم، وأوكوا أسقيتكم، وأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، ولا يكشف غطاء، ولا يحل وكاء)) (٥) .. عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر - ص٣٧
стр. 3865
المبحث الثالث: الأماكن التي يسكنها الجن
والجن يسكنون هذه الأرض كما يسكن عليها الإنسان، والدليل على ذلك قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: ٣٦]. وذلك بعدما خالف آدم وزوجه ﵉ أمر ربهما بعدم الأكل من الشجرة التي نهاهم الله بالأكل منها.
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (والخطاب لآدم وحواء, والحية, والشيطان في قول ابن عباس. وقال الحسن: لآدم وحواء والوسوسة. وقال مجاهد والحسن أيضاً: بنو آدم, وبنو إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل) (١).
وقال الإمام القرطبي في الآية: (وقد دل على هذا أن هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس كان في وقت واحد، بجمع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبب إبليس ذلك لهما على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم) (٢).
ويقول القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن: ١٠]: (وعن ابن عباس قال: الأنام: الناس، وقال الحسن: الأنام: الجن والإنس، وعن الضحاك: الأنام: كل ما دب على وجه الأرض، وهذا عام) (٣). وقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق) (٤)، وهذا يشمل الجن والإنس وغيرهما.
ومما يرجح أن الخطاب في الآية السابقة للجن والإنس قوله تعالى بعد ذكر كل نعمة من نعمه: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، والمقصود به الجن والإنس.
إلا أن وجود الجن أكثر ما يكون في الأماكن المهجورة كالمغارات, والكهوف, والحمامات, والمزابل, والمقابر, والجبال.
فعن بلال بن الحارث قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فخرج لحاجته, وكان إذا خرج لحاجته يبعد, فأتيته بأداوة من ماء, فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطاً لم أسمع مثلها, فجاء فقال: بلال؟ فقلت: بلال, قال: أمعك ماء؟ قلت: نعم, قال: أصبت. فأخذه مني فتوضأ قلت: يا رسول الله, سمعت عندك خصومة رجال ولغطاً ما سمعت أحدَّ من ألسنتهم, قال اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون, فسألوني أن أسكنهم, فأسكنت المسلمين الجلس, وأسكنت المشركين الغور))، قال الراوي عبد الله بن كثير: (قلت لكثير: ما الجلس؟ وما الغور؟ قال: الجلس: القرى والجبال، والغور: ما بين الجبال والبحار، وهي يقال لها: الجنوب، قال كثير: ما رأينا أحداً أصيب بالجلس إلا سلم, ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم) (٥).
وهناك نفر من الجن يعيشون في البيوت مع الناس، وهم ما يسمون بجنان البيوت، وهي الحيات التي يشكل الجن بصورتها، وقد تقدم حديث الفتى الذي صرعه الجني في بيته، ولذلك نهى الرسول ﵊ عن قتل حيات البيوت قبل إنذارها، لوجود الجن المؤمنين فيها.
стр. 3866
ومن الأماكن التي يسكنها الجن مواضع النجاسات فعن زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)) (١)، وذلك ليدفع شر الشياطين التي تكون في هذه الأماكن.
بالإضافة إلى هذا فقد ورد النهي عن الرسول ﷺ عن الصلاة في أعطان الإبل, والحمامات, وعلَّلَ النهي أنها مأوى الشياطين.
ويكثر وجودهم في الأسواق لفتنة الناس، وهم إبليس وذريته، ولذلك نهى الرسول ﵊ عن المكث فيها، فقد قال موصياً سلمان ﵁: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق, ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته)) (٢). وذلك لأن الأسواق فيها من أنواع الباطل كالغش, والخداع, والأيمان الكاذبة، والعقود الفاسدة، والنظر المحرم إلى العورات، وغير ذلك مما هو من تحريض إبليس وأعوانه ...
وهذه الصفات التي مرت – كما نلاحظ – صفات تشبه صفات الإنس من حيث الإجمال، ولكنها تختلف عن صفات الإنس في الأبعاد والكيفية، وذلك أنهم عالم مخلوق من النار، وللنار صفات تتميز بها عن الطين الذي خلق منه الإنسان.
ونلاحظ مما تقدم أن هذا العالم يشارك الإنسان في كثير من الصفات كالأكل, والشرب, والتناسل، بالإضافة إلى أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، التي يستحقون الثواب بسبب قيامهم بها، والعقاب إذا قصروا فيها، تماماً كما هو الشأن في الإنسان .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - بتصرف –ص: ٥٤
стр. 3867
تمهيد
الجن أصناف مختلفة، فهم أصناف من حيث خلقتهم العامة، يختلف فيها كل صنف عن الآخر، وهم قبائل متعددة، وفيهم الذكور والإناث. وهم بعد ذلك مختلفون في الاعتقاد، ففيهم المؤمن والكافر، والصالح والطالح، وهم فرق وشيع مختلفة، إلى غير ذلك مما يتعلق بأصنافهم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات –ص: ٥٩
стр. 3868
المطلب الأول: أصناف الجن من حيث أصل خلقتهم, وقوتهم
الجن مختلفون من حيث أصل خلقتهم التي خلقهم الله عليها، فصنف منهم يشبهون الحيات والكلاب وبقية الحيوانات، وصنف يطير في الهواء، وثالث يقيم ويرتحل، فقد روى جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني - واسمه جرثوم - أن رسول الله ﷺ : ((الجن على ثلاثة: فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون)) (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف كبني آدم، عليهم الحساب والعقاب)) (٢).
فالجن على هذا الأساس متباينون في أصل خلقتهم التي خلقوا عليها، فهم على صور شتى، ولكن هذه الأصناف جميعاً لا تخرج في الدائرة العامة عن كونها مخلوقة من النار، لإخبار القرآن بذلك، قال تعالى: وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: ٢٧].
وقد ذكر أن هناك صنفاً من الجن يقال له الحِنُّ - بالحاء -، قال ابن منظور: (والجن بالكسر: حي من الجن يقال بأن منهم الكلاب السود البهم، وقيل بأن الحن ضرب من الجن وأنشد:
يلعبن أحوالي من حن وجن
وقيل بأنهم سفلة الجن وضعفاؤهم، وأشد مهاصر بن المحل:
أبيت أهوى في شياطين ترن ... مختلف نجواهم جن وحن)
وورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (الكلاب من الحن، وهي ضعفة الجن، فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا لهن، فإن لهن أنفساً) جمع نفس، أي أنها تصيب بأعينها.
وقد قيل بأنهم سموا بالحِنِّ لأنهم كانوا يعيشون في الظلمة فحنوا إلى سطح الأرض.
وأطلقت بعض الأوصاف على الجن لمناسبتها لبعض أصنافهم، وهي في مجملها أوصاف تدور حول المكر والدهاء، والقوة والتبدل من صورة إلى أخرى.
فمن هذه الأوصاف:
أ - العفريت:
стр. 3869
قال تعالى إخباراً عن جن سليمان ﵇: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]. قال ابن منظور: (العفريت من الرجال: النافذ في الأمر، المبالغ فيه مع خبث ودهاء، والعفريت من الشيء: المبالغ، يقال فلان عفريت نفريت، وعفرية نفرية، وفي الحديث: ((إن الله يبغض العفرية النفرية، الذي لا يرزأ في أهل ولا مال)) (١). قيل هو الداهي الخبيث الشرير) (٢). ومن هذا ما رواه أبو عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول دينكم نبوءة ورحمة ثم ملك أعفر)) (٣)، أي ملك يساس بالدهاء والمكر.
وعلى هذا فإن العفريت في الآية يراد به القوي الداهية، الذي يقدر على إحضار عرش بلقيس من اليمن إلى أرض فلسطين بقوته ودهائه.
وقد تقدم حديث الرسول ﷺ : ((إن عفريتاً من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي .. )) (٤).
وهذا الوصف إنما يطلق على بعض الجن، إذا أنهم ليسوا جميعاً في مرتبة واحدة، بل فيهم الضعيف كذلك، فعن ابن مسعود قال: (لقي رجل من أصحاب النبي ﷺ رجلاً من الجن، فصارعه فصرعه الإنس، فقال له الجني: عاودني، فعاوده، فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلاً شحيباً، كأن ذريعتيك ذريعتا كلب. فكذلك أنتم معاشر الجن – أو أنت منهم كذلك -؟ قال: لا والله إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثالثة، فإن صرعتني علمتك شيئاً ينفعك، فعاوده، فصرعه فقال: هات علمني، قال: هل تقرأ آية الكرسي؟ قال نعم، قال: إنك لن تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار، لا يدخله حتى يصبح، قال رجل من القوم: يا أبا عبد الرحمن من ذاك الرجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال فعبس عبد الله وأقبل عليه وقال: من يكون هو إلا عمر ﵁ (٥).
ب – الخبل:
وهم الذين يخبلون الناس ويؤونهم، ويقال: رجل مخبل: إذا كان به مس من الجن (٦)، وسيأتي الحديث عن هذا عند الحديث عن صرع الجن للإنس.
ج- الغول:
стр. 3870
وقد قيل إنه ساحر الجن، قال ﵊: (إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان) (١)، يعني: إذا ضلوا وشبهت عليهم الغول الطريق أذَّنوا فذهبت الغيلان، وتغولت: صارت غولاً، وذلك لأنها تتصور بصور كثيرة، فمرة تتصور في صورة امرأة جميلة، وأخرى في صورة امرأة قبيحة، ومرة قصيرة، وأخرى طويلة، ومرة كالإنس، وأخرى كالدواب، وهكذا لتفزع الناس، فهي متبدلة باستمرار، قال كعب بن زهير:
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
ويقال: غاله الدهر: أي غير حاله، كما يتغول الغول، فيتغير في كل صورة.
فقد أخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: ((كان لي نخل في سهوة لي، فجعلت أراه ينقص منه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنك ستجد فيه غدا هرة فقل: أجيبي رسول الله ﷺ ، فلما كان الغد وجدت فيه هرة فقلت: أجيبي رسول الله ﷺ ، فتحولت عجوزاً وقالت: أذكرك الله لما تركتني فإني غير عائدة فتركتها، فأتيت النبي ﷺ فقال: ما فعل الرجل وأسره؟ فأخبرته خبرها فقال: كذبت، هي عائدة، فقل لها، أجيبي رسول الله، فتحولت عجوزاً، فقالت: أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني هذه المرة فإني غير عائدة، فتركتها ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال لي كما قال لي، فقلت ذلك ثلاث مرات، فقال لي في الثالثة، أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني حتى أعلمك شيئاً لا يسمعه شيطان فيدخل ذلك البيت، فقلت ما هو؟ فقالت: آية الكرسي، لا يسمعها شيطان إلا ذهب، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: صدقت وإن كانت كذوباً)) (٢).
نلاحظ مما تقدم أن الجن أصناف مختلفة من حيث قوتهم, ومكرهم, وتنقلهم في الصور المختلفة, وتخبطهم للإنسان وإيذائهم له، وهي أوصاف تتناسب مع طبيعتهم النارية، مع ما أعطاهم الله من القدرة على التشكل والتبدل في الصور المختلفة. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -ص: ٥٩
стр. 3871
المطلب الثاني: أصناف الجن من حيث إنتسابهم إلى قبائل وأماكن
في الجن قبائل وأقوام كما هو الأمر عند الإنس، فقد أخبر القرآن أن للجن أقواماً، قال تعالى إخباراً عن النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول ﵊ ثم ولوا إلى قومهم منذرين: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. قال ابن منظور: (والقوم الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء، ويقوي ذلك قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ [الحجرات: ١١] أي رجال من رجال، ولا نساء من نساء ... ) وقال: (وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته .. وفي الحديث: ((إن نسَّاني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح القوم, وليصفق النساء)) (١). قال ابن الأثير: القوم في الأصل مصدر قام، ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلهن به، وسموا بذلك، لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها وقال الجوهري: القوم: الرجال دون النساء لا واحد له من لفظه، قال: وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع، لأن قوم كل نبي، رجال ونساء) (٢).
وعلى هذا فإن قول النفر من الجن: (يا قومنا) يفيد أن لكل نفر من الجن قوماً ينتسبون إليه، فإن هؤلاء النفر من الجن انطلقوا إلى شيعتهم وعشيرتهم ينذرونهم، وأولى الناس بالإنذار الأهل والعشيرة، كما قال تعالى لنبيه ﵇: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤].
وفي رواية عن ابن مسعود في خبر الجن الذين سألوا رسول الله ﷺ الزاد، أنه ((قام إليه ﵇ رجلان من الجن، فسألاه المتاع، فقال: ألم آمر لكما ولقومكما بما يصلحكم؟ قالوا: بلى، ولكننا أحببنا أن يشهد بعضنا معك الصلاة، فقال: ممن أنتما؟ قالا: نحن من أهل نصيبين، قال: قد أفلح هذان وأفلح قومهما، فأمر لهما بالروث والعظام طعاماً ولحماً)) (٣).
فقوله ﵊: ((أفلح هذان وأفلح قومهما)) فيه دليل على أن لكل منهما قوماً ينتسب إليه.
وفي رواية عن ابن مسعود قال: ((استتبعني رسول الله ﷺ فقال: الجن خمسة عشر، بني أخوة, وبني عم, يأتونني الليلة، فأقرأ عليهم القرآن، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطاً وأجلسني فيه)) الحديث. (٤)
فقد دل الحديث على أن الذين أتوا الرسول ﷺ كانوا أقرباء لبعضهم بعضاً، تماماً كما هو الأمر عند الإنس.
стр. 3872
وورد عن قصة النفر الذين قدموا على الرسول ﷺ لاستماع القرآن أن فيهم زوبعة، فعن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: (هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا سبعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ – إلى - ضَلالٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٢٩]) (١).، قال القرطبي: (قال الثمالي: بلغني أنهم من بني الشيصبان، وهم أكثر الجن عدداً وأقواهم شوكة، وهم عامة جنود إبليس) (٢)، وكلمة: بني، في اللغة، إنما تدل على قرابة الرجل من أبنائه، قال ابن منظور: (وإذا قيل: بنو فلان، رهط فلان، فهو قرابته الأدنون، ورهط الرجل: قومه وقبيلته) (٣).
ففيما تقدم دلالة على وجود القوم والعشيرة والقرابة عند الجن، تماماً كما هو الشأن عند الإنس، ولا عجب في ذلك، إذ أنهم يتناكحون ويتناسلون، ولا شك أن هذا يستدعي أن يكون عندهم هذه الأصول والفروع.
وكما أن الجن ينتسبون إلى أقوام، فإنهم ينتسبون إلى أماكن وأوطان كذلك، فقد ذكر أن النفر الذين قدموا على الرسول ﷺ إنما جاءوا إليه من نصيبين، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أنه ((كان يحمل مع النبي ﷺ إدواة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: أبغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتيني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين – ونعم الجن – فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعماً)) (٤).
ونصيبين هذه قيل: إنها مدينة بالشام، وجنها سادات الجن، وقيل: إنها قرية باليمن غير التي في العراق، وقيل: إنهم من نينوى، وأن جن نصيبين أتوه بعد ذلك بمكة (٥)، وذكر ابن حجر أن نصيبين منطقة بين الشام والعراق (٦)، وذكر القرطبي أن الجن الذين قدموا على الرسول وهو بمكة كانوا سبعة نفر: ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى (٧).
وفي رواية عند مسلم عن الشعبي أن وفد الجن الذي قدم على الرسول وهو بمكة إنما كان من جن الجزيرة (٨).
فقد دلت هذه الأحاديث على أن الجن ينتسبون إلى أوطان، فمنهم جن الجزيرة، ومنهم جن نينوى، ومنهم جن نصيبين، ومنهم جن حران إلى غير ذلك من الأوطان والأماكن التي يسكنها الجن وينتسبون إليها، كما ذكر القرطبي عن الضحاك (٩). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات –ص: ٦٤
стр. 3873
المطلب الثالث: أصناف الجن من حيث الإيمان والكفر, والصلاح والفساد
كما أن الجن قبائل مختلفة، فهم كذلك أصحاب ملل ونحل متباينة، وفيهم المؤمن والكافر، والعادل والظالم، يقول سيد سابق: (والجن طوائف: فمنهم الكامل في الاستقامة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البله المغفلون، ومنهم الكفرة وهم الكثرة الكاثرة) (١)، قال تعالى: إخباراً عنهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن: ١١]. يقول القرطبي: (هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا إلى الإيمان بمحمد ﷺ : وأنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون، وقيل: ومنا دون ذلك، أي ومن دون الصالحين في الصلاح) (٢).
وقوله تعالى: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:١١] أي فرقاً شتى، قاله السدي، وقال الضحاك: أدياناً مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة (٣)، ومنه قول الشاعر:
القابض الباسط الهادي بطاعته ... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد
والمعنى: أي لم يكن كل الجن كفاراً، بل كانوا مختلفين، منهم كفار ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء (٤). وقال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين، وقال الحسن والسدي: في الجن أمثالكم، فمنهم قدرية, ومرجئة, ورافضة، وخوارج وشيعة, وسنة، وقال سعيد بن جبير: ألواناً شتى. وقال ابن كيسان: شيعاً وفرقاً، ومعنى الكلام أصنافاً مختلفة ومذاهب متفرقة (٥)، وقال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس) (٦).
وذكر بعض العلماء أن هذه المذاهب المختلفة في الجن إنما هي بعد مبعث الرسول ﵊ واستماعهم للقرآن منه، يقول الإمام القرطبي في قوله تعالى إخباراً عن الجن: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:١١] (وقال قوم: أي وأنا بعد استماع القرآن مختلفون، منا المؤمنون ومنا الكافرون، والأول أحسن – يقصد أنهم كانوا مؤمنين وكافرين قبل استماعهم للقرآن، بعد مبعث الرسول ﵊ – لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى. وقد أخبر عنهم أنهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]، وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوارة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان (٧).) قال السبكي: (لا شك أنهم مكلفون في الأمم الماضية كهذه الملة، إما بسماعهم من الرسول، أو من صادق عنه، وكونه إنسياً أو جنياً لا قاطع به) (٨).
وظاهر القرآن يشهد للقرطبي من أنهم كانوا فرقاً شتى قبل استماعهم للقرآن، مسلمين وكفاراً وغير ذلك، لأن النفر الذين انطلقوا إلى قومهم بعد سماع القرآن، قالوا مخبرين عن أنفسهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن: ١١]. فقد عبروا عن حالتهم السابقة قبل استماع القرآن بلفظ الماضي.
стр. 3874
وفي إخبار القرآن عن النفر من الجن الذين استمعوا للرسول بمكة ما يدل على أنهم كانوا عالمين بموسى ﵇ ورسالته، قال تعالى: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]، والنص يوحي أن هذا النفر كان من قوم عنده صلاح واستقامة، ومطالبة الجن بالإيمان غالباً ما ينشأ عنه استجابة لذلك الرسول من قبل بعضهم، أو رفضاً لدعوته من قبل البعض الآخر، وفي النهاية يدل على أنهم فرق شتى.
وأخبر القرآن عن أحوالهم أيضاً بقوله: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا [الجن: ١٤]، قال ابن القيم: (فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أنداداً، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل فهو مقسط، ومنه: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]. وقسط: إذا جار فهو قاسط، قال تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]).
يقول ابن القيم تعليقاً على هذه الآيات التي تبين أحوال الجن وأصنافهم، وأنهم كأحوال الإنس في الإيمان والكفر, والصلاح والفساد: (وقد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار. وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون، وكفار، فالصالحون بإزاء الأبرار ومن دونهم بإزاء المقتصدين، والقاسطون بإزاء الكفار، وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٦٨]، فهؤلاء الناجون منهم، ثم ذكر الظالمين وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم. ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولاً، ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر، ليس شيء منها للجن وهم: الرسل, والأنبياء, والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حليتهم الصلاح (١) .. ). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات –ص: ٦٧
هل يسلم الشيطان؟ يظهر من الحديث أن الشيطان يمكن أن يسلم بدليل أن شيطان الرسول ﷺ أسلم، إلا أن بعض العلماء يرفض ذلك ويقول: الشيطان لا يكون مؤمناً، منهم شارح الطحاوية - ص٤٣٩ - ووجه قوله: ((فأسلم)) أي فانقاد واستسلم.
وبعض العلماء يرى أن الرواية ((فأسلم)) برفع الميم، أي فأنا أسلم منه، ومع أن شارح الطحاوية يرى أن رواية الرفع تحريف للفظ, إلا أن النووي في شرحه على مسلم قال: (هما روايتان مشهورتان) وعزى إلى الخطابي أنه رجح رواية الضم (٢).
وممن يرى أن الشيطان يمكن أن يسلم ابن حبان، قال معلقاً على الحديث: (في هذا الخبر دليل على أن شيطان المصطفى ﷺ أسلم حتى أنه لم يكن يأمره إلا بخير، إلا أنه كان يسلم منه وإن كان كافراً) (٣).
وما ذهب إليه شارح الطحاوية من أن الشيطان لا يكون إلا كافراً فيه نظر، فإن كان يرى أن الشيطان لا يطلق إلا على كافر الجن فهذا صحيح، وإن كان يرى أن الشيطان لا يمكن أن يتحول إلى الإسلام فهو بعيد جداً، والحديث حجة عليه (٤) .. عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٤٩
стр. 3875
المطلب الأول: تعريف إبليس والشيطان لغة واصطلاحاً
أولا: تعريف إبليس والشيطان لغة:
ذكر بعض العلماء أن إبليس اسم عربي، على وزن إفعيل، مشتق من الإبلاس، وهو الإبعاد من الخير، أو اليأس من رحمة الله (١).
وقال الأكثرون: إن إبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، وقد ذكر ابن الأنباري أن إبليس لو كان اسماً عربياًلم يصرف كإكليل وإحليل (٢)، قال أبو إسحاق: أن إبليس أعجمي معرفة، وذكر الزبيدي أن إبليس لا يصح أن يشتق وإن وافق معنى إبليس لفظاً ومعنى، وقد غلط العلماء الذين قالوا باشتقاقه.
وذكر الطبري بأنه: (لم يصرف استثقالاً، إذ كان اسماً لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجري كما في إسحاق حيث لم يجروه، وهو مشتق من أسحقه الله إسحاقاً، إذ وقع ابتداء اسماً لغير العرب التي تسمت به العرب، فجري مجراه، وهو من أسماء العجم في الإعراب فلم يصرف، وكذلك أيوب إنما هو من آب يئوب) (٣).
قال ابن حجر: (وقد تعقب بأنه لو كان اسماً عربياً مشتقاً من الإبلاس لكان قد سمي به بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه) (٤)، وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، وكذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري عن ابن عباس قال: (كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد (٥)، وهذا يؤيد القول. والله أعلم) (٦). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبيدات - ص٤٥٩
تعريف الشيطان لغة:
ذكر جماعة من أهل اللغة أن الشيطان نونه أصلية على وزن فيعال مشتق من شطن: أي بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وشيطن وتشيطن، صار كالشيطان وفعل فعله، قال أمية بن أبي الصلت يصف سليمان بن داود ﵉:
أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال
فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط.
وذكر جماعة أن الشيطان نونه زائدة على وزن فعلان فهو من شاط يشيط: إذا احترق غضباً، وعلى هذا الأساس يكون ممنوعاً من الصرف (٧).
وذكر ابن الأثير أن نون الشيطان إذا جعلت أصلية كان من الشطن وهو: البعد عن الخير, أو الحبل الطويل، كأنه طال في الشر، وإن جعلت زائدة كان من شاط يشيط: إذا هلك، أو من استشاط غضباً، إذا احتد في غضبه والتهب، قال: والأول أصح (٨)، وذكر ابن كثير أن من العلماء من صحح المعنيين مع قولهم بأن الأول أصح (٩).
والشطن: البعد، ومنه شطنت داره، أي بعدت، ويقال: نوى شطون أي بعيدة، وبئر شطون: أي بعيدة القعر، ويقال للحبل شطن سمي بذلك لطوله، وجمعه أشطان، وفي الحديث: كل هوى شاطن في النار (١٠) قال ابن قتيبة: (الشاطن البعيد عن الحق) (١١).
قال محمد بن إسحاق: (إنما سمي شيطاناً لأنه شطن عن أمر ربه، والشطون البعيد النازح) (١٢).
وقال أبو عبيد: (الشيطان كل عات متمرد من إنس, أو جن) (١٣)، أو دابة قال جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانا
стр. 3876
ويدل على ذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢]. وكذا قوله: وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ [البقرة: ١٤]. أي أصحابهم من الجن والإنس، وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام: ١٢١]. وقوله: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة: ١٠٢]. قيل مردة الجن وقيل مردة الإنس (١). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٤٦٢
ثانيا: تعريف إبليس والشيطان في الاصطلاح:
تردد لفظ إبليس والشيطان في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فقد ورد لفظ إبليس في أحد عشر موضعاً، ولم يرد هذا اللفظ إلا مفرداً في هذه المواضع جميعاً.
أما لفظ الشيطان فقد جاء مفرداً ومجموعاً، فقد ورد مفرداً في سبعين موضعاً، وأما بلفظ الجمع فقد ورد في ثمانية عشر موضعاً، عدا من المواضيع التي ورد فيها لفظ الجن والجِنَّة، التي يراد في كثير منها الشيطان مفرداً ومجموعاً.
وعلى هذا الأساس فما المراد بإبليس والشيطان في هذه المواضع؟
إبليس هو ذلك المخلوق من النار، والذي كان يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، فلما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم خالف أمر ربه بتكبره على آدم لادعائه أن النار التي خلق منها خير من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، فكان جزاء هذه المخالفة أن طرده الله عن باب رحمته, ومحل أنسه, وحضرة قدسه, وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى (٢)، وقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وكما قال عنه: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٦٢]. وهؤلاء هم المستثنون في قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً [الإسراء: ٦٥].
وإبليس واحد من الجن، وهو أبو الشياطين والمحرك لهم لفتنة الناس وإغوائهم، وقد ذكره الله في قصة امتناعه من السجود لآدم وذلك كقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤].
وقد أطلق عليه القرآن اسم الشيطان في مواضع، منها قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠]. وقوله: يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. الآية.
стр. 3877
فالشيطان في هذه الآيات مراد به إبليس، لأن القرآن يتحدث عن قصة إغوائه لآدم وحواء ﵉.
والذي يتأمل القرآن يرى أن إطلاق لفظ إبليس لم يرد إلا في معرض الحديث عن إباء إبليس من السجود لآدم، ولم يرد هذا الإطلاق خارج الحديث عن إبائه من السجود إلا في موضعين:
الأول: في سورة الشعراء وهو قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]. وفي هذا الموضع يكون مراداً به جمع إبليس وجنوده من الجن والإنس في نار جهنم، باعتبار الرئيس والأتباع.
الثاني: في سورة سبأ في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠]. وهذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ إبليس في معرض الحديث عن ممارسة غوايته وإفساده للناس.
وأما لفظ الشيطان فقد يراد به إبليس خاصة، كما في قصة آدم وإبليس كقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا [البقرة: ٣٦]. وقوله: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠].
وقد يراد بالشيطان كل شرير مفسد داع للغي والفساد من الجن والإنس، كما في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢].
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: ١١٢].)).
وقد يطلق لفظ الشيطان كذلك على المتميز بالخبث والأذى من الحيوان، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (ركب عمر برذوناً, فجعل يتبختر به، فضربه فلم يزدد إلا تبختراً، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، لقد أنكرت نفسي) (١).
وعلى هذا فإن الشيطان إذا أريد به الجنس فله معنيان: معنى خاص, ومعنى عام.
فأما الخاص فيراد به إبليس وذريته المخلوقون من النار، والذين لهم القدرة على التشكل، وهم يتناكحون, ويتناسلون, ويأكلون, ويشربون، وهم محاسبون على أعمالهم في الآخرة، مطبوعون بفطرتهم على الوسوسة والإغواء، وهم بهذا عاملون على التفريق والخراب، جاهدون لفصل ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يفصل، وإبرام ما يجب فصمه، وفصم ما يجب إبرامه، فهم والملائكة على طرفي نقيض (٢).
وأما المعنى العام فيراد به كل مخلوق عات متمرد من الإنس, والجن, والدواب, فأما من جانب الجن والإنس فهو التمرد والعصيان لأمر الله, ومحاولة بذر الفساد في الأرض بشتى صوره وأشكاله قال تعالى: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢].
وأما من جانب الدواب فهو الخبث والأذى الذي تميزت به عن جنسها .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٦٥
١ - الرجيم:
وقد ورد هذا الوصف في مواضع متعددة من القرآن، قال تعالى عن إبليس بعد رفض السجود لآدم: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر: ٣٤]. وقال: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]. وقال: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [التكوير: ٢٥].
قال ابن منظور: (الرجم: الرمي بالحجارة)، وقال: (والرجم: اللعن، ومنه الشيطان الرجيم، أي المرجوم بالكواكب، وقيل رجيم: ملعون، مرجوم باللعنة، مبعد مطرود، وهو قول أهل التفسير، قال: ويكون الرجيم بمعنى المشؤم المسبوب من قوله تعالى: لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم: ٤٦].: أي لأسبنك.
وقد ورد الرجم بمعنى الهجران, والطرد, والظن.
والرجوم: النجوم التي يرمى بها، قال تعالى في الشهب: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]. أي جعلناها مرامي لهم).
وعلى هذا فإن إطلاق صفة الرجيم على الشيطان لأنه مطرود عن رحمة الله, مبعد عنها بسبب عصيانه وتمرده وإغوائه لآدم وذريته، ولأن الشياطين مرجومة بالشهب حيث يرمون بها عندما يحاول أحدهم استراق أخبار السماء.
وقد ورد في القرآن اللعن الذي يفيد الطرد، وذلك في قوله تعالى حكاية عن إبليس: لَّعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [النساء: ١١٨]. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥].
واللعن هو الطرد، وسمي إبليس ملعوناً لأن الله طرده وأبعده من رحمته, وأخرجه من جواره (١)، جزاء عصيانه أمر ربه عندما توجه إليه الخطاب مع الملائكة بالسجود لآدم.
стр. 3880
٢ - المارد:
وقد ورد هذا الوصف للشيطان في مواضع من القرآن وهي قوله تعالى: وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [الصافات: ٧]. وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣]. وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا [النساء: ١١٧].
والمارد من الرجال: العاتي الشديد، وأصله من مردة الجن والشياطين، ومنه حديث رمضان: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن)) (١)
وقال ابن الأعرابي: (المرد التطاول بالكبر والمعاصي ومنه قوله: مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ [التوبة: ١٠١]- أي تطاولوا-)
والمريد: من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا، ومرد على الشر وتمرد أي عتا وطغى، والمريد الخبيث الشريد.
فالمارد إذن: هو العاتي الخارج عن الطاعة المنسلخ منها (٢). وسمي الشيطان بذلك لأنه تمرد على أمر ربه وخرج عن طاعته بمخالفته بعدم السجود لآدم ﵇، وأصبح هذا الوصف يطلق على جنس الشياطين لأنهم خارجون على طاعة الله وامتثال أمره.
стр. 3881
٣ - الوسواس الخناس:
قال تعالى في وصف الشياطين: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:٤ - ٦].
والوسواس الخناس صفة للشيطان الذي يوسوس بالشر للإنسان في كل حال، ويخنس عند ذكر العبد ربه، فعن ابن عباس قال: (ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا تذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس). قال (فذلك قوله: الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) (١).
وعن ابن ثور عن أبيه قال: (ذكر لي أن الشيطان – أو قال الوسواس – ينفث في قلب الإنسان عند الحزن وعند الفرح، وإذا ذكر الله خنس) (٢)، وذكر عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقول في قوله: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ (الذي يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور الناس حتى يستجاب له إلى ما دعا إليه من طاعته، فإذا استجيب له إلى ذلك خنس (٣)). قال الطبري: (والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمداً ﷺ أن يستعيذ به من شر شيطان يوسوس مرة ويخنس أخرى، ولم يخص وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه بدون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله، فإذا أطيع فيها خنس، وقد يوسوس بالنهي عن طاعة الله، فإذا ذكر العبد أمر ربه فأطاعه فيه وعصى الشيطان خنس، فهو في كل حالتيه وسواس خناس، وهذه الصفة صفته) (٤).
والوسوسة هذه تحصل من شياطين الإنس والجن فإن قوله: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ لبيان وجه الوسواس الخناس، وهو أنه إما أن يكون إنساناً, أو شيطاناً, من عالم الإنس أو عالم الجن (٥) وقال ابن تيمية: (والوسواس الخناس يتناول وسوسة الجِنَّة ووسوسة الناس، وإلا أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجِنَّة فقط، مع أن وسوسة نفسه وشياطين الإنس هي ما تضره، وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن) (٦).؟!. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٦٩
стр. 3882
المطلب الثالث: الجنس الذي منه إبليس
اختلف العلماء في جنس إبليس هل هو من الملائكة أم من الجن؟ وذلك لورود الآيات القرآنية باستثنائه من الملائكة في مواضع من القرآن عند التعرض لسجود الملائكة لآدم ﵇ قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف: ١١]. وقال: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٣ - ٧٤]. وغير ذلك من الآيات، وهي تدل على استثنائه من الملائكة.
وقد جاءت آية سورة الكهف مصرحة بأن إبليس من الجن، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [الكهف: ٥٠].
وإزاء هذه الآيات فقد انقسم العلماء في هذه المسألة إلى فريقين:
الفريق الأول: ويرى أن إبليس من الملائكة، والاستثناء الوارد في الآيات إنما هو استثناء متصل.
قال القرطبي: (وهو قول جمهور العلماء كابن عباس, وابن مسعود, وابن جريج, وسعيد بن المسيب, وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن الأشعري, والشيخ موفق الدين بن قدامة, وأئمة المالكية، ورجحه الطبري)، وقال البغوي: (هذا قول أكثر المفسرين (١) وهو ظاهر قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٤]).
٢ - الفريق الثاني: ويرى أن إبليس لم يكن من الملائكة وإنما هو من الجن، والاستثناء في الآيات إنما هو استثناء منقطع.
والقائلون بهذا: ابن عباس في رواية، والحسن البصري، واختاره الزمخشري, وأبو البقاء العكبري, والكواشي في تفسيره، وذكره الفخر الرازي عن بعض المتكلمين كالمعتزلة، وغيرهم من العلماء، ورجحه الشيخ الشنقيطي وغيره.
أدلة الفريقين:
وقد انتصر كل من الفريقين لقوله بعدة أدلة، وإليك تفصيل أدلة كل فريق:
أ- أدلة الفريق الأول:
اعتمد هذا الفريق فيما ذهب إليه على أن الاستثناء في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٤]. إنما هو استثناء متصل، وقد تكرر هذا الاستثناء في القرآن الكريم، فإخراج إبليس بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم، وذكر بعضهم أن الظاهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص، ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع (٢) قال الطبري: (ثم استثنى من جميع الملائكة إبليس، فدل باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أمر بالسجود معهم، ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عن الملائكة أنهم فعلوه من السجود لآدم، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره، ونفى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم) (٣).
وأما بالنسبة لقوله تعالى في سورة الكهف: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. فقد أجاب الجمهور عنه بما يلي:
стр. 3883
١ - أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم، وخلقت الملائكة من نور، غير هذا الحي، وكان من خزان الجنة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان له سلطانها وسلطان الأرض، وكان اسمه قبل أن يركب المعصية عزازيل، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً وعلماً، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفاً عظيماً، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى، فمسخه الله شيطاناً رجيماً.
وبهذا قال ابن عباس وجماعة من الصحابة (١).
٢ - أنه لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصياً، ولما استحق الخزي والنكال، كما ورد ذلك في القرآن، قال: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢]. فقد دلت الآية على أنه أمر بالسجود، والأمر بالسجود لم يتوجه إلا إلى الملائكة، فدل هذا على أنه واحد منهم، وكان قتادة يقول: جن عن طاعة ربه (٢).
٣ - أن الملائكة يطلق عليهم اسم الجن، كما في قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨]. حيث إن المراد بالجنة في الآية الملائكة، حيث زعمت قريش أن الملائكة بنات الله، وقد جعلوا بين الله وإبليس نسباً – تعالى الله عما يقولون – وإطلاق لفظ الجن على الملائكة هو ما دلت عليه لغة العرب، حيث يقول أعشى بن قيس يذكر ما أعطاه الله للنبي سليمان بن داود ﵉:
وسخر من جن الملائك تسعة ... قياماً لديه يعملون بلا أجر
فقد أطلق على الملائكة اسم الجن، وقال الطبري: (فأبت العرب في لغتها إلا أن الجن كل ما اجتن، وما سمى الله الجن إلا لأنهم اجتنوا فلم يروا، وما سمى بنو آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا، فما ظهر فهو إنس، وما اجتن فلم ير فهو جن) (٣).
٤ - وذكر الشيخ محمد عبده في تفسير المنار بأنه ليس هناك ثمة دليل يفرق بين الملائكة والجن تفريقاً جوهرياً، وإنما هو اختلاف أصناف عندما تختلف أوصاف كما ترشد إليه الآيات، فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة (٤).
ب- أدلة الفريق الثاني:
وقد استدل القائلون بأن إبليس من الجن وليس من الملائكة بأدلة هي:
١ - أن قوله تعالى في سورة الكهف: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. صريح في أن إبليس من الجن وليس من الملائكة، والجن غير الملائكة، وغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه الله إليه، وذكر الطبري عن قتادة قال: (كان الحسن يقول في قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ إلجاء إلى نسبه، وما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس) (٥). وممن قال بأن إبليس أبو الجن أيضاً ابن زيد وقتادة كما ذكر ذلك القرطبي (٦).
стр. 3884
٢ - أن إبليس لو كان من الملائكة لما عصى الله عندما توجه إليه بالأمر بالسجود لآدم، لقوله تعالى عن الملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]. قال الزمخشري في قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ: كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن, فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ والفاء للتسبيب، أيضاً جعل كونه من الجن سبباً في فسقه، لأنه لو كان ملكاً كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر ربه، لأن الملائكة معصومون البتة، لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس (١).
وقال الشيخ الشنقيطي في قوله تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن، وقد تقرر في الأصول في مسلك النص وفي مسلك الإيماء والتنبيه أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل كقولهم: سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته، وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]. أي لعلة سرقتهما، وكذلك قوله هنا: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ أي لعلة كينونته من الجن لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو) (٢).
٣ - أن الله أخبر أنه خلق إبليس من النار, ولم يخبر أنه خلق الملائكة من شيء من ذلك، بل ورد في الحديث المروي عن عائشة قوله ﵊: ((خلقت الملائكة من نور, وخلق الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم)) (٣). وفي هذا دليل على أن الملائكة مخلوقة من نور لا من نار.
وقد ورد التصريح في القرآن على لسان إبليس بأن الذي دعاه إلى عدم السجود لآدم هو أنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من الطين، قال تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢]. فالذي دعا إبليس لعدم السجود هو ظنه الفاسد أن النار أشرف من الطين (٤)، وأن المخلوق منها أشرف من المخلوق من الطين.
٤ - أن الله أخبر أن إبليس له نسل وذرية قال تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠]. فإبليس وذريته يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، كما قال الحسن (٥) ويأكلون, ويشربون، والملائكة لا يتوالدون, ولا يأكلون, ولا يشربون، فدل هذا على أن إبليس من الجن وليس من الملائكة.
وقد أجاب القائلون بأن إبليس من الجن عن قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. ونحوها من الآيات بما يلي:
стр. 3885
أولاً: أن الاستثناء في هذه الآيات إنما هو استثناء منقطع، قال ابن حجر الهيتمي: (ومن الواضح أن دلالة كان من الجن لأن كونه منهم أظهر من دلالة الاستثناء على كونه من الملائكة، لأنه يأتي منقطعاً كثيراً، قال تعالى: مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧]) (١). وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٧]. فرب العالمين ليس من الأول، وكقولنا: جاء بنو فلان إلا أحمد، وليس منهم إنما هو عشيرهم.
ثانياً: ... قال ابن كثير: (إن الله لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم، لأنه وإن لم يكن من عنصرهم، إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفته الأمر) (٢).
وقال الزمخشري: (إنما تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة لأن إبليس كان في صحبتهم, وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجِنِّي الذي معهم أجدر بأن يتواضع) (٣).
ثالثاً: وذكر بعضهم أنه يمكن أن يقال: إن الجن من جنس الملائكة من حيث لطافة الجسم، وعدم رؤية البشر له، فيكون الاستثناء متصلاً مع كون إبليس من عنصر الجن حقيقة، لدلالة قوله تعالى: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢].
رابعاً: وذكر بعضهم أن الجن كانوا مأمورين بالسجود مع الملائكة، ولكنه استغنى بذكر الملائكة لمزيد شرفهم عن ذكر الجن (٤) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٧٥
القول الراجح
وبعد هذا العرض لأدلة الفريقين وأجوبة كل فريق على أدلة الفريق الآخر يتبين لنا رجحان القول الثاني، بأن إبليس من الجن وليس من الملائكة، وذلك للأسباب التالية:
١ - صراحة ما اعتمدوا عليه من آية سورة الكهف في أن إبليس كان من الجن في قوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، قال الشيخ الشنقيطي: (وأظهر الحجج في المسألة حجة من قال إنه غير ملك لقوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ الآية، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى) (٥).
٢ - أن ما ورد في الكتاب والسنة من وصف إبليس بالعصيان، وأن له ذرية، وأنه مخلوق من النار، وأنه يأكل ويشرب، يدل دلالة ظاهرة على أنه من الجن، لأن هذه الصفات من صفات الجن دون الملائكة.
٣ - أن الاستثناء المنقطع يأتي في القرآن وفي كلام العرب كثيراً كما تقدم من الأمثلة.
٤ - استقامة توجيههم استثناء إبليس من الملائكة من جهة المعنى في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. وغير ذلك من الآيات التي اعتمد عليها الجمهور في قولهم بأن إبليس من الملائكة وليس من الجن، وذلك لأن الآيات التي استثنته من الملائكة توحي بأنه كان يتعبد الله معهم لاختلاف صفاته عن صفاتهم، فبمقتضى الأمر أن يتوجه إليه الخطاب بالسجود مع الملائكة، لأنه أصبح واحداً يعيش معهم، ولكنه لم يخرج عن أصله بأنه من الجن.
стр. 3886
٥ - وأما صرف الجمهور لقوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ عن ظاهره بأنه كان من حي من أحياء الملائكة خلقوا من نار السموم، فلم يثبت لنا أن من الملائكة من خلق من النار، بل ورد ما يناقض ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ من أن الملائكة خلقت من نور, وخلق الجان من مارج من نار.
وما ذكره البيضاوي في تفسيره من أن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك – غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان، محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف – غير مسلم به، إذ الفرق بين النار والنور أشمل من ذلك، فليس شرطاً أن يكون كل جسم مضيء محرقاً كما أسلفنا.
وما زعمه الشيخ محمد عبده من أنه ليس هناك ثمة دليل يفرق بين الملائكة والجن تفريقاً جوهرياً، وإنما هو اختلاف أصناف عندما تختلف أوصاف, فترده الأدلة من القرآن والسنة، فالفرق بينهما واضح في أصل المادة التي خلق كل واحد منهما منها، وفي صفات كل منهما كذلك كما تقدم.
وعدم ورود آية في القرآن تدل على المادة التي خلقت منها الملائكة لا يعتبر مسوغاً لاعتبار إبليس واحداً من الملائكة، اعتماداً على الآيات التي تستثني إبليس منهم.
٦ - وأما ما أجاب به القائلون بأن إبليس من الملائكة على قوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ بما ورد من روايات عن بعض السلف كابن عباس وغيره – بما تقدم – فيجيب على ذلك الشيخ الشنقيطي حيث يقول:
(وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره – من أنه (أي إبليس) كان من أشراف الملائكة, ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأن اسمه عزازيل – كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها) (١).
وذكر ابن كثير رواية عن ابن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة خلقوا من نار السموم يسمون جِنًّا في أثر طويل، قال ابن كثير تعليقاً عليها: (وهذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها) (٢).
وذكر الفخر الرازي أن تعليل الجمهور لقوله تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ بأنه – أي إبليس – كان خازناً للجنة تعليل غير جائز، لأن قوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازناً للجنة (٣).
ومن ذكر أن معنى قوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ يحتمل أن يكون بمعنى صار، فقد قال الفخر الرازي أيضاً: (هذا خلاف الظاهر، ولا يصار إليه إلا عند الضرورة) (٤) وذكر ابن فورك أن هذا مما ترده الأصول (٥) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٨٦
стр. 3887
تمهيد
نصت كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الجن مكلفون بالتكاليف الشرعية، وأنهم مأمورون بفعل الطاعات والقيام بالعبادات، وأنهم منهيون عن ارتكاب المعاصي والمحرمات، وأنهم مختارون لهذا الأمر والنهي، وهذا ما عليه جمهور أهل الإسلام. وهم بهذا كالبشر الذين كلفهم الله بالتكاليف الشرعية أمراً ونهياً (١).
وذهب قوم إلى أن الجن مضطرون، أي أنهم غير قادرين على فعل الطاعات أو ارتكاب المنهيات، وعلى هذا الأساس فهم غير مكلفين، وهذا يقتضي عدم الجزاء بالثواب على فعل الطاعات، وعدم الجزاء بالعقاب على ارتكاب المنهيات (٢).
وقد نقل القاضي عبد الجبار الهمداني هذا القول عن زرقان الذي حكاه عن بعض الحشوية على ما ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (٣).
والصواب الذي لا ريب فيه أن الجن مكلفون أمراً ونهياً، مختارون لهذا التكليف، قال ابن القيم: (الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون، مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر، وإضافة القول إلى المعتزلة بتكليفهم، بمنزلة أن يقال: ذهب المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان، ونحو ذلك مما هو من أقوال سائر أهل الإسلام) (٤). وقال الإمام القرطبي: (إن سورة الرحمن, والأحقاف, وقل أوحي دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون، مأمورون منهيون، معاقبون كالإنس سواء بسواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك) (٥). وقال الفخر الرازي: (وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون) (٦). ونقل مثل هذا القول ابن حجر العسقلاني عن القاضي عبد الجبار الهمداني (٧) , ورجح القاضي عبد الجبار قول الجماعة بعد أن ذكر عن بعض الحشوية قولهم: بأن الجن مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين، ثم قال: (والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي، مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على تكليفهم كثيرة جداً) (٨). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٧٥
стр. 3888
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على تكليف الجن
وردت آيات كثيرة تدل على تكليف الجن، وهي على أنواع مختلفة هي:
١ - ما جاء من التصريح في الحكمة من خلق الجن والإنس.
وذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]. فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة، وعلى هذا وردت أقوال العلماء:
قال ابن عباس: (إِلا لِيَعْبُدُونِ أي: إلا ليقروا بعبادتي، طوعاً أو كرهاً)، وهذا اختيار ابن جرير الطبري (١).
وورد عن علي بن أبي طالب, وابن جريج, والربيع بن أنس أن معنى قوله تعالى: إِلا لِيَعْبُدُونِ أي إلا لآمرهم بالعبادة، وهو اختيار الزجاج (٢).
ويدل على ما تقدم قوله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١] وهي عامة في الجن والإنس. قال ابن كثير: (ومعنى الآية: أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم) (٣).
٢ - ما ورد عن صرف الجن إلى الرسول ﷺ ، واستماعهم للقرآن منه.
أ- قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١].
فقد أخبر القرآن الكريم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول ﵊ لاستماع القرآن منه، وسواء كان حضورهم إلى مكة – حيث كان الرسول ﵇ يقرأ القرآن، بعد منعهم من استراق أخبار السماء – أو كان حضورهم بتوفيق من الله هداية لهم، على ما ذكره الإمام الماوردي (٤). فإن في ذلك دلالة على استماعهم للقرآن منه ﵇, وانصاتهم لسماعه. قال ابن القيم: وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩]. الآية، تدل على تكليف الجن من عدة وجوه:
أحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.
الثاني: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة.
الثالث: أنهم قالوا لقومهم: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف: ٣٠]. والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر (٥) اهـ.
وقال الألوسي في قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ (وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون) (٦).
стр. 3889
وقال ابن كثير: (وفي هذا دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً ﷺ إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين, وتكليفهم, ووعدهم, ووعيدهم, وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) (١).
ب- قوله تعالى في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا – إلى قوله -: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١ - ١٥].
وقد جاءت هذه الآيات إخباراً للرسول ﵊ باستماع نفر من الجن إليه وهو يقرأ القرآن بأصحابه، وذلك بعد أن منع الجن من استراق أخبار السماء، فعرفوا أن هذا المنع ما حصل إلا لشيء قد حدث في الأرض، فجابوا الأرض، فكان النفر الذين أخذوا نحو تهامة في بلاد الحجاز قد مروا على الرسول ﵇ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم منذرين، فأنزل الله تعالى إلى نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ [الجن: ١] (٢) الآية ولم يكن يعلم باستماعهم إليه على الراجح من الروايات في ذلك، وظاهر القرآن يدل عليه.
وقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن وأخذهم عهداً على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١ - ٢]، وقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [الجن:١٢]. ففي إيمانهم بالقرآن، ووصفهم له بأنه يهدي إلى الرشد، وعدم إشراكهم بالله، دلالة على أنهم مكلفون، وكذلك مسارعتهم لاستماعه، وذلك في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:١٩]. أي: لما قام رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقرأ القرآن اجتمع الجن عليه متلبدين متراكمين، حرصاً على ما جاء به من الهدى (٣). فقد كانوا فرحين حريصين متأملين عند سماعهم للقرآن، وفي هذا دلالة على كمال عقولهم, وهو يقتضي التكليف، وقد وردت آيات كثيرة تخاطب العقل كقوله تعالى: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ , وقوله: أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ , وقوله: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢]. وفي هذا دلالة على توجه الخطاب للعاقل، وقد تقدم أن الجن مخلوقات عاقلة مريدة مختارة، عندها القدرة على التمييز بين الحق والباطل.
٣ - ما يتضمن التصريح بإرسال رسل إليهم:
قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام: ١٣٠].
стр. 3890
ففي هذه الآية خطاب للجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من الله في أنه قد بعث رسلاً إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ (١)، وبذلك يزول العذر وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس، إذ بعث الله رسلاً يوضحون الطريق ويأمرون بعبادة الله, وينهون عن معصيته، ولا شك أن أمر الرسل ونهيهم للجن والإنس هو محض التكليف، قال ابن القيم: (وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ ، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا ﵊ فهي عامة لجميع الجن والإنس) (٢).
٤ - ما يتضمن خطاب الجن والإنس معاً:
وذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى بعد الحديث عن نعمه على عباده: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣]، حيث ورد هذا الخطاب في واحد وثلاثين موضعاً من سورة الرحمن، وفيه خطاب للجن والإنس معاً، وفي هذه المواضع امتنان من الله على عباده بهذه النعم التي لا يجحدها إلا كافر.
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((خرج رسول الله ﷺ فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كلما أتيت على قوله: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد)) (٣) قال ابن القيم: (وهذا يدل على ذكائهم, وفطنتهم, ومعرفتهم بمؤنة الخطاب وعلمهم أنهم مقصودون به) (٤) ويقول: (وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول في إثر كل آية: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ , فدل على أن السورة خطاب للثقلين معاً، ولهذا قرأها رسول الله ﷺ على الجن قراءة تبليغ، وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن رداً منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد) (٥).
٥ - ما يتضمن تحدي الثقلين بالإتيان بمثل القرآن:
وذلك في قوله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].
فهو تحد للإنس والجن معاً في أن يقدروا على الإتيان بمثل هذا القرآن، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك وتوجه الخطاب بالتحدي للإنس والجن من دون الخلائق دليل على أنهم هم المعنيون بأمر هذا القرآن وما اشتمل عليه من أنواع الإعجاز المختلفة، وفي هذا دليل على تكليف الجن كالإنس.
٦ - ما يتضمن بشارة المؤمنين من الجن بالثواب على أعمالهم, وتحذير الكافرين والعصاة منهم بالعقاب على كفرهم ومعصيتهم في الآخرة:
وقد وردت البشارة بالتحذير في مواضع متعددة من القرآن منها: