ومما تقدم يظهر لنا أن الذنوب التي تحصل من المؤمنين لا تحدث بسبب أن للشيطان سلطاناً عليهم، لأنها ذنوب يتبعها التوبة والاستغفار، فيعودون أقوى مما كانوا عليه من الإيمان، وسلطان الشيطان على الكافرين إنما يكون بسب استمرارهم على فعل المعاصي، حيث قد جعلوا للشيطان سبيلاً إلى قلوبهم، فلا يقلعون من معصية إلا عادوا لها أو أشد قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: ٨٣]. وقال: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة: ١٩]. وقال: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]. وقال: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: ٢٥]. وغير ذلك من الآيات.
فهذه الآيات قد دلت على أن الشياطين إنما تتسلط على الكافرين بسبب متابعتهم لها فيما تزين لهم من المعاصي، لأنهم لم يلجأوا إلى الله في دفعها عنهم، فخلى الله بينهم وبينها، فأزعجتهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية، وأغرتهم إغراء بالشر، فلا يفترون قائلين لهم: امضوا في هذه المعاصي، حتى توقعهم في النار، فهؤلاء هم القرناء من الشياطين الذين تحدثت عنهم الآيات القرآنية كقوله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت: ٢٥].
قال الطبري: (أي بعثنا لهم نظراء من الشياطين فجلعناهم قرناء قرناهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم، فزينوا لهم ذلك) (١). وهؤلاء القرناء يصاحبون أصحاب المعاصي في الدنيا فيمنعونهم من فعل الطاعات، ويحضونهم على فعل المعاصي، ثم يصاحبونهم عندما يقومون من قبورهم في الآخرة، كما ذكر الإمام القرطبي (٢).
فهؤلاء الكفرة هم الذين استحوذ عليهم الشيطان فغلبهم وقوى عليهم وأحاط بهم، فلا يستطيعون التفلت منه بعد أن سلموا أنفسهم له يتصرف بها كيفما يريد، فلا عذر لهم في متابعتهم له، لأنه ليس له عليهم أي سلطان يجبرهم على طاعته، إنما الخور في نفوسهم هو الذي جعلهم يقعون في شراك وسوسته، كما حصل مع الذي انسلخ من آيات الله في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
стр. 3922
وقد ذكر بعض المفسرين أنه بلعم بن باعوراء رجل من بني إسرائيل كان قد أوتي النبوة، وكان مستجاب الدعوة، فلا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وذكر بعضهم أنه أمية بن أبي الصلت، كان قد قرأ كتب أهل الكتاب التي تبشر بمجيء الرسول ﵊، فكفر به عندما بعث، وغير ذلك من الأقوال في شأن هذا الرجل (١). قال الإمام الطبري: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله – تعالى ذكره – أمر نبيه ﷺ أن يتلو على قومه خبر رجل كان آتاه حججه وأدلته وهي الآيات .. وجائز أن يكون الذي أتاه الله ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية) (٢).
لكن هذا الرجل خرج من الآيات التي آتاه إياها فلم يعد له صلة بها، فأتبعه الشيطان، أي: صيره تابعاً وقريناً له ينتهي أمره في معصية الله، ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن، فأصبح من المتمكنين في الغواية وهم الكفار، ولو شاء الله لرفعه بهذه الآيات التي أعطيها منزلة عظيمة، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة، واتبع ما يهواه وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، فأصبح كالكلب يلهث في كل أحواله: في الصحة والمرض، والراحة والتعب، فهذا الرجل لا يرعوي عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ, وذكره المذكر, وزجره الزاجر، أو لم يقع شيء من ذلك فهو مستديم على فعل المعصية بتركه لآيات الله واتباعه للشيطان (٣).
فهذا المثل ضربه الله لكل من يتلو القرآن أن يعتبر بهذا الرجل الذي انسلخ من آيات الله، فصار أمره إلى ما صار من اتباع الشيطان له، فإن كل من يعرض عن آيات الله يؤول مصيره إلى مثل ما صار إليه ذلك الرجل، وفي ذلك دلالة على تخلي الله عن المكذبين بآياته وتركهم فريسة للشيطان يوجههم كيف شاء كما في قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٧١].
فالذين يعرضون عن الله تستهويهم الشياطين، فيسارعون إليها في معصيتهم لله، فيصبحون حيارى تائهين في الأرض (٤)، وهي صورة بليغة رسمها القرآن لكل معرض عن هدى الله .
وهكذا يتبين لنا أنه لا سلطان للشيطان على الناس، وإنما استجاب له بعضهم بمجرد دعوته إياهم، جرياً وراء أهوائهم وأغراضهم وشهواتهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا ما بأيديهم واستأسروا له، سلط عليهم عقوبة لهم، وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء: ١٤١]، فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سبيلاً حتى جعل له العبد سبيلاً إليه بطاعته والشرك به، فحينئذ له عليهم تسليط وقهر، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه توجب سلطانه، والجميع بقضاء من الله ومردها إليه (٥).
الأنبياء وعصمتهم من الشياطين:
стр. 3923
وإذا لم يكن للشيطان سلطان على المؤمنين لأخذهم بالأسباب التي تدفع كيده ووسوته فمن باب أولى أن لا يكون له تسلط على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم أكمل الناس إيماناً، وأبعدهم عن طاعة الشيطان، وهم الذين عصمهم الله من ذلك، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي: إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)) (١).
فقد أخبر ﵊ أن مع كل إنسان قريناً من الملائكة وقريناً من الجن، فالقرين من الملائكة يأمر بالخير، والقرين من الجن يأمر بالشر ولكن قرين الرسول ﵊ من الجن أسلم إسلاماً حقيقياً كما عليه أكثر العلماء، فلا يأمره إلا بخير، وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من فتنة الشيطان وتسلطه، لأن تسليط الشيطان عليهم يناقض ما تقتضيه النبوة من كونهم قدوة للعالمين وأئمة للمهتدين.
وأما ما ورد خطاباً لنبينا ﵊ في قوله تعالى: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]. فإن هذا النسيان الذي حصل بسبب إنساء الشيطان له لا يعتبر من قبيل التسلط على الناس واستحواذه عليه بالإغواء والإضلال الذي نفاه الله عن أنبيائه وعن عباده المخلصين .. ، وقد ينسي الإنسان خيراً باشتغال فكره بخير آخر (٢).
وقد قيل: إن هذا الخطاب وإن كان ظاهراً للنبي ﷺ فالمراد التعريض لأمته، لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان. وقيل: لا وجه لهذا، فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، قال ﵊: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)) (٣).
وهذا النسيان كما تقدم ليس مما يكون به للشيطان سلطان.
وكذلك ما ورد من إنساء الشيطان للنبي يوسف ﵇ وهو في السجن في قوله تعالى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢]. فأنساه الشيطان ذكر ربه، إذ أمر الناجي من صاحبيه في السجن بذكره عند الملك ابتغاء الفرج من عنده على أحد القولين، فكان نتيجة ذلك أن لبث في السجن بضع سنين، فقد ورد عن ابن عباس ﵁ قوله عن يوسف: (ولولا الكلمة لما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله (٤).
فنسيان يوسف ﵇ ذكر ربه في السجن ليس من جنس تسلط الشيطان على أنبيائه، لأنهم معصومون من ذلك، وما يقع منهم من نسيان لا يستمرون عليه، بل يتذكرون ويستغفرون كما في قوله تعالى: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [٢٤: ص].
وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [٣٤: ص].
وأما وقوع النسيان من الأنبياء ﵈ بغير وسوسة من الشيطان فلا وجه للخلاف في جوازه، قال تعالى لخاتم رسله: وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤].
стр. 3924
وأما قوله ﵊ فيما رواه أبو هريرة: ((ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها))، ثم يقول أبو هريرة: (واقرءوا إن شئتم: وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦]) (١). فإنه لا يفيد تسلط الشيطان على الإنسان وإغواؤه له، قال ابن حجر العسقلاني: (والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، ولكن من كان من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلاً، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلط على غيرهما من المخلصين (٢)). ولو قدر الشيطان على المولود بأكثر من المس عند الولادة إلى الإفساد والغواية معه لفعل ذلك، ولكنه يعلم أن المولود لا يعرف الخير والشر أصلاً، فاكتفى بمسه عند الولادة.
وقال القرطبي: (ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواءه، فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء, ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: ٤٢]. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين، كما قال رسول الله ﷺ ، فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته والله أعلم) (٣).
وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن عمل الشيطان إنما ينحصر بالوسوسة والدعوة إلى الضلال، فالأنبياء والمؤمنون قد أخذوا بالأسباب التي ترد وسوسته كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. فإذا هم منتبهون حذرون من وسوسته وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠٢].
وإما إخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس، فإن الشياطين تمدهم في الغي وتكون مدداً لهم، وهي لا تقصر في مد الكفرة بهذا الغي والضلال، وفي التعبير بإخوانهم في الآية ما يشير إلى أن هؤلاء الكفرة والعصاة بمتابعتهم للشياطين فيما تزين لهم من المعاصي قد أصبحوا إخواناً لها) (٤) فنسأل الله السلامة والعافية .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣٩١
стр. 3925
المبحث الأول: استراق الجن لأخبار السماء
كان الجن قبل مبعث الرسول ﷺ يسترقون أخباء السماء، وهو ما يوحيه الله لملائكته، وأصل ذلك قوله تعالى إخباراً عنهم: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩].
قال القرطبي: (كان الجن يقعدون مقاعد لاستماع أخبار السماء، وهم المردة من الجن، كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة، فحرسها الله بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) (١).
ويبين الرسول ﷺ هذا الأمر في حديثه الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((الملائكة تتحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر يكون في الأرض، فتستمع الشياطين فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القاروة، فيزيدون معها مائة كذبة)) (٢).
ومن ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا: يوم كذا، كذا وكذا! فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء)) (٣).
وفي رواية عند مسلم في صحيحه: ((تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة, فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)) (٤).
وهكذا فإن الجن كان يستمعون لأخبار السماء، ثم يلقون ذلك إلى الكهان من الإنس، فيزيدون على الكلمة مائة كذبة من عندهم، فيصدق الناس ذلك، قال الماوردي: (فأما استراقهم للسمع فقد كانوا في الجاهلية قبل بعث الرسول ﷺ يسترقونه، ولذلك كانت الكهانة في الإنس لإلقاء الجن إليهم ما استرقوه من السمع في مقاعد لهم، كانوا يقربون فيها من السماء كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]) (٥).
وقال ابن جزى الكلبي في تفسير قوله تعالى: إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠]. (والمعنى: لا تسمع الشياطين أخبار السماء، إلا الشيطان الذي خطف الخطفة) (٦).
وقد اختلف العلماء في استراق الجن للسمع بعد مبعث الرسول ﷺ :
١ - فقال قوم: إن استراق الجن لأخبار السماء قد زال بمبعث الرسول ﷺ ، ولذلك زالت الكهانة.
٢ - وقال آخرون: إن استراقهم باق بعد مبعثه ﵊ (٧).
واختلفوا كذلك في أن الجن هل كانوا يرمون بالشهب قبل مبعث الرسول ﷺ أم لا؟
стр. 3926
أ- فقال قوم: لم تكن ترمى الجن قبل مبعثه ﵊. وقد نسب النسفي هذا القول للجمهور فقال: (والجمهور على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ﷺ (١).
قال القرطبي: (وقال الكلبي وقوم: لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي ﷺ ، فلما بعث منعوا من السموات كلها وحرست بالملائكة والشهب، ومنعت من الدنو من السماء، وبه قال عطية العوفي عن ابن عباس، وهذا قول عبد الله بن سابور. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله ﷺ رميت بالشهب) (٢).
ومما يؤيد هذا القول ما ورد عن ابن عباس قال: (كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوه فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس – ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك – فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائماً يصلي بين جبلين – أراه قال: بمكة – فلقوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض) (٣).
وذكر القرطبي وجها آخر عن ابن عباس قال: (وقد كانت الشياطين لا يحجبون عن السماء، فكانوا يدخلونها ويلقون أخبارها على الكهنة، فيزيدون عليها تسعاً، فيحدثون بها أهل الأرض، الكلمة حق والتسع باطل، فإذا أرادوا شيئاً مما قالوه صدقوهم مما جاءوا به، فلما ولد عيسى بن مريم ﵉ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب) (٤).
وفي هذا دليل على أن الشياطين لم تكن ترمى بالشهب قبل بعثته ﵊.
وتمسك من قال بأن الشهب لم يكن يرمى بها أيضاً قبل بعثة الرسول ﵇ بظاهر قوله تعالى: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩].
إذ قد دل على أن الجن لم تكن ترمى قبل المبعث حيث رتب الرمي على الاستماع بعد المبعث.
وقد أنكر الجاحظ الرمي قبل مبعث الرسول ﷺ , وأنكر كل شعر ورد في الرمي فقال: (كل شعر روي فيه فهو مصنوع) (٥).
ب- وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي ﷺ ، ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلاً.
فعلى هذا القول يكون حمل الجن على الضرب في الأرض وطلب السبب –أي السبب الذي من أجله منعوا من استراق السمع – إنما كان لكثرة الرجم، ومنعهم عن الاستراق بالكلية (٦).
وقيل: إنما زاد الرمي إنذاراً بمبعث الرسول ﵊ (٧).
قال القرطبي: (وقال أوس بن حجر – وهو جاهلي:
فأنقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا (٨))
стр. 3927
قال بدر الدين الشبلي: (وقال السهيلي: ولكن القذف في النجوم كان قديما، وذلك موجود في أشعار القدماء من الجاهلية .. وذكر عبد الرزاق عن ابن شهاب أنه سئل عن هذا الرمي بالنجوم أكان في الجاهلية؟ قال: نعم ولكنه لما جاء الإسلام غلظ وشدد (١)).
وقال ابن إسحاق: (حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث: " أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم – حين رمي بها – هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج، قال: وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا، فقالوا له: يا عمرو: ألم تر إلى ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا: فإن كانت معالم النجوم – التي يهتدى به في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس معايشهم – هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو؟) (٢).
وما ذكره ابن إسحاق فيه دليل على أن النجوم لم يكن يرمى بها قبل مبعث الرسول ﷺ ، حتى إن ثقيفاً استغربت الأمر، وخافت أن يكون قد اقتربت نهاية العالم، حتى ذهبوا إلى عمرو بن أمية يخبرهم الأمر.
القول الراجح:
والراجح أن الرمي كان قبل مبعث الرسول ﷺ ، ولكنه لم يكن في الشدة مثلما كان بعد مبعثه تمسكاً بحديث ابن عباس الآتي في كلام القرطبي، وهو ما رجحه ابن كثير والقرطبي وغيرهم.
قال ابن كثير: (وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك) (٣). وذكر أن ما ورد من استغراب الإنس والجن للرمي بعد المبعث فإنما كان لكثرة الشهب في السماء والرمي بها، حيث ظنوا أن ذلك لخراب العالم (٤).
وقال القرطبي: (والقول بالرمي أصح لقوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: ٨]. وهذا إخبار عن الجن أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت منا ومنهم. ولما روي عن ابن عباس قال: ((أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله ﷺ : ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم. ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ : فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته. ولكن ربنا ﵎ اسمه، إذا قضى أمراً سبح حملة العرش. ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً به. حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا. فما جاءوا به على وجهه فهو حق. ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون)) (٥).
وهذا يدل على أن الرجم قبل المبعث، واشتدت الحراسة بعد المبعث، فمنعوا من ذلك أصلاً) (٦).
وقال بدر الدين الشبلي في قوله سبحانه: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: ٨]: (ولم يقل: حرست، دليل على أنه - أي الرمي - قد كان منه شيء، فلما بعث النبي ﷺ ملئت حرساً شديداً وشهباً، وذلك لينحسم أمر الشياطين وتخليطهم، ولتكون الآية أبين، والحجة أقطع) (٧).
стр. 3928
وأما قوله تعالى: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]. فإنما يحمل على التشديد في حراسة السماء، فكل من يحاول من الشياطين استراق السمع بعد المبعث، فإن له شهاباً رصداً يرمى به، وذلك صيانة للوحي المنزل على محمد ﷺ أن يصل الشياطين إلى شيء منه.
وعلى هذا يحمل قول ابن إسحاق المتقدم كذلك، فإن استغراب الحي من ثقيف وفزعهم للرمي إنما كان لكثرته وشدته.
واختلف العلماء: هل كانت الشهب تأخذ الجن قبل استراق السمع أم بعد استراقهم؟
١ - فذهب بعضهم إلى أن الشهب تأخذهم قبل استراق السمع حتى لا يصل إليهم لانقطاع الكهانة بهم، وتكون الشهب منعاً من استراقه (١).
٢ - وذهب آخرون منهم إلى أن الشهب تأخذهم بعد استراقه، وتكون الشهب عقاباً على استراقه (٢).
وبناء على ما تقدم: هل يقتل الشهاب الجني عند رميه به أم لا يقتله؟
أ- فقال ابن عباس: (الشهاب يجرح, ويحرق, ويخبل, ولا يقتل، ولذلك عادوا لاستراق السمع بعد الإحراق، ولولا بقاؤهم لانقطع الاستراق بعد الاحتراق، ويكون ما يلقونه من السمع إلى الجن دون الإنس لانقطاع الكهانة عن الإنس) (٣).
ب- وقال الحسن وطائفة: (الشهاب يقتل بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن)، قال الشوكاني: (ذكره الماوردي ثم قال: والقول الأول أصح) (٤).
وظاهر القرآن أن الرمي يكون بعد الاستراق لعطفه عليه بالفاء الدالة على التعقيب في قوله تعالى: إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [الحجر: ١٨]. وقوله: إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠] .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣٤٣
стр. 3929
المبحث الثاني: ما تلقيه الجن إلى الإنس
إن العلوم والأخبار التي يلقيها الجن إلى الإنس يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: ما يتعلق بالأمور الغيبية.
القسم الثاني: ما يتعلق بالعلوم والأخبار التي تتعلق بالأمور المشهودة, أو الإخبار عن الوقائع الماضية.
أما بالنسبة للقسم الأول فيمكن تقسيمه إلى قسمين:
أ- أن تكون من الغيبيات التي استأثر الله بعلمها.
ب- أن تكون من المغيبات التي قضى الله أمرها في السماء وأصبحت معلومة لذوي الاختصاص من الملائكة أو من البشر، مما يطلع الله عليه من شاء من رسله.
أما بالنسبة للقسم الأول: ... أنه من اختصاص الله، ولا يمكن لأي مخلوق في هذا العالم أن يعرف عنه شيئاً، سواء كان في ذلك الملائكة أو الجن أو الإنس، لأن الآيات القرآنية قد أخبرت أن علم ذلك لله وحده دون سواه، ولا يكون التحدث عن شيء من هذا الغيب إلا من قبيل الافتراء على الله، وهو يناقض الإيمان، ومدعيه كافر، لمعارضته الآيات القرآنية الدالة على اختصاص الله بذلك قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩] وقال: قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥].
أما بالنسبة للثاني: وهو المغيبات التي قضى الله أمرها في السماء، وأصبحت معلومة لذوي الاختصاصات من الملائكة أو من البشر ... إلخ.
فقد تقدمت فيه الأحاديث من أن الله إذا قضى الأمر في السماء، بأن يتكلم بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده، فيلخص هذا القول ويمضي في الملائكة حتى يفزعوا منه، فيعلمون أن الله لا يقول إلا الحق، فيسمع مسترق السمع من الجن الكلمة، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقي الكلمة، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها الكاهن مائة كذبة (١).
وفي الأحاديث الواردة بهذا الصدد دليل على أن الجن يسترقون السمع من الملائكة، وكانوا يقذفون بالشهب خصوصاً بعد مبعث النبي ﷺ .
فما تسمعه الملائكة بعد إلقاء الأمر إلى جبريل قد خرج عن الغيب الذي اختص به الله، إذ علمت به الملائكة، فعندئذ تحاول الجن استماع ذلك، فربما يسمعون كلمة، وربما لا يسمعون، لأن الشهب لهم بالمرصاد.
وأما قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا [الجن: ٢٦]. فقد قال القرطبي:
(اختص الله بعلم الغيب فهو له وحده، إلا ما شاء الله من اطلاع بعض الرسل، لأنهم مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات، وقال العلماء رحمهم الله تعالى: لما تمدح الله سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم, ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه، ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه) (٢).
والآية لا تناقض ما تقدم من الأحاديث الدالة على استراق للسمع بعد أن يلقي الله كلامه إلى جبريل، لأن الجن قد منعوا من استراق السمع أصلاً، وما يستمعونه عندئذ لا يعتبر غيباً بالنسبة للملائكة ولمسترق السمع، كما حصل مع الرسول ﷺ في حديث ابن صياد المتقدم.
стр. 3930
ومضمون الاستدلال في الحديث أن الرسول ﵊ أراد أن يبين كذب ابن صياد وأن ما يقوله هو من الكهانة، بدليل أن الرسول ﵊ قد خبأ له سورة الدخان (١) فأخبره شيطانه الذي يأتيه ببعض حروفها، لأنه لم يقدر أن يستطلع إلا ذلك، ولن يقدر على أكثر منه، لأن الله قد حفظ رسله من الشياطين بما أرصده لهم من الملائكة الذين يحرسونهم من الشياطين عن أن يتشبهوا بصور الملك، فإذا جاء أحدهم شيطان في صورة ملك قالوا: هذا شيطان فاحذره، وان جاء الملك قالوا: هذا رسول ربك (٢).
دلالة موت النبي سليمان ﵇ على عدم معرفة الجن علم الغيب.
قصه موت النبي سليمان ﵇ فيها دليل على أن الجن لا يعلمون الغيب، كما أخبر القرآن بذلك، قال تعالى:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ: ١٤].
قال القرطبي في تفسير الآية: (أي: فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت, وذلك أنه كان متكئاً على عصا فانكسرت به بسبب أكل الأرضة لها – وهي دابة صغيرة تأكل الخشب – فوقع ميتا – فعلم موته بذلك، فكانت الأرضة دالة على موته، وكان قد سأل الله تعالى أن لا تعلم الجن بموته حتى تمضي عليه سنة) (٣).
وقد ذكر المفسرون أوجهاً لسبب طلب سليمان ﵇ من ربه أن يعمي موته على الجن:
فقال جماعة منهم: إنه طلب ذلك حتى يري الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، بخلاف ما كانوا يظنونه من أن الجن تعلم ذلك، وقد كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد.
وقال آخرون: إن طلبه ذلك إنما كان لأن داود ﵇ قد أسس بيت المقدس، فمات ولم يتمه، فأوصى سليمان بإتمام بنائه، فأمر سليمان الجن باتمام بنائه، فلما دنا أجله قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد، وكان قد بقي لاتمامه سنة، فلبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي، واتكأ على عصاه فمات، ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد (٤).
واستنكر بعض المفسرين أن يمكن سليمان ﵇ هذه المدة الطويلة – وهي سنة – دون أن يعلم به أحد من رعيته، وهو أمر لا يمكن أن يحدث مع إنسان عادي، فكيف يكون بنبي يكون له هذا الملك الواسع!.
стр. 3931
وبناء عليه فقد اعتبر هذا النفر أن معنى الآية: أن سليمان حين حان أجله وقضى الله عليه الموت – أي أوجب عليه الموت حين جاء وقته، كان سليمان حين مات قائماً بين الجن وهم بين يديه يعملون له – لم يعلموا بموته، وظلوا يعملون فيما أمرهم به، لم يدلهم على أنه قد مات إلا دابة الأرض التي كانت تأكل منسأته – أي عصاه – التي كان يتكئ عليه. فلما عبثت دابة الأرض بالعصا، زايلت موضعها وسقطت على الأرض، وخر سليمان على الأرض كذلك، وهنا علم الجن أن سليمان قد مات، فأخلوا مكانهم ومضوا إلى حيث يشاءون، ولو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أن سليمان قد مات ولو كان بعيداً عنهم، فكيف وهو تحت سلطانهم وبصرهم؟! (١).
وربما كان السوس مسلطاً على العصا التي يحملها وهو لا يدري، فكان متكئاً عليها في مجلس من مجالسه، لم تتحمل طول اتكائه عليها، فانكسرت به حين مات، وثقل جسمه كما هو الشأن في كل ميت، وكانت الجن تمر عليه فتحسبه أنه في غفوة أو في سنة من النوم (٢).
وبناء على هذا القول في تفسير الآية فإن سليمان ﵇ ما كان ليمكث هذه المدة الطويلة لا يعلم به أحد من رعيته، حتى تكون الأرضة هي التي كشفت ذلك بأكلها للعصا التي كان يتكئ عليها, وقد كان ميتاً قبل سقوطه بزمن طويل.
وعلى الرغم من اختلاف الأقوال في المدة التي أمضاها سليمان ميتاً قبل علم الجن به، إلا أنها تتفق جميعاً على أن موته كان برهاناً على أن الجن مع ما لهم من القدرة على التنقل السريع بين أماكن نائية والانطلاق في آفاق فسيحة، فإنهم لا يعلمون الغيب، وذلك من خلال موت سليمان ﵇، بخلاف ما كانت تظن الجن ويظن الإنس كذلك، أنهم أقدر من الإنسان على النظر البعيد الذي يكشف ما سيأتي به الغد بالنسبة للإنسان، فعلم الغيب لله وحده.
القسم الثاني: وهو ما يتعلق بالعلوم والأخبار التي تتعلق بالأمور المشهودة, أو الإخبار عن الوقائع الماضية.
بالنسبة لهذا القسم فإن الجن يمكن أن تخبر به الإنس، لأن الجن عندهم القدرة على الانطلاق في آفاق فسيحة, والتنقل بين الأماكن البعيدة، لما ميزهم الله بذلك عن الإنسان، فمثلاً: قد يسافر رجل من بلد إلى بد آخر, ويحمل بعض الأغراض معه، فإن الجن بحكم تنقلهم السريع يمكن أن يخبروا شخصاً آخر ممن يتصلون به عن الساعة التي تحرك فيها، وفي أي شيء يركب، وما هي الأغراض التي يحملها فيكون هذا بالنسبة للإنسان غيباً من الغيوب لكونه لم يشاهده، ولم يبلغه بطريق من طرق العلم المعتادة، وأما بالنسبة للجن فهو واقع محسوس، وهو في واقع الأمر ليس من علم الغيب، وإنما هو مشاهدة، حيث كان عن واقع محسوس يراه الجن رأي العين، فهو حضور بالنسبة للجن, ولكنه غيب بالنسبة للإنسان البعيد عن موقع الحدث، حيث يرى الجن – ولا نرى نحن البشر – ما وراء الأبواب الموصدة أو الجدر القائمة ونحوها (٣).
وقد يخبرون الإنس عن الوقائع الماضية بحكم أعمارهم الطويلة التي تزيد على أعمار الإنس، فقد يخبرون شخصاً يعيش اليوم عن حدث وقع قبل مائة عام أو أكثر، وقد يموت الميت ويبقى قرينه من الجن، فيخبرون عن أحوال الميت، وقد حصل من ذلك الكثير كما ذكر ابن تيمية (٤).
وهذا الإخبار من قبل الجن للإنس عن الأحوال الماضية والأمور المغيبة عن الإنسان قد يكون الجني فيها صادقاً وقد يكون كاذباً، إذ أن في الجن من يشبهون الإنس في الصدق والكذب، بل إن صفاتهم بشكل عام تفوق صفات الإنس سوءا.
стр. 3932
ومن جهة أخرى فإنه لا يصح الوثوق بشيء من أخبارهم لانعدام مقاييس تحديد الصادقين والكاذبين منهم بالنسبة إلينا، لكونه عالماً مغيباً عنا، ولفجور من تلقي إليهم الجن بهذه الأخبار، فيذيعونها بدورهم بين الناس، مع ما يصطنعونه من قبل أنفسهم من الكذب.
وكثير من الناس في الجاهلية من كانت الجن تخبرهم ببعض الأمور التي تغيب عن الإنس.
قال ابن تيمية: (والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه، وكذلك مسيلمة الكذاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات, ويعينه على بعض الأمور. وأمثال هؤلاء كثيرون) (١).
وقال في موضع آخر: (والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته من فمن عبد الشمس والكواكب، كما يفعل أهل دعوة الكواكب، فإنه ينزل عليه الشيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، ويسمون ذلك: روحانية الكواكب وهو شيطان.
والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضر أضعاف ما ينفعه، وعاقبة من أطاعه إلى شر، إلا أن يتوب الله عليه، وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب) (٢).
ومن هذا القبيل ما يخبر به بعض من يتصلون بالجن في الوقت الحاضر، حيث تخبرهم الجن عن بعض الوقائع التي تجري في أماكن بعيدة لا يراها الإنس، أو قد يخبرون عن اسم الشخص وما يتعلق بأحواله مما لا يعلمه إلا هو أو بعض المقربين له، فيخبره بهذه الأمور الجني الذي يأتيه، ثم يقوم الشخص بدوره بإخبار ذلك إلى بعض من يدخلون عليه، فيدهش الإنسان لهذه الأمور، وإنما هي في الواقع غيب بالنسبة له، ولمن لا يعلم ذلك من بني جنسه من الإنس الذي لا يعلمون مثل ذلك، ولكنها أمور مشهودة بالنسبة للجن، ووظيفتهم في هذه الحالة نقل هذه الأمور إلى من يخدمونهم من الإنس مقابل طاعتهم لهم، ولذلك فإنك تجد أكثر الذين يتعاملون من الجن مع الإنس تاركين للصلاة والعبادات الأخرى، مهينين للقرآن الكريم، كأن يكتبوه بنجاسة، أو يقلبون بعض الآيات القرآنية، أو يقرأون ويكتبون بعض الطلاسم والأدعية غير مفهومة المعنى، مما يرضاه الجن الكفرة مقابل جلب سحر، أو منع شخص عن زوجته، وغير ذلك مما هو واقع ومشاهد في كل عصر.
ومن هؤلاء من يشترط على الداخل عليهم من الإنس أن لا يقرأ القرآن ولا يذكر اسم الله تعالى، وذلك لأن الشياطين التي يتعاملون معها تهرب عند قراءة القرآن أو سماع ذكر الله، قال ابن تيمية:
(ولهذا من يكون إخباره عن شيطان فإنه لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم, ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم، وتعترف الجن والإنس – الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم – أنهم لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن, ويقولون: أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما تظهر عند الكفار والفجار، وهذا لأن أولئك أولياء الشيطان, ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين, ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية) (٣).
فليحذر المسلم الدخول على أمثال هؤلاء، وليعلم أن الذي يخبرون به ليس من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وإنما هو من الأمور المشهودة للجن والغائبة عن الإنس.
стр. 3933
وإذا كانت الشياطين تخبر الكهان – وأمثالهم ممن يتصلون بالجن ويتعاملون معهم – ببعض الأمور، وقد يكون ذلك صادقاً أو كاذباً، فإنه لا يجوز تصديقهم أو إتيانهم ... وينبغي أن يعلم أن ما تخبر به الأنبياء من الأمور المشهود ليس مما تقدر عليه الشياطين، وإن قدر أنه من جنس ما تقدر الشياطين عليه، فالمميز في هذه الحال بين النبي والكاهن اختلاف حاليهما قولاً وعملاً.
وكذلك بالنسبة للإخبار بالأمور المشهودة، قد تخبر الأنبياء به مالا تقدر الشياطين على الإخبار به كما قال تعالى عن عيسى ﵇: وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: ٤٩].
قال أبو السعود في تفسيره: (أي أخبركم بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها) (١).
وقال ابن تيمية: (وبالنسبة للإخبار بالأمور المشهودة والوقائع الماضية فإن الأنبياء ﵈ يخبرون منه بما لا يمكن للشياطين أن تخبر به، كما في إخبار المسيح في قوله تعالى: وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩]، فإن الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الإنس وبما يدخرونه، لكن الشياطين إنما تتسلط على ما لم يذكر اسم الله عليه، كما إذا دخل الإنسان بيته فإنهم يدخلون معه، وإذا أكل ولم يسم فإنهم يأكلون معه، أو قد يدخر الإنسان شيئاً ولا يذكر اسم الله عليه، فإن الجن تعرفه، وقد تسرق الجن بعض الأموال أو المتاع مما لم يذكر اسم الله عليه.
وأما من ذكر اسم الله على ما تقدم فإنه لا سلطان للجن على ذلك بسرقته أو معرفة مكانه، والمسيح ﵇ كان يخبر المؤمنين بما يأكلون ويدخرون مما ذكر اسم الله عليه والجن لا تعلم به) (٢) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -بتصرف - ص٣٦٧
стр. 3934
تمهيد
طالما سمعنا في هذا القرن عن تحضير الأرواح، حيث ملأت هذه الفكرة الدنيا بضجيجها، وانتشرت انتشاراً سريعاً في الشرق والغرب، وعقدت لها المجالس والمحاضرات والندوات، وألفت فيها كثير من الكتب والمجلات، وأنشئت لها المدارس والجامعات، وآمن بها الكثير في الشرق والغرب من المسلمين وغيرهم، وخاض أنصارها معارك كلامية، ودافعوا فيها عن فكرتهم أمام المنكرين، ومازلنا نعيش آثارها في أيامنا هذه، ونقرأ الكثير عنها.
فكرة مجملة عن تحضير الأرواح:
كانت بداية نشأة هذه الفكرة في أمريكا، حيث حصل سنة ١٨٤٦م أن رجلاً اسمه فيكمان يسكن في قرية هيد سفيل من مقاطعة نيويورك قد سمع ذات ليلة طرقات متعددة على أرض بيته، فذهب ليكتشف الفاعل، فأعيته الحيلة، فصبر على مضض، ولكنه قام ذات ليلة منذعراً من صراخ ابنة صغيرة له، فسألها عما نابها، فزعمت أنها أحست بيد مرت على جسمها وهي في سريرها، فلم ير الرجل بداً من هجر منزله، فخلفه فيه رجل متنور يقال له جون فوكس، فحصل لعائلته ما حصل لسابقتها من الأصوات التي لا تجعل للنوم مساغاً من الجفون، فكانت زوجة جون فوكس تنادي جيرانها، وتستعين في البحث عن الفاعل، فلم يهتدوا إليه، فتجاسرت هذه المرأة ذات ليلة وقالت لذلك الطارق: أحدث عشر طرقات، ففعل، فقالت له: كم عمر ابنتي كاترينه؟ فطرق طرقات على قدر سني عمرها، ثم قالت له: إن كنت روحاً فأحدث طرقتين أيضاً، فأحدثهما، ولم تزل به المرأة حتى علمت بواسطة الطرق أنها روح رجل كان ساكناً في ذلك البيت، فقتله جاره ليسرق ماله ودفنه فيه، فلم يسع زوجة فوكس، إلا استحضار الجيران واستجواب الروح أمامهم، فأجابت بما جعلهم مندهشين مقتنعين في آن واحد، فكان الحال كما أخبرت الروح.
وقد ضبطت الحكومة الأمريكية هذه الواقعة، وأجرتها مجراها القانوني وكلفت لجنة بدراسة هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر التي كانت تحدث بين وقت وآخر، وبحثها القانوني الشهير أدمون، فاعتقد صحتها وألف فيها كتاباً ضخماً سنة ١٨٦٥، وتبعه الأستاذ مايس أستاذ الكيمياء في المجمع العلمي الأمريكي، فنسب حصولها لأرواح الموتى.
ولكن الأمر الذي أحدث الدوي الكبير هو اعتقاد الأستاذ روبيرهار بهذا المذهب، وتأليفه فيه كتاباً سماه الأبحاث التجريبية على الظواهر الروحية، فانتشب الصراع من ذلك اليوم بين المصدقين والمكذبين، ولم يبق عالم ولا كاتب ولا كاهن، إلا وألقى بنفسه في تلك المعمعة، فانتقل هذا المذهب بعد ذلك إلى إنجلترا، ووجد له أنصاراً يدافعون عنه، وعلى رأس هؤلاء أحد رؤساء الجمعية الملكية الانجليزية كروركس، ثم أخذ المذهب بالانتشار إلى أقطار العالم، وأصبح له ملايين من الأتباع وأكثر من مائتي مجلة تدافع عنه وتنشره (١) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٢٥
стр. 3935
المبحث الأول: علاقة الجن بتحضير الأرواح
لقد كانت الشياطين تنزل على الكهنة فتخبرهم بالكلمة من الحق فيكذبون معها مائة كذبة، وكانوا يتراءون لهم في صور مختلفة كما تقدم معنا، ومن صفات الجن التشكل في الصور المختلفة، وبإمكانهم أن يظهروا للإنسان في صورة أشخاص يكون للشخص معرفة مسبقة بهم قبل موتهم، ولقد تمثل الشيطان للمشركين يوم وقعة بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وحرضهم على قتال الرسول ﵇ ثم تولى عنهم بعد ذلك عندما عاين الملائكة، وتمثل الشيطان كذلك لأبي هريرة في صورة شيخ يريد السرقة، ولقد شاهدهم ابن مسعود في صور مختلفة، وفي إحدى الليالي التي كلم فيها ﵊ الجن، رأى ابن مسعود الجن يتقطعون مثل قطع السحاب، ومرة رآهم يتحدرون على الرسول كأمثال النسور والحجل، وغير ذلك مما هو من صفات الجن، ولقد ثبت وجودهم واتصالهم ببني آدم اتصالاً وثيقاً وأنهم يعيشون معهم على الأرض، وأحياناً يدخلون في أجسامهم ويتسلطون عليهم بكيفية لا يعلمها إلا الله.
وبناء على ذلك فإن الجن يمكن أن يتشبهوا بالرياح, والأنوار مختلفة الألوان, وبالسحاب, والدخان, والشخصيات العظيمة، كما يمكن للجن تقليد أي شخصية حية أو ميتة بعد موتها، فأعمارها تزيد على أعمار بني آدم كما في بعض الآثار، كما أن تكليم الجني للإنسان على لسان إنسان أخر أمر ثابت كما تقدم معنا، وتحريك الجني لقلم ليكتب, أوسلسلة ترسم بواسطة قلم أو أثاث حجرة أو غير ذلك مما نسمع عنه أمر ممكن وواقع (١).
فلم لا يكون ما يزعمه دعاة استحضار الأرواح من عبث مردة الجن الذين همهم السخرية ببعض البشر الذين يوافقونهم في أعمالهم؟!. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٤٧
стр. 3936
المبحث الثاني: حكم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح
لقد شاع بين كثيرٍ من الناس من الكتّاب وغيرهم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح، وزعموا أنهم يستحضرون أرواح الموتى بطريقة اخترعها المشتغلون بهذه الشعوذة، يسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب، وغير ذلك من الشئون التي يظن أن عند الموتى علماً بها في حياتهم. ولقد تأملت هذا الموضوع كثيراً فاتضح لي أنه علم باطل، وأنه شعوذة شيطانية يراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على المسلمين، والتوصل إلى دعوى علم الغيب في أشياء كثيرة.
ولهذا رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة لإيضاح الحق والنصح للأمة وكشف التلبيس عن الناس، فأقول: لا ريب أن هذه المسألة مثل جميع المسائل يجب ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فما أثبتاه أو أحدهما أثبتناه، وما نفياه أو أحدهما نفيناه، كما قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:٥٩].
ومسألة (الروح) من الأمور الغيبية التي اختص الله بعلمها ومعرفة كنهها، فلا يصح الخوض فيها إلا بدليل شرعي، قال الله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٧]، وقال سبحانه في سورة النمل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ الآية [النمل:٦٥].
وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بالروح في قوله تعالى في سورة الإسراء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، فقال بعضهم: إنه الروح الذي في الأبدان وعلى هذا فالآية دليل على أن الروح أمر من أمر الله لا يعلم الناس عنه شيئاً إلا ما علمهم الله إياه؛ لأن ذلك أمر من الأمور التي اختص الله سبحانه بعلمها وحجب ذلك عن الخلق، وقد دل القران الكريم والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن أرواح الموتى تبقى بعد موت الأبدان، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .. الآية [الزمر: ٤٢]
وثبت: ((أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نراه انطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا)) (١).
стр. 3937
وثبت عنه ﷺ ((إن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه)) (١).
قال العلامة ابن القيم ﵀: (والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به).
ونقل ابن القيم أن ابن عباس ﵄ قال في تفسير قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢]. (بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها).
ثم قال ابن القيم ﵀: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر). فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات ويكلمونها ويسألونها فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل، بل إن الله هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها وهو القادر على ردها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع. أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة.
стр. 3938
وما يدعيه هؤلاء الدجالون من تحضير الأرواح إنما هي أرواح شياطين يخدمها بعبادتها وتحقيق مطالبها، وتخدمه بما يطلب منها كذباً وزوراً في انتحالها أسماء من يدعونه من الأموات، كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:١٢٨]، وذكر علماء التفسير أن استمتاع الجن بالإنس بعبادتهم إياهم بالذبائح والنذور والدعاء، وأن استمتاع الإنس بالجن قضاء حوائجهم التي يطلبونها منهم، وإخبارهم ببعض المغيبات التي يطلع عليها الجن في بعض الجهات النائية، أو يسترقونها من السمع، أو يكذبونه وهو الأكثر، ولو فرضنا أن هؤلاء الإنس لا يتقربون إلى الأرواح التي يستحضرونها بشيء من العبادة فإن ذلك لا يوجب حل ذلك وإباحته؛ لأن سؤال الشياطين والعرافين والكهنة والمنجمين ممنوع شرعاً، وتصديقهم فما يخبرون به أعظم تحريماً وأكبر إثماً بل هو من شعب الكفر؛ لقول النبي ﷺ : ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) (١)، وفي مسند أحمد والسنن عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٢).
стр. 3939
وقد جاء في هذا المعنى أحاديث وآثار كثيرة، ولا شك أن هذه الأرواح التي يستحضرونها بزعمهم داخلة فيما منع منه النبي ﷺ ؛ لأنها من جنس الأرواح التي تقترن بالكهان والعرافين من أصناف الشياطين فيكون لها حكمها، فلا يجوز سؤالها ولا استحضارها ولا تصديقها، بل كل ذلك محرم ومنكر بل وباطل، لما سمعت من الأحاديث والآثار في ذلك، ولأن ما ينقلونه عن هذه الأرواح يعتبر من علم الغيب، وقد قال الله سبحانه: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل: ٦٥].
وقد تكون هذه الأرواح هي الشياطين المقترنة بالأموات الذين طلبوا أرواحهم فتخبر بما تعلمه من حال الميت في حياته مدعية أنها روح الميت الذي كانت مقترنة به، فلا يجوز تصديقها ولا استحضارها ولا سؤالها كما تقدم الدليل على ذلك. وما يحضِّره ليس إلا الشياطين والجن يستخدمهم مقابل ما يتقرب به إليهم من العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله، فيصل بذلك إلى حد الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة - نعوذ بالله من ذلك -.
ولقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في دار الإفتاء السعودية فتوى عن التنويم المغناطيسي الذي هو أحد أنواع تحضير الأرواح هذا نصها: (التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة باستخدام جني يسلطه المنوِّم على المنوَّم، فيتكلم بلسانه ويكسبه قوةً على بعض الأعمال بسيطرته عليه إن صدق مع المنوم وكان طوعاً له، مقابل ما يتقرب به المنوِّم إليه، ويجعل ذلك الجني المنوَّم طوع إرادة المنوِّم يقوم بما يطلبه منه من الأعمال بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوم، وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي واتخاذه طريقاً أو وسيلة للدلالة على مكان سرقة أو ضالة أو علاج مريض، أو القيام بأي عملٍ آخر بواسطة المنوِّم غير جائز بل هو شرك لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية التي جعلها الله سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم) انتهى كلام اللجنة.
وممن كشف حقيقة هذه الدعوى الباطلة الدكتور محمد محمد حسين في كتابه (الروحية الحديثة حقيقتها وأهدافها) وكان ممن خدع بهذه الشعوذة زمناً طويلاً، ثم هداه الله إلى الحق وكشف زيف تلك الدعوى بعد أن توغل فيها ولم يجد فيها سوى الخرافات والدجل، وقد ذكر أن المشتغلين بتحضير الأرواح يسلكون طرقاً مختلفة، منهم المبتدئون الذين يعتمدون على كوب صغير أو فنجان يتنقل بين حروف قد رسمت فوق منضدة، وتتكون إجابات الأرواح المستحضرة - حسب زعمهم - من مجموع الحروف بحسب ترتيب تنقله فيها، ومنهم من يعتمد على طريقة السلة يوضع في طرفها قلم يكتب الإجابات على أسئلة السائلين، ومنهم من يعتمد على وسيط كوسيط التنويم المغناطيسي.
وذكر أنه يشك في مدعي تحضير الأرواح وأن وراءهم من يدفعهم بدليل الدعاية التي عملت لهم، فتسابقت إلى تتبع أخبارهم ونشر ادعاءاتهم صحف ومجلات لم تكن من قبل تنشط لشيء يمس الروح أو الحياة الآخرة، ولم تكن في يوم من الأيام داعية إلى الدين أو الإيمان بالله. وذكر أنهم يهتمون بإحياء الدعوة الفرعونية وغيرها من الدعوات الجاهلية، كما ذكر أن الذين روجوا لأصل هذه الفكرة هم أناس فقدوا عزيزاً عليهم فيعزون أنفسهم بالأوهام، وأن أشهر من روج لهذه البدعة السيد أوليفر لودج الذي فقد ابنه في الحرب العالمية الأولى، ومثله مؤسس الروحية في مصر أحمد فهمي أبو الخير الذي مات ابنه عام (١٩٣٧ م)، وكان رزق به بعد طول انتظار.
стр. 3940
وذكر الدكتور محمد محمد حسين أنه مارس هذه البدعة فبدأ بطريقة الفنجان والمنضدة فلم يجد فيها ما يبعث على الاقتناع، وانتهى إلى مرحلة الوسيط، وحاول مشاهدة ما يدعونه من تجسيد الروح أو الصوت المباشر ويرونه دليل دعواهم فلم ينجح هو ولا غيره؛ لأنه لا وجود لذلك في حقيقة الأمر، وإنما هي ألاعيب محكمة تقوم على حيل خفية بارعة ترمي إلى هدم الأديان. وأصبحت الصهيونية العالمية الهدامة ليست بعيدة عنها. ولما لم يقتنع بتلك الأفكار الفاسدة وكشف حقيقتها انسحب منها وعزم على توضيح الحقيقة للناس ويقول: (إن هؤلاء المنحرفين لا يزالون بالناس حتى يستلوا من صدورهم الإيمان وما استقر في نفوسهم من عقيدة ويسلمونهم إلى خليط مضطرب من الظنون والأوهام. ومدعو تحضير الأرواح لا يثبتون للرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلا صفة الوساطة الروحية، كما قال زعيمهم أرثر فندلاي في كتابه (على حافة العالم الأثري) عن الأنبياء هم: وسطاء في درجة عالية من درجات الوساطة، والمعجزات التي جرت على أيديهم ليست إلا ظواهر روحية كالظواهر التي تحدث في حجرة تحضير الأرواح).
ويقول الدكتور حسين: (إنهم إذا فشلوا في تحضير الأرواح قالوا: الوسيط غير ناجح أو مجهد أو إن شهود الجلسة غير متوافقين، أو إن بينهم من حضر إلى الاجتماع شاكاً أو متحدياً). ومن بين مزاعمهم الباطلة أنهم زعموا أن جبريل ﵇ يحضر جلساتهم ويباركها - قبحهم الله - انتهى المقصود من كلام الدكتور محمد محمد حسين.
ومما ذكرناه في أول الجواب وما ذكرته اللجنة والدكتور محمد محمد حسين في التنويم المغناطيسي يتضح بطلان ما يدعيه محادثوا الأرواح من كونهم يحضرون أرواح الموتى ويسألونهم عما أرادوه، ويعلم أن هذه كلها أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي ﷺ من سؤال الكهنة والعرافين وأصحاب التنجيم ونحوهم، والواجب على المسئولين في الدول الإسلامية منع هذا الباطل والقضاء عليه وعقوبة من يتعاطاه حتى يكف عنه، كما أن الواجب على رؤساء تحرير الصحف الإسلامية أن لا ينقلوا هذا الباطل وأن لا يدنسوا به صحفهم، وإذا كان لابد من نقل فليكن نقل الرد والتزييف والإبطال والتحذير من ألاعيب الشياطين من الإنس والجن ومكرهم وخداعهم وتلبيسهم على الناس، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو المسئول سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز - ٣/ ٣٠٩ - ٣١٦
стр. 3941
الفصل الثامن: دخول الجني في الإنسي
قد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي وصرعه إياه .... وأنا أذكر لك أيها القارئ ما تيسر من كلام أهل العلم في ذلك إن شاء الله.
بيان كلام المفسرين ﵏ في قوله تعالى:
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، قال أبو جعفر بن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، ما نصه:
(يعني بذلك يخبله الشيطان في الدنيا وهو الذي يخنقه فيصرعه من المس يعني: من الجنون)، وقال البغوي ﵀ في تفسير الآية المذكورة ما نصه: لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، (أي: الجنون. يقال: مُس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنوناً) اهـ.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية المذكورة ما نصه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، (أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً).
وقال ابن عباس ﵁: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق) رواه ابن أبي حاتم (١).
قال: وروي عن عوف ابن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك. انتهى المقصود من كلامه ﵀. وقال القرطبي ﵀ في تفسيره على قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، (في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس). اهـ.
وكلام المفسرين في هذا المعنى كثير من أراده وجده.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين) الموجود في مجموع الفتاوى (١٩/ ٩ - ٦٥) ما نصه بعد كلام سبق: (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع ولم ينكروا وجود الجن، إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: أن الجني يدخل في بدن المصروع، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (قلت: لأبي إن قوماً يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي، فقال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه وهذا مبسوط في موضعه).
стр. 3942
وقال أيضاً ﵀ في (٢٤/ من الفتاوى ص ٢٧٦ - ٢٧٧) ما نصه: (وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) (١).
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: (قلت لأبي إن أقواماً يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع، فقال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه)، وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضرب به جمل لأثر به أثراً عظيماً، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكانٍ إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علماً ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان، وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك). أهـ.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) (٤/ ٦٦ - ٦٩) ما نصه:
(الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه.
وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع وقال: (هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج.
وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها).
إلى أن قال: (وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده، ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم.
وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع: يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً، وأن يكون الساعد قوياً فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعاً! ويكون القلب خراباً من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له.
стр. 3943
والثاني من جهة المعالج: بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً، حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله: (اخرج منه) أو يقول: (بسم الله) أو يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والنبي ﷺ كان يقول: ((اخرج عدو الله أنا رسول الله)) (١).
وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه. ويقول قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردةً فيخرجها بالضرب. فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مراراً ... ) إلى أن قال: (وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عرياناً فيؤثر فيه هذا .. ). انتهى المقصود من كلامه ﵀.
وبما ذكرناه من الأدلة الشرعية وإجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على جواز دخول الجني بالإنسي، يتبين للقراء بطلان قول من أنكر ذلك، وخطأ فضيلة الشيخ علي الطنطاوي في إنكاره ذلك.
وقد وعد في كلمته أنه يرجع إلى الحق متى أرشد إليه فلعله يرجع إلى الصواب بعد قراءته ما ذكرنا، نسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق.
ومما ذكرنا أيضاً يعلم أن ما نقلته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر في (١٤/ ١٠/ ١٤٠٧ هـ) (ص: ٨) عن الدكتور محمد عرفان من أن كلمة جنون اختفت من القاموس الطبي، وزعمه أن دخول الجني في الإنسي ونطقه على لسانه أنه مفهوم علمي خاطئ مائة في المائة. كل ذلك باطل نشأ عن قلة العلم بالأمور الشرعية وبما قرره أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وإذا خفي هذا الأمر على كثير من الأطباء لم يكن ذلك حجة على عدم وجوده، بل يدل ذلك على جهلهم العظيم بما علمه غيرهم من العلماء المعروفين بالصدق والأمانة والبصيرة بأمر الدين، بل هو إجماع من أهل السنة والجماعة، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن جميع أهل العلم، ونقل عن أبي الحسن الأشعري أنه نقل ذلك عن أهل السنة والجماعة، ونقل ذلك أيضاً عن أبي الحسن الأشعري العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشبلي الحنفي المتوفي سنة (٧٩٩ هـ) في كتابه (آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان) في الباب الحادي والخمسين من كتابه المذكور.
وقد سبق في كلام ابن القيم ﵀ أن أئمة الأطباء وعقلاءهم يعترفون به ولا يدفعونه، وإنما أنكر ذلك جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم وزنادقتهم. فاعلم ذلك أيها القارئ وتمسك بما ذكرناه من الحق ولا تغتر بجهلة الأطباء وغيرهم، ولا بمن يتكلم في هذا الأمر بغير علم ولا بصيرة، بل بالتقليد لجهلة الأطباء وبعض أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، والله المستعان .. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز ٣/ ٣٠٢
стр. 3944
المطلب الأول: الأدلة من الكتاب على لزوم الجماعة
لقد وردت في كتاب الله الكريم، آيات تأمر المؤمنين وتحثهم على لزوم الجماعة، والائتلاف، وتبين لهم أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وهي حقيقة جاء تأكيدها في أكثر من موضع في القرآن الكريم.
ولكن لابد لهذا الأصل العظيم من شروط يجب تحقيقها، وضوابط يجب مراعاتها، ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية الجليلة إلا باعتبار تلك الشروط والضوابط.
لذلك جاءت آيات أخرى مبينة للشروط، وموضحة للضوابط، ومن أمثلة ذلك الأمر بإقامة الدين كله، بتوحيد الله ﵎، واجتناب الشرك بكافة أنواعه وفروعه.
ومن ذلك أيضاً الحث على الأخوة الإيمانية، والأمر بالتعاون على البر والتقوى. وقد استنبط العلماء –﵏ من هذه الآيات، المقومات الصحيحة لاجتماع المسلمين وتآلفهم.
وفيما يلي ذكر أهم الأدلة من القرآن الكريم على وجوب لزوم الجماعة:
(الدليل الأول) قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].
ذكر ابن جرير –﵀ بأسانيده عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا. قال: الجماعة (١).
وذكر بأسانيده أقوالاً أخرى عن السلف في تفسير معنى (حبل الله) منها: القرآن، والإخلاص لله وحده، والإسلام (٢).
وهذه الأقوال مؤداها واحد، ونتيجتها واحدة، فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله ﷺ ، كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم وترابطهم وتماسك مجتمعهم.
وقال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: (يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله) (٣).
وقال ابن كثير ﵀: (وقوله وَلاَ تَفَرَّقُواْ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة .. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف).
إلى أن قال: (وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً. وخيف عليهم الافتراق والاختلاف فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه) (٤).
وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: عن عبد الله بن مسعود وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ. قال: الجماعة، روي عنه وعن غيره من وجوه، والمعنى كله متقارب متداخل فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك حيث قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا (٥)
стр. 3945
وقال الشوكاني –﵀: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا. الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل أو استعارة. أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين) (١). وتبين لنا من كلام هؤلاء العلماء الأجلاء المنهج الصحيح الذي يؤدي إلى اجتماع كلمة المسلمين وتآلفهم. فإننا نلاحظ العبارة الدقيقة التي استعملها الطبري ﵀ حيث قال: (والاجتماع على كلمة الحق). فإنه بدون هذا الضابط لا يكون الاجتماع صحيحا.
فلابد من أن يكون أساس الاجتماع هو الحق وكلمة الحق، وهذه الكلمة غالباً ما تطلق على كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ولازمتها (محمد رسول الله) وذلك على فهم السلف الصالح لها بمراعاة شروطها، ولوازمها، وحقيقتها، ومعناها الصحيح مع معرفة نواقضها للاحتراز منها.
ثم نلاحظ أن ابن كثير ﵀ بعد ذكره للاختلاف والفرقة التي حصلت في هذه الأمة، جعل مناط النجاة والفوز أن يكون المسلم متمسكاً بما كان عليه النبي ﷺ ، وصحابته رضوان الله عليهم فيكون بذلك من الفرقة الناجية وذلك لما ورد في حديث الافتراق الصحيح الذي سيأتي تخريجه في الفضل القادم.
ويقول الشوكاني ﵀: (أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن). إذن فهي العودة الصحيحة إلى الينابيع التي قام عليها هذا الدين وهي الكتاب والسنة وما كان عليه سلفنا الصالح.
أما حقيقة الاعتصام بكتاب الله فيوجزها ابن القيم ﵀ (وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم وكشوفاتهم، ومواجيدهم. فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام. فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علماً وعملاً، وإخلاصاً واستعانة، ومتابعة، واستمراراً على ذلك إلى يوم القيامة) (٢).
وأما قوله تعالى في آخر الآية: وَلاَ تَفَرَّقُواْ ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، والانتهاء إلى أمره (٣).
ثم ذكر بسنده عن قتادة في قوله تعالى: وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ. أنه قال: (إن الله قد كره لكم الفرقة وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله) (٤).
وقال القرطبي ﵀ في شأن ما يستنبط من الآية من الأحكام:
(الثانية قوله تعالى: وَلاَ تَفَرَّقُواْ يعني في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم.
стр. 3946
عن ابن مسعود وغيره: ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخواناً، فيكون ذلك منعاً لهم عن التقاطع والتدابر، ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافاً إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، ومازالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون) (١).
وقال القرطبي ﵀: (وقال ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت الله يقول: واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ). إلى أن قال: (فأوجب تعالى علينا التمس بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقاداً وعملاً، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين) (٢).
الذي يتأمل في كلام القرطبي ﵀ وخاصة قوله: (وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقاداً وعملاً، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات) يدرك تماماً أن هذه هي الركيزة والقاعدة الأساسية في اجتماع كلمة المسلمين، وحصول تآلفهم، وأن هذا هو الحل الصحيح لمأساة الفرقة التي وقعت بين المسلمين، وأن أي حل تلفيقي آخر لن ينجح لحل مأساة فرقة المسلمين، مثل محاولة التقريب بين المذاهب العقدية التي طرحها بعض الناس في عصرنا.
وهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران هي الآية الجامعة في هذا الباب، وكفى بها آية عظيمة استطاع المفسرون وعلماء الإسلام أن يستنبطوا منها مقومات الألفة والترابط التي تكفل اجتماع المسلمين وائتلافهم، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف.
الدليل الثاني: قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات: ١٠].
نصت هذه الآية الكريمة على مبدأ عظيم من مبادئ دين الإسلام ألا وهو التآخي في الله والتحابب فيه.
وقد أولى الإسلام هذا الجانب عناية كبيرة، ويعتبر من الدعائم الرئيسية التي تقوم عليها وحدة المسلمين وائتلافهم واجتماعهم. لذلك نجد أن النبي ﷺ ، كان من أول الأعمال العظيمة التي قام بها بعد هجرته إلى المدينة المنورة، هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وقد كان لهذا التآخي عظيم الأثر في وحدة المجتمع المسلم وفي تماسكه وترابطه. يقول الشيخ محمد الصادق عرجون ﵀: "وبهذه المؤاخاة الاجتماعية في الارتفاق والمناصرة، والتعاون والتساعد والتعاضد، والحب في الله ولله الذي جعله النبي ﷺ ، أساساً لهذه المؤاخاة بقوله لأصحابه من المهاجرين والأنصار: "تآخوا في الله، أخوين، أخوين" تم تصحيح تركيب المجتمع المسلم.
والتآخي في الله هو الثمرة الجنية العملية للحب في الله الذي اتخذته الوحدة الإيمانية عنواناً على وجودها في واقع حياة المجتمع المسلم لقوله ﷺ ، في حديث البخاري: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)) (٣).
стр. 3947
وتصحيح تركيب المجتمع المسلم على أساس الحب في الله ولله جعل من هذا المجتمع يداً واحدة، وكلمة واحدة، وعملاً واحداً، وذمة واحدة، ودما واحدا، وفكرا واحدا، ونظاماً واحداً في سياسته ووسائل حياته وتربيته وسلوكه وأخلاقياته، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ ، في الحديث الصحيح الثابت: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)) اهـ (١). (٢).
ولقد عد النبي ﷺ ، الحب في الله من أوثق عرى الإيمان فقال في الحديث الصحيح الذي يرويه عنه ابن عباس ﵄: ((أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله)) (٣).
وقد عد النبي ﷺ ، الحب في الله من الأسباب التي يجد بها المؤمن حلاوة الإيمان، فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وعد منهم: ((رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) (٥).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهما النبيون والصديقون والشهداء)). (٦)
وهكذا نلاحظ أن الأخوة في الله كما أن فضلها عظيم فهي من ركائز الإيمان التي ينبغي لكل مسلم أن يعنى بها.
والناظر في حياة المسلمين اليوم يرى أن هذا المبدأ العظيم قد اعتراه الوهن والضعف وذلك لتفريط المسلمين في حقه وعدم اعتنائهم به أفراداً وجماعات. فنجد على مستوى الأفراد عدم مراعاة حق الجوار حتى إن الجار قد لا يعرف جاره، وعلى مستوى الجماعات حصول القطيعة بين الجماعات التي تسلك طريق الدعوة إلى الله وتنادي بجمع كلمة المسلمين، وهم أولى بجمع كلمتهم وتآلفهم ليكونوا بذلك قدوة لمجتمعاتهم الإسلامية.
الدليل الثالث: قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة: ٧١].
стр. 3948
تقرر هذه الآية الكريمة مبدأ (الولاء) بين المؤمنين والمؤمنات، وهو مبدأ أوسع من المبدأ السابق الذي هو (التآخي). وما التآخي إلا جزء من الولاء، قال الشيخ محمد بن سعيد القحطاني في تعريف الولاء: (الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً) (١).
وإن كان رابط التآخي قد وهن بين المسلمين فهذا الموضوع -وهو الولاء- قد وهن وضعف من باب أولى وذلك لأسباب أهمها:
الأول: تفرق المسلمين إلى فرق وشيع وأحزاب حيث أصبح مبدأ الولاء مرتبطاً بالحزب والجماعة لا بالإسلام وهذا غبش في التصور.
يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: (وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي وغشيت المسلمين بسببها الغواشي) (٢).
الثاني: تكالب المسلمين على الدنيا وتنافسهم عليها مما سبب بينهم الأحقاد والحسد فأصبحت علاقات الناس مبنية على أمور الدنيا ومصالحها الزائلة وهذا انقلاب في المفاهيم.
ولقد حذر النبي ﷺ ، أمته من التنافس على الدنيا وعلل ذلك بأنه سبب للهلاك، وأخبر بأن هذا الأمر قد وقع في الأمم السابقة.
ففي الحديث الذي رواه عمرو بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: ((أبشروا، وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) (٣).
وجاء عن ابن عباس ﵄: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) (٤).
وقد علق الشيخ محمد القحطاني على هذا الأثر –المنقول عن ابن عباس- بقوله: (وفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً.
ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء وله والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) (٥).
إذن فعلاج الوهن الذي أصاب هذا المبدأ الإسلامي العظيم إنما يكون بالرجوع إلى الجماعة وترك الفرقة، وبتحكيم الكتاب والسنة وتدبرهما وفهمهما وبالعودة إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وصحابته رضوان الله عليهم.
الدليل الرابع: قول تعالى: فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ [الأنفال: ١].
وقال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩].
فقد حث في هذه الآيات الكريمات على إصلاح ذات البين، وعلى الإصلاح بين المؤمنين إذا حصل بينهم ما يفرق جماعتهم، وما يكدر عليهم صفو ألفتهم، وما ذلك إلا ليبقى المجتمع المسلم مترابطاً متحاباً متآلفاً.
стр. 3949
وإذا كان فساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، فإن إصلاح ذات البين هو من أعظم القربات إلى الله ، لكن قد ينتبه المسلمون إلى إصلاح ذات البين في الأمور الدنيوية، من نكاح وبيوع وميراث وما إلى ذلك، ويغفلون عن إصلاح ذات البين فيما هو أعظم وأهم ألا وهو الاختلاف فيما لا يجوز الاختلاف فيه بحال وهو أمر الدين نفسه من عقائد وسلوك وعبادات والتي مبناها على النص والتوقيف.
موقف السلف الصالح من إصلاح ذات البين في العقائد والسلوك والعبادة:
إذا نظرنا إلى سيرة سلفنا الصالح في هذا الموضوع نجد نماذج كثيرة من العلماء الأعلام الذين كانت لهم جهود موفقة في رد أهل البدع والمخالفين لأهل السنة إلى الحق.
فها هو ابن عباس ﵄ يذهب إلى الخوارج في عقر دارهم، ويناظرهم، ويزيل شبهاتهم، فيرجع منهم من شاء الله له الهداية والسلامة، ويبقى القليل فقط على بدعتهم لسيطرة أهوائهم عليهم.
وها هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يثبت في الميدان وحده، ويعلن عقيدة السلف ويظهرها في أحلك الظروف وأصعبها، ويناظر خصومه بالكتاب والسنة دون أن يخشى في الله لومة لائم، حتى لو كان الرأي المخالف لأهل السنة يتبناه السلطان، ويفرض على المسلمين فرضا بالقوة (١).
وها هو عبد العزيز الكناني ﵀ لا يصبر لحظة واحدة عندما يسمع بخبر ظهور بدعة بشر المريسي ومن معه في العراق فيسافر من مكة إلى هناك بعد أن استخار الله ولجأ إليه بالدعاء أن يوفقه إلى إظهار الحق وقمع البدعة، وإقامة الحجة على خلقه، وفور وصوله إلى العراق قام بمناظرة المبتدعة جميعاً وهو وحده، فأقام عليهم الحجة، وأظهره الله عليهم، مع أنه كان معرضاً نفسه للقتل إذا لم يستطع إقناع الأمير وإفحام الخصوم.
وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يناظر المبتدعة بكل طوائفهم وفرقهم جماعات وأفراداً، كمناقشته لفرقة البطائحية (٢)، وكمناقشته للبكري، فأفحمهم، وأقام الحجة عليهم، وأظهره الله على خصومه، والتزم السنة خلق كثير، وظهرت السنة وسطع نورها فاستبانت لكل ذي بصيرة، وانتشرت بين الناس، ولازالت مناظراته، وعلمه، ونصرته للسنة يجني المسلمون ثمارها إلى يومنا هذا.
وكم من الأمثلة الكثيرة في تاريخ سلفنا الصالح المضيء لهذه المسألة المهمة ألا وهي إقامة الحجة على الناس ونشر العلم النافع، ونصر السنة، وقمع البدعة، وإصلاح ذات البين إصلاحاً علمياً صحيحاً لا كما ينادي به بعض المصلحين في عصرنا من الإصلاحات التلفيقية العاطفية.
لقد قام العلماء الأجلاء من سلفنا الصالح بواجبهم خير قيام، ونصروا دين الله وأظهروا سنة نبيه ﷺ ، وحاربوا البدع والضلالات. حتى وصل الأمر بهؤلاء العلماء الأفاضل أن جعلوا إظهار السنة ومحاربة البدعة أفضل من التنسك والنوافل من صيام وقيام وما إلى ذلك، وعللوا ذلك بأن التنسك والصيام والقيام يعود نفعه على الشخص نفسه فقط ولا يتعداه إلى غيره، أما نصرة دين الله وإظهار سنة نبيه ﷺ ، وقمع البدع فيعود نفعها ويعم خيرها المسلمين جميعاً.
стр. 3950
وما قام به علماء أهل السنة من نصرة لدين الله يعتبر علماً من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ ، فقد بشر رسول الله ﷺ ، أمته بخبر يفرح له كل من كان متابعاً لسنته وسائراً على هديه ﷺ ، وهو قوله: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله)) (١).
ولنا عبرة عظيمة وعظة بليغة في سيرة سلفنا الصالح ومنهجهم النبوي القويم في الدعوة إلى الله وإبلاغه إلى الناس، وفيما يلي بعض العبر والعظات:
الأولى:
يجب على من أنعم الله عليهم باقتفاء أثر السلف الصالح، والسير على منهج النبوة، ونور الله أفهامهم وبصائرهم، ورزقهم العلم النافع المستقى من مشكاة النبوة ومن النبع الصافي أن يسعوا في إصلاح ذات بين المسلمين الذين مزقتهم الفرق الضالة المبتدعة، ومزقت صفوفهم الحزبيات الضيقة والانتماءات الطائفية.
الثانية:
إن من أوجب الواجبات على العلماء وطلبة العلم في وقتنا هذا وفي كل وقت الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة وإظهار دين الله ، وتبصير المسلمين بدينهم، وحثهم على العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتحذيرهم من البدع والانحرافات والضلالات، وإزالة الشبهات التي زرعها أولئك المبتدعة الضالون بين أفراد المسلمين ومجتمعاتهم، وفي ذلك اقتفاء للأثر وائتساء بمن مضى من خير البشر.
الثالثة:
يجب على العلماء وطلبة العلم إخلاص دعوتهم لله ومن مقتضيات ذلك ولوازمه أن لا يحزبوا الناس حولهم، بل يكون ربطهم للناس بالكتاب والسنة والعقيدة الصحيحة والمنهج السليم، ويكون تعبيد الناس لله رب العالمين.
ولا ينبغي ولا يجوز بحال أن تكون الدعوة إلى حزب أو طائفة أو شيخ معين، فلا معبود بحق إلا الله، ولا متبوع إلا النبي ﷺ ، ولا انتماء إلا إلى الإسلام، ولا سبيل إلا السنة، ولا منهج إلا منهج أهل السنة والجماعة.
الرابعة:
ليثبت كل من كان على الطريق الصحيح والمنهج القويم على ما هو عليه متكلاً على الله، مخلصاً له الدين، مرتقياً في درجات الكمال والتقى فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال أحمد بادي- ص: ١٩
стр. 3951
المطلب الثاني: الأدلة من السنة في الحث على الجماعة والأمر بلزومها
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)) (١).
يقول النووي ﵀ في شرح هذا الحديث العظيم: (وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده, وهو اتباع كتابه العزيز, وحدوده والتأدب بأدبه. والحبل يطلق على العهد, وعلى الأمان, وعلى الوصلة, وعلى السبب, وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم, ويوصلون بها المتفرق, فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور.
وأما قوله ﷺ : ((ولا تفرقوا)) فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين, وتآلف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام) (٢).
لقد اعتبر النووي ﵀ لزوم جماعة المسلمين وتآلف المسلمين فيما بينهم إحدى قواعد الإسلام، وهذه القاعدة التي يؤصلها النووي بناء على ما جاء في الحديث الصحيح، هي قول علماء السلف قاطبة، وسيأتي ذكر بعض النقولات عنهم مما يبين ذلك ويؤكده.
الحديث الثاني:
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي هذه فحملها, فرب حامل الفقه فيه غير فقيه، ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم، إخلاص العمل لله , ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين, فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) (٣).
الحديث الثالث:
خطب عمر ﵁ بالشام فقال: ((قام فينا رسول الله ﷺ ، مقامي فيكم. فقال: استوصوا بأصحابي خيراً، ثم الذين يلونهم, ثم الذين لونهم, ثم يفشوا الكذب حتى يعجل الرجل بالشهادة قبل أن يسألها, وباليمين قبل أن يسألها, فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة, فإن الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد، فمن سرته حسنته, وساءته سيئته فهو مؤمن)) (٤).
ففي هذين الحديثين الأمر الصريح بلزوم جماعة المسلمين، ولقد وقفت على كلام نفيس للإمام الشافعي ﵀ يبين فيه معنى أمر النبي ﷺ ، بلزوم جماعة المسلمين. فبعد ذكر الإمام الشافعي ﵀ لحديث عمر السابق قال:
(قال: فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم؟
- قلت: لا معنى له إلا واحد.
- قال: فكيف لا يحتمل إلا واحداً؟
- قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.
стр. 3952
١٣٢٠ - ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها) (١).
ونستخلص من كلام الشافعي ﵀ أن المقصود بلزوم جماعة المسلمين أن يتحقق في الشخص أمران:
الأول:
أن يتبع ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم. وهذا خاص بأمر الأحكام والمعاملات.
الثاني:
أن يقول بما تقول به جماعتهم. وهذا خاص بأمر الاعتقاد. والله أعلم.
والمقصود هنا الكلام على المراد بمعنى لزوم جماعة المسلمين. أما من هي الجماعة المراد لزومها فسيأتي له مزيد بيان وتفصيل في الفصل القادم من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع:
عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ ، عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي – تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم دعاة على أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: هم من جلدتنا, ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (٢).
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث ((دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)) (قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج, والقرامطة, وأصحاب المحنة, وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم, ووجوب طاعته وإن فسق, وعمل المعاصي) (٣).
ونلاحظ أن النووي ﵀ قد أورد هذا الحديث تحت باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال, وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة (٤).
وقال ابن حجر ﵀ في ثنايا شرحه لهذا الحديث: (قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين, وترك الخروج على أئمة الجور) (٥).
ثم ذكر قول الطبري بأن الأمر هنا في الحديث للوجوب، وساق ما ذكره الطبري من أقوال في المراد بالجماعة، إلى أن قال: (قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزاباً فلا يتبع أحداً في الفرقة, ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر) (٦).
ويتبين لنا من كلام العلماء في شرحهم لحديث حذيفة بن اليمان ﵁ أمور:
الأول: وجوب ملازمة جماعة المسلمين.
الثاني: عدم الخروج على أئمة الجور.
الثالث: اعتزال الفرق عندما لا يكون للمسلمين إمام ولا جماعة.
الحديث الخامس:
стр. 3953
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار)) (١).
الحديث السادس:
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبداً – قال- يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذَّ شذَّ في النار)) (٢).
الحديث السابع:
عن أسامة بن شريك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، قال: ((يد الله على الجماعة, فإذا شذَّ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم)) (٣).
الحديث الثامن:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة, فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) (٤).
الحديث التاسع:
عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((اثنان خير من واحد، وثلاث خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمتي إلا على هدى)) (٥).
الحديث العاشر:
عن كعب بن عاصم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: ((إن الله تعالى قد أجار لي على أمتي من ثلاث: لا يجوعوا، ولا يجتمعوا على ضلالة، ولا يستباح بيضة المسلمين)) (٦).
نلاحظ أن الأحاديث الستة السابقة متقاربة الألفاظ، وقد جعلت التعليق عليها جميعها بعد سردها لهذا السبب، وهي تدل على أمور منها:
الأول:
أنَّ أمة الإسلام لا تجتمع على ضلالة، والمراد هنا هو إجماع العلماء خاصة.
يقول المباركفوري ﵀ عند شرحه لحديث ابن عمر ﵄ السابق: (الحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق, والمراد إجماع العلماء, ولا عبرة بإجماع العوام لأنه لا يكون عن علم).
الثاني:
حثَّ النبي ﷺ ، أمته على الجماعة، وعلى اعتبار أن المراد باجتماع الأمة هو إجماع العلماء، فإن العوام تبع لهم في ذلك, وعليهم متابعة العلماء, وعدم الخروج عما أجمعوا عليه من أمور الدين.
الثالث:
стр. 3954
الوعيد الشديد لمن فارق الجماعة، ويفهم هذا من قول النبي ﷺ : ((ومن شذَّ شذَّ في النار)) (١).
الرابع:
قول النبي ﷺ : ((فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) (٢).
الخامس:
وفي الأحاديث بشرى لمن امتثل أمر رسول الله ﷺ ، بأن لزم الجماعة، ويفهم هذا من وجهين:
الوجه الأول:
بصريح العبارة حيث قال ﷺ : ((يد الله مع الجماعة)) (٣)
الوجه الثاني:
بمفهوم المخالفة حيث قال ﷺ : ((ومن شذَّ شذَّ في النار)) (٤). فدل هذا على أن من لزم الجماعة فهو في الجنة, وقد جاء التصريح بهذه البشرى في حديث عمر ﵁ حيث جاء فيه: ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)) (٥).
الحديث الحادي عشر:
عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجماعة رحمة, والفرقة عذاب)) (٦).
وهذا الأمر العظيم الذي قرره الرسول الكريم ﷺ ، في هذا الحديث الشريف هو من الأصول الإعتقادية لأهل السنة والجماعة, حيث أدرجه الإمام الطحاوي ﵀ ضمن بيان عقيدة أهل السنة والجماعة بقوله: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً) (٧).
الحديث الثاني عشر:
عن الحارث الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ... )). فذكر الحديث بطوله، قال رسول الله ﷺ : ((وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع والطاعة, والهجرة والجهاد في سبيل الله, فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع)) (٨).
стр. 3955
فالأمر بالجماعة والائتلاف هو أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، وأمر من رسول الله ﷺ ، لأمته، والأمر للوجوب كما هو معلوم ومقرر في علم الأصول، وعلى قدر امتثال المؤمنين لهذا الأمر تكون سعادتهم في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة.
وتوجد أحاديث أخرى في الباب تعاضد الأحاديث السابقة وتدل إجمالاً على ما دلت عليه.
فمنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) (١).
ومنها حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم, وتراحمهم, وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٢).
ومن الأحاديث التي رويت مرفوعة بسند ضعيف وصحت موقوفة على ابن مسعود ﵁ ما رواه اللالكائي بسنده عن ثابت بن قطبة قال: (سمعت ابن مسعود وهو يخطب. وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به, وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة) (٣). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال بن أحمد بادي – ص: ٦٥
стр. 3956
الفرع الأول الأدلة من الكتاب على ذم التفرق والتحذير منه
يلاحظ الباحث في آيات القرآن الكريم أن الآيات التي جاءت في ذم الفرقة أكثر عدداً من الآيات التي جاءت في الحث على الجماعة، ولا غرابة في ذلك لأن الجماعة هي الأصل وملازمتها هو الواجب والمطلوب، أما مفارقة الجماعة فأمر طارئ وحادث وهو مع ذلك أمر خطير وشنيع، فلذلك جاءت الآيات الكثيرة التي تحذر منه وتحمل في ثناياها الوعيد الشديد لمن ترك الجماعة وفارقها.
وفيما يلي ذكر هذه الأدلة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧].
قال ابن جرير ﵀ يعني بذلك جل ثناؤه: (ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب، واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعد ما جاءهم البينات، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جرأة على الله، وأولئك لهم يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم، يقول جل ثناؤه: "فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم) (١).
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄: (قوله: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ [آل عمران: ١٠٥]: ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) (٢).
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآيات السابقة: (ينهى الله ﵎ هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم) (٣).
ثم ساق الإمام ابن كثير ﵀ حديث الافتراق الذي رواه الإمام أحمد ﵀ ثم قال: (وقد ورد هذا الحديث من طرق) وذلك إشارة إلى توثيقه وتقويته.
وقال القرطبي ﵀: (فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبتعدين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والخبر كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم: وقد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تجنب المعاصي) (٤).
стр. 3957
وقال الشوكاني ﵀ في تفسير الآية: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ: (هم اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين، وقيل: هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل: الحرورية، والظاهر الأول، والبينات الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة لعدم الاختلاف) (١).
أما قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. فقد قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: (يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة – قاله ابن عباس ﵄ (٢).
والقول الذي ذكره ابن كثير ﵀ عن ابن عباس ﵄ منقول عن الإمام مالك ﵀ كما نص على ذلك الشاطبي بقوله: (وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: ما آية من كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ إلى قوله بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ فرأيته يتأولها لأهل الأهواء. ورواه ابن القاسم وزاد: قال مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة) (٣). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٢٩
الدليل الثاني:
قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].
قال ابن جرير ﵀: (يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها الناس في هاتين الآيتين من قوله: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١]. وأمركم بالوفاء به، هو صراطه، يعني طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده (مستقيماً) يعني: قويماً لا أعوجاج به عن الحق (فاتبعوه). يقول: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجاً تسلكونه فاتبعوه (ولا تتبعوا السبل) يقول: ولا تسلكوا طريقاً سواه، ولا تركبوا منهاجاً غيره، ولا تبغوا ديناً خلافه من اليهودية والنصرانية والمجوسية، وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات (فتفرق بكم عن سبيله) يقول: فيشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق، ولا أديان أتباعكم إياها (عن سبيله)، يعني عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصى به الأنبياء وأمر به الأمم قبلكم) (٤).
ثم ذكر ابن جرير ﵀ بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ يوماً خطاً. فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطاً، فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. ثم ذكر بسنده أيضاً أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ ، في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ... الآية) (٥).
стр. 3958
وقال ابن كثير ﵀: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. وفي قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣]. ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا. قاله مجاهد وغير واحد) (١).
ثم ساق ابن كثير ﵀ حديث ابن مسعود وذكر تخريجه.
وقال الشوكاني ﵀ في تفسير الآية: (قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية، والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد) (٢).
إلى أن قال ﵀: "وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا: قُلْ تَعَالَوْاْ إلى ثلاث آيات، ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه)) (٣). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٣٣
الدليل الثالث:
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩].
ذكر ابن جرير ﵀ أن علي بن أبي طالب قرأ: (فارقوا دينهم) (٤).
قال: "وكأن عليا ذهب بقوله (فارقوا دينهم) خرجوا فارتدوا عنه من المفارقة، وأما الجمهور فقرأوا (فرقوا) (٥). ثم قال: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القراء، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه، وذلك أن كل ضال فلدينه مفارق) (٦).
ثم ذكر بعد ذلك الأقوال عن السلف في المقصودين بتلك الآية. فقال بعضهم: عنى بذلك اليهود والنصارى (٧). ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول (٨) ثم قال: (وقال آخرون: عنى بذلك: أهل البدع من هذه الأمة الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه) (٩). ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول (١٠).
стр. 3959
ثم قال ابن جرير ﵀ في تفسير الآية: (فكان من فارق دينه الذي بعث به ﷺ ، من مشرك ووثني ويهودي ونصراني ومتحنف مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضل به عن الصراط المستقيم والدين القيم، ملة إبراهيم المسلم، فهو برئ من محمد ﷺ ، ومحمد نه برئ، وهو داخل في عموم قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (١). إلى أن قال: (وأما قوله: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ فإنه يقول: أنا الذي إلي أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك دونك، ودون كل أحد إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم، وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم) (٢).
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه (وكانوا شيعاً) أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله قد برأ رسول الله ﷺ ، مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] الآية. وفي الحديث: ((نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد)) فهذا هو الصراط المستقيم هو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برءآء منها كما قال الله تعالى: لَّسْتَ مِنْهُمْ) (٣).
وقال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية: (قوله إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ. قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف هنا وفي سورة الروم، أي خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون: (فَرَّقُواْ) مشدداً، أي جعلوا دين الله وهو واحد، دين إبراهيم ﵇ الحنيفية، أدياناً مختلفة فتهود قوم وتنصر قوم يدل عليه قوله عم وجل: وَكَانُواْ شِيَعًا. أي: صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي، وقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة) (٤). ثم استشهد بحديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فوعظنا موعظة بليغة رفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا: فقال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإن من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)).
ثم ذكر حديث الافتراق. ثم قال: "قوله : لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. قيل: لست من قتالهم في شيء نسختها آية القتال، وهذا على قول من يقول: المراد منه اليهود والنصارى، ومن قال أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله لست منهم في شيء أي أنت بريء منهم وهم منك براء، تقول العرب إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ يعني: في الجزاء والمكافأت، ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ. إذا ردوا للقيامة" (٥).
стр. 3960
وقال الشوكاني ﵀: (قرأ حمزة والكسائيس (فارقوا دينهم) وهي قراءة علي بن أبي طالب، أي تركوا دينهم خرجوا عنه، وقرأ الباقون فرقوا بالتشديد إلا النخعي فإنه قرأ بالتخفيف. والمعنى: أنهم جعلوا ينهم تفرقاً فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه، قيل المراد بهم اليهود والنصارى، وقد ورد في معنى هذا، في اليهود قوله تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ٤]. وقيل المراد بهم المشركون عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة، وقيل الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب لأن اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام، ومعنى شيعاً فرقاً وأحزاباً، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً مجتمعاً، ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ويباين الحق) (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: (يتوعد تعالى، الذين فرقوا دينهم، أي شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيباً من الأسماء، التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً، كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً، ويجعله دينه، ويدع مثله. أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة، من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة.
ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية) (٢). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٣٩
الدليل الرابع:
قال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨ - ١١٩].
قال ابن جرير ﵀: يقول تعالى ذكره: "ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد". كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً. يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.
وقوله: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. يقول تعالى ذكره: (ولا يزال الناس مختلفين إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. ثم اختلف أهل التأويل في الاختلاف الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به، فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء، ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى من بين يهودي ونصراني ومجوسي، ونحو ذلك. وقال قائلوا هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان) (٣).
ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول، فذكر عن عطاء والحسن أقوالهم في ذلك. ثم قال: (وعن مجاهد وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ قال: أهل الباطل. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. قال: أهل الحق) (٤).
ثم ذكر ابن جرير ﵀ بسنده عن قتادة: (قوله وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم) (٥).