← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

٥ - وأما صرف الجمهور لقوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ عن ظاهره بأنه كان من حي من أحياء الملائكة خلقوا من نار السموم، فلم يثبت لنا أن من الملائكة من خلق من النار، بل ورد ما يناقض ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ من أن الملائكة خلقت من نور, وخلق الجان من مارج من نار. وما ذكره البيضاوي في تفسيره من أن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك – غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان، محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف – غير مسلم به، إذ الفرق بين النار والنور أشمل من ذلك، فليس شرطاً أن يكون كل جسم مضيء محرقاً كما أسلفنا. وما زعمه الشيخ محمد عبده من أنه ليس هناك ثمة دليل يفرق بين الملائكة والجن تفريقاً جوهرياً، وإنما هو اختلاف أصناف عندما تختلف أوصاف, فترده الأدلة من القرآن والسنة، فالفرق بينهما واضح في أصل المادة التي خلق كل واحد منهما منها، وفي صفات كل منهما كذلك كما تقدم. وعدم ورود آية في القرآن تدل على المادة التي خلقت منها الملائكة لا يعتبر مسوغاً لاعتبار إبليس واحداً من الملائكة، اعتماداً على الآيات التي تستثني إبليس منهم. ٦ - وأما ما أجاب به القائلون بأن إبليس من الملائكة على قوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ بما ورد من روايات عن بعض السلف كابن عباس وغيره – بما تقدم – فيجيب على ذلك الشيخ الشنقيطي حيث يقول: (وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره – من أنه (أي إبليس) كان من أشراف الملائكة, ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأن اسمه عزازيل – كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها) (١). وذكر ابن كثير رواية عن ابن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة خلقوا من نار السموم يسمون جِنًّا في أثر طويل، قال ابن كثير تعليقاً عليها: (وهذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها) (٢). وذكر الفخر الرازي أن تعليل الجمهور لقوله تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ بأنه – أي إبليس – كان خازناً للجنة تعليل غير جائز، لأن قوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازناً للجنة (٣). ومن ذكر أن معنى قوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ يحتمل أن يكون بمعنى صار، فقد قال الفخر الرازي أيضاً: (هذا خلاف الظاهر، ولا يصار إليه إلا عند الضرورة) (٤) وذكر ابن فورك أن هذا مما ترده الأصول (٥) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٨٦

стр. 3887

تمهيد نصت كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الجن مكلفون بالتكاليف الشرعية، وأنهم مأمورون بفعل الطاعات والقيام بالعبادات، وأنهم منهيون عن ارتكاب المعاصي والمحرمات، وأنهم مختارون لهذا الأمر والنهي، وهذا ما عليه جمهور أهل الإسلام. وهم بهذا كالبشر الذين كلفهم الله بالتكاليف الشرعية أمراً ونهياً (١). وذهب قوم إلى أن الجن مضطرون، أي أنهم غير قادرين على فعل الطاعات أو ارتكاب المنهيات، وعلى هذا الأساس فهم غير مكلفين، وهذا يقتضي عدم الجزاء بالثواب على فعل الطاعات، وعدم الجزاء بالعقاب على ارتكاب المنهيات (٢). وقد نقل القاضي عبد الجبار الهمداني هذا القول عن زرقان الذي حكاه عن بعض الحشوية على ما ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (٣). والصواب الذي لا ريب فيه أن الجن مكلفون أمراً ونهياً، مختارون لهذا التكليف، قال ابن القيم: (الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون، مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر، وإضافة القول إلى المعتزلة بتكليفهم، بمنزلة أن يقال: ذهب المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان، ونحو ذلك مما هو من أقوال سائر أهل الإسلام) (٤). وقال الإمام القرطبي: (إن سورة الرحمن, والأحقاف, وقل أوحي دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون، مأمورون منهيون، معاقبون كالإنس سواء بسواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك) (٥). وقال الفخر الرازي: (وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون) (٦). ونقل مثل هذا القول ابن حجر العسقلاني عن القاضي عبد الجبار الهمداني (٧) , ورجح القاضي عبد الجبار قول الجماعة بعد أن ذكر عن بعض الحشوية قولهم: بأن الجن مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين، ثم قال: (والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي، مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على تكليفهم كثيرة جداً) (٨). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٧٥

стр. 3888

المطلب الأول: الأدلة من القرآن على تكليف الجن وردت آيات كثيرة تدل على تكليف الجن، وهي على أنواع مختلفة هي: ١ - ما جاء من التصريح في الحكمة من خلق الجن والإنس. وذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]. فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة، وعلى هذا وردت أقوال العلماء: قال ابن عباس: (إِلا لِيَعْبُدُونِ أي: إلا ليقروا بعبادتي، طوعاً أو كرهاً)، وهذا اختيار ابن جرير الطبري (١). وورد عن علي بن أبي طالب, وابن جريج, والربيع بن أنس أن معنى قوله تعالى: إِلا لِيَعْبُدُونِ أي إلا لآمرهم بالعبادة، وهو اختيار الزجاج (٢). ويدل على ما تقدم قوله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١] وهي عامة في الجن والإنس. قال ابن كثير: (ومعنى الآية: أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم) (٣). ٢ - ما ورد عن صرف الجن إلى الرسول ﷺ ، واستماعهم للقرآن منه. أ- قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١]. فقد أخبر القرآن الكريم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول ﵊ لاستماع القرآن منه، وسواء كان حضورهم إلى مكة – حيث كان الرسول ﵇ يقرأ القرآن، بعد منعهم من استراق أخبار السماء – أو كان حضورهم بتوفيق من الله هداية لهم، على ما ذكره الإمام الماوردي (٤). فإن في ذلك دلالة على استماعهم للقرآن منه ﵇, وانصاتهم لسماعه. قال ابن القيم: وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩]. الآية، تدل على تكليف الجن من عدة وجوه: أحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. الثاني: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة. الثالث: أنهم قالوا لقومهم: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف: ٣٠]. والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر (٥) اهـ. وقال الألوسي في قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ (وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون) (٦).

стр. 3889

وقال ابن كثير: (وفي هذا دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً ﷺ إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين, وتكليفهم, ووعدهم, ووعيدهم, وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) (١). ب- قوله تعالى في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا – إلى قوله -: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١ - ١٥]. وقد جاءت هذه الآيات إخباراً للرسول ﵊ باستماع نفر من الجن إليه وهو يقرأ القرآن بأصحابه، وذلك بعد أن منع الجن من استراق أخبار السماء، فعرفوا أن هذا المنع ما حصل إلا لشيء قد حدث في الأرض، فجابوا الأرض، فكان النفر الذين أخذوا نحو تهامة في بلاد الحجاز قد مروا على الرسول ﵇ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم منذرين، فأنزل الله تعالى إلى نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ [الجن: ١] (٢) الآية ولم يكن يعلم باستماعهم إليه على الراجح من الروايات في ذلك، وظاهر القرآن يدل عليه. وقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن وأخذهم عهداً على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١ - ٢]، وقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [الجن:١٢]. ففي إيمانهم بالقرآن، ووصفهم له بأنه يهدي إلى الرشد، وعدم إشراكهم بالله، دلالة على أنهم مكلفون، وكذلك مسارعتهم لاستماعه، وذلك في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:١٩]. أي: لما قام رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقرأ القرآن اجتمع الجن عليه متلبدين متراكمين، حرصاً على ما جاء به من الهدى (٣). فقد كانوا فرحين حريصين متأملين عند سماعهم للقرآن، وفي هذا دلالة على كمال عقولهم, وهو يقتضي التكليف، وقد وردت آيات كثيرة تخاطب العقل كقوله تعالى: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ , وقوله: أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ , وقوله: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢]. وفي هذا دلالة على توجه الخطاب للعاقل، وقد تقدم أن الجن مخلوقات عاقلة مريدة مختارة، عندها القدرة على التمييز بين الحق والباطل. ٣ - ما يتضمن التصريح بإرسال رسل إليهم: قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام: ١٣٠].

стр. 3890

ففي هذه الآية خطاب للجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من الله في أنه قد بعث رسلاً إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ (١)، وبذلك يزول العذر وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس، إذ بعث الله رسلاً يوضحون الطريق ويأمرون بعبادة الله, وينهون عن معصيته، ولا شك أن أمر الرسل ونهيهم للجن والإنس هو محض التكليف، قال ابن القيم: (وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ ، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا ﵊ فهي عامة لجميع الجن والإنس) (٢). ٤ - ما يتضمن خطاب الجن والإنس معاً: وذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى بعد الحديث عن نعمه على عباده: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣]، حيث ورد هذا الخطاب في واحد وثلاثين موضعاً من سورة الرحمن، وفيه خطاب للجن والإنس معاً، وفي هذه المواضع امتنان من الله على عباده بهذه النعم التي لا يجحدها إلا كافر. فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((خرج رسول الله ﷺ فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كلما أتيت على قوله: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد)) (٣) قال ابن القيم: (وهذا يدل على ذكائهم, وفطنتهم, ومعرفتهم بمؤنة الخطاب وعلمهم أنهم مقصودون به) (٤) ويقول: (وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول في إثر كل آية: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ , فدل على أن السورة خطاب للثقلين معاً، ولهذا قرأها رسول الله ﷺ على الجن قراءة تبليغ، وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن رداً منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد) (٥). ٥ - ما يتضمن تحدي الثقلين بالإتيان بمثل القرآن: وذلك في قوله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]. فهو تحد للإنس والجن معاً في أن يقدروا على الإتيان بمثل هذا القرآن، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك وتوجه الخطاب بالتحدي للإنس والجن من دون الخلائق دليل على أنهم هم المعنيون بأمر هذا القرآن وما اشتمل عليه من أنواع الإعجاز المختلفة، وفي هذا دليل على تكليف الجن كالإنس. ٦ - ما يتضمن بشارة المؤمنين من الجن بالثواب على أعمالهم, وتحذير الكافرين والعصاة منهم بالعقاب على كفرهم ومعصيتهم في الآخرة: وقد وردت البشارة بالتحذير في مواضع متعددة من القرآن منها:

стр. 3891

أ- قوله تعالى في سورة الأحقاف: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف: ١٨ - ١٩]. فقد أخبر الله في هذه الآيات أن في الجن من حق عليه القول، أي: وجب عليه العذاب مع أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، وفي هذا أبين دليل على تكليف الثقلين، وتعلق الأمر والنهي بهم، ثم قال بعد ذلك: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا أي في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئاً من أعمالهم، فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأمورين بالشرائع، متعبدين بها في الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم في الآخرة في الخير والشر (١). وقوله تعالى كذلك: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩]. والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول ﵊ (٢). ثم ما جاء من أمر هذا النفر من الجن لقولهم بإجابة دعوة الرسول ﵇ المستجابة لمغفرة الله لذنوب الجن ونجاتهم من العذاب، وذلك في قوله تعالى عن هؤلاء النفر: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. والذنب هو مخالفة الأمر وارتكاب النهي، وقوله: وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وهذا يدل على أن من لا يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم، وفيه بشارة لمن آمن بالرسول واستجاب لدعوته، وإنذار لمن كذب وعصى، وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم (٣). ثم عقب تعالى على ذلك بقوله عنهم: وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢]. وهذا تهديد شديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم، قال الإمام الطبري: (يقول تعالى مخبراً عن قيل هؤلاء النفر لقومهم: ومن لا يجب أيها القوم رسول الله محمداً ﷺ وداعيه إلى ما بعثه بالدعاء إليه، وهو توحيده والعمل بطاعته، فليس بمعجز ربه بهربه إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه إلى الإسلام وتركه تصديقه، وإن ذهب في الأرض هارباً، لأنه حيث كان فهو في سلطانه وقبضته، وليس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه) (٤).

стр. 3892

ب- قوله تعالى في سورة الأنعام: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ [الأنعام: ١٢٨]. ثم قوله بعد ذلك: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأنعام: ١٣٠] فهذه الآيات تتحدث عن الجن والإنس وموقفهم من بعضهم بعضاً، واستذكارهم لاستمتاعهم ببعضهم في الدنيا سواء كان بطاعة الإنس للجن فيما يأمرون به من الشهوات، أو التجاء الإنس بالجن عند النزول في واد أو قفر موحش لا أنيس به، وتلذذ بهذه الطاعة من قبل الإنس، التي تشعر بسيادة الجن على الإنس (١) فكان من نتيجة هذا الاستمتاع البعد عن طاعة الله، الذي ترتب عليه الخلود في النار كما نصت عليه الآية الكريمة. وقوله: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ [الأنعام: ١٢٨] فيه خطاب للصنفين، وهو صريح في اشتراكهم في العذاب واشتراكهم في العذاب يدل على اشتراكهم في التكليف. وقوله في الآية الأخرى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا فيه إنذار لهم بالخوف من عذاب ربهم على لسان الرسل الذين بعثوا إليهم، إذ هم تنكبوا الطريق ولم يمتثلوا لهذا الإنذار. ج - قوله تعالى في سورة سبأ إخباراً عن سليمان ﵇: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ: ١٢]. ففي هذه الآية تهديد للجن بالعذاب إذا هم خالفوا أمره تعالى في طاعة نبيه سليمان ﵇ فيما يسخرهم به من القيام بشتى الأعمال التي يأمرهم بها، وهو يدل على تكليفهم، وإلا لما استحقوا العذاب على هذه المخالفة. د – ما جاء في سورة الرحمن من التهديد للجن والإنس في قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣١ - ٤٠].

стр. 3893

فقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن خلق النوعين: الإنس والجن في قوله تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٥]. ثم خاطب الله النوعين بالخطاب المتضمن لاستدعاء الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بآياته، وترغيبهم في وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديده بقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ وتخويفهم من عواقب ذنوبهم وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ [الرحمن: ٤١]. ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم، وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المنهيون المثابون المعاقبون (١). وقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع، قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها, ومجيء الآخرة والجزاء فيها، والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء، والفراغ في اللغة على وجهين: فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد، وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وقد قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاء (٢)). أما قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]. فعلى الراجح من أقوال المفسرين أن هذا خطاب للجن والإنس في الآخرة (٣) عندما يجتمعون في صعيد واحد للحساب، حيث تكون الملائكة قد أحاطت بأقطار الأرض, وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهرباً ولا منفذاً، كما قال تعالى: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٢ - ٣٣]. قال مجاهد: (فارين غير معجزين) (٤). وقال الضحاك: (إذا سمعوا زفير النار ندُّوا هرباً، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: ١٧])، وعلى هذا فيكون المعنى: يا معشر الجن والإنس إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم في الآخرة فافعلوا. وقوله تعالى بعد ذلك: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩]. فيه دليل على إضافة الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سوياً في التكليف (٥). وكذلك ما ورد من الآيات في ذم الشياطين ولعنهم, والتحرز من غوائلهم وشرهم، وذكر ما أعد الله لهم من العذاب، وهذه الخصال لا يفعلها الله تعالى إلا لمن خالف الأمر والنهي، وارتكب الكبائر وهتك المحارم مع تمكنه أن لا يفعل ذلك، وقدرته على فعل خلافه، وهذا كله يدل على أنهم مكلفون (٦).

стр. 3894

هـ - ما جاء في سورة الجن من إخبار الله لنبيه ﵊ من استماع نفر من الجن إليه بقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: ١٣ - ١٧]. ثم التعقيب في أواخر السورة بقوله: إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]. فهو الجزاء من الله للمؤمنين من الجن والإنس على أعمالهم، فإن الله لا يبخس أحداً من عباده على عمل عمله في الدنيا، بالإضافة إلى أن الله لن يحمله في الدنيا أكثر مما يستطيع، أما في الآخرة فإن الله أعد للمسلمين نعيماً مقيماً، لأنهم تحروا الصواب واختاروه عن معرفة وقصد، بعد تبين ووضوح. وأما القاسطون وهم الجائرون الظالمون المجانبون للعدل والصلاح، فهم حطب جهنم جزاء أعمالهم، ولو استقام هؤلاء النفر من الجن والإنس على الإسلام لأسقيناهم ماء موفوراً نغدقه عليهم، فيفيض عليهم بالرزق والرخاء، لنفتنهم فيه ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون (١). وقد دلت هذه الآيات على أن الجن يجزون بأعمالهم خيراً أو شراً، وأنهم لا يعذبون في النار، وهذا مترتب على تكليفهم في الدنيا بفعل الطاعات وترك المعاصي، وإلا لما كان هذا العذاب للعصاة منهم، والثواب للطائعين منهم كذلك. ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الجن مكلفون بنص القرآن، وأنهم هم والإنس في ذلك سواء، وأنهم سيحاسبون على هذا التكليف في الآخرة، فإن أحسنوا فلهم الجنة، وإن أساءوا فالنار مثواهم جزاء عادلاً من الله سبحانه. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٧٦

стр. 3895

المطلب الثاني: الأدلة من السنة وردت كثير من الأحاديث التي تثبت تكليف الجن، وأن رسول الله ﷺ قد قرأ عليهم القرآن، وأنهم مكلفون بالإيمان برسالته، فمن هذه الأحاديث: ١ - أخرج مسلم في صحيحه من حديث عامر قال: ((سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه. فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير أواغتيل. قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه. فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد. فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحماً. وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم)) (١). فقد دل هذا الحديث أن رسول الله ﷺ قد أتاه داعي الجن في إحدى الليالي، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن. وقراءته – ﵇ – القرآن على الجن تدل على أنهم مكلفون بهذا الكتاب كما كلف به الإنس. عن ابن عباس ﵄ قال: (ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١ - ٢]. فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١]) (٢). فقد دل هذا الحديث على استماع الجن للقرآن وتعجبهم منه. ثم انطلاقهم إلى قومهم منذرين بهذا القرآن، ولا شك أن هذا يدل على تكليفهم، وإلا لما انطلقوا إلى أقوامهم محذرين من عدم الإيمان به، وهو ظاهر في تعلق الشريعة بهم.

стр. 3896

٣ - روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ((أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط عليَّ خطاً فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر)) (١) فقوله ﵊: ((أمرت أن أتلو القرآن على الجن)) فيه دليل على تكليف الجن، حيث أمره الله سبحانه بقراءته عليهم، ثم قوله في الحديث: ((هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين)) فيه دليل على تكليفهم كذلك، بعد استماعهم للقرآن انطلقوا منذرين محذرين من الأعراض عن كتاب الله، ولا يكون هذا إلا فيمن كلفهم الله بالإيمان به والتبليغ لدينه. ٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم. ونصرت بالرعب. وأحلت لي الغنائم. وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً. وأرسلت إلى الخلق كافة. وختم بي النبيون)) (٢). قال السبكي: (ومحل الاستدلال قوله: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)) فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل، فلا يجوز) (٣). ثم يقول: (حديث مسلم الذي استدللنا به أصرح الأحاديث الدالة على شمول الرسالة للجن والإنس) (٤). وجاء من طرق هذا الحديث ما ورد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((أرسلت إلى الجن والإنس، وإلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم دون الأنبياء، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً)) (٥). قال السبكي: (وهذا الحديث أصرح من حديث مسلم، لكنه ليس في الصحة مثله) (٦). هذا وقد تكررت وفادات الجن على الرسول ﷺ ، وقد ذكر الألوسي أنها ست وفادات كما تقدم. وفي إحدى المرات التي قرأ الرسول ﵇ القرآن عليهم تبعه رجلان منهم وهو يصلي بأصحابه، فصليا بصلاته، وهذا صريح في تكليفهم. والأحاديث الواردة في قراءة الرسول ﵊ القرآن على الجن، تفيد أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، ومحاسبون على أفعالهم، واجتماع هذه الروايات مع بعضها آكد في دلالتها على تكليف الجن من دلالتها على تكليفهم في حال انفرادها .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبيدات – ص: ١٨٨

стр. 3897

المبحث الثاني: جنس الرسل المبعوثة إلى الجن هل بعث إلى الجن رسل منهم، أم أن الرسل المبعوثين إليهم من الإنس فقط؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن رسل الجن هم من البشر، ولم يبعث إلى الجن رسول منهم، وهو رأي الجمهور من العلماء (١). الثاني: أنه ليس في الجن رسل ولكن منهم نذر عن الرسل، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج وأبو عبيد (٢). الثالث: أنه قد بعث إلى الجن رسل منهم، وهو رأي مقاتل والضحاك (٣) وابن حزم الأندلسي (٤). والذي ينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الجمهور والضحاك ومن معه متفقون على أن محمداً ﷺ مبعوث إلى الجن والإنس معاً، وإنما الاختلاف بينهم في أنه هل بعث إلى الجن رسل من جنسهم قبل مبعث نبينا محمد ﵊ أم لا؟ فالضحاك ومن معه يقولون: بأنه قد بعث إلى الجن رسل منهم قبل نبينا ﵇، والجمهور على خلافه، قال السبكي: (ومن نقل عن الضحاك مطلقاً أن رسل الجن منهم فهو محمول على هذا التقييد -أي قبل نبينا ﵇ ولم ينقل أحد عنه أن ذلك في هذه المسألة، وإن توهم أحد ذلك عليه فقد أخطأ، ويجب عليه النزوع وعدم اعتقاده، وأن لا ينسب إلى رجل عالم ما يخالف الإجماع، فيكون قد جنى عليه جناية يطالبه بها بين يدي الله تعالى) (٥) وقال: (ولم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة، وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة، وأما في هذه الملة فمحمد ﷺ هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، والاستدلال بالإجماع في ذلك صحيح) (٦). وإليك تفصيل هذه الأقوال مع ذكر أدلتها: القول الأول: وهو قول الجمهور بأن رسل الجن هم من البشر وليسوا من الجن. قال السبكي: (كونه ﷺ مبعوثاً إلى الإنس والجن كافة، وأن رسالته شاملة للثقلين، فلا أعلم فيه خلافاً، ونقل جماعة الإجماع عليه) (٧). وقال ابن نجيم:

стр. 3898

(الجمهور على أنه لم يكن من الجن نبي) (١) , وقال ابن حجر الهيتمي: (وجمهور الخلف والسلف أنه لم يكن فيهم رسول ولا نبي خلافاً للضحاك) (٢). وقال في موضع آخر: (ولم يبعث إليهم نبي قبل نبينا قطعاً على ما قاله ابن حزم) (٣). وإيمان الجن بالتوراة كما يدل عليه أواخر سورة الأحقاف كان تبرعاً كإيمان بعض العرب من قريش وغيرهم بالإنجيل، إذ لم يثبت أن موسى أرسل لغير بني إسرائيل والقبط، ولا أن عيسى أرسل لغير بني إسرائيل (٤). وقال القاضي بدر الدين الشبلي: (وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً على أنه لم يكن من الجن قط رسول، ولم تكن الرسل إلا من الإنس، ونقل معنى هذا عن ابن عباس, وابن جريج, ومجاهد, والكلبي, وأبي عبيد, والواحدي) (٥). وقال ابن مفلح الحنبلي: (وليس منهم رسول، ذكر القاضي، وابن عقيل وغيرهما) (٦) وقال ابن القيم: (ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولاً ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجن وهم: الرسل, والأنبياء, والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حليتهم الصلاح) (٧). أدلة الجمهور: استدل الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع: أولاً: الأدلة من الكتاب: ومنها: ١ - قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلى [الأنعام: ١٣٠]. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: مِّنكُمْ وإن كانت الرسل من الإنس، وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث، وفي التنزيل: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذاب، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن، فمعنى: (منكم) أي: من أحدكم، وكان هذا جائزا، لأن ذكرها سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد، في شأن الثواب والعقاب – خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة، كأنهم جماعة واحدة، لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب والعقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، فمنهم مؤمن وكافر، وعدونا إبليس عدو لهم يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وففيهم أهواء: شيعة, وقدرية, ومرجئة, يتلون كتابنا) (٨). وقال الألوسي: (ومنكم أي من جملتكم، لكن لا على أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم، ولا على أن أولئك الرسل ﵈ من جنس الفريقين معاً، بل على أن يأتي كل أمة رسول خاص بها، وعلى أن تكون من الإنس خاصة، إذ المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء، ونظيره في هذا قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، فإنهما إنما يخرجان من الملح فقط. والفراء قدر مضافاً لذلك: أي من أحدكم) (٩). وهذا هو تأويل الآية عند فريق من الجمهور، وهو منقول عن الكلبي وطائفة من السلف (١٠). ٢ - قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف: ١٠٩].

стр. 3899

قال القرطبي: (وهذا رد على القائلين: وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: ٨]. أي: أرسلنا رجالاً ليس فيهم امرأة, ولا جني, ولا ملك .. قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية قط, ولا من النساء, ولا من الجن .. قال العلماء: من شرط الرسول أن يكون آدميا مدنياً، وإنما قالوا آدمياً تحرزاً من قوله: يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]. والله أعلم) (١). وقال ابن القيم في الآية: (فهذا يدل على أنه لم يرسل جنياً, ولا امرأة, ولا بدوياً، وأما تسميته تعالى الجن رجالاً في قوله: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]. فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: مِّنَ الْجِنِّ فهم رجال من الجن، ولا يستلزم دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة, ورجال من خشب ونحوه) (٢). ٣ - قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣]. وقوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧]. وذلك إخباراً عن إسماعيل ﵇. فهذه الآيات قد أخبرت أن الله قد جعل النبوة في الرجال من البشر، ولو كان في الجن رسل وأنبياء لأخبر القرآن بذلك، والآيات السالفة إخبار من الله عن إبراهيم ﵇ أن الله قد جعل النبوة في ذريته من بعده، قال القرطبي: (فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من صلبه) (٣). ٤ - قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان: ٢٠]. فقد أخبر الله نبيه ﵊ أن الرسل الذين بعثهم قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، والمقصود بذلك أنهم بشر، وليس في الآية ما يدل على بعث الرسل من خلاف الإنس. ٥ - قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣]. قال الفخر الرازي: (وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء فقط) (٤)، فلا يدخل فيه الجن أو غيرهم من البشر.

стр. 3900

٦ - مجموع الأدلة التي دلت على أن نبينا محمداً ﷺ قد بعث إلى الجن، وهي كثيرة جداً، وقد تقدمت، وهذه الأدلة تفيد أن الرسل المبعوثين إلى الجن هم من البشر، كما هو الشأن في رسالة نبينا إلى الثقلين، حيث كانت دعوته ﵇ شاملة للإنس والجن جميعاً، قال ابن تيمية: (يجب على الإنسان أن يعلم أن الله أرسل محمداً ﷺ إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته .. وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى، كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة وغيرهم ﵃، لم يخالف أحد من طوائف المسلمون في وجود الجن ولا في أن الله أرسل محمداً ﷺ إليهم) (١). وقال أيضاً: (والآيات التي أنزل الله على محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن، إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجوداً في العرب، فليس شيء من الآيات مختصاً بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين) (٢) وقال ابن حجر الهيتمي: (وقد تساهل من قال: بأن رسالته ﷺ – إلى الجن – اشتهرت اشتهاراً قريباً من الضروري بآيات القرآن، وشهرة عموم رسالته تدل على ذلك كمنكر الإجماع، وفي كفره خلاف مذكور في الأصول) (٣). والأدلة على إرسال نبينا ﵊ إلى الجن إنما تفيد أن الرسل من البشر، ولو كان رسل الجن منهم لما كلف نبيه بقراءة القرآن عليهم وتبليغهم وإنذارهم، ولكانت هذه من مهمة رسول الجن إليهم. ٧ - قوله تعالى: إخباراً عن النفر من الجن الذين ولوا إلى قومهم منذرين بعد سماعهم القرآن من الرسول ﵇: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]. والذي نفهمه من هذه الآية أن هذا النفر من الجن كان منهم من آمن بموسى ﵇، مما يدل على أنه مرسل إليهم، قال القرطبي: (عن ابن عباس: أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى .. قال مقاتل: ولم يبعث الله نبياً إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ (٤) وفي هذا دليل على أنه لم يبعث إلى الجن رسولاً منهم. ثانياً: الأدلة من السنة: أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود .. )) الحديث (٥). فإخباره ﵊ أن كل نبي من الأنبياء السابقين كان يبعث إلى قومه خاصة فيه دليل على أن الجن لم يبعث إليهم رسول منهم، وذلك أن القوم في اللغة: هم جماعة الرجل من الرجال والنساء، فتخصيص الحديث بعث الرسل السابقين إلى أقوامهم بقوله: ((إلى قومه)) فيه دليل على أنهم جماعة ذلك النبي من الناس دون الجن، إذ لم يعهد في اللغة إطلاق لفظ القوم على جماعة الرجل من الجن.

стр. 3901

وقوله ﵊ بعد ذلك: ((وبعثت إلى كل أحمر وأسود)) فيه مزيد بيان لما قلناه، حيث إن رسالة من قبله من الأنبياء كانت لأقوامهم من البشر خاصة، وامتاز نبينا ﵊ على غيره من الأنبياء بأنه قد بعث إلى الجن والإنس جميعاً، كما نص على ذلك الحديث المتقدم، وفي هذا دلالة على أنه لم يكن في الجن رسل منهم. وأما من ذكر بأن الرسل السابقين قبل نبينا ﵊ كانوا يبعثون إلى الإنس والجن جميعاً – كما ذكر الكلبي – فإن ذلك معارض بالحديث المتقدم، حيث اختص الرسول ﵇ على غيره من الأنبياء بأنه بعث إلى الجن والإنس جميعاً، ولم يحصل هذا لغير نبينا ﵊. ثالثاً: الإجماع: قال الألوسي: (وادعى بعض قيام الإجماع على أنه لم يرسل إلى الجن رسل منهم، وإنما أرسل إليهم من الإنس) (١). ولكن الفخر الرازي اعترض على هذا الإدعاء فقال: (وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع وهو بعيد، لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف) (٢)؟ القول الثاني: بأن في الجن نذراً، وليس منهم رسل، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم من السلف ... قال القرطبي: (وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي كما قال: وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) ثم قال: (وقال مجاهد: الرسل من الإنس والنذر من الجن ثم قرأ: إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) يقول القرطبي: (وهو – أي قول مجاهد – معنى قول ابن عباس، وهو الصحيح) (٣) وقال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر) (٤) وقال الإمام الطبري: (عن ابن عباس وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩]، قال كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم) (٥). وقال السبكي: (والذين خالفوا الضحاك في تمسكه بظاهر قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ [الأنعام: ١٣٠]. إنما يؤلون هذه الآية، فقد قال ابن عباس ومجاهد وابن جريج وأبو عبيد: معناه: أن رسل الإنس رسل من الله إليهم، ورسل الجن قوم من الجن ليسوا رسلاً عن الله، ولكن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام رسل الله، الذين هم من بني آدم، وجاءوا إلى قومهم من الجن فأخبروهم، كما اتفق للذين صرفهم الله إلى النبي ﷺ واستمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، فهم رسل عن الرسل، لا رسل عن الله تعالى، ويسمون نذراً، ويجوز تسميتهم رسلاً، لتسمية رسل عيسى رسلاً في قوله تعالى: إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ [يس: ١٤] وجاء قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ على ذلك، فالرسل على الإطلاق من الإنس، وهم رسل الله، والنذر من الجن، وهم رسل الرسل ويجوز تسميتهم رسلاً) (٦). وهذا القول هو التوجيه الآخر لفريق من الجمهور لقوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ وعلى هذا الأساس فهو لا يخالف رأي الجمهور، بل يؤيده ويدعمه. وبناء على ما تقدم فإن القولين معناهما واحد، وهو أنه لم يبعث إلى الجن رسل منهم إلى الرسل من الإنس فقط، وأدلة الفريق الثاني هي نفس أدلة الفريق الأول.

стр. 3902

القول الثالث: القائلون بأن في الجن رسلاً منهم، وهو قول الضحاك، وذكر القرطبي ذلك عن مقاتل ﵀ فقال: (وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلاً من الجن كما أرسل من الإنس) (١). وذكر الإمام الطبري أنه يوجد غير الضحاك من القائلين بهذا القول فقال: (وأما الذين قالوا بقول الضحاك فإنهم قالوا: إن الله أخبر أن من الجن رسلاً أرسلوا إليهم، كما أخبر أن من الإنس رسلاً أرسلوا إليهم) (٢). فلعل ابن جرير قصد مقاتلاً ﵀. ونقل الألوسي أن الذين ذكروا بأن من الجن أنبياء منهم قد صرحوا بأن رسولاً منهم يسمى يوسف (٣). وقال ابن حزم: (ولم يبعث إلى الجن نبي من الإنس البتة قبل محمد ﷺ ، لأنه ليس الجن من قوم إنسي، وباليقين ندري أنهم قد أنذروا، فصح أنه جاءهم أنبياء منهم قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) (٤). أدلة هذا الفريق: استدل هذا الفريق على ما ذهب إليه بما يلي: ١ - قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ. قال الشوكاني: (وظاهره أن الله بعث في الدنيا إلى الجن رسلاً منهم، كما بعث إلى الإنس رسلاً منهم) (٥). وقال ابن حجر الهيتمي: (وظاهر القرآن يشهد للضحاك، والأكثرون في خلافه) (٦). وقال الألوسي: (وظاهر الآية يقتضي إرسال الرسل إلى كل من المعشرين من جنسهم) (٧). ووجه استدلال الضحاك بهذه الآية: أن الله خاطب الجن والإنس بأنه قد بعث إليهم رسلاً منهما، بدليل قوله تعالى: مِّنكُمْ وهو يقتضي بعث الرسل إلى الجن منهم وبعث الرسل إلى الإنس منهم كذلك. ٢ - وذكر الفخر الرازي أن الضحاك احتج بقوله بإرسال الرسل إلى الجن منهم بقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. ويقول: (ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]. قال المفسرون: السبب في استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس، إذا ثبت هذا المعنى فهذا السبب حاصل في الجن، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن) (٨). ٣ - قال ابن حجر الهيتمي: (وما يدل لما قاله الضحاك ما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]. قال: سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى) (٩) (١٠). ٤ - ذكر ابن نجيم أن الضحاك وابن حزم احتجا على أنه كان من الجن نبي بقوله ﵊: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة)) (١١) الحديث. قال: (وليس الجن من قومه، ولا شك أنهم أنذروا، فصح أنه جاءهم أنبياء منهم) (١٢). القول الراجح: يتبين لنا مما تقدم من أدلة الفريقين أن قول الجمهور هو القول الراجح، وذلك للأدلة التي اعتمدوا عليها .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٠٩

стр. 3903

تمهيد وإذا كان الجن مكلفين بالإيمان بالله وطاعته فلا شك أن مؤمنهم يستحق الثواب، وأن كافرهم يستحق العقاب، جزاء لكل منهم حسب عمله. وقد تحدثت آيات القرآن الكريم عن ثواب الجن وعقابهم في مواضع متعددة، جامعة بينهم وبين الإنس: قال تعالى مخاطباً الجن والإنس: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٦]. وقال: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٥٦ - ٥٧]. وقال: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. وقال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. وقال: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ثواب الجن وعقابهم بحسب أعمالهم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٣٥

стр. 3904

المطلب الأول: جزاء كافرهم في الآخرة قد اتفق الجمهور على أن كفارهم يعذبون في النار قال ابن القيم: (وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار، وقد دل على ذلك القرآن في غير موضع كقوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]، وقوله: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥]، فملؤها منه – أي إبليس به وبكفار ذريته. وقال تعالى: قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ [الأعراف: ٣٨]). إلى أن يقول: (وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار في دين الإسلام) (١). وقال: (ولما كان أبوهم – أي إبليس – هو أول من دعا إلى معصية الله، وعلى يده حصل كل كفر وفسوق وعصيان فهو الداعي إلى النار، وكان أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة، يسحبها وينادي: واثبوراه، فأتباعه من أولاده وغيرهم خلفه ينادون: واثبوراه، حتى قيل: إن كل عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه ثم يصير إليهم) (٢). وقال ابن حجر الهيتمي: (واعلم أن العلماء اتفقوا على أن كافرهم يعذب في الآخرة) (٣)، قال الألوسي في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨]. (أي: والله لقد علمت الشياطين – أي جنسهم – أن الله تعالى يحضرهم، ولابد من النار ويعذبهم بها، ولو كانوا مناسبين له تعالى أو شركاء في استحقاق العبادة أو التصرف لما عذبهم سبحانه) (٤). وقال الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: ٢٥]. (عن السدي: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وحق على هؤلاء الذين قيضنا لهم قرناء من الشياطين، فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم العذاب في أمم قد مضت قبلهم من ضربائهم، حق عليهم من عذابنا مثل الذي حق على هؤلاء: بعضهم من الجن، وبعضهم من الإنس إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ أن تلك الأمم الذين حق عليهم عذابنا من الجن والإنس كانوا مغبونين ببيعهم رضا الله ورحمته، بسخطه وعذابه) (٥). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٣٥

стр. 3905

المطلب الثاني: جزاء مؤمنهم في الآخرة وأما بالنسبة لثواب مؤمنيهم في الآخرة: فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنه لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ثم يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم. وهو قول أبي حنيفة، وحكاه سفيان الثوري عن الليث بن أبي سليم، وهو رواية عن مجاهد، وبه قال الحسن البصري. قال ابن القيم: (وحكى عن أبي حنيفة وغيره أن ثوابهم نجاتهم من النار) (١). وقال الماوردي: (وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على النار خلاصاً منها، ثم يقال لهم: كونوا تراباً كالبهائم) (٢). وقال القرطبي: (وقال أبو حنيفة: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم كونوا تراباً كالبهائم) (٣). وذكر الشوكاني عن أبي الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: (مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن أخرج أباهم من الجنة، فلا يعيده ولا يعيد ولده) (٤). وقال ابن نجيم: (واختلف العلماء في حكم مؤمن الجن: فقال قوم: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ (٥). وعن الليث: (ثوابهم أن يجاروا من النار ثم يقال لهم: كونوا تراباً كالبهائم، وعن أبي الزناد كذلك) (٦). وقال الحسن: (ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار) (٧) وذكر القرطبي في رواية عن مجاهد أن الجن لا يدخلون الجنة وإن صرفوا عن النار (٨). أدلة هذا الفريق: استدل هذا الفريق بقوله تعالى إخباراً عن النفر من الجن الذين استمعوا القرآن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. ووجه استدلالهم بها: أن المغفرة للذنوب لا تستلزم الإثابة لأنه ستر، والإثابة بالوعد فضل (٩). وقال ابن القيم: (واحتج هؤلاء بهذه الآية فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم) (١٠). والآية قد دلت على إجارتهم من النار ولم تذكر دخولهم الجنة، أو الثواب على أعمالهم. القول الثاني: أنهم يثابون على الطاعة بدخول الجنة، على خلاف في حالهم فيها، نقله ابن حزم عن الجمهور، وممن قال به الضحاك وابن عباس، وهو قول الخليفة عمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الأئمة: مالك, والشافعي, وأحمد, وأصحابهم (١١). وابن أبي ليلى, والأوزاعي، ورجحه القرطبي، وهو قول أكثر المفسرين. القول الثالث: التوقف في المسألة. قال الألوسي: (قال الكردي: وهو في أكثر الروايات. وفي فتاوى أبي إسحاق الصفار أن الإمام – أبا حنيفة – يقول: لا يكونون في الجنة ولكن في معلوم الله تعالى، لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من العذاب، أما نعيم الجنة فموقوف على الدليل) (١٢). وقال القشيري: (والصحيح أن هذا – أي دخولهم الجنة – مما لم يقطع فيه بشيء والله أعلم) (١٣). لكن الجمهور من المسلمين القائلين بثواب المؤمنين من الجن في الآخرة اختلفوا في كيفية الثواب؟: ١ - فقد ذهب الأكثرون منهم إلى أنهم في الجنة ويصيبون من نعيمها (١٤).

стр. 3906

٢ - ونقل عن الخليفة عمر بن عبد العزيز أنهم يكونون في ربض الجنة، وذكره الألوسي عن الإمام مالك وطائفة من العلماء (١). وقال ابن تيمية: (وروي في حديث رواه الطبراني: أنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم الإنس من حيث لا يرونهم) (٢). وذكر ابن القيم أن سهل بن عبد الله قال: بأنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم (٣). - وقال جماعة: أنهم على الأعراف بين الجنة والنار، ذكره الألوسي (٤) ومقتضى هذا القول أنهم يدخلون الجنة فيما بعد، إذ أن هذا هو نهاية أصحاب الأعراف. - وفي رواية ذكرها ابن نجيم عن الضحاك أنهم يلهمون التسبيح والذكر، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة (٥). ولكن ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم أن الضحاك قال بأن الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون (٦). وهو ما نقله الفخر الرازي عنه إذ يقول: (قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل على صحة هذا القول: أن كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن) (٧) وعقب الفخر الرازي على ذلك بقوله: (والفرق بين البابين بعيد) (٨) أي ثواب الإنس وثواب الجن. وقال القرطبي: (واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما: وهو قول الحسن: يدخلونها. الثاني: وهو رواية مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار، حكاه الماوردي) (٩). القول الراجح مما تقدم: والراجح – والله أعلم – أن الجن يثابون على أعمالهم, ويدخلون الجنة, ويصيبون من نعيمها، وذلك لأن ظواهر الآيات الواردة في جزاء الجن في الآخرة تقتضي ذلك. لأنها جاءت عامة في استحقاق المحسنين لجزاء أعمالهم، ولم يرد دليل يخصصها، فتبقى على عمومها، وهو مذهب أكثر الفقهاء.

стр. 3907

قال الفخر الرازي: (والصحيح أنهم في حكم بني آدم، فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة) (١). وقال الألوسي: (وعموميات الآيات تدل على الثواب) (٢). وقال ابن حجر الهيتمي: (والصحيح الذي قاله ابن أبي ليل, والأوزاعي, ومالك, والشافعي, وأحمد, وأصحابهم ﵃، أنهم يثابون على طاعتهم) (٣). وقال الشوكاني: (وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: الخلق أربعة: فخلق في الجنة كلهم، وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالإنس والجن، لهم الثواب, وعليهم العقاب) (٤). وقال النووي في شرح صحيح مسلم: (والصحيح أنهم يدخلونها ويتنعمون فيها بالأكل والشرب وغيرها، وهذا قول الحسن البصري, والضحاك, ومالك بن أنس, وابن أبي ليلى وغيرهم) (٥). وقال ابن القيم: (وأما الجمهور فقالوا: مؤمنهم في الجنة كما أن كافرهم في النار) (٦). وأيضا فقد تقدم القول بتكليفهم فيكون الواجب عليهم كالواجب علينا وهو ما فيه ثواب، ولا ثواب في الآخرة إلا الجنة. وأما القول: بأنه لا جزاء لهم إلا الجنة محتجاً بقوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. فمن الواضح أنه لا يلزم من الاقتصار على ذكر المغفرة والنجاة من العذاب نفي ثوابهم، كيف وقد ثبت بالأدلة المتعددة ثوابهم وتنعمهم بالجنة كما سيأتي. وأما من قال بأنهم على الأعراف: بين الجنة والنار فهو قول لا دليل عليه، ثم إن وقوف أصحاب الأعراف عقاب من الله يعقبه دخول الجنة كما قال تعالى: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: ٤٦]. ولذلك قال بعض السلف: ما أطمعهم إلا ليدخلهم، والحديث في مؤمني الجن الذين لا عقاب عليهم (٧). وأما من قال بالتوقف في كيفية ثوابهم فهو بعيد، إذ لا موجب له مع شهادة النصوص بدخولهم الجنة (٨). وأما من قال بأنهم في ربض الجنة، أو أنهم يلهمون التسبيح فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من النعيم، فأنها أقوال لا دليل عليها. قال محمد رشيد رضا في هذه الأقوال: (وشذ من قال أن مسلمي الجن لا يدخلون الجنة، إذ ليس لهم ثواب، وأشد منه شذوذاً من زعم أنهم لا يدخلون الجنة ولا النار، نقل ذلك السيوطي عن ليث بن أبي سليم، وهو مخالف لنصوص القرآن، وليث هذا مضطرب الحديث وإن روى عنه مسلم، وقد اختلط عقله في آخر عمره، ولعله قال هذا القول وغيره مما أنكر عليه بعد اختلاطه) (٩). الأدلة على ذلك: ١ - قوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا.

стр. 3908

قال ابن القيم: (أي ولكل درجات في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئاً من أعمالهم، وهو ظاهر جداً في ثوابهم وعقابهم، وأن مسيئهم يستحق العذاب باساءته، ومحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه) (١). وقال محمد رشيد رضا: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا (أي ولكل من معشري الجن والإنس الذين بلغتهم دعوة الرسل درجات ومنازل من جزاء أعمالهم، تتفاوت بتفاوتهم فيها) (٢). وقال بدر الدين الشبلي: (وقال ابن الصلاح في بعض تعاليقه: حكي عن ابن عبد الحكم أنه سئل عن الجن: هل لهم جزاء في الآخرة على أعمالهم؟ فقال: نعم، والقرآن يدل على ذلك، قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا (٣). الآية). ٢ - قوله تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]. قال سيد قطب: (ودل هذا على أن الجن يعذبون بالنار، ومفهومه أنهم كذلك ينعمون بالجنة، هكذا يوحي النص القرآني، وهو الذي نستمد منه تصورنا، فليس لقائل بعد هذا أن يقول شيئاً يستند فيه إلى تصور غير قرآني عن طبيعة الجن وطبيعة النار أو الجنة، فسيكون ما قاله الله حقاً بلا جدال) (٤). ٣ - قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. قال الألوسي: (وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون، ولم ينص ههنا على ثوابهم إذا أطاعوا، وعموميات الآيات تدل على الثواب، وعن ابن عباس: لهم ثواب وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها، ولعل الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب، والمقام مقام الإنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب) (٥). وقال ابن القيم: (وقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر له دخل الجنة ولابد، وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار) (٦). وقال القرطبي في الآية السالفة: (هذه الآي تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب) (٧). والله سبحانه وهو أعدل العادلين إذا كان يعذب عاصيهم فعدله يقتضي أن يكافئ طائعهم بالثواب على عمله، قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه: ١١٢]. أي لا يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته، وإذا كان المؤمنون ينادون يوم القيامة لاستلام جوائزهم فكيف لا ينادى مؤمنو الجن لاستلام هذه الجوائز؟!، وذلك جزاء عادلاً من الله على عملهم في الدنيا، ورحمة منه لعباده المؤمنين. وقد ذكر الإمام البخاري في (صحيحه) بابا سماه: باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم (٨) وفي هذا دلالة على ثوابهم بنعيم الجنة يوم القيامة. ٤ - قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا. قال ابن القيم: (وبهذه الحجة احتج البخاري، ووجه الاحتجاج بها: أن البخس المنفي هو نقصان الثواب، والرهق: الزيادة في العقوبة على ما عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته، ولا يزداد في سيئاته) (٩). ٥ - قوله تعالى في سورة الرحمن: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦].

стр. 3909

قال الشوكاني: (وفي هذه الآية – بل في كثير من آيات هذه السورة دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه) (١). وفي هذه الآية دليل على أن الجن ينالهم نصيبهم من الحور العين كالإنس، قال الإمام القرطبي: (في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس وتدخل الجنة، ويكون لهم فيها جنيات، قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين، فالإنسيات للإنس والجنيات للجن) (٢). وقال النسفي: (وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس) (٣). وقال الألوسي: (ويجوز أن تكون الحور كلهن نوعاً واحداً، ويعطي الجن منهن، لكنه في تلك النشأة غيره في هذه النشأة، ويقال: ما يعطاه الإنسي منهن، لم يطمثها إنسي قبله، وما يعطاه الجني لم يطمثها جني قبله، وبهذا فسر البلخي الآية. وقال الشعبي والكلبي: تلك القاصرات الطرف من نساء الدنيا لم يمسهن منذ أنشئن النشأة الآخرة خلق قبل، والذي يعطاه الإنسي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا، ويعطى غيرها من نسائها المؤمنات أيضاً، وكذا الجني يعطى زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا من الجن، ويعطى غيرها من نساء الجن المؤمنات أيضاً، ويبعد أن يعطى الجني من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة, والذي يغلب على الظن أن الإنسي يعطى من الإنسيات والحور، والجن يعطى من الجنيات والحور، ولا يعطى إنسي جنية, ولا جني إنسية، وما يعطاه المؤمن إنسياً كان أو جنياً من الحور شيء يليق به وتشتهيه نفسه، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال) (٤). ثم قال الألوسي: (واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجنة ويجامعون فيها كالإنس، فهم باقون فيها منعمين، كبقاء المعذبين منهم في النار، وهو مقتضى ظاهر ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد وابن أبي ليلى والأوزاعي، وعليه الأكثر كما ذكره العيني في شرح البخاري من أنهم يثابون على الطاعة, ويعاقبون على المعصية, ويدخلون الجنة، فإن ظاهره أنهم كالإنس يوم القيامة) (٥). وقد استدل ابن القيم بقوله تعالى في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إلى قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٤٦ - ٥٦]. قال ابن القيم: وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من عدة وجوه: أ- أن (من) من صيغ العموم، فتتناول كل خائف. ب- أنه رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه تعالى، فدل على استحقاقه به. ج- قوله عقيب هذا الوعد: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٧]. د- أنه ذكر في وصف نسائهم أنهن: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ وهذا والله أعلم معناه: أنه لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم ولا نساء الجن جن قبلهم (٦). وقال ابن كثير في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]. (وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا) (٧). إلى غير ذلك من آيات هذه السورة – أي سورة الرحمن – الدالة على ثواب الجن في الآخرة وتنعمهم بالجنة. قال ابن القيم: (وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون في العموم، كما أن كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد، ودخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى من دخول كافرهم في آيات الوعيد، فإن الوعد فضله، والوعيد عدله، وفضله من رحمته، وهي تغلب غضبه. وأيضا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله أدخل الجنة، وأيضا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة أو النار، وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه) (٨) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٢٣٧

стр. 3910

المبحث الأول: أهداف الشيطان الهدف البعيد: هناك هدف وحيد يسعى الشيطان لتحقيقه في نهاية الأمر، هو أن يلقى الإنسان في الجحيم، ويحرمه الجنة، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:٦]. الأهداف القريبة ذلك هو هدف الشيطان البعيد، أما الأهداف فهي: ١ - إيقاع العباد في الشرك والكفر: وذلك بدعوتهم إلى عبادة غير الله والكفر بالله وشريعته: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦]. وروى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: ((يا أيها الناس، إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي هذا، إن كل ما منحته عبدي فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)) (١). ٢ - إذا لم يستطع تكفيرهم فيوقعهم في الذنوب: فإذا لم يستطع إيقاعهم في الشرك والكفر، فإنه لا ييئس، ويرضى بما دون ذلك من إيقاعهم في الذنوب والمعاصي، وغرس العداوة والبغضاء في صفوفهم، ففي سنن الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن: ((ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم، فيرضى بها)) (٢). وفي صحيح البخاري وغيره: ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)) (٣). أي بإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، كما قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [المائدة: ٩١]. وهو يأمر بكل شر إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٩]. وخلاصة الأمر فكل عبادة محبوبة لله فهي بغيضة إلى الشيطان، وكل معصية مكروهة للرحمن فهي محبوبة للشيطان. ٣ - صده العباد عن طاعة الله:

стр. 3911

وهو لا يكتفي بدعوة الناس إلى الكفر والذنوب والمعاصي بل يصدهم عن فعل الخير، فلا يترك سبيلاً من سبل الخير يسلكه عبد من عباد الله إلا قعد فيه، يصدهم ويميل بهم، ففي الحديث: ((إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول (الطول: الحبل الطويل، يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه، ويرعى ولا يذهب لوجهه). فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال, فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟! قال: فعصاه فجاهد: فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخل الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخل الجنة)) (١). ومصداق ذلك في كتاب الله ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال لرب العزة: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. وقوله لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ: أي على صراطك، فهو منصوب بنزع الخافض أوهو منصوب بفعل مضمر، أي لألزمن صراطك، أو لأرصدنه، أو لأعوجنه. وعبارات السلف في تفسير الصراط متقاربة، فقد فسره ابن عباس بأنه الدين الواضح، وابن مسعود بأنه كتاب الله، وقال جابر: (هو الإسلام)، وقال مجاهد: (هو الحق) (٢). فالشيطان لا يدع سبيلاً من سبل الخير إلا قعد فيه يصد الناس عنه. ٤ - إفساد الطاعات: إذا لم يستطع الشيطان أن يصدهم عن الطاعات، فإنه يجتهد في إفساد العبادة والطاعة، كي يحرمهم الأجر والثواب، فقد جاء أحد الصحابة إلى الرسول ﷺ يقول له: ((إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليَّ. فقال رسول الله ﷺ : ذلك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه. واتفل على يسارك ثلاثاً. قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني)) (٣). فإذا دخل العبد في صلاته أجلب عليه الشيطان يوسوس له, ويشغله عن طاعة الله, ويذكره بأمور الدنيا، ففي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: ((إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة، أحال له ضراط، حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة، ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس)) (٤). وفي رواية: ((فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى)) (٥). عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٥٥ ٥ - الإيذاء البدني والنفسي: كما يهدف الشيطان إلى إضلال الإنسان بالكفر والذنوب، فإنه يهدف إلى إيذاء المسلم في بدنه ونفسه، ونحن نسوق بعض ما نعرفه من هذا الإيذاء. أ- مهاجمة الرسول ﷺ :

стр. 3912

وذلك كما في الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ بمهاجمة الشيطان له، ومجيء الشيطان بشهاب من نار ليرميه في وجه الرسول ﷺ . ب – الحلم من الشيطان: للشيطان القدرة على أن يرى الإنسان في منامه أحلاماً تزعجه وتضايقه بهدف إحزانه وإيلامه. فقد أخبر الرسول ﷺ أن الرؤى التي يراها المرء في منامه ثلاثة: رؤيا من الرحمن، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا حديث نفس (١) وفي صحيح البخاري أن الرسول ﷺ قال: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره)) (٢). ج- إحراق المنازل بالنار: وذلك بواسطة بعض الحيوانات التي يغريها بذلك، ففي سنن أبي داود وصحيح ابن حبان بإسناد صحيح أن الرسول ﷺ قال: ((إذا نمتم فأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه الفأرة على هذا السراج فيحرقكم)) (٣). د- تخبط الشيطان للإنسان عند الموت: وقد كان الرسول ﷺ يستعيذ من ذلك فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من التردي, والهدم, والغرق, والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً)) (٤). هـ- إيذاؤه الوليد حين يولد: يقول الرسول ﷺ : ((كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها)) (٥). وفي صحيح البخاري: ((كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب)) (٦). وفي البخاري أيضاً: ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها)) (٧). والسبب في حماية مريم وابنها من الشيطان استجابة الله دعاء أم مريم حين ولدتها: وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦]. فلما كانت صادقة في طلبها استجاب الله لها فأجار مريم وابنها من الشيطان الرجيم، وممن أجاره الله أيضاً عمار بن ياسر، ففي صحيح البخاري أن أبا الدرداء قال: (أفيكم الذي أجاره الشيطان على لسان نبيه، قال المغيرة: الذي أجاره الشيطان على لسان نبيه يعني عماراً) (٨). ومرض الطاعون من الجن:

стр. 3913

أخبر الرسول ﷺ أن فناء أمته ((بالطعن والطاعون؛ وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة)) (١). وفي مستدرك الحاكم: ((الطاعون وخز أعدائكم من الجن، وهو له شهادة)) (٢). ولعل ما أصاب نبي الله أيوب كان بسبب الجن كما قال: وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ٤١]. ز- بعض الأمراض الأخرى: قال ﷺ للمرأة المستحاضة: ((إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان)) (٣). ح – مشاركته لبني آدم في طعامهم وشرابهم ومساكنهم: ومن الأذى الذي يجلبه الشيطان للإنسان أنه يعتدي على طعامه وشرابه فيشركه فيهما، ويشركه في المبيت في منزله، يكون ذلك منه إذا خالف العبد هدى الرحمن، أو غفل عن ذكره، أما إذا كان ملتزماً بالهدى الذي هدانا الله إليه، لا يغفل عن ذكر الله، فإن الشيطان لا يجد سبيلاً إلى أموالنا وبيوتنا. فالشيطان لا يستحل الطعام إلا إذا تناول منه أحد بدون أن يسمي، فإذا ذكر اسم الله عليه، فإنه يحرم على الشيطان، روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: ((كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده. وإنا حضرنا معه مرة طعاماً. فجاءت جارية كأنها تدفع, فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده. فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه, وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها, فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده. والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع يدها)) (٤). وقد أمرنا الرسول ﷺ أن نحفظ أموالنا من الشيطان وذلك بإغلاق الأبواب، وتخمير الآنية، وذكر اسم الله، فإن ذلك حرز لها من الشيطان، يقول ﷺ : ((أغلقوا الأبواب, واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، ولو أن تعرضوا عليها شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم)) (٥).

стр. 3914

ويأكل الشيطان ويشرب مع الإنسان إذا أكل أو شرب بشماله، وكذلك إذا شرب واقفاً، ففي مسند أحمد عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من أكل بشماله أكل معه الشيطان، ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان)) (١). وفي المسند أيضاً عن أبي هريرة ﵁ ((أن النبي ﷺ رأى رجلاً يشرب قائماً فقال له: قه، قال: لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فإنه قد شرب معك من هو شر منه, الشيطان)) (٢). وكي تطرد الشياطين من المنزل لا تنس أن تذكر اسم الله عند دخول المنزل، وقد أرشدنا الرسول ﷺ لذلك، حيث يقول: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر اسم الله حين يدخل وحين يطعم، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء ههنا، وإن دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال: أدركتم المبيت، وإن لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء)) (٣). عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر بتصرف – ص: ٥٩ والشيء الذي نخلص إليه أن الشيطان يأمر بكل شر، ويحث عليه، وينهي عن كل خير، ويخوف منه؛ كي يرتكب الأول، ويترك الثاني. كما قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨]. وتخويفه إيانا الفقر بأن يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، والفحشاء التي يأمرنا بها: هي كل فعلة فاحشة خبيثة من البخل والزنا وغير ذلك. عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٥٨

стр. 3915

المبحث الثاني: أساليب الشياطين في إغواء الناس إذا نسي الإنسان ربه واستسلم للشيطان، فإن الشيطان يستدرجه بأساليبه المختلفة حتى يخرجه عن دائرة العقل والإنسانية، ويسيره في دروب الهلاك، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج: ٤]. فمن تلبيسات الشياطين وأساليبهم في تضليل عابديهم أنهم يتمثلون لهم بأشكال مختلفة حسب معتقدهم، فتارة يظهرون لهم بصورة شيخ كما يحصل عند جهلة الصوفية الذين يقدسون شيوخهم ويجعلونهم في مرتبة قريبة من مرتبة الإله، وتارة يخاطبونهم من داخل الهياكل والأصنام كما يقع للمشركين عباد الأوثان، كمن يستغيث بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم، فتخاطبهم الشياطين على سبيل المكاشفة، وقد تقضي بعض حوائجهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الذي يعظمه هو الذي خاطبه وقضى حاجته (١). وقد تصعد الشياطين بأتباعها من البشر في الهواء، ويدخلون المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة، وقد تحملهم الشياطين إلى أماكن بعيدة كمكة، فيطوفون بهم ويقفون على جبل عرفات، ولكنهم في الحقيقة لم يحجوا الحج الذي أمر الله به، ونحن نسمع بين الحين والحين عن أناس يكونون في مكان ما ثم ما نلبث أن نسمع أن آخرين قد شاهدوهم في أماكن أخرى بعيدة، في فترة زمنية بسيطة جداً، لا يمكن لهم كبشر التنقل خلالها، ولا عجب في ذلك لأن الشياطين التي أطاعوها وانقادوا لها هي التي تحملهم إلى هذه المسافات البعيدة، حتى توهم الناس أنه من أولياء الله، ولكنه في الواقع من أولياء الشيطان (٢). ومنهم من كانت الشياطين تخرج رجليه من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ به، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده كالحارث الدمشقي الذي خرج بالشام في زمن عبد الملك بن مروان، وكان يرى الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جناً، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله فطعنه فقتله (٣). ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمه شخصاً في صورته، فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله – أي غسل الميت - غاب، وكان ذلك شيطاناً، وكان قد أضل الميت وقال: إنك تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضاً في صورته ليغوي بعض الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك. ومنهم من يرى عرشاً في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول (٤). إلى غير ذلك من تلاعب الشياطين بأتباعها.

стр. 3916

وهكذا فإن الشياطين لا تقوم بهذه الأمور لهؤلاء من الناس إلا إذا خرجوا عن الكتاب والسنة، وتكون إعانة الشياطين لهم بحسب قربهم أو بعدهم من الإسلام، فإذا وافق هؤلاء الإنس الجن على ما تختاره الجن من الكفر – كالإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، أو يكتبون القرآن بالنجاسات وما شابه ذلك – فإنهم يغورون له الماء وينقلونه إلى أماكن بعيدة، بسبب ما يرضيهم من الكفر، وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي، أو يسرقون له بعض الأموال، وغير ذلك من أنواع الخدمة، وهذه لا تكون إلا بعد فساد عقائد هؤلاء, وكفرهم بالله, وطاعتهم للشياطين فيما يأمرونهم به (١). ومن هؤلاء الناس من يستغيث بصالح أو بقبر فينزل عليه من الهواء طعام, أو نفقة, أو سلاح أو غير ذلك، فيظنه كرامة، وإنما ذلك كله من الشياطين. ومن المشركين من كان يعبد الأصنام فيتخذها على صورة الأنبياء والصالحين، كما حصل مع قوم نوح من بعده، عندما أوحى إليهم الشيطان أن يصنعوا تماثيل لبعض الصالحين منهم – ممن توفاهم الله – ليتذكروهم، ثم مع مرور الأيام استدرجهم الشيطان فعبدوا هذه التماثيل (٢)، قال الله تعالى عنهم: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا [نوح: ٢٣ - ٢٤]. ومنهم من جعل التماثيل لأجل الملائكة والجن، وفي واقع الأمر أنهم إنما يعبدون الشيطان، لأنه هو الذي زين لهم عبادتها، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ: ٤٠ - ٤١] .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٣٨٧ والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)) (٣)، وفي الصحيحين عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ قالت: ((كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني - يردني-، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله!! يا رسول الله، قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو قال: شيئاً.)) (٤) عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٢٧

стр. 3917

المبحث الثالث: مدى سلطان الشيطان على الإنسان بعض الناس يتصورون أن للشيطان تلك القدرة التي يستطيع بها أن يجبر الإنسان على ترك الطاعات وفعل المعاصي، ومن ثم فلا ذنب على الإنسان إذا قصر في طاعة الله أو فعل معصية من المعاصي، وهذا التصور إنما سببه الجهل بالقرآن الذي بين حقيقة الشيطان وأنه ليس له سلطان بقهر الإنسان على فعل المعصية أو يثبطه عن القيام بالطاعة، لأنه في هذا التصور يكون مشاركاً لله في القدرة على قهر العباد وجبرهم على ما يشاء, وهذا هو عين الشرك في الربوبية، ولو كان للشيطان مثل هذه السلطة لكان في ذلك مناقضة لتكليف الله للبشر, وفي ذلك مناقضة صريحة لما في القرآن الكريم, لأن التكليف مبني على قدرة الإنسان في اختيار الخير أو الشر, وإذا انتفى الاختيار عند الإنسان - بسبب إجبار الشيطان له على فعل المعاصي وترك الواجبات – لكان في ذلك بطلان التكليف من قبل الله للإنسان، وهذا الكلام لا يقول به إلا كافر أو جاهل، لأن بعث الله للرسل على مدار التاريخ إنما جاء لاختبار هذه الإرادة عند الإنسان، فإما أن يستجيب هذا الإنسان لداعي الله، وإما أن يستجيب لداعي الشيطان الذي يوسوس للإنسان ويزين له المعاصي، وعلى أساس هذه الاستجابة أو عدمها يكون جزاء الإنسان بالجنة أو النار. ولقد نفى القرآن أن يكون للشيطان سلطان على الكافرين فضلا عن المؤمنين يقهرهم أو بالحجة لما يدعوهم إليه، وبين القرآن حدود سلطان الشيطان على الكافرين، وأنه مجرد دعوة للكفر والمعاصي، واستجابة منهم له في ذلك. يقول الله في هذا الشأن حاكياً عن الشيطان: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]. فهذا هو الشيطان في الآخرة يعلن في صغار وانكسار تخليه عن أتباعه الذين أطاعوه فيما زين لهم من المعاصي، ويوضح لهم أنه لم يكن له سلطان يجبر هؤلاء على ما كان سبباً في دخولهم جهنم. قال الإمام الشوكاني في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ الآية. (أي وما كان لي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي: أي إلا مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان .. ، وقيل: المراد بالسلطان هنا: القهر، أي: ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلى إجابتي، وقيل: هذا الاستثناء هو من باب: تحية بينهم ضرب وجيع، مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه، كأنه قال: إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من السلطان، وليس منه قطع) (١). وهذه الأقوال بمجملها تدل على انتفاء السلطان من قبل الشيطان على أتباعه في الدنيا، وأن وظيفته كانت منحصرة في الدعوة إلى الغواية والضلال، وهذه الدعوة البراقة معراة عن الحجة والبرهان من جهة، وبعيدة عن القهر والسلطان من جهة أخرى، وإذا انتفى الأمران انتفت معهما دواعي الاستجابة لهذه الدعوة من قبل الشيطان، وبناء على ذلك فلا لوم ولا عتاب.

стр. 3918

قال الشوكاني: (فَلاَ تَلُومُونِي بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا الموعد. وَلُومُواْ أَنفُسَكُم باستجابتكم لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة، فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوى الزائفة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ولمآربه قطع، ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وعد الحق, ودعوته لكم إلى دار السلام، مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول. مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ .. ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب, وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه، وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه؟ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ لما كشف لهم القناع بأنه كافر بإشراكهم له مع الله من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكاً، ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاماً يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم: أولاً: أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة، معارضة لوعد الحق من الله سبحانه، وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد، ولم يف لهم بشيء منها. ثانياً: أنه أوضح لهم بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لابد للعاقل منها في قبول قول غيره. ثالثاً: أنه أوضح: بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء. رابعاً: أنه نعى عليهم ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يتلبس بطلانه على من له أدنى عقل. خامساً: أنه أوضح لهم: بأنه لا نصرة عنده ولا إغاثة، ولا يستطيع لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضراً، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة. سادساً: بأنه صرح لهم بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم المصائب) (١). وبهذا يتبين أن الله لم يجعل للشيطان سلطاناً على بني آدم، لتكون إرادة الناس حرة في اختيارها طريق الخير أو الشر، ومن ثم فليس له سلطان على الإنس في عقائدهم وتوجيه إرادتهم للأعمال السيئة، فإن ذلك مما لا سبيل له إليه. وإذا كان الشيطان قد أعلن بأنه لا سلطان له في إجبار الناس على المعاصي، ولا حجة له عليهم فيما يدعوهم إليه – وإنما يتحدد سلطانه في دعوتهم إلى الباطل وتزيينه لهم، حباً للفساد, وكيداً للإنسان، لعمق عداوته له منذ استكبر عن السجود لآدم – فمع من تثمر هذه الدعوة إذن بقبولها، ومن هم الذين يرفضونها في مقابل ذلك؟ لقد أجابنا القرآن الكريم على هذا السؤال في كثير من الآيات الكريمة قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. وقال: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سبأ: ٢٠ - ٢١].

стр. 3919

وقال تعالى عن إبليس عليه اللعنة: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٣٩ - ٤٢]. وقال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً [الإسراء: ٦٥]. إن هذه الآيات التي سقناها تبين لنا أن دعوة الشيطان للضلال والفساد إنما تثمر مع الذين يعرضون عن ذكر الله, ويتركون السلاح الذي أمر الله بالتسلح به ضد وساوس الشيطان ومراوغاته التي لا تهدأ لجر هذا الإنسان إلى الهاوية، أما المؤمنون فقد عرفوا السلاح الذي به يقاومون هذا التسلط، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. وقال: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠]. والطائف هو الوسوسة أو مبدؤها، وهو إذا مس المؤمنين تذكروا فإذا هم مبصرون، فلا يقعون في فخ طاعته، قال محمد رشيد رضا: (والنفس الزكية الفطرة، المستقيمة لله تعالى بهداية الكتاب والسنة لا يكاد الشيطان يصلها، وإذا طاف بها طائف من وسوسته في حال الغفلة كان هو المذكر لها، فإذا هي مبصرة قائمة بما يجب عليها، فمثلها في عدم تأثير الوسوسة فيها أو عدم إفسادها لها كمثل البدن القوي في عدم استعداده لفتك جراثيم الأمراض به، كما أن النفس الفاسدة الفطرة بالشرك أو النفاق والمعاصي وسوء الأخلاق تكون مستعدة لطاعة الشيطان، كاستعداد البدن الضعيف والمزاج الفاسد لتأثير ميكروبات الأمراض، ومن الأرواح والأبدان ما ليس في منتهى القوة ولا غاية الضعف، فكل منها يتأثر بقدر استعداده، وتكون عاقبة السلامة إن كان أقرب إلى الصحة والقوة، والهلاك إن كان بضد ذلك) (١). فكلما قوي الإيمان كلما ازداد الشيطان بعداً، كما قال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: ((إيها يا ابن الخطاب: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً غير فجك)) (٢) .. وقال أيضاً: ((إن الشيطان ليفرق منك يا عمر)) (٣) وقال: ((إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس فروا من عمر)) (٤).

стр. 3920

وليس ذلك خاصاً بعمر، فإن من قوي إيمانه يقهر شيطانه ويذله كما قال ﵊: ((إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر)) (١). ثم إن بعض الذنوب التي يقع بها بعض المؤمنين لا تعتبر من قبيل تسلط الشيطان عليهم، لأنهم لا يستمرون على ذلك كما ذكرت الآيات القرآنية السالفة، قال الشوكاني في قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢] (المراد: أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه، وقد استثنى سبحانه من عباده هؤلاء المتبعون لإبليس من الغاوين، الذي استسلموا لغواية الشيطان وإضلاله، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله تعالى: وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر: ٤٢]). وقال القرطبي في الآية المتقدمة إِنَّ عِبَادِي: (قال العلماء: يعني على قلوبهم، وقال ابن عيينة: أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم، وهؤلاء الذين هداهم الله, واجتباهم, واختارهم, واصطفاهم. قلت: ولعل قائلاً يقول: قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء ﵉ بقوله: فأزلهما الشيطان [البقرة: ٣٦]. وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ [آل عمران: ١٥٥].؟ فالجواب ما ذكر، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول، بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة). ثم إن قوله سبحانه: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ يحتمل أن يكون خاصاً فيمن حفظه الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال، وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة، كما فعل ببلال، إذ أتاه يهدِّيه كما يهدَّي الصبي حتى نام، ونام ﷺ وأصحابه، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس وفزعوا وقالوا: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال لهم النبي ﷺ : ((ليس في النوم تفريط، ففرج عنهم)) (٢). إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ أي الضالين المشركين، أي سلطانه على هؤلاء دليله: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].

стр. 3921

ومما تقدم يظهر لنا أن الذنوب التي تحصل من المؤمنين لا تحدث بسبب أن للشيطان سلطاناً عليهم، لأنها ذنوب يتبعها التوبة والاستغفار، فيعودون أقوى مما كانوا عليه من الإيمان، وسلطان الشيطان على الكافرين إنما يكون بسب استمرارهم على فعل المعاصي، حيث قد جعلوا للشيطان سبيلاً إلى قلوبهم، فلا يقلعون من معصية إلا عادوا لها أو أشد قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: ٨٣]. وقال: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة: ١٩]. وقال: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]. وقال: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: ٢٥]. وغير ذلك من الآيات. فهذه الآيات قد دلت على أن الشياطين إنما تتسلط على الكافرين بسبب متابعتهم لها فيما تزين لهم من المعاصي، لأنهم لم يلجأوا إلى الله في دفعها عنهم، فخلى الله بينهم وبينها، فأزعجتهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية، وأغرتهم إغراء بالشر، فلا يفترون قائلين لهم: امضوا في هذه المعاصي، حتى توقعهم في النار، فهؤلاء هم القرناء من الشياطين الذين تحدثت عنهم الآيات القرآنية كقوله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت: ٢٥]. قال الطبري: (أي بعثنا لهم نظراء من الشياطين فجلعناهم قرناء قرناهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم، فزينوا لهم ذلك) (١). وهؤلاء القرناء يصاحبون أصحاب المعاصي في الدنيا فيمنعونهم من فعل الطاعات، ويحضونهم على فعل المعاصي، ثم يصاحبونهم عندما يقومون من قبورهم في الآخرة، كما ذكر الإمام القرطبي (٢). فهؤلاء الكفرة هم الذين استحوذ عليهم الشيطان فغلبهم وقوى عليهم وأحاط بهم، فلا يستطيعون التفلت منه بعد أن سلموا أنفسهم له يتصرف بها كيفما يريد، فلا عذر لهم في متابعتهم له، لأنه ليس له عليهم أي سلطان يجبرهم على طاعته، إنما الخور في نفوسهم هو الذي جعلهم يقعون في شراك وسوسته، كما حصل مع الذي انسلخ من آيات الله في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].

стр. 3922

وقد ذكر بعض المفسرين أنه بلعم بن باعوراء رجل من بني إسرائيل كان قد أوتي النبوة، وكان مستجاب الدعوة، فلا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وذكر بعضهم أنه أمية بن أبي الصلت، كان قد قرأ كتب أهل الكتاب التي تبشر بمجيء الرسول ﵊، فكفر به عندما بعث، وغير ذلك من الأقوال في شأن هذا الرجل (١). قال الإمام الطبري: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله – تعالى ذكره – أمر نبيه ﷺ أن يتلو على قومه خبر رجل كان آتاه حججه وأدلته وهي الآيات .. وجائز أن يكون الذي أتاه الله ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية) (٢). لكن هذا الرجل خرج من الآيات التي آتاه إياها فلم يعد له صلة بها، فأتبعه الشيطان، أي: صيره تابعاً وقريناً له ينتهي أمره في معصية الله، ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن، فأصبح من المتمكنين في الغواية وهم الكفار، ولو شاء الله لرفعه بهذه الآيات التي أعطيها منزلة عظيمة، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة، واتبع ما يهواه وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، فأصبح كالكلب يلهث في كل أحواله: في الصحة والمرض، والراحة والتعب، فهذا الرجل لا يرعوي عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ, وذكره المذكر, وزجره الزاجر، أو لم يقع شيء من ذلك فهو مستديم على فعل المعصية بتركه لآيات الله واتباعه للشيطان (٣). فهذا المثل ضربه الله لكل من يتلو القرآن أن يعتبر بهذا الرجل الذي انسلخ من آيات الله، فصار أمره إلى ما صار من اتباع الشيطان له، فإن كل من يعرض عن آيات الله يؤول مصيره إلى مثل ما صار إليه ذلك الرجل، وفي ذلك دلالة على تخلي الله عن المكذبين بآياته وتركهم فريسة للشيطان يوجههم كيف شاء كما في قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٧١]. فالذين يعرضون عن الله تستهويهم الشياطين، فيسارعون إليها في معصيتهم لله، فيصبحون حيارى تائهين في الأرض (٤)، وهي صورة بليغة رسمها القرآن لكل معرض عن هدى الله . وهكذا يتبين لنا أنه لا سلطان للشيطان على الناس، وإنما استجاب له بعضهم بمجرد دعوته إياهم، جرياً وراء أهوائهم وأغراضهم وشهواتهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا ما بأيديهم واستأسروا له، سلط عليهم عقوبة لهم، وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء: ١٤١]، فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سبيلاً حتى جعل له العبد سبيلاً إليه بطاعته والشرك به، فحينئذ له عليهم تسليط وقهر، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه توجب سلطانه، والجميع بقضاء من الله ومردها إليه (٥). الأنبياء وعصمتهم من الشياطين:

стр. 3923

وإذا لم يكن للشيطان سلطان على المؤمنين لأخذهم بالأسباب التي تدفع كيده ووسوته فمن باب أولى أن لا يكون له تسلط على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم أكمل الناس إيماناً، وأبعدهم عن طاعة الشيطان، وهم الذين عصمهم الله من ذلك، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي: إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)) (١). فقد أخبر ﵊ أن مع كل إنسان قريناً من الملائكة وقريناً من الجن، فالقرين من الملائكة يأمر بالخير، والقرين من الجن يأمر بالشر ولكن قرين الرسول ﵊ من الجن أسلم إسلاماً حقيقياً كما عليه أكثر العلماء، فلا يأمره إلا بخير، وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من فتنة الشيطان وتسلطه، لأن تسليط الشيطان عليهم يناقض ما تقتضيه النبوة من كونهم قدوة للعالمين وأئمة للمهتدين. وأما ما ورد خطاباً لنبينا ﵊ في قوله تعالى: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]. فإن هذا النسيان الذي حصل بسبب إنساء الشيطان له لا يعتبر من قبيل التسلط على الناس واستحواذه عليه بالإغواء والإضلال الذي نفاه الله عن أنبيائه وعن عباده المخلصين .. ، وقد ينسي الإنسان خيراً باشتغال فكره بخير آخر (٢). وقد قيل: إن هذا الخطاب وإن كان ظاهراً للنبي ﷺ فالمراد التعريض لأمته، لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان. وقيل: لا وجه لهذا، فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، قال ﵊: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)) (٣). وهذا النسيان كما تقدم ليس مما يكون به للشيطان سلطان. وكذلك ما ورد من إنساء الشيطان للنبي يوسف ﵇ وهو في السجن في قوله تعالى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢]. فأنساه الشيطان ذكر ربه، إذ أمر الناجي من صاحبيه في السجن بذكره عند الملك ابتغاء الفرج من عنده على أحد القولين، فكان نتيجة ذلك أن لبث في السجن بضع سنين، فقد ورد عن ابن عباس ﵁ قوله عن يوسف: (ولولا الكلمة لما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله (٤). فنسيان يوسف ﵇ ذكر ربه في السجن ليس من جنس تسلط الشيطان على أنبيائه، لأنهم معصومون من ذلك، وما يقع منهم من نسيان لا يستمرون عليه، بل يتذكرون ويستغفرون كما في قوله تعالى: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [٢٤: ص]. وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [٣٤: ص]. وأما وقوع النسيان من الأنبياء ﵈ بغير وسوسة من الشيطان فلا وجه للخلاف في جوازه، قال تعالى لخاتم رسله: وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤].

стр. 3924

وأما قوله ﵊ فيما رواه أبو هريرة: ((ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها))، ثم يقول أبو هريرة: (واقرءوا إن شئتم: وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦]) (١). فإنه لا يفيد تسلط الشيطان على الإنسان وإغواؤه له، قال ابن حجر العسقلاني: (والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، ولكن من كان من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلاً، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلط على غيرهما من المخلصين (٢)). ولو قدر الشيطان على المولود بأكثر من المس عند الولادة إلى الإفساد والغواية معه لفعل ذلك، ولكنه يعلم أن المولود لا يعرف الخير والشر أصلاً، فاكتفى بمسه عند الولادة. وقال القرطبي: (ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواءه، فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء, ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: ٤٢]. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين، كما قال رسول الله ﷺ ، فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته والله أعلم) (٣). وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن عمل الشيطان إنما ينحصر بالوسوسة والدعوة إلى الضلال، فالأنبياء والمؤمنون قد أخذوا بالأسباب التي ترد وسوسته كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. فإذا هم منتبهون حذرون من وسوسته وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠٢]. وإما إخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس، فإن الشياطين تمدهم في الغي وتكون مدداً لهم، وهي لا تقصر في مد الكفرة بهذا الغي والضلال، وفي التعبير بإخوانهم في الآية ما يشير إلى أن هؤلاء الكفرة والعصاة بمتابعتهم للشياطين فيما تزين لهم من المعاصي قد أصبحوا إخواناً لها) (٤) فنسأل الله السلامة والعافية .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣٩١

стр. 3925

المبحث الأول: استراق الجن لأخبار السماء كان الجن قبل مبعث الرسول ﷺ يسترقون أخباء السماء، وهو ما يوحيه الله لملائكته، وأصل ذلك قوله تعالى إخباراً عنهم: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]. قال القرطبي: (كان الجن يقعدون مقاعد لاستماع أخبار السماء، وهم المردة من الجن، كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة، فحرسها الله بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) (١). ويبين الرسول ﷺ هذا الأمر في حديثه الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((الملائكة تتحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر يكون في الأرض، فتستمع الشياطين فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القاروة، فيزيدون معها مائة كذبة)) (٢). ومن ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا: يوم كذا، كذا وكذا! فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء)) (٣). وفي رواية عند مسلم في صحيحه: ((تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة, فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)) (٤). وهكذا فإن الجن كان يستمعون لأخبار السماء، ثم يلقون ذلك إلى الكهان من الإنس، فيزيدون على الكلمة مائة كذبة من عندهم، فيصدق الناس ذلك، قال الماوردي: (فأما استراقهم للسمع فقد كانوا في الجاهلية قبل بعث الرسول ﷺ يسترقونه، ولذلك كانت الكهانة في الإنس لإلقاء الجن إليهم ما استرقوه من السمع في مقاعد لهم، كانوا يقربون فيها من السماء كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]) (٥). وقال ابن جزى الكلبي في تفسير قوله تعالى: إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠]. (والمعنى: لا تسمع الشياطين أخبار السماء، إلا الشيطان الذي خطف الخطفة) (٦). وقد اختلف العلماء في استراق الجن للسمع بعد مبعث الرسول ﷺ : ١ - فقال قوم: إن استراق الجن لأخبار السماء قد زال بمبعث الرسول ﷺ ، ولذلك زالت الكهانة. ٢ - وقال آخرون: إن استراقهم باق بعد مبعثه ﵊ (٧). واختلفوا كذلك في أن الجن هل كانوا يرمون بالشهب قبل مبعث الرسول ﷺ أم لا؟
следующие страницы →