← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38071

مفاتيح للتعامل مع القرآن

صلاح الخالدي

Полный текст (161 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها ولا ما ينبغى أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل .. ». إن وقوف القارئ على تعامل الصحابة مع القرآن، واعتناءه بالمعانى والإيحاءات التى حصّلوها من الحياة فى ظلال القرآن، يعرّفه كيف تقبل القلوب الطاهرة على القرآن وتتفاعل به، فيسعى ليكون واحدا من هؤلاء. والنماذج فى هذا كثيرة، والأمثلة عليه وافرة، نقتطف منها ما يلى: روى مسلم وأبو داود عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يصلى نحو بيت المقدس، فنزلت: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] فمر رجل من بنى سلمة وهم ركوع فى صلاة الفجر، قد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم ركوعا إلى الكعبة». فهذه الرواية تدلنا على نظرة الصحابة للتوجهات والتكاليف الربانية، وعلى قلوبهم المتبوئة للإيمان وهى تتفاعل معها، وعلى الاستجابة الفورية فى التنفيذ والالتزام. وأخرج البخارى والترمذى والنسائى وأبو داود- والرواية لأبى داود- عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذى،

стр. 107

فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ، ثم سرى عنه: فقال لى: أكتب، فكتبت فى كتف: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .. [النساء: ٩٥]، فقام ابن أم مكتوم- وكان رجلا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه، غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذى، ووجدت من ثقلها فى المرة الثانية كما وجدت فى المرة الأولى، ثم سرى عن رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا زيد. فقرأت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فقال رسول الله ﷺ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ .. الآية كلها. قال زيد، أنزلها الله كلها فألحقها» .. وروى البخارى ومسلم والترمذى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه، فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان: ١٣]. وروى أحمد فى مسنده عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال: يا رسول الله: كيف الفلاح بعد هذه الآية: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣]، فكل سوء عملناه جزينا به- وفى رواية أخرى قال: فلا أعلم قد وجدت انفصاما فى ظهرى حتى تمطيت لها! فقال رسول الله ﷺ : ما لك يا أبا بكر؟ فقلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال النبي ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى! قال: فهو مما تجزون به». وروى ابن جرير الطبرى قال: قرأ أبو طلحة رضى الله عنه سورة

стр. 108

براءة، فأتى على هذه الآية: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٤١]، فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا جهزونى يا بنى، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلّا بعد تسعة أيام فلم يتغير، فدفنوه بها .. ». هذا ويجد القارئ الأقوال والروايات عن الصحابة فى ذلك فى كتب التفسير بالمأثور، وفى كتب أسباب النزول، وفى كتب الأحاديث من الصحاح والسنن، وفى كتب السيرة وحياة الصحابة .. وهى كثيرة ..

стр. 109

- ١٢ - تحرير النصوص القرآنية من قيود الزمان والمكان القرآن كتاب الله الخالد، صالح لكل زمان ومكان، ونصوصه تعطى توجيهاتها لكل بنى الإنسان، ويتفاعل معها المؤمنون مهما كان مستواهم المادى والثقافى والحضارى، وفى أية بقعة فى هذا العالم، وفى أية فترة من فترات التاريخ .. أقبل الصحابة على نصوصه فعاشوا بها، ولم يقيدوها فيهم أو يقصروها عليهم، وأقبل التابعون عليها فعاشوا بها، وأقبل تابعوهم عليها كذلك فعاشوا بها، وهكذا كل طائفة من العلماء، كانت تجد عند القرآن ما تريد، وتلقى عند نصوصه ما هى بحاجة إليه .. فعلى قارئ القرآن أن ينظر إلى القرآن بهذا المنظار، وأن يتعامل معه على هذا الأساس، لا يجوز أن يقيد نصوصه بحالة من الحالات أو فترة من الزمان- إلّا ما كان مقيدا بذلك- ولا أن يقصرها على شخص ما أو قوم ما- إلّا ما كان مقصورا عليه- إنه لا بدّ أن يحرر هذه النصوص من قيود الزمان والمكان والأشخاص والأقوام، لتعطى دلالاتها لكل الناس، وتطلق إشعاعاتها لكل جيل، وتنشر أضواءها على العالمين .. أما إذا قصر هذه النصوص على حالة أو فترة أو شخص أو بلدة

стр. 110

أو قرن، فإنه سيقيدها وسيفرغها من معانيها، ويقزمها عن دلالاتها، ويحرمها من أداء أهدافها، وكأنه يجعلها سجينة فهم، أو أسيرة وضع، أو رهينة قوم، وبهذا تذوى هذه النصوص وتموت .. وتتحول إلى عبارات فارغة، تتحدث عن فترة من التاريخ سابقة لأمة من الناس ماضية .. لا يجوز لقارئ مسلم أن يميت نصوص القرآن بين يديه، ولكنه يفسح لها الطريق لتعيش حياتها وتؤدى رسالتها، وتؤثر فى الإنسانية جمعاء، وتنشر عليهم من فيوضاتها وأنوارها .. كل جيل من أجيال المسلمين كان يجد فى نصوص القرآن حديثا لواقعه وإصلاحا لحياته، وكأنها تنزلت اللحظة عليهم، وكل مفسر من المفسرين كان ينطلق من نصوص القرآن لتربية قومه وإصلاح أمورهم .. وكل تفسير من تفاسير القرآن يمكن أن تستخرج منه الحالة الثقافية والمستوى الحضارى، والوضع الأخلاقى والاجتماعى والإيمانى والسلوكى للعصر الذى عاش فيه المفسر، وكان هذا التفسير سجلا حضاريا تاريخيا وثائقيا لحالة ذلك العصر .. وما هذا إلّا لأن نصوص القرآن منطبقة على زمان المفسر ومكانه، وموجهة للناس من حوله .. ولهذا كم كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه ألمعيا وبصيرا وصادقا، عند ما وصف القرآن وصفا تنطبق عليه هذه القاعدة فقال عنه: «إنه لا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه .. ». ونحن لا ننكر أن بعض الناظرين فى القرآن من السابقين أخطئوا فى تعاملهم معه، فقصروا بعض نصوصه على أناس من السابقين، وقيدوا بعضها بحالات ماضية، وقزموا هذه النصوص وفرغوها من كثير من معانيها، وحجبوا عن القراء الكثير من دلالاتها .. قوله تعالى- مثلا- عن

стр. 111

الحاكمية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) [المائدة: ٤٤]، وفى آية أخرى: هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) [المائدة: ٤٥]، وفى آية ثالثة: هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) [المائدة: ٤٧]. خاصة عند هؤلاء فى بنى إسرائيل قبل الإسلام، ولا تنطبق على مسلم رفض حكم الله طائعا مختارا- حاكما أو محكوما- إن هؤلاء قزموا الآية وجعلوها أسيرة فترة ماضية من الزمان .. مع أنها تنطبق على كل إنسان أينما كان ومهما كان، رفض حكم الله طائعا مختارا، وآثر أن يتحاكم إلى الطاغوت، فهو كافر ظالم فاسق بنص القرآن .. قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) [المائدة: ٥٠] رفض لحكم الجاهلية والجاهليين. والجاهلية عند هؤلاء هى الحالة التى كان عليها العرب قبل الإسلام، والمستوى المتدنى من الجهل والجهالة وعدم العلم والثقافة والحضارة، والجاهليون هم أولئك الناس فقط، إن هذا الفهم يقزم الآية ويفرغها من معانيها، ويميتها فى أفواه القارئين لها، لأنها تتحدث عن أموات مضوا فى سالف الزمان .. مع أنها صالحة لكل الناس، ومنطبقة على كل زمان، وفاعلة فى كل مكان، إنها تضع الجاهلية فى مقابلة حكم الله، فالجاهلية هى كل حالة أو وضع أو تشريع أو نظام أو مجتمع أو مناهج أو توجيهات، يرفض أصحابه الاحتكام إلى شرع الله، ويقبلون أن يحكموا بغيره .. فهذه هى الجاهلية فى أية فترة من فترات التاريخ، وفى أية بقعة من العالم، وأهلها جاهلون جاهليون مهما بلغ رقيهم المادى ومستواهم العلمى والتكنولوجى والثقافى .. وقوله تعالى عن عداوة الكافرين للمؤمنين وعن هدفهم من حربهم وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧] ليس

стр. 112

خاصا بحرب قريش لرسول الله ﵇ والمسلمين فى المدينة- وإن كانت نزلت بهذه المناسبة- ولكنها تتحدث عن هدف عام للكفار أينما كانوا، فى حربهم للمسلمين حيثما وجدوا .. هذه الآية تنطبق على حرب الرومان للمسلمين وحرب الفرس والصينيين والهنود والمغول والصليبيين والأوروبيين فى القرون الوسطى، والروس القياصرة والروس البلاشفة لهم، وعلى حرب الإنجليز والمستعمرين المعاصرين، وعلى حرب الأمريكيين والشيوعيين واليهود والنصارى والباطنيين للمسلمين فى هذه الأيام، وستبقى تعطى دلالاتها وتنطبق على أية حرب بين المسلمين والكفار حتى قيام الساعة .. إن سبب نزول الآية يجب النظر فيه وقبوله عند ما يصح سنده، وإضافة أبعاد جديدة للنص على أساسه، لكن لا يجوز أن نقيد النص به ونقصره عليه، بل نعممه على كل الحالات المشابهة والنماذج المماثلة المتكررة إلى قيام الساعة، ولهذا قال علماؤنا الأفذاذ مقررين قاعدة أساسية فى تحرير النصوص من قيود الزمان والمكان «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

стр. 113

- ١٣ - ملاحظة البعد الواقعى للنصوص القرآنية انطلاقا من الأغراض الأساسية للقرآن، وتطبيقا للمهمة العملية الحركية له، فإن القارئ البصير لا بد أن يلاحظ البعد الواقعى لآيات القرآن، وأن يلتفت إلى انطباقها على الواقع المعاصر، وأن يدرك معالجتها له وتقويمها لأموره وإصلاحها لمناهجه ومظاهر الحياة فيه .. إن القارئ عند ما يحرر الآيات من قيود الزمان والمكان، سيجدها آيات معجزة حية، تصف له حياته، وتتحدث له عن واقعه، وتهتم بالقضايا والمشكلات التى حوله .. إنه عند ما يقرأ سور القرآن على هذا الأساس سيجدها سورا حية حكيمة متفاعلة قائدة وموجهة .. وعند ما ينظر للقرآن بهذا المنطق سيجده صديقا ودودا مؤنسا أليفا حبيبا يناجيه ويخاطبه ويعيش معه .. ويصحبه فى رحلة شيقة ممتعة، ويقوده فى انطلاقة حكيمة مبصرة لعالمه الواقعى، وحياته المعاشة .. سيجد هذا القارئ القرآن وسوره كما وجد ذلك سيد قطب، عند ما أدرك كيف يتعامل مع القرآن، ويلاحظ البعد الواقعى لنصوصه وتوجيهاته، والذى عبر عن ما وجده فيه بقوله: (هكذا عدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها. بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته وملامحه وسماته.

стр. 114

وأنا أجد فى سور القرآن- تبعا لهذا- وفرة بسبب تنوع النماذج، وأنسا بسبب التعامل الشخصى الوثيق، ومتاعا بسبب اختلاف الملامح والطباع، والاتجاهات والمطالع .. إنها أصدقاء .. كلها صديق .. وكلها أليف .. وكلها حبيب .. وكلها ممتع .. وكلها يجد القلب عنده ألوانا من الاهتمامات طريفة، وألوانا من المتاع جديدة، وألوانا من الإيقاعات، وألوانا من المؤثرات، تجعل لها مذاقا خاصا، وجوا متفردا .. ومصاحبة السورة من أولها إلى آخرها رحلة .. رحلة فى عوالم ومشاهد، ورؤى وحقائق، وتقريرات وموحيات، وغوص فى أعماق النفوس، واستجلاء لمشاهد الوجود .. ولكنها كذلك رحلة متميزة المعالم فى كل سورة ومع كل سورة .. ) [الظلال: ٣/ ١٢٤٣]. كل آيات القرآن لها بعد واقعى، سواء آيات العقيدة أو القصص أو الأخبار أو التوجيه أو الأحكام، أو التى تتحدث عن السنن والمبادئ والقيم والموازين .. أو غير ذلك .. الآيات التى تعرفنا على الله سبحانه، وتعرض لنا مجالات سلطانه ومظاهر قدرته، وتحدثنا عن صفاته سبحانه وأسمائه نجد لها بعدا واقعيا .. فصفات الله سبحانه فى نصوص القرآن صفات فاعلية إيجابية .. كما فى علم الله الشامل لكل ما فى الكون، وفى قوله تعالى: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) [الحديد: ٤]، فإذا ما استصحب دلالة هذه الآية الواقعية وعاشها بقلبه وكيانه، واستحضر معية الله له وعلمه بأحواله استقام على منهج الله وراقبه واتقاه. وكانت الآية حية واقعية تنير له حياته وتبصره بطريقه ..

стр. 115

للقصص القرآنى الذى يعرض أخبار السابقين ومواقفهم بعد واقعى، وكأنما يتحدث عن الناس ويصفهم ويحلل شخصياتهم .. ولا بدّ للقارئ أن يلحظ هذا، وأن يستخرج من القصص دروسا فى العقيدة والدعوة والحركة والتربية والمواجهة والجهاد، وأن يستخرج منها معالم قرآنية وأنوارا كاشفة وبصائر هادية .. ونرجو الله أن يعيننا على إعداد دراسة عن الواقعية فى القصص القرآنى والإشارة إلى دروسها وعبرها فى العقيدة والدعوة والحركة والجهاد، وستكون بعنوان: «مع قصص السابقين فى القرآن» وستكون بعد هذا الكتاب بعون الله .. وندعو القارئ إلى أن يلحظ الأبعاد الواقعية للآيات التالية: قوله تعالى فى قصة إبراهيم: قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) [الأنبياء: ٥٩ - ٦١]. وقوله تعالى عن أصحاب الكهف: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) [الكهف: ١٩ - ٢٠] وقوله تعالى فى دعوة زكريا ﵇ أن يرزقه بغلام: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) [مريم: ٥ - ٦]. وقوله تعالى عن حكم فرعون الذى يعد نموذجا لأى حكم ظالم وحاكم جائر: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) [القصص: ٤].

стр. 116

وقوله تعالى عن إيذاء المجرمين الكافرين للدعاة المؤمنين وسخريتهم بهم: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) [المطففين: ٢٩ - ٣٢]. وأن يلحظ القارئ الأبعاد الواقعية الاقتصادية لهذه الآية: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النساء: ٥]. والأبعاد الواقعية لهذه السنة الربانية: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) [الأعراف: ٩٦]. والأبعاد الواقعية الأسرية لهذه الآية: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) [النساء: ١٩]. والأبعاد الواقعية لهذه الآية التى تقرر مصير كل حرب ضد هذا الدين، وهزيمة جنودها مهما كانوا: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) [الصف: ٨ - ٩].

стр. 117

- ١٤ - الوقوف فى وجه المادية الجاهلية مرّ معنا أن من أهداف القرآن الأساسية قيادة الأمة المسلمة فى مواجهتها مع الجاهلية من حولها. وذلك لأن الجاهلية لن تدع الأمة المسلمة تعيش حياتها، بل استعلن عليها حربا بدون هوادة .. وهذه بدهية يدركها من له أدنى تدبر للقرآن، وتفحص للتاريخ الإنسانى الذى يسجل الحرب بين الحق والباطل .. ونتج عن هذا وغيره إدراك المهمة العملية الحركية للقرآن، هذه المهمة التى تعين القارئ على إدراك البعد الواقعى لنصوص القرآن، وعلى الحركة به فى الواقع، والنظر إلى أحداث الحياة من حوله بمنظار القرآن ووزنه بميزانه .. فإذا ما أدرك القارئ كل هذا، ووقف عليه، فلا بد أن يواجه أعداءه بالقرآن، وأن يعاملهم على أساسه، وأن يجاهدهم به، وأن يقف فى وجه مكائدهم ومؤامراتهم، وأن يرد سهامهم وحربهم، وأن يكون زاده فى هذا كله هو القرآن الكريم .. والقرآن قادر بإذن الله على أداء هذا، على أتم صورة، وأدق أداء .. هذا ما فعله السابقون مع أعداء هذا الدين، وقد وجدوا عند القرآن ما بحثوا عنه، ونجحوا فى مواجهة هؤلاء والوقوف أمامهم والانتصار عليهم، لأنهم سمحوا للقرآن أن يقودهم وأن يوجههم وأن يحركهم فى مواقعهم ..

стр. 118

وفى عصرنا الحاضر نجد أن المادية الجاهلية- التى يسمونها خطأ «الحضارة الغربية» قد تداعت- بمختلف أنظمتها ودولها ومبادئها ومذاهبها- على الأمة المسلمة، ووجهت لحربها كل وسائلها وأساليبها، واحتلت من الأمة المسلمة مواقع عديدة من حياتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية والتعليمية. واستيقظ الأحياء المبصرون العقلاء من الأمة- وهم الملتزمون بالإسلام والداعون إليه عقيدة وعبادة ومنهاج حياة- وواجهوا الهجمة المادية الجاهلية، ووقفوا فى وجهها وردوا على أسلحتها وأساليبها .. لا بد للقارئ البصير للقرآن الذى يواجه هذه الهجمة، من أن يقبل على القرآن الكريم ليتحرك به ويجاهد من خلاله، لا بد أن يقف فى وجه المادية الجاهلية، وأن يواجهها على أساس هذا القرآن. وأن تكون نظرته إليها كنظرة سيد قطب الذى استعان بالقرآن فى مواجهته لها فنجح .. وفى ذلك يقول: «وعشت- فى ظلال القرآن- أنظر من علو إلى الجاهلية التى تموج فى الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة .. أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية لما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال .. كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال .. وأعجب .. ما بال هؤلاء الناس؟ .. وعشت أتملى ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود .. وأقيس إليه تصورات الجاهلية التى تعيش فيها البشرية فى شرق وغرب، وفى شمال وجنوب. وأسأل كيف تعيش البشرية فى المستنقع الآسن، وفى الدرك الهابط، وفى الظلام البهيم، وعندها ذلك المرتع الزكى، وذلك المرتقى العالى، وذلك النور الوضيء؟ .. » [الظلال: ١/ ١١].

стр. 119

وعند ما يقف المؤمن بالقرآن فى وجه المادية الجاهلية فإنه لن «يضبع» بها، ولن يخاف منها، ولن تسترهبه وتقذف الوهن واليأس والاستسلام فى قلبه .. بل سيعرفها على حقيقتها. وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها .. وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها .. إن القرآن يضعها أمامه بحجمها الطبيعى، ووزنها الطبيعى، بدون هالة مصطنعة، أو انتفاش خادع. رجال هذه المادية الجاهلية فى المنظار القرآنى «عميان» ونتاجهم فى بلادهم هو نتاج عميان أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) [الرعد: ١٩]. واهتماماتهم وأهدافهم ورغباتهم إنما هى لهو ولعب الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) [الطور: ١٢] وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [الأنعام: ٧٠]، وهم فى حقيقتهم دواب، فى حياتهم وعقولهم إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) [الأنفال: ٥٥]، ودواب فى أكلهم وشربهم ومعيشهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) [محمد: ١٢] ودواب قادهم الشيطان، واحتنكهم، فأسلموا له قيادهم كما تسلم الدابة قيادها لصاحبها عند ما يسحبها من مقودها لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) [الإسراء: ٦٢]، وهم سذج أطفال فى تفكيرهم وفى ممارستهم، تنطلى عليهم الألاعيب، ويخدعون بالزخارف كما تخدع الأطفال وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: ١١٢] وهم قد يتعالمون فيدّعون العلمية والمنهجية والموضوعية ولكنهم لا يتمتعون بشيء من هذا، ولو اتصفوا بجزء منه لقادهم نظرهم فى الكون والحياة إلى الخضوع الكامل الشامل لله

стр. 120

على منهج هذا الدين .. إن المقدمات الصحيحة التى تعطى عند العاقل الواعى المتزن نتائج صحيحة، تعطى عند هؤلاء نتائج باطلة خاطئة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) [الأنعام: ١]، وهم سذج يتصفون بالبله و «العبط» فى حربهم لهذا الدين ولرجاله، لأنهم فى الحقيقة يحاربون الله، ويقفون فى وجه نوره .. وهل يفعل هذا عاقل رشيد متزن؟ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) [التوبة: ٣٢]. وإن الله يمكر بهم ويسخر بعقولهم، ويقذف فى قلوبهم اليأس من انتصارهم فى مواجهتهم لهذا الذين، إنهم يبذلون جهودا هائلة، وينفقون أموالا ضخمة، وهى ضائعة، ويحاربون فى معركة معروفة نتيجتها، فيا لطول حسرتهم وحزنهم، وليموتوا بغيظهم .. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) [الأنفال: ٣٦ - ٣٧].

стр. 121

- ١٥ - توسيع التفسير ليشمل السيرة وحياة الصحابة قصر بعض الدارسين للقرآن والناظرين فيه التفسير فى زمن رسول الله ﵊ على مجال واحد من مجالاته وهو المجال النظرى، فصاروا يبحثون فى كتب الحديث وكتب التفسير بالمأثور، عن الروايات والأحاديث عن الرسول ﵊ والمتعلقة ببيان معنى كلمة قرآنية أو توضيح حكم قرآنى، واكتفوا بها فقط كنماذج لتفسير رسول الله ﵊ .. ثم توجهوا إلى أقوال الصحابة فى تفسير القرآن، وقصروها على بيان الصحابى لمعنى كلمة غريبة أو سبب نزول أو توضيح حكم أو تحديد ناسخ ومنسوخ أو غير ذلك .. وإذا نظرنا فى الحصيلة التى خرجوا بها من جمعهم لهذه الروايات والآثار فإنها ستكون قليلة وبخاصة إذا اعتمدنا ما صح سنده منها .. وهذه الروايات نجدها فى كتب الصحاح والسنن، وفى كتب التفسير بالمأثور وفى مقدمتها جامع البيان للطبرى، وتفسير القرآن العظيم لا بن كثير، والدر المنثور فى التفسير بالمأثور للسيوطى .. إن التفسير فى عهد رسول الله ﷺ والصحابة الكرام ليس مقصورا على الجانب النظرى، لأنهم هم لم يقصروه عليه، وكم نخسر لو قصرناه عليه .. لقد كانوا أبصر بالقرآن منا، وأكثر إدراكا لأغراضه منا، وأشد تعلقا وارتباطا

стр. 122

به منا، وأعظم حرصا على أن يعيشوا به منا، ويحولوه من توجيهات نظرية إلى حقائق حياتية معاشة، ويكونوا الصورة العملية الواقعية الحية لنصوصه وآياته .. إن التفسير زمن الرسول ﵇ وأصحابه شمل جانبين: جانب نظرى وهو ما أشرنا إليه، وإلى قلته وضآلته بالقياس إلى الجانب الآخر .. وهو الجانب العملى التطبيقى الواقعى .. لقد عاش رسول الله ﵊ بالقرآن عمليا، وكان يحرص على أن يلتزم توجيهاته وأحكامه، وأن ينفذ أوامره وواجباته، فكان هو بسيرته وحياته أول مفسر للقرآن الكريم .. ولهذا كم كانت السيدة عائشة رضى الله عنها حكيمة وذكية ونافذة البصر والبصيرة، عند ما كان جوابها على سؤال وجه إليها عن خلق رسول الله ﵊، فقالت: «كان خلقه القرآن»، وكأنها تعنى ما قلناه من أن سيرته وحياته وخلقه وسلوكه تفسير لتوجيهات وآيات القرآن .. وبهذا الفهم للتفسير لا بدّ أن ننظر إلى صلة الصحابة بالقرآن وإلى ممارستهم لحياتهم الواقعية اليومية، فقد كانوا جيلا قرآنيا فريدا يعيشون بالقرآن عمليا، وكان القرآن حاضرا متجددا معهم، ويمكن أن تستخرج من نصوصه صورة شبه متكاملة لحياة الصحابة ومستواهم الإيمانى، والتزامهم العملى، ووقوعهم أحيانا فى تقصيرات وأخطاء يسيرة عالجها القرآن فى وقتها .. إن أى ناظر فى كتب أسباب النزول وفى سيرة رسول الله ﵇، وفى مغازيه وجهاده، وفى الكتب التى تحدثت عن حياة الصحابة وطبقاتهم ومناقبهم .. سيقف على ثروة ضخمة لهؤلاء الكرام، يصدق عليها أنها تفسير عملى للقرآن الكريم .. فلماذا نستبعد كل هذه الثروة الغنية، ونكتفى بألفاظ وكلمات يسيرة منقولة عنهم فى تفسير القرآن؟ وكثير منها لم يصح سنده؟

стр. 123

فعلى القارئ المتدبر للقرآن أن يوسع التفسير، وأن يدخل فيه كل سيرة رسول الله ﵊ ومغازيه، وشمائله وفضائله، وكل ما صح من حياة الصحابة بالقرآن، وجهودهم وجهادهم لأن يبقوا على القمم التى وضعهم عليها القرآن .. وعندها يستفيد هذا القارئ فائدة تفسيرية وتربوية وسلوكية وإيمانية وعملية ..

стр. 124

- ١٦ - الشعور بأنّ الآية موجّهة له سبق وأن أشرنا فى آداب التلاوة إلى أن القارئ لا بدّ أن يأخذ القرآن على أنه موجه له هو، وأن الخطاب يعنيه هو .. وها نحن نورد هذا هنا لأهميته، ولحسن تدبر القرآن والتعامل معه وفقهه .. وقبل حديثنا عنه نحب أن نورد كلام الإمام الغزالى رحمة الله فى الإحياء عنه «التخصيص: وهو أن يقدّر أنه المقصود بكل خطاب فى القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا قدّر أنه المنهى والمأمور، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه .. » إلى أن يقول: «وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود، فماله ولسائر الناس، فليقدّر أنه المقصود، قال الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، قال محمد بن كعب القرظى: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله .. وإذا قدّر ذلك لم يتخذ قراءة القرآن عمله، بل يقرأه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذى كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه .. ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا بعهوده، فنتدبرها فى الصلوات، ونقف عليها فى الخطوات، وننفذها فى الطاعات والسنن المتبعات .. » [إحياء علوم الدين: ١/ ٥١٧ - ٥١٨ باختصار].

стр. 125

إن القارئ المؤمن مطالب أن ينظر إلى القرآن بهذا المنظار، وأن يتعامل معه على هذا الأساس، وأن يفتح كنوزه بهذا المفتاح .. ولو أن كل قارئ فعل هذا فسوف يخرج من تدبر القرآن بزاد عظيم، من الإيمان والالتزام والتنفيذ والعمل، وسيكون رجلا قرآنيا عمليا نافعا مؤثرا .. إن مما يؤسف له فى صلة المسلمين المعاصرين بإسلامهم وقرآنهم وتعاملهم مع ربهم، أنهم يفعلون عكس هذه القاعدة .. إن الواحد منهم لا يشعر أنه هو المقصود أساسا بالأمر أو التوجيه، وأنه المطالب به، وأن شخصه بذاته معنى به بخاصة .. ولكنه يشعر أن الخطاب لفلان أو علان .. إنه يلقي المسئولية عنه، ويلغى خصوصيته ليوجهها إلى غيره، إنه «يوزّع» الواجبات على غيره، بعد أن «يزحلقها» عنه، ولهذا لم يتفاعل معها ولم يسع لكى يلتزم هو بها .. إذا قرأ آيات القصص قصرها على السابقين، وإذا قرأ آيات الخطاب والتكليف للرسول ﵊ خصه هو بها، وإذا قرأ حادثة زمن الصحابة فهى لهم فقط .. وإذا سمع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهى تخاطب الصحابة أو مؤمنين فى العوالم الأخرى، آيات الزكاة والصدقة للأغنياء فقط، وآيات الحكم والالتزام والطاعة للحكام فقط، وآيات الجهاد والحرب للعسكريين فقط، وآيات الولاء والمحبة والنصرة للسياسيين فقط، وآيات الدعوة والبلاغ للشيوخ والعلماء فقط .. وهكذا .. وهكذا وإذا بهذا المسلم لم توجه له آية، ولم يطالب بحكم، ولم يكلف بواجب .. فإذا ما وصلت الآيات إلى الآخرين فإنهم سيفعلون مثل هذا، ويحرصون على أن يوجهوها لغيرهم ويزحلقوها عنهم .. فنرى القرآن موجها لأكوان أخرى، ولأقوام يوجدون فى عالم الأحلام والخيالات والأوهام .. على القارئ البصير للقرآن أن يوقن أنه هو المقصود بالآية، وأنها

стр. 126

تعنيه هو، وتخصه هو، وتخاطبه هو، وتطالبه هو، وتحدثه هو .. فإذا قرأها فليفتح لها أجهزة التلقى والاستجابة ليلتزم بما فيها من توجيهات ..

стр. 127

- ١٧ - حسن التلقّى عن القرآن القرآن كلام الله، والله هو الذى يعين القارئ له على أن يتلقى عنه، إذا ما سلك السبيل الذى بيّنه الله فاستحضر معه وسائل الفهم وأدوات التدبر، وإذا ما طهر نفسه من الموانع والحجب والأكنة، التى تحجب عنه القرآن وإيحاءاته .. على القارئ أن يوقن أنّ فهم القرآن إنما هو من نعم الله عليه، ومن منه وأفضاله .. وأن هذا الفهم والتلقى والتدبر والتفسير إنما هو فتوحات من الله ، يفتح بها على من يشاء من عباده، عند ما يكونون (أهلا) لهذه الفتوحات، ووسطا صالحا لهذه الفيوضات، إن الفهم والتدبر والتفسير نور من الله سبحانه، ونور الله لن يصل إلى قلب مغطى بالحجب والموانع، وأنها هدايا من الله ورحمة منه، وهدايا الله لا يصلح لها العصاة، ورحمة الله لن تفتح لها قلوبهم .. ونورد للقارئ قول أبى طالب الطبرى فى أوائل تفسيره- الذى سجله له السيوطي فى الإتقان- فى شروط المفسر وآدابه، على اعتبار أنها تصلح شروطا وآدابا للمتدبر للقرآن المتعامل معه المتلقى عنه، تضمن له إن راعاها حسن التدبر والتعامل والتلقى .. قال: «اعلم أن من شرطه صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه فى دينه

стр. 128

لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن فى الدين على الإخبار من عالم فكيف يؤتمن فى الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن- إن كان متهما بالإلحاد- أن يبغى الفتنة، ويغر الناس بليّه وخداعه .. » إلى أن يقول: «ومن شروطه صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: ٦٩] وإنما يخلص له القصد إذا زهد فى الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه تمام عمله .. » [الإتقان للسيوطى: ٢/ ١٧٦]. ولقد سبق أن تحدثنا عن مفتاح ضرورى للتعامل مع القرآن، وهو دخول القارئ عالم القرآن بدون مقررات سابقة، وهو مرتبط بهذا الأساس الذى نقرره هنا. فهناك اشترطنا له حسن المدخل لعالم القرآن وحسن الاستعداد له وحسن الوصول إليه، وهنا نشترط له حسن البقاء معه، وحسن التلقى عنه، وحسن التعرض لأنواره، وحسن الحياة مع فتوحات الله ورحماته وفيوضاته فيه. وهذا كله لا يتحقق إلّا بصحة الاعتقاد أولا ثم صحة المقصد والغاية ثانيا .. إن الأهواء والبدع والضلالات والانحرافات حجب وموانع على قلوب أصحابها، وإن المنكرات والمحرمات والمعاصي والذنوب حجب وموانع كذلك. وإن فساد المقصد وسوء الباعث و «دنيوية النية وتجاريتها» فى التعامل مع القرآن كذلك. فلا بدّ من الإخلاص لله والإنابة إليه والاستعانة به والتلقى عنه ليستفيد ويفيد .. عليه أن لا يفسر أو يفهم القرآن حسب معلوماته السابقة التى تخالف توجيهات القرآن، ولا حسب أهوائه وميوله ورغباته التى لا يقرها القرآن .. وإنما يسعى إلى فهم مراد الله سبحانه من كلامه وأخذه والتعامل معه والالتزام به، إنه من المرفوض أن يستغل أناس القرآن، وأن يتعاملوا معه تعاملا مصلحيا نفعيا

стр. 129

تجاريا، وأن يوظفوه لدنياهم وأهوائهم وشهواتهم، وأن يقيدوا نصوصه بمعلوماتهم ومعارفهم المخالفة له .. إن هؤلاء محجبون عن القرآن، مخطئون فى التعامل معه.

стр. 130

- ١٨ - تسجيل الخواطر والمعانى لحظة ورودها عند ما يعيش القارئ مع القرآن بكل كيانه، ويتلقاه بكافة أجهزة التلقى والاستجابة عنده، سيأخذ عن القرآن الكثير من المعانى والإيحاءات، وترد على ذهنه وشعوره الخواطر واللطائف واللفتات والدلالات، وسيتذوق مذاقات، وسيجد راحة وسعادة، وسيتقلب فى أفياء رحمة الله ونعمته .. عندها سيعرف معنى الحياة، وسيجد طعم السعادة، ويستروح الطمأنينة واليقين .. وهذا الذى يجده ويستشعره ويعيشه قد يزول وينتهى إذا ما أقبل على آيات أخرى، لأنه سيجد عندها معانى جديدة، وسيتلقى عنها مذاقات جديدة، وقد يزول وينتهى إذا غادر ظلال القرآن وأقبل على الدنيا بشواغلها وصوارفها، وقد يزول وينتهى إذا أزله الشيطان إلى المعصية أو الغفلة أو الشهوة. ولذلك نوجه القارئ إلى أن يسجل ما يعيشه أولا بأول، وأن يقيد خواطره ولفتاته ولطائفه لحظة ورودها، وأن يقتنص هذه المعانى والحقائق قبل أن ينساها أو يصرف عنها .. وعندها سيحصل على سعادتين اثنتين: السعادة الغامرة فى أن يعيشها بكيانه ويتذوقها بمشاعره، وينفعل لها

стр. 131

بأحاسيسه، وترتد عنده إلى مذاقات وحقائق معاشة .. والسعادة الثانية فى أن يحتفظ بها ويحرص عليها ويشعر بغناه بها، وثروته منها .. فى أن يجعلها كنزا من كنوزه الثمينة العتيقة، ورصيدا وافرا من علمه ومعارفه وحقائقه ويقينياته، ومعينا ثرّا معطاء يعود إليه عند ما يحتاجه ليمده بالزاد والوقود والثقة والإيمان والثبات .. ننصح القارئ أن يكون إلى جانبه أوراقه أثناء التلاوة، وأن يسجل فيها كل ما يجده، وأن لا يكون همه- وبخاصة عند أدائه لورد التدبر الذى أشرنا إليه، أن ينتهى من الآية أو الآيات بأقصر الأوقات .. إن حرصه على تقصير الوقت قد يكون مانعا من تدبره للقرآن، وإن «الكم» القرآنى وحرصه على تكثيره قد يكون مانعا كذلك، فلا يلتفت إلى مقدار ما قرأ وما تدبر، ولا يلتفت إلى الوقت الذى أمضاه فيه، فكم من الأوقات أمضاها الصحابة والعلماء والمتدبرون للقرآن فى تدبر آية من الآيات، وترديدها ساعات وساعات قد تستغرق الليل بطوله، رغم حرصهم على أوقاتهم وشعورهم بأهميتها وقيمتها وتحرجهم من أن يضيعوا لحظتها .. ومع ذلك جادوا بها من أجل التدبر والحياة فى ظلال القرآن، وقدموها له بسخاء وكرم ويقين .. الوقت عند القارئ البصير خادم للقرآن وتابع له، يوظفه توظيفا نافعا، ويبذله بذلا كريما بسخاء، وبدون من أو أذى .. وإذا ما سار القارئ فى يومه لعمله أو حاجته، أو ضرب فى الأرض لوظيفته، أو ساح فى ساعات نهاره، فماذا يشغل فكره ومشاعره أثناء سيره؟ وإلى أين سيرسل خطراته وخواطره وخياله؟ لا يجوز أن يخرجها عن عالم القرآن، بل يختار آية يعيشها بكيانه، ويرددها بمشاعره وحواسه، ويتلقى ظلالها وإيحاءاتها .. وعندها يحاول أن يسجل ما تلقيه إليه .. فإن لم يستطع أثناء سيره فليكن هذا أول ما يقوم به عند حلوله ونزوله ..

стр. 132

كذلك إذا قرأ القرآن فى صلاته بتدبر وانفعال ومعايشة، فكم سيرد عليه من معانيه وحقائقه ولطائفه؟ فإذا خرج من صلاته سجل ما وجده منها.

стр. 133

- ١٩ - التمكن من أساسيات علوم التفسير وهذا شرط لا بدّ منه حتى تكون استنتاجات القارئ صحيحة واستدلالاته مقبولة، ونظراته صائبة، وتدبره فى القرآن علمى منهجى، ونتائجه يقينية جازمة قاطعة، وحتى يحسن التلقى عن القرآن وفهمه، وحتى لا يلوى أعناق النصوص إلى خطأ أو باطل أو يقوّلها ما لم تقله، أو يختلق لها ما ليس عندها .. لقد وضع العلماء علوما ومعارف لخدمة القرآن وحسن تدبره وتفسيره، وهى علوم نظرية نافعة، وتعين على النتائج الصائبة .. علوم اللغة ومباحثها وقضاياها، ومسائل النحو وموضوعاته، وأساليب البيان والبلاغة وضروبها وصورها وألوانها، ومباحث الأصول وفروعه، وقضايا الفقه وأحكامه .. ثم موضوعات علوم القرآن الهامة والضرورية لكل ناظر فى القرآن متدبر له مثل: أسباب النزول، وجو النزول، وزمان النزول، وملابسات النزول، والمكى والمدنى فى القرآن، والناسخ والمنسوخ فى القرآن، وأساليب البيان فى القرآن، والتصوير الفنى فى القرآن، وإعجاز القرآن، وبديع القرآن، وقصص القرآن، وأمثال القرآن، وأقسام القرآن، وأحكام القرآن، وجدل القرآن. وغير ذلك.

стр. 134

كل هذه العلوم والمعارف والمسائل والقضايا والمباحث، ضرورية للتعامل مع القرآن وتدبره والأخذ عنه، وعاصم يعصم القارئ من الخطأ والزلل- إذا صلحت نيته واستقامت حياته واستعاذ بمولاه .. وقد يهول هذا بعض القارئين، فيشفقون منه ويستصعبونه، ويظنون أنفسهم غير مؤهلين ولا من أصحابه ولا قادرين عليه، ويقصرونه على العلماء المتخصصين فى دراسة القرآن وتفسيره، من أصحاب الألقاب الجامعية وحملة الشهادات العليا، والممارسين لرسالة التدريس والتعليم والتوجيه .. وهذا وهم باطل وظن خادع، فالقرآن ليس موجّها لهذا الصنف من العلماء والمثقفين فقط، بل هو موجه أساسا لكل مسلم ومسلمة، حيث طولبوا بتلاوته والنظر فيه وتدبره .. وتحدثنا عن أهمية شعور القارئ بأنه هو المقصود أساسا بالخطاب القرآنى، فإذا ما حول هذا إلى المختصين فكم سيخسر؟؟ .. ثم إن التمكن من أساسيات علوم التفسير والإلمام بموضوعات علوم القرآن ليس شاقا ولا مستحيلا، فنحن عند ما وجهنا القارئ إلى هذا المجال، لم نطلب منه أن يكون عالما متخصصا بكل موضوع من موضوعات القرآن وعلومه، ملما بكل دقائقه وتفصيلاته وجزئياته ولطائفه وشوارده .. بل عليه أن يترك هذه التفصيلات والتدقيقات لأهل الاختصاص، إنما طلبنا منه أن يعلم ما يحتاجه من هذه العلوم ويطلع على الضروري منها للتعامل مع القرآن، ويأخذ مجمل الموضوع بإيجاز واختصار يحقق الغاية .. ويمكنه أن يكتفى بدراسة كتاب واحد من كتب علوم القرآن التى تعرض هذه العلوم والمعارف والموضوعات بإيجاز قاصد مجمل

стр. 135

مفيد .. ونحن على يقين بأن هذا القارئ عند ما يتذوق حلاوة هذه العلوم والموضوعات ويجد طعمها ولذتها، ويفرح ويسر بالمعانى واللطائف والإضافات التى حصلها بسببها، فإنه يسعى بهمة وشوق وحماس إلى التمكن منها والزيادة المتجددة على رصيده منها. ورفده دائما بلطائف وإشارات ونكات تثريه وتباركه، وكلما زادت مكتسباته من القرآن كلما زاد طلبه لهذه العلوم ورغبته فيها وإحاطته بمباحثها ..

стр. 136

- ٢٠ - الاستعانة بالمعارف والثقافات الحديثة سبق أن تحدثنا عن أمر ضرورى للتعامل مع القرآن، والوقوف على معانيه وحقائقه وعلومه وكنوزه، وهو ملاحظة البعد الواقعى للآيات، كما تحدثنا عن أمر آخر ضرورى وهو «توسيع التفسير» وثالث وهو: «تحرير النصوص من قيود الزمان والمكان» .. وحتى ينجح القارئ البصير فى تحقيق تلك الأمور، وفى استعمال تلك المفاتيح، فلا بدّ أن يستعين بالعلوم والمعارف والثقافات الحديثة، وأن يلم منها بطرف موجز، وأن يطلع منها على مسائل وقضايا ذات ارتباط بآيات القرآن .. وذلك حتى يوظف هذه العلوم والمعارف فى خدمة النص القرآنى وتوسيعه وزيادة أبعاده ودلالاته .. ومعلوم أن «الخلفية الثقافية» للقارئ وسيلة نافعة لتعامله مع القرآن، وأن حصيلته من المعارف والثقافات المعاصرة تعينه على سعة نظرته إلى الآية وتلقيه عنها وحياته بها .. ولا يتعارض هذا مع ما بيناه فى قاعدة سابقة من اشتراط دخوله عالم القرآن بدون مقررات سابقة، لأن اشتراط إلقاء المقررات والأفكار على عتبة القرآن حتى لا تحجبه عن تدبره أو تقوده إلى خطأ التعامل معه .. لا يعنى أن ينخلع القارئ من معلوماته وأن ينسلخ من ثقافاته، وأن يزيل علومه ومعارفه .. إن هذه كلها تضر إذا جعلها حاكمة على القرآن، فتحجب عنه أنواره، لكنها تنفع إذا جعلها خادمة للقرآن تابعة

стр. 137

له يستعين بها على توسيع معانيه وتكثيرها وزيادتها، عندها ستكون وسيلة نافعة وأداة طيعة .. وهذا ما نقصده منها هنا .. على القارئ أن يلم بعلم «التاريخ» ومراحله وعصوره، وأن يستعين بذلك فى تفسير الآيات ذات البعد التاريخى والتوجيهات التاريخية، مثل قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) [آل عمران: ١٣٧]، وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) [الحج: ٤٦]. وعليه أن يلم بعلم الفلك، ويستعين به فى فهم وتدبر الآيات ذات التوجيهات الفلكية، والتى تلفت الأنظار فى السماء وأفلاكها، كما فى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) [الأنعام: ٩٧]، وفى قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [الإسراء: ١٢]. وأن يلم بالموضوعات العلمية المختلفة، كالطب وعلم الأجنة ليستعين به فى تدبر وتفسير مثل قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦]، وعلم البحار لقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ١٩ - ٢٢]، وعلم طبقات الأرض

стр. 138

لقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) [فاطر: ٢٧]. وعلم الفضاء لقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) [الذاريات: ٤٧]، وغير ذلك. كما أن عليه أن يلم بمسائل علم النفس التحليلى الصائبة، وحالات النفس الإنسانية ومشاعرها وميولها، ليفسر بها تربص المعتدة وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، ويدرك سر الأمر بقضاء عدتها فى بيت زوجها وإضافة البيت لها وهى المطلقة: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق: ١] وليفسر بها مراحل سقوط الساقط فى مصائد الشيطان واستجابته لزخارفه وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) [الأنعام: ١١٣].

стр. 139

- ٢١ - العودة المتجددة للآيات والزيادة فى معانيها القرآن غنى فى معانيه ودلالاته، والآيات تنشر على القارئ من معانيها ودلالاتها حسب حالته فى التعامل معها، ودرجة استعداده فى التلقى عنها .. وهذا القرآن لا يعطى القارئ إذا كان قاعدا عن العمل به والحركة به والجهاد به، إنه لا يفتح كنوزه إلّا لمن يتحرك به، ولا ينشر ظلاله إلّا على من يقبل عليه، ولهذا لا بد للقارئ من سلوك الطريق المضمونة الصحيحة لفهمه والتعامل معه، واستخراج كنوزه ومعانيه وحقائقه .. وما نريد بيانه هنا للقارئ أن عليه ملاحظة أن مكتسباته من القرآن، وثمرات رحلته معه، ونتائج حياته فى ظلاله، وحصيلته من علومه وحقائقه وتقريراته، تنمو وتزداد باستمرار، ويضاف إليها الجديد المفيد، والجزيل الجميل .. وحتى يحقق هذا، لا بدّ من مراعاة قواعد الإقبال عليه واستخراج كنوزه ومفاتيح التعامل معه، ولا بدّ أن تكون له عودة للآيات التى عاشها. يستخرج الجديد من معانيها، ويزيد رصيده السابق منها .. وأن يتبعها بعودة أخرى وثالثة ورابعة وهكذا، بمعنى أن تكون عودته للآيات متجددة مكررة، وأن تكون وقفاته أمامها وتأملاته فيها كذلك متجددة متكررة.

стр. 140

على القارئ أن يعيش القرآن، وأن تتجدد مذاقاته وحياته من الحياة به، وأن يكتشف المزيد والجديد من الحقائق المعاشة والمقررات الثابتة .. عليه أن ينظر فى رصيده من هذه الحقائق والمعانى والمقررات، وأن يحرص على تنميتها وزيادتها، بدل أن تنقص وتضعف وتذوى وتتلاشي .. إن القارئ فى هذا الأمر أمام إحدى حالات ثلاث: الأولى: أن يكتشف أن رصيده من المعانى والتوجيهات القرآنية قد نقص عن السابق، وأن عودته الثانية للآية لا تقارب أو تدانى قراءته الأولى لها، وأن ما يجده الآن منها أقل بكثير مما وجده فى أول مرة، وأن ما حصله منه يتناقص ويتناقص، وهو فى طريقه إلى الزوال والنفاد .. فإذا كان كذلك فهو محجوب عن القرآن ولا بد أن يسعى إلى الحياة به من جديد. الثانية: أن يكتشف أن رصيده كما هو لم يتغير بزيادة أو نقصان، وأن المعلومات بقيت عنده كما هى، وأنه عاجز عن أن يضيف إليها الجديد، أو أن يرفدها بالمفيد .. وهذا كذلك محجوب عن القرآن، وما سبق تحصيله منه تجمد وتحجر، وأنه قد أسن وتغير، وأنه محاصر فى زنزانة القعود والفتور والضعف والمعصية، ومعنى هذا أن حياة العلم والتدبر والفهم عنده جامدة، وأن حركته به متوقفة، وأن نموه العلمى والإيمانى بقى عند حالة واحدة عجز عن تجاوزها .. وعلى هذا القارئ أن يسعى إلى بث الحياة فى معلوماته ومكتسباته، وإلى أن يضيف إليها روحا جديدا ونورا جديدا ومعانى جديدة .. وذلك عن طريق توثيق صلته بالقرآن وحسن تعامله معه وإقباله عليه وتلقيه عنه .. الثالثة: أن يكتشف أن رصيده قد ازداد، وأن هذه العودة الثانية

стр. 141

أو الرابعة قد أضافت له الجديد المفيد، وأمدته بالجزيل الجميل، وأنه يقف منه على معان جديدة لم يكن قد حصلها سابقا، وعلى حقائق وتقريرات وظلال لم يكن قد لاحظها أو عاشها .. فهذا هو الموفق فى صلته بالقرآن، وهو الحى بالقرآن، وهو المتحرك بالقرآن، وهو رجل القرآن .. إن رصيده القرآنى يتضاعف، وإن معلوماته تزداد، وإن صلته به تتوثق، وإن حياته به ومعه تنمو وتتجدد .. فليحمد الله على ذلك، وليسأل الله المزيد ..

стр. 142

- ٢٢ - ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة القرآن الكريم وحدة موضوعية متكاملة، ولو كان من عند غير الله لكان فيه اختلاف كبير، وهو كله متناسق جميل فى صياغته فى جمله وعباراته وكلماته، كما أنه متناسب مترابط فى موضوعاته ومعانيه، فالتناسب والتناسق والوحدة فى كل سورة من سوره، وفى كل درس من دروسها، وفى كل مقطع من مقاطعها، وفى كل آية من آياتها، وفى كل كلمة من كلماتها .. إنه بنيان قرآنى متماسك متناسق متصل معجز .. إنه أشبه ما يكون- من باب التقريب والتوضيح- بعمارة رائعة، يلحظ التناسق والانسجام فيها من بعيد، كما يدرك ذلك عند ما ينظر فى كل دور من أدوارها، وفى كل شقة من شقق ذلك الدور، وفى كل حجرة من حجرات تلك الشقة، وفى كل جدار من جدران الحجرة، وفى كل لبنة من لبنات الجدار .. وهكذا القرآن فى عمومه، ثم فى كل سورة منه، ثم فى كل درس من دروسه، ثم فى كل مقطع من مقاطعه، ثم فى كل آية من آيات المقطع، ثم فى كل كلمة من كلمات الآية .. والقارئ البصير مطالب أن يلتفت إلى الوحدة الموضوعية للقرآن وللسورة منه، وأن يلحظ التناسق والتناسب والارتباط بين الدروس والمقاطع، وأن يتعامل مع السورة على أنها وحدة موضوعية متكاملة.

стр. 143

متجانسة، وأن يتعامل معها على أن لها شخصية مستقلة متميزة متفردة، شخصية تربط موضوعها الرئيسي بموضوعات دروسها ومقاطعها، بخيوط دقيقة متينة يلحظها المتدبر البصير .. يقول سيد قطب: «ومن ثم يلحظ من يعيش فى ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حى مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص! ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة. تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو. ولها إيقاع موسيقى خاص- إذا تغير فى ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة .. وهذا طابع عام فى سور القرآن جميعا .. » [الظلال ١/ ٢٨]. ويقول فى تقديمه لسورة الأعراف «إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص فى علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة .. إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص فى علاج هذا الموضع، وتحقيق هذه الغاية .. إن الشأن فى سور القرآن- من هذه الوجهة- كالشأن فى نماذج البشر التى جعلها الله متميزة .. كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوى والوظيفى الإنسانى .. ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع .. نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التى لا تجمعها إلّا الخصائص الإنسانية العامة ..

стр. 144

هكذا عدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها. بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته، وملامحه وسماته!» [الظلال ٣/ ١٢٤٣]. وعلى القارئ أن يسير مع القرآن كما سار سيد قطب، وأن يتعامل مع سوره كما تعامل سيد قطب، وأن يتخذ كل واحدة منها صديقا وحبيبا ومؤنسا وودودا كما فعل سيد قطب .. عندها سيقف على الشخصية المستقلة للسورة وسيحسن الربط بين آياتها وموضوعاتها، وسيلحظ الخيوط الدقيقة المتينة فيها، وسيتزود بزاد عظيم من معانيها وحقائقها.

стр. 145

- ٢٣ - متابعة الاستعمال القرآنى للمصطلح الواحد إن مصاحبة سور القرآن وآياته وكلماته ومصطلحاته شيقة لطيفة مؤنسة .. إنها تقود القارئ إلى رحلة شيقة لطيفة مؤنسة .. وتطلعه على ألوان وصور ونماذج من المعانى والحقائق والتقريرات والإيحاءات .. وتوقفه أمام كنوز لا تنفد ومذاقات تتجدد .. إن القرآن الكريم دقيق فى اختيار مفرداته واستعمال مصطلحاته، وعرض مفاهيمه وحقائقه .. وإنه ينوع صور استعمال المصطلح الواحد، ويبدع فى استخدامها، ويضيف معانى جديدة فى هذا السياق إلى ما قرره فى سياق سابق .. ويلقى فى كل مرة ظلالا خاصة، ويقدم للقارئ فى كل مرة مذاقات جديدة لذيذة .. وإذا أراد القارئ أن يسعد ويحيا ويعيش بالقرآن فلا بد أن «يسلم» نفسه إليه، وأن يستسلم بين يديه، وأن «يمتع» مشاعره وحواسه وقلبه وعقله وكل كيانه فى رحلة قرآنية ممتعة، يعود منها بزاد ومدد عظيمين .. إننا ندعوه إلى أن يتتبع استعمال القرآن للمصطلح الواحد، وأن يجمع صور وأساليب وألوان استخدامه له، وأن يلحظ ما أضافه إلى المرات السابقة .. عليه أن يسجل مظاهر الاختلاف فى الاستعمال، وأن يقدمها
следующие страницы →