← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38071

مفاتيح للتعامل مع القرآن

صلاح الخالدي

Полный текст (161 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الكرام، الذين كان الواحد منهم قرآنيا، يعيش بالقرآن وفيه وله، كما أنتج فى العصور اللاحقة رجالا قرآنيين فى صفاتهم الإسلامية القرآنية .. والنماذج المعاصرة من هؤلاء الرجال موجودة وافرة تتوزع رقعة شاسعة من عالمنا المعاصر .. وما زال القرآن جاهزا وقادرا بإذن الله على العطاء والإخراج، ومستعدا لأداء هذا الهدف وتحقيق هذا الغرض، بشرط أن يلحظ القارئ فيه هذا، وأن يلتفت إليه، وأن يحسن التعامل معه والتلقى عنه، وأن يتجاوب معه فى الإيجاد والتنشئة والتربية .. وصدق الله العظيم القائل: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ .. [الأنعام: ١٢٢]. فالناس بدون القرآن أموات فى قلوبهم وحواسهم ومشاعرهم وحياتهم وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) [فاطر: ١٩ - ٢٢]. فالقرآن لا يدركه إلّا الحى ولا يتفاعل معه إلّا الحى إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) [يس: ٦٩ - ٧٠]. ٣ - إيجاد المجتمع الإسلامى القرآنى الأصيل: وهو المجتمع المكون من الأفراد القرآنيين- الذين أنشأهم القرآن- بناء هذا المجتمع على منهج القرآن وأسسه ومبادئه وتوجيهاته، وإرساء أسس هذا المجتمع ومناهج حياته، وتزويده بكل ما يحتاجه من هذا كله .. وعند ما ينبثق المجتمع من نصوص القرآن، ويعيش فى ظلال القرآن، وينمو فى جو القرآن، ويتقلب فى أنوار القرآن، يكون مجتمعا حيا حياة عزيزة كريمة حرة

стр. 72

سعيدة، وإلّا فهو مجتمع ميت يجتر آلامه ومآسيه، ويتجرع ذله وجبنه وهو انه كل لحظة .. لقد أوجد القرآن مجتمع الصحابة الأول- المجتمع القرآنى الرائد الفريد- وهو قادر على إيجاد المجتمعات وبنائها وتعاهدها إذا صدقت فى الإقبال عليه والتفاعل معه والحياة به .. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، فالقرآن هو دعوة النبى ﵊، وهو دعوة إلى الحياة اللائقة ببنى الإنسان، الحياة القرآنية فى كافة مجالاتها وجوانبها ومظاهرها .. ومن رفض هذه الدعوة فقد رفض الحياة، وحكم على نفسه بالموت، الموت المعنوى الذى لا يشابه الموت المادى المحسوس. قال تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) [الأنعام: ٣٦]، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) [النساء: ١٧٤ - ١٧٥]. هذا وتستعمل الحياة- فى الأسلوب القرآنى- على أوجه ستة، ذكرها الإمام الراغب فى مفرداته، وأورد الأدلة عليها والنماذج لها من آيات القرآن الكريم. الأول: القوة النامية الموجودة فى النبات والحيوان: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠]. الثانى: القوة الحساسة، وبه سمى الحيوان حيوانا: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [فاطر: ٢٢]. الثالث: القوة العاملة العاقلة: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً [الأنعام: ١٢٢].

стр. 73

الرابع: ارتفاع الغم، وعليه يحمل قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]. الخامس: الحياة الأخروية الأبدية، وذلك يتوصل إليه بالحياة التى هى العقل والعلم، قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) [الفجر: ٢٣ - ٢٤]. السادس: الحياة التى يوصف بها البارئ سبحانه، فهو حى معناه لا يصح عليه الموت. قال تعالى: هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [غافر: ٦٥]. ٤ - قيادة الأمة المسلمة فى معركتها اللازمة مع الجاهلية من حولها، مع أعدائها المتربصين بها، الذين لا يرقبون فيها إلّا ولا ذمة، ولا يتركون فى حربها أسلوبا ولا وسيلة .. فالقرآن يأخذ بيد هذه الأمة إلى ميدان المعركة، ويوقفها فيه، ويمدها بوسائل النصر وأسلحة القتال وأساليب الجهاد، ويعرفها على سبب شن الأعداء الحرب عليها، وعلى هدفهم من حربها، وعلى اجتماعهم على قتالها، وعلى استخدامهم كل ما يقدرون عليه لإفنائها، وعلى شخصياتهم ونفسياتهم، وعلى أساليبهم ومكائدهم، وعلى مكرهم ومراوغتهم، وعلى شبهاتهم ودعاياتهم، وعلى أسلحتهم وأدواتهم .. ويضع أيديها على عدة النصر وزاد الطريق وقوة المواجهة، بحيث يربطها بحبل ربها ويوثق صلتها بإسلامها .. فتخرج من معركتها المفروضة عليها- بقيادة القرآن وتوجيهاته وهدايته- منتصرة عزيزة حرة كريمة .. وهذا ما فعله القرآن مع الصحابة الكرام فى جهادهم، وهذا ما فعله مع المسلمين عند ما أقبلوا وسعوا إلى تحقيق هذا الهدف. وهو ما زال مستعدا وجاهزا وقادرا بعون الله، فأين المجاهدون المقبلون

стр. 74

عليه؟ الحاملون له؟ المتحركون به؟ المواجهون للأعداء من خلاله وعلى هديه؟؟ قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) [الفرقان: ٥٢]. وهذا توجيه ربانى للرسول ﵊، وللأمة من بعده، أن تجعل القرآن الكريم أداة ووسيلة تستعين بها فى جهاد الكفار، وتعتبره السلاح الأول والأساسى والفعال فى هذا الجهاد .. وأن مما يدمى القلب فى هذا الزمان أن يقبل أناس من المترئسين والمتنفذين والمتزعمين للأمة على أعداء الإسلام والقرآن، وأن يستعينوا بهم فى جهاد القرآن ومقاومته، وأن يجاهدوا القرآن بهؤلاء، وأن يتحالفوا معهم فى طمس هدايته وإطفاء نوره والقضاء عليه .. ولكن هؤلاء جميعا نسوا أنهم يحاربون الله سبحانه، ومصير كل من حارب الله معروف فى التاريخ، وصدق الله: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) [الصف: ٨ - ٩].

стр. 75

- ٣ - ملاحظة المهمة العملية الحركية للقرآن على القارئ البصير للقرآن أن يلحظ ويلاحظ المهمة العملية الحركية للقرآن، ويقوده إلى هذه الملاحظة المفتاحان السابقان «النظرة الكلية الشاملة» و «الالتفات إلى الأغراض الأساسية» فعند ما يحسن استعمال ذينك المفتاحين فسيتعرف على مهمة هذا القرآن ورسالته، وهى عملية حركية واقعية .. إن أوضح سمة من سمات القرآن هى «الواقعية الحركية» وهى مفتاح التعامل مع هذا القرآن وإدراك مراميه وأغراضه، وفقهه وفهمه وتدبره- كما يقول الشهيد سيد قطب فى ما أوردناه له- وهذه الواقعية الحركية هى التى تحدد «المهمة العملية الحركية» للقرآن الكريم، وتوضح رسالته الجدية الواقعية فى الحياة .. لقد وصف الله كتابه وصفا عجيبا، يدل دلالة واضحة على مهمته العملية، الحركية، حيث أخبرنا عن كتابه بأنه حكيم! فقال: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١ - ٢]، وقال: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) [الزخرف: ٤]، والحكمة من صفات العقلاء، ولهذا القرآن صفات العقلاء، إنه على حكيم، يربى بحكمة، ويتصرف بحكمة، ويقود الأمة بحكمة، ويؤدى مهمته ورسالته بحكمة ..

стр. 76

بهذه الحكمة القرآنية عمل القرآن ما عمل فى حياة الصحابة، وبهذه المهمة العملية الحركية أخرج الصحابة إخراجا من العدم إلى القيادة، ومن الموت إلى الحياة، وبهذه السمة «الواقعية الحركية» كان القرآن حاضرا هناك وعاملا حيا، وموجها رائدا .. أدرك الصحابة الكرام- الجيل القرآنى الفريد- هذه السمة، والتفتوا إلى هذه الحكمة، ولاحظوا هذه المهمة، فصنعوا الأعاجيب فى حياة البشرية .. ولا بد أن نلاحظ نحن هذه المهمة القرآنية فى حياتنا وواقعنا، وأن نتفاعل مع الحكمة القرآنية، وأن نتدبر الواقعية الحركية فيه، حتى نحسن الأخذ عنه والحركة به .. وحتى ننجح بهذا لا بدّ من ردم الحاجز السميك بين قلوبنا وبين القرآن، وإزالة الفجوة العميقة بيننا وبين القرآن، وتطهير القلوب مما علق بها من غشاوات وأكنة وتلبيسات وشهوات، حالت بينها وبين أنوار القرآن .. لا بدّ أن نخطو نحن نحو القرآن، وأن ندخل فى عالمه الرحيب، ندخل فيه بكامل كياننا الإنسانى، ونتلقى عنه بكافة أجهزة التلقي والاستجابة فينا، ونقف منه على مهمته العملية الحركية الواقعية، ونلحظها فى كل سوره وآياته وعندها سنرى القرآن حيا فاعلا، وحكيما موجها، وقائدا مربيا، وسيخرجنا بإذن الله إخراجا مباركا، وينشئنا تنشئة رائدة، ويوصلنا إلى مركز القيادة والريادة والأستاذية للإنسانية. كل آيات القرآن توحى بمهمته العملية الحركية، وتشير إلى واقعيته الحركية الجدية، وتنبض بمظاهر الحياة والحيوية فيه .. من ذلك قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠]. فالأمة الإسلامية أخرجت للناس إخراجا من العدم، انبثقت من بين

стр. 77

نصوص القرآن، وولدت ميلادا جديدا فى محضن القرآن، ونمت وترعرعت وعاشت فى ظلال القرآن .. وبهذا كانت خير أمة، ومن هى الأمة التى تقاربها فى هذه الخيرية فضلا عن أن تساويها أو تتفوق عليها؟؟ وهل المسلمون اليوم يتمتعون بهذه الخيرية؟ ويؤدون هذه الوظيفة، ويسبقون العالم إلى الرّيادة والقيادة؟ الجواب معروف، والسر هو فى نظرتها للقرآن، وتعاملها معه، وصلتها به .. كم سيربح القارئ للقرآن ويستفيد، وما هى الحصيلة الوافرة الثرية من المعلومات والتوجيهات والحقائق والإيحاءات التى سيخرج بها عند ما يقرأ نصوصا للقرآن، وهو يستخدم هذا المفتاح «المهمة العملية الحركية للقرآن»، وهو يدرك هذه السمة «الواقعية الحركية للقرآن»! ندعوه إلى أن يقرأ هذه الآيات- على سبيل المثال- بهذا الاعتبار: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) [البقرة: ١٢٠]. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) [آل عمران: ١٣٧ - ١٣٨]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) [المائدة: ١٠٥]. وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي

стр. 78

حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) [الأنعام: ١١٢ - ١١٧].

стр. 79

- ٤ - المحافظة على جو النص القرآنى قارئ القرآن قد يشغل نفسه بشواغل أثناء التلاوة، تخايل له فتحجب عنه أنوار القرآن، وقد يسرح فى ذهنه، ويجول خياله فى الآفاق .. وقد سبق أن تحدثنا عن هذا فى آداب تلاوة القرآن. ولكن الذى نبينه هنا أن يبقى القارئ فى «جو» النص القرآنى، وأن يحضر معه كل أجهزة وأدوات التلقى والاستجابة والتأثر والانفعال فى كيانه الإنسانى، للتفاعل مع القرآن وتأخذ عنه .. على القارئ أن «يحافظ» على الجو القرآنى المبارك، وأن يحرص على إبقائه وإثرائه وزيادته كلما أقبل على التلاوة، وأن يزداد من كل هذا كلما تكررت التلاوة وعاود النظر فى كتاب الله .. وهو فى أثناء قراءته للآيات قد تستوقفه مجموعة منها، وتدعوه إلى أن يتوسع فى تدبرها واستخراج ما فيها، ولا مانع أن يطيل هذه الوقفة، وأن يلبى تلك الدعوة!! لكن بشرط أن لا يخرج عن جو النص القرآنى الكريم، وأن يبقى خواطره ومشاعره، وأفكاره وتصوراته، ونظراته واهتماماته، يبقيها مع الآيات وظلالها وإيحاءها .. فإذا ما سوغت له نفسه الخروج من هذا إلى اهتمامات أخرى فلا يستجب لها، وإذا ما زينت له أفكاره التعريج على مباحث وقضايا وجوانب واستطرادات لا ارتباط بينها

стр. 80

وبين الآيات، ولا يتوقف فهم الآيات وتدبرها عليها، فلا يقبل ذلك ولا يقبل عليه، وليقصر نفسه وفكره على العودة إلى جو النص القرآنى، وليكن يقظا ومنتبها لهذا أثناء التلاوة .. إن البقاء فى جو النص القرآنى، والمحافظة عليه، هو مفتاح لا بدّ منه لفتح كنوز القرآن، وحسن التعامل معه والتلقى عنه والاستجابة له .. ولا أدرى كيف يجيز قارئ أو كاتب أو ناظر فى القرآن لنفسه وفكره أن يخرج من صحبة القرآن الحبيب، ويغادر ظلاله وأنواره وأفياءه، وجوه وعطره وحكمته، إلى تحقيقات واستطرادات وشواغل ومشكلات أتى بها البشر وأشغلوا أنفسهم- والناس معهم- بها .. إن النص القرآنى يطلق شحنات كامنة من معانيه، ويفيض فيوضات دافقة من أنواره، ولكنها لا يقتنصها ويدركها ويتعرض لها إلّا من كان يقظا لها، متفاعلا معها، حاضرا بكل كيانه لحظتها. ليحاول القارئ- من باب التمثيل لهذا المفتاح- أن يتلو بكل كيانه هذه النصوص، وأن يعيش فى جوها وأن يحافظ على ذلك، ثم لينظر الرصيد الضخم الذى أضافه إلى حياته فى ظلال القرآن، والكنز الثمين الذى خرج به من هذه القاعدة، والثمار اليانعة التى جناها من هذه الصحبة الواعية .. ليعش طويلا مع قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) [النساء: ١٢٣ - ١٢٤]، والنقير هو النقرة فى ظهر نواة التمر، وهذه هى أخوف آية فى كتاب الله!!

стр. 81

وليعش طويلا مع قوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) [الأنعام: ٧١]. ومع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) [التوبة: ١١١]. ومع قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) [الزمر: ٣٦ - ٣٧].

стр. 82

- ٥ - استبعاد المطولات التى قد تحجب نور القرآن وهذا متمم للسابق ومكمل له، فإن من لوازم المحافظة على جو النص القرآنى، أن لا يلتفت إلى المطولات التى قد تخرجه من هذا الجو، وتحجب عنه أنوار القرآن وموحياته وتوجيهاته .. إن هذه المباحث الكثيرة فى كتب التفسير وضعها السادة المفسرون من أجل «تثقيف» القارئ للتفسير، وتزويده بأكبر قدر من هذه الثقافة، هم فعلوا هذا بمقصد نبيل ونية حسنة، وهم مأجورون عند الله إن شاء الله، ولقد استفاد القراء من كثير منها وأضافوا إضافات إلى رصيدهم الثقافى التفسيرى .. ولا مانع أن يقبل على هذه المطولات والمباحث والمشكلات والقضايا بعض المتخصصين فى التفسير، بين الحين والآخر فى فترات متباعدة .. لكن أن يعود إليها دارسو التفسير جمعيا، وقارئو القرآن، وأن تكون هذه المطولات المختلفة هى الهدف من الدراسة والقراءة، والغرض من النظر فى القرآن، والثمرة التى تجنى من الحياة معه، فهذا حاجز يحجزهم عن القرآن، وحاجب يحجب عنهم نوره وهداه .. لن يضير قارئ القرآن ودارسه شيئا لو لم يطلع على هذه المطولات أصلا، ولم يفته شيء من هدى القرآن وكنوزه لو لم يعرف عنها شيئا، ولن ينقص علمه بالقرآن لو لم يتعامل معها مطلقا.

стр. 83

إننا نكاد نطالب قارئ القرآن أولا أن يقتصر عليه، ونطلب منه أن يستبعد المباحث والاستطرادات التى ذهب إليها دارسو القرآن ومفسروه من السابقين. وهذه المطولات والمباحث مختلفة: منها النحوية المتعلقة باختلافات النحويين فى وجوه إعراب الكلمات القرآنية، ونقاشاتهم وترجيحاتهم .. ومنها البلاغية المتعلقة بالكلمة القرآنية ومعانيها واشتقاقاتها والخلافات والترجيحات فيها .. ومنها الفقهية المتعلقة باختلافات الفقهاء فى الأحكام الفقهية المستنبطة من النص وردودهم وأدلتهم وتوجيهاتهم .. ومنها الأثرية المتعلقة بنزول الآيات وأسبابها وزمانها ومكانها والأقوال المأثورة المتعارضة عن السابقين فى تفسيرها .. ومنها القصصية المتعلقة بقصص القرآن وحديثه عن السابقين، والخلافات فى تحديد القصة أو زمانها أو أبطالها وتفصيلاتها وأحداثها ومجرياتها .. إلى غير ذلك من الأساطير والإسرائليات والخرافات. إذا قرأ قارئ قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) [البقرة: ٣٠ - ٣١]، فليبق فى جو هذه الآيات التى تعرض قصة آدم، ليتلقى إيحاءاتها .. ولا يخرج إلى مباحث مطولة واستطرادات مرفوضة قام بها بعض السابقين، تشغل هذا القارئ عن معايشة النصوص، وتحجب عنه أنواره: لا يهتم بالاختلاف فى اشتقاق كلمة «الملائكة» والنقاش بين الآراء المختلفة فيه، ولا يذهب إلى تيه التأويلات الافتراضية حول كيفية قول الله لملائكته، وجوابهم عليه، ومعرفتهم أو توقعهم الإفساد وسفك الدماء من نسل هذا الخليفة وأدلتهم

стр. 84

على ذلك، وتفاصيل ما جرى بعد ذلك بين آدم وإبليس، ومكان الجنة التى جرت فيها هذه القصة .. ولا يستطرد إلى الحديث عن العلم وشروطه وألوانه وفضله .. وغير ذلك. إذا قرأ القارئ قصة ابني آدم فى سورة المائدة [٢٧ - ٣٢] فلا يقع تحت تأثير الاستطراد والتفصيل والخبط بلا دليل، الذى أتى به سابقون من المفسرين، فى افتراض تفصيلات للقصة لا تقوم على أصل، ولم يرد بها نص موثوق. إذا قرأ الآيات التى تعرض أحكام الصيام فى البقرة [١٨٣ - ١٨٧] أو تلك التى تقرر أحكام القتل وأنواعه وكفارته فى النساء [٩٢ - ٩٣] أو التى تتحدث عن الذبائح والتسمية عليها فى الأنعام [١١٨ - ١٢١] أو التى تتحدث عن حد الزنا والقذف واللعان فى سورة النور [١ - ١٠]، إذا قرأ هذه الآيات وغيرها من آيات الأحكام، فليبق عند جو النص القرآنى لا يغادره إلى استطرادات الفقهاء حولها. ولا يحول نظره فى الآيات وتدبره فيها إلى موسوعة فقهية مذهبية، وإلى معركة جدلية بين الآراء والأقوال المتعارضة .. وليترك هذه للمتخصصين من الفقهاء فى الدراسات الفقهية، وليحقق هو فى نفسه ومن حوله أغراض القرآن، التى ليس من بينها قطعا الاستطراد والتوسع والتفصيل والتطويل.

стр. 85

- ٦ - تنزيه القرآن عن الإسرائيليات وعدم تبيين المبهمات حديث القرآن الكريم عن السابقين وإيراده لقصصهم وأخبارهم، لم يكن يتبع المنهج التفصيلى التحليلى، فلم يتوسع فى الحديث عن زمان أو مكان أو أبطال أو تفصيلات القصة، ولم يتحدث عن كل حادثة أو جزئية أو فرعية فيها، ولم يستطرد إلى تكميلات وتحليلات وتفصيلات فى أحداثها وحركات أبطالها وخلفيات مشاهدها .. لم يفعل القرآن شيئا من هذا لأنه لم يستهدف من قصصه هذه التفصيلات والتحليلات، إنما هدف إلى عرض الحقائق وتقرير القيم والتصورات، واستخلاص العبر والدروس، والتوجيه إلى الدلالات، والانتفاع بما فيها من توجيهات .. وهذا متحقق فى المقدار الذى عرضه القرآن، بالكيفية التى عرضه بها .. وكان الأولى بالناظرين فى القرآن والدارسين له- الذين اتجهوا إلى الإسرائيليات والأساطير- أن يقفوا عند العرض القرآنى لقصص السابقين وأن يستفيدوا من منهجه وطريقته فى النظر فيها وتحليلها، وأن يقبلوا على استخلاص التوجيهات والدروس فيها، وأن لا يجاوزوا القرآن إلى مصادر بشرية عاجزة جاهلة، يطلبون منها تفصيل ما أجمل القرآن، أو تبيين ما أبهم فيه، أو الحديث عما أغفل!!.

стр. 86

وليتهم طلبوا هذا من مصادر موثوقة قد تعطيهم علما ويقينا فى هذا، ولكنهم طلبوا هذا من مصادر محرفة كاذبة، واستفتوا أناسا كافرين ظالمين محرفين لدينهم .. اتجهوا إلى بنى إسرائيل يسألونهم عن ذلك، وأقبلوا على الإسرائيليات، يزيدون منها علمهم وثقافتهم، ويملئون منها تفاسيرهم وأبحاثهم ودراساتهم، ويحددون بهذا الهراء والادعاء نصوص القرآن، ويفسرون بهذه الأساطير آيات القرآن، ويبينون بهذه الخرافات مبهمات القرآن، ويتقولون بهذا على السابقين ما لم يقولوه، وينسبون لهم ما لم يفعلوه .. ونسى هؤلاء توجيهات القرآن فى عدم البحث فيما لا دليل عليه، كأحداث الماضين التى هى من أنباء الغيب، وأن لا يسأل فيها من لا علم عنده، وأن لا يقفو المسلم ما ليس له به علم، ولا يتبع ما لا دليل عليه، لأنه يسأل عنه يوم القيامة وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) [الإسراء: ٣٦]، ونسوا نهى القرآن المباشر للمسلمين أن يأخذوا فى قصص السابقين عن أهل الكتاب، وأن لا يستفتوهم فى شيء منها، وذلك قوله- أثناء الحديث عن عدد أصحاب الكهف- قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) [الكهف: ٢٢]، ونسوا نفى القرآن الصريح العلم عن البشر فى كثير من أحداث التاريخ الماضية، وتقريره عن حلقات فى ذلك التاريخ لا يعلمها أحد من البشر وإنما يعلمها الله، وذلك فى قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، ونسوا دعوة القرآن إلى التثبت فى أنباء الفاسقين، فكيف فى أنباء الكافرين الكاذبين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].

стр. 87

وعلى هدى هذا المفتاح فى التعامل مع القرآن، وبخاصة حديثه عن قصص السابقين، فإننا ندعو قارئ القرآن أن يتجاوز كل الإسرائيليات والخرافات والأساطير التى وردت عنها، والتى ملأ بها مفسرون ودارسون كتاباتهم، فحجبوا بذلك كثيرا من أنوار القرآن فى أكوام من ذلك الركام. لا بدّ للقارئ أن ينزه القرآن عن الإسرائيليات كلها، وأن لا يجاوز نصوص القرآن وما صح من حديث رسول الله ﵊ فى ذلك، وأن لا يقبل أى قول آخر بعد ذلك مهما كان قائله، إذا لم يبين دليله الذى استدل به ومصدره الذى أخذ عنه .. إذا فعل القارئ ذلك فكم سيسقط ويلغى صفحات من تفاسير سابقة؟ ويلغى كتبا وحكايات أسطورية؟ ويكون فى منأى ومأمن عن أن يخبط فى تيه الخرافات، لأنه مهتد بأنوار القرآن .. لا أجد ما يدعونى إلى التمثيل بنماذج للإسرائيليات فى قصص القرآن، لأنها ما تركت منها واحدة، وأى قارئ فى التفاسير السابقة سيقف على ركام ثقيل منها. سيجد هذا إذا قرأ عن بقرة بنى إسرائيل فى البقرة، وعن ولادة عيسى ﵇ فى آل عمران، وعن رفعه فى سورة النساء، وعن مائدة النصارى فى المائدة، وعن إبراهيم ﵇ مع قومه فى الأنعام، وعن موسى ﵇ مع فرعون ومع بنى إسرائيل فى الأعراف .. وغير ذلك. ومما هو مرتبط بهذه القاعدة موقف القارئ من مبهمات القرآن، وهى ما أبهمه القرآن من أسماء الأشخاص والأماكن فى قصص السابقين. وهى التى يستحيل علينا أن نبينها، وأن نحدد تلك الأسماء لأننا لم نشهدها، ولأن الروايات عن أهل الكتاب فيها مطعون فيها، ومردودة علميا، لتطرق التحريف والكذب إليها وغلبته عليها.

стр. 88

موقف القارئ منها أن ينظر فى القرآن، فإذا وجد ما أبهم فى موضع مبينا فى موطن آخر أخذه، فإن لم يجده مبينا فى القرآن، توجه إلى ما صح من حديث رسول الله ﵇، فإذا بين هناك أخذه .. ولا يجوز أن يبحث فى غير هذين المصدرين اليقينيين، فليتركه بعد ذلك على إبهامه، وليسعه ما وسع رسول الله ﵊ وأصحابه فى موقفهم منه .. فإن لم يفعل ذلك قال على الله بدون علم، واتبع من ليس عنده علم. وأشغل نفسه فى ما لا خير فيه، وخرج عن جو النص القرآنى، وأقبل على موانع وحجب تحجب عنه نور القرآن .. وخالف فى ذلك كله هدى رسول الله ﵇ وأصحابه الكرام فى الصلة بالقرآن، واستبعد هذه المفاتيح الضرورية للتعامل مع القرآن .. من المبهمات التى لا يجوز أن يبحث عن بيانها: الشجرة التى أكل منها آدم ﵇، وخشب سفينة نوح ﵇، وأسماء وأصناف طيور إبراهيم ﵇، ونوع عصا موسى ﵇، وأسماء أهل الكهف وكلبهم، والثمن الذى بيع به يوسف ﵇، واسم الحاكم الذى حاجّ إبراهيم فى ربه، واسم الذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها، واسم الذى عنده علم من الكتاب عند سليمان ﵇ .. وغير ذلك.

стр. 89

- ٧ - دخول عالم القرآن دون مقررات سابقة قد يجمع القارئ مقرراته وثقافاته من مصادر عديدة، وقد تكون هذه المصادر متعارضة أو متداخلة أو متناقضة، فينعكس هذا على مقرراته التى أخذها وثقافته التى حصلها، فيكون مشوشا فى فكره، متناقضا فى تصوراته، متعارضا فى نظراته .. وهذا حال كثير من المثقفين فى عصرنا، الذين استقوا علومهم من الينابيع الملوثة، وحصلوا ثقافاتهم من المصادر الغربية الدخيلة .. والقرآن الكريم وحده هو النبع الصافى الثر الأصيل، الذى يخرج الإنسان المسلم المتوازن، والذى يزوده بالتصورات والحقائق والقيم والثقافات الصحيحة الصادقة اليقينية .. ولكن القرآن لن يفعل هذا إلّا بشرط، وهو أن يدخل القارئ عالم القرآن بدون مقررات سابقة كان قد حصلها من هنا وهناك من نتاج البشر .. هو أن يلقى على عتبة القرآن بكل هذا الركام وأن يدخله مجردا منه، وأن يتعامل معه من البدايات، وأن يتلقى عنه المعانى والإيحاءات والتصورات .. إن هذا ما فعله الصحابة الكرام فى تعاملهم مع القرآن- فكانوا جيلا قرآنيا فريدا- لقد كان الرجل منهم يلقى على عتبة القرآن بكل ماضيه وتصوراته وموروثاته .. ويدخل عالمه الرحيب الطاهر صفر اليدين، ويبنى

стр. 90

نفسه بناء متوازنا بطيئا، ويحصل منه مقرراته وثقافاته ومناهج حياته، فيتخرج من مدرسته رجلا إيمانيا متوازيا سويا .. القرآن الكريم يعطى القارئ الكثير من المعانى والحقائق، ويزوده بالكثير من المعارف والثقافات، ويمنحه الكثير من الكنوز والتوجيهات، ويقدم له الكثير من المقررات والتصورات .. ويطلق له من أنواره ما ينير له حياته، وينشر عليه من ظلاله ما يضفى عليه الرحمة والأنس والطمأنينة .. وهذا كله بشرط أن لا يتعامل معه بمقررات سابقة، غريبة على التوجيه القرآنى، ودخيلة على التصور الإسلامى .. وقد أخطأ أناس فى صلتهم بالقرآن، ولم يحسنوا دخول عالمه الرحيب، فمنهم من أحضر معه ركاما ثقيلا من المعارف والثقافات والأخلاق والعادات والأعراف والسلوكيات- وهى متناقضة مع توجيهات القرآن- فحجبت هذه عنه أنوار القرآن .. ومنهم من دخل عالم القرآن بمقرر فكرى مسبق، بقى يخايل له وهو ينظر فى القرآن، فحجب عنه الرؤية وأوقعه فى الغبش والتخليط، ومنهم من أقبل على القرآن بنية مسبقة، وخلفية سابقة، وهدف يبغى تحقيقه، فصار يعتسف الطريق، ويتكلف الأدلة، ويلوى أعناق النصوص ليا، ويقسرها قسرا، ويستنطقها استنطاقا، لتشهد له .. وهؤلاء جميعا خرجوا بنتائج خاطئة، ومقررات مرفوضة، نسبوها إلى القرآن الكريم، وما هى إلّا نتاج غبش وتيه، وثمرة حجاب عن أنوار القرآن وحقائقه. ومن الأمثلة السريعة لهؤلاء الذين دخلوا القرآن بمقررات سابقة فضلّوا، وخرجوا من ذلك بنتائج خاطئة فأضلوا ..

стр. 91

ذلك الذى أراد أن يستدل من القرآن على أن الأديان السماوية كلها وحدة واحدة، وأن أتباعها كلهم فى الجنة، وأن اليهود والنصارى- بعد نزول القرآن- هم مقبولون عند الله، وتوكأ فى كل هذا على قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) [المائدة: ٦٩]. وذلك الذى استدل بقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [الأنعام: ٣٨] على أن القرآن حوى جميع العلوم والمعارف. وذلك الذى يركن إلى الحكام الظالمين المحاربين لله ورسوله ولدينه، فيبحث لهم عن آية توجب طاعتهم وتنفيذ أحكامهم، فيعتمد على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]. وذلك الشيخ الذى باع دينه بدين غيره من الحكام الظالمين، فخسر الأمرين معا، وصار يبرر لهم رذائلهم وضلالهم، ويعطيه بعدا إسلاميا، ويضفى عليه ظلا قرآنيا، ويبحث عن آيات القرآن لتشهد له .. إذا طلبوا فتوى فى الفائدة الحرام، والربا المقيت، وجدها فى آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠]. وإذا والوا النصارى وأحبوهم وقربوهم، برر لهم ذلك بآية: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) [المائدة: ٨٢]. وإذا ذلوا أمام الأعداء وجبنوا عن قتالهم، وفاوضوهم على البلاد، وصالحوهم على الأوطان، وتنازلوا عن البلدان، أجاز لهم ذلك بآية: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١].

стр. 92

وإذا بطش هؤلاء بجنود الله، وحاربوا أولياء الله، وآذوا أحباب الله واتهموهم بكل شناعة، ونسبوا لهم كل عيب، ولفقوا لهم كل تهمة، ومدوا إليهم أيديهم وألسنتهم بكل صنوف الأذى والعدوان والاضطهاد والتعذيب. اعتبر ذلك التاجر بدينه وقرآنه رجال الله بغاة محاربين، وطبق عليهم حد الحرابة، وذبحهم بالقرآن: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة: ٣٣].

стр. 93

- ٨ - الثقة المطلقة بالنص القرآنى وإخضاع الواقع المخالف له القرآن كلام الله، ولا بدّ أن ينظر له على أنه كلام الله، ويتم التعامل معه على أنه كلام الله، ويوثق به على أنه كلام الله، ويسلم به ويصدق به على أنه كلام الله، وهو الحق المطلق والصدق المطلق والخير المطلق والهدى المطلق .. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) [النساء: ٨٧]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) [النساء: ١٢٢]. وموقف القارئ من القرآن هو التسليم التام به، والثقة بنصوصه، والتصديق الجازم بمعانيه وحقائقه ودلالاته .. فما قاله فهو الحق، وما قرره فهو الصدق، وما أشار له ووجه إليه فهو الخير، وما أمر به فهو الهدى والصواب، وما نهى عنه فهو الشر والفساد .. فهذا القرآن من قال به صدق ومن حكم به عدل، ومن التزم به استقام، ومن صدّق به اطمأن، ومن وثق به اهتدى، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم. وكيف يجيز مسلم لنفسه أن «يتعالم» على الله فى كتابه، وأن يجعل عقله البشرى القاصر فوق كلامه أو ندا له، وأن يعمل فى نصوص القرآن بالتحريف أو التعطيل أو التأويل، أو التقزيم أو التفريغ أو التلبيس .. وأن

стр. 94

يتشكك فى معانيها ومقرراتها وحقائقها، أو يتفلسف على دلالاتها وإيحاءاتها، أو «يتخير» ما شاء من أحكامها ومبادئها .. على القارئ البصير أن تكون نظرته لنصوص القرآن، وتعامله معها واقتناعه بها وتسليمه لها محكوما بقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) [النساء: ٦٥]. وبقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (٣٦) [الأحزاب: ٣٦] .. فلا يكون «مزاجيا» فى تعامله مع القرآن وثقته بنصوصه، فيفعل فعل اليهود فى التوراة، ذلك الفعل الذى يقوم على «المزاجية» والهوى، والذى ذمه الله بقوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ [البقرة: ٨٥]. وبقوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) [البقرة: ٨٧] إنه هو الصلة المزاجية اليهودية التى «قرطست» التوراة قراطيس، فمزقتها وقزّمتها وطمست نورها كما قال تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام: ٩١] ولكننا كم نرى من مسلمى هذا الزمان من هم مزاجيون فى نظرتهم إلى نصوص القرآن! وثقتهم بها! وتسليمهم لها! كم نرى من هؤلاء من يحكم فى هذه النظرة الهوى والشهوة والمصلحة والرغبة .. كم نرى من هؤلاء من «يقرطس» أحكام القرآن ونظمه وتشريعاته «قرطسة» مرذولة مقيتة، تشابه قرطسة اليهود لتوراتهم، وتكاد تخرجه من دين الله .. إذا أخبرنا عن وجود الملائكة وصفاتهم فهو صدق يجب الإيمان به

стр. 95

والثقة فيه. وقل مثل هذا فى إخباره عن إبليس والشياطين وعن الجن، وعن الأنبياء ومعجزاتهم، وعن الأعداء وهلاكهم، وعن تسبيح كل من فى الكون لله وسجودهم له، وعن الجنة ونعيمها، وعن النار وعذابها .. وغير ذلك .. وإذا تضمنت نصوص القرآن حكما أو تشريعا، فلا بدّ من التصديق به والتسليم له، فالخمر ولحم الخنزير والربا والنظرة المحرمة والزنا، والكذب والغدر، وموالاة الأعداء ونصرتهم، ومصالحتهم والجبن والذل أمامهم، وإيذاء أولياء الله واضطهادهم. كل هذه محرمات فى دين الله، لما فيها من إفساد وتخريب وفوضى ودمار .. وإذا قرر القرآن أمرا، أو تضمن من الله حكما أو وعدا، أو عرض سنّة أو حقيقة، ثم رأى القارئ أن الواقع الذى يعيشه، والأمر الذى يشاهده يتعارض مع ما قرره القرآن، ويتناقض معه، ويتخلف عنه .. فلا تضعف ثقته المطلقة بالنص القرآنى، ولا يتزعزع تصديقه به وتسليمه له، ولا يقبل على هذا النص بالتحريف والتعطيل والتأويل، فلا يجعل ما يراه من مخالفة هو الأصل، وما يوحى به القرآن هو التابع له، الذى يجب أن يخضع له، وأن يؤوّل ليوافقه .. إن النص القرآنى هو الأساس والقاعدة والأصل، وإن الواقع هو التابع له، فإذا ما تعارضا فى ظاهر الأمر، فلا بدّ أن فى الأمر شيئا، ولا بدّ أن الشروط والمواصفات التى قررها القرآن لم تتحقق، والأسباب التى أشار إليها لم توجد .. فلو وجدت الأسباب كاملة وتحققت الشروط وافية، فلا بد أن نرى الواقع متطابقا مع النص .. فلا بدّ إذن من إخضاع الواقع المخالف لتقريرات القرآن وحقائقه ..

стр. 96

قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) [النساء: ١٤١]. هو الأصل والواقع له تبع. وقوله تعالى: فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأنعام: ٦]. سنة لا تتخلف والبصير هو الذى يراها قادمة .. وقوله تعالى مهددا آكلى الربا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] يعلن الحرب عليهم، والمؤمن هو الذى يراها الآن حربا أعلنها الله على العالم أجمع لأكله الربا، كما قال فى الآية الأخرى، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: ٢٧٦]. وقوله تعالى عن اليهود: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ١١٢] حكم قاطع دائم يتضمن الاستثناء فى الحبال الممدودة إليهم فى هذه الأيام، حبل الله بالإمهال، وحبال أمريكا بالمساعدات المالية، وحبال روسيا بالسيل البشرى، وحبال عملائهم بالتحالف والتعاهد، وحبال الأمة بالجبن والذل وترك الجهاد. وقوله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) [محمد: ٧] تعليل لسر انتصار المسلمين السابقين، وتعليل لسر هزائم المسلمين المعاصرين، وهو يقرر قاعدة عامة وسنة ربانية ثابتة تتضمن شرطا بشرط، وهو المتمثل فى فعل الشرط وجوابه ..

стр. 97

- ٩ - معايشة إيحاءات النص وظلاله ولطائفه لنصوص القرآن إيحاءات خاصة، ودلالات صائبة، وظلال لطيفة وارفة، ولطائف غالية نافعة، وتقوم هذه النصوص بإطلاق هذه الايحاءات وإلقاء هذه الظلال، والدعوة إلى تلك اللطائف، ولكن لا يفهم عليها كل من نظر فى القرآن أو قرأ فيه، لأن الجميع لا يملكون المؤهلات لإدراكها، والمفاتيح للتعامل معها. إن هذا يحتاج إلى قارئ حى بصير، يتبوأ الإيمان أولا، ثم يتفاعل مع القرآن بكل كيانه، ثم يفهم عنه ما يوحى به من إيحاءات، ويتفيأ ما يلقيه من ظلال، ويعيش حياة هانئة مباركة فى هذه «الظلال» القرآنية الوارفة، حياة ترفع عمره وتباركه وتزكيه. بماذا توحى للقارئ البصير آخر آية نزلت فى كتاب الله- كما رجح جمهور العلماء- وهى قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) [البقرة: ٢٨١]. إنها تشير إلى عدة مجالات، وتوحى بعدة إيحاءات، ويمكن أن تستنبط منها عدة دلالات: إن موضوعها عقيدى، حيث تربط المؤمنين بالله وتطالبهم بتقواه، وتوقظ فيهم مراقبته، والنظر فى يوم القيامة وخشيته والخوف منه، وتقرر قاعدة الجزاء فى ذلك اليوم وكونه على ما كسب الإنسان فى الدنيا، وتنفى الظلم عن الله، وهذه كلها من موضوعات العقيدة وقضاياها وجزئياتها ..

стр. 98

ومما يلفت النظر هنا أن تفتتح أول آية فى القرآن- حسب النزول- بالعقيدة، وأن تختتم آخر آية منه بالعقيدة، وأن يكون بين الآيتين فترة زمنية مدتها ثلاثة وعشرون عاما، نزلت فيها آيات فى موضوعات القرآن وتوجيهاته ومبادئه وتشريعاته .. ولهذا دلالات- تربوية وتصورية- على أهمية العقيدة أولا، وعلى ضرورة الاستمرار فى التذكير بها والتركيز عليها، وعلى ربط كافة المناهج والتشريعات بها لضمان الالتزام بها وأدائها، وعلى إقبال المربين والموجهين عليها لتكون مادة التربية وأساس التوجيه، وعلى أهمية التذكير باليوم الآخر، وربط القلوب به لاستقامة الحياة .. وغير ذلك من إيحاءات ودلالات .. ولو وقف القارئ البصير أمام قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) [الأنعام: ١] وحاول استخراج دلالاته وإيحاءاته فإنه سيقف على رصيد ضخم منها، ومن أهمها: أن الحمد والشكر والثناء لا يكون فى الحقيقة إلا لله، لأنه هو مصدر الخيرات والنعم، وحمد الناس لكونهم وسائط لها وأسبابا، وهو فى الحقيقة حمد لله الذى أوجد فى قلوب المحسنين والمنعمين الرأفة والرحمة على بنى البشر. ومنها أن الله هو الخالق لكل ما فى السماوات والأرض، وهذا رد على الملحدين الذين ينسبون الخلق إلى الطبيعة، وأن الله هو الجاعل للظلمات والنور، وهذا رد على الثنوية والمجوس الذى يجعلون للكون إلهين: إلها للخير وإلها للشر. وأن الله وحده لا شريك له، ولهذا ضل المشركون الذين عدلوا به الأصنام أو ساووا به الأوثان .. ومنها أن الآية تقرر حقيقة ما عليه الكفار من عقول وتصورات،

стр. 99

ومباحث ومناهج حياة، وهى أنهم ليسوا على شيء، ولا يتصفون بالمنهجية ولا بالعلمية ولا بالتوثيق والاتزان، وذلك لأنهم يستخرجون من المقدمات الصحيحة نتائج خاطئة باطلة، وكان الأولى أن يقطفوا منها ثمارا صحيحة، فالله هو الخالق الباري وحده فكيف يعدل عنه إلى غيره؟ ويساوى به غيره وهو عاجز عن فعل أى شيء؟ .. ومنها أن الآية تقرر أن العدل عدلان: عدل محمود مطلوب وهو المساواة بين المتساويين المتماثلين، وهو العدل بين الناس والتسوية بينهم، وهو ما طولب به المسلمون أساتذة العالم .. وعدل مذموم مرفوض، وهو فى حقيقته ظلم، وهو المساواة بين غير المتساويين، وعدم ملاحظة الفروق بينهما، كالمساواة بين المؤمن والكافر فى التكريم، أو المساواة بين المؤمن والعدو فى الموالاة والمحبة، أو المساواة بين المؤمنين والمجرمين فى الحياة، والمساواة بين الله فى عظمته وبين البشر فى ضعفهم فى العبادة والدينونة والخضوع .. وغير ذلك. وما هى إيحاءات وظلال ولطائف قوله تعالى فى صفة الأنصار وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر: ٩] وعلى الأخص ما هى ظلال ولطائف الصورة المجسمة المؤثرة لتبوء الإيمان- بعد التمتع بتملّى ما فيها من تجسيم فنى للإيمان المعنوى، حيث عرض فى صورة مادية إذ أصبح كالبيت يدخل فيه الإنسان ويتبوأ له فيه مقعدا، ويلاحظ القارئ البصير بخياله اليقظ حركة هذا الإيمان، وقد تحول إلى بيت صالح للإقامة فيه، وحركة المؤمن وهو يدلف إلى هذا البيت الإيمان ليتبوأ فيه مسكنا- إنه يعرض لطائف ندية، ويلقى ظلالا وارفة .. ويطالب كل مؤمن أن يقيم فى بيت من إيمان خالص، وأن ينصب عليه قبة من إيمان، وأن يستظل بمظلة من إيمان، وأن لا تفارقه فى لحظة من لحظات

стр. 100

حياته، وبهذا يتحول إيمان المؤمن من إيمان سلبى خامد إلى إيمان إسلامى فاعل عامل حى موجه رائد قائد .. إنه سيبقى فى حصن إيمانى، وفى حرز مكين، طالما بقى متبوءا هذا الإيمان .. فإذا ما خرج من بيت الإيمان، أو أخرج أحد حواسه من نوافذه فإن الشياطين الراصدة له بانتظاره، فستخطفه إلى الظلمات، وتهدم عليه بيته، وتنغص له حياته، وتسمم له عيشه، وتقوده إلى نار جهنم.

стр. 101

- ١٠ - غنى النصوص بالمعانى والدلالات وصف الله كتابه الكريم بأنه مبارك فقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الأنعام: ٩٢] والبركة فى هذا القرآن شاملة عامة، تسرى فى كل نص فيه، وتبرز فى كل موضوع من موضوعاته، وتلحظ فى كل جانب من جوانبه .. ولعل من مظاهر هذه البركة وصورها، البركة فى نصوصه، حيث تجد النص قليلا فى كلماته قصيرا فى عباراته، لكنه غنى فى دلالاته، شامل فى معانيه، عظيم فى توجيهاته، عملاق فى إيحاءاته .. ولهذا كان من أبرز سمات القرآن فى أسلوبه- كما يقول العلامة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز فى كتابه الرائد «النبأ العظيم» - القصد فى اللفظ والوفاء بحق المعنى، ولذلك كل أسلوب القرآن موجز إيجازا قاصدا، لا إطناب فيه ولا حشو ولا استطراد .. وإنك إذا نظرت إليه فستجد «بيانا قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير» - كما يقول الدكتور دراز- وحتى يتضح لك هذا يدعوك إلى أن تقوم بتمرين عملى على نصوص القرآن: «ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعدّ ما أحصته كفك من الكلمات عدا، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره، خارجا عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعانى إلى ذاك، ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها

стр. 102

أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأى كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك» [النبأ العظيم: ١٠٥]. ويتحدث الإمام سيد قطب عن غنى النصوص بدلالاتها وأصالتها وجمالها فيقول: «إن النص الواحد يحوى مدلولات متنوعة متناسقة فى النص، وكل مدلول منها يستوفى حظه من البيان والوضوح، دون اضطراب فى الأداء أو اختلاط بين المدلولات. وكل قضية وكل حقيقة تنال الحيز الذى يناسبها .. بحيث يستشهد بالنص الواحد فى مجالات شتى، ويبدو فى كل مرة أصيلا فى الموضع الذى استشهد به فيه، وكأنما هو مصوغ ابتداء لهذا المجال ولهذا الموضع! وهى ظاهرة قرآنية لا تحتاج منا إلى أكثر من الإشارة إليها .. » [الظلال: ٣/ ١٧٨٧]. ولا بدّ للقارئ البصير الذى يريد أن يعيش إيحاءات القرآن وظلاله ولطائفه- كما بينا فى المفتاح السابق- أن ينطلق من هذه القاعدة، وأن ينظر له بهذا المنظار، وأن يفتح كنوزه المذخورة بهذا المفتاح، فيتعرض لها ويلحظها ويعيشها ويشير إليها. الآية التى أوردناها قبل قليل- على سبيل المثال- كم من الدلالات والمعانى يمكن أن تستخرج منها؟ وكم من مظاهر البركة وصورها وألوانها يمكن أن تؤخذ منها؟ - على القاعدة البلاغية «حذف المعمول يفيد العموم» فالقرآن مبارك فى كل شيء، بركة عامة شاملة- إنه مبارك فى مصدره لأنه كلام الله، ومبارك فى مكانه فى اللوح المحفوظ، ومبارك فى حامله جبريل ﵇، ومبارك فى من يشيعه من الملائكة، ومبارك فى من تلقاه وهو رسول الله ﵇، ومبارك فى من استقر فيه وهو قلب الرسول ﵇، ومبارك فى كلماته فهى قليلة فى مبناها غنية فى معناها، ومبارك فى حجمه القصير وعلومه الغزيرة، ومبارك فى علومه ومعارفه

стр. 103

- ومكتبة التفسير وعلوم القرآن على طول التاريخ الإسلامى مصداق هذا- ومبارك فى تشريعاته ومناهجه ومبادئه، ومبارك فى رسالته ومهمته وأغراضه، ومبارك فى أثره وتأثيره وآثاره .. إلى غير ذلك من صور البركة التى تجلت فيه .. يقول سيد قطب عن البركة فى حجمه ومحتواه: «فإن هو إلّا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التى يكتبها البشر، ولكنه يحوى من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات فى كل فقرة منه، ما لا تحويه عشرات من هذه الكتب الضخام، فى أضعاف أضعاف حيزه وحجمه! وإن الذى مارس فن القول عند غيره من بنى البشر وعالج قضية التعبير بالألفاظ عن المدلولات، ليدرك أكثر مما يدرك الذين لا يزاولون فن القول، ولا يعالجون قضايا التعبير .. إن هذا النسق القرآنى مبارك من هذه الناحية- وإن هناك استحالة فى أن يعبر البشر فى مثل هذا الحيز- ولا فى أضعاف أضعافه- عن كل ما يحمله التعبير القرآنى من مدلولات ومفهومات وموحيات ومؤثرات! وإن الآية الواحدة تؤدى من المعنى وتقرر من الحقائق، ما يجعل الاستدلال بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئا متفردا لا نظير له فى كلام البشر .. » [الظلال: ٢/ ١١٤٧]. سورة العصر- على سبيل المثال- من أقصر سور القرآن آياتها ثلاث، ومع ذلك غنية فى معانيها حيث تكتب فيها كتب ومجلدات، وصدق الإمام الشافعى فى وصفها «لو تدبر الناس سورة العصر لوسعتهم». كم سيخرج القارئ بزاد من المعانى والدلالات، وكم سيستنبط من الحقائق والتوجيهات، وكم سيقف على ثروة من القيم والتقريرات لهذه النصوص، عند ما يتعامل معها على هذا الأساس، إنه سيحتاج إلى صفحات كثيرة ليسجل عليها ما أوحت له بها من إيحاءات ..

стр. 104

وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) [الإسراء: ١٧]. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) [المجادلة: ٥]. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) [الأعراف: ٣٤]. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) [طه: ١٢٤].

стр. 105

- ١١ - الاعتناء بمعانى القرآن التى عاشها الصحابة عمليا نشأ الصحابة على القرآن الكريم، وعاشوا فى ظلاله، وتذوقوا آياته، وتفاعلوا مع نصوصه، وأدركوا هديه، وأضاءت إليهم أنواره .. فكانوا جيلا قرآنيا فريدا. وقد رووا أحيانا بعض ما كانوا يجدونه من تأثير القرآن فيهم، وما يعيشونه من إيحاءاته ومعانيه .. وهذا لا يمثل إلّا النزر اليسير الضئيل، فقد كان ما عاشوه من ذلك أضعاف أضعاف ما روى عنهم .. ولكن تلك الروايات التى نقلت عنهم ذات دلالة على منهج تعاملهم مع القرآن وصلتهم به ونظرتهم إليه، ويمكن للقارئ أن يقتدى بهم فى ذلك، وأن يحاول أن يجد من القرآن بعضا مما وجدوه، وأن يعيش فيه شيئا مما عاشوه .. واطلاعه على ما روى عنهم، أكبر عامل يساعده على اقتدائه بهم واحتذائه حذوهم، واتباعه خطواتهم. ولقد سبق إيرادنا لقول ابن مسعود رضى الله عنه: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به».

стр. 106

وقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها ولا ما ينبغى أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل .. ». إن وقوف القارئ على تعامل الصحابة مع القرآن، واعتناءه بالمعانى والإيحاءات التى حصّلوها من الحياة فى ظلال القرآن، يعرّفه كيف تقبل القلوب الطاهرة على القرآن وتتفاعل به، فيسعى ليكون واحدا من هؤلاء. والنماذج فى هذا كثيرة، والأمثلة عليه وافرة، نقتطف منها ما يلى: روى مسلم وأبو داود عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يصلى نحو بيت المقدس، فنزلت: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] فمر رجل من بنى سلمة وهم ركوع فى صلاة الفجر، قد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم ركوعا إلى الكعبة». فهذه الرواية تدلنا على نظرة الصحابة للتوجهات والتكاليف الربانية، وعلى قلوبهم المتبوئة للإيمان وهى تتفاعل معها، وعلى الاستجابة الفورية فى التنفيذ والالتزام. وأخرج البخارى والترمذى والنسائى وأبو داود- والرواية لأبى داود- عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذى،

стр. 107

فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ، ثم سرى عنه: فقال لى: أكتب، فكتبت فى كتف: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .. [النساء: ٩٥]، فقام ابن أم مكتوم- وكان رجلا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه، غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذى، ووجدت من ثقلها فى المرة الثانية كما وجدت فى المرة الأولى، ثم سرى عن رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا زيد. فقرأت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فقال رسول الله ﷺ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ .. الآية كلها. قال زيد، أنزلها الله كلها فألحقها» .. وروى البخارى ومسلم والترمذى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه، فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان: ١٣]. وروى أحمد فى مسنده عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال: يا رسول الله: كيف الفلاح بعد هذه الآية: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣]، فكل سوء عملناه جزينا به- وفى رواية أخرى قال: فلا أعلم قد وجدت انفصاما فى ظهرى حتى تمطيت لها! فقال رسول الله ﷺ : ما لك يا أبا بكر؟ فقلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال النبي ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى! قال: فهو مما تجزون به». وروى ابن جرير الطبرى قال: قرأ أبو طلحة رضى الله عنه سورة

стр. 108

براءة، فأتى على هذه الآية: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٤١]، فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا جهزونى يا بنى، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلّا بعد تسعة أيام فلم يتغير، فدفنوه بها .. ». هذا ويجد القارئ الأقوال والروايات عن الصحابة فى ذلك فى كتب التفسير بالمأثور، وفى كتب أسباب النزول، وفى كتب الأحاديث من الصحاح والسنن، وفى كتب السيرة وحياة الصحابة .. وهى كثيرة ..

стр. 109

- ١٢ - تحرير النصوص القرآنية من قيود الزمان والمكان القرآن كتاب الله الخالد، صالح لكل زمان ومكان، ونصوصه تعطى توجيهاتها لكل بنى الإنسان، ويتفاعل معها المؤمنون مهما كان مستواهم المادى والثقافى والحضارى، وفى أية بقعة فى هذا العالم، وفى أية فترة من فترات التاريخ .. أقبل الصحابة على نصوصه فعاشوا بها، ولم يقيدوها فيهم أو يقصروها عليهم، وأقبل التابعون عليها فعاشوا بها، وأقبل تابعوهم عليها كذلك فعاشوا بها، وهكذا كل طائفة من العلماء، كانت تجد عند القرآن ما تريد، وتلقى عند نصوصه ما هى بحاجة إليه .. فعلى قارئ القرآن أن ينظر إلى القرآن بهذا المنظار، وأن يتعامل معه على هذا الأساس، لا يجوز أن يقيد نصوصه بحالة من الحالات أو فترة من الزمان- إلّا ما كان مقيدا بذلك- ولا أن يقصرها على شخص ما أو قوم ما- إلّا ما كان مقصورا عليه- إنه لا بدّ أن يحرر هذه النصوص من قيود الزمان والمكان والأشخاص والأقوام، لتعطى دلالاتها لكل الناس، وتطلق إشعاعاتها لكل جيل، وتنشر أضواءها على العالمين .. أما إذا قصر هذه النصوص على حالة أو فترة أو شخص أو بلدة

стр. 110

أو قرن، فإنه سيقيدها وسيفرغها من معانيها، ويقزمها عن دلالاتها، ويحرمها من أداء أهدافها، وكأنه يجعلها سجينة فهم، أو أسيرة وضع، أو رهينة قوم، وبهذا تذوى هذه النصوص وتموت .. وتتحول إلى عبارات فارغة، تتحدث عن فترة من التاريخ سابقة لأمة من الناس ماضية .. لا يجوز لقارئ مسلم أن يميت نصوص القرآن بين يديه، ولكنه يفسح لها الطريق لتعيش حياتها وتؤدى رسالتها، وتؤثر فى الإنسانية جمعاء، وتنشر عليهم من فيوضاتها وأنوارها .. كل جيل من أجيال المسلمين كان يجد فى نصوص القرآن حديثا لواقعه وإصلاحا لحياته، وكأنها تنزلت اللحظة عليهم، وكل مفسر من المفسرين كان ينطلق من نصوص القرآن لتربية قومه وإصلاح أمورهم .. وكل تفسير من تفاسير القرآن يمكن أن تستخرج منه الحالة الثقافية والمستوى الحضارى، والوضع الأخلاقى والاجتماعى والإيمانى والسلوكى للعصر الذى عاش فيه المفسر، وكان هذا التفسير سجلا حضاريا تاريخيا وثائقيا لحالة ذلك العصر .. وما هذا إلّا لأن نصوص القرآن منطبقة على زمان المفسر ومكانه، وموجهة للناس من حوله .. ولهذا كم كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه ألمعيا وبصيرا وصادقا، عند ما وصف القرآن وصفا تنطبق عليه هذه القاعدة فقال عنه: «إنه لا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه .. ». ونحن لا ننكر أن بعض الناظرين فى القرآن من السابقين أخطئوا فى تعاملهم معه، فقصروا بعض نصوصه على أناس من السابقين، وقيدوا بعضها بحالات ماضية، وقزموا هذه النصوص وفرغوها من كثير من معانيها، وحجبوا عن القراء الكثير من دلالاتها .. قوله تعالى- مثلا- عن
следующие страницы →