← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38075

الوافي في شرح الشاطبية

عبد الفتاح القاضي

Полный текст (396 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لأهل طاعته من ثواب جزيل ونعيم مقيم. وحين يحترق قلبه من الأسى والحزن متحسرا على ما ضاع من عمره، غير مصروف إلى ذكر الله تعالى وشكره. وقوله: (هو المجتبى): أي المختار (يغدو): يعني يمر. و (المستمال): الذي يطلب إليه الميل. و (المؤمل): الذي يؤمل ويرجى عنه الشدائد. والمعنى: أن المستهدي هو المختار عند الله سبحانه وهو الذي سبقت له الحسنى. يمر على الناس قريبا من الله تعالى لإيمانه وإحسانه؛ ومن الناس بتواضعه لهم وخفض جناحه. غريبا لغرابة مسلكه، وندرة حاله، وعزة أشكاله في شدة التمسك بالحق؛ لأنه كالقابض على الجمر مستمالا يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه. مؤملا مرجوّا عند نزول الشدائد ليدعوا بكشفها وإزالة آثارها. ٨٨ - يعدّ جميع النّاس مولى لأنّهم ... على ما قضاه الله يجرون أفعلا ٨٩ - يرى نفسه بالذّمّ أولى لأنّها ... على المجد لم تلعق من الصّبر والألا المعنى: يعني أن المجتبى يعتقد كل الناس سادات تواضعا منه لله سبحانه، فلا يحتقر أحدا من عباد الله صالحا أو طالحا؛ لأن أفعالهم تجري على ما سبق به القضاء، وكتب القلم ويصح أن يكون. المعنى: أن المجتبى يعد كل واحد من الناس عبدا مقهورا لله تعالى، لا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرّا؛ لأن جميع أعمالهم تجري على وفق القضاء السابق، فلا يرهب أحدا ولا يتملق لأحد. فعلى المعنى الأول: يكون المقصود وصف المجتبى بالتواضع والبعد عن الكبر والعجب. وعلى الثاني: يكون المراد وصفه بالتوكل على الله وحده وقطع طمعه في الخلق. ثم بين الناظم أن هذا المجتبى يرى نفسه أولى بالذم وأحق به من غيرها؛ لأن نفسه لم تتحمل المشاق والمكاره، ولم تتناول ما هو مرّ المذاق في تحصيل رفعة القدر وسمو المنزلة عند الله تعالى، فهو لا يشغل نفسه بعيب الناس وذمهم، بل يرى أن ذم نفسه أولى واتهامها بالتقصير في الطاعات أحرى. فالمراد من قوله: (لم تلعق من الصبر) أن نفسه لم تتحمل المكاره والمشاق في سبيل تحصيل ما يرفع مكانتها ويعظم أجرها عند الله تعالى والصبر بفتح الصاد وكسرها مع سكون

стр. 37

الباء وبفتح الصاد مع كسر الباء عصارة شجر مر. و (الألا): شجر حسن المنظر مر الطعم، وقيل: هو نبت يشبه الشيح في الريح والطعم. ٩٠ - وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله ... وما يأتلي في نصحهم متبذّلا اللغة: (الإقصاء): الإبعاد. فيقصيه يبعده. (يأتلي): يفتعل من الائتلاء وهو التقصير. (والتبذل): بذل ما في الوسع في تحقيق الشيء وعدم التهاون فيه. والمعنى: قد قيل في المثل: كن كالكلب، الذي هو أخس الحيوانات. كن مثله في الوفاء لأهله والثبات عليه. فإن أهله يبعدونه عنهم ويجيعونه ويضربونه ويؤذونه، وهو لا يقصر في نصحهم وخدمتهم باذلا في ذلك قصارى وسعه وغاية جهده، وفي ذلك إشارة إلى ما روى وهب بن منبه أن راهبا أوصى رجلا فقال له: انصح لله أخلص له حتى تكون كنصح الكلب لأهله؛ فإنهم يؤذونه ويجيعونه ويأبى إلا أن يحيط بهم نصحا. والمقصود من البيت: الحث على بذل الجهد في طاعة الله وعدم التراخي فيها، مهما ابتلي الإنسان في الدنيا فإن الله لا يبتلى عبده في هذه الحياة بفقر أو مرض إلّا ليكفر ذنبه، أو يرفع في الآخرة درجته. ٩١ - لعلّ إله العرش يا إخوتي يقي ... جماعتنا كلّ المكاره هوّلا ٩٢ - ويجعلنا ممّن يكون كتابه ... شفيعا لهم إذ ما نسوه فيمحلا اللغة: (الوقاية): الحفظ. و (المكاره): جمع المكروه على غير قياس. و (هوّلا) جمع هائل بمعنى مخيف مفزع، وهو منصوب على الحال من المكاره، ويقال: (محل به) يمحل من باب فتح يفتح إذا وشى به عند سلطان أو غيره، وأذاع فعله القبيح. وقوله: (فيمحلا): منصوب بأن مضمرة بعد الفاء جوابا للنفي. والمعنى: أن الناظم يرجو من الله جلت قدرته- إن قبلنا هذه الوصايا- أن يحفظنا الله من البلايا والمحن في الدنيا والآخرة، ويجعلنا من الذين يكون القرآن شفيعا لهم يوم القيامة؛ لأنهم لم يهملوه، ولم يقصروا في حقه فيسعى بهم، ويشكوا منهم عند ربهم، وفي هذا إشارة إلى قوله ﷺ : «القرآن شافع

стр. 38

مشفع. وما حل مصدق، من شفع له القرآن يوم القيامة نجا، ومن محل به القرآن يوم القيامة كبّه الله في النار على وجهه» [أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن]. ٩٣ - وبالله حولي واعتصامي وقوّتي ... وما لي إلّا ستره متجلّلا ٩٤ - فيا ربّ أنت الله حسبي وعدّتي ... عليك اعتمادي ضارعا متوكّلا اللغة: (الحول): التحول من أمر إلى أمر ومن حال إلى حال. و (الاعتصام): الامتناع من كل ما يشين. و (القوة): القدرة، ضد الضعف. و (الستر): ما يستر به. و (التجلل بالشيء): التغطي به. و (حسبي): كافي من أحسبه الشيء إذا كفاه. و (العدة): ما يعد لدفع النوازل. و (الضارع): الذليل. و (المتوكل): المعتمد على من يوكل إليه الأمر. و (متجللا): حال من ضمير المتكلم في لي. و (ضارعا). و (متوكلا): حالان من الياء في اعتمادي. والمعنى: أن تحولي من المعصية إلى الطاعة، وامتناعي من كل ما يشينني. وقوتي على ما يرضي الله عني، كل ذلك بيد الله وحده، لا يحصل إلا بمعونته وتوفيقه وفي الحديث الصحيح: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة». قال ابن مسعود ﵁ في تفسيرها: لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. وقوله: وما لي إلا ستره متجللا، معناه ليس لي ما أعتمد عليه إلا ما قد جللني به من ستره في الدنيا وأرجو مثل ذلك في الآخرة، أي وما لي إلا ستره حال كوني متجللا به أي متغطيا به. ثم يقول: فيا رب أنت الله حسبي ... إلخ. والمعنى: يا مدبر أمري أنت كافي في كل مهمة. وعدتي في كل ملمة. وعليك- لا على غيرك- اعتمادي. وإليك استنادي. حال كوني متضرعا إليك. ذليلا بين يديك. متوكلا عليك. مفوضا جميع أموري إليك، والله تعالى أعلم. ٢ باب الاستعاذة [٩٥ - ٩٩] الاستعاذة: طلب العوذ، وهو الامتناع بالحفظ والعصمة، والمراد هنا الاستعاذة قبل القراءة في مذهب القراء، ولفظ الاستعاذة على اختلافه بالنقص والزيادة خبر بمعنى الدعاء. أي «اللهم أعذني من البلاء وشر الأعداء» والاستعاذة ليست

стр. 39

من القرآن بإجماع العلماء. ٩٥ - إذا ما أردت الدّهر تقرأ فاستعذ ... جهارا من الشّيطان بالله مسجلا ٩٦ - على ما أتى في النّحل يسرا وإن تزد ... لربّك تنزيها فلست مجهّلا اللغة: (أردت) قصدت. (الدهر): ظرف الزمان. (الجهار): الإعلان ضد الإخفاء، مصدر جاهر إذا أعلن جهارا، كجاهد جهادا. وهو صفة مصدر محذوف والتقدير تعوذا جهارا أي ذا جهار. ومسجلا اسم مفعول أسجل بمعنى أطلق فمسجلا: بمعنى مطلقا وهو أيضا صفة المصدر المحذوف أي: تعوذا جهارا مطلقا. وقوله: (على ما أتى): جار ومجرور متعلق بمحذوف وصف آخر للمصدر المحذوف أي: تعوذا كائنا على اللفظ الذي ورد في سورة النحل. و (اليسر): السهل وهو مصدر منصوب في موضع الحال من فاعل أتى أي: حال كون هذا اللفظ يسرا أي: ذا يسر وسهولة. و (التنزيه): التقديس. و (المجهل): المنسوب للجهل اسم مفعول. والمعنى: إذا أردت قراءة القرآن في أي زمن من الأزمان، ولأي قارئ من القراء، ومن أي جزء من أجزاء القرآن، سواء كان ذلك أول السورة أو أثناءها فتعوذ في ابتداء قراءتك تعوذا مجهورا به مطابقا للفظ الوارد في سورة النحل، حال كون هذا اللفظ ميسرا في النطق سهلا على اللسان لقلة كلماته وحروفه، بأن تقول في ابتداء قراءتك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من غير أن تزيد على هذا اللفظ شيئا، وإن شئت زيادة التعظيم لربك بوصف كمال ونعت جلال، فلست منسوبا إلى الجهل؛ لأنك أتيت بما يفيد كمال تنزيه الله وتبرئته من جميع النقائص، كأن تقول: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وهكذا. وقد نبه الناظم بقوله: إذا ما أردت إلخ، إلا أن قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ معناه فإذا أردت قراءة القرآن، فاستعذ، فيكون في الآية مجاز مرسل من إطلاق اسم المسبب وإرادة اسم السبب كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.

стр. 40

٩٧ - وقد ذكروا لفظ الرّسول فلم يزد ... ولو صحّ هذا النّقل لم يبق مجملا اللغة: (الواو): في ذكروا لعلماء القرآن والمحدثين. ولفظ (الرسول): أي تعوذه أو استعاذته. و (مجملا): مصدر ميمى المراد به الحدث «أي إجمالا». والمعنى: أن جماعة من القراء والمحدثين ذكروا تعوذ الرسول ﷺ ، فلم يزد الرسول شيئا على اللفظ الوارد في سورة النحل، فمن ذلك ما روى أن ابن مسعود قرأ على رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له الرسول ﷺ : «يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وروى نافع عن جبير بن مطعم أن الرسول ﷺ كان يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وهذان الحديثان ضعيفان، قال أبو شامة: والأول لا أصل له في كتب الحديث، والثاني أخرجه أبو داود ولكن بغير هذه العبارة. وليس أدل على ضعف الحديثين من ورود أحاديث أخر أصح سندا منهما تعارضهما: منها: ما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»، قال الترمذي: هو أشهر حديث في هذا الباب. وفي صحيح ابن خزيمة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه». وقد أشار الناظم إلى ضعف الحديثين السابقين وأمثالهما بقوله: ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا؛ والمراد بالإجمال: الإطلاق، أي لو صحّ نقل ترك الزيادة لذهب إجمال الآية، واتضح معناها وتعين لفظها، فلا يجوز العدول عنه. المعنى: لو كانت الأحاديث الدالة على ترك الزيادة على آية النحل ثابتة صحيحة السند لم تبق إجمالا في الآية، بل تكون الآية حينئذ واضحة المعنى، بينة المراد متعينا لفظها عند التعوذ فيقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بلا زيادة عليه أو نقص عنه، ولكن هذه الأحاديث الدالة على ترك الزيادة ضعيفة معارضة بأصح منها سندا، فحينئذ تبقى الآية على إجمالها وإطلاقها فلا يتقيد القارئ بلفظها، بل يجوز له النقص عنه بأن

стр. 41

يقول: أعوذ بالله من الشيطان، والزيادة عليه بأن يقول: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو نحو ذلك، ويعتبر القارئ عندئذ ممتثلا للأمر في الآية الكريمة سواء نقص عنها لفظا أو زاد عليها لفظا، أو اثنين، أو ثلاثة، ومما ينبغي التنبه له: أن الأمر في الآية الكريمة للندب على ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف. ٩٨ - وفيه مقال في الأصول فروعه ... فلا تعد منها باسقا ومظلّلا اللغة: ضمير (فيه): يعود على التعوذ. و (مقال): مصدر ميمي، والمراد به القول. و (الفروع): جمع فرع وهو الغصن. و (الباسق): الشجر الطويل المرتفع. و (المظلل): ما له ظل لكثرة ورقه. والمعنى: أن في التعوذ قولا كثيرا، وكلاما طويل الذيل، ممتد النسق، انتشرت فروعه في أصول الفقه، وأصول الحديث، وأصول القراءات. فأما أصول الفقه: فيبحث فيها عن التعوذ من حيث إن الأمر به في الآية؛ هل هو للوجوب أو للندب؟ وهل الآية واضحة الدلالة فيتعين لفظها أم مجملة فيصلح كل لفظ يدل على التعوذ؟. وأما أصول الحديث: فيبحث فيها عن درجة الأحاديث الدالة على التعوذ وعن سندها وحال رواتها. وأما أصول القراءات- والمراد بها أمهات الكتب المؤلفة في هذا الشأن ك «الكامل» للإمام الهذلي، و «الإيضاح» للأهوازي، و «جامع البيان» للداني- فيبحث فيها عن التعوذ من حيث الجهر به والإخفاء، ومن حيث الوقف عليه أو وصله بما بعده. وقوله: فلا تعد منها باسقا ومظللا، معناه: فارجع إلى هذه الأصول وأمعن النظر فيها ولا تتجاوز منها القول الذي تعضده الأدلة، وتؤازره البراهين. فكنى بالباسق والمقال عن هذا القول. ٩٩ - وإخفاؤه فصل أباه وعاتنا ... وكم من فتى كالمهدوي فيه أعملا اللغة: (الإخفاء): الإسرار، وضمير (وإخفاؤه): يعود على التعوذ، و (أبى الشيء): تجنبه وامتنع من فعله. و (الوعاة) جمع واع كقضاة جمع قاض وهو الحافظ المدقق، وقد جرى كثير من شراح القصيدة على أن الفاء رمز لحمزة والألف رمز لنافع. وعلى هذا يكون. المعنى: أن حمزة ونافعا كانا يخفيان التعوذ عند قراءتهما. وممن أخذ به لحمزة مطلقا في جميع القرآن: الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي المقرئ المفسر المتوفّى سنة

стр. 42

ثلاثين وأربعمائة، فإنه أعمل فكره في تصحيح الإخفاء وتقريره والقراءة والإقراء به، وروى خلف عن سليم عن حمزة أنه كان يجهر بالتعوذ في أول الفاتحة ويخفيه في سائر القرآن. وروى خلاد عن سليم أن حمزة كان يخير القارئ بين الجهر والإخفاء في التعوذ. وروى المسيبي عن نافع أنه كان يخفي التعوذ في جميع القرآن. وعلى هذا يكون قول الناظم: وإخفاؤه فصل، في قوة الاستثناء من عموم قوله: فاستعذ جهارا من الشيطان بالله مسجلا؛ فإنه بعمومه يدل على الأمر بالتعوذ جهارا في جميع الأوقات، وفي سائر القرآن، ولجميع القراء. ولكن الصحيح: أن لا رمز في البيت، وأن قوله: فصل: معناه: فرق، وأنه بيان لحكمة إخفاء التعوذ، وهو الفرق بين القرآن وغيره، أو معناه: أن إخفاء التعوذ حكم من أحكامه. وكيفية من كيفياته، فكأنه قال: إخفاء التعوذ فرق بين القرآن وغيره، أو كيفية من كيفياته، ردّه- أي الإخفاء- علماؤنا الحفاظ الأثبات ولم يأخذوا به، بل أخذوا بالجهر به في جميع القرآن، ولكل القراء، كما أفاد ذلك عموم قوله: فاستعذ جهارا من الشيطان بالله مسجلا؛ ذلك أن الجهر بالتعوذ إظهار لشعار القراءة كالجهر بالتلبية وتكبيرات العيد. ومن فوائد الجهر به: أن السامع للقراءة يتمكن من الإصغاء لها من أولها، فلا يفوته شيء منها، وإذا أخفى القارئ التعوذ فلا يعلم السامع للقراءة إلا بعد أن يفوته شيء منها. وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة في الصلاة وخارجها فإن المستحب للقارئ في الصلاة إخفاء التعوذ وإن كان إماما وفي صلاة جهرية؛ لأن المأموم منصت في الصلاة من أول الإحرام فلا يفوته شيء من قراءة إمامه. وفصل الخطاب في هذا المقام أن يقال: إن التعوذ يستحب إخفاؤه في مواطن، والجهر به في مواطن أخرى، فمواطن الإخفاء: (١) إذا كان القارئ يقرأ سرّا، سواء كان منفردا أم في مجلس. (٢) إذا كان خاليا سواء قرأ سرّا أم جهرا. (٣) إذا كان في الصلاة، سواء كانت الصلاة سرية أم جهرية، وسواء كان منفردا أم مأموما أو إماما. (٤) إذا كان يقرأ وسط جماعة يتدارسون القرآن، كأن يكون في مقرأة ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة، وما عدا هذه المواطن يستحب الجهر بالتعوذ فيها.

стр. 43

«تتمة» لو قطع القارئ قراءته لطارئ قهري كعطاس أو تنحنح- أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة؛ كأن شك في شيء في القراءة وسأل من بجواره ليتثبت؛ فإنه لا يعيد التعوذ. أما لو قطعها إعراضا عنها، أو لكلام لا تعلق له بها ولو ردّا لسلام؛ فإنه يستأنف التعوذ. ٣ باب البسملة [١٠٠ - ١٠٧] البسملة: مصدر مولد بسمل إذا قال: بِسْمِ اللَّهِ*، نحو هيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وحسبل إذا قال: حسبي الله، وحيعل إذا قال: حي على الصلاة، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ١٠٠ - بسمل بين السّورتين بسنّة ... رجال نموها درية وتحمّلا ١٠١ - ووصلك بين السّورتين فصاحة ... وصل واسكتن كلّ جلاياه حصّلا اللغة: (السنة) لغة: الطريقة. واصطلاحا: قول رسول الله ﷺ أو فعله أو تقريره أو وصفه. ومعنى (نموها) رفعوها ونقلوها. و (الدرية): الدراية والعلم والمعرفة. و (التحمل): النقل عن الغير. و (درية وتحملا): مصدران في موضع الحال من فاعل (نموها): أي نقلوها حال كونهم ذوي معرفة ودراية وتحمل. و (الجلايا): جمع جلية من جلا الأمر إذا انكشف وظهر. والمعنى: أن المشار إليهم بالباء، والراء، والنون، والدال، وهم: قالون، والكسائي، وعاصم، وابن كثير؛ قرءوا بإثبات البسملة بين كل سورتين حال كونهم متمسكين في ذلك بسنة نقولها وأسندوها إلى النبي ﷺ ، وحال كونهم ذوي علم ومعرفة ونقل عن الغير؛ أي جامعين بين الدراية والرواية. والمراد بالسنة التي نقولها: ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ كان لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وكتابة الصحابة لها في المصاحف العثمانية. وقوله: ووصلك بين السورتين فصاحة، معناه أن المشار إليه بالفاء وهو حمزة قرأ

стр. 44

بوصل آخر السورة بأول التالية من غير بسملة بينهما، وفي قوله: فصاحة؛ إشارة إلى حكمة هذا الوصل، وهي أن فيه بيان إعراب آخر السورة كآخر التوبة مع أول يونس، وبيان همزة الوصل كآخر العاديات مع أول القارعة. وهمزة القطع كآخر القارعة مع أول أَلْهاكُمُ. وسكت خلف على مثل: فَحَدِّثْ آخر والضحى، لا يخرجه عن كونه وصلا؛ فإنه لا يفعل ذلك إلا في حال الوصل؛ ولأنه في هذه الحال يعتبر واصلا آخر والضحى بأول الشرح من غير بسملة بينهما، والواو في قوله: واسكتن، بمعنى أو خيّر الناظم القارئ بين الوصل والسكت بين كل سورتين لمن رمز لهم بالكاف، والجيم، والحاء وهم: ابن عامر، وورش، وأبو عمرو، فيكون لكل واحد منهم بين كل سورتين وجهان: الوصل كحمزة، والسكت: بدون بسملة. والسكت هو الوقف على آخر السورة وقفة لطيفة من غير تنفس كسكت حمزة على الهمز. والمعنى: كل جلاياه حصلا أن كل واحد من القراء الثلاثة: ابن عامر، وورش، وأبي عمرو، حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه، وينبغي أن يعلم أنه لا بدّ من الإتيان بالبسملة لجميع القراء بين آخر سورة الناس وأول سورة الفاتحة. فإن الفاتحة وإن وصلت لفظا فهي مبتدأ بها حكما إذ ليس قبلها شيء حقيقة. ١٠٢ - ولا نصّ كلّا حبّ وجه ذكرته ... وفيها خلاف جيده واضح الطّلا اللغة: (كلا): حرف ردع وزجر. و (الجيد): العنق. و (الواضح): الظاهر. و (الطلى): جمع طلية وهي صفحة العنق. والمعنى: لم يرد نص عن ابن عامر، وورش، وأبي عمرو بوصل ولا بسكت، وإنما التخير بين هذين الوجهين لهم اختيار من أهل الأداء، واستحباب من شيوخ الإقراء، وهذا معنى قوله: حب وجه ذكرته، و (كلا) حرف ردع وزجر كما سبق، وكأن الناظم يزجر من يعتقد ورود النص عن أحد منهم بوصل أو سكت، وقوله: وفيها خلاف جيده واضح الطلى، معناه: أن في البسملة خلافا عن هؤلاء الثلاثة مشهورا عند علماء هذه الصناعة. والخلاصة: أن الخلاف في البسملة وارد عن هؤلاء الثلاثة، فإذا قلنا: إنهم يبسملون وأخذنا لهم بالبسملة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: إنهم لا يبسملون فهل

стр. 45

يصلون كحمزة أو يسكتون، لم يرد عنهم في ذلك نص، فذكر الشيوخ لهم هذين الوجهين استحبابا، وعلى ما تقرر لا يكون في البيت رمز لأحد، وهذا ما عليه المحققون، وهذا الحكم الذي ذكرنا لكل قارئ عام، يجري بين كل سورتين سواء كانت الثانية بعد الأولى مباشرة كآخر البقرة وأول آل عمران، أو لم تكن بعدها مباشرة كآخر يونس مع أول النحل، لكن يشترط أن تكون الثانية بعد الأولى في ترتيب القرآن والتلاوة كما مثلنا، فإن كانت قبلها فيما ذكر كآخر الأنبياء مع أول هود؛ فإنه يتعين الإتيان بالبسملة لجميع القراء، ولا يجوز لواحد منهم الوصل ولا السكت، كذلك لو وصل آخر السورة بأولها، كأن كرر سورة الإخلاص؛ فإن البسملة تكون حينئذ متعينة للجميع. وأيضا تتعين البسملة لكل القراء لو وصل آخر الناس بأول الفاتحة كما تقدم. ١٠٣ - وسكتهم المختار دون تنفّس ... وبعضهم في الأربع الزّهر بسملا ١٠٤ - لهم دون نصّ وهو فيهنّ ساكت ... لحمزة فافهّمه وليس مخذّلا اللغة: و (سكتهم): مبتدأ، و (المختار): خبره، و (دون تنفس) ظرف متعلق بمحذوف خبر بعد خبر، أو حال من ضمير المختار، و (الأربع الزهر): هي السور الآتية: القيامة، المطففين، البلد، الهمزة. و (الزهر): جمع الزهراء تأنيث الأزهر وهو المنير المشرق، ووصف هذه السور بالزهر كناية عن شهرتها ووضوحها، ولذلك لم يحتج لتعينها. والضمير في (وسكتهم) يعود على القراء الثلاثة المذكورين في البيت قبله وهم: ابن عامر، وورش، وأبو عمرو. والمعنى: أن السكت الوارد عن هؤلاء هو المختار المقدم على الوصل؛ لأن فيه تنبيها على نهاية السورة. وهذا السكت يكون دون تنفس بأن تقف على آخر السورة وقفة خفيفة دون تنفس، ثم بيّن أن بعض أهل الأداء اختار الفصل بالبسملة بين المدثر والقيامة، وبين الانفطار والتطفيف، وبين الفجر والبلد، وبين العصر والهمزة، لمن ورد عنه السكت في غيرهن، وهم: ورش وأبو عمرو وابن عامر، من غير نص عنهم، وإنما هو استحباب من الشيوخ لهم، واختار السكت بين ما ذكر لمن روي

стр. 46

عنه الوصل في غيرهن وهم المذكورون وحمزة، فإذا كنت تقرأ لورش، أو أبي عمرو، أو ابن عامر بالسكت بين السور ووصلت للسور المذكورة؛ استحب لك- عند هذا البعض- أن تفصل بينهن بالبسملة. وإن كنت تقرأ لأحدهم أو لحمزة بالوصل بين السور؛ استحب لك- عند هذا البعض- أن تسكت بينهن. وقوله: فافهمه وليس مخذلا، معناه: فافهم هذا المذهب الذي يفرق بين هذه السور وبين غيرها من سور القرآن، وليس هذا المذهب ضعيفا متروك العون والنصرة، بل هو مذهب مؤيد منصور. ولكن مع هذا فالمحققون من العلماء على عدم التفرقة بين هذه السور وبين غيرها، وهو المذهب الصحيح المختار الذي عليه العمل في سائر الأمصار، فإن قلت: من أين يعلم أن اختيار البسملة بين السورة المذكورة في مذهب هذا البعض إنما يكون حال السكت في غيرها؟ قلت: يعلم ذلك من اختيار السكت بين هذه السور حال الوصل في غيرها. فإن قلت: من أين يعلم اختيار السكت بين هذه السور حال الوصل في غيرها لورش وأبي عمرو وابن عامر والناظم لم ينص إلا على اختيار السكت فيها لحمزة؟ قلت: يعلم ذلك من قوله: وهو فيهن ساكت لحمزة؛ فإن المراد به: وهو فيهن ساكت لكل من وصل في غيرها، وإنما خص حمزة بالذكر؛ لأنه الأصل في الوصل بين السور. ١٠٥ - ومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسّيف لست مبسملا اللغة: الضمير في (تصلها) يعود على براءة. المعنى: إذا وصلت براءة بالسورة قبلها وهي الأنفال، أو ابتدأت بها القراءة فلا تبسمل في أولها لأحد من القراء، سواء كان مذهبه بين السورتين البسملة أو السكت أو الوصل. ثم علل الناظم ترك البسملة في أول براءة بأنها نزلت مشتملة على السيف، وكنى بذلك عما انطوت عليه سورة براءة من الأمر بالقتل والأخذ والحصر ونبذ العهد والوعيد والتهديد وفيها آية السيف، وقد نقل العلماء هذا التعليل عن عليّ ﵁. قال ابن عباس: سألت عليّا ﵁: لم لم تكتب البسملة في أول براءة؟ فقال: لأن بسم الله أمان، وبراءة ليس فيها أمان؛ لأنها نزلت بالسيف ولا تناسب بين الأمان والسيف.

стр. 47

١٠٦ - ولا بدّ منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خيّر من تلا اللغة: الضمير في (منها): يعود على البسملة وفي (سواها): يعود على براءة، و (سورة): منصوب على نزع الخافض، لما ذكر في الأبيات السابقة مذاهب القراء بين السورتين ذكر هنا مذهبهم في ابتداء السور، فقال: إذا ابتدأت قراءتك بأول سورة من سور القرآن فلا بد من الإتيان بالبسملة لجميع القراء سواء في ذلك من مذهبه البسملة بين السورتين، ومن مذهبة وصل السورة بأول التالية، ومن مذهبه التخيير بين الوصل والسكت والبسملة. فالقراء متفقون على البدء بالبسملة في ابتداء أي سورة، وهذا الحكم عام في الابتداء بأي سورة من سور القرآن إلا براءة فلا بسملة عند الابتداء بها لأحد من القراء. وقوله (وفي الأجزاء خيّر من تلا) يصح قراءة (خير) بالبناء للفاعل. والمعنى: خير أهل الأداء القارئ إذا ابتدأ قراءته بشيء من أجزاء السور بين الإتيان بالبسملة وتركها. ويصح قراءة خير بالبناء للمفعول. ومن المعنى: خير القارئ إذا ابتدأ بشيء من أجزاء السور بين الإتيان بالبسملة وتركها، وذلك لجميع القراء. ولا فرق في هذا الحكم بين أجزاء براءة وأجزاء غيرها من السور، واستثنى بعضهم أجزاء براءة فمنع من الإتيان فيها بالبسملة، وألحق أجزاء السورة بأولها في عدم جواز الإتيان بالبسملة. والمراد بأجزاء السور: ما بعد أوائلها ولو بآية أو كلمة، فيدخل في ذلك: أوائل الأجزاء المصطلح عليها، وأوائل الأحزاب والأعشار. وأول كل آية ابتدأ بها غير أول آية في السورة. ١٠٧ - ومهما تصلها مع أواخر سورة ... فلا تقفنّ الدّهر فيها فتثقلا اللغة والمعنى: الضمير في (تصلها) و (فيها) يعود على البسملة. وفي بمعنى على. يقول: إذا وصلت البسملة بآخر سورة امتنع الوقف على البسملة وتعين وصلها بأول السورة التالية والحاصل أن الأوجه العقلية الجائزة بين كل سورتين لمن مذهبه البسملة أربعة: (الأول) الوقف على آخر السورة وعلى البسملة. (الثاني) الوقف على آخر السورة ووصل البسملة بأول التالية. (الثالث) وصل آخر السورة بالبسملة مع وصل البسملة بأول السورة التالية.

стр. 48

(الرابع) وصل آخر السورة بالبسملة مع الوقف عليها، وهذا الوجه هو الذي نهى الناظم عن الإتيان به، فيكون ممتنعا فتبقى الأوجه الثلاثة الأولى على الجواز. وعلى هذا يكون لكل من مذهبه البسملة بين السورتين وهم: قالون، والكسائي، وعاصم، وابن كثير، هذه الأوجه الثلاثة بين كل سورتين. ويكون لورش، وأبي عمرو، وابن عامر، بين كل سورتين خمسة أوجه. الثلاثة المذكورة، والوصل، والسكت دون بسملة على كل منهما. أما حمزة: فليس له بين كل سورتين إلا وجه واحد وهو الوصل بلا بسملة وقولوه فتثقلا معناه فتصير مستثقلا عند أئمة القراءة لأنك فعلت ما لا ينبغي حيث جعلت البسملة لختم السورة وهي لم تشرع إلا للبدء بالسورة وينبغي أن يعلم أن بين الأنفال وبراءة ثلاثة أوجه لجميع القراء وهي: الوقف، والسكت، والوصل. ٤ سورة أم القرآن [١٠٨ - ١١٥] ١٠٨ - ومالك يوم الدّين راويه ناصر ... وعند سراط والسّراط ل قنبلا ١٠٩ - بحيث أتى والصّاد زاء أشمّها ... لدى خلف واشمم لخلّاد الاوّلا المعنى: بيّن أن المشار إليهما بالراء والنون وهما الكسائي وعاصم قرآ لفظ ملك من قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بإثبات الألف بعد الميم كما نطق به. وهذا مما استغني فيه باللفظ عن القيد فلم يحتج لأن يقول ومالك بالمد. فتكون قراءة الباقين بحذف الألف بعد الميم. واللام في لقنبلا للأمر، أي اتبع قنبلا في قراءة لفظ صِراطَ* والصِّراطَ* بالسين حيث وقع في القرآن الكريم سواء كان منكرا نحو وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أم معرفا باللام نحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أم بالإضافة نحو صِراطَ الَّذِينَ وَأَنَّ هذا صِراطِي صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ وهذا مما استغنى فيه باللفظ عن القيد أيضا حيث لم يقل بالسين. ثم أمر بإشمام الصاد صوت الزاي لخلف في هذا اللفظ حيث وقع في القرآن الكريم سواء كان منكرا، أم معرفا باللام، أو بالإضافة كالأمثلة المذكورة. وأخيرا أمر بإشمام الصاد صوت الزاي لخلاد في الموضع الأول

стр. 49

فقط وهو اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١) فتكون قراءته في بقية المواضع بالصاد الخالصة وقرأ الباقون بالصاد الخالصة في جميع المواضع من القرآن الكريم. وكيفية الإشمام هنا: أن تخلط لفظ الصاد بلفظ الزاي وتمزج أحد الحرفين بالآخر فيتولد منها حرف ليس بصاد ولا بزاي ولكن يكون صوت الصاد متغلبا على صوت الزاي، وقصارى القول أن تنطلق بالصاد كما ينطلق العوام بالظاء. ١١٠ - عليهم إليهم حمزة ولديهم ... جميعا بضمّ الهاء وقفا وموصلا المعنى: قرأ حمزة هذه الكلمات عَلَيْهِمْ* إِلَيْهِمْ* لَدَيْهِمْ* بضم الهاء في حالي الوقف والوصل في جميع القرآن الكريم، سواء كان بعد الكلمات متحرك نحو عَلَيْهِمْ* غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ. أم كان بعدهن ساكن نحو عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ*، إِلَيْهِمْ* اثْنَيْنِ*. وأخذ هذا التعميم من الإطلاق. وقرأ غير حمزة هذه الكلمات الثلاث في جميع القرآن بكسر الهاء، ويؤخذ كسر الهاء من اللفظ. ١١١ - وصل ضمّ ميم الجمع قبل محرّك ... دراكا وقالون بتخييره جلا المعنى: أمر الناظم بضم ميم الجمع وصلتها بواو إذا وقعت قبل متحرك لابن كثير في جميع القرآن سواء كان الحرف المتحرك همزة نحو عَلَيْهِمْ* أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أم غيرها نحو أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، واحترز بقوله: قبل محرك؛ عما إذا وقعت قبل ساكن فإنها- وإن تحركت بالضم لأجل الساكن- لا توصل بواو لأحد من القراء نحو عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ فإن اقترن بها ضمير؛ فإنها توصل بواو لجميع القراء نحو أَنُلْزِمُكُمُوها، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ. ثم ذكر أن قالون يخير القارئ بقراءته بين الصلة والسكون فيما ذكر فيكون لقالون وجهان في كل ميم جمع وقع بعدها متحرك في جميع القرآن الكريم وهما الصلة والسكون، وليست جيم جلا رمزا لورش لتصريحه باسم قالون.

стр. 50

١١٢ - ومن قبل همز القطع صلها لورشهم ... وأسكنها الباقون بعد لتكملا المعنى: أمر بضم ميم الجمع وصلتها بواو إذا وقعت قبل همز القطع لورش نحو عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، ولما كانت قراءة الباقين لا تؤخذ من الضد نص عليها فقال: وأسكنها الباقون بعد لتكملا. فباقي القراء بعد ابن كثير وقالون وورش يقرءون بسكون الميم. والاختلاف في صلة ميم الجمع وسكونها إنما هو في حال وصل الميم بما بعدها. وأما إذا وقف عليها فقد أجمعوا على سكونها. ١١٣ - ومن دون وصل ضمّها قبل ساكن ... لكلّ وبعد الهاء كسر فتى العلا ١١٤ - مع الكسر قبل الها أو الياء ساكنا ... وفي الوصل كسر الهاء بالضمّ شمللا ١١٥ - كما بهم الأسباب ثمّ عليهم ال ... قتال وقف للكلّ بالكسر مكملا قوله: (ضمها) يروى بفتح الضاد وضم الميم على أنه مبتدأ وقوله: (لكل) متعلق بمحذوف خبر، ويروى بضم الضاد وفتح الميم على أنه فعل أمر وها مفعول به. و (شمللا) بمعنى أسرع، ولما ذكر في البيتين السابقين حكم ميم الجمع لجميع القراء إذا وقعت قبل متحرك، ذكر هنا حكمها إذا وقعت قبل ساكن فأمر بضمها من غير صلة إذا وقعت قبل ساكن، لكل القراء نحو وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ*، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ثم بين أن (فتى العلا) وهو أبو عمرو البصري قرأ بكسر الميم إذا وقعت بعد الهاء بشرط أن يكون قبل الهاء حرف مكسور نحو فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ*. أو ياء ساكنة نحو يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ، عَلَيْهِمُ الْقِتالُ*، إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ، ولا يخفى أنه يسكن الميم عند الوقف، ثم ذكر أن المرموز لهما بالشين وهما: حمزة والكسائي قرآ بضم كسر الهاء، مع ضم الميم، في حال الوصل إذا وقعت الهاء بعد حرف مكسور أو ياء ساكنة كالأمثلة المذكورة وذلك في حال الوصل فقط، وأما في حال الوقف فيقرءون بكسر الهاء، وهذا معنى قوله: وقف للكل بالكسر مكملا، ويستثنى من قوله: وقف للكل بالكسر مكملا: الكلمات الثلاث المتقدمة: عَلَيْهِمْ*، إِلَيْهِمْ*، لَدَيْهِمْ*؛ فإن حمزة يقرؤها بضم الهاء وقفا ووصلا، سواء وقع بعد الميم ساكن أو متحرك كما سبق، وعلى هذا فمثل يُرِيهِمُ اللَّهُ، يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ،

стр. 51

يقرؤها حمزة والكسائي بضم الهاء والميم وصلا، وبضم الهاء وسكون الميم وقفا، ويقرؤهما الكسائي بضم الهاء والميم وصلا، وبكسر الهاء وسكون الميم وقفا. ٥ باب الإدغام الكبير [١١٦ - ١٣١] ١١٦ - ودونك الإدغام الكبير وقطبه ... أبو عمرو البصريّ فيه تحفّلا اللغة والمعنى: (الإدغام) لغة: إدخال شيء في شيء، ومنه: أدغم اللجام في فم الفرس إذا أدخله فيه واصطلاحا: النطق بالحرفين حرفا واحدا كالثاني مشددا، وهو قسمان: كبير وصغير، فالكبير: ما كان المدغم والمدغم فيه متحركين، ويكون في المثلين، والمتقاربين، والمتجانسين. والصغير: ما كان المدغم ساكنا والمدغم فيه متحركا، ولا يكون إلا في المتقاربين والمتجانسين. وقول الناظم (ودونك) اسم فعل أمر بمعنى خذ وقطب الشيء ملاكه، وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليهم أمرهم، وتحفل بالشيء وفيه: اهتم به، وعنى بشأنه. [تصوير] أي خذ الإدغام الكبير، والذي يدور عليه أمره هو أبو عمرو البصري فهو الذي احتفل به، واهتم بشأنه، ونقله، وضبط حروفه، واحتج له، وقرأ وأقرأ به، فمدار الإدغام على أبي عمرو فمنه أخذ، وإليه أسند، وعنه اشتهر من بين القراء السبعة. وسبب الإدغام: التماثل والتقارب والتجانس، وشرطه: التقاء المدغم بالمدغم فيه خطّا، فدخل نحو إِنَّهُ هُوَ* وخرج نحو أَنَا نَذِيرٌ*، وأن يكون المدغم فيه أكثر من حرف إذا كان الإدغام في كلمة، وموانعه ستأتي في قول الناظم (إذا لم يكن تاء مخبر) إلخ، وصريح النظم يفيد أن الإدغام لأبي عمرو من الروايتين، ولكن المقروء به المعول عليه المأخوذ به من طريق الشاطبية والتيسير: أن الإدغام خاص برواية السوسي عن أبي عمرو. وأما الدوري: فليس له من طريق النظم، وأصله: إلّا الإظهار. ولذلك قال الإمام السخاوي تلميذ الإمام الشاطبي في شرحه للشاطبية: وكان أبو القاسم الشاطبي يقرئ بالإدغام الكبير من طريق السوسي؛ لأنه كذا قرأ .. انتهى. ١١٧ - ففي كلمة عنه مناسككم وما ... سلككم وباقي الباب ليس معوّلا

стр. 52

المعنى: إذا التقى المثلان فإما أن يكون التقاؤهما في كلمة، وإما أن يكون في كلمتين، فإن كان في كلمة: فلا يدغم السوسي من المثلين إلا الكاف في هاتين الكلمتين، مَناسِكَكُمْ في قوله تعالى في سورة البقرة: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، وسَلَكَكُمْ في قوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، وما عدا هاتين الكلمتين فلم يعول السوسي على الإدغام فيه بل قرأه بالإظهار كغيره من سائر القراء مثل بِأَعْيُنِنا*، جِباهُهُمْ، وُجُوهُهُمْ*، بِشِرْكِكُمْ. ١١٨ - وما كان من مثلين في كلمتيهما ... فلا بدّ من إدغام ما كان أوّلا ١١٩ - كيعلم ما فيه هدى وطبع عّلى ... قلوبهم والعفو وأمر تمثّلا المعنى: إذا التقى الحرفان المتماثلان في كلمتين بأن كان أولهما آخر كلمة وثانيهما أول الكلمة التي تليها وكانا متحركين؛ فلا بد من إدغام الحرف الأول بعد إسكانه في الثاني للسوسي وصلا، سواء كان ما قبل الحرف الأول المدغم متحركا نحو يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ*، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. أم كان ساكنا وهو حرف مد نحو فِيهِ هُدىً*. أم ساكنا صحيحا نحو خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ. وقولنا: وكان متحركين؛ احتراز عما إذا كان الحرف الأول ساكنا والثاني متحركا، فإن الحرف الأول يدغم في الثاني باتفاق القراء نحو: إِذْ ذَهَبَ، وَقَدْ دَخَلُوا. وعما إذا كان الأول متحركا والثاني ساكنا فإن الحرف الأول يجب إظهاره لجميع القراء نحو كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ، إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها ومعنى تمثلا تخصص المذكور وتبين، وهو إدغام المثلين في الثاني من كلمتين. ١٢٠ - إذا لم يكن تا مخبر أو مخاطب ... أو المكتسى تنوينه أو مثقّلا ١٢١ - ككنت ترابا أنت تكره واسع ... عليم وأيضا تمّ ميقات مثّلا اللغة والمعنى: الضمير في (يكن) يعود على قوله: ما كان أولا، وهذا بيان من الناظم لموانع الإدغام: المانع الأول: أن يكون الحرف الأول من المثلين تاء مخبر أو تاء دالة على المتكلم نحو يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً. والثاني: أن يكون الحرف الأول تاء دالة على المخاطب نحو أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ وَما كُنْتَ تَتْلُوا الثالث: أن يكون الحرف الأول مقرونا بالتنوين نحو

стр. 53

وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ*. الرابع: أن يكون الحرف الأول مثقلا نحو فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ، وَخَرَّ راكِعاً. فيجب إظهار الحرف الأول في هذه الأمثلة وأشباهها. ١٢٢ - وقد أظهر في الكاف يحزنك كفره ... إذ النّون تخفى قبلها لتجمّلا المعنى: قد أظهر رواة الإدغام عن السوسي كاف يَحْزُنْكَ* ولم يدغموها في كاف كفره في قوله تعالى في سورة لقمان وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ. ثم علل إظهارها بأن النون أخفيت عند الكاف فانتقل مخرجها إلى الخيشوم فيصعب التشديد بعدها فامتنع إدغامها، أو يقال: إن النون لما أخفيت والإخفاء قريب من الإدغام صارت الكاف كأنها مدغم فيها فصارت كالحرف المشدد وهو ممتنع الإدغام، فامتنع إدغامها ووجب إظهارها. وقوله (لتجملا) تعليل لإظهار الكاف، أي إنما أظهرت الكاف لتجمل الكلمة ببقائها على صورتها. ١٢٣ - وعندهم الوجهان في كلّ موضع ... تسمّى لأجل الحذف فيه معلّلا ١٢٤ - كيبتغ مجزوما وإن يك كاذبا ... ويخل لكم عن عالم طيّب الخلى المعنى: قد يلتقي المثلان في موضع بسبب حذف وقع في الكلمة التي فيها المثل الأول، وحينئذ تسمى هذه الكلمة التي وقع فيها الحذف معللة أي معلة، وعند علماء الأداء الوجهان: الإدغام والإظهار عن السوسي في كل كلمة هذا شأنها، وذلك في ثلاث كلمات في القرآن الكريم «الأولى»: ومن يبتغ غير الإسلام دينا في آل عمران أصلها يبتغي فالياء فاصلة بين المثلين فحذفت الياء للجازم فالتقى المثلان، فمن أظهر نظر إلى أصل الكلمة قبل دخول الجازم عليها. ومن أدغم نظر إلى الحال الراهنة. «الكلمة الثانية»: وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ في غافر، أصلها يكون، ثم دخل الجازم فجزمت له النون، فالتقى ساكنان: النون والواو، فحذفت الواو للتخلص من التقائهما. ثم حذفت النون تخفيفا فالتقى المثلان «الكلمة الثالثة»: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ في يوسف، أصلها: يخلو فحذفت الواو للجازم وهو وقوع الفعل جوابا للأمر، فالتقى المثلان، وعلتا الإدغام والإظهار في الكلمة الأولى تجريان في الكلمتين الثانية والثالثة، وليس في القرآن من هذا النوع

стр. 54

إلا هذه المواضع الثلاثة. وعلى هذا تكون الكاف في (كيبتغ) استقصائية؛ لأنها استقصت الأمثلة كلها ولم تترك شيئا منها، والكلمة المعللة والمعلة بمعنى واحد وهي التي دخلها الإعلال بحذف أو إبدال أو غير ذلك. و (الخلى) العشب الرطب وقد يكنى به عن الحديث الحسن أو العلم الغزير. والمراد (بالعالم الطيب الخلي) الإمام السوسي وكنى بوصفه بطيب الخلى عن حسن حديثه وغزارة علمه. ١٢٥ - ويا قوم ما لي ثمّ يا قوم من بلا ... خلاف على الإدغام لا شكّ أرسلا لما كان يتوهم أن قوله تعالى: وَيا قَوْمِ ما لِي بغافر، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي بهود، مثل يَبْتَغِ غَيْرَ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً، يَخْلُ لَكُمْ في جواز الوجهين الإدغام والإظهار نظرا إلى حذف الياء منه؛ إذ الأصل: ويا قومي، فتكون الكلمة معتلة كالكلمات الثلاث، رفع الناظم هذا الوهم ببيان أنه لا خلاف عن السوسي في إدغام هاتين الكلمتين؛ لأن كلمة يَقُومُ* ليست مثل يَبْتَغِ إذ لم يحذف من أصولها شيء فليست معتلة، وأما الياء المحذوفة منها فليست من بنية الكلمة؛ بل هي كلمة مستقلة وهي تحذف على اللغة الفصحى، وحذفت من المصاحف فكانت بمثابة العدم. وقوله (لا شك أرسلا) أي أطلق هذان اللفظان على الإدغام من غير تقييد؛ إذ ليس فيهما ما يمنع الإدغام. ١٢٦ - وإظهار قوم آل لوط لكونه ... قليل حروف ردّه من تنبّلا ١٢٧ - بإدغام لك كيدا ولو حجّ مظهر ... بإعلال ثانيه إذا صحّ لاعتلا المعنى: من رواة الإدغام عن السوسي قوم أظهروا اللام في كلمة آلَ لُوطٍ* في الحجر والنمل والقمر. ولم يدغموها في اللام بعدها محتجين لهذا الإظهار بقلة حروف هذه الكلمة، وقد رد هذا الاحتجاج من رسخت في العلم قدمه وارتقت فيه منزلته بأنهم أجمعوا على إدغام الكاف في الكاف في قوله تعالى في يوسف: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مع كونه أقل حروفا من آلَ لُوطٍ* فلو كانت قلة الحروف مانعة من الإدغام لكان منع الإدغام في لك كيدا أولى من منع الإدغام في آلَ لُوطٍ* لكونه أقل حروفا منه، ولكنهم أدغموا الكاف في الكاف في لَكَ كَيْداً اتفاقا. فدل ذلك على أن قلة الحروف لا دخل لها في منع

стр. 55

الإدغام على أنه يقال لهؤلاء المانعين: قد انعقد الإجماع على إدغام قالَ لَهُمْ* وأي فرق بين آلَ لُوطٍ* وقالَ لَهُمْ*، والحق أنه لا فرق بينهما بل هو مثله وعلى وزنه. وقوله: (ولو حج مظهر ... إلخ) أي لو احتج المظهرون للفظ آلِ* بأن ثاني حروفه قد تغير بالإعلال مرة بعد مرة والإدغام نوع من التغيير فعدل عنه خوفا من أن يتوارد على كلمة قليلة الحروف تغييرات كثيرة لو احتج المظهرون بهذا لغلبوا بالحجة، إذا صح هذا الاحتجاج لاعتلى الإظهار وارتفعت منزلته وأخذ به أهل الأداء، لكن هذا الاحتجاج لا ينهض لمنع الإدغام. والخلاصة: أن الإدغام في هذه الكلمة هو الصحيح المعول عليه المأخوذ به وهو الذي عليه العمل. ١٢٨ - فإبداله من همزة هاء اصلها ... وقد قال بعض النّاس من واو ابدلا المعنى: هذا بيان لأصل كلمة آل وما طرأ عليها من تغيير، وقد أورد الناظم في أصلها مذهبين الأول: مذهب سيبويه وهو أن أصلها أهل بهاء ساكنة فأبدلت الهاء همزة ساكنة ثم أبدلت الهمزة ألفا بناء على ما تقرر من أنه إذا اجتمعت همزتان وثانيهما ساكنة فإن الثانية تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، والثاني: مذهب أبي الحسن بن شنبوذ وهو الذي عبر عنه الناظم ببعض الناس، وهو أن أصلها أول بفتح الواو كما في لفظة قال، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. ١٢٩ - وواو هو المضموم هاء كهو ومن ... فأدغم ومن يظهر فبالمدّ علّلا ١٣٠ - ويأتي يوم أدغموه ونحوه ... ولا فرق ينجى من على المدّ عوّلا المعنى: اختلف أهل الأداء في إدغام الواو من لفظ هُوَ* المضموم الهاء في مثلها نحو لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ، كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ. فذهب الجمهور عن السوسي إلى إدغامها في مثلها طردا للباب لتحقق الحرفين المتماثلين، ولذلك أمر الناظم بإدغامها، وذهب البعض إلى الإظهار؛ لأن إدغام الواو في مثلها يترتب عليه محظور وهو إدغام حرف المد، ذلك أنه إذا أريد إدغام الواو فلا بد من إسكانها فإذا سكنت وقبلها ضمة تصير حرف مد، وحرف المد لا يدغم بالإجماع؛ لأن إدغامه يفضي إلى حذفه

стр. 56

مثل: قالُوا وَهُمْ فِيها، آمَنُوا وَكانُوا*، ومثل: فِي يَوْمٍ*، الَّذِي يُوَسْوِسُ وحرف المد لا يحذف، ثم نقض الناظم علة المظهرين وبين فسادها بأن هؤلاء المظهرين قد أدغموا الياء في مثلها نحو يَأْتِيَ يَوْمٌ*، نُودِيَ يا مُوسى ولا شك أنه يترتب على إدغام يَأْتِيَ يَوْمٌ* ونحوه من المحظور ما يترتب على إدغام هُوَ* المضموم الهاء؛ فالعلة الموجبة للإظهار في هُوَ* متحققة في يَأْتِيَ يَوْمٌ* إذا المد المقدر في الواو موجود في الياء، فلا فارق بينهما، فإدغام أحد المتساويين وإظهار الثاني تحكم لا مبرر له، على أن هناك فرقا بين حرف المد في هُوَ* المضموم الهاء وحرف المد في الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا* ونحوه فإن الأول تقديري ملاحظ في الذهن فقط لا ثبوت له في الخارج، والثاني محقق في الخارج فقياس الأول على الثاني خطأ، إذ لا يلزم من منع الإدغام في المد المحقق منعه في المد المقدر، وعلى كل فالمقروء به للسوسي من طريق الشاطبية والتيسير هو الإدغام ليس غير. وقوله: المضموم هاء؛ احتراز عن ساكنها؛ فإن فيه الإدغام قولا واحدا للسوسي، وقد وقع في ثلاثة مواضع: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بالأنعام، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ بالنحل، وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ في الشورى. ١٣١ - وقبل يئسن الياء في اللّاء عارض ... سكونا أو اصلا فهو يظهر مسهلا المعنى: قرأ أبو عمرو من روايتي الدوري والسوسي وَاللَّائِي يَئِسْنَ في سورة الطلاق بحذف الياء بعد الهمزة، وله في الهمزة بعد ذلك وجهان تسهيلها بين بين مع المد والقصر. وإبدالها ياء ساكنة مع المد المشبع للساكنين. وعلى هذا الوجه يجتمع حرفان متماثلان في كلمتين: الأول ساكن والثاني متحرك، والقواعد تقضي بوجوب إدغام الأول في الثاني للسوسي، بل لجميع القراء، ولكن الناظم أخبر أن السوسي يقرأ على وجه الإبدال، بإظهار هذه الياء الساكنة، وعلل إظهارها بأن سكونها عارض أو هي نفسها عارضة؛ لأن أصلها همزة، وحيث إن سكونها عارض، أو هي نفسها عارضة؛ فيمتنع إدغامها. هذا محصل كلام الناظم. ولكن قد ذهب غيره من أهل الأداء إلى إدغامها طردا للباب، والوجهان صحيحان مقروء بهما للبزي وأبي عمرو من روايتيه. وقوله: مسهلا حال من فاعل يظهر وهو السوسي وهو مأخوذ من أسهل إذا سار في الطريق المعبد السهل.

стр. 57

٦ باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين [١٣٢ - ١٥٧] ١٣٢ - وإن كلمة حرفان فيها تقاربا ... فإدغامه للقاف في الكاف مجتلى ١٣٣ - وهذا إذا ما قبله متحرّك ... مبين وبعد الكاف ميم تخلّلا ١٣٤ - كيرزقكم واثقكم وخلقكم ... وميثاقكم أظهر ونرزقك انجلا المعنى: إن اجتمع في كلمة حرفان متقاربان فإن السوسي يخص بالإدغام من الحروف المتقاربة القاف في الكاف بشرطين: الأول: أن يكون ما قبل القاف متحركا. الثاني: أن يكون بعد الكاف ميم جمع، فإذا تحقق الشرطان وجب الإدغام، وإذا فقد أحدهما امتنع الإدغام، مثال ما اجتمع فيه الشرطان: يَرْزُقُكُمْ*، واثَقَكُمْ، خَلَقَكُمْ*، ومثال ما فقد منه الشرط الأول: مِيثاقَكُمْ*، ومثال ما فقد منه الشرط الثاني: نَرْزُقُكَ. وقول الناظم: مبين، بين ظاهر، ولم يحترز به عن شيء وإنما هو صفة مؤكدة والضمير في تخللا يعود على السوسي، يعني أنه خص إدغام المتقاربين في كلمة بالقاف والكاف دون غيرهما من بقية الحروف المتقاربة، فلم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة إلا القاف في الكاف بالشرطين السابقين. وقوله: (مجتلى) مكشوف مأخوذ من جلاه إذا كشفه، والمراد به الشهرة، ويقال: تخلل المطر الأرض إذا أصاب بعض البقاع ولم يكن عامّا ولا يخفى ما فيه من مناسبة إدغام بعض الحروف دون بعض، ويقال: انجلى الأمر إذا ظهر وانكشف حقيقته والضمير في (فإدغامه) يعود على السوسي؛ لأنه المختص بالإدغام. ١٣٥ - وإدغام ذي التّحريم طلّقكنّ قل ... أحقّ وبالتّأنيث والجمع أثقلا المعنى: أن إدغام القاف في الكاف في اللفظ الذي وقع في سورة التحريم وهو طَلَّقَكُنَّ أولى وأجدر بالإدغام من غيره ك يَرْزُقُكُمْ* ونحوه؛ لأن الغرض من الإدغام التخفيف وكلما كان اللفظ أثقل كان أولى بالإدغام مما هو دونه في الثقل. ولفظ

стр. 58

طَلَّقَكُنَّ قد تحقق فيه الشرط الأول وهو تحرك ما قبل القاف، وفقد فيه الشرط الثاني وهو وجود الميم ولكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون؛ لأنها متحركة والحركة أثقل من السكون، ومشددة والمشدد أثقل من المخفف، ودالة على التأنيث. وأما الميم: فهي ساكنة مخففة دالة على التذكير، فكان هذا اللفظ أولى بالإدغام من غيره. ويؤخذ من هذا: أن للسوسي وجهين في هذا اللفظ: الإدغام والإظهار. ١٣٦ - ومهما يكونا كلمتين فمدغم ... أوائل كلم البيت بعد على الولا ١٣٧ - شفا لم تضق نفسا بها رم دواضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا المعنى: إذا اجتمع الحرفان المتقاربان في كلمتين بأن يكون أحدهما آخر الكلمة والثاني أول الكلمة التي تليها؛ فالسوسي يدغم الأول منهما في الثاني وصلا إذا كان الحرف الأول أحد الحروف الستة عشر المذكورة في أوائل كلمات البيت الثاني وهي: الشين واللام والتاء والنون والباء والراء والدال والضاد والثاء والكاف والذال والحاء والسين والميم والقاف والجيم. ١٣٨ - إذا لم ينوّن أو يكن تا مخاطب ... وما ليس مجزوما ولا متثقّلا المعنى: اشترط في إدغام هذه الحروف في غيرها أربعة شروط: الأول- ألا يكون الحرف الأول الذي يدغم منونا فلو كان منونا امتنع إدغامه نحو: نَذِيرٌ لَكُمْ، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ. الثاني- ألا يكون تاء مخاطب، فإن كان كذلك لم يدغم نحو: وَما كُنْتَ ثاوِياً، فَلَبِثْتَ سِنِينَ، خَلَقْتَ طِيناً، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ. ولم يقع في القرآن تاء متكلم عند مقارب لها، فلهذا لم يستثنها الناظم. الثالث- ألا يكون مجزوما، فإن كان مجزوما وهو وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ في البقرة، وليس في القرآن غيره؛ امتنع إدغامها. الرابع- ألا يكون مشددا، فإن كان مشددا، امتنع إدغامه نحو: أَشَدَّ ذِكْراً، كَمَنْ هُوَ أَعْمى، لا يَضِلُّ رَبِّي، وَهَمَّ بِها، لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ.

стр. 59

والخلاصة: أن الحرف الأول إن كان منونا، أو تاء مخاطب، أو مجزوما، أو مشددا؛ امتنع إدغامه ووجب إظهاره. ١٣٩ - فزحزح عن النّار الّذي حاه مدغم ... وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا ١٤٠ - خلق كلّ شيء لك قصورا وأظهرا ... إذا سكن الحرف الّذي قبل أقبلا المعنى: هذا بيان للحروف التي تدغم فيها الحروف الستة عشر المذكورة، ولم يذكرها على سبيل الترتيب في البيت وإنما ذكرها حسبما تيسر له النظم، فبدأ بالحاء، وذكر أنها تدغم في العين في موضع واحد وهو قوله تعالى في آل عمران فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ. وما عدا هذا الموضع لا تدغم فيه نحو وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ، لا جُناحَ عَلَيْكُمْ*، الْمَسِيحُ عِيسَى*. ثم ذكر أن القاف تدغم في الكاف نحو خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ*. وأن الكاف تدغم في القاف نحو لَكَ قُصُوراً. وإدغام أحد هذين الحرفين في الآخر يجري في جميع المواضع في القرآن ولكن بشرط أن يكون الحرف الذي قبل الحرف المدغم متحركا، فإن كان ساكنا؛ امتنع الإدغام نحو وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَتَرَكُوكَ قائِماً. وهذا معنى قوله: وأظهرا إذا سكن الحرف الذي قبل أقبلا. وينبغي أن يعلم أن إدغام القاف في الكاف في هذا الباب إدغام محض لا تبقى معه صفة استعلاء القاف بلا خلاف، وأما إدغام القاف في الكاف في أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ: فمن أهل الأداء من أبقى صفة استعلاء القاف، ومنهم من حذفها، وهذا هو المشهور المأخوذ به. ١٤١ - وفي ذي المعارج تعرج الجيم مدغم ... ومن قبل أخرج شطأه قد تثقّلا المعنى: تدغم الجيم في حرفين في موضعين: في التاء في قوله تعالى: ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ وفي الشين: في قوله تعالى في سورة الفتح التي هي قبل سورة المعارج: أَخْرَجَ شَطْأَهُ. ولا نظير لهما في القرآن، ولا تدغم الجيم في غير ذلك من الحروف. ١٤٢ - وعند سبيلا شين ذي العرش مدغم ... وضاد لبعض شأنهم مدغما تلا ١٤٣ - وفي زوّجت سين النّفوس ومدغم ... له الرّأس شيبا باختلاف توصّلا

стр. 60

المعنى: تدغم الشين في السين في موضع واحد وهو لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا في الإسراء، وتدغم الضاد في الشين في موضع واحد وهو فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ في النور، وتدغم السين في حرفين في الزاي في موضع واحد: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ بالتكوير. وفي الشين في الرَّأْسُ شَيْباً وفي مريم بخلف عنه فله فيه الإدغام والإظهار. ١٤٤ - وللدّال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثم زهد صدقه ظاهر جلا ١٤٥ - ولم تدغم مفتوحة بعد ساكن ... بحرف بغير التّاء فاعلمه المعنى: تدغم الدال في عشرة أحرف وهي المجموعة في أوائل الكلمات المذكورة وهي التاء، والسين، والذال، والشين، والضاد، والثاء، والزاي، والصاد، والظاء، والجيم، والأمثلة هكذا. الْمَساجِدِ تِلْكَ، عَدَدَ سِنِينَ، وَالْقَلائِدَ ذلِكَ، وَشَهِدَ شاهِدٌ*، مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ* مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ، تُرِيدُ زِينَةَ، نَفْقِدُ صُواعَ، مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، داوُدُ جالُوتَ، دارُ الْخُلْدِ جَزاءً، ويشترط في إدغام الدال في أي حرف من هذه الحروف ألا تكون مفتوحة بعد ساكن، فإن فتحت بعد ساكن امتنع الإدغام نحو لِداوُدَ سُلَيْمانَ، بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ، آلَ داوُدَ شُكْراً، بَعْدَ ثُبُوتِها بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ* داوُدَ زَبُوراً*، واستثنى من ذلك التاء، فإن الدال تدغم فيها حتى ولو كانت مفتوحة بعد ساكن وذلك في موضعين مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ في التوبة، بَعْدَ تَوْكِيدِها في النحل، ولا ثالث لهما في القرآن الكريم. ١٤٦ - وفي عشرها والطّاء تدغم تاؤها ... وفي أحرف وجهان عنه تهلّلا ١٤٧ - فمع حمّلوا التّوراة ثمّ الزّكاة قل ... وقل آت ذا ذال ولتأت طائفة علا ١٤٨ - وفي جئت شيئا أظهروا لخطابه ... ونقصانه والكسر الادغام سهّلا المعنى: تدغم التاء في الأحرف العشرة التي تدغم فيها الدال سوى التاء؛ لأن الإدغام فيها من قبيل المثلين، وكذلك تدغم في الطاء فتكون حروف التاء أيضا عشرا، والأمثلة: الشَّوْكَةِ تَكُونُ، وإن كان هذا من باب المثلين. الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ*، بِالسَّاعَةِ سَعِيراً

стр. 61

وَالذَّارِياتِ ذَرْواً بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ*، وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، الصَّالِحاتِ ثُمَّ، وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ، فَالزَّاجِراتِ زَجْراً، إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا الْمَلائِكَةُ ظالِمِي*، مِائَةَ جَلْدَةٍ، الصَّالِحاتِ جُناحٌ، الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ. ولم يشترط الناظم في إدغام التاء في هذه الأحرف ما اشترطه في إدغام الدال فيها، من أنها لا تدغم مفتوحة بعد ساكن؛ لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وقد سبق استثناؤه نحو: دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ. وهناك مواضع وقعت فيها التاء مفتوحة بعد ألف وهي على قسمين: قسم لا خلاف في إدغامه: وذلك في موضع واحد وهو: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ في هود، وقسم نقل فيه الخلاف: وذلك في المواضع التي ذكرها، وهي: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثم في سورة الجمعة وَآتُوا الزَّكاةَ* ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ* في البقرة، وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ في الإسراء، فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ في الروم. وهما المرادان في قوله: وقل آت ذا أل وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى في النساء، لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا في مريم. وقد بين أن في هذا الموضع الإظهار والإدغام، وعلل الإظهار: بكون تائه للخطاب، وبحذف عين الفعل وهو معنى قوله: ونقصانه. وعلل الإدغام: بكون تاء الخطاب مكسورة، والكسر ثقيل فأدغمت ليسهل النطق بها، فكسر التاء هو الذي سهل إدغامها، وتقييد (جئت) بكسر التاء كما لفظ به؛ لإخراج مفتوح التاء وذلك في موضعين في الكهف لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، فلا تدغم هذه التاء في الشين لكونها تاء خطاب. ١٤٩ - وفي خمسة وهي الأوائل ثاؤها ... وفي الصّاد ثمّ السّين ذال تدخّلا المعنى: تدغم الثاء في خمسة أحرف، وهي أوائل كلمات «ترب سهل ذكا شذا ضفا» وهي التاء والسين والذال والشين والضاد. والأمثلة حَيْثُ تُؤْمَرُونَ، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ، الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ وَالْحَرْثِ ذلِكَ. وليس في القرآن غيره، حَيْثُ شِئْتُما*، حَدِيثُ ضَيْفِ وليس في القرآن غيره، وتدغم الذال في السين في فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ. والموضعان في الكهف. وتدغم في الصاد في مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً في سورة الجن ولا ثاني له في القرآن. ١٥٠ - وفي اللّام راء وهي في الرّا وأظهرا ... إذا انفتحا بعد المسكّن منزلا

стр. 62

١٥١ - سوى قال ثمّ النّون تدغم فيهما ... على إثر تحريك سوى نحن مسجلا المعنى: تدغم الراء في اللام نحو: سَيُغْفَرُ لَنا، أَطْهَرُ لَكُمْ. وتدغم اللام في الراء نحو: كَمَثَلِ رِيحٍ، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ. ويشترط في إدغام كل منهما في الآخر: ألا يكون مفتوحا بعد ساكن، فإن كان كذلك امتنع إدغامه نحو: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ، إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ*. ونحو: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ، فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي، وهذا معنى قوله: وأظهرا إذا انفتحا إلخ. واستثنى من ذلك لفظ (قال) فإن اللام فيه مع كونها مفتوحة بعد ساكن تدغم في الراء نحو قالَ رَبِّ*، قالَ رَجُلانِ. أما لو انفتح أحدهما بعد متحرك نحو: وَسَخَّرَ لَكُمُ*، جَعَلَ رَبُّكِ. أو انضم أحدهما بعد ساكن نحو: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ*، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. أو انكسر أحدهما بعد ساكن نحو: بِالذِّكْرِ لَمَّا، مِنْ فَضْلِ رَبِّي: فإنه يدغم بلا خلاف. وتدغم النون في كلّ من الراء واللام؛ بشرط أن تقع بعد متحرك نحو: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ، خَزائِنَ رَحْمَةِ*، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ*، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ*. فإن وقعت بعد ساكن امتنع إدغامها سواء كانت مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو: يَخافُونَ رَبَّهُمْ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ*. واستثنى من ذلك لفظ وَنَحْنُ* فإن نونه مع كونها واقعة بعد ساكن تدغم في اللام بعدها في جميع القرآن نحو: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*. ١٥٢ - وتسكن عنه الميم من قبل بائها ... على إثر تحريك فتخفى تنزّلا المعنى: تسكن الميم عن السوسي إذا وقعت قبل الباء وكان قبل الميم متحرك، فيخفى تنزلها أي يحصل فيها الإخفاء نحو: أَعْلَمُ بِكُمْ*، عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ*، حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ. وإنما قال: وتسكن، ولم يقل: وتدغم؛ لأن الميم حينما يراد إدغامها تسكن وإذا سكنت كان حكمها الإخفاء إذا وقع بعدها الباء ونحو: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ. فإن كان ما قبل الميم متحركا؛ امتنع تسكينها وإخفاؤها نحو: إِبْراهِيمُ بَنِيهِ، الْيَوْمَ بِجالُوتَ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ*. ١٥٣ - وفي من يشاء با يعذّب حيث ما ... أتى مدغم فادر الأصول لتأصلا المعنى: يدغم السوسي (باء يعذب) المرفوع في ميم (من يشاء) حيث وقع في القرآن الكريم. وقد

стр. 63

وقع ذلك في خمسة مواضع: موضع بآل عمران، وموضعين بالمائدة، وموضع بالفتح وموضع بالعنكبوت. أما الذي في البقرة: فإن السوسي يقرؤه بسكون الباء فيدغمه، وإدغامه حينئذ يكون من باب الإدغام الصغير. وفهم من تخصيص إدغام باء يُعَذِّبُ* في ميم مَنْ يَشاءُ* أن الباء لا تدغم في ميم أخرى نحو: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، سَنَكْتُبُ ما قالُوا، ضُرِبَ مَثَلٌ. ولما تمم الكلام على الحروف الستة عشر التي تدغم في غيرها، وبيّن شرط إدغام كل منها ختم بقوله: (فادر الأصول): أي اعرف ما ذكرته لك من القواعد (لتأصلا)؛ لتكون أصلا ومرجعا يرجع إليه في معرفة هذا الفن. ١٥٤ - ولا يمنع الإدغام إذ هو عارض ... إمالة كالأبرار والنّار أثقلا المعنى: لما فرغ الناظم من بيان الحروف التي تدغم في غيرها في باب المتقاربين، ذكر بعد ذلك ثلاث قواعد تتعلق بالإدغام الكبير، سواء كان من باب المثلين أو المتقاربين، وقد تضمن هذا البيت القاعدة الأولى، وحاصلها: أن الحرف الذي يدغم إذا كان مكسورا وكان قبله ألف ممالة بسبب كسر هذا الحرف، فإدغام هذا الحرف المكسور لا يمنع من إمالة الألف قبله نظرا لعروض هذا الإدغام، فكأن الكسر موجود نحو: وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا. فإن الألف في الْأَبْرارِ* والنَّارَ* تمال بسبب كسر الراء فإذا أدغمت الراء وهي لا تدغم إلا بعد تسكينها، فإن موجب الإمالة في هذه الحال يزول. فحينئذ لا تمال الألف ولكن لما كان هذا الإدغام عارضا؛ فإنه لا يمنع إمالة الألف فكأن موجب الإمالة وهو كسر الراء الذي ذهب بالإدغام متحقق موجود. وقوله: (أثقلا): حال من الإدغام، والمراد بكون الإدغام أثقل أنه مشدد لا أنه أثقل من الإظهار، والمراد بالإدغام في البيت الإدغام الصريح. وإذا كان الإدغام الصريح لا يمنع الإمالة فأولى ألا يمنعها الرّوم. ١٥٥ - وأشمم ورم في غير باء وميمها ... مع الباء أو ميم وكن متأمّلا المعنى: هذه هي القاعدة الثانية والأمران محمولان على التخيير دون الإيجاب يقول: إذا أدغمت حرفا في حرف مماثل له أو مقارب فأشمم حركة الحرف الأول المدغم إن كانت ضمة. ورمها إن كانت ضمة أو كسرة إلا في أربع صور يمتنع فيها الإشارة بالإشمام

стр. 64

والرّوم، والصور الأربع هي: الباء مع الباء نحو: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا. والباء مع الميم نحو: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ*، والميم مع الميم نحو: يَعْلَمُ ما*. والميم مع الباء نحو: أَعْلَمُ بِكُمْ*، قال الإمام أبو شامة: ويمتنع الإدغام الصحيح مع الروم دون الإشمام، فالروم هنا عبارة عن الإخفاء والنطق ببعض الحركة فيكون مذهبا آخر غير الإدغام وغير الإظهار. ثم قال: واستثناء الصور الأربع يتجه على مذهب الإشمام لقول الداني: إن الإشارة تتعذر في ذلك من أجل إطباق الشفتين. أما الروم فلا يتعذر؛ لأنه نطق ببعض حركة الحرف، فهي تابعة لمخرجه فكما ينطق بالباء والميم بكل حركتهما، كذلك ينطق بهما ببعض حركتهما ثم قال: ومنهم من استثنى الفاء أيضا نحو (تعرف في) ومنهم من لم يستثنها .. انتهى. ويؤخذ من كلام أبي شامة وغيره: أن للسوسي في الحروف المدغمة سواء كانت من باب المثلين أو المتقاربين مذهبين: الأول: الإدغام المحض. المذهب الثاني: الإدغام المحض مع الإشمام في غير الصور الأربع، أو الإدغام الغير المحض. والمراد به: الروم، وهو الإتيان ببعض الحركة، وقد يعبر عنه بالإخفاء. ويتحقق هذا الروم في غير الصور الأربع على مذهب الشاطبي، وأما على مذهب غيره؛ فيمكن تحققه في الصور الأربع أيضا. وهذا مذهب المحققين، وسيأتي في باب الوقف على أواخر الكلم، أن الإشمام لا يكون إلا في الحروف المضمومة، وأن الروم يجري في المضمومة والمكسورة، وأن الإشمام والروم لا يدخلان الحروف المفتوحة، وعلى هذا يكون للسوسي في الحرف المفتوح نحو: وَشَهِدَ شاهِدٌ* الإدغام المحض فقط على المذهبين. ويكون له في المضموم نحو وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا الإدغام المحض من غير إشمام على المذهب الأول، والإدغام المحض مع الإشمام، والإدغام الغير المحض وهو الروم على المذهب الثاني، ويكون له في المكسور نحو: كَمَثَلِ رِيحٍ الإدغام المحض على المذهب الأول، والروم وهو الإخفاء على المذهب الثاني، ويكون له في نحو: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا، يُعَذِّبُ مَنْ*، يَعْلَمُ ما*، أَعْلَمُ بِكُمْ* الإدغام المحض من غير إشمام على المذهبين، ولا روم فيه أيضا على رأي الشاطبي. وفيه الروم على رأي غير الشاطبي من المحققين. وإذا كان قبل الحرف المدغم حرف مد ولين أو حرف لين فقط جاز في حرف المد أو حرف اللين ثلاثة أوجه: المد، والتوسط، والقصر مع جواز الروم والإشمام إن كان مضموما، والروم

стр. 65

إن كان مكسورا ففي نحو: وَقالَ لَهُمْ*، كَيْفَ فَعَلَ* ثلاثة أوجه المد والتوسط والقصر، وفي نحو نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا سبعة أوجه: المد والتوسط والقصر مع الإدغام المحض بلا إشمام أو به، والإدغام الغير المحض وهو الإخفاء مع القصر. وفي نحو: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً أربعة أوجه المد والتوسط والقصر مع الإدغام المحض والإخفاء مع القصر. ١٥٦ - وإدغام حرف قبله صحّ ساكن ... عسير وبالإخفاء طبّق مفصلا ١٥٧ - خذ العفو وأمر ثمّ من بعد ظلمه ... وفي المهد ثمّ الخلد والعلم فاشملا المعنى: إذا كان قبل الحرف الذي يدغم في غيره حرف صحيح ساكن ففيه مذهبان لأهل الأداء: مذهب المتقدمين وهو: أن هذا الحرف يدغم في غيره إدغاما محضا. ومذهب المتأخرين وهو: أن إدغامه محضا عسير يعسر النطق به لما فيه من الجمع بين الساكنين إذ الحرف المدغم لا بدّ من تسكينه، وحينئذ يكون المراد من إدغامه على مذهب المتأخرين إخفاءه واختلاس حركته المعبر عنه بالروم في قوله: واشمم ورم .. إلخ. وقد جرى الناظم على مذهب المتأخرين فقال: وبالإخفاء طبق مفصلا. والضمير في طبق للقارئ يعني: إذا أخفى القارئ هذا الحرف فقد أصاب الصواب من قولهم: طبق السيف المفصل، إذا أصاب المفصل أي: مكان الفصل، واحترز بقوله: (صح) عما قبله ساكن غير صحيح وهو حرف المد واللين نحو: قالَ لَهُمْ*، يَقُولُ رَبَّنا*. أو حرف اللين نحو: كَيْفَ فَعَلَ*، قَوْمُ مُوسى * فلا خلاف في إدغامه إدغاما محضا لما فيه من المد، الذي يفصل بين الساكنين. وقد مثل الناظم لما قبله ساكن صحيح من المثلين بمثالين وهما: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ*، ومثّل لما قبله ساكن صحيح من المتقاربين بثلاثة أمثلة، مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، دارُ الْخُلْدِ جَزاءً. والله تعالى أعلم. ٧ باب هاء الكناية [١٥٨ - ١٦٧] ١٥٨ - ولم يصلوا (ها) مضمر قبل ساكن ... وما قبله التّحريك للكلّ وصّلا ١٥٩ - وما قبله التّسكين لابن كثيرهم ... وفيه مهانا معه حفص أخو ولا

стр. 66

المعنى: هاء الكناية في اصطلاح القراء هي: الهاء الزائدة الدالة على الواحد المذكر الغائب، وتسمى هاء الضمير، فخرج بالزائدة الهاء الأصلية نحو: نَفْقَهُ يَنْتَهِ*. وبالدالة على الواحد المذكر الهاء في نحو، عَلَيْها*، عَلَيْهِما*، عَلَيْهِمْ*، عَلَيْهِنَّ*. فكل هذه وإن كانت هاءات ضمير، لا تسمى هاءات كناية اصطلاحا. وتتصل هاء الكناية بالفعل نحو: وَلا يَؤُدُهُ. والاسم نحو أَهْلِهِ*، وبالحرف نحو عَلَيْهِ*. ولها أربع أحوال: الأولى- أن تقع بعد متحرك وقبل ساكن نحو: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، رَبِّهِ الْأَعْلى، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ. الثانية- أن تقع بين ساكنين أي: بعد ساكن وقبل ساكن نحو: مِنْهُ اسْمُهُ، فِيهِ الْقُرْآنُ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ*. الثالثة- أن تقع بين متحركين أي: بعد متحرك وقبل متحرك نحو: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ*، لَهُ ما فِي السَّماواتِ* أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ. الرابعة- أن تقع بعد ساكن وقبل متحرك نحو: فِيهِ هُدىً*، اجْتَباهُ وَهَداهُ، عَقَلُوهُ. وقد أخبر الناظم بأن القراء جميعا لم يصلوا هاء الضمير إذا وقعت قبل ساكن أي سواء كان قبلها متحرك أو ساكن، فهو شامل للحالين الأولين، ثم أخبر بأنها إذا كان قبلها متحرك وبعدها متحرك؛ فإنها توصل لكل القراء بواو إذا كانت مضمومة، وبياء إذا كانت مكسورة وهذه هي الحال الثالثة وإنما قلنا: وبعدها متحرك؛ لأن ما قبلها متحرك وبعدها ساكن قد سبق حكمها وهي الحال الأولى وقد شملها قوله: ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن، ثم أخبر بأنه إذا كان قبلها ساكن وبعدها متحرك وهي الحال الرابعة، فقد اختلف فيها القراء؛ فابن كثير يصلها بواو إن كانت مضمومة، وبياء إن كانت مكسورة، ويوافقه حفص في لفظ فِيهِ مُهاناً في الفرقان؛ فيقرؤه بالصلة. وباقي القراء يقرءون بترك الصلة في جميع المواضع، وإنما قلنا: وبعدها متحرك؛ لأن ما قبلها ساكن وبعدها ساكن قد سبق حكمها وهي الحال الثانية. والمراد بالصلة: إشباع الضمة حتى تصير واوا ساكنة مدية وإشباع الكسرة حتى تصير ياء ساكنة مدية، والصلة بقسميها تثبت وصلا وتحذف وقفا.

стр. 67

١٦٠ - وسكن يؤدّه مع نولّه ونصله ... ونؤته منها فاعتبر صافيا حلا ١٦١ - وعنهم وعن حفص فألقه ويتّقه ... حمى صفوة قوم بخلف وأنهلا ١٦٢ - وقل بسكون القاف والقصر حفصهم ... وياته لدى طه بالاسكان يجتلا ١٦٣ - وفي الكلّ قصر الهاء بان لسانه ... بخلف وفي طه بوجهين بجّلا المعنى: أمر بتسكين هاء الكناية في الكلمات الآتية: يُؤَدِّهِ*، نُوَلِّهِ، وَنُصْلِهِ، نُؤْتِهِ*، للمشار إليهم بالفاء، والصاد، والحاء، وهم: حمزة وشعبة وأبو عمرو. فأما يُؤَدِّهِ* فوقعت في آل عمران في موضعين في هذه الآية: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ الآية. وأما نُوَلِّهِ وَنُصْلِهِ فوقعتا في سورة النساء نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ، وأما نُؤْتِهِ* فوقعت في ثلاثة مواضع: موضعين في آل عمران وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها. وموضع في الشورى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها. ثم ذكر أنه ورد عن حمزة وشعبة، وأبي عمرو، وحفص إسكان الهاء في فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ في سورة النمل، ثم بين أن وَيَتَّقْهِ في سورة النور قرأها بإسكان الهاء أبو عمرو وشعبة وخلاد بخلف عنه، ثم ذكر أن حفصا يقرأ وَيَتَّقْهِ بسكون القاف وقصر الهاء أي: كسرها من غير صلة فتكون قراءة الباقين بكسر القاف كما لفظ به، ثم أخبر أن كلمة يَأْتِهِ مُؤْمِناً قرأها بإسكان الهاء السوسي، وأخيرا أخبر أن قصر الهاء في جميع الكلمات السابقة ثبت عن قالون، وهشام بخلف عنه، وأن (يأته) لقالون فيها الوجهان: القصر والصلة، والمراد بقصر الهاء في هذه الكلمات: النطق بها مكسورة كسرا كاملا من غير إشباع وقد يعبر عن هذا القصر الاختلاس. وضد القصر المد، والمراد به هنا الإشباع، وهو النطق بالهاء مكسورة كسرا كاملا مع صلتها بياء؛ أي مدها بمقدار حركتين، فالمد والصلة والإشباع ألفاظ مترادفة في هذا الباب تدل على معنى واحد؛ وهو مد الهاء بمقدار حركتين، وإذا كان قالون يقرأ بقصر الهاء في هذه الكلمات وله في يَأْتِهِ في طه القصر والإشباع، وهشام يقرأ بالقصر والإشباع في كل منها، فالباقون يقرءون بإشباع الهاء. ونلخص

стр. 68

لك مذاهب القراء السبعة في الكلمات السابقة فنقول: فأما يُؤَدِّهِ* وقوله: وَنُصْلِهِ، ونُؤْتِهِ* فيقرأ بإسكان هائها: حمزة وشعبة وأبو عمرو. ويقرأ بقصر هائها: قالون بلا خلاف عنه، ولهشام فيها الوجهان القصر والإشباع، ويقرأ الباقون بالإشباع قولا واحدا وهم: ورش، وابن كثير، وابن ذكوان، وحفص، والكسائي. ويؤخذ المد- وهو الإشباع- لهم من الضد؛ لأنه ضد القصر، كما يؤخذ المد لهشام وهو الوجه الثاني له من الضد، فيكون خلاف القراء في هذه الكلمات دائرا بين إسكان هائها وقصرها ومدها. وأما فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ بالنمل: فمذاهب القراء فيها كمذاهبهم في يُؤَدِّهِ* وأخواتها سواء بسواء، غير أن حفصا يقرؤها بإسكان الهاء كشعبة ومن معه. وأما وَيَتَّقْهِ بالنور: فقرأها حفص بسكون القاف وقصر الهاء وقرأها قالون بكسر القاف وقصر الهاء، وقرأ أبو عمرو وشعبة بكسر القاف وسكون الهاء، ولهشام فيها وجهان الأول: كقالون والثاني: بكسر القاف وإشباع الهاء، ولخلاد فيها وجهان: الأول: بكسر القاف وسكون الهاء، والثاني: بكسر القاف وإشباع الهاء، وقرأها الباقون، وهم: ورش، وابن كثير، وابن ذكوان، وخلف، والكسائي بكسر القاف وإشباع الهاء، واعلم أن كسر القاف لغير حفص يؤخذ من لفظ الناظم. وأن المد في الهاء لأصحاب المد ولهشام وخلاد في وجههما الثاني يؤخذ من الضد. وأما يَأْتِهِ مُؤْمِناً فقرأ بإسكان الهاء السوسيّ وحده، وقرأ باقي القراء غير قالون وهشام بكسر الهاء مع الإشباع. ولكل من قالون وهشام وجهان وهما: كسر الهاء مع القصر والإشباع ويؤخذ الإشباع لقالون وهشام في وجههما الثاني، ولباقي القراء غير السوسي من الضد. هذا ما يؤخذ من النظم، ولكن المحققين على أن هشاما ليس له من طريق النظم وأصله إلا الإشباع في لفظ يَأْتِهِ في طه، فينبغي الاقتصار له عليه. ١٦٤ - وإسكان يرضه يمنه لبس طيّب ... بخلفهما والقصر فاذكره نوفلا ١٦٥ - له الرّحب والزّلزال خيرا يره بها ... وشرّا يره حرفيه سكن ليسهلا المعنى: قرأ السوسي بلا خلاف عنه، والدوري عن أبي عمرو وهشام بخلف عنهما، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ، في سورة الزمر بإسكان الهاء. وقرأ بقصر الهاء: حمزة، وعاصم،

стр. 69

وهشام، ونافع. فتكون قراءة الباقين بصلة الهاء وهو الوجه الثاني لهشام والدوري، فيتلخص: أن السوسي يقرأ بإسكان الهاء، وأن لهشام وجهين الأول: الإسكان لأنه مذكور مع المسكنين، والثاني: القصر: لأنه مذكور مع القاصرين. وأن للدوري وجهين الأول: الإسكان لأنه مذكور مع المسكنين. والثاني: المد لعدم ذكره مع القاصرين فيكون مع المادين المشبعين، وأن الباقين وهم ابن كثير، وابن ذكوان، والكسائي يقرءون بالمد وتؤخذ قراءتهم من الضد. وقرأ المرموز له باللام وهو هشام: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، بسكون الهاء في الكلمتين وصلا ووقفا. وقرأ غيره بضمها وإشباعها وصلا وبسكونها وقفا، أما الضم: فيؤخذ لهم من الشهرة ومن القواعد العامة القاضية بأن هاء الضمير تضم إذا وقعت بعد فتح، أو ضم، أو ألف، أو واو، وأمّا الإشباع: فيؤخذ من قوله: وما قبله التحريك للكل وصلا، وهي الحال الثالثة وسبق بيانها وقوله: (بها) أي بسورة الزلزلة احترز به عما وقع في سورة البلد، أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ فقد اتفق السبعة على قراءته بالضم والإشباع. ١٦٦ - وعي نفر أرجئه بالهمز ساكنا ... وفي الهاء ضمّ لفّ دعواه حرملا ١٦٧ - وأسكن نصيرا فاز واكسر لغيرهم ... وصلها جوادا دون ريب لتوصلا المعنى: قرأ المرموز لهم بكلمة (نفر) وهم ابن كثير، وابن عمرو، وابن عامر، أَرْجِهْ وَأَخاهُ*، في سورتي الأعراف والشعراء بزيادة همزة ساكنة بين الجيم والهاء، فتكون قراءة غيرهم بترك الهمز؛ لأن ضد الهمز تركه. وقرأ هشام، وابن كثير، وأبو عمرو بضم الهاء، وقرأ عاصم وحمزة بإسكانها، وقرأ الباقون بكسرها وهم: نافع، وابن ذكوان، والكسائي، وقرأ ورش، وابن كثير، والكسائي، وهشام بصلة الهاء وإشباعها، فيتلخص من ذلك: أن قالون يقرأ بترك الهمزة وكسر الهاء وقصرها، وأن ورشا، والكسائي يقرءان بترك الهمز وكسر الهاء وإشباعها. وأن ابن كثير وهشاما يقرءان بالهمز الساكن مع ضم الهاء وإشباعها، وأن أبا عمرو يقرأ بالهمز الساكن مع ضم الهاء وقصرها. وأن ابن ذكوان يقرأ بالهمز الساكن مع كسر الهاء وقصرها، وأن عاصما وحمزة يقرءان بترك الهمز

стр. 70

وإسكان الهاء؛ فيكون في الكلمة ست قراءات: ثلاث للهامزين الأولى: لابن كثير وهشام، والثانية: لأبي عمرو، والثالثة: لابن ذكوان، ولغير الهامزين ثلاث قراءات أيضا: الأولى: لقالون، والثانية: لورش والكسائي، والثالثة: لعاصم وحمزة، ولا يخفى على المتأمل استنباط كل قراءة من النظم، والله تعالى أعلم. ٨ باب المد والقصر [١٦٨ - ١٨٢] ١٦٨ - إذا ألف أو ياؤها بعد كسرة ... أو الواو عن ضم لقى الهمز طوّلا ١٦٩ - فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا ... بخلفهما يرويك درّا ومخضلا ١٧٠ - كجيء وعن سوء وشاء اتّصاله ... ومفصوله في أمّها أمره إلى المد لغة: الزيادة، واصطلاحا له إطلاقان: الأول: إطالة الصوت بحرف من حروف المد واللين الثلاثة، أو بحرف من حرفي اللين. إذا لقي حرف المد أو حرف اللين همزا أو ساكنا، وحروف المد الثلاثة هي: الألف ولا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحة، والواو الساكنة المضمومة ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، فالواو لا تكون حرف مد ولين إلا بشرطين، أن تكون ساكنة، وأن تكون حركة ما قبلها من جنسها أي ضمة، فإذا كانت متحركة أو كانت ساكنة وحركة ما قبلها ليست من جنسها بأن كانت فتحة؛ فلا تكون حرف مد ولين، وكذلك الياء لا تكون حرف مد ولين إلا بشرطين: أن تكون ساكنة، وأن تكون حركة ما قبلها من جنسها- أي كسرة- فإن كانت متحركة، أو كانت ساكنة وحركة ما قبلها ليست من جنسها بأن كانت فتحة فلا تكون حرف مد ولين، وحرفا اللين هما الواو الساكنة المفتوح ما قبلها والياء الساكنة المفتوح ما قبلها. ولا يتحقق هذا المد إلا إذا وجد سببه، وسببه إما همز أو سكون، والهمز إما أن يوجد بعد حرف من حروف المد واللين الثلاثة، وإما أن يوجد قبله. فإن وجد بعده واجتمع معه في كلمة واحدة سمّي المد حينئذ مدّا متصلا نحو: جاءَ*، قُرُوءٍ، يُضِيءُ. وإن وجد بعده وكان حرف المد في آخر الكلمة والهمز في

стр. 71

أول الكلمة التالية سمّي المد حينئذ: مدّا منفصلا نحو: يا أَيُّهَا*، قُوا أَنْفُسَكُمْ، فِي أَنْفُسِكُمْ*، وإن وجد الهمز قبل حرف من حروف المد سمّي المد: مد بدل نحو: آمَنُوا* أُوتُوا*، إِيماناً*، وإن وجد الهمز بعد حرف من حرفي اللين سمّي المد حينئذ: مد لين نحو سَوْأَةَ*، شَيْئاً*، وإن وجد بعد حرف المد السكون فإما أن يكون ثابتا وصلا ووقفا، وإما أن يكون ثابتا وقفا فقط، فإن كان ثابتا في الحالين سمّي المد مدّا لازما نحو: الضَّالِّينَ* أَتُحاجُّونِّي وإن كان ثابتا في حال الوقف فقط سمّي مدا عارضا للسكون نحو: مَآبٍ*، يُؤْمِنُونَ* نَسْتَعِينُ. الإطلاق الثاني: للمد: وهو إثبات حرف مد في الكلمة من غير إطالة الصوت به كقول الناظم في سورة الأنعام: ودارست حق مده، وقوله في الشعراء: وفي حاذرون المد، فالمراد: إثبات حرف المد وهو الألف بعد الدال في الأول وبعد الحاء في الثاني من غير إطالة الصوت به. أما القصر فهو في اللغة: الحبس. وفي الاصطلاح: له معنيان أيضا: الأول: ترك إطالة الصوت وإثبات حرف المد واللين أو حرف اللين من غير زيادة عليهما، كقوله: فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا، وقوله: وما بعد همز ثابت أو مغير فقصر، الإطلاق الثاني: حذف حرف المد من الكلمة كقوله: وفي عاقدت قصر ثوى، وقوله: وقل لابثين القصر فاش، فإن المراد حذف حرف المد وهو الألف بعد العين في الأول، واللام في الثاني. وقد بين الناظم في البيت الأول أنه إذا لقيت الألف- وتقدم أنها لا تكون إلا حرف مد ولين؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، أو الياء الساكنة الواقعة بعد كسرة أو الواو الساكنة الواقعة بعد ضمة- إذا لقى حرف مد من هذه الأحرف الثلاثة همزا؛ طوّل حرف المد، أي زيد في مده على ما فيه من المد الأصلي لجميع القراء وعلم هذا من الإطلاق. ومراده بهذا البيت المد المتصل؛ لأنه ذكر حكم المد المنفصل في البيت الآتي وهو قوله: فإن ينفصل إلخ. وقد اتفق القراء على مد المتصل زيادة على ما فيه من المد الأصلي ولكنهم متفاوتون في هذه الزيادة وإن كانت عبارة الناظم مطلقة تحتمل التسوية كما تحتمل التفاوت. وقد نقل عنه تلميذه العلامة السخاوي أنه كان يقرئ في هذا النوع بمرتبتين: طولى لورش وحمزة وتقدر بثلاث ألفات؛ أي بست حركات. ووسطى: وتقدر بألفين؛ أي بأربع حركات وهي لباقي القراء. وقول الناظم: أو ياؤها،

стр. 72

الضمير يعود على الألف؛ لأنها شريكتها في أن كلّا حرف مد، وقيد الناظم الياء بكسر ما قبلها، والواو بضم ما قبلها، ولم يقيدهما بالسكون، اعتمادا على أن السكون يفهم من الأمثلة التي ذكرها بعد. وقول الناظم: فإن ينفصل إلخ، معناه: أن ينفصل حرف المد واللين عن الهمز بأن يكون حرف المد واللين في آخر كلمة، والهمز في أول كلمة تالية لها، فقصر حرف المد بمقدار حركتين؛ أي الاقتصار على ما في حرف المد من المد الطبيعي الذي فيه كما إذا لم يصادف همزا ثابتا عن المرموز لها بالباء والطاء وهما: قالون والدوري عن أبي عمرو بخلاف عنهما، وثابت أيضا عن المرموز لهما بالياء والدال وهما: السوسي وابن كثير بلا خلاف عنهما، فيكون للسوسي وابن كثير في المنفصل القصر قولا واحدا، ويكون لقالون والدوري فيه وجهان: القصر والتوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لورش وحمزة فيه المد بمقدار ست حركات كالمتصل. وحاصل الكلام في المد المنفصل: أنّ للسوسي وابن كثير فيه القصر حركتين قولا واحدا، وأن لقالون والدوري فيه القصر والتوسط، وأن لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط أربع حركات، وأن لورش وحمزة المد ست حركات. وحاصل الكلام في المد المتصل: أن ورشا وحمزة يمدانه مدّا مشبعا بمقدار ست حركات، وأن باقي القراء يمدونه مدّا متوسطا بمقدار أربع حركات، هذا هو المعتمد المقروء به المعول عليه في المدين للقراء السبعة، وهو الذي كان يقرئ به الإمام الشاطبي كما نقله عنه السخاوي، كما سبق. ثم ذكر الناظم أمثلة للمتصل وأخرى للمنفصل، فمثل للمتصل بقول: كجيء، في قوله تعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ، ومثله سِيءَ بِهِمْ* وبقوله عَنْ سُوءٍ في قوله تعالى: أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ومثله ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وبقوله شاءَ* ومثله جاءَ* ومثل للمنفصل بقوله فِي أُمِّها، ومثله أُولِي أَجْنِحَةٍ، وبقوله وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ونبه الناظم بهذا المثال على أن واو الصلة التي لم ترسم في المصاحف حكمها حكم غيرها من الواوات التي رسمت في المصاحف نحو قُولُوا آمَنَّا*، قُوا أَنْفُسَكُمْ، ومثل: وَأَمْرُهُ إِلَى في الحكم وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. عند من يصل الميم كما بِهِ أَنْ يُوصَلَ* ونحوها مما لم ترسم فيه الياء في المصاحف حكمها حكم فِي أُمِّها مما رست فيه الياء في المصاحف ففي كل منها مد منفصل، وأنت ترى من الأمثلة التي

стр. 73

ذكرها الناظم أنه أتى بأنواع المد المتصل الثلاثة، أعنى الذي حرف المد فيه ياء وواو وألف، وأتى للمد المنفصل بنوعين من الأمثلة: النوع الأول: ما حرف المد فيه ياء، والثاني: ما حرف المد فيه واو، ولم يساعده النظم على الإتيان بما حرف المد فيه ألف، ومثاله لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. والضمير في قوله (اتصاله) وفي قوله (ومفصوله) بحرف المد، و (الدر) في كلام الناظم بفتح الدال اللبن، و (المخضل) النبات الرطب الناعم. ١٧١ - وما بعد همز ثابت أو مغيّر ... فقصر وقد يروى لورش مطوّلا ١٧٢ - ووسّطه قوم كآمن هؤلا ... آلهة آتى للإيمان مثّلا ١٧٣ - سوى ياء إسرائيل أو بعد ساكن ... صحيح كقرآن ومسئولا اسألا ١٧٤ - وما بعد همز الوصل ايت وبعضهم ... يؤاخذكم آلآن مستفهما تلا ١٧٥ - وعادا الأولى وابن غلبون طاهر ... بقصر جميع الباب قال وقوّلا المعنى: لما ذكر في الأبيات السابقة حكم حرف المد الواقع قبل الهمز ذكر في هذه الأبيات حكمه إذا وقع بعد الهمز فقال: وما بعد همز إلخ. يعني: وحرف المد الذي وقع بعد همز ثابت أو متغير فقصر أي فهو ذو قصر، أو فهو مقصور لجميع القراء ورش وغيره كما هو مقتضى الإطلاق، والهمز الثابت: هو الهمز المحقق الذي لم يطرأ عليه تغير، والمغير: هو الذي لحقه التغير، إما بنقل حركته إلى ما قبله نحو الآخرة، وإما بتسهيله بين بين نحو جاءَ آلَ*، وإما بإبداله ياء نحو لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها. وقد يروى حرف المد الواقع بعد همز محقق أو مغير ممدودا مدّا طويلا مشبعا لورش. ووسطه جماعة من أهل الأداء عن ورش. والحاصل: أن حرف المد إذا وقع بعد همز سواء كان هذا الهمز محققا أم مغيرا بأي نوع من أنواع التغير فحكمه أنه يقصر لجميع القراء يستوي في ذلك ورش وغيره، وروى جماعة عن ورش مده مدّا طويلا بمقدار ست حركات، وروى آخرون عنه توسطه بمقدار أربع حركات، فيكون لورش فيه ثلاثة أوجه: القصر والتوسط والمد. ثم مثل الناظم لهذا النوع من المد بأربعة أمثلة، اثنين

стр. 74

لما وقع بعد همز محقق وهما: آمَنَ الرَّسُولُ، وَآتَى الْمالَ، ونحوهما وَنَأى بِجانِبِهِ*، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، أُوتُوا الْكِتابَ*، يَؤُساً، رَؤُفٌ*. مُتَّكِؤُنَ، مُتَّكِئِينَ*. واثنين لما وقع بعد همز مغير وهما: هؤُلاءِ آلِهَةً، وهذا قد وقع بعد همز مغير بالإبدال ومثله: مِنَ السَّماءِ آيَةً، يُنادِي لِلْإِيمانِ. وهذا وقع بعد همز مغير بالنقل ومثله الْآخِرَةُ*، مَنْ آمَنَ*، ابْنَيْ آدَمَ أَلْفَوْا آباءَهُمْ، قُلْ إِي وَرَبِّي، قَدْ أُوتِيتَ، والناظم في هذه الأمثلة ذكر حرف المد إذا كان ألفا أو ياء ولم يذكر ما يكون واوا، ومثاله: وَأُوحِيَ*، أُوتِيتُمْ*. وكذلك لم يذكر حرف المد الواقع بعد همز مغير بالتسهيل ومثاله: آمَنْتُمْ*، أَآلِهَتُنا* جاءَ آلَ لُوطٍ. ثم استثنى الناظم من حرف المد الواقع بعد الهمز المحقق أو المحقق أو المغير الذي تجوز فيه الأوجه الثلاثة لورش كلمتين مخصوصين وقاعدتين عامتين، فأما الكلمتان: ف إِسْرائِيلَ* حيث وقعت في القرآن الكريم، ويُؤاخِذُ* حيث وقعت وكيف تصرفت نحو لا تُؤاخِذْنا، لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ*، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ*. فليس في ياء إِسْرائِيلَ* وألف يُؤاخِذُ* إلا القصر كسائر القراء، وهذا مذهب جميع أهل الأداء عن ورش، غير أن قول الناظم: وبعضهم يؤاخذكم. يدل بمنطوقه على أن بعض أهل الأداء الناقلين قراءة ورش استثنى الألف من كلمة يُؤاخِذُكُمُ* فلم يوسطها ولم يمدها ويدل بمفهومه على أن البعض الآخر أجراها كغيرها فأجاز فيها التوسط والمد مع أن هذه الكلمة مستثناة بالإجماع كما تقدم فكان على الإمام الشاطبي أن يحذف كلمة وبعضهم. وأما القاعدتان فالأولى: أن يقع حرف المد بعد همز ويكون ذلك الهمز واقعا بعد ساكن صحيح متصل نحو الْقُرْآنُ*، الظَّمْآنُ، مَسْؤُلًا*، مَذْؤُماً فلا يجوز في هذا وأمثاله لورش إلا القصر. وقوله: أو بعد ساكن، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد متحرك نحو ساوى، مَآبٍ*، ففيه الأوجه الثلاثة لورش. وقوله: صحيح، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز، هذا الهمز بعد ساكن غير صحيح وهو حرف المد نحو وَجاؤُ* فاؤُ. وحرف اللين نحو (سوءات) الْمَوْؤُدَةُ ففيه الأوجه الثلاثة أيضا لورش. وقولنا: متصل، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد ساكن صحيح منفصل عن الهمز بأن يكون هذا الساكن في كلمة والهمز في كلمة أخرى نحو مَنْ آمَنَ*، مَنْ أُوتِيَ* ففيه الأوجه الثلاثة كذلك لورش.

стр. 75

القاعدة الثانية: أن يقع حرف المد بعد همز الوصل نحو ائْذَنْ لِي، ائْتِ بِقُرْآنٍ، اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ، ائْتُوا صَفًّا، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا. في حال الابتداء بهذه الكلمات، فلا يجوز لورش في حرف المد الواقع بعد همز الوصل إلا القصر؛ لأن حرف المد في ذلك عارض؛ لأنك إذا ابتدأت بهذه الكلمات اضطررت إلى الإتيان بهمزة الوصل لتتوصل بها إلى النطق بالساكن وهو الهمزة التي هي فاء الكلمة، وعندئذ يجتمع همزتان: همزة الوصل، والهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة. والقاعدة: أنه إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية منهما ساكنة؛ فإن الثانية تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فتبدل ياء فتكون هذه الياء بدلا من الهمزة فتكون عارضة وهمزة الوصل عارضة أيضا؛ لأنك إذا وصلت هذه الكلمات بما قبلها؛ سقطت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها وبقيت الهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة، فامتنعت زيادة المد في حرف المد نظرا لعروضه، وعروض همزة الوصل قبله. وقد ترك الناظم قاعدة ثالثة مستثناة أيضا، وكان عليه أن ينبه عليها وهي: أن يقع حرف المد بعد الهمزة بدلا من التنوين نحو دُعاءً*، نِداءً* غُثاءً*، خَطَأً*، عند الوقف على هذه الكلمات؛ فلا يحوز في حرف المد في هذه الكلمات لورش إلا القصر؛ لأن حرف المد في هذه الحال عارض غير لازم، إذ لا يوجد إلا في الوقف على هذه الكلمات فقط. وأما رَأَى الْقَمَرَ، تَراءَا الْجَمْعانِ، تَبَوَّؤُا الدَّارَ، عند الوقف على رَأى *، وتَراءَا، وتَبَوَّؤُا فيجوز في حرف المد فيها الأوجه الثلاثة لورش؛ لأنه حرف مد أصلي واقع بعد همز، وذهابه عند الوصل عارض لسكون ما بعده، فحذف للتخلص من التقاء الساكنين، وأما عند الوقف؛ فيثبت على الأصل، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة؛ لأنه يصدق عليه، والحال هذه أنه حرف مد وقع بعد همز. ثم ذكر الناظم أن بعض أهل الأداء عن ورش استثنى كلمتين: الأولى: آلْآنَ* المستفهم بها وهي في موضعين: في سورة يونس آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ. فمنع التوسط والمد فيها وأوجب فيها القصر والمراد الألف الأخيرة التي بعد اللام، وأما الألف الأولى فليست من هذا الباب؛ لأن مدها لأجل السكون اللازم المقدر، ولكون هذا السكون مقدرا يجوز في هذه الألف الأولى لورش وقالون وجهان: الأول: المد المشبع اعتدادا بالأصل. والثاني: القصر
следующие страницы →