أول الكلمة التالية سمّي المد حينئذ: مدّا منفصلا نحو: يا أَيُّهَا*، قُوا أَنْفُسَكُمْ، فِي أَنْفُسِكُمْ*، وإن وجد الهمز قبل حرف من حروف المد سمّي المد:
مد بدل نحو: آمَنُوا* أُوتُوا*، إِيماناً*، وإن وجد الهمز بعد حرف من حرفي اللين سمّي المد حينئذ: مد لين نحو سَوْأَةَ*، شَيْئاً*، وإن وجد بعد حرف المد السكون فإما أن يكون ثابتا وصلا ووقفا، وإما أن يكون ثابتا وقفا فقط، فإن كان ثابتا في الحالين سمّي المد مدّا لازما نحو: الضَّالِّينَ* أَتُحاجُّونِّي وإن كان ثابتا في حال الوقف فقط سمّي مدا عارضا للسكون نحو: مَآبٍ*، يُؤْمِنُونَ* نَسْتَعِينُ.
الإطلاق الثاني: للمد: وهو إثبات حرف مد في الكلمة من غير إطالة الصوت به كقول
الناظم في سورة الأنعام: ودارست حق مده، وقوله في الشعراء: وفي حاذرون المد، فالمراد:
إثبات حرف المد وهو الألف بعد الدال في الأول وبعد الحاء في الثاني من غير إطالة الصوت به.
أما القصر فهو في اللغة: الحبس. وفي الاصطلاح: له معنيان أيضا: الأول: ترك إطالة الصوت وإثبات حرف المد واللين أو حرف اللين من غير زيادة عليهما، كقوله: فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا، وقوله: وما بعد همز ثابت أو مغير فقصر، الإطلاق الثاني: حذف حرف المد من الكلمة كقوله: وفي عاقدت قصر ثوى، وقوله: وقل لابثين القصر فاش، فإن المراد حذف حرف المد وهو الألف بعد العين في الأول، واللام في الثاني. وقد بين الناظم في البيت الأول أنه إذا لقيت الألف- وتقدم أنها لا تكون إلا حرف مد ولين؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، أو الياء الساكنة الواقعة بعد كسرة أو الواو الساكنة الواقعة بعد ضمة- إذا لقى حرف مد من هذه الأحرف الثلاثة همزا؛ طوّل حرف المد، أي زيد في مده على ما فيه من المد الأصلي لجميع القراء وعلم هذا من الإطلاق. ومراده بهذا البيت المد المتصل؛ لأنه ذكر حكم المد المنفصل في البيت الآتي وهو قوله: فإن ينفصل إلخ. وقد اتفق القراء على مد المتصل زيادة على ما فيه من المد الأصلي ولكنهم متفاوتون في هذه الزيادة وإن كانت عبارة الناظم مطلقة تحتمل التسوية كما تحتمل التفاوت. وقد نقل عنه تلميذه العلامة السخاوي أنه كان يقرئ في هذا النوع بمرتبتين: طولى لورش وحمزة وتقدر بثلاث ألفات؛ أي بست حركات. ووسطى: وتقدر بألفين؛ أي بأربع حركات وهي لباقي القراء. وقول الناظم: أو ياؤها،
стр. 72
الضمير يعود على الألف؛ لأنها شريكتها في أن كلّا حرف مد، وقيد الناظم الياء بكسر ما قبلها، والواو بضم ما قبلها، ولم يقيدهما بالسكون، اعتمادا على أن السكون يفهم من الأمثلة التي ذكرها بعد. وقول الناظم: فإن ينفصل إلخ، معناه: أن ينفصل حرف المد واللين عن الهمز بأن يكون حرف المد واللين في آخر كلمة، والهمز في أول كلمة تالية لها، فقصر حرف المد بمقدار حركتين؛ أي الاقتصار على ما في حرف المد من المد الطبيعي الذي فيه كما إذا لم يصادف همزا ثابتا عن المرموز لها بالباء والطاء وهما: قالون والدوري عن أبي عمرو بخلاف عنهما، وثابت أيضا عن المرموز لهما بالياء والدال وهما: السوسي وابن كثير بلا خلاف عنهما، فيكون للسوسي وابن كثير في المنفصل القصر قولا واحدا، ويكون لقالون والدوري فيه وجهان: القصر والتوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لورش وحمزة فيه المد بمقدار ست حركات كالمتصل.
وحاصل الكلام في المد المنفصل: أنّ للسوسي وابن كثير فيه القصر حركتين قولا واحدا، وأن لقالون والدوري فيه القصر والتوسط، وأن لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط أربع حركات، وأن لورش وحمزة المد ست حركات.
وحاصل الكلام في المد المتصل: أن ورشا وحمزة يمدانه مدّا مشبعا بمقدار ست حركات، وأن باقي القراء يمدونه مدّا متوسطا بمقدار أربع حركات، هذا هو المعتمد المقروء به المعول عليه في المدين للقراء السبعة، وهو الذي كان يقرئ به الإمام الشاطبي كما نقله عنه السخاوي، كما سبق.
ثم ذكر الناظم أمثلة للمتصل وأخرى للمنفصل، فمثل للمتصل بقول: كجيء، في قوله تعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ، ومثله سِيءَ بِهِمْ* وبقوله عَنْ سُوءٍ في قوله تعالى:
أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ومثله ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وبقوله شاءَ* ومثله جاءَ* ومثل للمنفصل بقوله فِي أُمِّها، ومثله أُولِي أَجْنِحَةٍ، وبقوله وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ونبه الناظم بهذا المثال على أن واو الصلة التي لم ترسم في المصاحف حكمها حكم غيرها من الواوات التي رسمت في المصاحف نحو قُولُوا آمَنَّا*، قُوا أَنْفُسَكُمْ، ومثل: وَأَمْرُهُ إِلَى في الحكم وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. عند من يصل الميم كما بِهِ أَنْ يُوصَلَ* ونحوها مما لم ترسم فيه الياء في المصاحف حكمها حكم فِي أُمِّها مما رست فيه الياء في المصاحف ففي كل منها مد منفصل، وأنت ترى من الأمثلة التي
стр. 73
ذكرها الناظم أنه أتى بأنواع المد المتصل الثلاثة، أعنى الذي حرف المد فيه ياء وواو وألف، وأتى للمد المنفصل بنوعين من الأمثلة:
النوع الأول: ما حرف المد فيه ياء، والثاني: ما حرف المد فيه واو، ولم يساعده النظم على الإتيان بما حرف المد فيه ألف، ومثاله لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ.
والضمير في قوله (اتصاله) وفي قوله (ومفصوله) بحرف المد، و (الدر) في كلام الناظم بفتح الدال اللبن، و (المخضل) النبات الرطب الناعم.
١٧١ - وما بعد همز ثابت أو مغيّر ... فقصر وقد يروى لورش مطوّلا
١٧٢ - ووسّطه قوم كآمن هؤلا ... آلهة آتى للإيمان مثّلا
١٧٣ - سوى ياء إسرائيل أو بعد ساكن ... صحيح كقرآن ومسئولا اسألا
١٧٤ - وما بعد همز الوصل ايت وبعضهم ... يؤاخذكم آلآن مستفهما تلا
١٧٥ - وعادا الأولى وابن غلبون طاهر ... بقصر جميع الباب قال وقوّلا
المعنى: لما ذكر في الأبيات السابقة حكم حرف المد الواقع قبل الهمز ذكر في هذه الأبيات حكمه إذا وقع بعد الهمز فقال: وما بعد همز إلخ. يعني: وحرف المد الذي وقع بعد همز ثابت أو متغير فقصر أي فهو ذو قصر، أو فهو مقصور لجميع القراء ورش وغيره كما هو مقتضى الإطلاق، والهمز الثابت: هو الهمز المحقق الذي لم يطرأ عليه تغير، والمغير: هو الذي لحقه التغير، إما بنقل حركته إلى ما قبله نحو الآخرة، وإما بتسهيله بين بين نحو جاءَ آلَ*، وإما بإبداله ياء نحو لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها. وقد يروى حرف المد الواقع بعد
همز محقق أو مغير ممدودا مدّا طويلا مشبعا لورش. ووسطه جماعة من أهل الأداء عن ورش.
والحاصل: أن حرف المد إذا وقع بعد همز سواء كان هذا الهمز محققا أم مغيرا بأي نوع من أنواع التغير فحكمه أنه يقصر لجميع القراء يستوي في ذلك ورش وغيره، وروى جماعة عن ورش مده مدّا طويلا بمقدار ست حركات، وروى آخرون عنه توسطه بمقدار أربع حركات، فيكون لورش فيه ثلاثة أوجه: القصر والتوسط والمد.
ثم مثل الناظم لهذا النوع من المد بأربعة أمثلة، اثنين
стр. 74
لما وقع بعد همز محقق وهما:
آمَنَ الرَّسُولُ، وَآتَى الْمالَ، ونحوهما وَنَأى بِجانِبِهِ*، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، أُوتُوا الْكِتابَ*، يَؤُساً، رَؤُفٌ*. مُتَّكِؤُنَ، مُتَّكِئِينَ*.
واثنين لما وقع بعد همز مغير وهما: هؤُلاءِ آلِهَةً، وهذا قد وقع بعد همز مغير بالإبدال ومثله: مِنَ السَّماءِ آيَةً، يُنادِي لِلْإِيمانِ. وهذا وقع بعد همز مغير بالنقل ومثله الْآخِرَةُ*، مَنْ آمَنَ*، ابْنَيْ آدَمَ أَلْفَوْا آباءَهُمْ، قُلْ إِي وَرَبِّي، قَدْ أُوتِيتَ، والناظم في هذه الأمثلة ذكر حرف المد إذا كان ألفا أو ياء ولم يذكر ما يكون واوا، ومثاله: وَأُوحِيَ*، أُوتِيتُمْ*. وكذلك لم يذكر حرف المد الواقع بعد همز مغير بالتسهيل ومثاله: آمَنْتُمْ*، أَآلِهَتُنا* جاءَ آلَ لُوطٍ.
ثم استثنى الناظم من حرف المد الواقع بعد الهمز المحقق أو المحقق أو المغير الذي تجوز فيه الأوجه الثلاثة لورش كلمتين مخصوصين وقاعدتين عامتين، فأما الكلمتان: ف إِسْرائِيلَ* حيث وقعت في القرآن الكريم، ويُؤاخِذُ* حيث وقعت وكيف تصرفت نحو لا تُؤاخِذْنا، لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ*، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ*. فليس في ياء إِسْرائِيلَ* وألف يُؤاخِذُ* إلا القصر كسائر القراء، وهذا مذهب جميع أهل الأداء عن ورش، غير أن قول الناظم: وبعضهم يؤاخذكم. يدل بمنطوقه على أن بعض أهل الأداء الناقلين قراءة ورش استثنى الألف من كلمة يُؤاخِذُكُمُ* فلم يوسطها ولم يمدها ويدل بمفهومه على أن البعض الآخر أجراها كغيرها فأجاز فيها التوسط والمد مع أن هذه الكلمة مستثناة بالإجماع كما تقدم فكان على الإمام الشاطبي أن يحذف كلمة وبعضهم.
وأما القاعدتان فالأولى: أن يقع حرف المد بعد همز ويكون ذلك الهمز واقعا بعد ساكن صحيح متصل نحو الْقُرْآنُ*، الظَّمْآنُ، مَسْؤُلًا*، مَذْؤُماً فلا يجوز في هذا وأمثاله لورش إلا القصر. وقوله: أو بعد ساكن، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد متحرك نحو ساوى، مَآبٍ*، ففيه الأوجه الثلاثة لورش. وقوله:
صحيح، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز، هذا الهمز بعد ساكن غير صحيح وهو حرف
المد نحو وَجاؤُ* فاؤُ. وحرف اللين نحو (سوءات) الْمَوْؤُدَةُ ففيه الأوجه الثلاثة أيضا لورش. وقولنا: متصل، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد ساكن صحيح منفصل عن الهمز بأن يكون هذا الساكن في كلمة والهمز في كلمة أخرى نحو مَنْ آمَنَ*، مَنْ أُوتِيَ* ففيه الأوجه الثلاثة كذلك لورش.
стр. 75
القاعدة الثانية: أن يقع حرف المد بعد همز الوصل نحو ائْذَنْ لِي، ائْتِ بِقُرْآنٍ، اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ، ائْتُوا صَفًّا، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا. في حال الابتداء بهذه الكلمات، فلا يجوز لورش في حرف المد الواقع بعد همز الوصل إلا القصر؛ لأن حرف المد في ذلك عارض؛ لأنك إذا ابتدأت بهذه الكلمات اضطررت إلى الإتيان بهمزة الوصل لتتوصل بها إلى النطق بالساكن وهو الهمزة التي هي فاء الكلمة، وعندئذ يجتمع همزتان: همزة الوصل، والهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة.
والقاعدة: أنه إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية منهما ساكنة؛ فإن الثانية تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فتبدل ياء فتكون هذه الياء بدلا من الهمزة فتكون عارضة وهمزة الوصل عارضة أيضا؛ لأنك إذا وصلت هذه الكلمات بما قبلها؛ سقطت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها وبقيت الهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة، فامتنعت زيادة المد في حرف المد نظرا لعروضه، وعروض همزة الوصل قبله. وقد ترك الناظم قاعدة ثالثة مستثناة أيضا، وكان عليه أن ينبه عليها وهي: أن يقع حرف المد بعد الهمزة بدلا من التنوين نحو دُعاءً*، نِداءً* غُثاءً*، خَطَأً*، عند الوقف على هذه الكلمات؛ فلا يحوز في حرف المد في هذه الكلمات لورش إلا القصر؛ لأن حرف المد في هذه الحال عارض غير لازم، إذ لا يوجد إلا في الوقف على هذه الكلمات فقط. وأما رَأَى الْقَمَرَ، تَراءَا الْجَمْعانِ، تَبَوَّؤُا الدَّارَ، عند الوقف على رَأى *، وتَراءَا، وتَبَوَّؤُا فيجوز في حرف المد فيها الأوجه الثلاثة لورش؛ لأنه حرف مد أصلي واقع بعد همز، وذهابه عند الوصل عارض لسكون ما بعده، فحذف للتخلص من التقاء الساكنين، وأما عند الوقف؛ فيثبت على الأصل، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة؛ لأنه يصدق عليه، والحال هذه أنه حرف مد وقع بعد همز.
ثم ذكر الناظم أن بعض أهل الأداء عن ورش استثنى كلمتين: الأولى: آلْآنَ* المستفهم بها وهي في موضعين: في سورة يونس آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ. فمنع التوسط والمد فيها وأوجب فيها القصر والمراد الألف الأخيرة التي بعد اللام، وأما الألف الأولى فليست من هذا الباب؛ لأن مدها لأجل السكون اللازم المقدر، ولكون هذا السكون مقدرا يجوز في هذه الألف الأولى لورش وقالون وجهان: الأول: المد المشبع اعتدادا بالأصل. والثاني: القصر
стр. 76
اعتدادا بحركة اللام العارضة. وقولنا: المستفهم بها؛
احتراز عن آلْآنَ*، الخالية من الاستفهام مثل: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ. فقد اتفق أهل الأداء عن ورش على إجراء الأوجه الثلاثة في ألفها جريا على أصله.
الكلمة الثانية: الْأُولى * الواقعة بعد عاداً* في قوله تعالى في سورة النجم:
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى، فبعض أهل الأداء لم يجز في حرف المد فيها إلا القصر، والتقييد بالواقعة بعد عاداً* لإخراج غيرها نحو سِيرَتَهَا الْأُولى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى. ففيهما الأوجه الثلاثة لورش. والبعض الآخر من أهل الأداء لم يستثن هاتين الكلمتين: آلْآنَ* وَالْأُولى * وأجرى في كل منهما الأوجه الثلاثة لورش.
وقد أشبعنا الكلام على هاتين الكلمتين: آلْآنَ* عاداً الْأُولى، وذكرنا جميع أحوالهما لجميع القراء في كتابنا البدور الزاهرة فارجع إليه تجد ما يسر خاطرك ويثلج صدرك.
ثم قال الناظم: وابن غلبون طاهر إلخ. ابن غلبون هو الإمام الحجة الثبت أبو الحسن طاهر بن العلامة الإمام عبد المنعم بن غلبون. وطاهر وأبوه من علماء القراءات المبرزين فيها الذين لهم التصانيف القوية المفيدة في علوم القرآن وهما من حلب ونزلا بمصر وأقاما بها ونفع الله بعلمهما من لا يحصى كثرة وماتا بمصر، ومن مصنفات الوالد: كتاب الإرشاد، ومن تلاميذه: الإمام مكي بن أبي طالب، ومن مصنفات الابن: كتاب التذكرة، ومن تلاميذه: الإمام أبو عمرو الداني مؤلف كتاب التيسير فطاهر بن غلبون قال بقصر جميع الباب وأخذ به وأقرأ الناس به ويعني بالباب كل ما كان حرف المد فيه بعد همز ثابت أو مغير. وقوله (وقوّلا) أي وقول ورشا بذلك أي جعله هو المذهب له وجعل ما سواه غلطا ووهما. ويصح أن يكون معناه أن ابن غلبون قول أي نسب التقول والافتراء والوهم إلى من نقل التوسط والمد عن ورش في هذا النوع من المد.
١٧٦ - وعن كلّهم بالمدّ ما قبل ساكن ... وعند سكون الوقف وجهان أصّلا
المعنى: لما فرغ من الكلام على حرف المد الذي يجتمع مع الهمز؛ سواء كان حرف المد قبل الهمز أو بعده، تكلم هنا على حرف المد الذي يقع بعد السكون، والسكون الذي يقع بعد حرف المد قسمان: سكون لازم للحرف من الكلمة لا ينفك عنه وصلا ولا وقفا،
стр. 77
وسكون يعرض للحرف المتحرك من الكلمة عند الوقف عليه فحسب. وقد بين الناظم في الشطر الأول من البيت حكم القسم الأول؛ فأخبر أن حرف المد الواقع قبل الساكن الذي سكونه لازم في الوصل والوقف مقروء بالمد المشبع عن كل القراء سواء كان الساكن مدغما في غيره نحو الضَّالِّينَ*، الطَّامَّةُ، الصَّاخَّةُ، وَحاجَّهُ قَوْمُهُ، آلذَّكَرَيْنِ*، اللَّهِ خَيْرٌ*، ونحو وَلا تَيَمَّمُوا، وَلا تَعاوَنُوا في قراءة البزي. ونحو وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً وَالذَّارِياتِ ذَرْواً، في قراءة حمزة، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، في
قراءة خلاد عن حمزة، أم لم يكن الساكن مدغما في غيره نحو آلْآنَ* في الموضعين بيونس على وجه الإبدال، وص، وق، ون، وَمَحْيايَ في قراءة من أسكن الياء. وعلى هذا يكون المراد بالمد في قوله الناظم: وعن كلهم بالمد، المد المشبع المقدر بستّ حركات، ويكون المراد من ساكن في قوله: ما قبل ساكن؛ الحرف الساكن الذي سكونه لازم وصلا ووقفا، وكان على الناظم أن يقيد الساكن بما يكون في الكلمة التي فيها حرف المد ليحترز بذلك عن الساكن الذي يكون في كلمة أخرى غير الكلمة التي فيها حرف المد نحو وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا، وَإِذَا الْجِبالُ*، قالُوا اطَّيَّرْنا، وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ، فإن حرف المد حكمه الحذف فيما ذكر وأمثاله. ثم بين في الشطر الثاني من البيت حكم القسم الثاني فأخبر أن حرف المد الذي يقع بعده سكون عارض عند الوقف فيه وجهان: الأول- المد المشبع المقدر بست حركات والثاني- التوسط المقدر بأربع حركات لجميع القراء أيضا، ولم يصرح بهما الناظم لشهرتهما، ومعنى قوله: (أصلا) جعلا أصلا يعتمد عليه أي اشتهر الوجهان في النقل فجعلا أصلين يعتمد عليهما، وأشار بذلك إلى أن هنالك وجها ثالثا لم يؤصل؛ أي لم يشتهر اشتهار الوجهين السابقين وهو الاقتصار على ما في حرف المد من المد وهو القصر، ولا يقدح في جواز هذا الوقف، أن فيه الجمع بين الساكنين؛ لأن الجمع بين الساكنين مغتفر في الوقف ولأن هذا السكون عارض فلا يعتد به، قال العلماء: ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون حرف المد مرسوما في المصاحف نحو الْعالَمِينَ* الرَّحِيمِ* يُؤْمِنُونَ* مَتابِ، أَوَلَمْ يَكُنْ مرسوما نحو الرَّحْمنِ*، ولا فرق أيضا بين أن يكون أصلا كما ذكر من الأمثلة أو يكون
стр. 78
بدلا من همزة كالوقف على الذِّئْبُ*، وَلَمْ يُؤْتَ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ عند المبدلين، والخلاصة أن حرف المد الذي يقع بعده سكون عارض للوقف يجوز فيه لكل القراء ثلاثة أوجه: القصر، والتوسط، والمد. وهذه الأوجه الثلاثة تجوز أيضا في حرف المد الذي بعده سكون عارض للإدغام كما في الإدغام الكبير للسوسي نحو قالَ لَهُمْ*، الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ، يَقُولُ رَبَّنا*.
١٧٧ - ومدّ له عند الفواتح مشبعا ... وفي عين الوجهان والطّول فضّلا
١٧٨ - وفي نحو طه القصر إذ ليس ساكن ... وما في ألف من حرف مدّ فيمطلا
اللغة والمعنى: (ومد) فعل أمر وضمير له يعود على الساكن؛ لأن كلامه في البيت السابق فيما يمد لأجل الساكن فكأنه قال: ومد لأجل الساكن، و (مشبعا) بكسر الباء منصوب على الحال من فاعل مد أو بفتح الباء على أنه صفة مصدر محذوف و (عند الفواتح) أي فيها. أمر الناظم القارئ أن يمد حرف المد كونه مشبعا هذا المد، أو مدّا مشبعا لأجل الساكن في فواتح
السور. والحروف التي تمد مدّا مشبعا في فواتح السور سبعة لام في الم* أول البقرة وآل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، وميم في أوائل: البقرة، وآل عمران والأعراف والرعد والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، وطسم* أول الشعراء والقصص، وحم* في أوائل السور السبع، وكاف في أول مريم، وصاد في أول الأعراف ومريم، وص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وقاف في أول الشورى، وق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وسين في
أوائل الشعراء والنمل والقصص والشورى ويس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ونون في ن وَالْقَلَمِ، ففي كل من هذه الحروف وقع حرف المد واللين ووقع بعده حرف ساكن سكونه لازم في الحالين فحينئذ يجب مد حرف المد لأجل الساكن اللازم مدّا مشبعا لجميع القراء وقد يعرض لهذا الساكن ما يقتضي تحركه وذلك في الم (١) اللَّهُ أول آل عمران عند وصل ميم بلفظ الجلالة وذلك أن همزة لفظ الجلالة همزة وصل، فتحذف حال الوصل، فعند ذلك يجتمع ساكنان: الميم واللام، فتحرك الميم بالفتح تخلصا من التقاء الساكنين، وفي هذه الحال يجوز وجهان: المد المشبع نظرا
стр. 79
للأصل، والقصر نظرا لعروض حركة الميم، وهذان الوجهان جائزان لكل القراء، ومثل ذلك الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ فاتحة العنكبوت في مذهب ورش؛ لأنه ينقل حركة همزة أحسب إلى الميم قبلها فتحرّك بالفتح وحينئذ يصح الوجهان السابقان المد نظرا لحركة الميم العارضة بسبب النقل، ثم بين أن في عين من حروف الفواتح وذلك في كهيعص حم* عسق وجهين، وقوله:
الوجهان، أل فيه للعهد، والمعهود الوجهان السابقان في البيت قلبه وهما المد المشبع المقدر بست حركات، والتوسط المقدر بأربع حركات. ثم ذكر أن علماء القراءة فضلوا الطول؛ وهو المد المشبع، على التوسط، والوجهان جائزان لجميع القراء، وهذان الوجهان يجريان في كلمة هاتين في قوله تعالى إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ، في سورة القصص. وكلمة اللذين في قوله تعالى:
رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا في سورة فصلت في قراءة ابن كثير؛ لأنهما في قراءته بتشديد النون، فيكون كل منهما كلفظ عين في أول مريم والشورى، فيكون في كل منهما التوسط والمد، والمد أقوى وأرجح من التوسط فيهما. ثم ذكر أن ما كان من حروف الهجاء على حرفين فقط فليس فيه إلا القصر؛ إذ لم يوجد بعد حرف المد ساكن حتى يمد حرف المد لأجله.
والذي وقع من حروف الهجاء على حرفين الطاء في طه*، طسم* أول الشعراء والقصص، طس أول النمل، والهاء في كهيعص، طه*، والراء في أول يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر، والياء في أول مريم، والحاء في حم أوائل السور السبع. وأخيرا ذكر أن لفظ ألف في الم* ونحوه مكون من ثلاثة أحرف ليس الأوسط منها حرف مد ولين فلا مد فيها مطلقا. وقوله: فيمطلا؛ فيمد.
والحاصل: أن حروف الفواتح على أربعة أقسام:
الأول- ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مد ولين نحو: لام، ميم، نون، فهو ممدود مدّا مشبعا بلا خلاف.
الثاني- ما كان على ثلاثة أحرف وليس أوسطه حرف مد ولين، وهو لفظ ألف؛ فهو مقصور بلا خلاف.
الثالث- ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف لين وهو لفظ عين، أول مريم والشوى؛ ففيه الوجهان المد والتوسط.
стр. 80
الرابع- ما كان على حرفين نحو طه*، الر*، فهو مقصور بلا خلاف.
١٧٩ - وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة ... بكلمة أو واو فوجهان جمّلا
١٨٠ - بطول وقصر وصل ورش ووقفه ... وعند سكون الوقف للكلّ أعملا
١٨١ - وعنهم سقوط المدّ فيه وورشهم ... يوافقهم في حيث لا همز مدخلا
المعنى: لما ذكر في الأبيات السابقة حكم حرف المد واللين إذا اجتمع مع الهمز أو السكون ذكر هنا حكم حرفي اللين إذا اجتمعا مع الهمز أو السكون، فبين أن حرفي اللين وهما الياء والواو الساكنتان المفتوح ما قبلهما إذا وقع أحدهما بين فتح وهمزة في كلمة واحدة ففي كل منهما وجهان حسنان لورش وهما: الطول والقصر في حالي وصله ووقفه، سواء كانت الياء والواو في وسط الكلمة نحو شَيْئاً*، كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ*، وَلا تَيْأَسُوا، سَوْأَةَ أَخِيهِ، سَوْآتِهِما*، أم كانتا في آخرها نحو شَيْءٍ* مرفوعا كان أو مجرورا، ظَنَّ السَّوْءِ*، واحترز بقوله: في كلمة، عن وقوع حرفي اللين في كلمة والهمز في كلمة أخرى نحو ابْنَيْ آدَمَ، وَلَوْ آمَنَ، فمذهب ورش فيه نقل حركة الهمز إلى حرفي اللين مع حذف الهمز.
والوجهان المد المشبع والتوسط فالمراد بقوله: وقصر: التوسط، وعبر عنه بالقصر بالنسبة إلى الإشباع المعبر عنه بالطول، وأشار الناظم إلى هذا المراد بقوله: بطول، أي بتطويل المد، والقصر عدم تطويل المد مع بقاء أصل المد، فكأنه قال بمد طويل ومد قصير، ولو أنه أراد بالقصر معناه الشائع وهو المقدر بحركتين لقال بمد وقصر، فالتعبير بقوله: بطول، أفاد أن المراد بقوله: وقصر، التوسط. ثم بين حكمهما إذا وقع بعدهما ساكن فقال: وعند سكون الوقف للكل أعملا. يعني:
إذا وقعت الياء والواو الساكنتان المفتوح ما قبلهما قبل حرف ساكن للوقف سواء كان هذا الحرف همزة أو غيرها؛ فالوجهان المذكوران وهما: المد الطويل والتوسط؛ أعملا؛ أي استعملا لجميع القراء يستوى في ذلك ورش وغيره نحو شَيْءٍ*، سُوءَ*، قُرَيْشٍ خَوْفٌ*.
ثم ذكر وجها ثالثا عن القراء وهو عدم المد في حرفي اللين قبل الساكن للوقف همزا أو غيره فصار للقراء عند الوقف ثلاثة أوجه: الطول والتوسط والقصر. ويوافق
стр. 81
ورش القراء في
الوجه الثالث وهو القصر إذا لم يكن الحرف الأخير همزة نحو رَأْيَ الْعَيْنِ، إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، فَلا فَوْتَ، حَذَرَ الْمَوْتِ*.
أما إذا كان الحرف الأخير همزة نحو شَيْءٍ* وسُوءَ* فليس له إلا الوجهان المتقدمان وهما المد المشبع والتوسط عملا بقوله: وصل ورش ووقفه.
والخلاصة: أن ورشا له فيما آخره همزة وجهان: المد والتوسط وصلا ووقفا، ولغيره فيه ثلاثة أوجه: عند الوقف عليه الطول والتوسط والقصر، ولا شيء للغير عند الوصل. وأما ما لا همز في آخره: فلورش وغيره الأوجه الثلاثة وقفا ولا شيء لهم وصلا.
١٨٢ - وفي واو سوءات خلاف لورشهم ... وعن كلّ الموءودة اقصر وموئلا
المعنى: اختلف عن ورش في واو (سوءات) وما تصرف منها نحو بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما*، يُوارِي سَوْآتِكُمْ، فمن الرواة عنه من استثناها من اللين فلم يجر فيها توسطا ولا مدّا بل أجراها مجرى قَوْلًا* وخَوْفاً*، ومنهم من لم يستثنها بل ألحقها ب سَوْأَةَ* والسُّوءَ* فأجرى فيها المد المشبع والتوسط، فحينئذ يكون لورش فيها ثلاثة أوجه: القصر كغيره من القراء، والتوسط، والطول. ولكن المحققين من علماء الفن على أن هذه الواو لا مد فيها لورش أصلا؛ لأن رواة مد اللين عن ورش أجمعوا على استثناء هذه الواو فحينئذ يكون الخلاف فيها دائرا بين القصر والتوسط، وعلى القصر يكون له في البدل الذي بعدها القصر والتوسط والمد، وعلى التوسط لا يكون له في البدل إلا التوسط. فليس لورش فيها إلا هذه الأوجه الأربعة: قصر الواو مع تثليث البدل، وتوسط الواو والبدل، هذا ما ذهب إليه المحققون وعليه العمل. ثم أمر الناظم بقصر الواو في كلمتين عن جميع الرواة عن ورش وهما الْمَوْؤُدَةُ في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ في سورة التكوير ومَوْئِلًا في قوله تعالى: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا في الكهف. ولا يخفى أن المراد الواو الأولى في لفظ الْمَوْؤُدَةُ، وأوجه البدل الثلاثة فيها لا تخفى. ومما تجب معرفته: أنه ليس المراد من قصر واو (سوآت) وواو الْمَوْؤُدَةُ وواو مَوْئِلًا مدها بمقدار حركتين بل المراد إذهاب مدّها بالكلية والنطق بواو ساكنة مجردة عن المد كالنطق بواو فَوْقَكُمُ* ونحوه، والله أعلم.
стр. 82
٩ باب الهمزتين من كلمة [١٨٣ - ٢٠١]
١٨٣ - وتسهيل أخرى همزتين بكلمة ... سما وبذات الفتح خلف لتجملا
١٨٤ - وقل ألفا عن أهل مصر تبدّلت ... لورش وفى بغداد يروى مسهّلا
المعنى: ذكر في هذا الباب حكم الهمزتين المجتمعتين في كلمة واحدة، والأولى منهما لا بدّ أن تكون مفتوحة، وأما الثانية فتكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة، والتسهيل في لسان القراء له معنيان: الأول: مطلق التغيير فيشمل التسهيل بين بين، والإبدال والحذف، والمراد به هنا:
بين بين، ومعناه: أن ينطق بالهمزة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها، فينطق بالمفتوحة بينها وبين الألف، وبالمكسورة بينهما وبين الياء وبالمضمومة بينها وبين الواو، وأخرى الهمزتين، هي الهمزة الأخيرة؛ أي المتأخرة منهما وهي الثانية، وقد أخبر الناظم أن تسهيل الهمزة الثانية من الهمزتين الواقعتين في كلمة هو قراءة المشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو سواء كانت الثانية مفتوحة نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأَنْتَ*، أَأَلِدُ، أم كانت مكسورة نحو أَإِذا*، أَإِنَّا*، أَإِنَّكَ*، أم مضمومة نحو أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ، أَأُنَبِّئُكُمْ*، والذي دلنا على أن هذا الحكم شامل للأنواع الثلاثة هو إطلاق الناظم. ثم ذكر أن الهمزة الثانية ذات الفتح أي المفتوحة فيها خلف لهشام، فله فيها وجهان:
التسهيل والتحقيق، ثم بين أن الرواة عن ورش اختلفوا في كيفية تغيير الهمزة الثانية إذا كانت مفتوحة فروى المصريون عنه إبدالها ألفا، وروى البغداديون عنه تسهيلها بين بين كالمكسورة والمضمومة، فيكون لورش في المكسورة والمضمومة وجه واحد وهو التسهيل بين بين، وفي المفتوحة وجهان: الإبدال ألفا، والتسهيل على وجه الإبدال، فإن كان بعد الهمزة المبدلة ساكن نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأَشْفَقْتُمْ. فلا بد من مد الألف المبدلة من الهمزة مدّا مشبعا بمقدار ست حركات؛ لأنها ساكنة والسكون الذي بعدها لازم، فيكون مدّها حينئذ من قبيل المد اللازم وإن كان بعد الهمزة المبدلة حرف متحرك وذلك في موضعين فقط. أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ في هود، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ في الملك مدت الألف المبدلة من الهمزة
стр. 83
مدّا أصليّا بمقدار حركتين، ولا يصح أن يجعل مدها من قبيل مد البدل؛ نظرا لعروض حرف المد بسبب الإبدال. هذا وقد منع العلماء وجه الإبدال لورش عند الوقف على أَأَنْتَ*، أَرَأَيْتَ*.
وأوجبوا التسهيل وعللوا منع الإبدال بأنه يترتب عليه اجتماع ثلاث سواكن متوالية ليس فيها مدغم كصواف، وقالوا: إن مثل ذلك غير موجود في كلام العرب، ونقل بعضهم عن الإمام الداني جواز الوقف بالإبدال على أَرَأَيْتَ* فحسب. قالوا: وإذا وقفت بالإبدال على أَرَأَيْتَ* تبعا للداني وجب عليك توسيط الياء؛ لأن اللين يضعف فيه الطول .. انتهى.
فتعين لباقي القراء تحقيق الهمزة الثانية سواء كانت مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة.
١٨٥ - وحقّقها في فصّلت صحبةء اع ... جمىّ والأولى أسقطنّ لتسهلا
المعنى: أخبر أن كلمةءَ أَعْجَمِيٌّ في سورة فصلت حقق همزتها الثانية (صحبة)
وهم شعبة وحمزة والكسائي فقرءوا بهمزتين محققتين، وقرأ هشام بإسقاط همزتها الأولى وتحقيق الثانية، فتكون قراءة الباقين بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين.
١٨٦ - وهمزة أذهبتم في الاحقاف شفّعت ... بأخرى كما دامت وصالا موصّلا
١٨٧ - وفي نون أن كان شفّع حمزة ... وشعبة أيضا والدّمشقي مسهّلا
١٨٨ - وفي آل عمران عن ابن كثيرهم ... يشفّع أن يؤتى إلى ما تسهّلا
المعنى: أخبر أن همزة أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في سورة الأحقاف (شفعت) أي: قرنت بزيادة همزة أخرى قبلها فصارت بسبب زيادة هذه الهمزة شفعا أي: زوجا، وذلك للمرموز لهما بالكاف والدال وهما: ابن عامر، وابن كثير، وكل واحد منهما على أصله، فابن كثير يسهل الثانية من غير إدخال، وابن ذكوان يحققها من غير إدخال، وهشام له فيها التسهيل والتحقيق، وكل منهما مع الإدخال. وقرأ الباقون بهمزة واحدة محققة وقوله: وصالا موصلا. أي منقولا يوصله بعض القراء إلى بعض. ثم أخبر أن حمزة، وشعبة، وابن عامر الدمشقي قرءوا بتشفيع همزة أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ، في سورة ن وَالْقَلَمِ أي بزيادة همزة أخرى قبلها مع تسهيل الهمزة الثانية للدمشقي، فتكون قراءة حمزة وشعبة بتحقيق الهمزتين من غير مد بينهما، وقراءة ابن ذكوان بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بلا إدخال، وقراءة هشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع الإدخال، فتعين للباقين القراءة بهمزة واحدة ثم بين أن همزة أَنْ يُؤْتى * في قوله تعالى في آل عمران: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ تقرأ بالتشفيع، وقد عرفت معناه لابن كثير وهو على أصله من تحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير إدخال، وقرأ الباقون بهمزة واحدة والتقييد بآل عمران لإخراج أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً بالمدثر فهو بهمزة واحدة للجميع، وقوله: (إلى ما تسهلا) متعلق بمحذوف حال من لفظ (أن) أي: حال كونه مضموما إلى ما تسهل عنده من الهمزات.
١٨٩ - وطه وفي الأعراف والشّعرا بها ... ء آمنتم للكلّ ثالثا أبدلا
١٩٠ - وحقّق ثان صحبة ولقنبل ... بإسقاطه الأولى بطه تقبّلا
١٩١ - وفي كلّها حفص وأبدل قنبل ... في الاعراف منها الواو والملك موصلا
وقعت كلمة آمَنْتُمْ* في ثلاث سور، الأعراف، طه، الشعراء، وأصل هذه الكلمة آمَنْتُمْ*، بثلاث همزات: الأولى والثانية مفتوحتان، والثالثة ساكنة وقد أمر الناظم بإبدال الثالثة حرف مد من جنس حركة ما قبلها فتبدل ألفا، وهذا الحكم لجميع القراء كما هو مقتضى الإطلاق، ثم أخبر بأن (صحبة) وهم: شعبة، والكسائي، وحمزة حققوا الهمزة الثانية في المواضع الثلاثة، فتكون قراءة
стр. 84
الباقين بتسهيلها بين بين إلا قنبلا في طه وحفصا في المواضع
الثلاثة كما سيأتي، فأما قنبل فأسقط الهمزة الأولى في موضع طه فيقرأ فيه بهمزة واحدة محققة ويقرأ في موضعي الأعراف، والشعراء بإثبات الأولى وتسهيل الثانية كقراءة نافع ومن معه في المواضع الثلاثة، وأما حفص: فأسقط الهمزة الأولى في السور الثلاثة، فيقرأ بهمزة واحدة محققة في الجميع، وقرأ قنبل بإبدال الهمزة الأولى واوا في قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ، في الأعراف، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ وأَ أَمِنْتُمْ في الملك مع تسهيل الهمزة الثانية بين بين في الموضعين وهو لا يبدل الهمزة الأولى واوا في الموضعين إلا في حال الوصل بدليل قوله:
(موصلا) فإذا وقف على
стр. 85
فِرْعَوْنُ وابتدأ بقوله آمَنْتُمْ. أو وقف على النُّشُورُ وابتدأ بقوله: أَأَمِنْتُمْ حقق الهمزة الأولى. وينبغي أن يعلم أن ورشا ليس له في الهمزة الثانية من أَأَمِنْتُمْ في المواضع الثلاثة إلا التسهيل مع القصر، والتوسط، والمد، وليس له الإبدال؛ لأنه لو أبدل لاجتمع ألفان، الألف المبدلة من الهمزة الثانية المفتوحة، والألف المبدلة من الهمزة الثالثة الساكنة ويتعذر النطق بالألفين معا، فتحذف إحداهما فحينئذ يصير النطق بهمزة واحدة بعدها ألف، فتكون قراءته كقراءة حفص. فيلتبس الاستفهام بالخبر، فمحافظة على لفظ الاستفهام وخوفا من الالتباس منع وجه الإبدال.
١٩٢ - وإن همز وصل بين لام مسكّن ... وهمزة الاستفهام فامدده مبدلا
١٩٣ - فللكلّ ذا أولى ويقصره الّذي ... يسهّل عن كلّ كالآن مثّلا
١٩٤ - ولا مدّ بين الهمزتين هنا ولا ... بحيث ثلاث يتّفقن تنزّلا
المعنى: هذا بيان لحكم همزة الوصل إذا وقعت بين لام التعريف الساكنة وهمزة الاستفهام، وقد وقع ذلك في ثلاث كلمات في ستة مواضع: آلذَّكَرَيْنِ* في موضعين بالأنعام، آلْآنَ* في موضعين بيونس آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ في النمل، وقد اتفق أهل الأداء على تغيير همزة الوصل في هذه المواضع، ولكنهم اختلفوا في كيفية هذا التغيير، فمنهم من أبدلها حرف مد ألفا مع المد المشبع للفصل بين الساكنين، إلا إذا عرض تحرك الساكن وهو اللام في آلْآنَ* موضعي يونس في قراءة نافع بنقل حركة الهمزة التي بعدها إليها، فيجوز حينئذ المد المشبع نظرا للأصل، ويجوز القصر نظرا للحركة العارضة، ومنهم من سهلها بين بين وهذان الوجهان حائزان لكل القراء، وإن وجه الإبدال أولى وأرجح من وجه التسهيل. وهناك موضع سابع: وهو لفظ السحر في قوله تعالى في يونس: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فأبوا عمرو يقرؤه بزيادة همزة استفهام قبل همزة الوصل، فيجري فيه الوجهان السابقان وهما: إبدال همزة الوصل ألفا مع المد المشبع وتسهيلها بين بين، فقول الناظم: (وإن همز وصل إلخ). معناه: وإن وقع همز وصل بين لام التعريف الساكنة وبين همزة الاستفهام،
стр. 86
وقوله: (فامدد مبدلا) أي: امدد همز الوصل مدّا مشبعا في حال كونك مبدلا له حرف مد ألفا، وجنح بعض شرّاح هذه القصيدة إلى أن ذلك من باب القلب والأصل: فأبدله
مادّا، أي:
أبدل همز الوصل ألفا حال كونك مادّا له مدّا مشبعا، وقوله: (فللكل ذا أولى) معناه: أن هذا الوجه وهو الإبدال مع المد أولى لكل القراء من الوجه الآخر وهو التسهيل، ومعنى قوله:
(ويقصره الذي يسهل عن كل) أن كل من أخذ بوجه التسهيل عن كل القراء السبعة يقصر همزة الوصل ولا يمدها؛ لأنها في حكم المحققة وهي لا تمد. وقوله: (ولا مد بين الهمزتين هنا) معناه:
أنه يمتنع إدخال ألف الفصل بين الهمزتين حال التسهيل في الكلمات السابقة، فمن مذهبه الإدخال بين الهمزتين لا يدخل في هذه الكلمات. وقوله: (ولا بحيث ثلاث) معناه: أنه يمتنع إدخال الفصل في كل كلمة يجتمع فيها ثلاث همزات وذلك في لفظ آمَنْتُمْ* في سوره الثلاث، وفي لفظ آلِهَتُنا في الزخرف فمن مذهبه الإدخال لا يدخل في هذين اللفظين.
١٩٥ - وأضرب جمع الهمزتين ثلاثة ... ء أنذرتهم أم لم أئنّا أءنزلا
اللغة والمعنى: (الأضرب) جمع وهو النوع، يعني أن اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة يكون في القرآن على ثلاثة أنواع: الأول: أن تكون الهمزتان مفتوحتين نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأَسْلَمْتُمْ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ، الثاني: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة نحو أَإِنَّكُمْ*، أَإِنَّا*، أَئِمَّةَ*، الثالث: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مضمومة نحو أَأُنَبِّئُكُمْ*، أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ، فالهمزة الأولى في الأنواع الثلاثة مفتوحة والثانية تكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة.
١٩٦ - ومدّك قبل الفتح والكسر حجّة ... بها لذ وقبل الكسر خلف له ولا
١٩٧ - وفي سبعة لا خلف عنه بمريم ... وفي حرفي الأعراف والشّعرا العلا
١٩٨ - أئنّك أئفكا معا فوق صادها ... وفي فصّلت حرف وبالخلف سهّلا
المعنى: المراد بالمد هنا: إدخال ألف بين الهمزتين، وهذه الألف تسمّى ألف الفصل؛ لأنها تفصل بين الهمزتين ومقدارها حركتان. والمراد بالفتح والكسر الهمزة المفتوحة
стр. 87
والمكسورة؛ يعني:
أن إدخال ألف قبل الهمزة المفتوحة وقبل الهمزة المكسورة قراءة المشار إليهم بالحاء، والباء، واللام، وهم: أبو عمرو، وقالون، وهشام. وقوله: (وقبل الكسر خلف له ولا) معناه أن في الإدخال قبل الهمزة المكسورة خلافا لهشام، فروي عنه الإدخال وتركه. وقوله: (وفي سبعة إلخ) معناه: أنه لا خلاف عن هشام في الإدخال بين الهمزتين في سبعة مواضع، الموضع الأول: في مريم وهو:
أَإِذا ما مِتُّ، والثاني والثالث: في الأعراف: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ*، إِنَّ لَنا لَأَجْراً*، والرابع: في الشعراء: أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً والخامس: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ والسادس: أَإِفْكاً
آلِهَةً وكلاهما في الصافات، وهي السورة التي فوق ص والسابع: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ في فصلت. وقوله: (وبالخلف سهلا) يعني: ورد عن هشام في حرف فصلت وجهان: التسهيل والتحقيق وليس لهشام تسهيل في الهمزة المكسورة إلا في هذا الموضع.
١٩٩ - وآئمة بالخلف قد مدّ وحده ... وسهّل سما وصفا وفي النّحو أبدلا
المعنى: يعني أن لفظ (أئمة) حيث ورد في القرآن الكريم قد مدّ بين همزتيه هشام بخلف عنه، فله فيه المد وتركه مع التحقيق، فتكون قراءة الباقين بترك المد. وقوله: (وسهل سما وصفا) أمر بتسهيل الهمزة الثانية لنافع وابن كثير وأبي عمرو، فتعين للباقين القراءة بالتحقيق وقد وقع هذا اللفظ في القرآن في خمسة مواضع: موضع في التوبة فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، وموضع في الأنبياء: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا، وموضعين في القصص: وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وموضع في السجدة: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا.
وقوله: (وفي النحو أبدلا) بيان لمذهب بعض النحاة وهو إبدال الهمزة الثانية ياء محضة، وهذا الوجه وإن ورد عن أهل (سما) أيضا ولكنه ليس من طريق كتابنا فلا يلتفت إليه ولا يقرأ به.
والخلاصة: أن أهل سما يقرءون بتسهيل الهمزة الثانية من غير إدخال لأحد منهم، وأن هشاما يقرأ بالتحقيق مع الإدخال وعدمه، وأن الباقين يقرءون بالتحقيق من غير إدخال.
٢٠٠ - ومدّك قبل الضّمّ لبّى حبيبه ... بخلفهما برّا وجاء ليفصلا
стр. 88
٢٠١ - وفي آل عمران رووا لهشامهم ... كحفص وفي الباقي كقالون واعتلى
يعني: ومدك قبل الهمزة المضمومة قراءة المشار إليهم باللام، والحاء، والباء، وهم: هشام، وأبو عمرو بخلف عنهما فلهما المد وتركه، وقالون بلا خلف عنه، فتكون قراءة الباقين بترك المد، وقد وقعت الهمزة المضمومة من الهمزتين من كلمة في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ في آل عمران: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في ص: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ في القمر، ثم بين حكمة المد فقال: (وجاء المد ليفصل) أولى الهمزتين عن أخراهما. وقوله: (وفي آل عمران إلخ) بيان لمذهب بعض أهل الأداء عن هشام وهو أنه يقرأ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ في آل عمران بعدم الإدخال مع التحقيق كحفص، ويقرأ في أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في ص، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ في القمر؛ بالإدخال مع التسهيل
كقالون فيتحصل من المذهب السابق، ومن هذا المذهب أن لهشام في قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ وجهين: التحقيق مع الإدخال وعدمه، وأن له في موضعي ص والْقَمَرُ ثلاثة أوجه: التحقيق مع الإدخال، وعدمه والتسهيل مع الإدخال، ويؤخذ من هذا أن موضع آل عمران لا تسهيل له فيه على كلا المذهبين.
تلخيص مذاهب القراء
القاعدة العامة لمذاهب القراء السبعة في الهمزتين من كلمة ما يلي: ١ - مذهب قالون: تسهيل الهمزة الثانية مع إدخال ألف بينهما في الأنواع الثلاثة.
٢ - مذهب ورش: تسهيل الثانية من غير إدخال في الأنواع الثلاثة، وله في المفتوحة وجه ثان وهو إبدالها ألفا مع المد المشبع حين يقع بعدها ساكن.
٣ - مذهب ابن كثير: تسهيل الثانية دون إدخال في الأنواع الثلاثة.
٤ - مذهب أبي عمرو: تسهيل الثانية مع الإدخال في المفتوحة والمكسورة، وتسهيل الثانية مع الإدخال وعدمه في المضمومة.
٥ - مذهب هشام: له في المفتوحة التحقيق والتسهيل مع الإدخال، وفي المكسورة التحقيق مع الإدخال وعدمه، إلا في المواضع السبعة، فله فيها التحقيق مع الإدخال إلا موضع فصلت فله فيه التحقيق والتسهيل مع الإدخال، وله في
стр. 89
المضمومة في قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بآل عمران، التحقيق مع الإدخال وعدمه وله في موضعي ص والْقَمَرُ التحقيق مع الإدخال وعدمه والتسهيل مع الإدخال.
٦ - مذهب ابن ذكوان والكوفيين: التحقيق بلا إدخال في الأنواع الثلاثة.
«تتمة»: لا يقال: إن المد حين إدخال ألف الفصل بين الهمزتين من قبيل المد المتصل، باعتبار تحقق حرف المد والهمز في كلمة واحدة؛ لأنا نقول: إن هذه الألف عارضة أتي بها في قراءة بعض القراء لمجرد الفصل بين الهمزتين وتركت في قراءة البعض الآخر فنظرا لعروضها في الكلمة في بعض قراءتها لا يكون المد فيها من قبيل المد المتصل. والله تعالى أعلم.
١٠ باب الهمزتين من كلمتين [٢٠٢ - ٢١٣]
٢٠٢ - وأسقط الأولى في اتّفاقهما معا ... إذا كانتا من كلمتين فتى العلا
٢٠٣ - كجا أمرنا من السّما إنّ أوليا ... أولئك أنواع اتّفاق تجمّلا
٢٠٤ - وقالون والبزّيّ في الفتح وافقا ... وفي غيره كاليا وكالواو سهّلا
٢٠٥ - وبالسّوء إلّا أبدلا ثمّ أدغما ... وفيه خلاف عنهما ليس مقفلا
عقد الناظم هذا الباب لبيان مذاهب القراء السبعة في الهمزتين من كلمتين والمراد بهما همزتا القطع المتلاصقتان وصلا الواقعتان في كلمتين، بأن تكون الأولى آخر كلمة والأخرى أول الكلمة التي تليها، فخرج بقيد القطع الهمزتان في نحو: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ*، الْماءَ اهْتَزَّتْ*، ما
شاءَ اللَّهُ*، فإن الهمزة الثانية في هذه الأمثلة همزة وصل، وخرج بقيد التلاصق: الهمزتان اللتان بينهما حاجز نحو: السُّواى أَنْ كَذَّبُوا، وخرج بقيد الوصل: ما إذا وقف على الهمزة الأولى وابتدئ بالثانية فلا يكون فيها ولا في الثانية إلا التحقيق باتفاق القراء، والهمزتان في هذا الباب قسمان: متفقتان في الحركة ومختلفتان فيها. والمتفقتان في الحركة ثلاثة أنواع: مفتوحتان، ومكسورتان، ومضمومتان، وبدأ الناظم بذكر مذاهب القراء السبعة في المتفقتين فأخبر أن: (فتى العلا)
стр. 90
وهو أبو عمرو البصري أسقط، أي: حذف في قراءته الهمزة الأولى من المتفقتين في الحركة، سواء كانتا مفتوحتين نحو: جاءَ أَمْرُنا*، السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، شاءَ أَنْشَرَهُ. أم مكسورتين نحو: مِنَ السَّماءِ إِنْ*، هؤُلاءِ إِنْ، وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ أم مضمومتين.
وقد جاءتا في قوله تعالى في سورة الأحقاف: وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وليس لهما نظير في القرآن الكريم، وما ذكره الناظم من أن المحذوفة هي الأولى هو قول جمهور أهل الأداء، وقال بعضهم: المحذوفة هي الثانية.
وثمرة هذا الخلاف تظهر في حكم المد، فعلى القول الأول يكون المد من قبيل المنفصل فيجوز فيه القصر والتوسط، وعلى القول الثاني يكون المد من قبيل المتصل فلا يجوز فيه إلا التوسط. وقوله: (أنواع اتفاق) أي: هذه الأمثلة فيها الأنواع الثلاثة للهمزتين المتفقتين من كلمتين. ثم ذكر الناظم: أن قالون والبزي وافقا أبا عمرو على إسقاط الهمزة الأولى أو الثانية على الخلاف السابق في المفتوحتين، وحينئذ يجوز لهما ما يجوز لأبي عمرو من القصر والتوسط في حرف المد الواقع قبل الهمزة، وفي كون المد من قبيل المنفصل أو من قبيل المتصل.
وأما غير المفتوحتين من المكسورتين والمضمومتين؛ فإنهما يسهلان الأولى من كل منهما بين بين فتسهل المكسورة بينها وبين الياء، وتسهل المضمومة بينها وبين الواو، ويجوز في حرف المد الواقع قبل الهمزة المسهلة التوسط والقصر سواء كانت مكسورة أم مضمومة، ثم أفاد أن قالون والبزي أبدلا الهمزة الأولى واوا ثم أدغما الواو الساكنة قبلها فيها، وذلك في بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي في يوسف، فيكون النطق بواو مشددة مكسورة وبعدها همزة محققة. ثم قال الناظم وفي هذا اللفظ بِالسُّوءِ إِلَّا أي في تخفيف همزة خلاف عنهما، فيكون لهما فيه وجهان: الوجه السابق: وهو الإبدال مع الإدغام. والوجه الثاني: هو تسهيل الأولى على أصل مذهبهما. وقوله: (ليس مقفلا) معناه: ليس الخلاف عن قالون والبزي في تخفيف هذا اللفظ مغلقا مسدودا بل هو ذائع مستفيض في كتب القراءات.
٢٠٦ - والاخرى كمدّ عند ورش وقنبل ... وقد قيل محض المدّ عنها تبدّلا
٢٠٧ - وفي هولا إن والبغا إن لورشهم ... بياء خفيف الكسر بعضهم تلا
стр. 91
المعنى: يعني: والهمزة الأخيرة أي الثانية من الهمزتين المتفقتين في الحركة بأنواعهما الثلاثة كائنة كالمد؛ أي تسهل بين بين، أي بينهما وبين الحرف المجانس لحركتها، فتسهل المفتوحة بينها وبين الألف فتكون مثل الألف، وتسهل المكسورة بينها وبين الياء فتكون مثل الياء الساكنة، وتسهل المضمومة بينها وبين الواو فتكون مثل الواو الساكنة، وهذا معنى قوله: (كمد) لأنها حال التسهيل تصير مثل حرف المد، وهذا الحكم- وهو تسهيل الهمزة الثانية- عن ورش وقنبل، وروي عنهما فيها إبدالها حرف مدّ مجانسا لحركة الهمزة الأولى فتبدل ألفا إن كانت الأولى مفتوحة، وياء إن كانت مكسورة، وواوا إن كانت مضمومة، وهذا معنى قوله: (وقد قيل محض المد عنها تبدلا) أي: تبدل المد المحض عن الهمزة أي جعل بدلا عنها، فيكون لورش وقنبل في الهمزة الثانية وجهان: التسهيل، والإبدال؛ فحينئذ لا يكون لهما في الأولى إلا التحقيق، وإذا أبدلت الثانية لورش وقنبل؛ فالحرف الذي بعدها إما أن يكون متحركا أو ساكنا، فإن كان متحركا نحو: جاءَ أَحَدٌ*، فِي السَّماءِ إِلهٌ، أَوْلِياءُ أُولئِكَ. فاقتصر على حرف المد ولا تزد عليه شيئا ولا تعتبره من باب البدل نظرا لعروض حرف المد بسبب إبداله من الهمزة، وإن كان الحرف الذي بعدها ساكنا نحو وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ، فمدّ حرف المد مدا مشبعا لأجل الساكنين. فإن تحرك هذا الحرف الساكن لعارض؛ فلك في حرف المد وجهان: المد الطويل نظرا للأصل، والقصر؛ نظرا للحركة العارضة، وقد وقع ذلك في ثلاثة مواضع: عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ في النور لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ كلاهما في الأحزاب؛ فالنون في هذه المواضع كانت ساكنة ثم تحركت بسبب نقل حركة الهمزة إليها في الْبِغاءِ إِنْ لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ وهذا بالنسبة لورش خاصة، وللتخلص من التقاء الساكنين في مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ وهذا لورش وقنبل، فيكون لورش في الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ ولِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ ثلاثة أوجه: التسهيل بين بين، والبدال مع المد والقصر، وسيجيء له في الْبِغاءِ إِنْ وجه رابع، ويكون لقنبل فيهما وجهان: التسهيل، والإبدال مع المد المشبع، ويكون لهما في مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ثلاثة أوجه: التسهيل، والإبدال مع المد، والقصر، فلا فرق بين ورش وقنبل في هذه الكلمة، وليس في القرآن همزتان متفقتان في
стр. 92
الحركة واقعتان في كلمتين وبعد الثانية ساكن تحرك للتخلص من التقاء الساكنين إلا في هذه الكلمة
وإذا وقع بعد الهمزة الثانية ألف وذلك في فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ بالحجر وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ بالقمر؛ فعلى وجه إبدالها يوجد ألفان، الألف المبدلة منها، والألف التي بعدها وهما ساكنان، فحينئذ يجوز لنا وجهان: الأول: حذف إحدى الألفين تخلصا من اجتماع الساكنين، الثاني: إثبات الألفين مع زيادة ألف ثالثة للفصل بين الساكنين. فعلى الوجه الأول:
وهو حذف إحدى الألفين يتعين القصر. وعلى الوجه الثاني: يتعين الإشباع فيكون لورش في جاءَ آلَ* في الموضعين خمسة أوجه: تسهيل الهمزة الثانية مع القصر، والتوسط، والمد في الألف التي بعدها؛ لأنها من باب مد البدل المغير بالتسهيل، ثم إبدال الهمزة الثانية ألفا مع القصر والإشباع. وأما قنبل فله فيهما ثلاثة أوجه: التسهيل، ثم الإبدال مع القصر والإشباع. وفي قوله:
(وفي هؤلا إن والبغا إن، إلخ) بيان لوجه ثالث عن ورش خاصة في هذين الموضعين وهما هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في البقرة: عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ في النور وهو أن بعض أهل الأداء عن ورش قرأ في هذين الموضعين بياء مكسورة. فيكون لورش في هؤُلاءِ إِنْ ثلاثة أوجه:
تسهيل الهمزة الثانية بين بين، ثم إبدالها حرف مد مشبعا، ثم إبدالها ياء مكسورة. ويكون له في الْبِغاءِ إِنْ أربعة أوجه: تسهيل الثانية بين بين، ثم إبدالها حرف مد مع القصر والإشباع. ثم إبدالها ياء مكسورة، ولقنبل في كل منهما وجهان: التسهيل، ثم الإبدال مع الإشباع.
ويجب أن يعلم أن من مذهبه التغيير في الهمزة الأولى؛ فإنه يحقق في الثانية، وأن من مذهبه التغيير في الثانية؛ فإنه يحقق الأولى فليس هناك من يغير في الهمزتين معا، وباقي القراء يحققون في الهمزتين معا.
٢٠٨ - وإن حرف مدّ قبل همز مغيّر ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا
المعنى: اشتمل هذا البيت على قاعدة مهمة، وهي أنه إذا وقع حرف المد قبل همز مغير؛ فإنه يجوز في حرف المد وجهان على الأصل، والقصر لتغير سبب المد وهو الهمز وتغير الهمز قد يكون بتسهيله بين بين كقراءة قالون والبزي في هؤُلاءِ إِنْ ونحوه، وقد يكون بحذفه كقراءة قالون والبزي في شاءَ أَنْشَرَهُ ونحوه، وقراءة أبي عمرو في الأنواع
стр. 93
الثلاثة في المتفقتين.
فإذا كان تغير الهمز بالتسهيل جاز في حرف المد الواقع قبله وجهان: المد، والقصر ولكن المد أولى وأرجح نظرا لبقاء أثر الهمز، وإذا كان تغير الهمز بإسقاطه جاز في حرف المد قبله الوجهان المذكوران ولكن القصر أرجح من المد نظرا لذهاب أثر الهمز، فقول الناظم: (والمد ما زال أعدلا) مقيد بما إذا كان أثر الهمز باقيا، أما إذا ذهب أثر الهمز؛ فإن القصر يكون أعدل كما سبق. وتطبيقا لهذه القاعدة: إذا اجتمع مد منفصل مع مد متصل مسهل الهمز كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا فإذا قرأت لقالون أو للدوري عن أبي عمرو بقصر المنفصل في حَتَّى إِذا* جاز لك في جاءَ أَمْرُنا* وجهان: القصر وهو أرجح، والتوسط.
وإذا قرأت لهما بتوسط المنفصل: لم يجز لك في المتصل إلا التوسط؛ لأننا إذا قدرنا الهمزة الأولى هي المحذوفة كان المد من قبيل المنفصل فيجب فيه التوسط ليتساوى
مع المنفصل الذي قبله في مقدار المد، وإذا قدرنا أن المحذوفة هي الثانية كان المد من قبيل
المتصل وهو لا يجوز قصره في مذهب ما.
أما إذا قرأت للبزي أو السوسي: فليس لك إلا قصر المنفصل مع وجهي المتصل، وإذا قرأت لقالون هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، بقصر المنفصل؛ جاز لك في المتصل القصر والتوسط، وإذا قرأت بتوسط المنفصل؛ لم يجز لك في المتصل إلا التوسط.
ولا يجوز القصر؛ لأنه يمتنع قصر الأقوى مع توسط الأضعف. ولما فرغ من بيان مذاهب القراء في الهمزتين المتفقتين في الحركة شرع في بيان مذاهبهم في الهمزتين المختلفتين فيها فقال:
٢٠٩ - وتسهيل الاخرى في اختلافهما سما ... تفيء إلى مع جاء أمّة انزلا
٢١٠ - نشاء أصبنا والسّماء أو ائتنا ... فنوعان قل كاليا وكالواو سهّلا
٢١١ - ونوعان منها أبدلا منهما وقل ... يشاء إلى كاليا أقيس معدلا
٢١٢ - وعن أكثر القرّاء تبدل واوها ... وكلّ بهمز الكلّ يبدا مفصّلا
المعنى: يعني: أن المشار إليهم بكلمة (سما) وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو يسهلون الهمزة الأخرى من الهمزتين المختلفتين في الحركة والمراد من التسهيل هنا مطلق التغيير الشامل
стр. 94
لبين بين، والإبدال ياء أو واوا، والهمزتان المختلفتان في الحركة خمسة أنواع:
الأول: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة نحو: تَفِيءَ إِلى، وَجاءَ إِخْوَةُ، شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ، وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ*.
الثاني: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، ولم يقع من هذا النوع في القرآن إلا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها بالمؤمنين.
الثالث: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مفتوحة نحو: لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ، الْمَلَأُ أَفْتُونِي*، سُوءُ أَعْمالِهِمْ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي.
الرابع: أن تكون الأولى مكسورة والثانية مفتوحة نحو: مِنَ السَّماءِ آيَةً، مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ، هؤُلاءِ أَهْدى، لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً.
الخامس: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مكسورة، نحو: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنَّ*، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى *، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ.
فقول الناظم: (تفيء إلى) مثال للنوع الأول. وقوله: (مع جاء أمة) مثال للثاني، وليس في القرآن غيره كما سبق. وقوله: (نشاء أصبنا) مثال للثالث. وقوله: (والسماء أو ائتنا) مثال للرابع، وقوله: (يشاء إلى) مثال للخامس، ثم ذكر نوع التسهيل في النوعين الأولين فقال: (فنوعان قل كاليا وكالواو سهلا) يعني: أن الهمزة الثانية المكسورة في النوع الأول
تسهل كالياء، أي تكون بين الهمزة والياء، وإن الهمزة الثانية المضمومة في النوع الثاني تسهل كالواو أي تكون بين الهمزة والواو. ثم بين نوع التسهيل في النوعين الثالث، والرابع فقال:
(ونوعان منها أبدلا) أي الواو والياء أي من همزتيهما؛ أي جعلتا بدلا من همزتيهما، فالهمزة الثانية المفتوحة في نحو: نَشاءُ أَصَبْناهُمْ أبدلت واوا، والهمزة الثانية المفتوحة في نحو:
مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا أبدلت ياء، فالضمير في (أبدل) وهو ألف التثنية يعود على الواو، والياء المذكورين في قوله: (كالياء والواو)، والضمير في (منها) يعود على الأنواع. ثم بين كيفية تغيير النوع الخامس فذكر فيه وجهين: الأول: أن تسهل همزته بينها وبين الياء، وهذا معنى قوله: (كالياء)، ونبه بقوله: (أقيس معدلا) على أن هذا الوجه أكثر ملاءمة للقياس من الوجه الآخر، والوجه الثاني: أن تبدل الهمزة الثانية المكسورة واوا محضة،
стр. 95
وهذا الوجه هو الذي قال فيه الناظم: (وعن أكثر القراء تبدل واوها) وقوله: (واوها) مفعول ثان لتبدل والضمير في (واوها) يعود على الهمزة أو على الحروف. ومعنى قوله: (وكل بهمز الكل يبد مفصلا) أن كل من سهل الهمزة الثانية من المتفقين أو المختلفين فإنما يسهلها في حال وصلها بالكلمة قبلها التي فيها الهمزة الأولى؛ لأن الهمزتين حينئذ متصلتان. فأما إذا وقف على الكلمة الأولى التي في آخرها الهمزة الأولى وابتدأ بالكلمة الثانية التي في أولها الهمزة الثانية، فلا مناص من تحقيق الهمزة الثانية؛ لانفصال الهمزتين في هذه الحال، حتى لو أراد القارئ تسهيل الثانية المبتدأ بها لما أمكنه ذلك؛ لأن الهمزة المسهلة قريبة من الساكنة.
والساكن لا يمكن الابتداء به. وقوله: (مفصلا) أي: مبينا الهمزة محققا لها.
والخلاصة: أن تسهيل الهمزة الثانية أو إبدالها من الهمزتين المتفقتين أو المختلفتين لا يكون إلا في حال وصلها بالأولى، فإذا وقف على الأولى وابتدئ بالثانية فلا بد من تحقيقها؛ لأن التسهيل أو الإبدال إنّما حصل لثقل اجتماع الهمزتين، وقد زال بانفصال كل واحدة عن الأخرى حين الوقف على الأولى والبدء بالثانية، ومما ينبغي التنبه له أمران:
الأول: أن كل من يغير في الهمزة الأولى من المتفقتين سواء كان التغيير بالتسهيل أم بالحذف ليس له في الثانية إلا التحقيق، وكل من يغير في الثانية من المتفقتين سواء كان التغيير بالتسهيل أم بالإبدال ليس له في الأولى إلا التحقيق، فليس من القراء من يغير الهمزتين معا.
الثاني: اتفق القراء السبعة على تحقيق الهمزة الأولى من المختلفتين واختلافهم إنما هو في الثانية على الوجه الذي علمته.
٢١٣ - والابدال محض والمسهّل بين ما ... هو الهمز والحرف الّذي منه اشكلا
اللغة والمعنى: يقال: شكلت الكتاب أي: قيدته بالإعراب، وقوله: (والمسهل) مبتدأ،
و (بين) ظرف وقع خبرا له، وما بمعنى الذي أضيف إليه بين، وقوله: (هو الهمز) جملة وقعت صلة الموصول، وقوله: (والحرف بالجر) عطف على ما، وضمير (منه) للحرف، وضمير (أشكلا) للهمز. وتقدير البيت: والهمز المسهل يكون بين الذي هو الهمز؛ أي: يكون بين الهمز وبين الحرف
стр. 96
الذي منه شكل الهمز، أي: الذي منه حركته، فإذا كانت حركة الهمز فتحة؛ فهي مأخوذة من الألف، وإذا كانت كسرة، فهي مأخوذة من الياء، وإذا كانت ضمة فهي مأخوذة ومتولدة من الواو: لما كان الناظم كثيرا ما يستعمل لفظي الإبدال والتسهيل بين حقيقتها ليعلم الفرق بينهما في هذا البيت فقال: (والابدال محض) يعني أن إبدال الهمزة جعلها حرف مد خالصا لا تبقى معه شائبة من لفظ الهمزة فتصير الهمزة ألفا أو ياء أو واوا ساكنتين أو متحركتين. وأما التسهيل: فهو عبارة عن جعل الهمزة المحققة بينها وبين الحرف الذي تولدت منه حركتها، فتسهل الهمزة المفتوحة بينها وبين الألف، والمضمومة بينها وبين الواو، والمكسورة بينها وبين الياء. والتسهيل لا يحكم النطق به إلا المشافهة والتلقي من أفواه الشيوخ المتقنين.
١١ باب الهمز المفرد [٢١٤ - ٢٢٥]
الهمز المفرد هو: الهمز الذي لم يقترن بهمز مثله، ولما ذكر في البابين السابقين حكم الهمز المقترن بمثله في كلمة وفي كلمتين، ذكر هنا حكم الهمز لم يجتمع مع همز آخر فقال:
٢١٤ - إذا سكنت فاء من الفعل همزة ... فورش يريها حرف مدّ مبدّلا
٢١٥ - سوى جملة الإيواء والواو عنه إن ... تفتّح إثر الضّمّ نحو مؤجّلا
المعنى: يقول: إذا سكنت همزة حال كونها فاء من الفعل فورش يعلم الطالب لمعرفة قراءته هذه الهمزة حرف مد حال كونه مبدلا هذه الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها، ومعنى كون الهمزة فاء للفعل: أن الكلمة التي تكون فيها الهمزة لو جعلت فعلا لوقعت الهمزة في موضع فائه أي أول حروفه الأصول مثال ذلك: كلمة الْمُؤْمِنُ، فلو جعلت هذه الكلمة فعلا لقلت: آمن على وزن أفعل، أو يؤمن على وزن يفعل. فتقع الهمزة حينئذ في مكان الفاء من الكلمة. وقد وضع العلماء ضابطا موجزا تعرف به الهمزة الساكنة التي تكون فاء للكلمة وهو كل همزة ساكنة وقعت بعد همزة الوصل، نحو:
стр. 97
لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أو بعد الميم نحو الْمُؤْمِنُونَ* وَالْمُؤْتَفِكَةَ أو بعد الفاء نحو فَأْتُوا* فَأْذَنُوا أو بعد الواو نحو وَأَمَرُّ وَأْتُوا أو بعد ياء المضارعة نحو يَأْكُلُ يَأْلَمُونَ أو نونها نحو نَأْكُلَ نُؤْثِرَكَ أو تائها نحو تَأْلَمُونَ* تَأْكُلُونَ*.
فورش يبدل الهمزة الساكنة في هذا وأمثاله حرف مد مجانسا لحركة ما قبل الهمزة وصلا
ووقفا، فيبدلها ألفا بعد الفتح وواوا ساكنة بعد الضم، وياء ساكنة بعد الكسر. ثم ذكر الناظم ما استثنى لورش من فاء الفعل فلم يبدله فقال: سوى جملة الإيواء. يعني سوى كل كلمة مشتقة من لفظ الإيواء؛ لأن لفظ الإيواء لم يقع في القرآن الكريم وإنما وقع فيه ما تصرف منه وهو سبعة ألفاظ: الْمَأْوى *، وَمَأْواهُ*، وَمَأْواهُمُ*، وَمَأْواكُمُ* فاؤُ، وَتُؤْوِي، تُؤْوِيهِ. ثم ذكر أن الواو تبدل عن الهمز الواقع فاء للكلمة أي تكون نائبة عن الهمز الواقع فاء للكلمة إن انفتح هذا الهمز بعد حرف مضموم سواء وقع الهمز في اسم نحو مُؤَجَّلًا، وَالْمُؤَلَّفَةِ، مُؤَذِّنٌ* أم في فعل نحو لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ*، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ، لا يُؤَخَّرُ، لا تُؤاخِذْنا.
فلا يبدل الهمز واوا لورش إلا بشروط ثلاثة: أن يكون مفتوحا، وأن يكون بعد ضم، وأن يكون فاء للكلمة كما تقدم في الأمثلة المذكورة، فإن كان الهمز مضموما: فلا يبدله واوا نحو وَلا يَؤُدُهُ، تَؤُزُّهُمْ وإن كان مفتوحا بعد فتح: فلا يبدله نحو تَأَخَّرَ*، تَأَذَّنَ*. وإن كان مفتوحا بعد ضم وليس فاء للكلمة: فلا يبدله أيضا وهو في كلمتين، فُؤادُ نحو، وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ و (سؤال) نحو لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ.
٢١٦ - ويبدل للسّوسيّ كلّ مسكّن ... من الهمز مدّا غير مجزوم اهملا
٢١٧ - تسوء ونشأ ستّ وعشر يشأ ومع ... يهيّئ وننسأها ينبّأ تكمّلا
المعنى: أبدل الرواة عن السوسي كل همز مسكن سواء كان فاء للكلمة وهو الذي يبدله ورش وتقدمت أمثلته، أم كان عينا للكلمة نحو الْبَأْسِ*، الرَّأْسُ، وَبِئْرٍ، وَبِئْسَ*. وما تصرف من ذلك كله، أم كان لاما للكلمة نحو: فَادَّارَأْتُمْ، جِئْتَ*، شِئْتَ*. وما تصرف من ذلك. واستثنى للسوسي من الهمز الساكن خمسة أنواع:
الأول- ما كان سكونه
стр. 98
علامة للجزم.
الثاني- ما كان سكونه علامة للبناء.
الثالث- ما يكون همزه أخف من إبداله.
الرابع- ما إبداله يلبسه بغيره.
الخامس- ما يخرجه الإبدال من لغة إلى أخرى. وقد بين الناظم ذلك كله على هذا الترتيب.
فأما النوع الأول: وهو ما كان سكونه علامة للجزم فوقع في الفعل المضارع الذي يكون آخره همزة ساكنة في ستة ألفاظ، وقد ذكرها الناظم في البيت الثاني.
أولها: تسؤ في ثلاثة مواضع تَسُؤْهُمْ* في آل عمران والتوبة، تَسُؤْكُمْ بالمائدة.
ثانيها: نَشَأْ* في ثلاثة مواضع إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ بالشعراء إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ في سبأ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، في يس، فقوله: (تسؤ) ونَشَأْ* ست: يعني أن تسؤ في ثلاثة مواضع، ونشأ في مثلها، فاللفظان في ست كلمات.
ثالثها: يشأ بالياء في عشرة مواضع: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ* بالنساء، والأنعام، وإبراهيم، وفاطر إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ بالشورى إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أو إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ كلاهما في الإسراء مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ووَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ كلاهما بالأنعام فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ بالشورى. ولا يخفى أن مَنْ يَشَأِ اللَّهُ، فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ لا يظهر السكون فيهما إلا عند الوقف.
رابعها: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ بالكهف.
خامسها: أَوْ نُنْسِها في البقرة.
سادسها: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ في النجم. ولم يستثن الناظم وَإِنْ أَسَأْتُمْ في الإسراء؛ لأن سكون الهمز ليس للجزم؛ لأنه فعل ماض، بل السكون لاتصال الفعل بضمير الفاعل، فيبدل للسوسي وكذلك يبدل إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ بيوسف.
٢١٨ - وهيّئ وأنبئهم ونبّئ بأربع ... وأرجئ معا واقرأ ثلاثا فحصّلا
المعنى: هذا هو النوع الثاني وهو ما كان سكونه للبناء، وقد وقع ذلك في فعل الأمر في إحدى عشرة كلمة: وَهَيِّئْ لَنا بالكهف، أَنْبِئْهُمْ في البقرة، نَبِّئْنا بيوسف، نَبِّئْ عِبادِي بالحجر، وَنَبِّئْهُمْ* بالحجر والقمر، أَرْجِهْ* بالأعراف والشعراء، اقْرَأْ* بالإسراء، وموضعين بالعلق. فجميع ما كان سكونه للجزم أو للبناء مستثنى من الإبدال للسوسي فيقرؤه بتحقيق الهمز كغيره من القراء.
٢١٩ - وتؤوى وتؤويه أخفّ بهمزة ... ورئيا بترك الهمز يشبه الامتلا
стр. 99
المعنى: اشتمل هذا البيت على النوعين الثالث والرابع اللذين استثنيا من الإبدال، فالنوع الثالث: في كلمة وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ بالأحزاب وكلمة وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ بالمعارج، وبين الناظم علة استثناء هاتين الكلمتين بأن النطق بهما مهموزتين أخف من النطق بهما مبدلة همزتهما؛ لأنه في حال الإبدال تجتمع واوان: الأولى ساكنة والثانية متحركة مع الإظهار، والقاعدة إدغام الأولى في الثانية.
النوع الرابع: في كلمة أَثاثاً وَرِءْياً بمريم، وذكر الناظم علة استثنائها من الإبدال بأن إبدالها يؤدي إلى التباس المعنى واشتباهه؛ لأنه لو أبدلت الهمزة ياء لوجب إدغامها في الياء التي بعدها وحينئذ يشتبه بلفظ الري الذي يدل على الامتلاء بالماء؛ لأنه يقال: روي
بالماء ريّا إذا امتلأ منه وليس ذلك مرادا هنا بل المراد أنه من الرواء المأخوذ من الرؤية وهو ما رأته العين من حالة حسنة ومنظر بهيج، فقراءة هذا اللفظ بالهمز تدل على معناه نصّا، وقراءته بالإبدال تدل عليه احتمالا فقرئ بالهمز؛ ليكون نصّا في الدلالة على المراد منه.
٢٢٠ - ومؤصدة أوصدت يشبه كلّه ... تخيّره أهل الأداء معلّلا
المعنى: تضمن هذا البيت النوع الخامس المستثنى من الإبدال وهو كلمة مُؤْصَدَةٌ* في سورتي البلد والهمزة. وقد اختلف علماء العربية في اشتقاق هذه الكلمة فذهبت طائفة ومنهم أبو عمرو البصري إلى أن هذه الكلمة مشتقة من آصدت. والأصل أأصدت مهموز الفاء فأبدلت الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فأصل فاء الكلمة همزة ومعناها أطبقت. وذهب آخرون إلى أنها من أوصدت وليس لها أصل في الهمز فاختار السوسي همز كلمة مُؤْصَدَةٌ* لأنها عند شيخه أبي عمرو من آصدت مهموز الفاء، فلو أبدلت همزتها لظن أنها من لغة أوصدت معتل اللام كما يقرأ غيره وليست هذه لغة شيخه فالمقصود من همز هذه الكلمة النص على أن السوسي يقرأ بلغة شيخه البصري لا باللغة الأخرى، ولهذا قال الناظم (أوصدت يشبه) يعني أن مُؤْصَدَةٌ* بالإبدال يشبه لغة أوصدت. فالقراءة بالإبدال تؤدي إلى الخروج من لغة إلى لغة أخرى، فاختير الهمز؛ ليكون نصّا في الدلالة على لغة آصدت التي هي لغة أبي عمرو البصري. ثم قال الناظم: (كله تخيره أهل الأداء معللا) يعني: كل ما ذكر من المستثنى تخير استثناءه
стр. 100
علماء القراءة والإقراء كابن مجاهد وغيره، اختاروا تحقيق الهمز في ذلك كله معللين بالعلل المذكورة، أو (معللا) المستثنى بالعلل المذكورة.
٢٢١ - وبارئكم بالهمز حال سكونه ... وقال ابن غلبون بياء تبدّلا
المعنى: يقرأ السوسي، بارِئِكُمْ* في الموضعين بسورة البقرة بسكون الهمز ولكنه لم يبدله، فهو من جملة المستثنى من إبدال الهمز. وقول الناظم (حال سكونه) تنبيه على أن السوسي يقرؤه بالسكون فكأنه قال: واستثنى له بارِئِكُمْ* حال كونه ساكنا في قراءته. ثم أخبر أن أبا الحسن طاهرا ابن غلبون روى الإبدال عن السوسي ياء في هذه الكلمة ولكن المحققين من علماء القراءات لم يعولوا على هذه الرواية، ولم يلتفتوا إليها فحققوا الهمز للسوسي في هذه الكلمة.
٢٢٢ - ووالاه في بئر وفي بئس ورشهم ... وفي الذّئب ورش والكسائي فأبدلا
٢٢٣ - في لؤلؤ في العرف والنّكر شعبة ... ويالتكم الدّوري والابدال يجتلا
المعنى: تابع ورش السوسي في إبدال الهمزة التي هي عين الكلمة في هذه الألفاظ (بئر) وهو في سورة الحج وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ (بئس)، حيث جاء. وكيف أتى سواء اقترن بالواو نحو وَبِئْسَ الْقَرارُ أو الفاء نحو فَبِئْسَ الْمَصِيرُ أو اللام نحو لَبِئْسَ ما كانُوا
يَصْنَعُونَ أو الفاء واللام نحو فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أو تجرد من الواو والفاء واللام نحو بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (الذئب) وهو في ثلاثة مواضع في سورة يوسف: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وتابع الكسائي السوسي في إبدال همز الذئب في مواضعه الثلاثة، وتابع شعبة الراوي عن عاصم- تابع السوسي في إبدال الهمزة في لفظ لُؤْلُؤٌ- والمراد الهمزة الأولى سواء كان هذا اللفظ نكرة نحو كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ، حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أم كان معرفة نحو يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ. ثم ذكر أن أبا عمرو يقرأ بزيادة همزة ساكنة بعد الياء في كلمة يَلِتْكُمْ في قوله تعالى في سورة الحجرات وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً واختلف راوياه في هذه الهمزة الزائدة؛ فحققها الدوري، وأبدلها الدسوسي
стр. 101
ألفا، فتكون قراءة الباقين بحذف هذه الهمزة.
٢٢٤ - وورش لئلّا والنّسيء بيائه ... وأدغم في ياء النّسيّ فثقّلا
المعنى: أبدل ورش همز لِئَلَّا* ياء مفتوحة حيث وقعت هذه الكلمة وهي في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم في البقرة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ وفي النساء لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وفي الحديد لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ وأبدل ورش أيضا الهمزة ياء في إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ في سورة التوبة. ثم أدغم الياء الأولى في الثانية فيصير النطق بياء مشددة مرفوعة، والذي دلنا على أن ورشا يقرأ بإبدال الهمز في هاتين الكلمتين أن قوله: (وورش لئلا) معطوف على (والابدال يجتلي)، فكأنه قال: أبدل السوسي همز يألتكم وأبدل ورش همز لِئَلَّا* وهمز النَّسِيءُ.
٢٢٥ - وإبدال أخرى الهمزتين لكلّهم ... إذا سكنت عزم كآدم أوهلا
المعنى: تضمن البيت قاعدة كلية لجميع القراء، وكان الأنسب ذكرها في باب الهمزتين من كلمة كصنيع ابن الجزري في الطيبة، ومعنى هذه القاعدة: إذا التقت همزتان في كلمة وكانت أخرى الهمزتين، أي: الثانية منهما ساكنة، فإبدالها واجب لجميع القراء فتبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فإن كان ما قبلها مفتوحا أبدلت ألفا نحو آدَمَ*، وَآتَى* آمَنَ* وَآخَرَ* وإن كان ما قبلها مضموما أبدلت واوا نحو أُوتِيَ*، أُوذِيَ.
وإن كان ما قبلها مكسورا أبدلت ياء نحو إِيماناً*، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ائْتِ بِقُرْآنٍ عند الابتداء بكلمة ايت. وقد أتى الناظم بمثالين: الأول: لما قبلها مفتوح وهو آدَمَ* وأصله أأدم على زنة أفعل. والثاني: لما قبلها مضموم وهو (أوهلا)، وهذا اللفظ ليس من القرآن، ولعل قريحة الناظم لم تؤاته بمثال من القرآن الكريم فأتى بمثال من كلام العرب وهو أوهلا،
يقال: أوهل فلان لهذا المنصب إذا جعل أهلا له ومثاله من القرآن أُوذِينا وَأُوتِينا*، اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ عند الابتداء بكلمة اؤتمن.
١٢ باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها [٢٢٦ - ٢٣٤]
٢٢٦ - وحرّك لورش كلّ ساكن آخر ... صحيح بشكل الهمز واحذفه مسهلا
стр. 102
المعنى: أمر الناظم بتحريك كل حرف ساكن وقع آخر الكلمة التي هو فيها وكان صحيحا، بتحريك هذا الحرف بشكل الهمز الذي بعده أي بحركته، سواء كانت تلك الحركة فتحة أو ضمة أو كسرة، مع حذف الهمز بعد نقل حركته إلى الساكن قبله وذلك لورش، ويؤخذ من النظم: أن ورشا لا ينقل حركة الهمز إلى ما قبله إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الحرف المنقول إليه حركة الهمز ساكنا.
الثاني: أن يكون الساكن آخر الكلمة، والهمز أول الكلمة التي تليها.
الثالث: أن يكون هذا الحرف الساكن صحيحا بأن يكون حرف مد. فإذا تحققت الشروط الثلاثة؛ فإن ورشا ينقل حركة الهمز إلى الساكن قبله ويحذف الهمز فيصير الحرف الساكن مضموما إن كانت حركة الهمز ضمة، ويصير مفتوحا إن كانت حركة الهمز فتحة، ويصير مكسورا إن كانت حركة الهمزة كسرة سواء كان هذا الساكن تنوينا نحو: كُفُواً أَحَدٌ، وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ*، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، نارٌ حامِيَةٌ، أَلْهاكُمُ. أم كان نونا نحو مَنْ آمَنَ*، وَمِنْ آبائِهِمْ، مَنْ أُوتِيَ*، مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، أم تاء تأنيث نحو وَقالَتْ أُولاهُمْ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أم حرف لين نحو نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ، تَعالَوْا أَتْلُ ذَواتَيْ أُكُلٍ. أم لام تعريف (١) نحو الْأُولى وَالْآخِرَةِ الْأَيْمانَ* أم حرفا آخر غير ذلك نحو قَدْ أَفْلَحَ*. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ. وإذا نقل حركة همزة أَحَسِبَ إلى الميم جاز له مد الميم مدّا طويلا نظرا للأصل، وجاز له القصر اعتدادا بعارض النقل فإذا كان الحرف الأول متحركا فلا ينقل ورش حركة الهمز إليه نحو فَنَتَّبِعَ آياتِكَ*، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ. وإذا كان هذا الحرف ساكنا ولكن في وسط الكلمة بأن اجتمع مع الهمز في كلمة واحدة فلا تنقل إليه حركة الهمز نحو الْقُرْآنِ*، الظَّمْآنُ، مَذْؤُماً، مَسْؤُلًا*، وإذا كان هذا الحرف ساكنا ووقع آخر الكلمة ولكن لم يكن صحيحا ولا حرف لين بل كان حرف مد فلا تنقل إليه حركة الهمز نحو بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ*،
قُولُوا آمَنَّا*، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، بِهِ أَنْ يُوصَلَ* (٢) فيكون قوله (صحيحا) احترازا عن حرف المد فقط، فيكون
стр. 103
حرف اللين داخلا وقول الناظم (مسهلا) منصوب على الحال من فاعل (واحذفه) أي احذف الهمز حال كونك سالكا الطريق المعبد طالبا للتخفيف في القراءة.
٢٢٧ - وعن حمزة في الوقف خلف وعنده ... روى خلف في الوصل سكتا مقلّلا
٢٢٨ - ويسكت في شيء وشيئا وبعضهم ... لدى اللّام للتّعريف عن حمزة تلا
٢٢٩ - وشىء وشيئا لم يزد ... ....
اختلف الرواة عن حمزة في الوقف على الكلمة التي ينقل ورش حركة همزتها إلى الساكن قبلها، فروى عنه بعض الرواة فيها النقل كقراءة ورش (١) وروى عنه البعض الآخر ترك النقل وتحقيق الهمز، والضمير في (وعنده) يعود على الساكن الصحيح الذي ينقل ورش حركة الهمزة إليه.
المعنى: روى خلف عن حمزة عند هذا الساكن في حال وصل الكلمة التي آخرها ذلك الساكن بالكلمة التي أولها الهمز سكتا قليلا على هذا الساكن، بأن يسكت عليه قبل النطق بالهمزة سكتة قصيرة بدون تنفس، سواء وقف على الكلمة التي أولها الهمز، أو وصلها بما بعدها، فليس المراد بالوصل وصل الكلمة التي أولها الهمز بما بعدها بل المراد وصل الكلمة التي آخرها الساكن بالكلمة التي أولها الهمز كما تقدم سواء كان هذا الساكن منفصلا عن الكلمة التي فيها الهمز رسما نحو مَنْ آمَنَ*، عَذابٌ أَلِيمٌ*. أم متصلا بها رسما مثل الْأُولى *، الْآخِرَةُ*، الْإِنْسانُ*، وكذلك روى خلف عن حمزة السكت على ما لم ينقل فيه ورش وهو لفظ (شيء) سواء كان مرفوعا أم مجرورا ولفظ (شيئا) المنصوب (٢) في حال وصل هذين اللفظين بما بعدهما (٣) وهذا مذهب أبي الفتح فارس عن خلف، وعلى هذا المذهب لا سكت لخلاد في موضع مما ذكر، وقوله (وبعضهم إلخ)
стр. 104
معناه: أن بعض أهل الأداء وهو طاهر بن غلبون قرأ عن حمزة من روايتي خلف وخلاد عنه بالسكت على لام التعريف، وعلى (شيء) المرفوع والمجرور، و (شيئا) المنصوب عند وصل (شيء) و (شيئا) بما بعدهما لم يزد على ذلك، فلا يسكت على الساكن المفصول نحو مَنْ آمَنَ*، عَذابٌ أَلِيمٌ* لخلف ولا لخلاد، ويؤخذ من هذا: أن خلفا يسكت على (أل) و (شيء) و (شيئا) على المذهبين ويسكت على المفصول على المذهب الأول فقط ولا
سكت له فيه على المذهب الثاني، فحينئذ يكون له في الساكن المفصول وجهان السكت على المذهب الأول وتركه على المذهب الثاني، ويكون له في (أل) و (شيء) و (شيئا) السكت على المذهبين. وأما خلاد: فلا سكت له مطلقا على المذهب الأول، وله السكت على (أل) و (شيء) وشيئا فقط على المذهب الثاني، وحينئذ ليس له سكت في الساكن المفصول على المذهبين، وقد وضح بعضهم كلام الشاطبي على النحو السالف الذكر فقال:
وشيء وأل بالسكت عن خلف بلا ... خلاف وفي المفصول خلف تقبلا
وخلادهم بالخلف في أل وشيئه ... ولا شيء في المفصول عنه فحصلا
ويستفاد من جميع ما ذكر: أن خلفا إذا وقف على نحو مَنْ آمَنَ*، عَذابٌ أَلِيمٌ* ونحوهما كان له ثلاثة أوجه: النقل من قوله وعن حمزة في الوقف خلف، والسكت على مذهب أبي الفتح، وتركه على مذهب ابن غلبون، فالخلاف الذي ذكره الناظم بقوله: (وعن حمزة في الوقف خلف) دائر بين النقل وتركه، وتركه صادق بالسكت وعدمه. وإذا وقف على الْأُولى *، الْآخِرَةُ*، الْأَرْضِ*، الْإِنْسانُ*، ونحو هذا؛ كان له وجهان فقط: النقل، والسكت، فالنقل من قوله (وعن حمزة في الوقف خلف)، والسكت مما علم له من المذهبين.
وأما خلاد فله عند الوقف على نحو مَنْ آمَنَ* وجهان فقط: النقل، وتركه من غير سكت؛ إذ لا سكت له في المفصول على المذهبين. وإذا وقف على الْإِنْسانُ* ونحوه: كان بحسب ما تقدم ثلاثة أوجه: النقل، والسكت، وتركه، ولكن المحققين على منع الوجه الثالث والاقتصار على النقل والسكت فيكون كخلف في الوقف على مثل هذا وإذا كنت تقرأ لخلف أو لخلاد بالسكت على أل وشَيْءٍ* ووقفت على نحو الْأَرْضِ*: فلك وجهان لكل من خلف وخلاد وهما: النقل والسكت، وأما إذا كنت تقرأ لخلاد بترك السكت على أل وشَيْءٍ* ووقفت على نحو الْأَرْضِ*: فليس له عند الوقف إلا النقل،
стр. 105
وإذا كنت تقرأ لخلف بالسكت على المفصول ووقفت على نحو عَذابٌ أَلِيمٌ* فلك فيه وجهان: السكت والنقل، وإذا كنت تقرأ له بترك السكت على المفصول ووقفت على نحو عَذابٌ أَلِيمٌ* فلك فيه وجهان: النقل، والتحقيق من غير سكت. وإذا كنت تقرأ لخلاد بترك السكت على المفصول وليس له غيره ووقفت على نحو عَذابٌ أَلِيمٌ* فلك فيه وجهان: النقل، والتحقيق من غير سكت. قال الناظم:
٢٢٩ - .......... ولنافع ... لدى يونس آلآن بالنّقل نقّلا
المعنى: أن كلمة آلْآنَ*، في الموضعين من سورة يونس نقل عن نافع من روايتي قالون وورش عنه قراءتها بنقل حركة الهمزة الثانية إلى اللام مع حذف الهمزة فورش على أصله في النقل. أما قالون: فهو الذي خالف أصله في النقل في هذه الكلمة. وقوله:
(نقلا) بتشديد القاف للإشعار بكثرة نقلته ورواته عن نافع.
٢٣٠ - وقل عادا الأولى بإسكان لامه ... وتنوينه بالكسر كاسيه ظلّلا
٢٣١ - وأدغم باقيهم وبالنّقل وصلهم ... وبدؤهمو والبدء بالأصل فضّلا
٢٣٢ - لقالون والبصري وتهمز واوه ... لقالون حال النّقل بدءا وموصلا
٢٣٣ - وتبدأ بهمز الوصل في النّقل كلّه ... وإن كنت معتدّا بعارضه فلا
المعنى: قوله تعالى في سورة النجم وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى قرأه المشار إليهم ب (الكاف)، و (الظاء) وهم: ابن عامر، وابن كثير، والكوفيون بإسكان لام الأولى وكسر تنوين عادا للتخلص من التقاء الساكنين وهما التنوين واللام، ثم قال: وأدغم باقي القراء وهم: نافع، وأبو عمرو، وقرآ بنقل حركة همزة الأولى إلى اللام مع حذف الهمزة في حال وصلهم كلمة الْأُولى بكلمة عاداً وحال بدئهم بها، وليس النص على الإدغام لهما بلازم؛ لأنهما لما نقلا حركة الهمزة إلى اللام؛ صارت اللام متحركة بالضم، فأدغم التنوين فيها بمقتضى قواعد التجويد. وقوله (والبدء بالأصل فضّلا) لقالون والبصري معناه: أن البدء بكلمة الْأُولى بهمزة الوصل وسكون اللام وضم الهمزة على الأصل كقراءة ابن كثير
стр. 106
ومن معه فضّل على غيره لقالون والبصري، والمفصل عليه هو البدء بالنقل. وأما ورش فيقرأ بالنقل على أصل مذهبه سواء وصل كلمة الْأُولى ب عاداً، أو ابتدأ بها. ومعنى قوله: (وتهمز واوه إلخ) أن قالون يقرأ بهمزة ساكنة في مكان الواو في حال قراءته بالنقل سواء وصل الكلمة بما قبلها أو ابتدأ بها.
وأما إذا قرأها من غير نقل بأن ابتدأ بها على الأصل كقراءة ابن عامر ومن معه، فلا يهمز بل يقرأ بواو ساكنة كما تقدم. ثم ذكر الناظم قاعدة عامة لكل من يقرأ بالنقل وهي: أن كل كلمة وقع في أولها أل التي للتعريف وكان بعد أل همزة قطع نحو الْأُولى *، الْآخِرَةُ*، الْإِنْسانُ*. ثم نقلت حركة همزة القطع إلى اللام؛ فلك عند البدء بهذه الكلمة وجهان:
الأول: الابتداء بهمزة الوصل باعتبار الأصل وهو سكون اللام وعدم الالتفات إلى حركة اللام العارضة فنقول: الْأُولى *، الْأَرْضِ*، الْإِنْسانُ*.
الوجه الثاني: الابتداء باللام اعتدادا بحركتها العارضة واطّراحا للأصل وهذا معنى قوله: (وتبدأ بهمز الوصل) في النقل كله؛ أي اتباعا للأصل، وإن كنت معتدّا بعارضه أي بعارض النقل يعني بحركته العارضة، منزلا لها منزلة الحركة الأصلية فلا تبدأ بهمزة الوصل؛ لأنها إنما تجتلب توصّلا للنطق بالساكن، وحيث إن اللام صارت متحركة؛ فلا حاجة لهمزة الوصل وإنما قال الناظم: (كله) ليشمل جميع ما ينقل فيه ورش من لام التعريف ويدخل في ذلك الْأُولى من عاداً الْأُولى فيكون هذان الوجهان لورش في
جميع القرآن، ويكون لقالون والبصري هذان الوجهان أيضا في هذا الموضع إن قلنا إنهما يبدآن بالنقل كما يصلان بالنقل، أما إذا قلنا إنهما يبدآن بالأصل من غير نقل، فلا بد من الإتيان بهمزة الوصل، وينبغي أن تعلم أنك إذا قرأت لورش الْأُولى *، الْآخِرَةُ* آلْآنَ* المجردة من الاستفهام وأردت البدء بهذه الكلمات وأمثالها فإن نظرت إلى الأصل وغضضت النظر عن حركة اللام العارضة وبدأت بهمزة الوصل فلك في البدل الأوجه الثلاثة: القصر والتوسط والمد، وإن اعتبرت حركة اللام واعتددت بها وتركت همزة الوصل وبدأت باللام فليس لك في البدل إلا القصر.
وهذان الوجهان: وهما البدء بهمزة الوصل، والبدء بالحرف الذي بعدها جائزان لجميع القراء
стр. 107
حال البدء بكلمة الِاسْمُ في قوله تعالى في سورة الحجرات بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ، فلك بدؤها بهمزة الوصل، ولك بدؤها باللام للجميع.
وخلاصة ما يقال في عاداً الْأُولى: أن ابن كثير وابن عامر والكوفيون قرءوا، عاداً الْأُولى، بكسر التنوين وسكون اللام في حال وصل الْأُولى ب عاداً، فإذا وقفوا على عاداً وابتدءوا ب الْأُولى أتوا بهمزة الوصل مفتوحة وأسكنوا اللام وبعدها همزة مضمومة فواو ساكنة، وأما نافع وأبو عمرو: فيقرءان بنقل حركة همزة الْأُولى إلى اللام قبلها وحذف الهمزة مع إدغام تنوين عاداً في لام الْأُولى غير أن قالون يقرأ بهمزة ساكنة بعد اللام المضمومة بدلا من الواو. وهذا في حال وصل الْأُولى ب عاداً، فإذا وقف على عاداً وابتدئ ب الْأُولى فلقالون ثلاثة أوجه: (الؤلى)، بهمزة الوصل وبعدها لام مضمومة وبعد اللام همزة ساكنة. الثاني:
(لؤلى)، بلام مضمومة وهمزة ساكنة وترك همزة الوصل، والثالث: كقراءة ابن عامر ومن معه. ولورش عند البدء وجهان:
الأول: (الولى)، بهمزة الوصل وبعدها لام مضمومة وبعد اللام واو ساكنة.
الثاني: كالأول ولكن مع حذف همزة الوصل وعلى الوجه الأول يجوز له في البدل الأوجه الثلاثة، وعلى الوجه الثاني لا يجوز له في البدل إلا القصر.
ولأبي عمرو ثلاثة أوجه: الأول والثاني: كوجهي ورش.
الثالث: كالوجه الثالث لقالون.
٢٣٤ - ونقل ردا عن نافع وكتابيه ... بالإسكان عن ورش أصحّ تقبّلا
المعنى: أخبر أن نقل رِدْءاً أي نقل حركة همزة هذه الكلمة إلى الدال مع حذف الهمزة ثابت عن نافع. فإذا وقف أبدل التنوين ألفا، وهذه الكلمة في سورة القصص، فَأَرْسِلْهُ مَعِي
رِدْءاً يُصَدِّقُنِي، ثم أخبر أن إسكان الهاء من كلمة كِتابِيَهْ*، بالحاقة وإبقاء همزة إِنِّي ظَنَنْتُ محققة لورش كقراءة غيره أصح تقبلا من نقل حركة همزة إِنِّي إلى الهاء مع حذف الهمزة. وفي قوله (أصح تقبلا) إشارة إلى أن وجه نقل حركة الهمزة إلى الهاء وجه صحيح مقروء به أيضا فيكون له الوجهان.
وإنما كان الوجه الأول أصح؛ لأن هاء كِتابِيَهْ* هاء سكت والأصل فيها أن تكون ساكنة،
стр. 108
ولكن الوجه الثاني صحيح لوروده عن أئمة القراءة. ولا يخفى أن هذين الوجهين في حال الوصل أي وصل كِتابِيَهْ* ب إِنِّي.
فائدة: اتفق أهل الأداء على أن في هاء مالِيَهْ بالحاقة حال وصلها بهاء هَلَكَ وجهين لسائر القراء: الإظهار، والإدغام، فيكون لورش هذان الوجهان، وقد علمت أن له في هاء كِتابِيَهْ* وجهين، حال وصلها ب إِنِّي الإسكان، والنقل، إذا علمت هذا، فلتعلم أن من أسكن هاء كِتابِيَهْ* لورش ولم ينقل إليها حركة همزة إِنِّي فإنه يظهر هاء مالِيَهْ، ومن نقل حركة الهمزة إلى هاء كِتابِيَهْ* لورش؛ فإنه يدغم هاء مالِيَهْ في هاء هَلَكَ فالوجهان لورش في هاء مالِيَهْ مفرعان على الوجهين له في هاء كِتابِيَهْ* فالإظهار مفرع على عدم النقل، والإدغام مفرع على النقل، والمراد بالإظهار هنا أن يسكت القارئ على هاء مالِيَهْ سكتة خفيفة من غير تنفس في حال وصلها بكلمة هَلَكَ.
١٣ باب وقف حمزة وهشام على الهمز [٢٣٥ - ٢٥٤]
٢٣٥ - وحمزة عند الوقف سهّل همزه ... إذا كان وسطا أو تطرّف منزلا
المعنى: أخبر أن حمزة سهل الهمز عند الوقف سواء كان الهمز وسط الكلمة أم آخرها، والمراد بالتسهيل: مطلق التغيير، فشمل أنواعه الأربعة: بين بين، النقل، والإبدال، والحذف. وعبر الناظم بالتسهيل وأراد مطلق التغيير؛ لإفادة أن الغرض من التغيير تسهيل النطق باللفظ الذي فيه الهمز، وأضاف الهمز لحمزة؛ لأنه هو الذي يغيره عند الوقف، وإن كان هشام يوافقه في تغيير بعض الأنواع، ومعلوم أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، ويعلم من قوله (إذا كان وسطا أو تطرف) أن حمزة لا تغيير له في الهمز المبتدأ به.
٢٣٦ - فأبدله عنه حرف مدّ مسكّنا ... ومن قبله تحريكه قد تنزّلا
اللغة: الهمز: إما ساكن وإما متحرك، والساكن: إما في وسط الكلمة ولا يكون سكونه إلا لازما، وإما في آخرها. والذي في آخر الكلمة سكونه: إما لازم، وإما عارض، وقد بين الناظم
في هذا البيت حكم الساكن سواء كان في وسط الكلمة أم في آخرها، وسواء كان سكونه لازما أم عارضا، فأمر بإبداله عن حمزة حرف مدّ من جنس حركة ما قبله
стр. 109
فيبدل ألفا بعد الفتح، وواوا بعد الضم، وياء بعد الكسر. فالضمير في (فأبدله) يعود على الهمز، وفي (عنه) يعود على حمزة. وقوله: (مسكنا) بكسر الكاف حال من ضمير الفاعل المستتر في قوله (فأبدله).
والمعنى: فأبدل أيها القارئ الهمز عن حمزة حرف مدّ حال كونك مسكنا الهمز سواء كان سكونه أصليّا، أم كان متحركا في الأصل فسكنته أنت للوقف، فحينئذ يكون قوله (مسكنا) شاملا لما سكونه أصلي، وهو يكون في وسط الكلمة وفي آخرها، وما سكونه عارض ولا يكون إلا آخر الكلمة. وقوله (ومن قبله تحريكه قد تنزّلا)، (تحريكه) مبتدأ والضمير فيه يعود على الحرف المدلول عليه بقوله: (ومن قبله) وجملة (قد تنزلا) خبر المبتدأ، (ومن قبله) متعلق (بتنزلا) والهاء فيه يعود على الهمز، والجملة من المبتدأ والخبر حال من الهاء في قوله (فأبدله)، وتقدير البيت: فأبدل الهمز عن حمزة حرف مدّ حال كونك مسكنا له، وحال كون الهمز متحركا ما قبله، ويؤخذ من هذا: أن حمزة لا يبدل الهمز حرف مدّ إلا بشرطين:
الأول: أن يكون الهمز ساكنا. الثاني: أن يكون ما قبله متحركا، واشتراط تحرك ما قبل الهمز يحتاج إليه في الهمز الساكن الذي سكونه عارض للوقف نحو قالَ الْمَلَأُ* عند الوقف عليه والمقصود من هذا الاشتراط الاحتراز عن الهمز الساكن الذي عرض سكونه للوقف ويكون ما قبله ساكنا نحو يَشاءُ*، شَيْءٍ* السُّوءَ*، قُرُوءٍ. فإن لهذا النوع من الهمز حكما سيذكره الناظم في الأبيات الآتية، أما الهمز الساكن الذي سكونه أصلي: فلا يكون ما قبله إلا متحركا.
والخلاصة: أن الناظم ذكر في هذا البيت حكم الهمز الساكن المتحرك ما قبله، سواء كان في وسط الكلمة، أم في آخرها، وسواء كان سكونه أصليّا، أم عارضا، فمثال ما سكونه أصلي وهو في وسط الكلمة: يَأْكُلُونَ*، بَوَّأْنا*، تَأْثِيماً، تَأْخُذُونَهُ*، مَأْمَنَهُ، الذِّئْبُ*، وَبِئْرٍ، فَبِئْسَ*، شِئْتُما*، وَجِئْنا*، يُؤْفَكُ*، لا يُؤْخَذُ*، أَنُؤْمِنُ*، الْمُؤْمِنُونَ*. ومثال ما سكونه أصلي وهو في آخر الكلمة: اقْرَأْ*، أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ، إِنْ يَشَأْ*، نَبِّئْ*، وَهَيِّئْ، وَيُهَيِّئْ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ في قراءة حمزة وليس في القرآن همزة متطرفة ساكنة وسكونها أصلي وقبلها ضمة.
ومثال ما سكونه عارض وهو لا يكون إلا في آخر الكلمة: بَدَأَ*، أَنْشَأَ*، أَسْوَأَ*، عَنِ
стр. 110
النَّبَإِ، مِنْ حَمَإٍ*، مِنْ مَلْجَإٍ، يُبْدِئُ*، يُنْشِئُ*، لِكُلِّ امْرِئٍ*، مِنْ شاطِئِ، الْبارِئُ، إِنِ امْرُؤٌ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ. فهذه الأمثلة
وأشباهها يبدل حمزة همزتها حرف مدّ من جنس حركة ما قبلها، فإن كان ما قبلها مفتوحا؛ فإنها تبدل ألفا، وإن كان ما قبلها مكسورا؛ فإنها تبدل ياء، وإن كان ما قبلها مضموما؛ فإنها تبدل واوا.
٢٣٧ - وحرّك به ما قبله متسكّنا ... وأسقطه حتّى يرجع اللّفظ أسهلا
اللغة: لما بين في البيت السابق حكم الهمز الساكن بين في هذا البيت حكم الهمز المتحرك الذي قبله ساكن، والساكن الذي يكون قبل الهمز المتحرك خمسة أنواع:
النوع الأول: الساكن الصحيح.
والهمز الذي بعده يكون متوسطا ومتطرفا فالمتوسط نحو شَطْأَهُ، الْقُرْآنُ*، الظَّمْآنُ، جُزْءاً*، النَّشْأَةَ*، يَسْأَمُونَ، يَجْأَرُونَ، الْأَفْئِدَةَ*، مَسْؤُلًا*، مَذْؤُماً.
والمتطرف نحو الْخَبْءَ، الْمَرْءِ* سواء كان مرفوعا أم مجرورا، ملء، دفء.
النوع الثاني: حرفا اللين، وأعني بهما الواو الأصلية الساكنة المفتوح ما قبلها، والياء الأصلية الساكنة المفتوح ما قبلها.
والهمز الذي بعد هذين الحرفين يكون متوسطا ومتطرفا، فالمتوسط نحو سَوْأَةَ*، مَوْئِلًا، سَوْآتِكُمْ، شَيْئاً*، كَهَيْئَةِ*، اسْتَيْأَسَ. والمتطرف نحو ظَنَّ السَّوْءِ*، شَيْءٍ*.
النوع الثالث: حرفا المد واللين؛ أعني الواو الأصلية الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الأصلية الساكنة المكسور ما قبلها.
والهمز بعد هذين الحرفين يكون متوسطا ومتطرفا، فالمتوسط نحو السُّواى، سِيئَتْ، والمتطرف نحو الْمُسِيءُ، أَنْ تَبُوءَ، السُّوءَ*، لَتَنُوأُ، سِيءَ*، وَجِيءَ*.
وقد بين الناظم: حكم هذه الأنواع الثلاثة بقوله: (وحرك به ما قبله متسكنا) البيت، يعني وحرك بحركة الهمز، فالضمير يعود على الهمز وفي الكلام مضاف مقدر أي بحركة الهمز، ولا بدّ من تقدير هذا المضاف؛ إذا المعنى لا يستقيم بدونه؛ لأن الحرف الساكن لا يحرك بنفس الهمز وإنما يحرك بحركته.
والمعنى: إذا كان الهمز متحركا وقبله حرف ساكن، فألق حركة الهمز على الحرف الساكن قبله وأسقط الهمز حتى يرجع اللفظ أسهل.
وحاصل المعنى بإيضاح: