← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38076

مقدمات في علم القراءات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (243 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين، أنزل الكتاب على نبيه الأمين، ويسره للذكر فقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، ورفع عن هذه الأمة الحرج والمشقة، فأمر رسوله أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف، كلها كاف شاف، وبأيها قرءوا فقد أصابوا. والصلاة والسلام على رسول الله الرءوف الرحيم بأمته، الذي كان منهجه دائما طلب التخفيف والتهوين: «هوّن على أمتي»، «أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك»، وحين أجيب دعاؤه بالتخفيف على الأمة أعطي ثلاث دعوات مستجابات فقال: «اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵊» (١). وبعد: فالكتاب الذي نقدمه اليوم للقراء الكرام بعنوان «مقدمات في علم القراءات» جاء ثمرة جهد متواصل لمدة غير قليلة، وبعد خبرة طويلة في تدريس هذا العلم ومعرفته والاطلاع على معظم ما كتب فيه من دراسات وبحوث. والكتب التي ألفت في هذا الباب كثيرة جدا، وفيها فوائد قيمة، ومباحث نافعة، ومعلومات طيبة. ولكن الذي يميز هذا الكتاب أمران: أحدهما: أنه كتاب منهجي أعدّ وفق الخطة التدريسية لمادة «مدخل إلى القراءات القرآنية» التي تدرس في كلية الدعوة وأصول الدين، وفي عدد من الكليات والمعاهد الشرعية في الأردن وخارجه.

стр. 2

وثانيهما: أنه أضاف كثيرا من الإضافات النوعية فيما يتعلق بمحتوى المادة العلمية التي يحسن أن يدرسها الطلبة ويلمّوا بمعرفتها في هذا العلم، كالتعريف بأصول القراءات، وبالأصول التي يقرأ بها القراء العشرة، وكالمؤلفات في علم القراءات والعلوم المتصلة به، وأقسامها، والإشارة إلى بعض الشبهات التي أوردت على القراءات والرد عليها. وكان من دوافع تأليف هذا الكتاب أن المدرّس لعلم القراءات لا يجد في المكتبة الإسلامية كتابا يجمع هذه المباحث ويعرضها بطريقة علمية ميسرة قريبة، بل كان مضطرا لمراجعة العديد من الكتب واختيار مباحث وصفحات من كل منها، وفي هذا ما فيه من المشقة على الطلبة والمدرّس في آن. أما أسلوب الكتاب فقد كان سهلا واضحا إلى حد كبير، وبين أبحاثه ولغته انسجام رغم اشتراك ثلاثة في تأليفه وصياغته. وسيجد القارئ الكريم أن الكتاب يتسم بمنهجية البحث العلمي الجاد، والتوثيق الصحيح، وتنوع وغزارة المصادر والمراجع، وتحرير القول في كثير من المواضع التي كثر فيها الخلاف بين العلماء. وكشأن أي جهد بشري، نعترف عن يقين أننا لن نبلغ الكمال مهما حاولناه، وقد نختلف في الرأي مع بعض القارئين الكرام، ونرجح ما يضعفه غيرنا، ولا بأس بذلك ولا ضير، فاختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، وحسب الباحث أن يكون موضوعيا في التزامه الرأي الذي يقود إليه الدليل ويهدي إليه البرهان العلمي والنقل الصحيح. ونرحّب بكل توجيه جاد وتنبيه على ما في الكتاب من أخطاء، لا بد من وجودها رغم المراجعة الكثيرة، والرغبة الصادقة في تجنبها، وعسى أن يتم استدراك ما يصلنا من تنبيهات القراء الكرام في طبعات لاحقة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم المؤلفون

стр. 3

الفصل الأول الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات العشر المتواترة

стр. 4

الفصل الأول الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات العشر المتواترة المبحث الأول روايات حديث نزول القرآن على سبعة أحرف نزل القرآن الكريم على سبعة أحرف كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ وقبل إيراد الروايات، وبيان معناها، ينبغي بيان معنى الحرف، فإن الأحرف: جمع حرف، والحرف من كل شىء طرفه وشفيره وحدّه، ومن الجبل أعلاه المحدد ... وواحد حروف التهجي والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة ومسيل الماء، ... وعند النحاة: ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل (١)، ومن معاني الحرف في اللغة: الوجه، كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١]، والمراد بالحرف هنا: الوجه، أي النعمة والخير، وإجابة السؤال والعافية، فإذا استقامت له الأحوال اطمأنّ وعبد الله، وإذا تغيرت عليه وامتحنه بالشدة والضر ترك العبادة (٢). وقال الأزهري: «وكل كلمة تقرأ على وجوه من القرآن تسمى حرفا، يقرأ هذا في حرف ابن مسعود، أي: قراءة ابن مسعود» (٣). ويرى الإمام أبو عمرو الداني (٤٤٤ هـ): أن الحرف يطلق على أمرين: الأمر الأول: أن معنى الحرف الوجه من اللغات. والأمر الثاني: أن معنى الحرف القراءة (٤).

стр. 5

وقال الحافظ ابن الجزري نقلا عن الإمام الداني: «والوجه الثاني من معناها أن يكون سمى القراءات أحرفا على طريق السّعة، كعادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه، وما قاربه وجاوره، ... وكلا الوجهين محتمل، إلا أن الأول محتمل احتمالا قويا في قوله ﷺ : «سبعة أحرف»، أي: سبعة أوجه وأنحاء. والثاني محتمل احتمالا قويا في قول عمر ﵁ في الحديث: «سمعت هشاما يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، أي على قراءات كثيرة» (١). وسيكون عرض هذا الموضوع ضمن النقاط التالية: أولا: إيراد أهم روايات الأحاديث الواردة في الأحرف السبعة. ثانيا: أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة، ومناقشتها، مع بيان الرأي الراجح. ثالثا: التمثيل للأحرف السبعة بأمثلة تبين معناها، وذلك على النحو التالي: أولا: بعض الأحاديث الواردة في أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف: لقد تواترت الروايات الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف عند المحدثين (٢) وقد نصّ الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام على أن هذا الحديث تواتر عن النبي ﷺ . وقال الحافظ ابن الجزري: «وقد تتبعت طرق هذا الحديث في جزء مفرد جمعته في ذلك، فرويناه من حديث عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم بن حزام، وعبد الرحمن ابن عوف، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وأبي بكرة، وعمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب، وعمر بن أبي سلمة، وأبي جهم، وأم أيوب الأنصارية ﵃ (٣) وهذه بعض الروايات:

стр. 6

١ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «قال رسول الله ﷺ : «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (١). ٢ - وعن أبي بن كعب ﵁: أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار (٢) قال: فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» (٣). ٣ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمّيين (٤): منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (٥). وفي رواية أبي داود: «ليس منها إلا شاف كاف ... » (٦).

стр. 7

٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أن أساوره في الصلاة (١)، فانتظرته حتى سلّم، ثم لبّبته بردائه (٢)، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قلت له: كذبت، فو الله إنّ رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ : أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله ﷺ : اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» (٣). ٥ - عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، قال: سمع عمرو بن العاص رجلا يقرأ آية من القرآن، فقال: من أقرأكها، قال: رسول الله ﷺ ، قال: فقد أقرأنيها رسول الله ﷺ على غير هذا، فذهبا إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله آية كذا وكذا، ثم قرأها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت فقال الآخر يا رسول الله، فقرأها على رسول الله ﷺ فقال: أليس هكذا يا رسول الله، قال: هكذا أنزلت، فقال رسول الله ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأيّ ذلك قرأتم فقد أحسنتم، ولا تماروا فيه، فإن المراء فيه كفر، أو آية الكفر» (٤).

стр. 8

٦ - عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قرأت آية، وقرأ ابن مسعود ﵁ خلافها، فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا، قال: بلى. فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا، فقال: بلى كلاكما محسن مجمل، قال: فقلت له: فضرب صدري فقال: يا أبيّ بن كعب إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ قال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: غفورا رحيما، أو قلت: سميعا عليما، أو عليما سميعا، فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب (١). ٧ - عن أبي بن كعب قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسّن النبيّ ﷺ شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فقال لي: يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إليّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ » (٢). ثانيا: أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة : قبل البدء باستعراض أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة لا بد من طرح بعض التساؤلات بين يدي الموضوع توطئة لبيان المعنى الذي يبدو راجحا في معناها.

стр. 9

هل نصّ النبيّ ﷺ على معنى الأحرف السبعة؟ وهل نصّ أحد من رواة الحديث على ذلك؟ وهل عرف الصحابة الكرام ﵃، وهم الصدر الأول معناها؟ أم أن معناها كان غير واضح لديهم؟ أما الجواب عن السؤالين الأولين، فهو أن النبي ﷺ لم ينص على معنى الأحرف السبعة، ولا نصّ أحد من رواة الحديث كذلك. قال ابن العربي: «لم يأت في معنى هذه السبع نص ولا أثر، واختلف الناس في تعيينها» (١). أما أن الصحابة الكرام ﵃ عرفوا معناها أو لم يعرفوا، فنقول بادئ بدء: بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا شك أن الأمة- وقتئذ- محتاجة لمعرفة معنى الأحرف السبعة لكي تتمكن من الإتيان بالرخصة، وهي القراءة وفق الأحرف السبعة وقد عمل الصحابة بهذه الرخصة. ولذلك، فان النبي ﷺ والصحابة الكرام ﵃ لم يبيّنوا حقيقتها لأحد أمرين لا ثالث لهما: الأمر الأول: أن معنى هذه الأحرف السبعة واضح عندهم مما جعلها غير محتاجة للبيان والتفسير؛ ولذلك لم يرد في شيء من روايات الحديث على تعددها وكثرتها أن أحدا سأل عن معناها، وقد اطلعوا عليها وعملوا بها، وهذا أقرب الأمرين إلى النصوص الواردة في معنى الأحرف السبعة. الأمر الثاني: أن معنى هذه الأحرف السبعة غير واضح عندهم مع تعسّر فهمها لكثرتها وتشعّب فروعها مما احتاج مع ذلك إلى بحث واستقصاء قام به اللاحقون، وهذا قول يتناقض ومعنى الرخصة والتوسعة على الأمة، فقد فهموا معناها وعملوا بها، وحصل المقصود منها (٢).

стр. 10

ولا بد من التنبيه على أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ليست هي القراءات السبع التي اشتهرت في الأمصار باتفاق القراء (١)، بل هي جزء من الأحرف السبعة، وقد نقل ابن الجزري عن غير واحد من العلماء أنهم كرهوا ما فعله ابن مجاهد، فقال: « ... ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وخطّئوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده أو بيّن مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة ... » (٢). وهذه أهم الأقوال التي قيلت في معنى الأحرف السبعة وقد بلغت أربعين قولا، كما حكى ذلك القرطبي والسيوطي وغيرهما (٣): ١ - أن هذا الحديث من المشكل المتشابه الذي لا يعلم معناه، وذلك لأن (الحرف) مشترك لفظي يصدق على معان كثيرة، وهو ينسب إلى ابن سعدان النحوي. ويناقش هذا القول بأن الأحرف السبعة، هي كيفيات قد عمل بها الصحابة، ونقلوها إلى الآفاق رواية وتحملا وأداء، ولو كانت من المتشابه الذي لا يعلم معناه، لما عملوا بها، فإن التمكن من العمل بالرخصة، وهي نزول القرآن على سبعة أحرف، يلزمه معرفة معناها، أو كيفية أدائها، فيبعد حينئذ أن تكون الأحرف السبعة من المتشابه الذي لا يعرف معناه.

стр. 11

ثم إنه لا يسلم أن المشترك اللفظي لا يدرى أي معانيه هو المقصود؟ بل إن المشترك اللفظي يدل على معناه المقصود متى قامت قرينة تعين ذلك المعنى، ومن الأحاديث السابقة في معنى الأحرف السبعة تبين أن المقصود بالحرف معنى من معانيه على التعيين، وهو الوجه الأدائي، أو كيفية الأداء، وهذه الأوجه هي التي يرجع إليها الاختلاف في قراءة ألفاظ القرآن الكريم (١). ٢ - أن حقيقة العدد ليست مرادة لأن لفظ السبعة يطلق في لسان العرب، ويراد به الكثرة في الآحاد، وهذا القول ينسب إلى القاضي عياض. ويناقش هذا القول: بأن العدد مراد في الحديث بدليل استزادة النبي ﷺ الحروف حرفا حرفا، ويزيده جبريل ﵇، فلو لم يكن العدد مرادا، لما توقف العدد عند سبعة. ٣ - أن المقصود سبعة أصناف من المعاني والأحكام هي: الحلال والحرام، والأمر والزجر، والمحكم والمتشابه، والأمثال، وقيل: الحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال، والإنشاء، والإخبار، وقيل: الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل والمبين، والمفسر، وقيل: الوعد والوعيد والمطلق والمقيد، والتفسير، والإعراب والتأويل، وقيل غير ذلك. ويناقش هذا القول: بأن الصحابة ﵃ قد اختلفوا وترافعوا إلى النبي ﷺ ، كما ثبت في حديث عمر وهشام وأبيّ بن كعب، وابن مسعود وعمرو بن العاص، وغيرهم، فلم يختلفوا في تفسيره ولا في أحكامه، ولكنهم اختلفوا في قراءة حروفه، وكيفية أدائه. واحتج بعضهم لهذا القول بما روى عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجرا وآمرا، وحلالا، وحراما، ومحكما، ومتشابها، وأمثالا، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه،

стр. 12

واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا» (١). وقد أجيب عن هذا الحديث بثلاثة أمور: الأمر الأول: أن هذه السبعة غير السبعة الأحرف التي ذكرها النبي ﷺ في الأحاديث، فقد فسرها في هذا الحديث بأنها الحلال والحرام ... ، ثم أكد ذلك بالأمر بقوله: قولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فدل ذلك على أن هذه غير القراءات. الأمر الثاني: أن السبعة الأحرف في هذا الحديث هي تفسير للسبعة أبواب، وليست هي عين الأحرف السبعة. الأمر الثالث: أن قوله: الحلال والحرام ... لا تعلق له بالسبعة الأحرف، ولا بالسبعة الأبواب، بل هو إخبار عن القرآن، أي هو كذا وكذا. ٤ - أن المراد سبع لغات من لغات العرب الفصحى أنزل القرآن بها فهي متفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام. ويناقش هذا القول: بأن هناك بعض الكلمات ليست من اللغات التي عدّوها، بدليل أن القرآن الكريم نزل بلغات كثيرة متعددة ليست منحصرة فيما ذكروا، فمثلا: لفظ (سامدون) في قوله تعالى: وَأَنْتُمْ سامِدُونَ [النجم: ٦١] باللغة الحميرية، و (رفث) بمعنى الجماع، بلغة مذحج، وهكذا ... (٢). ٥ - أن المراد سبع لغات من لغات العرب، ثم اختلفوا في تعيينها فقال بعضهم: قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن، وقال البعض الآخر: إنها خمس لغات في أكناف هوازن: سعد وثقيف، وكنانة وهذيل، وقريش، ولغتان على جميع ألسنة العرب. ويناقش القول الرابع والخامس: بأن عمر بن الخطاب ﵁ وهشام بن حكيم قد اختلفا في قراءة سورة الفرقان كما ثبت في الصحيح، وكلاهما قرشي من

стр. 13

لغة واحدة وقبيلة واحدة، ولو كان المقصود بالأحرف السبعة اللغات المختلفة أو كانت لغات متفرقة، لما اختلف القرشيان، ولغتهما واحدة، فظهر بأنّ المقصود من الأحرف السبعة شيء آخر غير لغات العرب. ٦ - أن المراد هو أنها لغات سبع تكون في الكلمة الواحدة في الحرف الواحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلمّ، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، وقربي، ونحوي ... ، فهذه الألفاظ السبعة: معناها واحد هو: الطلب والإقبال، وهو منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث، منهم: سفيان الثوري، وابن وهب، وهو قول ابن جرير الطبري (١). واستدلوا بما جاء في حديث أبي بكرة من قوله ﷺ : «كلّها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة، ولا آية رحمة بعذاب»، وما جاء في حديث أبي بن كعب أنه كان يقرأ: «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، مروا فيه، سعوا فيه»، وما جاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: «لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا، أمهلونا، أخرونا». يناقش هذا القول بعدة أمور (٢): الأمر الأول: أن ما ذكر في الأحاديث ليس من قبيل حصر الأحرف السبعة، بل هو من باب التمثيل فقط لما نزل من القرآن الكريم، ويؤيد ذلك قول ابن عبد البر: «أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها أنها معان متّفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده» (٣). الأمر الثاني: أن الواقع الحقيقي للقراءات الثابتة عن النبي ﷺ يخالف ما ذهبوا إليه مخالفة صريحة، إذ كثير من أوجه الاختلاف ليست داخلة في معنى الترادف الذي قصروا عليه معنى الأحرف السبعة، وأدنى تأمل للقراءات العشر المتواترة يجد هذا الاختلاف يتجاوز المرادفات اللفظية.

стр. 14

الأمر الثالث: أن هذا القول يلزم منه أن الأمة أسقطت واطرحت ستة أحرف، واختارت حرفا واحدا، وفي هذا إهدار لجملة كثيرة للثابت عن النبي ﷺ ، بل إن الصواب: أن عثمان ﵁ جمع الناس على العرضة الأخيرة التي عارضها النبي ﷺ جبريل ﵇ لم يغادر منها حرفا واحدا، وما كان له ﵁، ولا لغيره فعل ذلك، فإن القرآن بأوجهه المتعددة منزل، منقول إلينا بالتواتر. فكيف تجمع الأمة على ترك ستة أحرف، ويتوافق الجميع على هذا الترك؟ ٧ - أن المراد بالأحرف السبعة: الأنواع التي يقع بها التغاير والاختلاف في الكلمات القرآنية، ولا يخرج عنها ثم اختلفوا في تعيينها وحصرها. فعند أبي الفضل الرازي- مثلا- هي سبعة أصناف: ١ - اختلاف أوزان الأسماء من الإفراد والتثنية والجمع. ٢ - اختلاف تصريف الأفعال وما تستند إليه نحو الماضي والمستقبل والأمر، والإسناد إلى المذكر والمؤنث والمتكلم والمخاطب والفاعل والمفعول به. ٣ - وجوه الإعراب. ٤ - الزيادة والنقصان. ٥ - التقديم والتأخير. ٦ - القلب وإبدال كلمة بأخرى أو حرف بآخر. ٧ - اختلاف اللغات من فتح وإمالة وترقيق وتفخيم، وتحقيق وتسهيل، وإدغام وإظهار، ونحو ذلك. وقريب مما ذهب إليه أبو الفضل الرازي ذهب ابن قتيبة. وقد درس الإمام ابن الجزري أوجه القراءة، فوجدها لا تخرج عن سبعة أنواع هي: النوع الأول: في الإعراب بما لا يزيل صورتها في الخط، ولا يغير معناها، ومثاله: «هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ»، والوجه الثاني: «أَطْهَرُ». النوع الثاني: الاختلاف في إعراب الكلمة، وحركات بنائها بما يغير معناها، ولا يزيلها عن صورتها، ومثاله: «رَبَّنا باعِدْ»، والوجه الثاني: «رَبَّنا باعِدْ».

стр. 15

النوع الثالث: الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، ومثاله: «وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها»، والوجه الثاني: «ننشرها». النوع الرابع: الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها ومعناها، ومثاله: «طَلْعٌ نَضِيدٌ»، وفي موضع آخر: «وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ». النوع الخامس: الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، ومثاله: «إلا زقية واحدة»، «صيحة واحدة». النوع السادس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، ومثاله: «وجاءت سكرة الحق بالموت»، و «جاءت سكرة الموت بالحق». النوع السابع: الاختلاف بالزيادة والنقصان، ومثاله: «وما عملت أيديهم» و «عملته». وهذا القول بما يتضمنه من تفصيلات واستقراء للقراءات القرآنية، ومحاولة تحديد معنى الأحرف السبعة، يعتبر أقرب الأقوال لمعنى الأحرف السبعة، بيد أنه لا يعطي تعريفا شاملا لحقيقة الأحرف السبعة. ورغم تعدد وجهات النظر التي يوردها القدماء في معنى الحديث، والتي بلغ بها السيوطي نحوا من أربعين قولا، فإن الحديث- بمختلف رواياته- لا ينص على شيء منها ... ، وكذلك فإنه لم يثبت من وجه صحيح تعيين كل حرف من هذه الأحرف، وكثير منها غير معروف النسبة إلى عالم معين وإنما هي مجرد استنتاج تحتمله الروايات ... ثم إن فهم معنى الحديث لا يمكن أن يكون في اتجاهه الصحيح إذا تخطى الدائرة التي تشير إليها روايات الحديث، وهي أن الخلاف كان في حدود ألفاظ التلاوة، وأن الرخصة التي كان يتحدث عنها الحديث لا تتجاوز حدود القراءة ... ومن هنا يمكن القول بأن الرخصة الواردة في الحديث ليست شيئا سوى هذه الوجوه المختلفة للتلاوة التي ينقلها القراء جيلا عن جيل حتى تنتهي إلى الصحابة الذين سمعوها من النبي ﷺ ... » (١).

стр. 16

ثالثا: الرأي المختار في معنى الأحرف السبعة: إن الأقوال السابقة لا تخلو من مناقشة وأخذ ورد، كما سبق، ولا تحدد حقيقة الأحرف السبعة، ولا تبين معناها، ولذا فإن الرأي الذي يظهر أنه منسجم ومتوافق والأحاديث الواردة في معنى الأحرف السبعة، هو الذي توصل إليه الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ بدقة وتفصيل، وهو أن الأحرف السبعة: «وجوه متعددة متغايرة منزلة من وجوه القراءة، يمكنك أن تقرأ بأي منها فتكون قد قرأت قرآنا منزلا، والعدد هنا مراد، بمعنى: أن أقصى حدّ يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية المنزلة هو سبعة أوجه، وذلك في الكلمة القرآنية الواحدة ضمن نوع واحد من أنواع الاختلاف والتغاير، ولا يلزم أن تبلغ الأوجه هذا الحد في كل موضع من القرآن» (١). وهو قريب مما توصل إليه الدكتور عبد الصبور شاهين بقوله: «ما يمثّل اختلاف اللهجات وتباين مستويات الأداء الناشئة عن اختلاف الألسن وتفاوت التعليم، وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل بما لا يتغير به المعنى المراد». ويعلق الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد على كلام الدكتور عبد الصبور شاهين فيقول: « ... ويظل معنى الحديث يشير إلى تلك الرخصة التي جاءت تيسيرا، وحلا لمشكلة واجهت الجماعة المسلمة، دون تحديد لأبعاد تلك الرخصة، ولكنها لا تخرج عن إطار وجوه القراءات المروية ... » (٢). وقد عرف الدكتور نور الدين عتر الأحرف السبعة اصطلاحا بقوله: «هي سبعة أوجه فصيحة من اللغات والقراءات أنزل عليها القرآن الكريم» (٣)، وهو منسجم مع ما توصل إليه الدكتور القارئ أيضا.

стр. 17

وقد أشار ابن حجر العسقلاني إلى المعنى المتقدم، ونص كلامه: «باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: أي على سبعة أوجه جوّز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة» (١). ودليل القول المختار في معنى الأحرف السبعة مستفاد من معنى الأحاديث الواردة فيه، ومن القراءات القرآنية الثابتة المتواترة، وذلك ضمن النقاط التالية: ١ - أن الحرف يراد به الوجه المتعلق بالقراءة، وأنها كيفيات لتلاوة الكلمة القرآنية الواحدة، بدليل اختلاف هشام بن حكيم وعمر بن الخطاب ﵄ واختصامهما عند النبي ﷺ . ٢ - وصفت هذه الأوجه بأنها متعددة؛ لأن القرآن لم يقرأ بوجه واحد، وقوله: «متغايرة»: إشارة إلى وجوه الاختلاف بين هذه الوجوه سواء في اللفظ فقط مع اتفاق المعنى، مع أنه لا يوجد حرف قرآني يطابق الآخر من جميع الوجوه، ولا بد من زيادة المعنى فإن الزيادة في المبنى يكون معها زيادة في المعنى، أو كان الاختلاف في اللفظ والمعنى، ومن أمثلته الواقعة في القرآن ما قرئ في المتواتر: ربّنا بعد بين أسفارنا [سبأ: ١٩]، والمعنى في هذا الحرف هو أنهم من عتوّهم وطغيانهم طلبوا من ربهم أن يباعد بين أسفارهم، وقرئ في حرف آخر: «ربّنا بعّد بين أسفارنا»، بالمبالغة في فعل الأمر، ومعنى هذا الحرف: يشير إلى إلحاحهم وإصرارهم على هذا المطلب، وقرئ في حرف متواتر ثالث: «رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا» فعلا ماضيا، ومعناه: فيه إخبار بما وقع منهم من الشكاية والتحسر، لمّا تحقق ذلك ورأوا ما ترتب عليه من الشدة والمشقة، وهو تباين في المعنى- كما هو واضح-، كما فيه تباين في اللفظ (٢). وفيما سبق رد على من قصر الاختلاف بين الوجوه على نوع واحد هو: الترادف، وهو قول ابن جرير الطبري ومن وافقه.

стр. 18

٣ - أن هذه الأوجه وصفت بأنها منزلة، وهذا دليل على أن الرخصة إنما كانت في القراءة، واستخدام هذه الأوجه عند الحاجة إليها، ولا يعني هذا أبدا أنه يجوز الاستغناء عن شيء منها، لأن هذه الأوجه كلها منزلة، يعلمها جبريل ﵇ رسول الله ﷺ ، ويلقنه إياها ثم يبلغها النبي ﷺ إلى الصحابة لكي يحفظوها ويقرئهم إياها، ويتخير لكل منهم ما يشاء حسبما يرى النبي ﷺ من أحوالهم، واستعداداتهم ولغاتهم ولهجاتهم. ٤ - قوله: «وجوه القراءة ... »: لأنه ورد في الحديث كما سبق في قول النبي ﷺ : «أقرأني جبريل على حرف ... »، وقول جبريل- ﵇: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمتّك القرآن على سبعة أحرف ... » وقول النبي ﷺ : «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ... »، وهذه الألفاظ صريحة في أن الأحرف شيء يتعلق بالقراءة. ٥ - قوله: «يمكنك أن تقرأ بأي منها، فتكون قد قرأت قرآنا منزلا ... »: بدليل قول النبي ﷺ : «فأيما حرف قرءوا فقد أصابوا ... » أي أصابوا القرآن، ولا يجوز ترك شيء منها بالرأي أو التحكم الذي قد يفهم من بعض الأقوال التي قيلت في معنى الأحرف السبعة، بمعنى: أنها كلها كافية شافية ولا ترجيح بين شيء منها، إذ هي أبعاض القرآن، وهو متكون من مجموعها، ولذلك حرص عثمان ﵁ عند كتابتها في المصاحف أن يثبتها برسم واحد حتى لا يتوهم أحد أن هناك ترجيحا لبعضها على بعض. ٦ - قوله: «والعدد هنا مراد ... »: فقد صرحت الروايات كلها بالعدد سبعة بدليل التدرج في إنزال الأحرف السبعة التي وردت في حديث ابن عباس ﵄ المتقدم، وفيه: «أقرأني جبريل، فلم أزل أستزيده، ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف ... »، وهذا التدرج لا يكون له فائدة إذا لم يكن العدد مرادا، ومراجعة النبي ﷺ جبريل ﵇ دليل آخر على ذلك. واستنبط بعض العلماء من قول النبي ﷺ : «على سبعة أحرف ... »، أن استخدام النبي ﷺ حرف (على) دون غيره مشعر بالشرطية، وتقدير الكلام: أن تقرأ أمتك القرآن بأحرف متعددة على ألا تتجاوز سبعة أحرف ....

стр. 19

٧ - قوله: «بمعنى أن أقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية المنزلة هو سبعة أحرف ... »: إن الناظر والمتتبع للقراءات القرآنية الصحيحة المتواترة يجدها على نوعين: ١ - مواضع الاتفاق: وهي لم يرد فيها إلا وجه واحد، وهو معظم القرآن. ٢ - مواضع الاختلاف: وهذه تبدأ من وجهين فأكثر وتصل إلى سبعة أوجه، ولكن باستقراء القراءات المتواترة، وجد بأن أقصى ما يمكن أن تبلغه هو ستة أوجه، وقد تصل في بعض الحالات إلى سبعة أوجه إذا ضم إليها الروايات الشاذة (١). ٨ - قوله: «وذلك في الكلمة القرآنية الواحدة ضمن نوع واحد من أنواع الاختلاف والتغاير» (٢): قيدت السبعة كحد أقصى بالكلمة القرآنية الواحدة ضمن النوع الواحد من أنواع التغاير والاختلاف، وذلك احترازا من التفريعات التي يفرّعها القراء خشية التركيب في الطرق، فقد يكون في الكلمة الواحدة موضعان أو أكثر من مواضع الخلاف، كل موضع منها يندرج ضمن نوع من أنواع التغاير؛ فإذا جمع ما في ذلك كله من أوجه دون اعتبار للأنواع تولّد عدد كبير من الأوجه. ولمزيد بيان لهذه النقطة نضرب مثالين يوضحان المقصود: المثال الأول: قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٣ - ٤]، ففي ياء «الرحيم» عند الوقف ثلاثة أوجه مقروءة: القصر والتوسط والإشباع ثم في ميم: «الرحيم» مع ميم «ملك» وجهان من حيث الإدغام والإظهار، مع الوجهين الآخرين في: «ملك» بالألف وبدونها. فإذا جمعت هذه الأوجه على اعتبار أنها موضع واحد، فمجموع الأوجه سبعة أوجه، ولكن اعتبار هذه المواضع موضعا واحدا خطأ، فياء: «الرحيم» مد عارض، وهو موضع مستقل بنفسه فيه ثلاثة أوجه، والميمان المتماثلان بين لفظتي: «الرحيم» و «ملك» موضع مستقل بنفسه، وفيه وجهان، فلا يجمع أوجه المد العارض مع أوجه الميمين المتماثلين.

стр. 20

فالمد العارض نوع من أنواع التغاير، واجتماع الميمين المتماثلين نوع آخر من أنواع التغاير، وكذلك الوجهان في: «ملك» نوع ثالث من أنواع التغاير. المثال الثاني: قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٣٧]، في هذه الآية عدة مواضع وقع فيها الخلاف: فلفظة «آدم» منصوبة مع رفع: «كلمات»، وهي قراءة ابن كثير المكي، وقرأ باقي القراء العشرة برفع: «آدم» ونصب «كلمات»، وهما وجهان صحيحان مقروءان في هذا الموضع. وكذلك فإن الألف في: «فتلقى» فيها ثلاثة أوجه مقروءة: الوجه الأول: الفتح، والوجه الثاني: التقليل، والوجه الثالث: الإمالة، وفيها من حيث المد ثلاثة أوجه: القصر، والتوسط، والإشباع. وكذلك فإن في ألف البدل في «آدم» ثلاثة أوجه مقروءة: القصر والتوسط والإشباع، وبين ميم (آدم) وميم (من) وجهان هما الإظهار والإدغام فإذا جمعت هذه الأوجه كانت أكثر من عشرة، ولذلك لا بد من اعتبار كل نوع من أنواع التغاير على حدة، فالخلاف في فرش كلمتي: «آدم» و «كلمات» بالرفع والنصب والعكس نوع تغاير واحد، والأوجه في «فتلقى» نوع تغاير في الفتح والتقليل والإمالة، ونوع آخر في مقدار المد المنفصل فيها، وأوجه مدّ البدل نوع مستقل من أنواع التغاير، ويكون كل نوع منها بمنزلة صور متعددة للأحرف السبعة في الكلمة الواحدة ضمن نوع التغاير المستقل، في كل نوع من الأنواع السابقة. رابعا: أمثلة للأحرف السبعة: سأكتفي في التمثيل للأحرف السبعة بثلاثة أمثلة يتضح بها المقصود منها، وهي على النحو التالي: ١ - قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، فيه قراءتان متواترتان صحيحتان، القراءة الأولى: (مالك) بالألف بعد الميم، وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، والقراءة الأخرى: (ملك) بغير ألف، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر وحمزة وأبي جعفر (١).

стр. 21

فهذان الوجهان يعتبران من الأحرف السبعة التي نزلت تخفيفا على الأمة، وبلغت هنا حرفين. ٢ - قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣]، فيه ثلاثة أوجه متواترة صحيحة، وهي: الوجه الأول: بشديد الفاء مع كسرها منونة، أفّ، وهي رواية نافع، وحفص عن عاصم، وأبي جعفر، والوجه الثاني بفتح الفاء من غير تنوين تخفيفا «أفّ»، وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، الوجه الثالث: بكسر الفاء من غير تنوين، «أفّ»، وهي قراءة باقي العشرة (١). ففي هذا المثال تعتبر الأوجه الثلاثة من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وبلغت هنا ثلاثة أحرف. ٣ - قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٨] فيها خمسة أوجه متواترة صحيحة، ووجهان شاذان غير مقروء بهما، فالمجموع سبعة أوجه. أما الأوجه المقروء بها، فهي: الوجه الأول: (جبريل) بكسر الجيم والراء وحذف الهمزة، وإثبات الياء، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبي جعفر ويعقوب. الوجه الثاني: (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء وإثبات الياء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير المكي. الوجه الثالث: (جبرئيل) بفتح الجيم والراء وإثبات الهمزة مكسورة والياء ساكنة وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. الوجه الرابع: (جبرئل) وهو الوجه السابق مع حذف الياء بعد الهمزة، وهي رواية أبي بكر بن عياش عن عاصم. الوجه الخامس: وهو الوجه السابق حال الوقف، بتسهيل الهمزة بين بين- أي بين الهمزة والياء-، وهو وجه لحمزة (٢).

стр. 22

وأما الوجهان الشاذان غير المقروء بهما: فالوجه الأول: (جبرائيل) بألف قبل الهمزة وحذف الياء، وهي رواية الحسن البصري. والوجه الثاني: (جبرئلّ) بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة، ولام مشددة، وهي رواية ابن محيصن من «المبهج» (١). في المثال السابق يتضح جليا معنى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن فهي وجوه متعددة، متغايرة نزل بها القرآن تصل في حدها الأعلى سبعة أوجه في الكلمة الواحدة ضمن نوع التغاير الواحد كما تقدم، وتبين أيضا أن أقصى عدد للأحرف الواردة في المتواتر هو: ستة أحرف، ففي هذا المثال خمسة أوجه متواترة، وهي من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، بمعنى: أن كلمة (جبريل) فيها خمس كيفيات للقراءة متواترة، ووجهان آخران شاذان. وقد ذكر مكي بن أبي طالب رحمه الله تعالى مثالا للأحرف السبعة في سورة الفاتحة وفي ذلك يقول: «مثال لاختلاف القراء في سورة الفاتحة مما هو جزء من الأحرف السبعة ... مما روي عن السبعة المشهورين مما لا يخالف خط المصحف مما قرأت به ... قرأ عاصم والكسائي: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بألف، وقرأ باقي القراء- أي من السبعة- ملك بغير ألف. وقرأ ابن كثير في رواية قنبل عنه: السراط، وسراط بالسين، وقرأ حمزة في رواية خلف عنه: الصِّراطَ بين الصاد والزاي. وقرأ ذلك باقي القراء بالصاد خالصة. قرأ حمزة عليهم بضم الهاء، وكسرها باقي القراء. قرأ ابن كثير والحلواني عن قالون عن نافع عليهم بضم الميم، ويصلانها بواو في الوصل خاصة.

стр. 23

قرأ أبو عمرو- أي من رواية السوسي عنه- الرّحيم ملك بالإدغام، وباقي القراء بالإظهار (١). خامسا: الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف (٢): يمكن تلمس الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف بالنظر في الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في معناها، وبما تتضمنه من اختلاف أوجه القراءة على النحو التالي: ١ - تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين. وهذا واضح في قول النبي ﷺ المتقدم: «يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط»، فقد كانت العرب قبائل متعددة، وكان بينها اختلاف وتباين في اللهجات واللغات وطريقة الأداء، فلو ألزمت الأمة بكيفية واحدة من كيفيات القراءة لشق ذلك على مجموع الأمة، وإن كان يخدم بعضها (٣). وهو تحقيق لقول الله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]. قال الحافظ ابن الجزري: «فأما سبب وروده على سبعة أحرف، فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفا لها وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق ... وكما ثبت صحيحا: إن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد، وذلك أن الأنبياء ﵈ كانوا يبعثون إلى أقوامهم الخاصين بهم، والنبي ﷺ بعث إلى جميع الخلق أحمرها وأسودها عربيها وعجميها؛ وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم- أي لهجاتهم- مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لا سيما الشيخ والمرأة، ومن لم يقرأ كتابا كما أشار إليه ﷺ ، فلو كلفوا العدول عن لغتهم، والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع ... » (٤).

стр. 24

٢ - إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه، فتقلّب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات فيه زيادة في المعنى، وفيه دلالة على الأحكام التي يستنبطها الفقهاء (١) وذلك على أنواع: النوع الأول: أن يكون مرجحا لحكم اختلف فيه، كقراءة «وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» في كفارة اليمين، بزيادة: «مؤمنة»، وهي قراءة شاذة، في قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ [المائدة: ٨٩]، فكان فيها ترجيح لاشتراط الإيمان، كما ذهب إليه الشافعي وغيره، ولم يشترطه أبو حنيفة. النوع الثاني: أن يكون لأجل اختلاف حكمين شرعيين، كقراءة: «وَأَرْجُلَكُمْ» في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦]، ففيها قراءتان صحيحتان: القراءة الأولى: «وَأَرْجُلَكُمْ» بنصب اللام، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب، وذلك عطفا على: «أَيْدِيَكُمْ»، فيكون حكمها الغسل كالوجه. القراءة الثانية: «وأرجلكم» بخفض اللام، وهي قراءة الباقين، وذلك عطفا على: «بِرُؤُسِكُمْ» لفظا ومعنى، أي المسح على الخفين. وعليه: فإن قراءة الخفض تقتضي مشروعية المسح على الخفين، وقراءة الفتح تقتضي فرض الغسل للأرجل في الوضوء، وقد فرق النبي ﷺ بين الغسل وجعله للرجلين في الوضوء، وجعل المسح على الخفين. النوع الثالث: أن يكون لإيضاح حكم يقتضي الظاهر خلافه، كقراءة «فامضوا إلى ذكر الله» فإن قراءة «فَاسْعَوْا» يقتضي ظاهرها المشي السريع، فجاءت القراءة الأخرى وهي شاذة، لكي توضح أن المقصود هو الذهاب إلى المسجد بأي صورة من الصور سواء أكان ماشيا أم راكبا أم مهرولا ... إلخ.

стр. 25

النوع الرابع: أن يكون حجة لأهل الحق، ودفعا لأهل الزيغ، كقراءة: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً»، ففيها قراءتان: القراءة الأولى: «وملكا كبيرا» بكسر اللام، وهي من أعظم الحجج على رؤية الحق ﵎ في الدار الآخرة؛ لأنه سبحانه هو الملك وحده في الدار الآخرة: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]. القراءة الثانية: «وملكا كبير» بضم الميم وسكون اللام، وهي قراءة الباقين، وهي القراءة المتواترة. النوع الخامس: أن يكون حجة بترجيح قول بعض العلماء كقراءة: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ»، فإن اللمس يطلق على الجس والمس، كقوله تعالى: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ [الأنعام: ٧]، أي: مسوه. النوع السادس: أن يكون حجة لقول بعض أهل العربية، وذلك نحو قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: ١]، فقراءة حمزة: والأرحام بالخفض، حجة لأهل العربية على جواز أن يكون معطوفا على موضع الجار والمجرور، والمعنى: «تساءلون به وبالأرحام»، وهذا العطف غير جائز عند بعض أهل العربية، وقراءة الباقين: وَالْأَرْحامَ، والمعنى: «اتقوا الأرحام أن تقطعوها» (١). النوع السابع: أن يكون للجمع بين حكمين مختلفين، ومثاله «يطهرن» بالتخفيف والتشديد، في قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢]. فقد قرأ شعبة وحمزة والكسائي وخلف العاشر «يطّهّرن»، بفتح الطاء والهاء مع التشديد فيهما، وهو مضارع «تطهر، وصيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وقرأ الباقون: «يطهرن»، بسكون الطاء، وضم الهاء مخففة، مضارع «طهر»، يقال طهرت المرأة إذا انقطع عنها الحيض، فالجمع بين القراءتين يعني: أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع دم حيضها، وتطّهّر بالاغتسال.

стр. 26

٣ - تعد هذه الأحرف من خصائص هذه الأمة، ومن المناقب التي امتازت بها عن غيرها من الأمم لأن كتب الأمم السابقة كانت تنزل على وجه واحد، وإنه من أعظم الخصائص لهذه الأمة أن الله تكفل بحفظ كتابها، وهو على خلاف كتب الأمم السابقة، فقد وكل الله تعالى حفظها لهم فحرفوها وضيعوها. ويترتب عليه: أن الله تعالى تكفل بحفظ سائر الأحرف القرآنية التي أنزلها؛ لأن كل حرف منها بمنزلة الآية فضياع شيء منها واندثاره يعني أن بعض أبعاض القرآن ضاعت، أو اندثرت وهذا يتنافى مع مقتضى الحفظ الرباني للقرآن (١). كما أن في اختلاف القراءات نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز؛ إذ كل قراءة بمنزلة الآية؛ إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل (٢). ٤ - أن الأحرف السبعة حفظت لغة العرب من الضياع والاندثار، فقد تضمنت خلاصة ما في لغات القبائل العربية من فصيح وأفصح (٣). ٥ - أن في الأحرف السبعة برهانا واضحا ودلالة قاطعة على صدق القرآن، فمع كثرة وجوه الاختلاف والتنوع لم يتطرق إليه تضاد، ولا تناقض، ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضا، ويبين بعضه بعضا، وبعضه يشهد لبعض على نمط واحد، وأسلوب واحد، وهذا دليل قاطع على أنه من عند الله نزل على قلب النبي ﷺ . ٦ - أن نزول القرآن على سبعة أحرف فيه بيان لفضل الأمة المحمدية بتلقيها كتاب ربها هذا التلقي، والاعتناء به هذه العناية، وفيه إعظام لأجور الأمة المحمدية، ذلك أنهم يفرغون جهدهم في حفظ القرآن الكريم، وتتبع معانيه، واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ من ألفاظ الأحرف السبعة، وإنعامهم النظر

стр. 27

في الكشف عن التوجيه والتعليل والتخريج للروايات القرآنية، وبيان وجهها في العربية، وكشف وجه الفصاحة فيها، ولا ريب في أن هذه أجور عظيمة لهذه الأمة في خدمة كتاب الله ، ومن ناحية أخرى فإن انشغال أبناء الأمة الإسلامية في تدارس وحفظ القرآن والتمييز بين متشابهاته أمر مقصود ليبقى كل حافظ على اتصال بالقرآن الكريم وتعاهد له، وكذا يقال بالنسبة للعناية بقراءاته وتتبعها وبيان وجوهها، فإن ذلك يؤدي إلى انشغال الأمة بتعلم القرآن وتعليمه وبذلك يستمر تعلقهم به قراءة وتدبرا وعملا. ٧ - أن في الأحرف السبعة بيانا لظهور سر الله تعالى في توليه حفظ كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل، فقد قيض الله في كل عصر وفي كل مصر من يحفظون كتاب الله ، بأوجهه المختلفة.

стр. 28

المبحث الثاني جمع القرآن الكريم في عهد عثمان ﵁ والفرق بينه وبين جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁ جمع القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ في الصدور وعلى أدوات الكتابة الأولية، وهي اللخف والعسب وجريد النخل وغيرها من أنواع الورق المتوفرة عندهم، ولم يكن القرآن الكريم آنذاك مجموعا في مكان واحد، بل كان مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وبالأحرف السبعة (١). قال البيهقي في المدخل: «واعلم أن القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله ﷺ ، ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرؤه إلا «سورة براءة» فإنها كانت من آخر ما نزل من القرآن ... ويشبه أن يكون رسول الله ﷺ إنما لم يجمعه في مصحف واحد، لما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه ورسومه، فلما ختم الله دينه بوفاة نبيه ﷺ ، وانقطع الوحي، قيض لخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين» (٢). ثم جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ بسبب خوف الفاروق عمر ﵁ ذهاب القرآن باستشهاد حفاظه وقد أمر أبو بكر ﵁ زيد بن ثابت ﵁ أن يجمع القرآن، ذلك أن زيدا كان من حفاظ القرآن ومن كتاب الوحي، وهو ممن شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، وقد كان القرآن في عهد أبي بكر في مصحف واحد مرتب الآيات مشتملا على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن (٣).

стр. 29

ولما اتسعت الفتوحات الإسلامية وتفرق القراء في الأمصار، أخذ كل صحابي يقرئ أهل البلدة التي ينزل فيها ما تعلمه من النبي ﷺ على وفق الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ولكن دخول الأعاجم في الإسلام وسماعهم للقرآن على هذا النحو أدى إلى دخول الشك في نفوس الناشئة الذين لم يدركوا رسول الله ﷺ . واشتد الأمر حينما كان غزو «أرمينية»، وغزو «أذربيجان» من أهل العراق، وكان فيمن غزاها حذيفة بن اليمان ﵁، فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراءة، وكان بعض ذلك خارجا عن سنن القراءة الصحيحة المتلقاة عن النبي ﷺ وبلغ الأمر بهم إلى تكفير بعضهم بعضا، ففزع حذيفة إلى عثمان بن عفان ﵁ يخبره بالأمر، فاستشار عثمان أصحاب رسول الله ﷺ في جمع القرآن على وفق العرضة الأخيرة؛ درءا للفتنة، وأن ينسخوه من الصحف التي كانت عند أبي بكر ﵁ في جمعه الأول للقرآن الكريم فوافقوه على ذلك. وفعلا قام عثمان ﵁ بجمع الناس على الأحرف الثابتة عن النبي ﷺ في العرضة الأخيرة برسم واحد في غالبه على حرف ولغة قريش، يحتمل الأوجه المختلفة، واطرح ما سواها، لكونه نسخ في العرضة الأخيرة؛ أو لكونه يعدّ تفسيرا وشرحا للآيات الكريمة من قبل الصحابة الكرام، وقد شارك في جمع القرآن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص بن أمية، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ﵃ (١). قال الحافظ ابن الجزري: «والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي، وابن تيمية وغيرهم، وذلك أن المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر ﵁ كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة، فلما كثر الاختلاف، وكاد المسلمون أن يكفر بعضهم بعضا أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي ﷺ على جبريل عام قبض، فكتبوا المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وما صح عن النبي ﷺ وجردوا المصاحف عن

стр. 30

النقط والشكل لتحتمله صورة ما بقي من الأحرف السبعة كالإمالة والتفخيم والإدغام والهمز والحركات وأضداد ذلك مما هو باقي الأحرف السبعة غير لغة قريش ... » (١). ونسخ عثمان ﵁ مجموعة من المصاحف وأرسلها إلى الأمصار حيث قام بجمع القرآن الذي تلقاه النبي ﷺ ، والذي كان يتنزل بوجوه متعددة ومتغايرة منزّلة من أوجه القرآن الكريم، وهي أوجه تتعلق بالتلاوة والقراءة كما تبين جليا من خلال استعراض الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف، ومن خلال المعنى المختار للأحرف السبعة. وقد ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇ متضمنة لها لم تترك منها حرفا، وهو القول الذي يظهر صوابه من خلال الأحاديث الصحيحة، والآثار المشهورة المستفيضة (٢). وقد حسم عثمان بذلك الخلاف بين المسلمين في وجوه قراءة القرآن، وحملهم على ما نزل من القرآن بكيفياته المختلفة، وأجمع الصحابة ﵃ على الرسم الذي كتب به عثمان القرآن مشتملا على المستقر من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، ولا ريب في أن إجماع الصحابة حجة قطعية حسمت مادة الخلاف بين المسلمين، وأوجبت العمل بالرسم العثماني (٣). قال أبو شامة: «ثم إن الصحابة ﵃ خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا، وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيرا، فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ

стр. 31

المرادف له، وصار الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ بعد ما عارضه به جبريل ﵇ في تلك السنة مرتين، ثم اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم ... » (١). ورجح بعض المعاصرين أن عثمان ﵁ قد جمع الناس على حرف واحد وهو لغة قريش واطرح ما سواها (٢). وهذا الرأي يمكن أن يفهم من جهتين: فإن أرادوا أن عثمان بن عفان ﵁ قد ألزم المسلمين بالقراءة بحرف قريش فحسب، وترك الأحرف الأخرى التي نزل بها القرآن، فهذا قول ضعيف لأمرين: الأمر الأول: أن هذا القول يتعارض والمعنى الأقرب لمعنى الأحرف السبعة، فالأحرف السبعة كما تقدم هي كيفيات ووجوه متعددة متغايرة لكلمات القرآن الكريم، وهذه الوجوه مشتملة على حرف قريش وغيره. الأمر الثاني: أن في هذا القول هدرا لجملة من القراءات القرآنية التي نزلت على النبي ﷺ وثبتت في العرضة الأخيرة. ويتمسك القائلون بأن عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد: بأن الأحرف السبعة رخصة فيسوغ أخذ حرف منها دون سائر الأحرف. ويرد على هذا الدليل: بأن التخيير إنما كان في قراءة ما هو متلقّى لا في نقل الروايات القرآنية، ولذلك كانت الرخصة في قراءة هذه الأحرف السبعة، أو قراءة بعضها، لا أن الأمة مخيرة أن تنقل ما تشاء منها، وتترك ما تشاء، فهذا مما لم تتناوله الرخصة سيما أن القرآن محفوظ كله بسائر الأحرف التي نزل بها. ثم إن الصحابة الكرام قاموا بنقل ما تلقوه من النبي ﷺ من أوجه القراءة موافقا للرسم العثماني لضبط الأوجه المقروء بها، ذلك أن الخبير بالرسم العثماني يدرك بأنه

стр. 32

يحتمل وجوها كثيرة فخوفا من تسرب ما لم يثبت قرآنا، عني الصحابة ﵃ والتابعون، ومن بعدهم بضبط روايات القرآن الكريم، واشتهر طائفة من نقلة هذه الروايات بالضبط والإتقان، وعرفوا بها، واشتهروا بنقلها، فنشأ مفهوم القراءات القرآنية أو علم القراءات. وأما إذا أرادوا بقولهم السابق: أن رسم المصحف كان بحرف قريش فقط، وأن رسمه يحتمل ما ثبت في العرضة الأخيرة، فهو رأي فيه وجاهة لولا أنه يشكل عليه ما ورد في صحيح الإمام البخاري من حديث أنس بن مالك قال: «فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش؛ فإن القرآن أنزل بلسانهم، ففعلوا» (١)، فالأثر السابق يستفاد منه الأمور التالية: الأمر الأول: أن غالب القرآن نزل بلسان قريش، لقول عثمان ﵁: «فإن القرآن نزل بلسانهم»، أي: أن غالب القرآن نزل بلسان قريش؛ بدليل قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر: ٢٨]، وقوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، فالآيتان الكريمتان تدلان على أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب جميعا؛ وإن كان غالبه نزل بلغة قريش. قال أبو شامة: «ومعنى قول عثمان ﵁ «إن القرآن أنزل بلسان قريش»، أي: معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم، أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف» (٢). الأمر الثاني: أن الأثر السابق يدل صراحة على أن رسم المصحف رسم بلغة قريش، وغيرها بدليل قول عثمان ﵁: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في

стр. 33

عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش»، فهو يدل على أن بعض الأحرف كانت تكتب بلغة غير لغة قريش. والذي يترجح في هذه الجزئية- والله تعالى أعلم-: أن القرآن الكريم قد رسم في غالبه بلغة قريش، مع هذا لا يمنع من رسم طائفة من الحروف بلغة غيرها؛ لأن رسم المصحف قد احتوى على ما استقر من الحروف القرآنية في العرضة الأخيرة. وعليه: فإن أبا بكر ﵁ قصد إلى جمع القرآن الكريم في مكان واحد حفظا للقرآن من الذهاب والاندثار والعياذ بالله، وقصد عثمان ﵁ أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي ﷺ ، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانوا يقرءون بها مع كونها منافية لخط المصحف (١).

стр. 34

المبحث الثالث الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات العشر المتواترة تقدم أن الأحرف السبعة هي الكيفيات المختلفة التي نزل بها القرآن الكريم، وأنه قد نسخ شيء منها في العرضة الأخيرة، وقد استقر الأمر- كما سيأتي- أن القراءات العشر هي المتواترة، وأنها جملة ما بقي في العرضة الأخيرة (١). وعليه: فإن القراءات العشر المتواترة هي جملة ما بقي من الأحرف السبعة، وهو الصورة النهائية لكتاب الله . قال البغوي: «جمع الله تعالى الأمة بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد، وهو آخر العرضات على رسول الله ﷺ ، كان أبو بكر الصديق ﵁ أمر بكتبته، جمعا بعد ما كان مفرقا في الرقاع ليكون أصلا للمسلمين، يرجعون إليه ويعتمدون عليه، وأمر عثمان ﵁ بنسخه في المصاحف، وجمع القوم عليه، وأمر بتحريق ما سواه قطعا لمادة الخلاف، فكان ما يخالف الخط المتفق عليه في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ ورفع منه باتفاق الصحابة، والمكتوب بين اللوحين هو المحفوظ من الله للعباد، وهو الإمام للأمة ... » (٢). فالأحرف السبعة هي الأعم، وأخص منها القراءات العشر المتواترة، وأخص منها القراءات السبع المتواترة، وأن ما سوى القراءات العشر المتواترة شاذ، وليس قرآنا ولا يقرأ به. وعليه: فإن القراءات السبع والعشر المتواترة تعتبر جزءا من الأحرف السبعة التي نزلت على قلب الحبيب المصطفى ﷺ ؛ لكونه قد نسخ جزء منها في العرضة الأخيرة.

стр. 35

ولذلك فإنه يمكن وضع القاعدة التالية: «كل قراءة صحيحة متواترة هي من الأحرف السبعة، وليس كل شيء من الأحرف السبعة متواترا؛ لكونه قد نسخ شيء منها في العرضة الأخيرة». قال ابن الجزري: «إن المصاحف العثمانية لم تكن محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أبيحت بها قراءة القرآن كما قال جماعة من أهل الكلام وغيرهم، بناء منهم على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة». وقال: «لأننا إذا قلنا إن المصاحف العثمانية محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى كان ما خالف الرسم يقطع بأنه ليس من الأحرف السبعة وهذا قول محظور لأن كثيرا مما خالف الرسم قد صح عن الصحابة ﵃، وعن النبي ﷺ » (١). ثم علق الدكتور القارئ على قول ابن الجزري المتقدم بقوله: «هذا مقتضى التحقيق لأن بعض أفراد الأحرف السبعة نسخت تلاوته في العرضة الأخيرة، فلم يقرئ به رسول الله ﷺ بعدها فلا يعتبر بعد ذلك قرآنا ولذا لم يكتب في المصاحف العثمانية لأن عثمان ﵁، ورهطه رضوان الله عليهم كانوا يتحرون كتابة ما ثبت في العرضة الأخيرة ... والحق الذي يعرفه كل محقق، أن ما أثبت في هذه العرضة من أحرف القرآن، والذي يمثل الصيغة الكاملة الأخيرة للقرآن قد كتب كله في المصاحف العثمانية، ولم يترك منه شيء، وقد اتفق المحققون على أن ما رواه الأئمة العشرة قد استوعب كل هذه الأحرف، واتفقوا على أن ما رواه غيرهم زائدا على ما رووه بجملتهم إما شاذ أو منكر أو ضعيف أو موضوع» (٢). وقال ابن الجزري: «الباب السادس: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة، وأنها متواترة أصولا وفرشا ... (٣). وقال: «وقول من قال: إن القراءات المتواترة لا حد لها، إن أراد في زماننا فغير صحيح، لأنه لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء العشر، وإن أراد في الصدر الأول، فيحتمل إن شاء الله» (٤).

стр. 36

وقال الإمام مكي بن أبي طالب: «إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه، واطّرح ما سواه مما يخالف خطه ... وجمع المسلمين عليها، ومنع من القراءة بما خالف خطها، وساعده في ذلك زهاء- أي قدر- اثني عشر ألفا من الصحابة والتابعين، واتبعه على ذلك جماعة من المسلمين بعده، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ وإن صحت ورويت» (١). وقال الإمام البغوي: «المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ ، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعول في اللفظ على ما هو خارج عن الرسم» (٢). وقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت ٤٤٠): «أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أن ما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن». وقال أبو شامة: «إن هذه القراءات التي نقرؤها هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة، وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف؛ إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، وإذ قد أباح النبي ﷺ لنا القراءة ببعضها دون بعض، لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠]، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان الله عليهم من جمع الناس على هذا المصحف، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف، وتكفير بعضهم لبعض» (٣).

стр. 37

المبحث الرابع خلاصة ما ينبغي اعتقاده في الأحرف السبعة والقراءات القرآنية العشر المتواترة وتاريخ المصحف الشريف لقد لخص الإمام أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى جملة ما يجب على المسلم اعتقاده في الأحرف السبعة والقراءات القرآنية وتاريخ المصحف، مبينا أهم القضايا في هذه المسألة الهامة والحساسة والحاسمة في موضوع القرآن الكريم، وفيما يلي كلمات الإمام أبي عمرو الداني بنصها لأهميتها: قال أبو عمرو الداني: «وجملة ما نعتقده من هذا الباب، وغيره: من إنزال القرآن، وكتابته، وجمعه، وتأليفه، وقراءته، ووجوهه، ونذهب إليه ونختاره، أن القرآن منزّل على سبعة أحرف: كلها شاف كاف، وحق وصواب، وأن الله تعالى قد خيّر القراء في جميعها، وصوّبهم إذا قرءوا بشيء منها. وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة، وألفاظها تارة مع اتفاق المعنى، ليس فيها تضاد، ولا تناف للمعنى، ولا إحالة ولا فساد، وأنا لا ندري حقيقة أي هذه السبعة الأحرف كان آخر العرض، أو آخر العرض كان ببعضها دون جميعها. وأن جميع هذه السبعة أحرف، قد كانت ظهرت، واستفاضت عن رسول الله ﷺ ، وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقتها منه، ولم يكن شيء منها مشكوكا فيه، ولا مرتابا به. وأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ومن بالحضرة من جميع الصحابة، قد أثبتوا جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبروا بصحتها، وأعلموا بصوابها، وخيروا الناس فيها، كما كان صنع رسول الله ﷺ . وأن من هذه الأحرف حرف أبي بن كعب، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف زيد بن ثابت، وأن عثمان رحمه الله تعالى والجماعة؛ إنما طرحوا حروفا وقراءات

стр. 38

باطلة، غير معروفة، ولا ثابتة، بل منقولة عن الرسول ﷺ ، نقل الأحاديث، التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها. وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف من الصحابة كأبيّ، وعبد الله، وزيد، وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له، وأكثر قراءة، وإقراء به، وملازمة له، وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة بالأمصار، المراد بها أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه، حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه. فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد. وأن القرآن لم ينزل بلغة قريش فقط، وإن كان معظمه نزل بلغة قريش، وأن رسول الله ﷺ سنّ جمع القرآن، وكتابته، وأمر بذلك، وأملاه على كتبته، وأنه ﷺ لم يمت حتى حفظ جميع القرآن جماعة من أصحابه، وقد حفظ الباقون منه جميعه متفرقا، وعرفوه وعلموا مواقعه ومواضعه، على وجه ما يعرف ذلك اليوم، من ليس من الحفاظ لجميع القرآن. وأن أبا بكر الصديق، وعمر الفاروق، وزيد بن ثابت ﵃، وجماعة من الأمة، أصابوا في جمع القرآن بين لوحين، وتحصينه، وإحرازه، وصيانته، وجروا في كتابته على سنن الرسول ﷺ ، وسنته، وأنهم لم يثبتوا منه شيئا غير معروف، ولا ما لم تقم الحجة به، ولا رجعوا في العلم بصحة شيء منه، وثبوته إلى شهادة الواحد والاثنين، وما جرى مجراها، وإن كانوا قد أشهدوا على النسخة التي جمعوها، على وجه الاحتياط، من الغلط، وطرق الحكم- أي توهمه-. وأن أبا بكر ﵁، قصد في جمع القرآن إلى تثبيته بين اللوحين فقط، ورسم جميعه، وأن عثمان رحمه الله تعالى، أحسن وأصاب، ووفق لفضل عظيم، في جمع الناس على مصحف واحد، وقراءات محصورة، والمنع من غير ذلك، وأن سائر الصحابة، من علي ﵁ ومن غيره، كانوا متبعين لرأي أبي بكر وعثمان

стр. 39

في جمع القرآن، وأنهم أخبروا بصواب ذلك، وشهدوا به، وأن عثمان ﵁ لم يقصد قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمع الصحابة على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول ﷺ ، وألقى ما لم يجر مجرى ذلك، وأخذهم بمصحف، لا تقديم فيه ولا تأخير. وأنه لم يسقط شيئا من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ ولا منع منها، ولا حظر القراءة بها؛ إذ ليس إليه، ولا إلى غيره أن يمنع ما أباحه الله تعالى وأطلقه، وحكم بصوابه، وحكم الرسول ﷺ للقارئ به أنه محسن مجمل في قراءته. وأن القراء السبعة ونظائرهم من الأئمة متبوعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم، التي لا شذوذ فيها، وأن ما عدا ذلك مقطوع على إبطاله وفساده، وممنوع من إطلاقه والقراءة به، فهذه الجملة التي نعتقدها ونختارها في هذا الباب، والأخبار الدالة على صحة جميعها كثيرة» (١).

стр. 40

الفصل الثاني مفهوم علم القراءات، ونشأته والمراحل التي مر بها وشروط القراءة الصحيحة وأنواع القراءات
следующие страницы →