وقال الإمام مكي بن أبي طالب: «إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه، واطّرح ما سواه مما يخالف خطه ... وجمع المسلمين عليها، ومنع من القراءة بما خالف خطها، وساعده في ذلك زهاء- أي قدر- اثني عشر ألفا من الصحابة والتابعين، واتبعه على ذلك جماعة من المسلمين بعده، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ وإن صحت ورويت» (١).
وقال الإمام البغوي: «المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ ، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعول في اللفظ على ما هو خارج عن الرسم» (٢).
وقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت ٤٤٠): «أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أن ما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن».
وقال أبو شامة: «إن هذه القراءات التي نقرؤها هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة، وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف؛ إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، وإذ قد أباح النبي ﷺ لنا القراءة ببعضها دون بعض، لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠]، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان الله عليهم من جمع الناس على هذا المصحف، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف، وتكفير بعضهم لبعض» (٣).
стр. 37
المبحث الرابع خلاصة ما ينبغي اعتقاده في الأحرف السبعة والقراءات القرآنية العشر المتواترة وتاريخ المصحف الشريف
لقد لخص الإمام أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى جملة ما يجب على المسلم اعتقاده في الأحرف السبعة والقراءات القرآنية وتاريخ المصحف، مبينا أهم القضايا في هذه المسألة الهامة والحساسة والحاسمة في موضوع القرآن الكريم، وفيما يلي كلمات الإمام أبي عمرو الداني بنصها لأهميتها:
قال أبو عمرو الداني: «وجملة ما نعتقده من هذا الباب، وغيره: من إنزال القرآن، وكتابته، وجمعه، وتأليفه، وقراءته، ووجوهه، ونذهب إليه ونختاره، أن القرآن منزّل على سبعة أحرف: كلها شاف كاف، وحق وصواب، وأن الله تعالى قد خيّر القراء في جميعها، وصوّبهم إذا قرءوا بشيء منها.
وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة، وألفاظها تارة مع اتفاق المعنى، ليس فيها تضاد، ولا تناف للمعنى، ولا إحالة ولا فساد، وأنا لا ندري حقيقة أي هذه السبعة الأحرف كان آخر العرض، أو آخر العرض كان ببعضها دون جميعها.
وأن جميع هذه السبعة أحرف، قد كانت ظهرت، واستفاضت عن رسول الله ﷺ ، وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقتها منه، ولم يكن شيء منها مشكوكا فيه، ولا مرتابا به.
وأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ومن بالحضرة من جميع الصحابة، قد أثبتوا جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبروا بصحتها، وأعلموا بصوابها، وخيروا الناس فيها، كما كان صنع رسول الله ﷺ .
وأن من هذه الأحرف حرف أبي بن كعب، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف زيد بن ثابت، وأن عثمان رحمه الله تعالى والجماعة؛ إنما طرحوا حروفا وقراءات
стр. 38
باطلة، غير معروفة، ولا ثابتة، بل منقولة عن الرسول ﷺ ، نقل الأحاديث، التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها.
وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف من الصحابة كأبيّ، وعبد الله، وزيد، وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له، وأكثر قراءة، وإقراء به، وملازمة له، وميلا إليه، لا غير ذلك.
وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة بالأمصار، المراد بها أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه، حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه. فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد.
وأن القرآن لم ينزل بلغة قريش فقط، وإن كان معظمه نزل بلغة قريش، وأن رسول الله ﷺ سنّ جمع القرآن، وكتابته، وأمر بذلك، وأملاه على كتبته، وأنه ﷺ لم يمت حتى حفظ جميع القرآن جماعة من أصحابه، وقد حفظ الباقون منه جميعه متفرقا، وعرفوه وعلموا مواقعه ومواضعه، على وجه ما يعرف ذلك اليوم، من ليس من الحفاظ لجميع القرآن.
وأن أبا بكر الصديق، وعمر الفاروق، وزيد بن ثابت ﵃، وجماعة من الأمة، أصابوا في جمع القرآن بين لوحين، وتحصينه، وإحرازه، وصيانته، وجروا في كتابته على سنن الرسول ﷺ ، وسنته، وأنهم لم يثبتوا منه شيئا غير معروف، ولا ما لم تقم الحجة به، ولا رجعوا في العلم بصحة شيء منه، وثبوته إلى شهادة الواحد والاثنين، وما جرى مجراها، وإن كانوا قد أشهدوا على النسخة التي جمعوها، على وجه الاحتياط، من الغلط، وطرق الحكم- أي توهمه-.
وأن أبا بكر ﵁، قصد في جمع القرآن إلى تثبيته بين اللوحين فقط، ورسم جميعه، وأن عثمان رحمه الله تعالى، أحسن وأصاب، ووفق لفضل عظيم، في جمع
الناس على مصحف واحد، وقراءات محصورة، والمنع من غير ذلك، وأن سائر الصحابة، من علي ﵁ ومن غيره، كانوا متبعين لرأي أبي بكر وعثمان
стр. 39
في جمع القرآن، وأنهم أخبروا بصواب ذلك، وشهدوا به، وأن عثمان ﵁ لم يقصد قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمع الصحابة على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول ﷺ ، وألقى ما لم يجر مجرى ذلك، وأخذهم بمصحف، لا تقديم فيه ولا تأخير.
وأنه لم يسقط شيئا من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ ولا منع منها، ولا حظر القراءة بها؛ إذ ليس إليه، ولا إلى غيره أن يمنع ما أباحه الله تعالى وأطلقه، وحكم بصوابه، وحكم الرسول ﷺ للقارئ به أنه محسن مجمل في قراءته.
وأن القراء السبعة ونظائرهم من الأئمة متبوعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم، التي لا شذوذ فيها، وأن ما عدا ذلك مقطوع على إبطاله وفساده، وممنوع من إطلاقه والقراءة به، فهذه الجملة التي نعتقدها ونختارها في هذا الباب، والأخبار الدالة على صحة جميعها كثيرة» (١).
стр. 40
الفصل الثاني مفهوم علم القراءات، ونشأته والمراحل التي مر بها وشروط القراءة الصحيحة وأنواع القراءات
стр. 41
الفصل الثاني مفهوم علم القراءات، ونشأته والمراحل التي مر بها، وشروط القراءة الصحيحة، وأنواع القراءات
المبحث الأول مفهوم علم القراءات، والفرق بين القرآن والقراءات
سيكون الحديث في هذا المبحث في تعريف علم القراءات، والفرق بين القرآن والقراءات، وذلك على النحو التالي:
أولا: تعريف علم القراءات:
أما القراءات لغة، فهي جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر قرأ، يقال: قرأ، يقرأ، قراءة، وقرآنا، بمعنى تلا، فهو قارئ، والقرآن متلو (١).
أما علم القراءات: «فهو العلم الذي يعنى بكيفية أداء كلمات القرآن الكريم، واختلافها معزوا إلى ناقله» (٢).
وقال بعض العلماء: بأن القراءات علم بكيفيات أداء كلمات «القرآن الكريم» من تخفيف وتشديد، واختلاف ألفاظ الوحي في الحروف» (٣).
وقال الدمياطي: «علم يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال وغيره من حيث السماع» (٤).
стр. 42
وموضوع هذا العلم هو: كلمات القرآن من حيث أحوال النطق بها وكيفية أدائها، واستمداده من النقول الصحيحة المتواترة عن علماء القراءات الموصولة إلى رسول الله ﷺ .
والمقرئ: من علم بها أداء ورواها مشافهة، فلو حفظ كتابا امتنع إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شيوخه مشافهة.
والقارئ المبتدئ: من أفرد إلى ثلاث روايات، والمنتهى من نقل منها أكثرها (١).
ثانيا: مصدر القراءات (٢):
القراءات القرآنية المتواترة هي جملة ما بقي من الأحرف السبعة التي نزلت على النبي ﷺ ، ومصدرها الوحيد هو الوحي الرباني الذي نزل به جبريل الأمين ﵇ على النبي ﷺ عن طريق النقل الصحيح المتواتر.
قال الله عن النبي ﷺ في تلقيه القرآن والقراءات: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: ٣ - ٥].
وليست القراءات القرآنية مأخوذة من خط العرب، أو رسم المصحف، أو اجتهاد الصحابة أو التابعين، فلا مجال للرأي والاجتهاد في تحديد قرآنية الرواية، ونسبة القراءات للقراء كما تقدم في كلام أبي عمرو الداني هي نسبة اختيار ودوام ولزوم ورواية واشتهار، لا نسبة اختراع ورأي واجتهاد.
ثالثا: الفرق بين القرآن والقراءات (٣):
القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المعجز المتعبد بتلاوته والمنقول إلينا نقلا متواترا، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس، وعليه: فالقرآن الكريم هو
الوحي الذي أنزله الله على قلب محمد ﷺ ، ونقل بالتواتر.
стр. 43
فهل هناك فرق بين القرآن والقراءات، وقد علمنا بأن القراءات هي كيفيات أداء كلمات القرآن، مع اختلافها معزوا إلى ناقله، ومنها المتواتر والشاذ على ما سيأتي.
بادئ بدء لا بد من القول بأن الإمام بدر الدين الزركشي يرى بأن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، حيث يقول: «واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف، وكيفيتها، من تخفيف وتثقيل ... » (١). ومنه أيضا: التخفيف والهمز والتسهيل والتحقيق، والفتح والإمالة، وغيرها من أوجه الاختلاف سواء وقع في الأصول أو في فرش الكلمات.
وتابع الزركشي في هذا القول القسطلاني في لطائف الإشارات، والشيخ أحمد ابن محمد الدمياطي، صاحب إتحاف فضلاء البشر.
وهذا الإطلاق من الإمام الزركشي يفيد كون القرآن والقراءات شيئين متغايرين مختلفين مطلقا من كل وجه، وهو إن كان يقصده الإمام فليس بصواب؛ لأن القراءات الصحيحة المتواترة التي تلقتها الأمة بالقبول ما هي إلا جزء من القرآن الكريم، فبينهما ارتباط وثيق، وهو ارتباط الجزء بالكل.
ولعل ما قصده الإمام الزركشي أن بينهما ارتباطا وثيقا، وتداخلا لا ينكر، حيث قال: «ولست في هذا أنكر تداخل القرآن بالقراءات، إذ لا بد أن يكون الارتباط بينهما وثيقا، غير أن الاختلاف على الرغم من هذا يظل موجودا بينهما، بمعنى أن كلّا منهما شيء يختلف عن الآخر لا يقوى هذا التداخل بينهما على أن يجعلهما شيئا واحدا، فما القرآن إلا التركيب واللفظ، وما القراءات إلا اللفظ ونطقه، والفرق بين هذا وذاك واضح، وبيّن» (٢).
والذي يبدو أن القرآن والقراءات ليسا متغايرين تغايرا كاملا، بل هما متغايران من وجه، حيث إن القرآن يشمل مواضع الاتفاق والاختلاف التي صحت وتواترت عن النبي ﷺ ، والقراءات هي أوجه الاختلاف سواء كانت متواترة أو شاذة، ومعلوم بأن الشاذ لا يصح كونه قرآنا.
стр. 44
كما أنهما ليسا متفقين مطلقا، بل هما متفقان من وجه أيضا، فإن القرآن هو الوحي النازل على النبي ﷺ ، والقراءات الصحيحة المتواترة جزء من هذا القرآن.
ويرى الدكتور محمد سالم محيسن أن: القرآن والقراءات حقيقتان بمعنى واحد، أي: أنهما شيء واحد، ودليله: أن كلّا منهما وحي منزل على الرسول ﷺ (١).
والظاهر أن هذا الرأي ليس بصواب؛ لما يأتي (٢):
١ - أن القراءات على اختلاف أنواعها لا تشمل كلمات القرآن كله، لأنها موجودة في بعض ألفاظه، فكيف يقال بأنهما حقيقتان متحدتان.
٢ - أن تعريف القراءات يشمل المتواتر والشاذ، والقراءات المتواترة من القرآن قطعا، والقراءات الشاذة لا تعتبر قرآنا، فكيف يقال بأن القرآن والقراءات على هذا الإطلاق حقيقة متحدة.
لذا، فإن المتتبع لروايات الأحرف السبعة، وما تتضمنه من معان ودلالات يجدها تدلل على أن القرآن الكريم هو الوحي الذي أنزله الله على نبيه ﷺ للبيان والإعجاز بما يتضمنه من أوجه الاختلاف التي تواترت وهي الأحرف السبعة، والتي سبق بيان معناها، وأنها كيفيات مختلفة لأداء كلمات القرآن الكريم، ومن هذه الكيفيات ما نسخ، ولم يتواتر، ومنها ما صح وتواتر عن النبي ﷺ ، وهو جملة ما بقي من الأحرف السبعة.
والمدقق في: كلمات القرآن الكريم المتواتر: يجد أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الكلمات التي لم تنزل إلا بوجه واحد، وبكيفية واحدة، وهي أكثر القرآن الكريم.
القسم الثاني: الكلمات التي نزلت بعدة أوجه، وهي جملة ما بقي من الأحرف السبعة، وهي أوجه الاختلاف التي ينقلها القراء بالتواتر جيلا بعد جيل.
стр. 45
وعليه: فإن القرآن والقراءات المتواترة حقيقة واحدة باعتبار كونهما وحيا من عند الله ﵎؛ فإن القراءات المتواترة والاختلاف الثابت عن النبي ﷺ في بعض الكلمات جزء من الوحي النازل على النبي ﷺ .
والقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان باعتبار طبيعة كل منهما، فإن القرآن هو كل ما نزل من عند الله سواء كان بوجه أو وجوه ونقل بالتواتر، وهو في الحالتين نزل للإعجاز والبيان، والقراءات بنوعيها المتواتر والشاذ؛ وهي الكلمات المختلف فيها.
ولذا فإن القرآن الكريم أعم من القراءات القرآنية المتواترة، كما أن القراءات الشاذة ليست من القرآن، والقراءات القرآنية المتواترة جزء من القرآن، ولا تنافي بينهما فكل قراءة صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ هي بعض من أبعاض القرآن الكريم، نزلت رخصة وتخفيفا على الأمة كما ثبت ذلك في أحاديث الأحرف السبعة.
стр. 46
المبحث الثاني نشأة علم القراءات والمراحل التي مر بها
القراءات القرآنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بنزول القرآن الكريم، وقد تقدم أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وقد كان النبي ﷺ يقرئ الصحابة ﵃ بهذه الأحرف، وكل واحد منهم يأخذ القراءة، ويقرأ ويقرئ بحسب ما تعلم، وانتشر الصحابة في الأمصار وتلقى منهم التابعون هذه الأحرف، وأخذ الأئمة عن التابعين حتى وصلت إلى زمن التدوين على ما سيأتي تفصيله.
أولا: متى كانت الرخصة بالأحرف السبعة ؟
لقد وقع الخلاف عند العلماء في بداية نزول القراءات وأوجه الاختلاف في الكلمات، هل بدأ نزولها في مكة، أو في المدينة، على قولين:
القول الأول: أن بداية نزولها كان بمكة المكرمة، وذلك للأدلة التالية (١):
١ - الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف، ومنها: «أقرأني جبريل على حرف واحد، فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» فوجه الدلالة واضح في أن القراءات تزامن نزولها مع نزول القرآن الكريم، بدليل قول النبي ﷺ : «أقرأني جبريل على حرف، أي: بداية نزول القرآن الكريم، وهكذا كان يطلب النبي ﷺ من جبريل الزيادة.
٢ - أن القرآن الكريم نزل بحرف، وبأكثر من حرف، والناظر في سور القرآن الكريم يجد أن معظم سور القرآن نزلت بمكة، حيث إن عدد السور المكية ثلاث وثمانون سورة.
٣ - أنه لم يثبت بسند صحيح أن هذه السور نزلت مرة أخرى بالمدينة المنورة، فعدم نزولها مرة أخرى دليل على أنها نزلت أول مرة في مكة مشتملة على الأحرف السبعة.
стр. 47
٤ - أن الغاية التي من أجلها نزلت الأحرف السبعة هي التخفيف عن الأمة على اختلاف لغاتها ولهجاتها، وهذه الحالة موجودة في مكة، ثم إن الأمة أحوج ما تكون إلى التيسير والتخفيف في مكة قبل المدينة النبوية.
القول الثاني: إن بداية نزول القراءات القرآنية كان في المدينة، وذلك للأدلة التالية:
١ - قول النبي ﷺ : «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف»، وأن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا».
وجه الدلالة في الحديث: أن هذا الحديث يدل على الوقت الذي رخص فيه أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف، وهو في المدينة بعد الهجرة، بدليل أن (أضاة بني غفار) هو مستنقع ماء قرب المدينة (١).
٢ - أن الأحاديث التي ورد فيها خلاف الصحابة في أوجه القراءة كانت في مسجد، ومعلوم أن المسجد كان في المدينة، ولم يكن في مكة.
٣ - أن حكمة كون بداية نزول الأحرف السبعة في المدينة، أن المؤمنين في مكة كانوا قليلي العدد والسواد الأعظم منهم من قريش، وعلى اتصال دائم برسول الله ﷺ ، وهم متمكنون من حفظ القرآن الكريم، وتلاوته تلاوة صحيحة خالية من التصحيف، أما في المدينة، فقد زاد عددهم، واتسع نطاق الدعوة، وأرسل الرسول ﷺ
стр. 48
يراسل القبائل والأقوام، من داخل الجزيرة العربية وخارجها، وكانوا متعددي اللغات واللهجات، فاحتاجوا للرخصة، فأخذ كل منهم يقرأ بقدر استطاعته (١).
يدل على هذا قول ابن حجر: «أنزل أولا بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرءوه بغير لسان قريش وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام لقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة» (٢).
وليس من السهل القطع بترجيح قول على آخر، ولكن الإشارات التي ذكرها أصحاب القول الثاني ربما تكون أقرب لموضوع الأحرف السبعة، والظروف التي نزلت فيها، وطبيعة الرخصة والحاجة إليها، فإن أضاة بني غفار موضع بالمدينة، كما أن الأحاديث الواردة في الأحرف السبعة ظاهرها كان في مسجد، وهو كان في المدينة، مع أن هذا القول يشكل عليه: كون عدد من سور القرآن مكية، وفيها وجوه اختلاف.
وبقية الاستدلالات تبدو عقلية وتحتمل الصواب والخطأ، ولذلك يظهر أن الأحرف نزلت في المدينة، ولكن لا يبعد أن جزءا منها نزل في مكة المكرمة.
ويمكن أن يقال أيضا إن السور التي نزلت بمكة نزلت أولا على حرف واحد وكان المسلمون يقرءونها بحرف واحد، فلما انتقلوا إلى المدينة وكثر الداخلون في الإسلام واحتيج إلى القراءة بسبعة أحرف صارت هذه السور تقرأ على سبعة أحرف بتعليم وتوقيف من الرسول ﷺ .
ثانيا: التدرج التاريخي لنشأة علم القراءات:
ترجح لدينا أن أكثر القراءات نزل في المدينة المنورة، بيد أنه لا يبعد أن يكون بعضها بدأ نزوله في مكة المكرمة.
وقد كان القرآن الكريم يتلقى عن النبي ﷺ حرفا حرفا، يتلقاه عنه الصحابة ﵃، وكان القرآن محفوظا في الصدور، وهكذا القراءات، ثم عني العلماء
стр. 49
بتدوين القراءات بعد وضع الشروط لقبولها، واعتبارها قرآنا، وسأجمل في ما يأتي المراحل التي مر بها هذا العلم الجليل على النحو التالي (١):
المرحلة الأولى: القرآن والقراءات في زمن النبوة، ويمكن إجمال هذه المرحلة بالنقاط التالية:
١ - تعليم جبريل ﵇ النبي ﷺ القرآن والقراءات، وكان هدفها حفظ النبي ﷺ ما كان يلقاه من القرآن.
٢ - تعليم النبي ﷺ الصحابة القرآن الكريم امتثالا لقول الله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [الإسراء: ١٠٦]، وقد ورد عن عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب ﵃: «أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر، أي: آيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمهم القرآن والعمل معا».
٣ - تعليم بعض المسلمين بعضا آي القرآن وسوره، وكان ذلك بأمر النبي ﷺ وإقراره، فأول من قدم إلى المدينة لتعليم المسلمين القرآن الكريم من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وإنه نزل دار القراء وكان سمي بالمقرئ، وعبد الله بن أم مكتوم، ثم بلال وعمار ﵃، ولما فتح النبي ﷺ مكة ترك فيهم معاذ ابن جبل ﵁ لتعليم المسلمين القرآن.
٤ - ظهور طائفة من الصحابة يتدارسون كتاب الله يسمون (بالقراء)، وهو بداية نشوء هذا المصطلح، وكانوا سبعين رجلا شببة كانوا إذا أمسوا أتوا ناحية المدينة فتدارسوا القرآن، وهم الذين قتلوا في غزوة بئر معونة.
٥ - تصدي بعض الصحابة لحفظ القرآن عن ظهر قلب في زمن النبي ﷺ ، ومنهم: أبو بكر الصديق، وأبي بن كعب (ت ٢٠ هـ)، وعبد الله بن مسعود (ت ٣٢ هـ)، وأبو الدرداء عويمر بن زيد (ت ٣٢ هـ)، وعثمان بن عفان (ت ٣٥ هـ)، وعلي بن أبي طالب (ت ٤٠ هـ)، وأبو موسى الأشعري (ت ٤٤ هـ)، وزيد بن ثابت (ت ٤٥ هـ)
стр. 50
رضي الله عنهم، قال الذهبي عنهم: «فهؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ ، وأخذ عنهم عرضا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة» (١).
هذا، وكون هؤلاء الذين حفظوا القرآن على النبي ﷺ لا يعني أن غيرهم من الصحابة لم يحفظوا القرآن، ولكن هؤلاء هم الذين اشتهروا في الأخذ عن الحبيب المصطفى ﷺ وهناك من الصحابة من أخذوا القرآن وحفظوه على النبي ﷺ .
المرحلة الثانية: القرآن والقراءات في زمن الصحابة والتابعين، ويمكن إجمال هذه المرحلة بالنقاط التالية:
١ - تلمذة جماعة من الصحابة والتابعين على جماعة من الصحابة ﵃، فقد قرأ أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب وعبد الله بن عياش وأبو العالية الرياحي قرءوا على أبي بن كعب، وقرأ المغيرة بن أبي شهاب المخزومي على عثمان بن عفان، وقرأ الأسود بن يزيد النخعي على عبد الله بن مسعود.
٢ - بدأ أخذ بعض وجوه القراءة المختلفة، ونقلها بالرواية، وقد ذكر ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في (القراءات)، وهو من أوائل الكتب المؤلفة في علم القراءات، وهذه النقطة لم تتعد القرن الأول الهجري، وبدأت تشيع ظاهرة اختلاف القراءات في النصف الأول من القرن الأول، كما يؤخذ من وفيات الصحابة ﵃.
٣ - تعيين الخليفة عثمان بن عفان ﵃ مقرئا خاصا لكل مصر من الأمصار التي بعث إليها بمصحف، وتوافق قراءته قراءة أهل المصر المرسل إليهم في الأكثر الأغلب، وقد كتبت المصاحف على وفق العرضة الأخيرة كما تقدم، والمشهور أن المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الأمصار خمسة، وفي هذه المرحلة بدأ التمييز بين القراءات الصحيحة المعتبرة، والقراءات الآحادية والشاذة، وبدأت تنتشر الروايات الشاذة، وهذا التمييز أساسه التلقي وموافقة الرسم العثماني.
وقد أرسل عبد الله بن السائب المخزومي (ت في حدود ٧٠ هـ) إلى مكة، وأبو عبد الرحمن السلمي (ت ٤٧ هـ) إلى الكوفة، وكان قبله ابن مسعود حينما أرسله عمر
стр. 51
ابن الخطاب ﵁، وعامر بن عبد قيس (حوالي ٥٥ هـ) إلى البصرة، والمغيرة ابن أبي شهاب المخزومي (ت نيف وسبعين هـ) إلى الشام، وجعل زيد بن ثابت (ت ٤٥ هـ) مقرئا في المدينة، وكان هذا في حدود سنة ثلاثين من الهجرة.
٤ - إقبال جماعة من كل مصر على المصحف العثماني لتلقي القراءات وفق ما تلقاه الصحابة عن النبي ﷺ ، وذلك على النحو التالي (١):
أ- في المدينة: معاذ بن الحارث، المعروف بمعاذ القارئ (ت ٦٣ هـ)، وسعيد ابن المسيب (ت ٩٤ هـ)، وعروة بن الزبير (ت ٩٥ هـ)، وعمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) وعطاء بن يسار (ت ١٠٣ هـ)، وسالم بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٦ هـ)، وغيرهم.
ب- في مكة: عبيد بن عمير (ت ٧٤ هـ)، ومجاهد بن جبر (ت ١٠٣ هـ)، وطاوس بن كيسان (ت ١٠٦ هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت ١١٥ هـ)، وعبد الله بن أبي مليكة (ت ١١٧ هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس (ت ٢٠٠ هـ)، وغيرهم.
ج- في الكوفة: عمرو بن شراحيل (ت بعد ٦٠ هـ)، وعلقمة بن قيس (ت ٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت ٦٣ هـ)، وعبيدة بن عمرو السلماني (ت ٧٢ هـ)، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي (ت ٧٤ هـ)، وإبراهيم بن يزيد النخعي (ت ٩٦ هـ)، وغيرهم.
د- في البصرة: عامر بن عبد قيس (ت حوالي ٥٥ هـ)، ويحيى بن يعمر العدواني (ت ٩٠ هـ)، ونصر بن عاصم الليثي (ت قبل المائة هـ)، وأبو رجاء العطاردي (ت ١٠٥ هـ)، والحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، ومحمد بن سيرين (ت ١١٠ هـ)، وغيرهم، هـ- في الشام: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي (ت نيف وسبعين هـ)، وخليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء، وغيرهم، وشملت هذه النقطة النصف الثاني من القرن الأول الهجري والنصف الأول من القرن الثاني الهجري.
٤ - تجرد قوم للقراءة والأخذ واعتنوا بضبط القراءة حتى صاروا أئمة يقتدى بهم في القراءة، وقد أجمع أهل بلدهم على تلقي القراءة منهم بالقبول، ولتصديهم للقراءة نسبت القراءة إليهم، ومنهم:
стр. 52
أ- بالمدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع (ت ١٣٠ هـ)، وشيبة بن نصاح (ت ١٣٠ هـ)، ونافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ).
ب- بمكة: عبد الله بن كثير (ت ١٢٠ هـ)، وحميد بن قيس الأعرج (ت ١٣٠ هـ)، ومحمد بن محيصن (ت ١٢٣ هـ).
ج- بالكوفة: يحيى بن وثاب (ت ١٠٣ هـ)، وعاصم بن أبي النجود (ت ١٢٩ هـ)، وسليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨ هـ)، وحمزة الزيات (ت ١٥٦ هـ)، والكسائي (ت ١٨٩ هـ).
د- بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق (ت ١٢٩ هـ)، وعيسى بن عمر (ت ١٤٩ هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ)، وعاصم الجحدري (ت ١٢٨ هـ)، ويعقوب الحضرمي (ت ٢٠٥ هـ).
هـ- بالشام: عبد الله بن عامر (١١٨ هـ)، وعطية بن قيس الكلابي (ت ١٢١ هـ) وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ويحيى بن الحارث الذماري (ت ١٤٥ هـ)، وشريح بن يزيد الحضرمي (ت ٢٠٣ هـ).
وكانت هذه الفترة تمهيدا للمرحلة التي بعدها، وهي فترة التدوين لروايات القراءات مع توفرها وبروزها ووضوحها.
المرحلة الثالثة: بدء التأليف في القراءات والتدوين وتنامي هذا الاتجاه حتى نضوج علم القراءات، ونضوج التأليف فيه، واستقراره، وسيأتي تفصيل دقيق في فصل مستقل من هذا الكتاب يبين حركة التأليف والتصنيف في علم القراءات، وتحقيق ذلك، ولكني في هذا المبحث سأعالج حركة التأليف بالقدر الذي يخدم إبراز هذه المرحلة كمرحلة تاريخية من مراحل نشوء علم القراءات دون الخوض في التفصيلات الدقيقة والتحقيقات المهمة، وذلك ضمن النقاط التالية:
١ - بدء التأليف في علم القراءات، وبدء عملية التدوين، وقد اختلف المؤرخون في أول من ألف في علم القراءات، فذهب الأكثر إلى أنه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، وذهب ابن الجزري إلى أنه أبو حاتم السجستاني (ت ٢٢٥ هـ)، وقيل غير ذلك، ولكن الذي يبدو أن يحيى بن يعمر (ت ٩٠ هـ) هو أول من ألف
стр. 53
في علم القراءات ثم تتابع التأليف من بعده، وقد زاد عدد المؤلفات بعد ابن يعمر إلى تسبيع ابن مجاهد السبعة واقتصاره عليهم، وجعلهم في مصنف خاص على ما يذكر
الدكتور عبد الهادي الفضلي عن أربع وأربعين مصنفا (١).
ويلاحظ أن هذه المصنفات لم تقتصر على عدد معين من القراءات.
٢ - تسبيع السبعة والاقتصار على جمع مؤلفاتهم في مؤلف خاص، وذلك في كتاب (السبعة في القراءات) لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي (ت ٣٢٤ هـ)، وبدء ظهور شروط القراءة الصحيحة، وتمييز الصحيح من الشاذ، فإن اختيار ابن مجاهد السبعة يشعر بأن ما سواها شاذ، وسيأتي تفصيل ما فعله ابن مجاهد، وسبب اقتصاره على السبعة، وشروط الاختيار مفصلا.
٣ - بعد تسبيع السبعة، وتشذيذ القراءات الشواذ، جاءت مرحلة الاحتجاج للقراءات في جوانبها اللغوية من صوتية وصرفية ونحوية، وسيأتي تفصيل المصنفات في علم توجيه القراءات والاحتجاج لها في مبحث العلوم المتصلة بعلم القراءات.
٤ - توالي التأليف في القراءات السبع، ومن أبرز هذه الكتب «التيسير» لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، ونظمه للإمام الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ)، وقد زادت شروحها عن (٢٩) شرحا، وتعدّ هذه النقطة هي الفاصلة للتفرقة بين القراءات الصحيحة والقراءات الشاذة، باشتهار كتاب التيسير ونظمه للشاطبي.
٥ - ثم جاءت مرحلة تفريد القراءات وتسديسها وتثمينها وتعشيرها دفعا لما علق في أذهان كثيرين من أن الأحرف السبعة الواردة في الحديث الشريف هي القراءات السبع التي جمعها ابن مجاهد، قال أبو الفضل الرازي:
«إن الناس إنما ثمنوا القراءات وعشّروها وزادوا على عدد السبعة الذين اقتصر عليهم ابن مجاهد- لأجل هذه الشبهة- وإني لم أقتف أثرهم تثمينا في التصنيف أو تعشيرا أو تفريدا إلا لإزالة ما ذكرته من الشبهة. وليعلم أن ليس المراعى في الأحرف السبعة المنزلة عددا من الرجال دون آخرين ولا الأزمنة ولا الأمكنة، وأنه لو اجتمع عدد لا يحصى من الأمة فاختار كل واحد منهم حروفا بخلاف صاحبه، وجرد طريقا
стр. 54
في القراءة على حدة في أي مكان كان وفي أي أوان أراد بعد الأئمة الماضين في ذلك- بعد أن كان ذلك المختار بما اختاره من الحروف بشرط الاختيار- لما كان بذلك خارجا عن الأحرف السبعة المنزلة، بل فيها متسع إلى يوم القيامة» (١).
والمقصود بالتفريد إفراد قراءة واحدة بالتأليف، والتسديس: ذكر ست قراءات في مؤلف واحد وهكذا. والهدف من ذلك أمران:
١ - إزالة ما توهمه كثيرون من أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة.
٢ - بيان أن هناك قراءات أخرى غير السبع مقبولة وصحيحة.
وقد أورد ابن الجزري طائفة من هذه الكتب في قائمة مصادر كتابه «النشر»، وذكر في غاية النهاية كثيرا منها عند ترجمته لمؤلفيها، وذكر صاحب كشف الظنون أكثرها حسب ترتيب أسمائها على حروف المعجم، كما ذكرت مرتبة على حسب سنوات وفاة مؤلفيها في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي- قسم القراءات (٢)، وسيأتي ذكر مجموعة من هذه الكتب في المبحث الأول من الفصل الخامس.
اختيار ابن مجاهد للسبعة، وأثره في التأليف في القراءات:
ذكر ابن مجاهد أن القراء السبعة الذين ضمن كتابه قراءاتهم، خلفوا التابعين في القراءة، وأجمعت العامة على قراءاتهم، وهو بهذا كأنه يلتمس لنفسه العذر فيما قام به من اختيار السبعة دون غيرهم وفي هذا يقول بعد أن ترجم لهم:
«فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سميت، وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفا شاذا، فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزا في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه» (٣).
стр. 55
والذي ينعم نظره في هذا النص يجد أن ابن مجاهد يعدّ قراءة هؤلاء السبعة هي القراءات المجمع عليها، وما سواها ليس كذلك وقد كان للعلماء في صنيع ابن مجاهد رأيان، فذهب جماعة منهم (١) إلى لومه وتخطئته، وذهب آخرون (٢) إلى التماس العذر له وبيان أنه لم يقصد أن هذه القراءات السبع هي المقصودة بالحديث.
وأيا كان الأمر فإن هناك أمرا مهما دعا ابن مجاهد إلى القيام بهذا العمل.
قال مكي: «إن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد كثيرا في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط به القراءة، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره، وأجمع أهل
مصره على عدالته وثقته وعلمه، فأفردوا من كل مصر وجّه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفته: فكان هؤلاء السبعة في الأمصار، ومع ذلك لم تترك القراءة بقراءة غيرهم كأبي جعفر ويعقوب وغيرهما» (٣).
وقد اشتهرت هذه القراءات السبع وتداولها الناس وكان لمكانة ابن مجاهد العلمية أثر كبير في هذه الشهرة، فضلا عما يتمتع به أصحاب القراءات السبع من مكانة علمية رفيعة.
ومما زاد في شهرة هذه القراءات وتمسك الناس بها أن ابن مجاهد أفرد القراءات الشاذة بمؤلف خاص فكان عمله هذا حاسما في توضيح الفرق بين المقبول والمردود من القراءات، وأشار المستشرق نولدكه إلى هذا الكتاب بقوله: «تبدأ مراجع القراءات
стр. 56
الشاذة حقيقية بالرجل الذي أسس نظام القراءات السبع المشهورة (ابن مجاهد) وقد ألف إلى جانب كتاب السبعة كتابا آخر اسمه كتاب (الشواذ) وقد ضاع» (١).
وبعد ذلك توالى التأليف في القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد، فألف مكي ابن أبي طالب: التبصرة، والكشف، وألف أبو عمرو الداني: التيسير وجامع البيان، وألف ابن شريح: الكافي، ونظم الشاطبي قصيدته: «حرز الأماني ووجه التهاني» ضمنها كتاب التيسير.
«وقد كانت مؤلفات الداني ومعاصريه من علماء القرن الخامس حدا فاصلا في التفرقة بين القراءات الصحيحة والشاذة لا سيما مؤلفات الداني بما لقيته من شهرة وإقبال دراسي عليها وبما حظيت به الشاطبية من شرح ودرس» (٢).
ذلك لأن في مؤلفات القرن الرابع أمثال السبعة لابن مجاهد قراءات صحيحة شذذها رجال القرن الخامس ومن بعدهم كقراءة ابن كثير (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) في الفاتحة بنصب غير، وقراءته (لَإِحْدَى الْكُبَرِ) في المدثر بغير همز (لحدى)، وقراءات شواذ وردت في مختصر البديع لابن خالويه. مثل قراءة ابن كثير من رواية البزي (سَحابٌ ظُلُماتٌ) في النور بالإضافة، اعتدها متواترة مقرءو القرن الخامس ومن بعدهم، وفي ضوئه قد نستطيع أن نعتبر عصر الداني العصر الذي استقرت فيه الحدود بين القراءات الصحاح والقراءات الشواذ.
ثالثا: القراءات القرآنية في عصرنا الحاضر:
بعد الحديث عن نشأة علم القراءات وحاله في المراحل الزمنية المتعددة، فإنه ينبغي تبيين حال هذا العلم في عصرنا الحاضر، بعد أن مرّ هذا العلم بأوقات ندر فيها طالبوه، وقلّ فيها راغبوه، إلا أننا في هذا العصر بحمد الله نلمس بداية عودة صادقة إلى هذا العلم، ورغبة جامحة في تعلمه وتلقيه، وعادت القراءات لتنتشر من جديد، ومظاهر هذه العودة إلى علم القراءات متعددة ومنها:
стр. 57
١ - انتشار القراءات التي يقرأ بها في العالم الإسلامي:
كانت قراءات الأئمة العشرة منتشرة في الأمصار الإسلامية، يقرأ أهل كل مصر وما حوله بقراءة إمامهم، واستمر الحال على ذلك قرونا، وذكر الداني أن إمام الجامع الكبير في البصرة لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب (١)، وكان أهل مصر يقرءون برواية ورش حتى القرن الخامس الهجري، ثم انتشرت بينهم قراءة أبي عمرو البصري (٢).
ويبدو أن الأمر استمر على هذا الحال زمنا بعد ذلك، حتى امتد حكم الدولة العثمانية للبلاد العربية، في القرن العاشر الهجري فانتشرت رواية حفص عن عاصم في معظم العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت بسبب اعتماد الدولة العثمانية لها، ثم طباعة المصحف بها، وازدادت انتشارا في زماننا هذا بسبب كثرة المصاحف المطبوعة بها، وانتشار التسجيلات بها وعبر الإذاعات ووسائل الإعلام المتعددة.
فرواية حفص عن عاصم يقرأ بها معظم المسلمين في الدول الإسلامية وغيرها.
ويقرأ برواية قالون عن نافع، في ليبيا وأجزاء من تونس والجزائر (٣).
وبرواية ورش عن نافع في غرب مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتشاد والكمرون ونيجيريا وأغلب البلاد الإفريقية الغربية، وفي شمال
وغرب السودان (٤).
ويقرأ برواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، وحضر موت في اليمن (٥).
وينتشر طلبة علم القراءات والراغبون في تلقيها في أماكن عديدة ودول كثيرة.
стр. 58
٢ - طباعة المصاحف بالروايات المتعددة:
نظرا لانتشار رواية حفص عن عاصم بين معظم المسلمين فإن غالبية المصاحف تطبع وفق روايته.
وتأتي بعد ذلك المصاحف المطبوعة برواية ورش عن نافع، حيث طبعت في مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة وفي بلاد المغرب العربي وسوريا وقطر.
وطبعت مصاحف برواية قالون في ليبيا وتونس والجزائر.
وبرواية الدوري في السودان والمدينة المنورة.
ويلحظ القارئ في هذه المصاحف وجود اختلافات يسيرة بينها في الضبط وفي الحركات المثبتة على الألفاظ المختلف فيها بين هذه الروايات، وقد حرص القائمون على طباعة المصاحف على إثبات الرواية التي طبع بها المصحف على الغلاف من الجانبين حتى لا يظن أحد وجود خطأ فيه، كما تختلف هذه المصاحف في رسم بعض الألفاظ تبعا للمذهب الذي رسم به المصحف وتختلف في عدد آياتها حسب العدد المعتمد لبلد القارئ، وهذا أمر ينبغي التنبه له والاعتناء به، وعلى القارئ في المصاحف المطبوعة بأي من هذه الروايات الاطلاع على التعريف بالمصحف وعلى اصطلاحات الضبط المستعملة فيه حتى يتمكن من القراءة فيه بسهولة ويسر.
وفيما يلي تعريف بأشهر المصطلحات المستخدمة في المصاحف المطبوعة برواية غير رواية حفص عن عاصم:
- علامة همزة الوصل: نقطة توضع على أعلى الألف أو وسطها أو تحتها، لتدل على كيفية البدء بهذه الهمزة، فإن وضعت فوق الألف فهذا يدل على الابتداء بها مفتوحة، وإن وضعت على وسطها فهذا يدل على الابتداء بها مضمومة، وإن وضعت تحت الألف فهذا يدل على الابتداء بها مكسورة، ويستخدم مع همزة الوصل: جرّة، تدل على الحركة التي تسبق همزة الوصل، فإن وضعت فوق الألف تدل على أن الحركة التي قبلها الفتح، وإن وضعت على وسط الألف دلت على أن الحركة التي قبلها الضم، وإن وضعت تحت الألف دلت على أن الحركة التي قبلها الكسر، مثل:
وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ [الزخرف: ٦٩ - ٧٠].
стр. 59
الم (١) اللَّهُ [آل عمران: ١ - ٢].
وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها [الحجر: ٤٥ - ٤٦].
وإذا كانت همزة الوصل بعد حرف عطف لا ينفك عنها كالواو والفاء لا توضع عليها أية إشارة لعدم إمكان البدء بها.
- الدائرة المطموسة: لها أكثر من دلالة فهي:
أ- تدل على الهمزة المسهلة بين بين نحو: كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ [المؤمنون: ٤٤].
ب- تدل على الهمزة المبدلة واوا أو ياء، وتميز عن الدالة على الهمزة المسهلة بإثبات الحركة معها هنا دون المسهلة، مثل: السُّفَهاءُ أَلا.
وفي بعض المصاحف يوضع بدلا من الدائرة المطموسة ياء صغيرة تدل على الهمزة المبدلة ياء، وواو صغيرة تدل على الهمزة المبدلة واوا.
ج- تدل على الإمالة أو التقليل: وفي بعض المصاحف تستخدم علامة الشكل المعين للإمالة، وعلامة المثلث للتقليل.
د- تدل على الاختلاس في الألفاظ التي ورد فيها الاختلاس من بعض القراء مثل: لا تَعْدُوا على رواية قالون ومن وافقه.
هـ- تدل على الإشمام في الألفاظ التي ورد فيها الإشمام عن بعض القراء مثل:
سِيءَ بِهِمْ عند نافع ومن وافقه.
- تستخدم بعض المصاحف عددا من علامات الضبط الأخرى المعمول بها عند المغاربة مثل:
أ- علامة السكون: دائرة مغلقة تشبه علامة الحرف المزيد رسما.
ب- الضمة: واو صغيرة حذف رأسها (د).
ج- عدم نقط أربعة حروف إذا وقعت متطرفة أي في آخر الكلمة، وهي الحروف المجموعة بكلمة: ينفق.
د- علامة الإدغام الناقص: بإثبات السكون على الحرف المدغم وتشديد الحرف المدغم فيه.
هـ- علامة الوقف: رأس صاد، مأخوذ من كلمة: صه.
стр. 60
٣ - تسجيل الروايات صوتيا:
كان للتقدم الهائل الذي شهدته البشرية في السنوات الأخيرة أثره الواضح، وانتفع دعاة الإسلام منه في تحديث وسائل الدعوة والخير، ومن ذلك تسجيل القرآن الكريم بأصوات عدد من القراء المتقنين وبروايات متعددة، فقد سجل المصحف برواية حفص بأصوات عشرات بل مئات القراء، وبرواية ورش بصوت محمود خليل الحصري وغيره، وبرواية قالون بصوت محمد بو سنينة وعلي بن عبد الرحمن الحذيفي وبرواية الدوري بصوت علي عبد الرحمن الحذيفي، ومحمود خليل الحصري.
وصدرت أشرطة صوتية ومرئية وأقراص كمبيوتر عليها تسجيلات منها ما هو تعليمي ومنها ما هو توثيقي بالروايات والقراءات المتواترة، منها قرص كمبيوتر Cd بالقراءات السبع بصوت إبراهيم الجرمي، وموسوعة الوسيط في علم التجويد التي استخدمت فيها أحدث وسائل التقنية في تعليم رواية حفص من طريق الشاطبية، من إعداد وتنفيذ الدكتور محمد خالد منصور، وكانت كلية القرآن الكريم في المدينة المنورة قد بدأت بإصدار موسوعة القراءات العشر مسجلة على أشرطة بطريقة تعليمية، وأنجزت جزءا من العمل وبثته إذاعة القرآن الكريم في السعودية.
٤ - قيام مؤسسات وكليات تعنى بعلم القراءات .
بعد أن مرت مدة من الزمن، قل فيها متلقو علم القراءة والباحثون في دقائقه، واكتفى أكثر الناس بتعلم الرواية المشتهرة وهي رواية حفص عن عاصم، ظهرت بحمد الله نهضة علمية في هذا العلم الجليل، وبدأ طلبة العلم يقبلون على علم القراءات، وعاد الاعتناء بالتلقي والإجازة يأخذ موقعه المتميز، ورافق ذلك إنشاء عدد من المعاهد والأقسام العلمية والكليات والجمعيات تعنى بتعليم القراءات، ومنها:
١ - معهد القراءات بالقاهرة:
أنشئ سنة ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م، ويدرس فيه القراءات العشر من طريقي الشاطبية والدرة، ثم من طريق الطيبة، وقد تولى التدريس فيه نخبة من كبار علماء القراءات
стр. 61
أمثال: محمد بن محمد جابر المصري، محمود حافظ برانق، محمد سليمان صالح، عامر السيد عثمان، عبد العظيم الخياط وغيرهم (١).
٢ - كلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة:
أنشئت عام ١٣٩٤ هـ، ويدرس فيها القراءات العشر من طريقي الشاطبية والدرة، ومواد التفسير وعلوم القرآن ورسم المصحف وضبطه وعدّ الآي وتوجيه القراءات ومناهج المفسرين والتوحيد والسيرة والإعجاز وغيرها من المواد (٢).
٣ - جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بالسودان:
أنشئت سنة ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م، وتضم ست كليات، ولها فروع متعددة في مدن السودان، وتعنى كلية القرآن الكريم بتعليم القراءات العشر وغيرها من علوم القرآن الكريم والعلوم الشرعية (٣).
٤ - الكلية العليا للقرآن الكريم باليمن:
أنشئت عام ١٩٩٤ م، وتمنح درجة البكالوريوس، والإجازة بالسند في القراءات (٤).
٥ - قسم القراءات القرآنية بجامعة البلقاء التطبيقية بالأردن:
وهو حديث الإنشاء، حيث التحق الفوج الأول به في العام الدراسي ٢٠٠٠/ ٢٠٠١ م، وقد وضعت له خطة دراسية محكمة يتقن الطالب من خلالها القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة ويتعرف إلى طيبة النشر والقراءات الشاذة وأعلام القراء وتوجيه القراءات والإعجاز القرآني ورسم المصحف إلى غير ذلك من العلوم الشرعية النافعة.
стр. 62
٦ - جمعية المحافظة على القرآن الكريم بالأردن:
أنشئت عام ١٩٩١ م، وتعنى بعقد دورات تعليمية للقراءات القرآنية، فضلا عن دورات تعليم أحكام التجويد وتخريج أعداد من حفظة القرآن الكريم، ومنح الإجازة
بالقراءات العشر أو ببعضها.
هذه أمثلة لعدد من الجامعات والكليات المتخصصة ويوجد كثير من المدارس والمعاهد والكليات وحلقات العلم والمراكز في جميع أنحاء العالم الإسلامي وخارجه حيث يوجد مسلمون، يدرّس فيها أحكام تلاوة القرآن الكريم، وعلومه المتعددة، كما تجرى المسابقات العالمية في أقطار متعددة بين حفظة القرآن الكريم والمقبلين على تعلمه برواياته المتعددة وقراءاته العشر المتواترة.
стр. 63
المبحث الثالث شروط القراءة الصحيحة، وأنواع القراءات
بناء على ما تقدم: فقد نشأ مفهوم القراءات القرآنية، وهي تنقسم عند القراء إلى قسمين في الجملة (١).
القسم الأول: القراءة المتواترة (٢):
وهي القراءة التي توفرت فيها ثلاثة أركان وهي شروط القراءة الصحيحة المقروء بها:
١ - موافقة وجه صحيح في اللغة العربية: أي موافقة القراءة للقواعد والآراء النحوية المستقاة من النطق العربي الفصيح (٣).
٢ - موافقة أحد المصاحف التي أرسلها عثمان بن عفان ﵁ للأمصار، والرسم العثماني: هو كيفية كتابة الحروف والكلمات القرآنية بما يوافق ما استقر عليه أمر القرآن في العرضة الأخيرة، والتي سبق التفصيل فيها في جمع عثمان ﵁ القرآن الكريم، وكانت غاية رسم المصحف بهذه الكيفيات نفي الروايات التي لم تثبت قرآنيتها؛ أي: لإخراج القراءات الشاذة والآحادية (٤)، وسيأتي تفصيل لتعريف علم الرسم، وأهم المصنفات فيه في مبحث العلوم المتعلقة بالقراءات.
٣ - حصول التواتر: وهو رأي جمهور القراء وهو قول الأصوليين والفقهاء (٥).
стр. 64
وخالف مكي بن أبي طالب، وابن الجزري في اشتراط التواتر ركنا في القراءة الصحيحة، وقالا: إن صحة الإسناد مع الاشتهار تكون كافية لإثبات القراءة القرآنية، إضافة إلى الركنين الآخرين وهما موافقة سنن العربية وموافقة الرسم العثماني (١).
ووجه الفرق بين الفريقين بالنسبة للركنين الآخرين سوى التواتر: أن الركنين الآخرين عند القائلين بالتواتر، هما ركنان لازمان للتواتر، بمعنى: أن القراءة المتواترة لا بد فيها من تحقق الشرطين الآخرين بطريق التّبع.
بخلاف القائلين: بأن التواتر ليس شرطا في صحة القراءة فإن الركنين الآخرين يعتبران ضروريين لاعتبار صحة القراءة فكون القراءة وردت بطريق الآحاد لا يكفي لاعتبار صحة القراءة بالحرف المروي.
وحينئذ يظهر: أن الخلاف بين الفريقين خلاف مؤداه واحد، ذلك أن الفريقين يشترطان التواتر لاعتبار إثبات القراءة وبيان ذلك: أن القائلين بالتواتر يعتبرون الشرطين الآخرين بمنزلة تحصيل الحاصل وتابع لتواتر الرواية، وكذلك الحال بالنسبة للقائلين بصحة السند مع الاشتهار، مع موافقة الوضع العربي والرسم العثماني، فإن هذين الشرطين يعطيان الرواية الصحيحة المشتهرة قوة التواتر فيأتلف الكلام حينئذ ولا يختلف.
стр. 65
مع أننا نجد أن الحافظ ابن الجزري يجزم بأن التواتر شرط للقراءة الصحيحة بقوله: «الباب السادس: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة، وأنها متواترة فرشا وأصولا حال اجتماعهم وافتراقهم، وحل مشكلات ذلك» (١).
وقد شذذ جمهور القراء قول مكي وابن الجزري حيث قال الصفاقسي: «مذهب الأصوليين وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثين والقراء: أن التواتر شرط في صحة القراءة، ولا تثبت بالسند الصحيح غير المتواتر، ولو وافقت رسم المصاحف العثمانية، وهو قول محدث لا يعول عليه، ويؤدي إلى تسوية غير القرآن بالقرآن» (٢).
وعليه: فالقراءة الصحيحة المتواترة، هي القراءة التي توافرت فيها الأركان الثلاثة المتقدمة، وأنه بناء عليها تعتبر هذه الرواية قراءة قرآنية، تصح القراءة بها في الصلاة، وفي خارجها، ولا خلاف عند العلماء في ذلك كما تقدم من قول الصفاقسي: «أنه قول عامة العلماء».
قال ابن عابدين: «القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في مصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار، وهو الذي أجمع عليه الأئمة العشرة، وهذا هو المتواتر جملة وتفصيلا فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذ، وإنما الشاذ ما وراء العشرة وهو الصحيح» (٣).
القسم الثاني: القراءات الشاذة:
أولا: مفهومها لغة واصطلاحا:
الشاذ لغة: المنفرد، وهو ما ندر عن الجمهور (٤).
стр. 66
وأما القراءة الشاذة اصطلاحا، فهي ما اختل فيها ركن من أركان القراءة الثلاثة المتقدمة: التواتر، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة وجه من وجوه اللغة العربية (١).
غير أن جمهور القراء يعتبرون الشاذ ما كان غير متواتر، فالآحاد عندهم في حكم الشاذ، وهي القراءة التي اختل فيها ركنها الركين وهو التواتر، وهذا الركن يعد الركن الأهم، والمعول عليه في اعتبار إثبات قرآنية الرواية، فمتى فقدت الرواية أحد هذه الشروط، تكون شاذة ويحكم بعدم قرآنيتها، ولا تعتبر قرآنا.
قال الحافظ ابن الجزري: « ... ومتى اختل ركن من الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة ... هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف» (٢).
ثانيا: رواة القراءات الشاذة:
وهم ينقسمون إلى قسمين (٣):
القسم الأول: الذين رووا القراءات الشاذة بصورة عامة، وهم كثير حتى روي عن بعض الأئمة العشرة رواية بعض القراءات الشاذة، ومنهم بعض الصحابة كابن مسعود (ت ٣٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع بن مالك (ت ٦٢ هـ)، وعبد الله بن الزبير (ت ٧٣ هـ) ﵃، ومن التابعين: كنصر بن عاصم الليثي البصري (ت ٩٩ هـ)، ومجاهد بن جبر (ت ١٠٣ هـ)، وأبان بن عثمان بن عفان (ت ١٠٥ هـ)، والضحاك بن مزاحم (ت ١٠٥ هـ)، ومحمد بن سيرين (ت ١١٠ هـ)، وقتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي (ت ١١٧ هـ)، وغيرهم.
القسم الثاني: وهم أشهر أصحاب القراءات الشاذة، وهم أربعة، جمعهم بعض العلماء كالقباقبي في إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز، والدمياطي في إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، وسأعرف بهم بصورة موجزة على النحو التالي:
١ - ابن محيصن: هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير، ثقة، روى له مسلم، قال ابن مجاهد: «كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية، فخرج به عن إجماع أهل بلده،
стр. 67
فرغب الناس عن قراءته، وأجمعوا على قراءة ابن كثير لاتباعه» (١)، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة.
٢ - يحيى اليزيدي: هو أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري، المعروف باليزيدي، إمام نحوي مقرئ، توفي سنة اثنتين ومائتين.
٣ - الحسن البصري: هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، إمام أهل زمانه علما، وعملا، وفصاحة ونبلا، توفي سنة عشر ومائة.
٤ - الأعمش: هو أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش، الأسدي الكوفي مولاهم الإمام الجليل، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة (٢).
ثالثا: أنواع القراءات الشاذة:
النوع الأول: ما ورد آحادا وصح سنده، ولكنه خالف رسم المصحف أو خالف قواعد العربية أو لم يشتهر الاشتهار الذي اشترطه مكي وابن الجزري رحمهما الله تعالى،
ومثال هذا النوع: ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة: أن النبي ﷺ قرأ: «متكئين على رفارف خضر، وعباقري حسان»، وأخرج من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قرأ: «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرات أعين»، وغيرها من الأمثلة (٣).
النوع الثاني: ما لم يصح إسناده، ومن ذلك قراءة «ملك يوم الدين» بصيغة الماضي، ونصب «يوم»، و «إياك يعبد» ببنائه للمفعول.
النوع الثالث: وهو الموضوع المختلق (٤).
النوع الرابع: القراءات التفسيرية، وهي التي سيقت على سبيل التفسير وهو يشبه من أنواع الحديث المدرج (٥)، مثل قراءة سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت من
стр. 68
أم»، وكقراءة ابن عباس: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج»، وغيرها (١)، وقد كانوا يدخلون هذا النوع في التفسير؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي ﷺ ، وهم الذين حضروا التنزيل وهم أولى الناس بتأويله.
قال أبو عبيد القاسم بن سلّام: «المقصد من القراءة الشاذة: تفسير القراءة المشهورة، وتبيين معانيها كقراءة عائشة، وحفصة ﵄: «والصلاة الوسطى، صلاة القصر»، وقراءة ابن مسعود ﵁: «فاقطعوا أيمانهما»، وقراءة جابر ﵁: «فإن الله من بعد إكراهن لهن غفور رحيم»، فهذه الحروف، وما شاكلها قد صارت مفسّرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن، فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة فهو أكثر من التفسير وأقوى فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل» (٢).
وقد اتفق القراء جميعا بعد ذلك: على أن ما وراء القراءات العشر التي جمعها القراء العشرة والواردة في طيبة النشر لابن الجزري شاذ، أي: غير متواتر، ولا يجوز اعتقاد قرآنيته، ولا تصح الصلاة به (٣).
رابعا: حكم القراءات الشاذة:
القراءات الشاذة لا تعتبر قرآنا، ولا يجوز اعتقاد قرآنيتها، ولذلك لا تجوز قراءتها في الصلاة وفي خارجها، ولكن يجوز تعلمها وتعليمها وتدوينها في الكتب، وبيان وجهها من حيث اللغة والإعراب (٤).
стр. 69
كما أن القراءة الشاذة حجة عند الأصوليين في استنباط الحكم الشرعي وإثباته بها (١).
خامسا: أهم المصنفات في القراءات الشاذة:
للقراءات الشاذة مصنفات خاصة بها، ومن أهمها:
١ - الشواذ في القراءات: لابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) ولابن جني توجيه القراءات التي فيه بكتابه: المحتسب.
٢ - البديع في القراءات، ومختصره، وقد نشر المختصر بعنوان: مختصر في شواذ القرآن، كلاهما لابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ).
٣ - التعريف بالقراءات الشواذ لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ).
٤ - الإقناع في القراءات الشاذة لأبي علي الأهوازي (ت ٤٤٦ هـ).
٥ - اللوامح في شواذ القراءات لأبي الفضل الرازي (ت ٤٥٤ هـ).
٦ - شواذ القراءات واختلاف المصاحف لمحمود بن عبد الله الكرماني (ت ٥٠٥ هـ).
٧ - التقريب والبيان في معرفة شواذ القرآن لعبد الرحمن الصفراوي (ت ٦٣٤ هـ).
٨ - نهاية البررة فيما زاد على العشرة لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ).
٩ - مقدمة في مذاهب القراء الأربعة الزائدة على العشرة لسلطان المزاحي (ت ١٠٧٥ هـ).
١٠ - الإفادة المقنعة في قراءات الأئمة الأربعة لعبد الله بن مصطفى الكوبريلي (ت ١١٤٨ هـ).
١١ - الفوائد المعتبرة في القراءات الأربعة الزائدة على العشرة، منظومة، وشرحها:
موارد البررة كلاهما للمتولي (ت ١٣١٣ هـ).
١٢ - القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب لعبد الفتاح القاضي (ت ١٤٠٣ هـ).
стр. 70
سادسا: طريقة معرفة القراءة الشاذة:
يمكن لطالب العلم أن يتعرف على القراءات الشاذة عن طريق مراجعة الكتب الصحيحة المؤلفة في القراءات السبع أو العشر المتواترة، فإن ما سواهما شاذ، أو مراجعة الكتب المتخصصة في البحث في القراءات الشاذة أو مراجعة كتب التفسير التي تعتني ببيان القراءات إجمالا كتفسير الطبري والزمخشري وأبي حيان الأندلسي، وأخيرا مراجعة أئمة القراءة المعروفين الضابطين المتقنين (١).
سابعا: أمثلة القراءات الشاذة (٢):
١ - قرأ الضحاك بن مزاحم: «وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ» أي: داود وسليمان- ﵉، وسبب شذوذ هذه القراءة، أنها غير متواترة، والقراءة المتواترة هي قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة: ١٠٢].
٢ - قرأ أبو موسى الأشعري: «ولا تناسوا الفضل بينكم»، وسبب شذوذها: عدم التواتر، فالرسم العثماني يحتملها إن ألحقت الألف في موضعها، والقراءة المتواترة هي قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٣٧].
٣ - قرأ سعد بن أبي وقاص ﵁: «وله أخ أو أخت من أمه» بزيادة لفظ:
«من أمه»، وسبب شذوذها أمران، أنها غير متواترة، ومخالفة للرسم العثماني، والقراءة المتواترة هي قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء: ١٢].
٤ - قرأ أبي بن كعب ﵁: «تأتينكم» بتاء التأنيث، لأن الفاعل، وهو «رسل» جمع تكسير، فيجوز في فعله التذكير والتأنيث، وسبب شذوذها عدم التواتر، والقراءة المتواترة هي قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي [الأعراف: ٣٥].
بناء على ما تقدم من تعريف القراءات، وتقسيم القراءات إلى متواترة وشاذة، يظهر أن التقسيم هو باعتبار صحة نقل الرواية، وعدد الناقلين.
стр. 71
تقسيمات أخرى للقراءات القرآنية:
وهناك اعتبارات أخرى لتقسيم القراءات القرآنية على النحو التالي:
أولا: باعتبار نوع الاختلاف الواقع في الكلمات القرآنية إلى قسمين أصول وفرش (١):
القسم الأول: الأصول، أي: أصول القراءات، أو أصول القراءة، وهي تعني القواعد المطردة التي تنطبق على كل جزئيات القاعدة، والتي يكثر دورها، وتطرد، ويدخل في حكم الواحد منها الجميع، بحيث إذا ذكر حرف من حروف القرآن الكريم، ولم يقيد يدخل تحته كل ما كان مثله، فالتفخيم للخاء المفتوحة مثلا يكون مطردا في كل كلمة ترد في القرآن فيها خاء مفتوحة.
وإنما سميت الأصول أصولا لأنها يكثر دورها ويطرد حكمها على جزئياتها.
والأصول التي يذكرها علماء القراءات هي: الاستعاذة، والبسملة، وسورة أم القرآن، والإدغام الكبير، وهاء الكناية، والمد والقصر، والهمزتان من كلمة، ومن كلمتين، والهمز المفرد، ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، والسكت على الساكن قبل الهمز وغيره، ووقف حمزة وهشام على الهمز، والإدغام الصغير، والكلام في ذال: «إذ» ودال «قد» و «تاء التأنيث» ولام «هل وبل» وحروف قربت مخارجها، وأحكام النون الساكنة والتنوين، والفتح والإمالة وبين اللفظين، وإمالة هاء التأنيث وما قبلها في
الوقف، ومذاهب القراء في الراءات واللامات، والوقف على أواخر الكلم، والوقف على مرسوم الخط، وياءات الإضافة، والياءات الزوائد.
القسم الثاني: الفرش، وهو الكلمات التي يقل دورها وتكرارها من حروف القراءات المختلف فيها في القرآن الكريم، ولم تطرد، وقد أطلق عليها القراء فرشا لانتشارها كأنها انفرشت وتفرقت في السور وانتشرت؛ ولأنها لما كانت مذكورة في أماكنها من السور فهي كالمفروشة، فإن الفرش إذا ذكر فيه حرف فإنه لا يتعدى أول حرف من تلك السورة إلا بدليل أو إشارة أو نحو ذلك، ويبتدئ القراء بذكر الفرش من أول سورة البقرة إلى آخر سورة الناس، وقد سمى بعضهم الفرش فروعا مقابلة للأصول.
стр. 72
ومثاله ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ٩]، فقد قرأ الكوفيون الأربعة: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: «يخدعون»، وقرأ الباقون من العشرة: «يخادعون».
ثانيا: باعتبار نسبة القراءات لناقليها، أو ما يسمى: الفرق بين القراءة والرواية والطريق (١).
فما نسب لإمام من الأئمة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه فهو قراءة، وكل ما نسب للراوي عن الإمام فهو رواية، وكل ما نسب للآخذ عن الراوي وإن سفل فهو طريق.
- فمثلا: الفتح في لفظ «ضعف» في سورة الروم قراءة حمزة، ورواية شعبة، وطريق عبيد بن الصباح عن حفص، وكذلك إثبات البسملة قراءة المكي، ورواية قالون عن نافع، وطريق الأصبهاني عن ورش، وهكذا.
ثالثا: تقسيم القراءات القرآنية باعتبار إلزام القارئ بأوجه قراءة أو رواية معينة، أو تخييره فيها إلى الخلاف الواجب والجائز.
أولا: الخلاف الواجب: وهو عين القراءات والروايات والطرق بمعنى أن القارئ ملزم بالإتيان بها جميعا، فلو أخل بشيء منها عد ذلك نقصا في روايته، كأوجه البدل مع ذات الياء لورش فهي طرق وإن شاع التعبير عنها بالأوجه تساهلا.
والخلاف الواجب يكون في أصول القراءة: ومثاله الخلاف في المد الجائز المنفصل، وكالخلاف في الإمالة، وغيرها من الأصول.
ويكون أيضا في فرش الكلمات، ومثاله: الخلاف في قراءة لفظ: «فرهين» في قوله تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ [الشعراء: ١٤٩]، فقد قرأ ابن عامر والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالألف: «فارهين»، وقرأ الباقون بدون ألف: «فرهين» (٢).
стр. 73
ثانيا: الخلاف الجائز: وهو الخلاف في الأوجه التي على سبيل التخيير، والإباحة كأوجه البسملة، وأوجه الوقف على عارض السكون، فالقارئ مخير في الإتيان بأي وجه منها وهو غير ملزم بالإتيان بها كلها فلو أتى بوجه منها أجزأه ولا يعتبر ذلك تقصيرا منه ولا نقصا في روايته، وهذه الأوجه الاختيارية لا يقال لها قراءات ولا روايات ولا طرق بل يقال لها أوجه فقط.
ولذلك فإن من جهل الفرق بين الخلاف الواجب والجائز تعذرت عليه القراءة وخلط فيها (١).
стр. 74
الفصل الثالث التعريف بالقراء العشرة ورواتهم
стр. 75
الفصل الثالث التعريف بالقراء العشرة ورواتهم تحدثنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب عن مفهوم علم القراءات ونشأته ومراحله وشروط القراءة الصحيحة، وأنواع القراءات، وسيكون الحديث في هذا الفصل عن القراء العشرة ورواتهم إذ يجدر بالدارس أن يعرف طرفا من سيرة هؤلاء الأعلام الكبار الذين اتفق العلماء على اختيارهم من بين مئات بل ألوف القراء لأن كلّا منهم «ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء وارتحال الناس إليه من البلدان» (١) إضافة إلى اشتهارهم بالثقة والأمانة وحسن الدين وكمال العلم، وإجماع أهل عصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة فيما قرءوا ورووا، ولم تخرج قراءاتهم عن خط المصحف (٢).
المبحث الأول التعريف بالقراء العشرة
١ - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم
: اسمه ونسبه: أبو عبد الرحمن الليثي مولاهم، المدني إمام أهل المدينة في القراءة وأحد القراء السبعة الأعلام.
أصله من أصبهان، كان أسود اللون حالكا، صبيح الوجه حسن الخلق فيه دعابة.
- شيوخه: أخذ القراءة عرضا عن جماعة من تابعي أهل المدينة؛ عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج وأبي جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، ويزيد بن رومان ومسلم بن جندب، وصالح بن خوّات والأصبغ بن عبد العزيز النحوي وعبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري.