← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38086

من روائع القرآن

محمد سعيد البوطي

Полный текст (281 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدّمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

الحمد لله بجميع محامده ما علمت منها وما لم أعلم، على جميع نعمه وآلائه، ما علمت منها وما لم أعلم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبيّ الأميّ المبعوث رحمة إلى العالمين. وبعد، فهذه طبعة جديدة لكتاب روائع القرآن، أقدمها إلى طلاب العربية وهواة الأدب العربي وكل من يعنى بدراسة القرآن. ولقد تمنيت أن يتاح لي من الوقت ما يسمح لي بالتوسع في بحوثه والتعمّق في دراساته، بالقدر الذي يتفق مع روعة القرآن وعمق مراميه ودقة بيانه. ولكني على يقين بأن الزمن كله أضيق من أن يتّسع لشرح يتكافأ مع عظمته، والطاقات كلها أقل من أن تنهض باستيعاب دقائقه، والحياة كلها جزء يسير من مدّه الزاخر وإشراقه السامي ومعانيه التي لا تنقضي! ... قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (الكهف: ١٠٩). ولقد شرّفني الله بتدريس القرآن وبلاغته بقسم اللغة العربية في جامعة دمشق ثم في جامعة اللاذقية، فما رأيت ذا رشد في فكره، وذوق في نفسه، يتاح له أن يعلم علما عن هذا الكتاب وأن ينصت إلى شيء من

стр. 3

بيانه، إلا وتهتز منه الجوانح طربا لرائع قوله وسمو إشراقه، ثم يقف مستسلما مشدوها تحت مظلة إعجازه! ... لا يحول دون استعلانه بذلك فكر عرف به أو هوى يميل إليه أو عصبية تسيطر عليه. هذا، على الرغم مما انحدرت إليه الدراسات العربية من الضحالة والسطحية والضعف، ومع كل ما انتهى إليه طلابها من فساد الذوق وعجمة اللسان وفهاهة البيان. وأشهد لو أن العربية كانت تعيش على ألسنة العرب اليوم أيام شبابها، إذا لكان للقرآن أثر فريد في حياتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ولكن عدوا شرسا لهذه الأمة عرف كيف يسدد الطعنة إليها، وأدرك السبيل إلى تجفيف روافد العز في حياتها، فانحطّ في أسباب الكيد لثقافتها العربية وذاتيتها الإسلامية، عن طريق إبعادها عن سلطان هذا الكتاب وحجبها عن أسباب التأثّر به. وإن التاريخ ليرصد السعي إلى هذه المكيدة بإحصاء دقيق، وإن ذهل عنه كثير من السادرين والسكارى من أهله، وإنه ليذكر ولا ينسى يوم وقف وزير المستعمرات البريطاني «غلادستون» بين زملائه في مجلس الوزراء يقول، وقد أمسك بيده قرآنا يلوّح إليهم به: لن تحقّق بريطانيا شيئا من غاياتها في العرب والمسلمين إلا إذا سلبتهم سلطان هذا الكتاب أولا. أخرجوا سرّ هذا الكتاب مما بينهم تتحطم أمامكم جميع السدود (١)! ... وبعد، فإن الإحاطة بأسرار هذا الكتاب وجوانب إعجازه، أمر

стр. 4

عسير بل مستحيل تقف دونه قدرات البشر جميعا. غير أن ما لا يدرك كله لا يترك كله؛ ولقد ساعدني التوفيق الإلهي على توسيع دائرة البحث في إعجاز القرآن من هذا الكتاب، بالقدر الذي سمح به الوقت وامتدّ إليه الجهد. وكلّ ما زدته أو توسعت فيه من هذا البحث، ليس إلا بمثابة إصبع تشير من على الشاطئ إلى المحيط المتلاطم الذي لا يستبين له حدود. وإنما المهم من دراسة الإعجاز القرآني أن يصل منها القارئ إلى ما يدرك معه أن صياغة هذا الكتاب ليست مما من شأنه أن يخضع للطاقة الإنسانية، وأن معانيه ليست مما قد يأتي بمثله الفكر الإنساني. وأحسب أنني قد أتيت من الحديث عن إعجاز القرآن (على إيجازه) بما يعطي القارئ هذا اليقين ويسلّمه إلى هذه الحقيقة. أما سائر البحوث الأخرى فقد زدت في كثير منها بالقدر الذي أسعفني الوقت، كما غيّرت في بعض منها بالمقدار الذي يقتضيه التنقيح أو الإصلاح. وإنني إذ أتقدم بهذه الطبعة الجديدة من كتابي هذا إلى طلابي قسم اللغة العربية، وسائر الإخوة القرّاء، آمل أن يجعله الله في أيديهم مفتاح عناية شاملة بالقرآن، وعكوف جادّ على دراسته واتقان تلاوته، وخضوع جديد تحت حكمه وسلطانه. والله المستعان في كل هداية وتوفيق. محمّد سعيد رمضان البوطي دمشق في ١٥ شوال سنة ١٣٩٥ ٢٠ تشرين أول سنة ١٩٧٥

стр. 5

مقدّمة الطبعة الثّالثة الحمد لله وليّ كل نعمة، يمنّ بالتوفيق ثم يثيب عليه، ويلهم الحمد ثم يجزي به! .. وأشهد أن لا إله إلّا الله تفرّد بالربوبية المطلقة فلا ربّ ولا معبود ولا حاكم سواه. ظهر في آثاره وبديع مخلوقاته، فلو رأته العين لم يزدد برؤيتها له ظهورا، وخفي في كنهه وحقيقته، فمهما تأمله العقل وانساح وراء تصوره الخيال لم يبلغ العقل ولا الخيال منه شيئا. والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأسأله أن يمتّعني بتوفيق من لدنه، وأن يهبني من نعمة الإخلاص لوجهه الكريم ما يقيني من حظوظ نفسي ويعتقني من سلطان كل مادح أو قادح. وبعد: فقد شاء الله تعالى- وهو المتفضّل الكريم- أن أقدّم إلى القرّاء طبعة ثالثة من هذا الكتاب، بعد أن وفّقني ، فأدخلت عليه تهذيبا تناول متفرقات كثيرة من جمله وألفاظه، وألهمني فزدت فيه بحثا من أهم ما يتعلق بآداب القرآن وعلومه، وهو: الأمثال في القرآن. ولئن كان في ذلك ما يدلّ على أن الكتاب قد سار خطوة أخرى نحو الكمال، فإنه لدليل في الوقت ذاته على أنه كان ولا يزال يتّسم بالنقصان. وإنه لمن أجلى مظاهر الضعف والقصور في الإنسان أن يشعر

стр. 6

بالنقص في كل شئونه مع تصوره الكمال المطلق بعقله، فيشتدّ بها نحو غاية الكمال. وكلما ارتقى بها إلى درجة من درجاته اكتشف مزيدا من البعد بينه وبين غايته، فهو لا يزال يفرّ من النقصان لأن حبّ الكمال مغروس في كيانه، ولا يزال الكمال من فوقه لأنه من خصائص الخالق وهو مخلوق، ولأنه من صفات الربّ ﷻ وهو عبد ضعيف!. فلئن وجدت أيّها القارئ في الكتاب- بعد هذا التهذيب الذي ذكرت- بقايا من مظاهر القصور والنقص- ولعلّك تجد منها الكثير- فذلك لأني لم أستطع أن أتحرر عن سمة النقص في ذاتي، وما دان لي ذلك، وليس لي من مطمع فيه. ولئن عثرت فيه على مظاهر التقدّم نحو الكمال، فذلك من فضل الله عليّ وتوفيقه. ولقد رأيت أن العبد كلما ازداد بصيرة بضعفه وركونا إلى عبوديته زاده الله ﷻ قربا إليه وتفضلا وإحسانا، وكلما ازداد نسيانا لضعفه وتعاظما في نفسه، زاده الله تعالى بعدا عنه ووكله إلى نفسه وشأنه فلم يأت منهما بطائل. وإني إذ أشكر الله تعالى على أن ستر نقصي بتوفيقه، فإني لأشكر سائر الإخوة القرّاء الذين كانوا ولا يزالون يمنّون عليّ بملاحظاتهم واستدراكاتهم، ومن لم يشكر النّاس الذين ألهمهم الله تعالى تذكيره، لم يشكر الله الذي وفّقه للاستفادة من ذلك التذكير! .. وليس العيب أن يعترف العبد بقصوره فيتلقّى بيد الشكر نصيحة الناصحين، وإنما العيب كل العيب ما قد يتلبس به أحد رجلين: رجل يستكبر عن قبول الحق فهو يتباهى بين الناس بالباطل الذي ألصقه فيه كبره، وآخر يلتقط مظاهر النقص في الآخرين فيشهرها بين الناس على رماح من ضغينته وحقده. ينبش السيئة من القبر الذي دفنت فيه وإن محاها ألف حسنة وراءها، ويدسّ الحسنات في التراب مهما كان للناس خير في تجليتها وظهورها! ..

стр. 7

فأنا أضرع إلى الله أن لا يجعلني واحدا من هذين الرجلين، وأن يحشرني إليه بقلب سليم قد أخلص لله في دينه، وأخلص مع الناس في أخوّته لهم وصدقه معهم. وأسأله سبحانه أن يمتّعني بمرضاته والإخلاص لوجهه، وأن يختم لي بصالح الأعمال إنه أرحم الراحمين وإنه وليّ كل فضل وتوفيق. محمّد سعيد رمضان البوطي

стр. 8

تمهيد أوّل تعريف بهذا الكتاب وأهمّ ابحاثه هذه تأملات علمية وأدبية سريعة في كتاب الله تعالى، أردت أن أوضح من ورائها بعض ما ينطوي عليه هذا الكتاب من روعة البيان وإعجازه، ومدى تأثيره في مختلف العلوم التي تزخر بها المكتبة العربية اليوم، مما لا بدّ للأديب ودارس العربية من الوقوف عليه. وهي كما قلت، لا تزيد على أن تكون تأملات .. فلم أقصد منها استقصاء لبحث، ولا تحقيقا جامعا لفن، ولو قصدت إلى ذلك لضاقت بي السّبل واستعصى عليّ البحث، ولاحتاج الأمر إلى مجلدات واسعة عظيمة، وأنى لمثلي أن يأتي بتحقيق جامع لفنون هذا الكتاب المبين، أو أن يستقصي البحث في آدابه وبلاغته وعلومه؟! وإنما الذي قصدت إليه، هو أن أنال رشفة من بحر هذا البيان الإلهي، وقبضة من كنز علومه، أمتّع بهما الخاطر والنفس، وأسعد بهما الفكر والخيال. وحسبي، وحسب القارئ، أن نقف من وراء ذلك وقفة المتأمل الخاشع عند شاطئ هذا اليم. نمتّع البصر فيما يعجز عن إدراك كنهه العقل، ونرهف السمع لهذا الذي سجد لبيانه البيان. وكم من جمال تذوب تأثرا به النفس، ولا يحدّه الفكر والعقل. وكم من حقيقة جاثمة وراء حدود دلالة النطق والكلام، فلا يعبّر عنها إلا الحيرة الخاشعة ولا يتبيّنها سوى صادق الإحساس.

стр. 9

ثم إن هذا الكتاب الإلهي العظيم، ينطوي على علوم مختلفة هامة، تتعلق بمضمونه وتاريخ نزوله، كما ينطوي على صور رائعة من الجمال في تعبيره وأسلوبه وإنما يتعلق الغرض هنا بعرض سريع موجز لكلا الجانبين. إذ لا معنى لدراسة الأدب العربي بدون أيّ دراسة لينبوع هذا الأدب كله، وهو القرآن. ولا قيمة لدراسة فنون العربية وعلومها بدون الرجوع إلى ميزان هذه العلوم ومعتمدها الأول ولا اعتبار لأدب أديب يترطن في تلاوة القرآن ولا يكاد يبين. وهذا يعني أن الغرض إنما يتناول من ذلك كله، القدر الذي يخصّ العربية وعلومها وآدابها، أما ما يمتد من وراء ذلك إلى علوم الفقه وأصوله أو التفسير وعلم الكلام، فلا شأن لنا به في هذا المقام. وهذه الحاجة المحدودة بهذا الشكل والقدر، هي التي ألجأتني إلى الكتابة في هذا الفن، رغم كثرة الشواغل والصوارف المختلفة. فقد رجعت إلى كل ما وقع تحت يدي من كتب هذا البحث مما ألّف قديما وحديثا، فما وجدت فيه شيئا يفي بحاجة من يقبل على دراسة الأدب العربي، وإن كان كلّ منها يقع موقعا من حاجته ويسدّ مسدّا فيها. فالبعض منها يتناول زاوية صغيرة محدودة من مجموع ما يتعلق به الغرض في هذا المقام، والبعض منها يطنب ويتوسع في أبحاث علوم القرآن حتى يتجاوز الأمر بالقارئ حدود العربية وآدابها إلى الإسلاميات وعلومها. ولقد انتهى الضعف بطلاب العربية وعلومها في عصرنا إلى حدّ لا يكادون يستطيعون التعرّف فيه على شيء من هذه الكتب أو الأمّهات القديمة، ولا يكادون يملكون صبرا على قراءتها أو تصفحها، ويبدو أننا (ويا للأسف) لم ندرك بعد سرّ هذه الغاشية ولا علاجها. فمن أجل كل ذلك اضطررت إلى أن أكتب بضع صفحات في هذا الفن، أتيمم فيها حاجة الأدب العربي وكفايته، واستهدف من ورائها أن يتذوق طلاب العربية هذا السموّ الرائع في البيان القرآني، تذوقا جيدا. فإنهم إذا تذوقوه طربوا له، وإذا طربوا له أقبلوا إليه قراءة وفهما، وإذا أقبلوا إليه بهذا

стр. 10

الشكل، استقامت ألسنتهم وتخلصت من عوج العاميّة ورطانتها وتذوقوا الأدب العربي في كل فروعه وجوانبه. وتحقيقا لهذا الهدف، قسمت هذا الكتاب بعد المقدمة والتمهيد إلى ثلاثة أقسام: (القسم الأول) ويتناول خلاصة لتاريخ القرآن وعلومه وهي تشمل: ١ - القرآن: تعريفه وحقيقته. ٢ - نزول القرآن منجّما والحكمة من ذلك .. ٣ - أسباب النزول .. ٤ - كيفية جمع القرآن وكتابته. ٥ - رسم القرآن. ٦ - الأحرف السبعة: خلاصة جامعة عنها. ٧ - القراءات والقرّاء: لمحة دراسية عنها. ٨ - المكّي والمدني. ٩ - التفسير: نشأته وتطوره ومذاهبه. ١٠ - المبهم والمتشابه في القرآن. (القسم الثاني) ويتناول دراسة موجزة لمنهجه وأسلوبه، وتشمل هذه الدراسة الأبحاث التالية: ١"- أسلوب القرآن: نظرة عامة فيه، ثم دراسة لخصائصه. ٢"- إعجاز القرآن: بيانه ودليله ووجوهه. ٣"- موضوعات القرآن وطريقة عرضه لها: دراسة مختصرة سريعة. ٤"- التصوير في القرآن: مظهره ووسائله. ٥"- الأمثال في القرآن. ٦"- القصة في القرآن: أغراضها ومنهجها. ٧"- المنهج التربوي في القرآن. ٨"- النزعة الإنسانية في القرآن.

стр. 11

٩"- فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة. ١٠"- هل من الممكن ترجمة القرآن. (القسم الثالث) ويتناول نماذج من النصوص القرآنية في بعض موضوعاته نتبعها بشرح أدبي مركّز، يكون تطبيقا للدراسات النظرية التي تناولها أبحاث القسم الثاني، ومثالا يحتذيه القارئ في شرح بقية آي الكتاب الكريم، مستعينا على ذلك بالرجوع إلى مختلف تفاسير الكتاب الكريم. وأسأل الله ربّ العالمين، أن يوفّقنا لأن نجعل دراستنا للعربية خدمة لكتابه، ولا يتركنا ندرس كتابه خدمة للعربية، وأن يبصّر عقولنا بالحق، ويجبّب إلى قلوبنا اتّباعه والتمسك به. وحسبي الله ونعم الوكيل.

стр. 12

تمهيد ثان بتعريف أهمّيّة القرآن في الأدب العربيّ ووجوه ذلك لعلّ البعض يتساءل عن وجه الحاجة إلى دراسة القرآن، في الأدب العربي، ولعلّه يحسب أن في ذلك خلطا بين الآداب والإسلاميات، لا وجه له ولا ضرورة إليه. والجواب، أن لهذا الكتاب العظيم أهمية بالغة من جوانب مختلفة متعددة. فإن له جانبا تشريعيا هاما، لا ينفكّ عن الحاجة إلى دراسته كل متطلّع إلى دراسة الفقه والتشريع. وإن له مع ذلك جانبا متعلقا بالعقيدة والفلسفة والأخلاقيات، لا ينفكّ عن الحاجة إلى دراسته كل مقبل إلى دراسة العقائد أو الفلسفة أو الأخلاق، كما أن له مع ذلك جانبا أدبيّا أصيلا بعيد الجذور في تاريخ الأدب العربي، عظيم الأثر في توجيهه وتطويره وتقويمه، فمن أجل ذلك كان لا بدّ لمن أراد العكوف على دراسة العربية وآدابها من أن يعكف على دراسة القرآن وعلومه، وكلما ابتغى مزيدا من التوسع في العلوم العربية وثقافتها، احتاج إلى مزيد من التوسّع في دراساته القرآنية المختلفة. وإليك ملخصا من وجوه هذه الحاجة وأسبابها: السبب الأول - أن هذا الكتاب العربي المبين، هو أول كتاب ظهر في تاريخ اللغة العربية (١) وإنما نشأت حركات التدوين والتأليف بعد ذلك على

стр. 13

ضوؤه وسارت بإشراقه، وتأثرت بوحيه وأسلوبه. ومن أجل ذلك، كان مظهرا هامّا للحياة العقلية والفكرية والأدبية التي عاشها العرب فيما بعد. فكيف يتأتى أن يكون هذا الكتاب مع ذلك بمعزل عن العربية وعلومها وآدابها؟! السبب الثاني - أن اللغة العربية إنما استقام أمرها على منهج سليم موحد. بسر هذا الكتاب وتأثيره، وهي إنما ضمن لها البقاء والحفظ بسبب ذلك وحده. فقد كانت اللغة العربية من قبل عصر القرآن أمشاجا من اللهجات المختلفة المتباعدة، وكان كلما امتد الزمن، ازدادت هذه اللهجات نكارة وبعدا عن بعضها. وحسبك أن تعلم أنّ: المعينية، والسبئية، والقتبانية، واللحيانية والثمودية والصفوية والحضرمية، كلها كانت أسماء للهجات عربية مختلفة، ولم يكن اختلاف الواحدة منها عن الأخرى محصورا في طريقة النطق بالكلمة، من ترقيق أو تفخيم أو إمالة أو نحو ذلك، بل ازداد التخالف واشتد إلى أن انتهى إلى الاختلاف في تركيب الكلمة ذاتها وفي الحروف المركبة منها، وفي الإبدال والإعلال والبناء والإعراب. فقضاعة مثلا كانت تقلب الياء جيما إذا كانت ياء مشددة أو جاءت بعد العين، وكانت العرب تسمي ذلك: عجعجة قضاعة. ومن ذلك قول شاعرهم: خالي عويف وأبو علجّ ... المطعمان اللحم بالعشجّ وبالغداة قطع البرنج ... يؤكل باللحم وبالصيصجّ وحمير كانت تنطق ب «أم» بدلا من «أل» المعرفة في صدر الكلمة، وكانت العرب تسمي ذلك طمطمانية حمير، ومن ذلك قول أحدهم لرسول الله ﷺ يسأله: أمن امبر امصيام في امسفر؟ يريد أن يقول: هل من البرّ الصيام في السفر؟ وهذيل كانت تقلب الحاء في كثير من الكلمات عينا، فكانوا يقولون

стр. 14

أعل الله العلال بدلا من أحلّ الله الحلال .. وهكذا دواليك .. فقد كانت كل قبيلة تختلف في النطق عن الأخرى بوجوه من الاختلافات كثيرة، حتى باعد ذلك بين ألسنة العرب وأوشك أن يحوّل اللغة الواحدة إلى لغات عدّة متجافية لا يتفاهم أهلها ولا يتقارب أصلها. ولقد بلغ من تخالف هذه اللهجات وتباعدها، أن كثيرا من وفود هذه القبائل التي أخذت تفد في صدر الإسلام إلى رسول الله ﷺ كانوا يلقون كلمات وخطبا لا يكاد يفهمها القرشيون من أصحابه ﵊ ولقد قال عليّ ﵁ لرسول الله ﷺ ، وقد سمعه يخاطب بني نهد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لم نفهم أكثره! .. فقال ﵊: أدّبني ربي فأحسن تأديبي (١). فلما نزل القرآن، وتسامعت به العرب، وائتلفت عليه قلوبهم، أخذت هذه اللهجات بالتقارب، وبدأ مظاهر ما بينها من خلاف تضمحل وتذوب، حتى تلاقت تلك اللهجات كلها في لهجة عربية واحدة، هي اللهجة القرشية التي نزل بها القرآن وأخذت ألسنة العرب على اختلافهم وتباعد قبائلهم تنطبع بطابع هذه اللغة القرآنية الجديدة. فكان ذلك سرّ هذا الشريان السحري العجيب الذي امتدّ في أجلها، فاستصلبت بعد ميعة، وقويت بعد تفكك، واتحدت بعد تناثر، ثم مرّت على مصرع أعظم لغة عالمية شاملة هي «اللاتينية» بينما تغلي هي حيوية وقوة وإشراقا. فكيف تمكن مع ذلك دراسة شيء من أدب هذه اللغة دون دراسة روحها التي تعيش بها وشريانها الذي يمتدّ فيها وينسأ من أجلها؟ السبب الثالث: أن البلاغة والبيان وجمال الكلمة والتعبير- كل ذلك كان

стр. 15

عصر القرآن أسماء لا تكاد تنحطّ على معنى واضح متفق عليه. وإنما بلاغة كل جماعة أو قبيلة ما تستسيغه وتتذوقه، ولذلك كانت المنافسات البلاغية تقوم فيما بينهم وتشتد ثم تهدأ وتتبدد، دون أن تنتهي بهم إلى نتيجة، إذ لم يكن أمامهم مثل أعلى يطمحون إليه ولا صراط واحد يجتمعون عليه، ولم يكن للبلاغة العربية معنى إلا هذا الذي يصدرون هم عنه من كلام في الشعر والنثر، وهم إنما يذهبون في ذلك طرائق قددا، ويتفرقون منه في أودية متباعدة يهيمون فيها. وهيهات، لو استمر الأمر على ذلك، أن توجد للبلاغة والبيان العربي حقيقة تدرك أو قواعد تدرس، أو قوالب أدبية تهذب العربية وتحافظ عليها. فلما تنزل القرآن، والتفتوا إليه فدهشوا لبيانه، وسجدوا لبلاغته وسموّ تعبيره، وأجمعوا على اختلاف أذواقهم ومسالكهم ولهجاتهم أن هذا هو البيان الذي لا يجارى ولا يرقى إليه النقد- كان ذلك إيذانا بميلاد مثلهم الأعلى فيما ظلوا يختلفون فيه ويتفرقون عليه، وأصبحت بلاغة هذا الكتاب العزيز بعد ذلك هي الوحدة القياسية التي تقاس إليها بلاغة كل نص وجمال كل تعبير، ثم تعاقبت الدراسات عليه من أرباب هذا الشأن وعلمائه، فاستخرجوا منه قواعد البلاغة ومقوّمات البيان ومسالك الإعجاز فكانت هذه العلوم البلاغية التي امتلأت بها المكتبة العربية، وأصبحت فنا مستقلا بذاته. ولولا القرآن لما عرف هذا الفن ولا استقامت تلك الأصول والقواعد، ولتبدّد المثل البلاغي الأعلى في أخيلة فصحاء العرب وشعرائهم ... فكيف يستقيم مع ذلك، أن يدرس هذا الفن وأصوله بمنأى عن مثله الأعلى ومصدره العظيم الأول؟ السبب الرابع: أن متن هذه اللغة، كان مليئا قبل عصر القرآن بالكلمات الحوشية الثقلية على السمع المتجافية عن الطبع. ولو ذهبت تتأمل فيما وصل إلينا من قطع النثر أو الشعر الجاهلي، لرأيت الكثير منها محشوّا بهذه الكلمات التي وصفت وإن كنت لا تجد ذلك إلا نادرا في لغة قريش. وإليك هذه القطعة النثرية نموذجا لكلامهم في الجاهلية، أو لكلام الأعراب الذين أدركوا الإسلام ولكن ألسنتهم ظلت على ما انطبعت عليه في نشأة الجاهلية، وهي كلمات قالها أعرابي وقف بين الناس يستجدي مالا.

стр. 16

(أما بعد فإني امرؤ من الملطاط الشرقي المواصي أسياف تهامة، عكفت علينا سنون محش، فاجتبّت الذرى وهمشت العرى وجمشت النجم وأعجّت البهم، وهمّت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم، وغادرت التراب مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا والضّهل جراعا، والمقام جعجاعا، فخرجت لا أتلفّع بوصيدة، ولا أتقوّت بمهيدة، فالبخصات وقعة والركبات زلعة، والجسم مسلهم، والنظر مدرهم، فهل من آمر بمير أو داع بخير) (١). فلما تنزل القرآن، وأقبلت إليه الآذان، أخذت هذه الكلمات الجافية تختفي عن ألسنة العرب رويدا رويدا، وأصبح متن اللغة العربية كله مطبوعا بالطابع القرآني، ونما ذوق عربي في نفوس العرب أنبته لديهم القرآن وأسلوبه. ومردّ ذلك إلى أن كلمات هذا الكتاب المبين، رغم أنها كانت عربية لم تتجاوز حدود هذه اللغة وقاموسها، تمتاز، في صياغتها وموقع كلّ منها مما قبلها وبعدها بجرس مطرب في الآذن لم يكن للعرب عهد به من قبل، هذا إلى أن كثيرا من الاشتقاقات والصيغ الواردة فيه، تكاد تكون جديدة في النطق العربي، وهي مع ذلك توحي بمعناها إلى الفطرة والطبع، قبل أن يهتدي السمع إليها بالمعرفة والدرس. وسنسهب في إيضاح هذا إن شاء الله عند حديثنا عن إعجاز القرآن.

стр. 17

فكان من أثر ذلك أن انصرفت الأذواق إلى الاستفادة من كلماته والجديد من صياغته، وهجرت تدريجا ما استثقل وغلظ من الألفاظ والتراكيب. وإنك لتدرك هذا جيدا حينما نعرض للمقارنة نصّا أدبيا من العصر الجاهلي وآخر من العصر الإسلامي. فستجد أن الأول يمتاز بتضاريس من الجمل والكلمات الثقيلة الخشنة وأن الثاني قد صقلته البلاغة القرآنية في كلّ من الأسلوب والجمل والكلمات. فهذه خلاصة عن وجوه أهمية دراسة هذا الكتاب العظيم وأثرها في دراسة الأدب العربي. وإذا كنت تؤمن اليوم بهذا الذي ذكرناه من الناحية النظرية والعقلية المجردة؛ فلسوف تؤمن بذلك على أساس من البرهان التجريبي والتطبيقي عند ما تمارس هذا الكتاب الإلهي تلاوة مستمرة ودراسة دقيقة وتأملا هادئا.

стр. 18

القسم الأول تاريخ القرآن وعلومه

стр. 19

تاريخ القرآن القرآن تعريفه، وحقيقته القرآن هو: اللفظ العربي المعجز الموحى به إلى محمد ﷺ المتعبّد بتلاوته والواصل إلينا عن طريق التواتر. إذا تأملت في هذا التعريف، وجدت فيه قيودا أربعة، هي: المعجز، الموحى به، المتعبد بتلاوته، المتواتر. فلنشرح كلّ واحد منها على حدة، لنتبين حقيقة القرآن الكريم من وراء هذا التعريف، ونقف على ضبطه وحدوده. أولا- المعجز: ويقصد منه ما اتصف به القرآن من البلاغة والبيان اللذين أعجزا بلغاء العرب كافّة عن الإتيان بأقصر سورة من مثله، رغم التحدي المتكرر، ورغم التطلّع الشديد لدى الكثير منهم إلى معارضته والتفوق على بيانه. وللقرآن وجوه غير هذا الوجه في إعجازه، ولكن الوجه المقصود منها عند التعريف هو هذا. ولن نطيل هنا في شرح معنى الإعجاز القرآني وتحليله، فإن لذلك موضعا خاصا به في هذا الكتاب إن شاء الله. ثانيا- الموحى به: ومعناه المنزّل عليه من الله بواسطة جبريل، وهذا أهم قيد في تعريف القرآن وتحديد ماهيته. وإذا كان «الوحي» عنصرا هاما في حقيقة القرآن وتعريفه، فلا بدّ من دراسة وافية- وإن كانت موجزة- لهذه الكلمة، وتحليل صادق لحقيقتها. ومن أهم أسباب هذه الضرورة أن دراسات مختلفة حديثة حامت حولها، لا قصدا

стр. 20

لتفهمها، بل بغية مدّ غاشية من الغموض عليها، ثم الوصول بها إلى المعنى الذي يراد ربطها به، وإن لم تكن منه في شيء. فلنتنبه بفكر موضوعي مجرد وعقل علمي متحرّر، ولنتساءل مع المتسائلين: ما هو هذا الوحي الذي جاء بهذا القرآن فوضعه بين يدي محمد ﵊؟ أهو نوع من الإلهام النفسي أم هو حركة فكرية داخلية؟ أم هو إشراق روحي جاءه عن طريق الكشف التدريجي؟ أم هو ضرب من الصرع والجنون كان ينتابه كما قد قيل؟ أم هو استقبال لحقيقة ذاتية مستقلة عن كيانه يتلقاها من خارج فكره وشعوره؟ ونحن لا نملك سبيلا علمية صحيحة للإجابة على هذه الأسئلة إلّا بالرجوع إلى حقائق التاريخ الثابتة الواصلة إلينا عن طريق النقل الصحيح. وإذا رجعنا نسأل حقائق التاريخ فإنها تضعنا أمام حديث قصة بدء الوحي الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما. والحديث طويل، وحسبنا أن نجتزئ منه في هذا المقام ما يكشف لنا سبيلا صحيحة للإجابة على هذه الأسئلة. ففي الحديث أن ملكا فاجأه في غار حراء يتعبد، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فأخذه الملك فغطّه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، وتكرر هذا من الملك والرسول ﵊ ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة قال الملك: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم) فكان ذلك أول ما نزل من القرآن. وفي الحديث أيضا أنه ﵊ نزل عقب ذلك من الغار

стр. 21

عائدا إلى البيت وإن فؤاده ليرتجف خوفا. وفي الحديث أيضا أن خديجة ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وكان شخا كبيرا قد تنصّر في الجاهلية فأخبره بالأمر، فقال له ورقة: إن هذا هو الناموس (أي الوحي) الذي نزل على موسى، وطمأنه أنه ليس شرّا. وفي الحديث أيضا أن الوحي قد انقطع بعد ذلك مدة طويلة من الزمن، وأن الضيق والألم قد استبدا به ﷺ من ذلك، خوفا من أن يكون قد أساء فتحول عنه الوحي لذلك. ثم إنه رأى ذلك الملك مرة أخرى، وقد ملأ مظهره ما بين السماء والأرض، قال: فرعبت منه ورجعت فقلت: زملوني زملوني .. فنزل عليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ إلى قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ثم تتابع الوحي بعد ذلك. هذه الحقائق الواردة في هذا الحديث لا يمكن أن نتجاهلها أو نردّها بشكل ما، لسبين: أولهما- أن ظاهرة الوحي التي يتحدث الكاتبون عن حقيقتها إنما وصلت إلينا عن طريق هذا الحديث ونحوه، فإذا ضربت صفحا عن هذه الكلمة نفسها، إذ لا معنى للبحث في شيء غير موجود ولا واقع من أساسه. ثانيهما- أن الحديث ليس من قبيل هذه الاستنتاجات النظرية أو التاريخية التي يجنح إليها كثير من باحثي هذا العصر ويبنون عليها أحمالا وأثقالا من الأحكام الخطيرة الهامة، بل هو خبر نقل بواسطة سند متصل من الرواة، خلا أصحابه- بعد الدراسة لتراجمهم وأحوالهم- عن أي تهمة تبعث الشك في كلامهم. وإذا فرضنا أن يكون الوحي ليس إلا شعورا نفسيا أو إشراقا روحيا أو إلهاما داخليا، ثم عدنا إلى هذا الحديث، وجدناه يناقض هذا الفرض مناقضة صريحة صارخة، لأسباب كثيرة نذكر منها ما يلي: ١ - إن شيئا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي، لا يستدعي الخوف والرعب واصفرار اللون، وليس ثمة أي انسجام بين

стр. 22

التدرّج في التفكير والتأمّل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى؛ وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامّة المفكرين والمتأملين والملهمين نهبا لدفعات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة! وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغيّر اللون- كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها، حتى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه ﵊، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة إلى عكسها تماما. إن صاحب الإلهام والإشراق النفسي والروحي، ليس من شأنه أن تتجسد إلهاماته أمام عينيه فجأة فيرتعد منها ثم يحسبها أتيّا من الجنّ. ولقد فوجئ ﵊ بالملك يخاطبه ويكلّمه، ولقد ارتجف خوفا منه وذهب في محاولة معرفته كل مذهب، حتى ظن أنه قد يكون من الجان، وذلك معنى قوله لخديجة (لقد خشيت على نفسي). ٢"- لقد قضت الحكمة الإلهية أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء، مدة طويلة؛ ولقد استبدّ به القلق والضجر من أجل ذلك، ثم تحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن يكون الله قد قلاه، بعد أن أراد أن يشرّفه بالوحي والرسالة لسوء قد صدر منه، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه، وراحت تحدّثه نفسه كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها .. إلى أن رأى بنفسه الملك الذي رآه في حراء وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض: يقول: يا محمد أنت رسول الله إلى الناس. إن هذه الحالة التي مرّ بها محمد ﵊، تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهاما نفسيا ضربا من الهوس والجنون. إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمكن أن يمرّ إلهامه أو تأملاته بشيء من هذه الأحوال. وأنت إذا تأملت في هذا الذي ذكرناه، اتضحت أمامك الحكمة الإلهية العليا في أن يولد الوحي وتسير النبوّة في حياة محمد ﷺ بهذا الشكل الذي ورد به الحديث.

стр. 23

فقد كان الله قادرا على أن يربط على قلب رسوله، ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلّمه ليس إلا جبريل: ملك من ملائكة الله جاء ليخبره أنه رسول الله إلى الناس؛ ولكن الحكمة الإلهية الباهرة تريد إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد ﷺ قبل البعثة، وشخصيته بعدها، وبيان أن شيئا مما قد نزل إليه من هذا الكتاب لم يطبخ في ذهنه مسبقا، ولم يتصور الدعوة إلى شيء منه سلفا. غير أن هذا وحده لا يكفي جوابا على كل شيء في الموضوع. فقد يسأل سائل: فلماذا كان ينزل عليه ﷺ الوحي بعد ذلك، وهو بين الكثير من أصحابه، فلا يرى الملك أحد منهم سواه؟ والجواب أنه ليس شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار، إذ إن قوة الإبصار فينا محدودة بحدّ معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يكون الشيء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته. على أن من اليسير على الله وهو الخالق لهذه العيون المبصرة- أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى. ولعلك تعلم أن هنا لك ألوانا لا تراها كل العيون، وهنالك أيضا- كما يقول مالك بن نبي- مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علميا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون. فلقد توجد عيون أقل أو أكثر حساسية (١). ثم إنك لو ذهبت تحلّل الوحي بأنه ظاهرة نفسية داخلية، لامتزج القرآن بالحديث، ولما أمكن أن يكون ثمة أي فرق بينهما، مع أن الفرق بينهما ظاهر واضح، يتمثل في أسلوب كلّ منهما ويتمثل في علاقته ﷺ بكلّ منهما. فقد كان يرسل ألفاظ الحديث إرسالا، مكتفيا بأن يستودعه ذاكرة أصحابه، على حين يأمر بتسجيل كل ما يوحى إليه من آي القرآن ويظل يكرره ويعيده خوفا من أن ينساه فلا يذكره. وكان ﷺ يسأل عن كثير من الأمور فلا يجيب عليها، وربما مرّ على

стр. 24

إمساكه عنها زمن طويل، حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال، طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأنه، وربما تصرف هو نفسه في بعض الأمور على نحو معيّن، فنزلت آيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه بل ربما انطوت على شيء واضح من العتب واللوم. ثم إنه ﵊ كان يعلن في كل مرة أن القرآن كلام الله، وأنه ليس إلا أمينا على نقله وتبليغه، وأنه يتلقاه من جبريل ﵇. ولقد ظل ﵊ صادقا أربعين سنة مع قومه، حتى كان بينهم مثال الصدق والأمانة. وبدهي أن مثل هذا الإنسان لا بدّ أن يكون قبل كل ذلك صادقا مع نفسه، يتحرى الدقة في كل مشاعره وأقواله وإحساساته. وبعد ذلك كله، فقد كان- على ما أجمع عليه المؤرخون- أميّا لم يقرأ كتابا ولا خطّه بيمينه، ولم يدرس تشريعا ولا تاريخا ولا شيئا من قصص الرسل والأنبياء السابقين، فمن أيّ نافذة طبيعية يمكن لهذه الإلهامات كلها أن تتنزل عليه، وكيف لها بأن تنبع هكذا من داخل قلبه وعقله؟ لا جرم أن الوحي القرآني إذا، إنما هو استقبال منه ﷺ لحقيقة ذاتية مستقلة خارجة عن كيانه وشعوره الداخلي؛ وبعيدة عن كسبه أو سلوكه الفكري أو العملي. أما قول بعض المستشرقين بأنه لم يكن إلا نوعا من الصرع ينتابه بين الحين والآخر، فليس من النظريات العلمية الموضوعية في شيء حتى نضعه تحت مجهر البحث والنقاش، ونضيّع وقتا قصيرا أو طويلا في الكلام عنه. ونعود بعد هذا إلى شرح القيود المأخوذة في تعريف القرآن الكريم: ثالثا- التعبّد بتلاوته. والمقصود به أن من خصائص هذا الكتاب الكريم أن مجرد قراءته تكسب القارئ أجرا ومثوبة عند الله، وأن ذلك يعتبر نوعا من العبادة المشروعة، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءة شيء منه ولا يغني عنه غيره من الأذكار أو الأدعية أو الأحاديث. رابعا- وصوله عن طريق التواتر. ومعناه أن قرآنية آية من القرآن لا

стр. 25

تثبت حتى تصل إلينا بطريق جموع غفيرة لا يمكن اتفاقها على الكذب، ترويها عن جموع مثلها إلى الناقل الأول لها بعد أن تنزلت عليه وحيا من الله ، وهو سيدنا محمد ﵊. فإذا تأملت هذه القيود الأربعة في التعريف تصورت حقيقة القرآن خالية عن شوب أي ليس بالحديث النبوي أو القراءات الشاذّة أو الحديث القدسي أو الترجمة الحرفية أو غير الحرفية للقرآن. إذ الحديث ليس بمعجز والقراءات الشاذّة غير متواترة، والحديث القدسي غير معجز، ذلك لأن اللفظ فيه من الرسول ﵊، والترجمة ليست هي اللفظ المنزّل.

стр. 26

نزول القرآن منجّما والحكمة في ذلك يقول الله تعالى في كتابه: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا. ويقول أيضا: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ، لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا. نعلم من دلالة هاتين الآيتين، ومما ثبت ثبوتا قاطعا في السنّة والتاريخ عن طريق السند الصحيح، أن القرآن لم ينزل على رسول الله ﷺ جملة واحدة كما نزلت التوراة على سيدنا موسى، بل كان نزوله متدرجا، فتارة تنزل عليه الآية أو الآيتان أو ثلاث آيات، وتارة تنزل عليه سورة بجملتها، كالفاتحة، والمدّثر، وهذا معنى أنه كان ينزل منجّما، وقد ظلت آيات هذا الكتاب المبين تتتابع على مهل وتدرّج، حتى نزلت آخر آية منها قبل وفاته ﷺ بتسع ليال. وهو قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١). وذلك على ما رجحه كثير من العلماء (٢).

стр. 27

حكمة نزول القرآن منجّما: هنالك حكم هامة وكثيرة تتعلق بنزول القرآن منجما، نذكر منها ما يلي: أولا- لقد قضت سنّة الله تعالى في عباده أن يلاقي النبي ﵊ أذى كبيرا من قومه من أجل نهوضه بينهم بتبليغ رسالة ربه، وقد لاقى من ذلك أنواع الشدائد التي جعلته بينهم مدة طويلة غريبا لا ناصر له. ولقد كان لاتصال الوحي به إذ ذاك وتتابع نزول الآيات عليه تشدّ من أزره، وتحمله على الصبر والمصابرة، وتعده بالنصر والتأييد في النهاية- كان لذلك أبلغ الأثر في مواساته وتخفيف تلك الشدة عنه وإزاحة معاني الغربة والضعف عن نفسه. فمن هذه الآيات مثلا قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (ق: ٢٩، ٤٩). ومن ذلك قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر: ٩٤ - ٩٩). فلو أن القرآن نزل كله عليه جملة واحدة، لكان لانقطاع الوحي عنه بعد ذلك أثر كبير في استشعاره الوحشة والغربة. ومهما يكن رسول الله ﷺ قد أوتي من العزيمة والصبر، فإن لبشريته أيضا أثرا بيّنا في حياته ما دام أنه بشر. وقد كان لديه ﷺ من قوة الإيمان بالله ما يكفي لأن يحمله على تبليغ دعوة ربه والجهاد في سبيلها؛ ولكنه على ذلك لم يكن به غناء عن المواساة والمعونة والتصبير إذ يأتيه كل ذلك من ربه المرة تلو المرة يعيده إلى الأمن والانشراح والأنس والرضى.

стр. 28

وهذا المعنى هو ما عبّر عنه القرآن بالتثبيت في قوله تعالى: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ. ثانيا- كان رسول الله ﷺ أميّا لا يقرأ ولا يكتب، فليس لديه من الوسائل الكسبية ما يضبط ويحفظ به كل ما ينزل عليه إلا وسيلة التكرار والحفظ. فكان لا بدّ من نزول الآيات بتدرّج وخلال فترات متقطعة من الزمن حتى يكون السبيل إلى حفظه ووعيه أيسر. وعلى الرغم من ذلك فقد كان من عادته ﵊ إذا نزلت عليه الآية من القرآن أن يأخذ في تكرارها ويستعجل في محاولة حفظها ويظل يحرّك لسانه بها خشية أن تتفلت من حفظه إلى أن نزل عليه قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. ثالثا- احتوى القرآن على متن الفقه الإسلامي كله، أي على عامة أحكامه في الجملة سواء ما يتعلق بالعبادات أو المعاملات المدنية أو الأحوال الشخصية أو العقوبات أو النظم الدستورية والمالية. وكان العرب قبل الإسلام متفلتين عن كل قيد، لا يخضعون لقانون ولا يرتبطون بأي تنظيم، فكان من العسير عليهم أن ينتقلوا من تلك الحالة في طفرة مفاجأة، إلى التقيد بعامّة أحكام الإسلام ونظمه وقوانينه. فمن أجل ذلك أخذهم القرآن في ذلك بالوسيلة التربوية التي لا بدّ منها، وهي وسيلة التدرّج في نقلهم من حياة الفوضى والتفلت، إلى حياة النظام والتقيد بالمعايير التي لا بدّ منها في المجتمع الصالح. فنزلت أولا الآيات المتعلقة بالعقيدة ودلائلها، حتى إذا آمن الناس وثابوا إلى عقيدة التوحيد، نزلت آيات الحلال والحرام وعامة الأحكام في مهل وتدرّج. وفي ذلك يروي الإمام البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: إنما نزل أول ما نزل من القرآن سور من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا لا ندع الزنا.

стр. 29

رابعا- اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون عامة أحكامه التي تضمنها كتابه المبين، جوابا عن أسئلة أو حلّا لمشكلات واقعة، حتى تكون أوقع في النفس وألصق بالحياة. وتلك وسيلة تربوية ظاهرة لا تحتاج إلى مزيد بيان لها. وإنما سبيل ذلك أن تتدرج هذه الأحكام وآياتها في النزول تنتظر مناسباتها وظروفها. ولذلك نجد أن الكثير من آي القرآن إنما نزل جوابا عن سؤال أو حلّا لإشكال، فمن الأول قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ... وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً، فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ... وقوله ﷻ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .. ومن الثاني قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. فقد نزل كلّ منها حلّا لمشكلة حدثت، ويطول بنا الحديث لو سردنا لك قصة كلّ منها. خامسا- اقتضى التدرّج بالناس في التشريع أن يوجد ثمة ناسخ ومنسوخ، إذ ربّ حكم كانت المصلحة والرحمة بالناس تقتضي أخذهم به على مراحل، كتحريم الخمر مثلا، فقد اكتفى القرآن في أول الأمر ببيان أن أضراره أكثر من فائدته، وذلك في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، حتى إذا استقرّ في النفوس

стр. 30

ذلك، نزلت آية تنهى الناس عن السكر في أوقات الصلاة، وذلك في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ .. وهو كما ترى تحريم جزئي في فترات متقطعة من الزمن. فلما أخذ الناس أنفسهم بذلك واعتادوا الامتناع عن الخمر في تلك الأوقات، نزلت آية قاطعة تحرمه تحريما كليا. وذلك هو قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. (المائدة: ٩٠). وأنت خبير أن كل مرحلة من هذه المراحل السابقة إنما هي نسخ لما قبلها، وتصعيد بالناس إلى طور جديد نحو تكامل التشريع واستقراره. وهذا لا يتم- كما تعلم- إلا بنزول القرآن منجّما على فترة طويلة من الزمن. وثمة حكم أخرى جليلة لهذه الظاهرة في نزول القرآن، نمسك عن سردها والإطناب فيها، استغناء بما ذكرنا، واكتفاء بالنماذج عن الاستقصاء.

стр. 31

أسباب النّزول تبيّن لك مما ذكرناه من نزول القرآن منجّما وأسباب ذلك، أن كثيرا من آيات القرآن كان ينزل بمناسبات ولأسباب. والواقع أن آيات القرآن تنقسم إلى طائفتين بالنظر لأسباب النزول، فأما الطائفة منها- وهي التي تتعلق بالتشريع والأحكام والأخلاق- فمعظمها كان نزوله مرتبطا بأسباب ووقائع، وأما الطائفة الأخرى- وهي التي تتحدث عن الأمم الغابرة وما حلّ بها أو عن وصف الجنة والنار والقيامة- ففيها الكثير مما نزل ابتداء بدون سبب أو واقعة معينة. وسنتحدث أولا عن حكمة هذا الأمر، ثم عن أمثلة ونماذج لذلك، ثم عن أهمية معرفة أسباب النزول للتمكّن من تفسير الآيات على وجهها الصحيح، ثم عن أهمية «أسباب النزول» من حيث إنه علم مستقل من علوم القرآن وعن اهتمام العلماء بالكتابة عنه وإفراد التآليف فيه. أولا- حكمة ارتباط الآيات بأسباب النزول: ولقد علمت أن في القرآن الكثير مما نزل ابتداء بدون سبب. وإذ تأملت، وجدت أن معظم ما نزل ابتداء إنما هو من نوع الوصف والإخبار، وأن معظم ما نزل بسبب إنما هو من نوع الأوامر والنواهي والتوجيه والإرشاد. وهذه الظاهرة تدلك على الحكمة في هذا الأمر. فهذا النوع الثاني من الآيات، إنما شأنه تحويل حياة الناس إلى الأفضل

стр. 32

وصدّهم عن السيئ والقبيح، وهدايتهم إلى الأقوم. وأنت خبير أن الأفكار التوجيهية والأحكام التشريعية تكون نظرية بمقدار بعدها عن ظروفها وعن ارتباطها بأسبابها العملية. ولن تجد وسيلة إلى ترسيخ حكم من الأحكام في الأذهان وتنبيه الأفكار إلى مدى صلاحه وقيمته، خيرا من أن تعرضه على الناس في مجال تطبيقه وتقدمه عند الحاجة إليه. وإنها لطريقة تربوية معروفة لا تحتمل البحث والمراء. فمن أجل ذلك قدّم القرآن الكريم إلى الناس أحكامه التشريعية ومعظم توجيهاته الأخلاقية منثورة ومقسمة على الوقائع والأحداث، أو الأسئلة والاستشكالات، حتى تمتزج هذه الأحكام مع الوقائع وتغرس في تربة التطبيق فور ظهورها وولادتها، فيكون ذلك أدعى لحفظها وأبين لقيمتها وصلاحيتها. أما النوع الأول، وهو ما يتعلق بوصف القيامة والجنة والنار، وذكر القصص، فليس الشأن في ذلك متوقفا على ما ذكرناه، فسيّان في تبليغها للناس وإخبارهم عنها أن تنزل آياتها ابتداء أو لمناسبة وسبب. ثانيا- أمثلة لأسباب النزول . ١ - روى مقاتل والكلبي أن رجلا من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمّه، فترافعا إلى النبي ﷺ ، فنزلت الآية: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ، وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (النساء (١): ٢). ٢ - روى البخاري بسنده عن جابر ﵁ قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ ثم رشّ عليّ منه فأفقت، فقلت كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزل قوله تعالى (٢):

стр. 33

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ .. (النساء الآية: ١١). ٣ - ذكر علماء التفسير أن أبيّ ابن خلف وعقبة بن أبي معيط كانا متحالفين فصنع عقبة طعاما دعا الناس إليه ودعا رسول الله ﷺ أيضا، فلما قرب قال رسول الله ﷺ : ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، فأكل من طعامه، وكان أبي بن خلف غائبا، فلما أخبر بقصته قال: صبأت يا عقبة؟! فقال عقبة: والله ما صبأت ولكن دخل عليّ الرجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فقال أبي: ما أنا بالذي يرضى منك أبدا حتى تأتيه فتبصق في وجهه وتردّ عليه دينه. ففعل ذلك، وقال الضحاك، لما بصق في وجه رسول الله ﷺ عاد بصاقه في وجهه فتشعب شعبتين، فأحرق خديه وكان أثر ذلك فيه حتى الموت (١). ففي ذلك نزل قوله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (الفرقان: ٢٧). ٤ - أخرج الحاكم والترمذي عن عائشة ﵂، أنه جاء عبد الله بن أم مكتوم- وهو ضرير- فقال: يا رسول الله أرشدني وعند النبي ﷺ بعض عظماء المشركين، فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخرين، فنزل قوله تعالى (٢): عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى .. الآيات.

стр. 34

ثالثا- أهمية معرفة أسباب النزول: لمعرفة أسباب نزول الآيات، أهمية كبرى في تجلية معانيها، والوقوف على حقيقة تفسيرها، إذ ربّ آية من القرآن يعطي ظاهرها دلالات غير مقصودة منها، فإذا وقفت على مناسبها وسبب نزولها انحسر عنها سبب اللبس وظهرت فيها حقيقة المعنى ومدى شموله واتساعه. فمن ذلك قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: ١١٥). فالمتبادر من ظاهرها أن الاتجاه في الصلاة إلى كل الجهات سواء، فللمصلي أن يتجه إلى حيث يشاء في صلاته. ولكنك إذا وقفت على سبب نزول هذه الآية رأيت أنها لا تحمل هذه الدلالة المطلقة، وسببها على ما رواه الواحدي في كتابه أسباب النزول، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث سرية فأصابتهم ظلمة، فلم يعرفوا القبلة، فاتجه كلّ منهم ناحية حسب ظنه واجتهاده، فلما قفلوا عائدين سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فسكت، فأنزل الله تعالى، ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله (١). ولولا معرفة سبب النزول لتمسك الواهمون بمثل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما دليلا على عدم حرمتها لما فيها من المنافع. فمن أجل ذلك يقول الواحدي في مقدمة كتابه أسباب النزول ( .. إذ هي- أي أسباب النزول- أوفى ما يجب الوقوف عليه وأولى ما تصرف العناية إليه، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها) (٢). رابعا- اهتمام العلماء بالكتابة في «أسباب النزول» . ونظرا لهذه الأهمية التي ذكرناها لمعرفة أسباب نزول الآيات ومناسباتها،

стр. 35

اهتم الأئمة ﵏ بالكتابة فيها وتجميع الروايات والأخبار المتعلقة بها، بل أخذ العلماء يفردون المؤلفات في هذا الموضوع حتى غدا «أسباب النزول» اسم علم مستقل برأسه من علوم القرآن. فأقدم من كتب في هذا الفن المحدّث علي بن المديني شيخ الإمام البخاري، المتوفى عام (٢٣٤). وممّن ألّف فيه، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري المتوفى عام. (٤٦٨ هـ)، ومنهم الحافظ بن حجر العسقلاني المتوفى عام (٨٥٢ هـ)، ومنهم الإمام السيوطي المتوفى عام (٩١١ هـ) (١). وبما أوضحناه لك من تدرّج القرآن في النزول، ونزول الكثير منه لأسباب ومناسبات، تعلم أن القرآن لم تنزل آياته على الرسول ﷺ طبق هذا الترتيب الذي تراه وهو الترتيب الذي كان في مكنون علم الله تعالى، وتنزّل به جملة واحدة إلى السماء الدنيا. وإنما كان ينزل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة ويتناسب مع تدرّج التشريع، حتى تكامل كله.

стр. 36

كيفيّة جمع القرآن وكتابته والأدوار الّتي مرّت على ذلك أولا- ترتيب القرآن وكتابته في عهد رسول الله ﷺ . استغرق نزول القرآن من الزمن ثلاثة وعشرين عاما، هي جملة العمر الذي تكامل فيه هذا الكتاب العظيم نزولا وترتيبا بين سوره وآياته: روى البخاري عن عائشة وابن عباس أنهما قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا (١). فكيف تم ترتيبه وتنسيقه بهذا الشكل، وهل كان ثمة من يكتب كل ما ينزل منه في عهده ﷺ ؟ أما الترتيب والتنسيق فإن الأحاديث الواردة في هذا الشأن تتفق على أن ترتيب الآيات إلى جانب بعضها، حسبما عليه المصحف الآن، إنما هو ترتيب توقيفي، لم يجتهد فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة في عهده أو من بعده وإنما كان يتلقى ترتيبها إلى جانب بعضها وحيا من عند الله تعالى بواسطة جبريل ﵇. روى أحمد بإسناده عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ شخص ببصره ثم صوبه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى الآية.

стр. 37

وروى القرطبي بسنده عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. فقال جبريل يا محمد، ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة» (١). وروى البخاري بسنده عن ابن الزبير، قال قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً- إلى قوله غَيْرَ إِخْراجٍ قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها؟ فقال: يا ابن أخي، لا أغير شيئا من مكانه. وبناء على ذلك فقد تم إجماع العلماء ومختلف المؤرخين والباحثين على أن ترتيب آيات القرآن عمل توقيفي من قبل الله . وما يقال عن ترتيب الآيات، هو الذي يقال أيضا في ترتيب السور ووضع البسملة في الأوائل. قال القاضي أبو بكر بن الطيب، رواية عن مكّي ﵀ في تفسير سورة «براءة»: إن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو توقيف من النبي ﷺ ، ولما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة. وروى القرطبي عن ابن وهب قال: سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة، وإنما نزلتا في المدينة؟ فقال ربيعة: قد قدّمتا وألّف القرآن على علم ممّن ألّفه (٢). إلّا أنه وقع بحث بين علماء هذا الشأن في حكم من أحبّ أن يرتب سور القرآن طبقا لتاريخ نزولها لا لترتيبها الأخير الذي بأمر به الرسول ﷺ ، هل هو عمل جائز أم لا؟ وليس لنا في هذا المجال غرض يتعلق بهذا البحث. وأما كتابته فأنت تعلم أن النبي ﷺ كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب؛ أجمع

стр. 38

على ذلك عامّة المؤرخين والباحثين. قال الله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ. إلّا أنه كان يعهد بكتابة ما يتنزل عليه من القرآن إلى أشخاص من الصحابة بأعيانهم، كان يطلق عليهم اسم كتّاب الوحي، وأشهرهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوّام، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة (١). وقد كانوا يكتبون القرآن فيما تيسر لهم من العظام والسعف وألواح الحجارة الرقيقة. وقد كانوا يضعون هذا الذي يكتبونه في بيت رسول الله ﷺ ، ثم يكتبون منه لأنفسهم صورا أخرى يحفظونها لديهم (٢) فعمل كتاب الوحي في عهده ﷺ لم يكن جمعا لكتاب الله تعالى بين دفتين وإنما كان مجرد تسجيل كتابي له على متفرقات العظام والحجارة والأوراق وغيرها، مع ترتيب سوره وآياته حسب ما يوحى به إلى رسول الله ﷺ . ولقد كان في الصحابة من يتتبع آيات القرآن وترتيبها فيحفظها عن ظهر قلب، حتى حفظوا بذلك القرآن كله، فمن مشاهيرهم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت. وكان سائر الصحابة يشتركون بحفظ مقادير كبيرة من القرآن، حسب ما يكون كتب منه لنفسه أو حسب ما يتيسر له. وظل الصحابة يعكفون على حفظ القرآن غيبا حتى ارتفعت نسبة الحفّاظ منهم إلى عدد لا يحصى، يدلك على ذلك ما يذكره الرواة من أن موقعة اليمامة التي وقعت في زمن أبي بكر ﵁ قد قتل فيها سبعون صحابيا من حفظة القرآن، وروى القرطبي أنهم سبعمائة، وهي رواية ضعيفة ولا شك (٣)، إلا أنك تستطيع أن تفهم من ذلك نسبة الصحابة الذين يحفظون القرآن في صدورهم.

стр. 39

ويتضح لك من هذا الذي ذكرناه أن القرآن وعاه الصدر الأول من الصحابة وبلغوه إلى من بعدهم بطريقتين: إحداهما: الكتابة التي كانت تتم بأمر الرسول ﵊ لأشخاص بأعيانهم وكل إليهم هذا الأمر. الثانية: حفظه في الصدور عن طريق التلقّي من كبار قرّاء الصحابة وحفّاظهم الذين تلقّوه عن رسول الله ﷺ ؛ وأقرّهم على كيفية النطق والأداء. كما يتضح لك أن القرآن رغم ذلك لم يجمع في مصحف على عهده ﷺ ؛ والسبب هو ضيق الوقت بين آخر آية نزلت منه وبين وفاته ﵊؛ فقد علمت مما ذكرناه أن الفترة بينهما لم تزد على تسع ليال في أكثر الروايات وأقربها إلى الاعتماد. ثانيا- ما جدّ من ذلك في عهد أبي بكر: قلنا إن القرآن كتب كله في عهد الرسول ﷺ ، ولكن متفرقا دون أن يجمع في مصحف واحد بين دفتين كما هو اليوم. فلما توفي النبي ﷺ وتولى الخلافة من بعده أبو بكر ﵁، ووقعت معركة اليمامة التي قتل فيها كما قلنا عدد كبير من حفظة القرآن أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ بجمع القرآن وحفظه بين دفتين مخافة أن يموت أشياخ القرّاء كأبيّ وابن مسعود فيختلف الناس في قراءته إذ لا يكون عندهم إمام يجمعون عليه. ولننقل لك نص ما رواه البخاري في ذلك. روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (أي عند ما قتل أهل اليمامة) فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر ﵁، إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هذا

стр. 40

والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبّع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن .. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم». فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄ (١). فالجديد الذي أمر به أبو بكر ﵁، هو جمع ما تفرق من الرقاع والعسب وغيرها، ثم استنساخها منها إلى صفحات مرتبة مجتمعات، تكون محفوظة في دار الخلافة ومرجعا للمسلمين في كيفية القراءة والأداء. ولم يكن عبارة عن مجرد جمع تلك القطع المتناثرة إلى بعضها بخيط، كما قد يتصور بعض الناس ويفهمه من كلمة «جمع القرآن» وقول أبي بكر لزيد «فتتبّع القرآن فاجمعه». وإنما كانت مهمة زيد التي وكلت إليه هي جمع هذه المتفرقات ثم الكتابة على منوالها من جديد. يدلّ على ذلك ما رواه ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد. وأكد ذلك الحارث المحاسبي في كتابه فهم السنن. ويؤكد ذلك ما رواه ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعد على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله، فاكتباه. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله ثقات (٢). وإذا وقفت على النهج الذي كان يسير عليه زيد ﵁ في الاستيثاق من الآية عند كتابتها، أدركت مدى الدقة العظيمة التي امتدت مع المراحل التاريخية المختلفة لكتابة القرآن وجمعه. فقد كان لا يكتب من القرآن
следующие страницы →