← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38086

من روائع القرآن

محمد سعيد البوطي

Полный текст (281 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كيفيّة جمع القرآن وكتابته والأدوار الّتي مرّت على ذلك أولا- ترتيب القرآن وكتابته في عهد رسول الله ﷺ . استغرق نزول القرآن من الزمن ثلاثة وعشرين عاما، هي جملة العمر الذي تكامل فيه هذا الكتاب العظيم نزولا وترتيبا بين سوره وآياته: روى البخاري عن عائشة وابن عباس أنهما قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا (١). فكيف تم ترتيبه وتنسيقه بهذا الشكل، وهل كان ثمة من يكتب كل ما ينزل منه في عهده ﷺ ؟ أما الترتيب والتنسيق فإن الأحاديث الواردة في هذا الشأن تتفق على أن ترتيب الآيات إلى جانب بعضها، حسبما عليه المصحف الآن، إنما هو ترتيب توقيفي، لم يجتهد فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة في عهده أو من بعده وإنما كان يتلقى ترتيبها إلى جانب بعضها وحيا من عند الله تعالى بواسطة جبريل ﵇. روى أحمد بإسناده عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ شخص ببصره ثم صوبه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى الآية.

стр. 37

وروى القرطبي بسنده عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. فقال جبريل يا محمد، ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة» (١). وروى البخاري بسنده عن ابن الزبير، قال قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً- إلى قوله غَيْرَ إِخْراجٍ قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها؟ فقال: يا ابن أخي، لا أغير شيئا من مكانه. وبناء على ذلك فقد تم إجماع العلماء ومختلف المؤرخين والباحثين على أن ترتيب آيات القرآن عمل توقيفي من قبل الله . وما يقال عن ترتيب الآيات، هو الذي يقال أيضا في ترتيب السور ووضع البسملة في الأوائل. قال القاضي أبو بكر بن الطيب، رواية عن مكّي ﵀ في تفسير سورة «براءة»: إن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو توقيف من النبي ﷺ ، ولما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة. وروى القرطبي عن ابن وهب قال: سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة، وإنما نزلتا في المدينة؟ فقال ربيعة: قد قدّمتا وألّف القرآن على علم ممّن ألّفه (٢). إلّا أنه وقع بحث بين علماء هذا الشأن في حكم من أحبّ أن يرتب سور القرآن طبقا لتاريخ نزولها لا لترتيبها الأخير الذي بأمر به الرسول ﷺ ، هل هو عمل جائز أم لا؟ وليس لنا في هذا المجال غرض يتعلق بهذا البحث. وأما كتابته فأنت تعلم أن النبي ﷺ كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب؛ أجمع

стр. 38

على ذلك عامّة المؤرخين والباحثين. قال الله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ. إلّا أنه كان يعهد بكتابة ما يتنزل عليه من القرآن إلى أشخاص من الصحابة بأعيانهم، كان يطلق عليهم اسم كتّاب الوحي، وأشهرهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوّام، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة (١). وقد كانوا يكتبون القرآن فيما تيسر لهم من العظام والسعف وألواح الحجارة الرقيقة. وقد كانوا يضعون هذا الذي يكتبونه في بيت رسول الله ﷺ ، ثم يكتبون منه لأنفسهم صورا أخرى يحفظونها لديهم (٢) فعمل كتاب الوحي في عهده ﷺ لم يكن جمعا لكتاب الله تعالى بين دفتين وإنما كان مجرد تسجيل كتابي له على متفرقات العظام والحجارة والأوراق وغيرها، مع ترتيب سوره وآياته حسب ما يوحى به إلى رسول الله ﷺ . ولقد كان في الصحابة من يتتبع آيات القرآن وترتيبها فيحفظها عن ظهر قلب، حتى حفظوا بذلك القرآن كله، فمن مشاهيرهم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت. وكان سائر الصحابة يشتركون بحفظ مقادير كبيرة من القرآن، حسب ما يكون كتب منه لنفسه أو حسب ما يتيسر له. وظل الصحابة يعكفون على حفظ القرآن غيبا حتى ارتفعت نسبة الحفّاظ منهم إلى عدد لا يحصى، يدلك على ذلك ما يذكره الرواة من أن موقعة اليمامة التي وقعت في زمن أبي بكر ﵁ قد قتل فيها سبعون صحابيا من حفظة القرآن، وروى القرطبي أنهم سبعمائة، وهي رواية ضعيفة ولا شك (٣)، إلا أنك تستطيع أن تفهم من ذلك نسبة الصحابة الذين يحفظون القرآن في صدورهم.

стр. 39

ويتضح لك من هذا الذي ذكرناه أن القرآن وعاه الصدر الأول من الصحابة وبلغوه إلى من بعدهم بطريقتين: إحداهما: الكتابة التي كانت تتم بأمر الرسول ﵊ لأشخاص بأعيانهم وكل إليهم هذا الأمر. الثانية: حفظه في الصدور عن طريق التلقّي من كبار قرّاء الصحابة وحفّاظهم الذين تلقّوه عن رسول الله ﷺ ؛ وأقرّهم على كيفية النطق والأداء. كما يتضح لك أن القرآن رغم ذلك لم يجمع في مصحف على عهده ﷺ ؛ والسبب هو ضيق الوقت بين آخر آية نزلت منه وبين وفاته ﵊؛ فقد علمت مما ذكرناه أن الفترة بينهما لم تزد على تسع ليال في أكثر الروايات وأقربها إلى الاعتماد. ثانيا- ما جدّ من ذلك في عهد أبي بكر: قلنا إن القرآن كتب كله في عهد الرسول ﷺ ، ولكن متفرقا دون أن يجمع في مصحف واحد بين دفتين كما هو اليوم. فلما توفي النبي ﷺ وتولى الخلافة من بعده أبو بكر ﵁، ووقعت معركة اليمامة التي قتل فيها كما قلنا عدد كبير من حفظة القرآن أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ بجمع القرآن وحفظه بين دفتين مخافة أن يموت أشياخ القرّاء كأبيّ وابن مسعود فيختلف الناس في قراءته إذ لا يكون عندهم إمام يجمعون عليه. ولننقل لك نص ما رواه البخاري في ذلك. روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (أي عند ما قتل أهل اليمامة) فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر ﵁، إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هذا

стр. 40

والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبّع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن .. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم». فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄ (١). فالجديد الذي أمر به أبو بكر ﵁، هو جمع ما تفرق من الرقاع والعسب وغيرها، ثم استنساخها منها إلى صفحات مرتبة مجتمعات، تكون محفوظة في دار الخلافة ومرجعا للمسلمين في كيفية القراءة والأداء. ولم يكن عبارة عن مجرد جمع تلك القطع المتناثرة إلى بعضها بخيط، كما قد يتصور بعض الناس ويفهمه من كلمة «جمع القرآن» وقول أبي بكر لزيد «فتتبّع القرآن فاجمعه». وإنما كانت مهمة زيد التي وكلت إليه هي جمع هذه المتفرقات ثم الكتابة على منوالها من جديد. يدلّ على ذلك ما رواه ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد. وأكد ذلك الحارث المحاسبي في كتابه فهم السنن. ويؤكد ذلك ما رواه ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعد على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله، فاكتباه. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله ثقات (٢). وإذا وقفت على النهج الذي كان يسير عليه زيد ﵁ في الاستيثاق من الآية عند كتابتها، أدركت مدى الدقة العظيمة التي امتدت مع المراحل التاريخية المختلفة لكتابة القرآن وجمعه. فقد كان لا يكتب من القرآن

стр. 41

آية إلا بشاهدين يجتمعان عليها من حيث اللفظ والأداء وهما الحفظ والكتابة، رغم أنه كان هو نفسه في مقدمة حفّاظ القرآن غيبا، فكان في غنىّ عن أن يحمّل نفسه هذا الجهد، ولكن الورع في الدين والحيطة في النقل حمّلاه على أن يضع نفسه- من أجل أنه هو الذي تولى الكتابة- في الموضع الأخير بعد عامّة الصحابة. وهذا المنهج الشديد الذي اتّبعه زيد، هو الذي يفسر لك معنى قوله أنه لم يجد الآيات الأخيرة من سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري. فليس معنى كلامه هذا أنه اعتمد في كتابتها على خبر الواحد فقط وهو أبو خزيمة، وإنما هو مزيد في الحيطة منه، فهو لا يكتفي بحفظه وحفظ بقية الصحابة لها باللسان، بل لا يكتفي مما كتب أيضا إلا بالذي كان داخلا منه تحت إشرافه ﵊ وتولى كتابته أحد كتّاب الوحي أنفسهم. فمن أجل ذلك ظلّ متوقفا عن تسجيل هذه الآيات رغم حفظه لها ورغم وجودها في صدور عامّة الصحابة إلى أن عثر لها على الشاهد الثاني أيضا وهو الكتابة الموثوقة الصحيحة. قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره- أي غير أبي خزيمة الأنصاري- أي لم أجدها مكتوبة مع غيره. لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (١). ثالثا- ما جدّ من ذلك في خلافة عثمان: وقد ظلّ الأمر على ما قام به أبو بكر ﵁، مدة خلافته، ثم مدة خلافة عمر ﵁، وفي صدر من خلافة عثمان ﵁. إلا أنه حدث بعد ذلك أمر نبّه المسلمين إلى ضرورة وجود نسخ متعددة من هذا المصحف الإمام الذي اعتمده الخلفاء، لتوزيعها في الأمصار وجمع الناس عليها، كي لا يكون للعجمة واللهجات المختلفة سبيل إلى اختلاف الناس في القراءة أو إلى تحريف شيء من القرآن لفظا أو أداء.

стр. 42

ولننقل لك مرة أخرى ما رواه البخاري بسنده في ذلك: (عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدّثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن حارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) (١). وإنك لتدرك من هذا النص أن هنالك فرقا من ثلاثة وجوه بين ما فعله عثمان ﵁ وما كان قد فعله من قبله أبو بكر ﵁. الأول: أن السبب فيما فعله عثمان إنما هو ما رآه من اختلاف بعض المسلمين في قراءة القرآن، من أثر اتساع الفتوحات ودخول قدر كبير من الأعاجم في الإسلام، يدلك على ذلك ما قاله حذيفة بن اليمان وقد أفزعه ما رآه من بادرة الاختلاف في قراءة القرآن، وهذا ما حمله ﵁ على أن يتشدد في المسألة فيأمر بإحراق كل ما يوجد من صحف ومصاحف أخرى في أيدي الناس، حصرا للاعتماد وحيطة في الضبط، وإنما كان ذلك منه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلّة أهل الإسلام وشاورهم في الأمر، فاتفقت كلمتهم على استنساخ المصاحف المتعددة من الأصل المعتمد واطراح ما سواها. روى القرطبي عن عمير بن سعيد قال علي ﵁: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان (٢).

стр. 43

أما ما فعله أبو بكر فإنما كان ذلك بسبب مصرع كثير من حفّاظ القرآن، كما قد رأيت. الثاني: اعتمد عثمان ﵁ في كتابة المصاحف على لجنة مكونة من أربعة أشخاص من كبار القرّاء والحفّاظ، من بينهم زيد بن ثابت. أما الجمع الأول فقد اعتمد فيه أبو بكر كما قد رأيت على زيد بن ثابت فقط، ولعلّ سبب هذا الفرق مضاعفة الجهد هنا بسبب كتابة النسخ المتعددة. الثالث: الصحف التي جمعت في المرة الأولى، إنما كان المراد منها أن تبقى في دار الخلافة معتمدا ومرجعا للدولة، إذ لم يكن في البال ما تسرب إلى بعض الألسنة أخيرا من الاختلاف في قراءة القرآن بسبب شيوع العجمة واتساع الرقعة الإسلامية. أما هذه الكتابة الثانية فإنما أريد منها اعتمادها ثم توزيعها في الأمصار لتتوحد القراءة على أساسها. إلا أن الباحثين اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها، والراجح الذي عليه أكثرهم أنها سبعة مصاحب، استبقى واحدا منها عنده وهو الذي سمي بالمصحف الإمام ووزع سائرها على الكوفة والبصرة والشام واليمن ومكة والبحرين (١). ثم إنك إذا تأملت في قصة هذا الجمع الثاني وقفت على حقيقتين لا بدّ من إدراكهما: الأولى: ترتيب مصاحف عثمان ورسمها إنما كان على نسق ما كتبه زيد بن ثابت في الجمع الأول، إذ إن الصحف التي اعتمد عليها إنما كانت كما علمت من كتابة زيد، بعد أن أمره كلّ من أبي بكر وعمر بذلك، وزيد بن ثابت هذا هو من أشهر الصحابة ضبطا للقرآن وحفظه، وهو صاحب العرضة الأخيرة للقرآن على رسول الله ﷺ قبيل وفاته، فأقرّه الرسول ﵊، وأمر الناس بأخذ القرآن عنه، ومن هنا قطع كافة العلماء والباحثين

стр. 44

بأن هذه المصاحف التي وزّعها عثمان في الأقطار هي الصورة المحققة الدقيقة للقرآن الذي نزل على رسول الله ﷺ والذي كان يتلى به. الثانية: أن القرآن إنما نزل بلهجة قريش فينبغي أن يكتب أيضا برسمهم وطريقة كتابتهم، تفهم ذلك من قول عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن- أي إملاء ولهجة- فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. وقد تم هذا العمل العظيم الذي قام به عثمان بن عفان ﵁ في عام ٢٥ للهجرة. أما ما قام به أبو بكر ﵁ فقد كان بعد موقعة اليمامة في العام الثاني عشر للهجرة. ثم إن الصحف التي أعادها عثمان ﵁ إلى حفصة، بقيت عندها إلى وفاتها. ومن هنا تعلم أن هذه الصحف لم تكن من بين الصحف أو المصاحف التي أحرقت. قالوا وقد حاول مروان بن الحكم في عام ٦٥ أن يأخذها منها ليحرقها، فأبت، حتى إذا توفيت أخذ مروان الصحف وأحرقها، وقال مدافعا عن وجهة نظره: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب (١). وما هو إلا أن توزعت هذه المصاحف في البلدان الإسلامية حتى أحرق كل امرئ ما كان عنده من قبل. وأقبلوا يعكفون على استنساخ المصاحف من هذه الأصول الوثيقة المعتمدة، إلى جانب دراستها وتلقّيها مشافهة من كبار القرّاء الذين كان يبعثهم عثمان ﵁ إلى الأمصار ليتلقى الناس منهم كتاب الله . هذا ونستطيع أن نقطع بأن واحدا من المصاحف العثمانية كان باقيا في دمشق بمسجد بني أمية الكبير حتى القرن الثامن الهجري، حيث يقول ابن كثير

стр. 45

في كتابه فضائل القرآن: (أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله) (١). أما بعد ذلك، فالحديث عن تحقيق هذه النسخ ونقلها بين المكتبات والمتاحف والبلدان، أمر يطول ولسنا بصدد هذا البحث. فإذا تأملت في هذه الخلاصة التي سردناها من تاريخ هذا الكتاب العظيم، منذ نزوله على قلب المصطفى ﷺ إلى وصوله إلينا اليوم من حيث الأدوار التي تدرج فيها كتابة وجمعا، وتلقيا ودرسا- تصورت أنك من هذا الكتاب المبين أمام شمس واضحة مشرقة تسير أمام عينيك في قبة السماء الصافية، ليس حولها مزقة سحاب تغشي عليها وليس بينك وبينها أي زوبعة أو ضباب يحجبها عنك. سلسلة متصلة من التدوين الكتابي الدقيق، والتلقّي الشفهي السليم، يسيران جنبا إلى جنب في مطابقة واتفاق، منذ بزوغ فجر هذا التنزيل إلى هذه الساعة من يومنا هذا، لا ترى فيها حلقة مفقودة أو ثغرة ينفذ منها الشك أو اختلافا يبعث على الريبة. فأي خبر أو كتاب سار خلال القرون في مثل هذا النفق المحكم العجيب من الحفظ والوقاية؟ اللهمّ إن العقل لا يفهم من ذلك إلا أنه تصديق الدهر والقرون لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله تعالى: كتاب لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

стр. 46

رسم القرآن والمراحل التحسينية الّتي ندرّج فيها مما لا شك فيك، أن الصحف التي كانت قد كتبت على عهد النبي ﷺ ، والمصاحف العثمانية التي وزعت على الأمصار، كانت كلها خالية عن الشكل والنقط. وكان العرب إذ ذاك يهتدون إلى النطق السليم بوسيلتين: إحداهما: السليقة العربية الأصيلة التي كانوا يتمتعون بها، والأصالة اللغوية التي كانت فطرتهم مطبوعة عليها، فلم يكن لما عرف بعد ذلك باسم اللحن أي سبيل إلى ألسنتهم، وليس لديهم أي فقر في فهم المعنى الصحيح للفظ من الألفاظ العربية أو في الشكل السليم للنطق بها. الثانية: التلقي والمشافهة، وقد قلنا إن القرآن كان يضبط ويحفط، بكلّ من وسيلتي الكتاب والتلقّي، فلا الكتابة وحدها كانت معتمدا كافيا لهم، ولا التلقي وحده كان أساسا معتمدا عندهم، بل الأمر إنما يعتمد على كلا الوسيلتين. فكان التلقي يزيد من وضوح الكتابة، ويزيل ما قد يتصور من اللبس في النطق ببعض الكلمات، كتلك التي تحتمل عددا من وجوه الأداء والقراءة، بسبب عدم توفر النقط فيها. على أن رخصة النطق بالأحرف السبعة في أول عهد العرب بالقرآن ساهمت باعتبارها وسيلة ثالثة في تسهيل ضبط القرآن دراسة وحفظا، وأورثت طمأنينة بعدم الوقوع في أي لبس أو وهم، عند النطق بهذه الكلمات المحتملة. ومما لا ريب فيه أيضا، أن رسم المصاحف العثمانية التي نسخت على

стр. 47

هدي الصحف الأولى، يقوم على إملاء خاص به في ذلك العصر وفيما بعده أيضا. وإنك لتجد في إملائه من أنواع الزيادات والحذف للحروف والمدود وطريقة الرسم، ما لم يكن معهودا حتى عند كثير من القبائل العربية إذ ذاك. إلا أنه كان يتفق في جملته مع الرسم القرشي في ذلك الوقت، ومن هنا قال عثمان ﵁ للكاتبين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في كلمة من كلمات القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم (١). ولقد ظهر تطبيق هذه الوصية، عند ما اختلف الكتّاب الأربعة في كيفية رسم «التابوت» في قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... (البقرة: ٢٤٨)، فقد قال زيد «التابوة» وقال القرشيون «التابوت» وترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوا «التابوت» فإنما أنزل القرآن على لسان قريش (٢). فقد علمت إذا، أن في الرسم القرآن في عهده الأول، ظاهرتين: الظاهرة الأولى: أن له إملاء خاصا به من حيث كيفية كتابة الهمزة مثلا، أو الأحرف اليائية والواوية ومن حيث الزيادة والنقص وما شابه ذلك. الظاهرة الثانية: أنه كان مجردا عن الشكل الذي يوضّح إعرابه، وعن النقط الذي يميز الأحرف المعجمة عن المهملة. فأما الظاهرة الأولى: فقد استمرت فيما بعد، ولم يطرأ عليها تغيير أو تحوير يذكر، فقد أخذ الناس يعتبرون الرسم القرآني رسما معينا خاصّا به ولم يجدوا ما يدعوا إلى مدّ يد التغيير إليه، بعد أن وصل إليهم بهذا الشكل صورة طبق الأصل للكتابة المعتمدة الأولى، بل لقد رأى العلماء أن الحيطة في حفظ القرآن تدعوا إلى وجوب إبقائه على شكله الأول، وتحريم أو تكريه أي تطوير كتابي فيه، تطبيقا للقاعدة الشرعية الكبرى: سدّ الذرائع.

стр. 48

روى أبو عمرو الداني عن أشهب، قال: سئل مالك ﵀: هل بكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى، وسئل مالك مرة أخرى عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف: أترى أن تغير من المصحف إذا وجدوا فيه ذلك؟ فقال: لا: وذهب أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك (١). وليس يعنينا هنا، أن نعرض لتحقيق الحكم الشرعي في هذا الأمر، خصوصا في مجالات التعليم والتدريس، إنما الذي نقصد إليه هو أن نتأمل في مدى الحيطة والشدّة العجيبتين اللتين صين بهما القرآن خلال تاريخ وصوله إلينا. أما الظاهرة الثانية: فقد دخلها التطوير. والتحسين فيما بعد، كما نجد أثر ذلك في رسم المصاحف في عصرنا هذا. وأصحّ ما قيل عن تاريخ أول طور تحسيني دخل رسم القرآن، أنه كان في عهد التابعين في منتصف القرن الأول للهجرة، وأصحّ ما قيل فيمن باشر ذلك أنه أبو الأسود الدؤلي الذي توفي عام تسع وستين. فقد أجمعت روايات الثقات- كما يقول المرحوم مصطفى صادق الرافعي- على أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من وضع النحو بإشارة من علي ابن أبي طالب ﵁. ولعلك تقول: فما علاقة وضع النحو بتحسين رسم القرآن، وهل يلزم من أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع للنحو أن يكون هو أول مباشر لتحسين الرسم القرآني؟ والجواب: إن عامّة روايات هؤلاء الثقات تتفق على أن سبب وضعه النحو هو ما رآه أو قيل له من شيوع اللحن في قراءة القرآن، كما تتفق معظم هذه الروايات- ومنها رواية أبي الطيب اللغوي وابن النديم وابن عساكر- على

стр. 49

أن وضعه للنحو كان مصحوبا بتنقيط المصحف (١) ولعلّ الرواية التي ساقها ابن خلكان تجمع القدر المشترك بين مختلف تلك الروايات، وإليك ما يقوله في ذلك: كان أبو الأسود الدؤلي لا يخرج شيئا أخذه من علي بن أبي طالب ﵁ إلى أحد (يقصد به الرقعة التي كان قد أعطاه إياها وفيها قواعد أولية للنحو) حتى بعث إليه زياد بن أبيه- والي العراق يومئذ- أن اعمل شيئا يكون إماما ويعرف به كتاب الله ، فاستعفاه من ذلك، حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ: (إن الله بريء من المشركين ورسوله بالكسر) فقال: ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا، ورجع إلى زياد فقال: أفعل ما أمر به الأمير؛ فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما أقول له، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر، فقال له أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فيّ بالحرف، فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت، ففعل ذلك (٢). فإذا تأملت في هذا الخبر- وهو كما قلت لك قدر مشترك للروايات التي ساقها ابن عساكر وابن النديم وأبو الطيب اللغوي- علمت أن الذي بدأ بتحسين رسم القرآن هو أبو الأسود الدؤلي، وعلمت أن هذا التحسين هو وضع النقط للقرآن؛ وأنه لم يكن يقصد به تمييز الحروف المهملة عن المعجمة كما هي وظيفة النقط فيما نعلم، وإنما كان يراد به الشكل الذي يقوم مقام الفتح والكسر والضم منعا عن اللحن في القراءة وعلمت أيضا أنه إنما وضع النحو من حيث نقّط القرآن وأن الذي دفعه إلى وضع النحو وتقعيد قواعده وإبراز الرقعة التي كان قد أعطاه إيّاها علي بن أبي طالب، هو ما أفزعه من سماع اللحن في تلاوة القرآن. ولعلك تسمع بعد هذا، عن روايات تقول بأن يحيى بن يعمر

стр. 50

(ت: ١٢٩) هو أول من نقط القرآن، أو أن الذي بدأ بذلك هو نصر بن عاصم الليثي (ت ٨٩). وهي في الحقيقة لا تنافي ما نقلناه، فقد كان كلّ من يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم تلميذين لأبي الأسود الدؤلي، وقد كان يحيى بن يعمر قاضيا بمرو، فلعله عمد فنقط مصحفه على نحو ما فعل أستاذه، قبل أن يفعل ذلك هناك أحد غيره، وأما عمل نصر بن عاصم فهو في أغلب الظن إنما يعتبر طورا آخر من التحسين بعد العمل الذي قام به أبو الأسود، تدلّ على ذلك الرواية التي ساقها ابن خلكان، إذ يقول (ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق؛ ففزع الحجاج بن يوسف إلى كتّابه، فسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فيقال إن نصر بن عاصم قام بذلك) (١). فأنت ترى أن الحجاج إنما أمر كتّابه أن يعملوا شيئا تتميز به الحروف المشتبهة في القرآن، والحروف المشتبهة إنما هي المهملة والمعجمة كالحاء والجيم والعين والغين. فيكون عمل نصر ابن عاصم إن صحّت الرواية تنقيطا، لتمييز المتشابه من الحروف لا لضبط الشكل والإعراب كما فعل أبو الأسود. ثم إن هذا التحسين الذي ذكرناه، دخل طورا ثانيا، بل أخذ يتدرّج في أطوار متلاحقة، لا يمكننا أن نضبط كلّا منها بتاريخ دقيق صحيح، وأن ننسبه إلى شخص معين في رواية موثوقة. ولكن مما لا شك فيه أن للحجاج عملا عظيما في ذلك بقطع النظر عن تفاصيل ما قام أو أمر به كما يقول الدكتور صبحي الصالح (٢). ومما لا شك فيه أيضا أن النقط والشكل تكامل وجودهما في القرآن على عهد الخليل بن أحمد (المتوفى: ١٧٠) عند ما ألّف كتابه في النقط والشكل (٣). وظلت الخطوات التحسينية في رسم القرآن مطّردة إلى يومنا هذا، ابتغاء تحقيق المزيد من ضبطه وتسهيل قراءته. إلا أن الظاهرة الأولى المتعلقة بإملائه

стр. 51

ظلت- كما ترى- على الشكل الذي كتبت به الصحف الأولى والمصاحف العثمانية. ومن هذا الذي ذكرناه يتضح لك أن علم النحو لم يقعد ويدوّن إلا خدمة لضبط القرآن، كما قد رأيت، وستجد فيما بعد أن معظم العلوم العربية الأخرى إنما قامت لخدمة القرآن أو نبعت من مضمونه. أما عن تاريخ طباعة القرآن، فيقول الدكتور صبحي الصالح: قد ظهر القرآن مطبوعا للمرة الأولى في البندقية في حدود سنة ١٥٣٠، ولكن السلطات الكنسية أصدرت أمرا بإعدامه حال ظهوره. ثم ظهرت أول طباعة إسلامية خالصة للقرآن في سانت بترسبورغ، بروسيا سنة ١٧٨٧. ثم عنيت الآستانة ابتداء من سنة ١٨٧٧ بهذا الأمر العظيم (١).

стр. 52

الأحرف السّبعة وهذا أيضا بحث من أهم ما يتعلق بتاريخ القرآن وكيفية نزوله. ولنبدأ بما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ : روى مسلم عن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار (غدير صغير، بموضع قرب مكة) فأتاه جبريل ﵇ فقال له: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه ثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف: فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوه عليه فقد أصابوا. وروى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها. وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لبيته بردائه فجئت به رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله ﷺ أرسله ثم قال (اقرأ يا هشام) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ «هكذا أنزلت» ثم قال لي اقرأ، فقرأتها، فقال «هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما يتيسر منه».

стр. 53

وروى الترمذي بسند صحيح عن رسول الله ﷺ أنه ﷺ لقي جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قطّ، فقال لي يا محمد إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. هذا بعض ما ورد من الأحاديث الصحيحة في موضوع الأحرف السبعة. فما هي الأحرف السبعة: وما معنى أن القرآن أنزل على سبعة أحرف؟.: هي في الصحيح الذي ذهب إليه الجمهور كمكي بن طالب، وابن عبد البرّ، وابن قتيبة وابن شريح وغيرهم: لغات متفرقة في القرآن مختلفة في السمع، متفقة في المعنى أو مختلفة في السمع وفي المعنى، وزيادة كلمة ونقص أخرى، وزيادة حرف ونقص آخر، وتغيير حركات في موضع حركات أخرى، وتقديم وتأخير، ومدّ وقصر، وشبه ذلك مما يتعلق بجوهر الكلمة أو كيفية أدائها. وقد يكون هذا الاختلاف مما يخضع لرسم واحد، وقد يكون مما يختلف به الرسم. فكل وجه من هذه الأوجه المختلفة يسمى حرفا، وأطلق على مجموعها الأحرف السبعة، لأنها- فيما ذكره مكي بن طالب وجمهور من أهل العلم- ترجع إلى أربعة أوجه: الأول: أن يختلف في مدّ الكلمة وقصرها أو في إعرابها أو في حركات بنائها بما لا يغير معناها، كالبخل والبخل، وميسرة وميسرة. الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بنائها بما يغير معناها على غير التضاد ولا يزيلها عن صورتها في الخط، كقوله: «ربنا باعد بين أسفارنا» و «ربنا بعّد بين أسفارنا». الثالث: أن يكون الاختلاف في تبديل حرف الكلمة دون إعرابها، بما يغيّر المعنى ولا يخرج عن القصد ولا يغيّر صورة الخط نحو: ننشرها، ننشزها.

стр. 54

الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغيّر صورتها في الكتاب ولا يغيّر معناها نحو «إن كانت إلا صيحة واحدة» و «إن كانت إلا زقية واحدة». الخامس: أن يكون الاختلاف بما يزيل صورة الكلمة في الخط ويزيل معناها، دون أن يكون بينهما تضاد نحو: الم تنزيل الكتاب، في موضع: الم ذلك الكتاب. السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير كقوله «وجاءت سكرة الحق بالموت» بدلا من «وجاءت سكرة الموت بالحق». السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة أو النقص في الحروف والكلم، شريطة أن لا يحدث ذلك حكما لم يقبله أحد نحو «تجري تحتها» بدلا من «تجري من تحتها» (١). إذا عرفت المعنى المراد بالأحرف السبعة، فلتتساءل عن معنى كون القرآن قد نزل بها. والجواب أن الله قد أذن لرسوله ﷺ أن يقرئ أمته القرآن على هذه الأوجه المختلفة بالحدود والضوابط التي أجملنا بيانها، وأن لمن شاء من أمته أن يقرأ بما شاء من هذه الأوجه، بعد أن يكون قد سمعها تلقيا من رسول الله ﷺ . وبذلك تعلم أن اختلاف القراءة من وجه إلى آخر لم يقع ولا يجوز أن يقع بالتشهي، بأن يغيّر كل قارئ الكلمة إلى مرادفها أو إلى وجه آخر من كيفية النطق بها. بل ذلك- كما قال الزرقاني على الموطأ- مقصور على السماع منه ﷺ ، كما يشير إليه قول كلّ من عمر وهشام، في الحديث السابق ذكره: أقرأني النبي ﷺ (٢). وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة

стр. 55

ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ ، وضبطها عنه الأمة (١). ونتساءل بعد هذا عن الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف، وهل كان ذلك رخصة منوطة بسبب عارض أم هو عزيمة باقية؟ يتضح لك من الأحاديث التي ذكرناها في أول البحث، أن الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف، هي التخفيف على العباد وتسهيل سبيل قراءة القرآن عليهم، إذ فيهم كما قال ﵊ العجوز والشيخ الكبير والرجل الذي لا يقرأ كتابا. واستنادا إلى هذا الدليل، ذهب كثير من أهل العلم إلى أن ذلك إنما كان رخصة اقتضاها حال العرب في صدر الإسلام من تفرقهم واختلافهم إلى قبائل شتى يتخالفون ويتفاوتون في كيفية القراءة والنطق. والرخصة هي تحوّل الحكم الشرعي إلى الأسهل لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (٢). يدل على ذلك إلى جانب دلالة الأحاديث السابقة، أن هذا الإذن من الله في القراءة بالأحرف السبعة إنما اقتصر على القراءة فقط، أما كتابة القرآن فإنما كانت بحرف واحد هو حرف قريش، وهو الحرف الذي أشار إليه جبريل بقوله في أول الحديث الذي رواه مسلم عن أبي بن كعب: إن الله يأمرك أن تقرئ القرآن على حرف. قال مكّي بن طالب: «وكان المصحف قد كتب على لغة قريش، على حرف واحد، ليقلّ الاختلاف بين المسلمين في القراءة ... » (٣). وهكذا، فقد كانت كتابة المصحف بحرفه الأصلي الواحد ضمانة لبقائه والرجوع إليه بعد انتهاء العذر الذي اقتضى التخفيف، كما كانت ضمانة لعدم ضياعه وتميّعه في غمار تلك الأحرف الأخرى التي أذن الله أن تقرأ بها قبائل العرب تخفيفا وتيسيرا.

стр. 56

ولنتساءل إذا: ما هو مصير الأحرف السبعة اليوم؟ والجواب أن مصيرها مصير كل رخصة زال العذر المسبّب لها. وقد علمت أن جواز القراءة بالأحرف الستة الأخرى غير التي كان يكتب بها القرآن، إنما كان رخصة اقتضاها حال العرب في صدر الإسلام لما قد رأيت من اختلاف اللهجات وشيوع الأمية. فلما صهرهم الدين وجمعهم القرآن وتقلصت الأمية، انتهت الرخصة وانحسرت الحاجة إليها، وعاد الحكم فانحصر بالحرف الذي كان يكتب؛ وهو حرف قريش. فاجتمع الناس كلهم على النطق به معتمدين في ذلك على ما وجدوه مكتوبا عندهم من الرسم الصحيح المعتمد للقرآن. روى القرطبي عن الطحاوي: «إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا لقليل منهم، فلما كان يشقّ على كلّ ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ إلّا بمشقة عظيمة، فوسّع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا. فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ فقدروا بذلك على تحفّظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها (١). وذكر النووي مثل هذا في شرحه على صحيح مسلم (٢). وعزا الزرقاني على الموطأ ذلك إلى أكثر أهل العلم كابن عيينة وابن وهب والطبري وابن عبد البرّ والطحاوي (٣). ولكن كيف سقط العمل بما يخالف خط المصحف، حتى لم تجز القراءة بالأحرف الأخرى وهل كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ وبأمره أم في عهد عثمان وبتوجيهه؟

стр. 57

اختلف العلماء في ذلك، ونقل الزرقاني أن أكثرهم على أن ذلك إنما كان في عهد رسول الله ﷺ وبأمره، فقد قال: «وهل استقرّ ذلك في الزمن النبوي أم بعده؟ الأكثر على الأول واختاره الباقلاني وابن عبد البرّ وابن العربي وغيرهم، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر ... حتى انضبط الأمر وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على لغة واحدة، فعارض جبريل النبي ﷺ القرآن مرتين في السنة الأخيرة واستقر الأمر على ما هو عليه الآن فنسخ الله تلك القراءة المأذون فيها، بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس (١). وعلى هذا، فقد كان إقدام عثمان ﵁ على جمع الناس على حرف قريش ومنع القراءة بكل حرف آخر سواه مما يخالف خط المصحف المعتمد، وتحريق المصاحف الأخرى المخالفة له- كان كل ذلك منه باستناد إلى هذا الذي رواه الزرقاني عن أكثر أهل العلم من استقرار القرآن كتابة وقراءة، في عهد رسول الله ﷺ على جزء من الأحرف السبعة، وهو الذي كانت كتابة القرآن به. وما أجمع الصحابة ومن بعدهم مع عثمان على صنيعه، إلا استنادا إلى أن الأمر كان قد استقر على ذلك في آخر عهد رسول الله ﷺ وبأمر منه. ويبقى بعد ذلك السؤال التالي: ولكن جمع عثمان الناس على حرف واحد لم يوحّد القراءات توحيدا تاما، بل بقي الناس مع ذلك يختلفون في القراءة بأوجه من النطق والأداء ضمن ما يتحمله الحرف الواحد المعتمد كتابة، منذ عهد الرسول، والذي أصبح معتمدا في الكتابة والقراءة معا في عهد عثمان! ... والجواب أن هذه القراءات المختلفة التي ظل الناس يقرءون بها حتى بعد عهد عثمان، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وإنما سوغ القراءة بها أنها موافقة لخط عثمان الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه (٢).

стр. 58

وبيان ذلك أن الأحرف السبعة تتفاوت في درجة تخالفها وتباعدها عن بعضها، كما مرّ بيانه. فمنها ما يتعلق بكيفية النطق والأداء من قصر ومد ونحوهما دون أن تتغير به صورة الخط، ومنها ما يتغير به صورة الخط والرسم كإبدال كلمة بأخرى ... فلما جمع عثمان الصحابة على خط واحد، وهو حرف قريش، ومنع المسلمين من القراءة بما خالفه، وقد كان خط المصحف خاليا- إذ ذاك من النقط والشكل- بقيت الأوجه الخاضعة لذلك الحرف الباقي، معتمدة في القراءة والتعبّد بها، طالما ثبتت روايتها عن الرسول ﷺ بالتواتر. إذ الذي بطلت القراءة به من مجموع الأحرف السبعة، سواء قلنا إن ذلك كان في آخر عهد رسول الله ﷺ أو في عهد عثمان، إنما هو كل ما خالف حرف قريش ولم يقبله التأويل بحال، فبقي ما كان مندرجا ضمنه على أصله من الاعتماد وصحة القراءة به. وهذا القدر المتفق مع الخط المعتمد للمصحف، من مجموع الأحرف السبعة، هو الذي سمي فيما بعد بالقراءات.

стр. 59

علوم القرآن تمهيد ١ - ما هي علوم القرآن ؟ ٢ - (علوم القرآن) اصطلاح خاص. ٣ - متى ظهر هذا الاصطلاح؟ ما هي علوم القرآن؟ علوم القرآن كثيرة، وحسبك أن تعلم أن المكتبة العربية كلها بعلومها المختلفة الكثيرة، إنما انبثقت عن القرآن وتفرعت عنه، فعلم العربية بفروعها من أدب وبلاغة وقواعد ولغة، من علوم القرآن. والشريعة الإسلامية بفروعها من الفقه والأصول، والتفسير والحديث والتوحيد، من علوم القرآن. والتاريخ وكثير من مسائل الكونيات وأصول البحث من علوم القرآن. قال الزركشي: وكل علم من العلوم منتزع من القرآن وإلا فليس له برهان (١). وروى البيهقي في المدخل عن ابن مسعود أنه قال: من أراد العلم فليثوّر القرآن (أي ليفكر في معانيه وتفسيره وقراءته) فإن فيه علم الأولين والآخرين قال: وإنما أراد به أصول العلم (٢). وقبل أن تستعظم هذا الكلام، وتردّه إلى المبالغة والتزيد، نقول لك: إنما يصدق هذا، على أساس الوجهين التاليين: الوجه الأول: أن القرآن يشتمل على كل تلك العلوم اشتمالا مختلفا

стр. 60

ومتفاوتا. فمنها ما يشتمل عليه القرآن بمعناه الحقيقي دون أي تأويل أو مبالغة كعلوم الفقه والأصول والتفسير والبلاغة والقواعد واللغة. ومنها ما يشتمل القرآن على أصوله ومفاتيحه، بمعنى أنه ينبّه القارئ إليه ويرشده إلى كثير من كلياته وأصوله، ككثير من العلوم الكونية والفلكية، وعلم الطب والأبدان. الوجه الثاني: أن القرآن هو الذي نبّه العرب والمسلمين إلى ضرورة الإقبال على هذه العلوم والأبحاث، بل هو المنطلق الأول لشيء اسمه «التدوين» في التاريخ العربي. فالقرآن، كما قد رأيت فيما مضى، هو الذي أشعر الناس بضرورة وضع قواعد في النحو والإعراب، وهو الذي أشعرهم بالحاجة إلى وضع موازين وضوابط للبلاغة العربية ووجوهها، وهو الذي دعاهم إلى وضع الموسوعات اللغوية المختلفة، وهو الذي اضطرهم إلى تدوين شيء اسمه (علم الكلام) بما يشتمل عليه هذا العلم من قواعد البحث والمنطق لتعزيز الأدلة النقلية بالبراهين العقلية ثم لولا القرآن وما أدى إليه تدوينه والإقبال عليه، لما أقبلوا بعد ذلك إلى شيء من العلوم الكونية والتشريح والطب. وآية ذلك أن الذين نبغوا من العرب في هذه العلوم، إنما نفذوا إليها من دراساتهم القرآنية قبل ذلك، فأنت لا تكاد تقع على ترجمة واحد منهم إلا وتجده مفسّرا فقيها ذا باع طويل في القرآن وعلومه، كابن النفيس مثلا الطبيب العظيم وصاحب اكتشاف الدورة الدموية، فقد كان من قبل فقيها عظيما ألّف في الفقه والسيرة النبوية، وترجم له السبكي في طبقات فقهاء الشافعية (١). والخلاصة إن بنية الحضارة العربية بما اشتملت عليه من علوم وفنون وفكر وابتكار، إنما قامت بتأثير القرآن وعلى ضوئه، ولا ينافي ذلك ما نعلمه جميعا من كيفية تسلسل الأحداث وارتباط الأمور ببضعها. إنما المهم أن تعلم أنه لولا القرآن لما كانت هذه المكتبة العربية التي نرفع الرأس بها اليوم عاليا. وذلك معنى قولنا: القرآن يحتوي على علوم كثيرة جدا وهو معنى قول الزركشي السابق: كل علم من العلوم منتزع من القرآن.

стр. 61

(علوم القرآن) اصطلاح خاص: ثم إن هذه الكلمة أصبحت تطلق على طائفة معينة من الأبحاث الهامة المتعلقة بالقرآن تعلقا مباشرا وقريبا. كتفسيره، وناسخه ومنسوخه، ومكيه ومدنيه ومحكمه ومتشابهه، وقراءاته. وذلك، لأن كلّا من هذه الأبحاث، قد دار حوله كلام كثير، واستلزم فهمه معرفة دقيقة لضبطه وتحديده، وألّفت فيه الكتب المستقلة، فتحولت المعرفة بذلك إلى علم، كما يقول ابن خلدون (١). فالتفسير إذا فن مستقل برأسه، يقوم على أسس ومقوّمات وشروط، والناسخ والمنسوخ في القرآن أيضا فن خاص يقوم على دراسة معينة وأهمية خاصة، والمحكم والمتشابه كذلك ... وهلمّ جرا. ثم لما كثرت تآليف العلماء في هذه القرون، وأطلقوا على جملتها اسم (علوم القرآن) وتكرر هذا الاسم وتداوله الباحثون والكاتبون، أصبح هذا الإطلاق علما على هذه الطائفة من علوم القرآن وأبحاثه. وأصبحت هذه الطائفة من الأبحاث علما مستقلا برأسه. متى ظهر هذا الاصطلاح: ثم إنك تعلم أن عصر الصحابة كان عصر تلقّ للقرآن والسنّة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون معاني الألفاظ وما وراءها بفطرتهم العربية الأصيلة، فإذا أشكل عليهم شيء من وراء ذلك أيضا سألوا عنه رسول الله ﷺ ، ثم كانت رقعة حياتهم ضيقة لا تزخر أو تتزاحم فيها التقاليد والأفكار والمشكلات الطارئة فكانت معارفهم في أذهانهم، وكان مرجعهم فيها رسول الله ﷺ ثم كبار الصحابة من بعده، فلم يكن عندهم شيء مما أطلق عليه فيما بعد اسم «علوم القرآن». ثم لما كان عصر التابعين، أقبل التابعون على مشاهير الصحابة يعلمون منهم كتاب الله تعالى وتفسيره، وربما أخذ البعض يدوّن من ذلك الكثير مما

стр. 62

يحرص عليه. وقد اشتهر من التابعين في دراسة القرآن وتفسيره: مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء ابن أبي رباح والحسن البصري. روى ابن كثير عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس اكتب، حتى سأله عن التفسير كله (١). وهكذا تكوّن وظهر في عصر التابعين «علم تفسير القرآن» في مقدمة علومه وأبحاثه الأخرى، إذ هو أساسها وإليه مردّها؛ ظهر علما بدأ تدوينه وجمعه، بعد أن كان معارف في الأذهان والصدور. ثم تفرع عن علم التفسير علومه الأخرى، عند ما تكاثر أرباب الاختصاص في الدراسات العربية والإسلامية. فالفقهاء والأصوليون عنوا منها بعلم الناسخ والمنسوخ، وعلماء التفسير والكلام اهتموا من ذلك بعلم المحكم والمتشابه والقراءات، وعلماء العربية انصرفوا إلى مباحث الإعجاز والأسلوب وعلم إعراب القرآن ... وهلم جرا. ولا شك أن هذه الفنون لم تظهر في حقبة واحدة من الزمن، وإنما ظهرت متتابعة، إلا أنها تكاملت علوما خلال القرنين: الثاني والثالث. أما إطلاق لفظ (علوم القرآن) اصطلاحا على هذه العلوم القرآنية فإن البعض يحسب أن الإمام الشافعي هو أول من سيّر هذا الاصطلاح وذلك أنه حينما جيء به إلى الرشيد- عند ما اتهم بالتشيّع- سأله الرشيد: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله؟ فقال الشافعي: عن أيّ كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله أنزل كتبا كثيرة، قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزّل على محمد ﷺ ، فقال الشافعي إن للقرآن علوما

стр. 63

كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه، أو عن تقديمه وتأخيره أو ناسخه ومنسوخه؟ وأغلب الظن أن الكلمة إنما أصبحت اصطلاحا، بتداول المؤلفين لها، وجعلها اسما على مباحثهم المتعلقة بالقرآن. وأيّا كان الأمر فإن الخطب في ذلك يسير وهو ما لا يتعلق لنا به غرض كبير.

стр. 64

التّفسير حقيقته ، نشأته وتطوّره، مذاهبه وشروطه حقيقته: قال في البرهان: التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزّل على نبيّه محمد ﷺ ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه؛ واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والصرف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات (١). وثمة كلمة أخرى كثيرا ما تستعمل في مكان التفسير، وهي: التأويل. إلا أنها ليست مرادفة للتفسير بمعناه الدقيق، بل هي في الأصل تختلف عنه اختلافا ما، ولكن كثرة استعمالها في مكان «التفسير» جعلها تؤدي معناها وتقوم مقامها. قال في تهذيب الأسماء واللغات في بيان الفرق بينهما: أما التأويل فقال العلماء هو صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله، أوجبه برهان قطعي في القطعيات وظني في الظنيات، وقيل هو التصرّف في اللفظ بما يكشف عن مقصوده. وأما التفسير فهو بيان معنى اللفظة القريبة أو الخفية (٢). أقول: ولعلّ هذا التفريق أصحّ ما قد قيل في ذلك. ولكن هذا الفرق ناظر إلى معنى كلّ من الكلمتين من حيث دلالتها

стр. 65

اللغوية. أما عند ما تصبح «التفسير» إطلاقا على علم معين كما ذكرنا، فهي تتسع حينئذ لمعنى التفسير والتأويل، إذ الكل يدخل تحت مدلول هذا العلم. وتبقى العلاقة حينئذ بين الكلمتين، العموم والخصوص المطلق، فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلا. ولعلك تسأل فتقول: فإذا كان القرآن كتابا مبينا، وقد نزل إلى الناس ليقرءوه فيفهموه، فينبغي أن يكون غنيا عن التفسير والمفسرين؛ وينبغي أن يكون مفهوما بذاته لأن الله تعالى إنما يخاطب عباده بما يفهمونه، ففيم احتيج إلى تفسيره؟ فالجواب: الحاجة إلى تفسير القرآن ليست بسبب أنه كتاب مبهم يحتاج إلى مفتاح له ومترجم عنه وإنما الحاجة إليه من وجوه أخرى نجملها فيما يلي: الوجه الأول: أن القرآن جار على أسلوب يصلح أن يخاطب به طبقات الناس كلهم على اختلاف مداركهم وثقافاتهم (كما سنشرح ذلك فيما بعد) فهو يعطي كلّا، من معانيه وأحكامه قدر طاقته وما يتسع له فكره؛ فإذا أراد القارئ أن يستشف منه ما وراء ذلك وينتهي في سبر أغواره إلى أكثر مما فهمه منه بطبيعته وفكره، فإن سبيله إلى ذلك الرجوع إلى فهم من هم أوسع منه علما وأغزر ثقافة وفهما ليبصروه بما وراء الذي انتهى عنده علمه من دلائله ومعانيه. فهذا وجه من وجوه الحاجة إلى التفسير. الوجه الثاني: أن القرآن- كما قال الزركشي- كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه، ولا إمكان للوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار، فإن الإنسان يمكن علمه بمراد المتكلم بأن يسمع منه أو ممّن سمع منه (١). ومن هنا تجد القرآن محاطا بسور من الرهبة والجلال يمنع قارئه أن يسرع فيقتحم إليه بالشرح والتفسير كما يشرح الكتب الأخرى. وإنما الشأن أن يتوسط إلى ذلك بما قد أثر من تفسير النبي ﷺ له أو أثر من تفسيرات الصحابة رضوان الله عليهم، فهو الذي أوحي إليه القرآن مباشرة، وهو الذي أمره الله بأن يبيّن

стр. 66

للناس ما نزل إليهم. فهذا وجه ثان في الحاجة إلى تفسيره والاطمئنان إلى حقيقة معانيه المرادة منه. الوجه الثالث: إن القرآن كتاب يحوي ببين دفتيه مبادئ العقيدة والتوحيد، كما يحوي مبادئ الشريعة وأحكام الحلال والحرام، ويشمل التوجيهات الأخلاقية ومبادئ التنظيمات الاجتماعية، إلى جانب ما فيه من عبر الأمم الماضية والإخبار عن المغيبات ووجوه النقاش والحجاج. فلا جرم أنه إنما يتناول كل ذلك ويعالجه بأسلوب من التركيز والاختصار يضمن للقارئ الفهم الموجز الكلي من ناحية، ويحمله على البحث والدرس والوقوف على تفصيلات ذلك من ناحية أخرى. فكانت الحاجة إلى تفسير القرآن من هذه الجهة استجابة للغرض المتعلق بتفصيل موجزاته وشرح كلياته. الوجه الرابع: أن المعنى الذي يراد بتفسير القرآن بعد كل هذا الذي ذكرناه- ليس متوقفا على شرح الكلمة وترجمتها، وإنما هو يتعدى ذلك إلى وجوه وأنواع من الاستنباطات المتعلقة بدقائق المباحث والعلوم، تختلف حسب اختلاف وجهة المفسّر واختصاصه من عربية وأصول فقه وتوحيد وكونيات. والقرآن «كما قد علمت وستعلم» ذو دلالات متسلسلة لا تكاد تتناهى. وإنما سبيل الكشف عنها أو عن بعضها، بعكوف أرباب الاختصاصات عليه بالدرس والبحث والتفسير. فهذه هي خلاصة الأسباب الداعية إلى تفسير القرآن وشرحه. وهي كما رأيت، أسباب لا تتنافى مع كونه كتابا عربيا غير ذي عوج، ولا تتعارض مع ما هو مقرر ثابت من أن الله إنما يخاطب عباده بما يفهمون. نشأته وتطوره: نشأ علم التفسير في صدر الإسلام، في عصر رسول الله ﷺ ، وإن لم يكن يسمى حينئذ علما. وذلك هو الشأن في سائر العلوم الإسلامية (تقريبا) نشأت حقائقها في صدر الإسلام، وتكونت أغلفتها فيما بعد. ومعلوم أن رسول الله ﷺ هو أول من مارس التفسير وعلمه للناس، إذ

стр. 67

كان هو المصدر الأول لفهم الكتاب وتبيينه. ولا بدّ أن النبي ﷺ بيّن لأصحابه سائر معاني الكتاب كما بيّن لهم ألفاظه وطريقة تلاوته (١). أما الصحابة، فهم الطبقة الأولى في تاريخ علماء التفسير، وهم الأساس والأصل اللذان قامت عليهما نشأة علم التفسير. غير أن الصحابة ليسوا كلهم في مستوى واحد من العلم بكتاب الله تعالى والوقوف على تفسيره، وإنما هناك نخبة امتازت واشتهرت من بين سائر الصحابة بهذا العلم. منهم الخلفاء الراشدون وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (٢). ولقد كان أكثر هؤلاء رواية للتفسير، أكثرهم تعميرا وأطولهم حياة، فمن أجل ذلك كان ابن عباس ﵁ المتوفى سنة ٦٨ في مقدمة من اشتهر من الصحابة بالتفسير، وقد روي عنه في التفسير ما لا يكاد يحصى كثرة وقد سمّاه ابن مسعود: ترجمان القرآن. ومن أجل ذلك تجد الخلفاء الثلاث: أبا بكر وعمر وعثمان أقل الذين ذكرناهم رواية له بسبب تقدم وفاتهم، ولعله بسبب أعباء الخلافة أيضا (٣). وأنت تعلم أن التفسير إنما كان عند هذه الطبقة رواية وأداء بالنطق والمشافهة فقط، ولم يكن شيء منه يكتب على عهدهم، كما لم يكتب أيّ علم آخر اللهمّ إلا القرآن والحديث. ثم تأتي (الطبقة الثانية) من علماء التفسير، وهي طبقة التابعين. وقد نبغ منهم في التفسير ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: وهم أصحاب عبد الله بن عباس، من علماء مكة المكرمة

стр. 68

أشهرهم مجاهد بن جبر (ت: ١٠٣) وسعيد بن جبير (ت: ٩٤) وعكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٥) وطاوس بن كيسان (ت: ١٠٦) وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤). وهذه الطائفة تعدّ من أعلم الناس بالتفسير في عصر التابعين، وفي مقدمتهم مجاهد بن جبر، نقل النووي عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وقال: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد (١). الطائفة الثانية: وهم أصحاب عبد الله بن مسعود، من علماء الكوفة فمنهم علقمة بن قيس (ت: ١٠٢) والأسود بن يزيد (ت: ٧٥) وإبراهيم النخعي (ت: ٩٥) والشعبي (ت: ١٠٥). الطائفة الثالثة: وهم أصحاب أنس بن مالك وغيره فمنهم زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٧) والحسن البصري (ت: ١١٠) وعطاء بن أبي سلمة (ت: ١٣٥) ومحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧). فهذه الطوائف الثلاث، هي التي تكوّن الطبقة الثانية من علماء التفسير. وإنما كان علم التفسير عند هؤلاء، الرواية عن الصحابة. فكانوا يروون عنهم التفسير إلى جانب ما يروونه من الحديث والفقه، ولكنهم اشتهروا بمزيد من العناية بتفسير كتاب الله، لا سيما بعضا منهم مثل مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري. غير أن عمل هذه الطبقة يمتاز عن عمل الصحابة بظهور الكتابة والتدوين عند بعضهم، وقد كان في مقدمة من قام بذلك مجاهد بن جبر من أصحاب ابن عباس ﵁. روى ابن جرير عن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه. قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله (٢).

стр. 69

وهي وإن كانت كتابة جزئية لم تبلغ درجة التأليف بمعناه المألوف إلا أنها مهدت ذلك لأرباب الطبقة الثالثة الذين عكفوا على تصنيف كتب التفاسير. (أما الطبقة الثالثة)، فقد قام علماؤها بتأليف تفاسير واسعة تجمع ما انتهى إليهم من أقوال الصحابة والتابعين (كتفسير سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨) ووكيع بن الجراح (ت: ١٩٧) وشعبة بن الحجاج (ت: ١٦٠) وغيرهم؛ وهم كثير. ثم جاء في أعقابهم محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠) فجمع أشتات هذه التفاسير وقرّب منها البعيد، وفعل مثله عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت: ٢٧١) وابن عطية وغيرهما. وكلهم كما يقول الزركشي متقن مأجور (١)، ولكن الذي وصل إلينا منها تفسير ابن جرير، وهو تفسير عظيم جمع فيه المأثور بالسند وميّز بين الصحيح منه وغيره، وأصبح مستندا هامّا لسائر المفسرين من بعده. ولقد امتاز عمل هذه الطبقة من المفسرين بما يلي: أولا- جمع ما انتهى إليهم من أقوال الصحابة والتابعين في تفسير آيات القرآن، في مؤلفات منسقة ينتظم فيها تفسير جميع آي القرآن بترتيبها المعروف، وبذلك تم ظهور هذا الفن العظيم في مؤلفات ومصنفاته جامعة. ثانيا- ضبط الرواية عن الصحابة. فقد بحثوا في حال التابعين الذين نقلوا إليهم أقوال الصحابة في القرآن، فاعتمدوا منهم من توفرت لديهم شروط الرواية وأمارات الثقة وأهملوا الآخرين، وذلك لما اندسّ في صفوفهم من الدخلاء المتسترين بلباس العلم والإسلام. فمن عملهم في ذلك أنهم اعتمدوا طرقا معدودة في الرواية عن ابن عباس، أفضلها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي (ت: ١٤٣) واعتمد عليها البخاري في صحيحه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم، وأهملوا طريقة محمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦) عن ابن صالح

стр. 70

(ت: ٢٢٣) عن ابن عباس، قالوا: فإن انضم إليهما محمد بن مروان السدي (ت: ١٨٦) فهي سلسلة الكذب (١). ثالثا- أنهم أضافوا إلى ما نقلوه عن الصحابة والتابعين زيادات واستنباطات توسعوا فيها، فمنها ما يتعلق بالعربية ومنها ما يتعلق بالقراءات، ومنها ما يتعلق بالفقه وأحكام الحلال والحرام، ملتزمين في ذلك قواعد التفسير وشروطه التي سنتحدث عنها فيما بعد إن شاء الله. ولعلّ أهم هذه الأعمال الثلاثة، هو ضبط الأسانيد والروايات ونخلها بذاك المنخل العلمي العظيم الذي لا ولن يملك مثله لدى البحث العلمي غير المسلمين، وأنّى للآخرين أن يرتقوا فيما يزعمونه من البحث العلمي إلى هذا المستوى، وإنما بحوثهم العلمية كلها تقوم على أساس (الاستنتاج) ويا له من أساس علمي متين؛ ذاك الذي يقتنص حقائق العلم وسط دخان الأهواء وفي سبحات الخيال!! ولقد كان علم التفسير خلال هذه المراحل الثلاث يضم كل ما يتعلق بفهم القرآن وكشف أسراره وغوامضه، من قراءات وأسباب نزول، وناسخ ومنسوخ، ومتشابه، إذ كان الحديث عن ذلك كله داخلا في تفسير القرآن. فلما توسعت الاختصاصات العلمية، وظهر العلماء الذين اختصّوا- بعد كفايتهم العلمية- بالفقه، والذين اختصّوا بعلم الكلام، والذين انصرفوا إلى علم القراءات وهلمّ جرّا- أخذ كلّ من أرباب الاختصاص يتناول من تفسير القرآن ما يتعلق باختصاصه فيفرده بالبحث والتأليف. وهكذا انفصل بحث القراءات من علم التفسير، لمّا أفرد القراء التآليف فيه، فأصبح علما مشتقا من التفسير؛ وانفصل عنه مبحث أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، لمّا أفرد فيه علماء الفقه والأصول البحث والتأليف؛ وانفصل عنه مباحث إعراب القرآن لما عني النحاة بإفراد التصانيف في ذلك.

стр. 71

ولم تكن هذه الظاهرة وحدها ثمرة ظهور الاختصاصات العلمية، بل ثمة ثمرة أخرى. فلقد أخذت كتب التفسير تتجه فيما بعد- من حيث العناية والاهتمام- وجهة اختصاص المؤلف. فقد ألّف علماء العربية في تفسير القرآن، ليخدموا بذلك فنهم، فكان عملهم يتركز على إبراز بلاغته العربية وإعجازه اللغوي، من ذلك تفسير أبي حيّان الأندلسي وتفسير الكشاف للزمخشري وتفسير أبي السعود. وألّف علماء الفقه فيه أيضا؛ ليستجلوا منه أحكام الحلال والحرام، فكان عملهم منصبّا منه على هذا الجانب أكثر من غيره، كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ت: ٦٧١) وأحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي (ت: ٥٤٣). وألّف فيه علماء التوحيد والكلام، ليستخرجوا منه دلائل التوحيد وفروعه ومتعلقاته، فلم يعنوا منه العناية التامة إلا بهذا الجانب دفاعا عن العقيدة الإسلامية وتجلية لأمرها، كالإمام فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦) في تفسيره: مفاتيح الغيب. فهذه خلاصة كافية عن نشأة علم التفسير وتطوره. مذاهبه وشروطه: اتخذت مناهج المفسرين في تفسير كلام الله أحد مذهبين: الأول: التزام الوارد في تفسير الآية عن الرسول ﷺ أو عن الصحابة أو التابعين، دون سوق أي زيادة على ذلك، اللهمّ إلا أن تكون شرحا لغويا لكلمة أو كشفا عن إعراب جملة أو نحو ذلك وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم «التفسير بالمأثور». الثاني: عدم التزام الاقتصار على ذلك، بأن يتجاوز المفسر حدود الوارد والمأثور في تفسير الآية، إلى استنباطاته الخاصة من دلائل الصيغة أو قواعد العلوم، إذا كان اللفظ قابلا لحمل المعنى المستنبط، وقد تكون هذه المعاني المستنبطة مباحث من علوم وفنون مختلفة غير التي تدل عليها الآية من قريب.

стр. 72

وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم «التفسير بالرأي». ويعدّ تفسير الإمام فخر الدين الرازي (مفاتيح الغيب) نموذجا بارزا للتفسير بالرأي، ويليه في ذلك تفسير الإمام البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وتفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم). ولا يذهبن بك الوهم إلى أن أصحاب التفسير بالرأي يستبدلون بالرواية والأحاديث الثابتة في تفسير الآية رأيا أو حكما من عند أنفسهم، فهذا مما لا يقدم عليه مسلم وهو عمل محرم بالاتفاق. بل الحقيقة أن ثمة قدرا مشتركا بين أصحاب التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، وهو الأخذ بما صحّ عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة (على الصحيح الذي يعتبر قول الصحابي في التفسير في حكم المرفوع) في تفسير الآية. ثم يفترقان بعد ذلك: فصاحب التفسير بالمأثور لا يزيد على ذلك إلا أن يعزز النقل بنقول أخرى مثلها أو مخالفة لها ليجمع بينهما، وصاحب التفسير بالرأي يجيز لنفسه أن يزيد على ذلك من اجتهاداته واستنباطاته المختلفة بقدر ما تسمح به دلالة اللفظ. وعلى كلّ فإن الذي يجمع بين طريقتي التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي شروط أربعة لا بدّ من مراعاتها لكل من حاول أن يفسر شيئا من كتاب الله تعالى أيّا كان مسلكه ومنهجه في ذلك. (الشرط الأول) التزام القول بما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك إذا كان فيه حديث ثابت صحيح؛ قالوا: ولكن ينبغي الحذر من الوقوع في الضعيف والموضوع أيضا، وقد بيّن العلماء ذلك وميّزوه. وقال ابن جرير ما خلاصته: ومصدر هذا الوجوب أننا نقطع أن في القرآن ما لا ندرك معناه إلا ببيان الرسول، بدليل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، مثال ذلك جميع الآيات المتعلقة بالأوامر والنواهي والإرشاد، مما يتوقف فهمه على معرفة نوع النهي والأمر فيه، ومبالغ فرائضه وقدرها وحدودها وشروطها وقيودها. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول

стр. 73

فيه إلا ببيان رسول الله أو إقراره لأحد من أصحابه (١). وعلى هذا المعنى ينزّل ما ورد عن رسول الله ﷺ من قوله: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار رواه الترمذي وأبو داود. وما روى عن أبي بكر ﵁ أنه قال (أي أرض تقلّني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم؟). (الشرط الثاني) التزام الأخذ بقول الصحابة إذا كان قد أثر عنهم في ذلك قول. وهذا ما ذهب إليه الأكثر من أن تفسير الصحابة للقرآن يعتبر في حكم المرفوع إلى النبي، وذلك لأنه ليس من قبيل الرأي وإنما هو في الحقيقة من قبيل الرواية. (الشرط الثالث) التزام قواعد اللغة العربية وضوابطها ومقاييسها في التفسير. فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وإنما تفسره الدلالات اللغوية والقواعد العربية. فمن لم يكن ذا بصيرة سليمة في فهم العربية فليس له أن يفسر شيئا من كتاب الله . روى البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن أنس قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغات العرب، يفسر كتاب الله تعالى، إلا جعلته نكالا. (الشرط الرابع) التزام المقتضى الذي يدل عليه العلم بكتاب الله تعالى، والتزام أصول الشرع وقواعده في الفهم والاستنباط والاجتهاد كالمفهوم والفحوى ودلالة العام والخاص والمطلق والمقيد، وهي في مجموعها إنما تعتبر ملكة علمية تؤهل صاحبها لاستنباط المعاني والأحكام من كتاب الله . فليس من ضير (بعد أن يلتزم المفسّر الشروط الثلاثة الأولى) في أن يستنبط مزيدا من التفسير للآية بدلالة المقتضى والقواعد العلمية التي ترسّخ في معرفتها وتذوقها. واستنباط المعنى من الآية بهذه الوسيلة، هو الذي دعا به النبي لابن عباس حينما قال: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) وهو المقصود بما قاله

стр. 74

علي ﵁ عند ما سئل: هل خصّكم رسول الله بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل (رواه البخاري). ولكن لا يجوز تفسير القرآن- على كل حال- بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل يستند إليه، فهو أشبه بحال من لم تكن عنده أي بصيرة فقهية وهو يزعم أنه يجتهد في استنباط أحكام الفقه. ففي حق مثل هذا قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال: (من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي. قال البيهقي في شعب الإيمان: هذا إن صحّ، فإنما أراد- والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا لا يجوز تفسير القرآن (١). فهذه الشروط لا بدّ من التزامها سواء بالنسبة لمن يفسر القرآن بالمأثور ولمن يفسره بالرأي. وبذلك تعلم أنه لا خلاف بين هذين المنهجين في التفسير من حيث نقد أصحاب أحدهما على الآخرين، وإنما هو مجرد اختيار للطريقة، وما دامت الشروط متوافرة فلا ضير. ونختم حديثنا عن التفسير ببيان أن ما يسلكه بعض الناس اليوم من تفسير الآيات الكونية في كتاب الله تعالى طبق نظريات وآراء علمية، لا دلالة في الآية عليها بميزانها اللغوي وحسب القواعد العلمية للتفسير، هو من قبيل التفسير الفاسد الذي يتّبع فيه المفسر رأيه المجرد. ومثله ما يسمى بالتفسير الإشاري أو الباطني الذي ينتهجه بعض الفرق الباطنية أو المنحرفون من المتصوفة؛ ويسير وراءهم في ذلك طائفة أخرى من الناس، هان عليهم القرآن وفرغت قلوبهم من الشعور بجلاله وهيبته، فاقتحموا إليه بالتفسير والتأويل،

стр. 75

طبقا لما تهواه أنفسهم وتستدعيه عصبياتهم وأخيلتهم، وهم عن الشروط والضوابط التي ذكرناها، معرضون وغافلون. فالقرآن عند هؤلاء الناس ليس أكثر من خادم لتأييد آرائهم ومذاهبهم وأخيلتهم! ... لهم أن يختاروا ما يشاءون من المذاهب والآراء والتصورات في حق أنفسهم ومصيرهم والكون الذي من حولهم، وعلى القرآن أن يكون طوع آرائهم والخادم الأمين لتصوراتهم وأفكارهم، ولا ضير أن يجرّ القرآن إلى ذلك جرّا، خارج حدود اللغة وضوابطها والحقيقة ومجازها!! ... فإذا كانت تصوراتهم وقناعاتهم النفسية تقضي بأن عذاب الكافرين يوم القيامة مجرد شعور معنوي مبعثه الشعور بالندامة والخزي، فما أيسر عليهم أن يشطبوا على كل الآيات القرآنية الصريحة ذات الدلالة القاطعة المؤكدة بأنه عذاب جسدي ومعنوي معا، وأن لهذا العذاب أدوات ووسائل مادية محسوسة. فإن المهم ما توحي به تصوراتهم وأوهامهم لا ما يقرره كتاب ربهم. قلت لواحد من هؤلاء: إنكم تزعمون أن الشعور بالخزي هو مصدر عذاب الكافرين يوم القيامة، ولكن القرآن يقول صراحة نقيض ما تزعمون، إذ هو يقرر أن الخزي فرع عن دخولهم النار. ألا ترى إلى قوله وهو يعلّمنا كيف ندعوه ونلجأ إليه: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار) ثم ما علاقة الشعور بالخزي المعنوي بالجلود التي تنضح من شدة العذاب فيبدلها الله جلودا أخرى ليستمر العذاب ... وهو ما يقرره القرآن بعبارة صريحة وقاطعة؟! ... ورأيت الرجل يذهب في الاعتداد برأيه وتصوراته، مذهبا يجعله غير مبال بكل ما يقوله القرآن خلافا لتصوراته! ... ونحن لا نشك أن هؤلاء إنما يعبدون أفكارهم وقناعاتهم، تلك هي الحقيقة مهما جاءت مغلفة ومقنعة. والمهم أن تكون أيها القارئ على حذر من أن تسري إليك عدوى تأليه الأفكار والقناعات الذاتية، فتكون بذلك ممّن قال الله عنهم: أفمن اتخذ إلهه هواه ...
следующие страницы →