(ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع): كشف للحالة التي قد يتساءل عنها الفكر والذهن: أليس ثمة من ملجأ أو شافع أو معين؟ لا ... ليس للظالمين أي ملاذ، إنه الكرب الذي لا مفر منه ولا مخلّص، فليس ثمة قريب شفيق، ولا شفيع يطاع قوله أو ينظر في شفاعته. ونفي وجود القريب الشفيق إنما هو تصوير لعدم اهتمام المرء إذ ذاك إلا بنفسه. فالأقارب لا يزالون أقارب لبعضهم إذ ذاك ولكن أحدا منهم لا يتعرف على الآخر، فكأن الأنساب قد قطعت مما بينهم حينئذ فلا وجود لها كما يقول الله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ.
* يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أسلوب آخر في التعبير عن مجازاة الله ومحاسبته للناس إذ ذاك، وفي التعبير عن عدم تمكن الكافرين والجاحدين يومئذ من المكر أو الكذب أو إخفاء الحقائق.
إن الله مطّلع على كل ما قد يجترحه أو يكسبه الإنسان سواء كان ذلك بجوارحه الظاهرة أو بنفسه ووساوسه الخفية. وتأمل كيف عبّر البيان القرآني عن النوع الأول ب: خائنة الأعين وعن الثاني ب: ما تخفي الصدور. لقد كنى عن أعمال الجوارح بأدق مثال لها، وهو النظرة المريبة بالعين وعبّر عنها بخائنة الأعين، أي الأعين الخائنة، على أن الخائنة اسم فاعل، أو بمعنى: خيانة الأعين على أنها مصدر كالعافية والعاقبة، كأن العين تخون صاحبها فتنم عمّا أضمر في نفسه، أو تخون الحق والأمانة إذ تغمز وتسترق النظرة المحرمة.
وكنى عن أعمال القلوب ووساوسها بما تخفي الصدور؛ والصدور هي مستكنّ الأسرار والخفيات.
فكيف يستطيع الظالمون مع ذلك إخفاء الحقائق؛ أو الكذب على الواقع؟! أم كيف يعجز الخالق ﷻ عن محاسبتهم على كل ما اجترحوه من صغير وكبير؟! * وتختم هذه الآيات الوصفية المتضمنة لطرف من أهوال يوم القيامة بتقرير الحقيقة التي يريد الله من عباده أن ينتبهوا إليها قبل فوات
стр. 247
الأوان، وهي أن الله وحده الذي يقضي بالحق الذي يشاء على مخلوقاته كلها في الدنيا والآخرة، فهو وحده المؤثّر في خلق العالم وطبائع الأشياء، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وإليه مردّ الناس كلهم ليقضي فيهم قضاءه المبرم الذي لا قضاء فوقه.
وهيهات أن يكون لشيء من المخلوقات الأخرى التي يؤلهها الكافرون والجاحدون من الأصنام أو الناس أو طبائع الأشياء، أي صفة من هذا القبيل:
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
والله تعالى أعلم.
***
تعريف عام بالآيات:
تعرض هذه الآيات لبيان أحد عشر مبدأ من أهم المبادئ الإنسانية العامة. مبتدأة ومختتمة بمبدإ التوحيد والعبودية لله . وتأتي هذه الآيات بعد آيات سابقة تتحدث عن أهمية القرآن في إصلاح حياة الإنسان ودلالته على النهج القويم، وعن حدود المسئوليات ونظامها وقيمة كلّ من الحياتين الدنيوية والأخروية.
فهي تأتي بعد منبهات وحوافز تهيئ كلّا من النفس والذهن لقبول ما تتضمنه هذه الآيات من مبادئ الإنسانية بقبول حسن.
شرح الآيات:
* وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه. أي أمر ربك ألّا تعبدوا إلا إيّاه، وقد استهلّ الخطاب بجملة إخبارية للرسول ﷺ ، وهي: وقضى ربك. ثم التفت بالخطاب إلى الناس حينما تحول من الإخبار إلى الإنشاء، فقال: ألّا تعبدوا إلا إياه. وذلك لأن الجملة الأولى حكاية فناسب أن يتجه الخطاب فيها إلى النبي ﵊، وأما الثانية فأمر وتوجيه، فناسب أن يتجه الخطاب فيها إلى عامّة الذين يتجه هذا الأمر إليهم.
فهذا أول مبدأ من المبادئ الأحد عشر، وهو أخطرها وأهمها.
ثم أتبعه بالمبدإ الثاني قائلا: وبالوالدين إحسانا، أي وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، تقول. أحسنت به وأحسنت إليه. وإنما جعل رتبة برّ الوالدين إثر رتبة توحيد الله وعبادته، لأن الله هو المسبّب الحقيقي لوجود الإنسان وعيشه وارتزاقه، والوالدان هم السبب الجعلي والظاهري لكلّ من الوجود والعيش، فلئن كان المقتضي لعبادة الله أنه الخالق والمنعم الحقيقي، فإن المقتضي لبرّ الوالدين ما قضت به حكمة الله من أن يكون وجود الإنسان بهما ونشأته عن طريق رعايتهما.
ثم شرح المقصود بالإحسان فقال: إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. وأصل الجملة: إن يبلغ
стр. 250
عندك الكبر ... فركبت إن مع ما التي يسمّونها زائدة لتصوير المبالغة في استقصاء الظروف والأحوال، وأدخل نون التوكيد على الفعل لنفس الغرض أيضا، فأصبحت الجملة تقول لك بكلّ من جرسها ومضمونها: مهما وجدت الشيخوخة قد دبّت إلى أحد من أبويك فليكن موقفك منهما في كل الظروف والأحوال موقف الراحم الشفوق والخادم المحب.
وكان من الممكن لسلامة أصل هذا المعنى أن تستغني الآية عن كلمة «عندك» بأن تقول: إما يبلغنّ الكبر أحدهما أو كلاهما ... لولا أن «عندك» هذه تثبت في إحساس المخاطب معنى هائلا يثير فيه النزوع إلى الشفقة والرقة والعطف. فالآية تصور بهذه الكلمة كيف أن الكبر والضعف قد وضع كلّا من الوالدين في كنف الابن وتحت رعايته بعد أن كان الابن هو الضعيف الذي يعيش في كنفهما وتحت رعايتهما.
والقصد إلى تصوير هذا المعنى هو الذي اقتضى تقديم لفظ «الكبر»، وهو مفعول، على لفظ: أحدهما وهو فاعل، ولو اختلف نسق هذه الألفاظ وترتيبها اختلافا ما، لاختفت الصورة وبطل أن يكون في الآية شيء من هذا الإيحاء.
ثم انظر كيف نهتك الآية عن أن تضيق ذرعا بهما في شعورك ونفسك كما نهتك عن إيذائهما في شيء من عملك ومعاملتك، ثم كنّت عن الأول بأقل مظهر له وهو التأفف، وكنّت عن الثاني بأدنى مظهر من مظاهره وهو القسوة أو الانتهار في القول، فنهت عن ذلك بدلالة النص، إذ النهي عن أدنى إفراد الشيء أبلغ نصّ في الدلالة على عموم النهي عن الجنس كله.
* ثم زاد الأمر بالإحسان إلى الوالدين تأكيدا، فصوّر لك ما ينبغي أن تكون عليه حال الولد من والديه دائما، وأخرج معنى الرحمة بهما والإحسان إليهما والتواضع لهما في مظهر شيء متخيل محسوس مبالغة في الإلزام به والدعوة إليه، فقال: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ. فقد صوّر الذلّ المأمور به بطائر خرّ هاويا إلى الأرض ثم صوّر مبالغة وضوح الذلّ والتواضع بنشر هذا الطائر مع ذلك جناحيه يخفضهما نحو الأرض.
стр. 251
بيد أنه استدرك، كي لا تحسب أنه ذلّ الحطّة والصغار، وهو ما ينهى عنه الإسلام ولا يمكن أن يأمر به، فقال: من الرحمة، أي بسبب وبعامل الرحمة بهما، وهو شرف لك وليس بصغار عليك.
ومع ذلك، فلا تقتصر على أن تعاملهما برحمة من عندك، بل ادع الله لهما أيضا على أن يشملهما برحمة من عنده. وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا أي رحمة كرحمتهما بي إذ كنت صغيرا، أو في مقابل رحمتهما بي إذ ذاك.
* ولما بالغ هذه المبالغة في الأمر ببرّ الوالدين، حتى إنه لم يرخص في أدنى كلمة قد تفلت من المتضجر، أعقب ذلك ببيان رفع الحرج عمّن أساء ثم أسرع فتاب، ولم يكن قلبه منطويا إلا؟؟ على الخير والبرّ والتزام أمر الله ، وتأمل في الأسلوب الذي أخرج به هذا المعنى إذ قال: ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان
للأوّابين غفورا. وفيه تقرير بأن التوبة الكاذبة باللسان لا تخدع الله لاطّلاعه على ما استقرّ في النفوس، وفيه تأكيد بأن الله يقبل توبة الآئب إليه؟؟ النادم على ما قد كان منه.
* وينتقل البيان القرآني إلى المبدأ الثالث، وهو الوفاء بحق القرابة والرحم خاصة وبحق عموم الفقراء والمساكين عامة؛ وهو مبدأ وثيق الصلة والمناسبة بالذي قبله وهو برّ الوالدين؟؟: وليس الأمر هنا بالإحسان و؟؟ الرفق، ولكنه أمر بإعطائهم الحق الذي لهم؟؟؟ عليه، حتى لا تتصور أن لك بذلك عليهم منّة وأنك تمنحهم من حقك الذي؟؟؟ هو لك ... وعن هذا المعنى تعبّر صياغة الآية: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل. أما الأمر بالإحسان إلى الوالدين، فليس فيه مثار لهذا التصور، وذلك لأن الولد مهما بالغ في الإحسان إلى والديه فإنه لن يفي لهما بجزء من حقهما السابق عليه.
ولما كان الوفاء للأقارب والمعوزين بحقوقهم يقتضي حجز المال عن تبديده في الجهات الباطلة نهى الله عن ذلك بقوله: ولا تبذر تبذيرا. والمفعول المطلق لبيان النهي عن التبذير الذي لا مسوغ؟؟ له إلا التبذير المجرد، وذلك لإخراج صور من الإنفاق قد تظهر في مظهر التبذير ولكنها ليست في الحقيقة كذلك إذ يقتضيها مصالح وأسباب مشروعة معينة.
стр. 252
وبالغ في النهي عن هذه العادة بقوله مخبرا: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا. أي كانوا قرناء للشياطين، وفيه إلماح إلى أن عادة تبذير المال وتبديده إنما تتمكن بتغلب الوساوس الشيطانية لا أكثر، إذ ليس من ورائه أي غاية أن مصلحة يحتاجها الإنسان.
* ولكن أرأيت لو لم يكن الإنسان موسرا بالمال الذي يعطي منه حق القرابة والمحتاجين فأعرض عنهم عجزا عن العون لا استكبارا عن أداء الحق؟ ... لقد عالج البيان الإلهي العظيم هذه الحالة بأسلوب بالغ الروعة إذ قال: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً: أي مهما اضطررت إلى الإعراض عنهم بسبب الفقر والعوز اللذين تتأمل بهما فرج الله ورحمته، فقل لهم في مكان ذلك كلاما سهلا ليّنا وعدهم وعدا جميلا، فالميسور هنا مفعول بمعنى الفاعل، أي يسر ضرّهم عليهم بكلامك الجميل لهم.
ولما أمر الله في الآيات التي ذكرناها بالوفاء بحق الأقارب والمحتاجين ونهى عن تبديد المال فيما لا حاجة إليه، حتى لا يفوت بذلك أداء هذا الحق والقيام به، ناسب أن ينتقل الحديث إلى تقرير مبدأ جديد يتعلق بتنظيم الإنفاق ويضع قانونا عادلا له. والمبدأ الإلهي الذي يخاطب به كافة العباد في ذلك، هو أن يكون الإنفاق قائما على العدل بين التقتير والبخل المعيب من جانب، والإسراف والتبذير المقيت من جانب آخر. ولكن الأسلوب القرآني لا يعبّر عن هذا المعنى بهذه الطريقة المألوفة، وإنما يخرجه في صورة محسوسة متخيلة فيقول: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا. فقد صوّر البخل في مظهر اليد المربوطة إلى العنق فهي لا تكاد تنفك عنه، ومعلوم أن اليد أبعد ما تكون عن الآخرين حينما تكون مقيدة بهذا الشكل الغريب، وصوّر الإسراف بتلك اليد التي تظل ممتدة ومبسوطة لا تكاد ترجع إلى صاحبها أو تنقبض على شيء، ثم هدد من يلتزم بذلك التفريط أو هذا الإفراط بأن سيأتيه يوم يعود من دأبه هذا ليقعد منقطعا عن أسباب العيش والرزق، يتلقى اللوم من الله والناس على ما أفرط أو فرّط.
стр. 253
* وتأتي الآية التي بعدها، واقعة موقع التعليل مما قبلها وهي: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ. إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. أي فإذا كان مصدر رزقك هو الله يبسطه إذا شاء ويضيقه عند ما يريد، فالتزم وصيته في آداب الإنفاق وكيفيته، إذ لا البخل هو الذي يحفظ مالك ويربّيه ولا التبذير والإسراف يمنعانك من أن يعاقبك الله بذلك فيقدر عليك رزقك الذي تتقلب وتمرح فيه. ثم يقول: إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، إشعارا بأنه يراقبهم بصدد ما يأمرهم به من هذه المبادئ، هل ينفذونها أم يعرضون عنها؟.
* وتتهيأ المناسبة- مع الحديث عن آداب الإنفاق وتقرير أن الرزاق للعباد هو الله وحده- لعرض مبدأ خامس، وثيق الصلة بكل ما قد مرّ. فيقول الله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً أي لا تقتلوهم مخافة فقر تتوهمونه، وأصل أملق بمعنى التصق بالملقات، وهي حجارة رقاق ملساء فكنّي به بعد ذلك عن الفقر والحاجة. ثم علّل النهي بتأكيد ما قد ذكره في الآية السابقة فقال: نحن نرزقهم وإياكم، أي لستم أنتم الذين ترزقون أولادكم حتى تحاروا في أمرهم فتندفعوا بذلك إلى قتلهم؛ بل نحن الذين نرزقهم وإيّاكم جميعا، وبالغ في إظهار هذا المعنى مع شيء من التأديب حينما قدّم ضمير الأطفال في الرزق على الآباء، إذ أشعرهم بذلك بأن رزق أطفالهم مقدّر مهيّأ لهم من قبل رزقهم هم، فلا يتوهموا أن لهم أيّ تأثير في رزقهم حتى ولا التأثير الشكلي الذي يتجلّى في مظهر كونهم وسطاء لهم في الرزق والرعاية.
وحينما نهى الله في سورة الأنعام عن قتلهم أولادهم من أجل وقوع الفقر بهم فعلا قائلا: لا تقتلوا أولادكم من إملاق- لم يقدّم ضمير الأطفال كما فعل هنا، ذلك لأن خوف الآباء هناك إنما هو على أنفسهم وأولادهم معا، أو هو على أنفسهم قبل أولادهم فلا داعي إلى إشعارهم بهذا المعنى على ذلك التقدير.
ومن أجل وضوح كل ذلك، فقد كان قتلهم خطئا كبيرا. وخطء بكسر الخاء مصدر خطئ يخطأ كأثم يأثم وزنا ومعنى، فهو أبلغ وأشد من الخطأ بفتح الخاء والطاء، إذ هو الإتيان بما لا ينبغي من غير قصد.
стр. 254
* ويجرّ الحديث عن الأولاد وحرمة قتلهم إلى الحديث عن أهم وأخطر مبدأ من المبادئ المتعلقة بالأسرة، وهو المبدأ السادس في سلسلة هذه المبادئ الإنسانية فيقول الله
: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا والمنهى عنه في الآية إنما هو الزنى، ولكن الآية لا تنهي عن مباشرة ارتكابه فقط كما في الآيات السابقة، وإنما هي تنهى هنا- كما ترى- عن مجرد قربه والدنو إليه؛ ففي الآية تقرير واضح للنهي عن مباشرة أسبابه وذرائعه ومقدماته، كاختلاط وخلوة وتبرج ونحوه، ذلك لأن القرب ليس إلا كناية عن ممارسة هذه الدوافع والأسباب. وفي الآية أيضا تقرير لخطورة هذه الفاحشة وأن عدم مفارقتها لا يكون إلا بالتباعد عن أسبابها وذرائعها القريبة والبعيدة، أما بعد اقتحام الأسباب والذرائع فإن الدوافع البشرية تجمح بصاحبها نحو الشر الذي تعرّض له وهيهات أن يقوى عندئذ على كبحها والتغلّب عليها.
و «فاحشة» في الآية صفة لمحذوف أي كان فعلة فاحشة، وساء سبيلا، أي بئس طريقا طريقه، لما فيه من الخطر على الأسرة والمجتمع ولما فيه من مختلف الشرور الأخرى.
* ومع النهي عن الزنى، تحين المناسبة للنهي عن القتل، فهما جريمتان متقاربتان ومتشابهتان في الخطورة والضرر على المجتمع، وكلّ منهما يشبه الآخر من بعض النواحي، وهو المبدأ السابع فيما توصي به هذه الآيات: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولا تقتلوا النفس أيّ نفس كانت، ما دامت أنها نفس أي روح ... إلا أن يكون ذلك لحق يستوجبه ويقتضيه. وهكذا تلك صياغة الآية على أن الأصل في كل روح أن تكون مصونة عن الإزهاق، وما يخالف هذا الأصل إنما يأتي لعارض.
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً من قتل بدون مسوغ من الحق المذكور فقد جعلنا لمستحق دمه تسلّطا على القاتل في الإرادة والحكم، فإن شاء طالب بالقصاص وإن شاء بالدّية وإن شاء عفا.
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ، إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً عبّر بهذا النهي عن كل ما قد يقوم به وليّ المقتول من مظاهر الانتقام المختلفة، بأن يقتل في مكان الواحد
стр. 255
اثنين أو ثلاثة كما كانوا يفعلون، أو بأن يمثل بالقاتل أو يزيد إلى القتل سلبا ونهبا، أو بأن يقتل غير قاتله، أو غير ذلك مما يدخل في باب التشفّي ويتجاوز القصاص والحق. عبّر عن النهي عن كل ذلك بهذه الصيغة الجامعة: فلا يسرف في القتل.
والآية لا تنهى وليّ المقتول عن هذا الإسراف إلا وهي تطمئنه إلى أنه واصل إلى حقه، وعبّرت عن ذلك بصيغة الماضي مصدّرة بإن المؤكدة: إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً تأكيدا للوقوع ومزيدا من التطمين لخاطر صاحب النفس الملتاعة المتأثرة.
* وتنتقل الآيات إلى مبدأ ثامن، هو الرأفة باليتيم، والنظر في ماله بالحفظ والصيانة. وهو مبدأ يهتم به القرآن اهتماما كبيرا، لما له من آثار خطيرة في المجتمع سلبا وإيجابا، إذ التفريط من أسوأ مظاهر الظلم والخيانة.
وفي ذلك يقول الله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وإنما اقتضت المبالغة في النهي هذا الأسلوب، لأن أكل مال اليتيم له هو الآخر، كالزنا، أسباب وذرائع، إذا تهاون وليّ اليتيم بالوقوع فيها يوشك أن يقع من ورائها في أصل المنهي عنه.
واستثني من عموم النهي أن يعالج له ماله بالحفظ والاستثمار والتجارة التي لا مغامرة فيها، وعبّر عن مثل هذه المعالجات المحمودة بقوله: إلا بالتي هي أحسن من الابتعاد والترك.
وختم هذا الأمر، بتذكير وليّ اليتيم بالعهد الذي قام بينه وبين والده، وبأن عليه الوفاء بالعهد الذي أخذه على نفسه. ويقول بعد ذلك: إن العهد كان مسئولا، أي إن العهد سيسأل عمّا قد فعل به من حفظ أو ضياع له.
أخرج العهد في صورة إنسان تجسدت فيه الأمانة وكلمة الشرف ليوجّه إليه الخطاب والسؤال، وذلك تأكيدا للعدالة الإلهية التي تراقب أعمال الناس ومعاملاتهم لبعض، وتحسيدا لدقة محاسبة كلّ على ما قد فعل. وأسلوب الآية في هذا جار على غرار قوله : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
стр. 256
* ومع الحديث عن الأمانة وضرورة الوفاء بالعهد يوصى الله بمبدإ تاسع، هو من أهم ما يتعلق بالأمانة والعهد فيقول: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي أتموا الكيل ولا تخسروه، حينما تريدون أن تكيلوا للمشترين، فالخطاب هنا للبائعين، إذ هم الذين يكيلون، أما المشتري فإنما هو يكتال، أي يطلب أن يكال له.
ومن أجل ذلك قيّد الأمر بالوفاء عند إرادة الكيل، إذ الكائل هو الذي تراوده نفسه بخسران الكيل. ثم أمر بنحو ذلك عند التعامل بالوزن، ولما كانت طريقة الوزن مختلفة عن طريقة الكيل خالف في التعبير عن الوفاء بكلّ منهما.
وعلّل هذا الأمر بأنه أفضل للبائع، وبأنه أحسن عاقبة. وإنما قال ذلك ليزيل الوهم العالق بأذهان البعض من أن الظاهر المحسوس أن التلاعب بالكيل والوزن خير للبائع إذ هو يزيد في دخله وربحه. فكأنه يقول: إنه وإن خيّل إليكم ذلك في أول الأمر فإن العاقبة تأتي بعكس ما تتخيلون، إذ كل ذلك سرعان ما يتبدد وينمحق، عند ما يعلم شأن هذا المحتال وعادته بين الناس.
* ويأتي المبدأ العاشر نهيا وتحذيرا عن اتّباع أو تبنّي ما لم تعلم حقيقته من الأمور. وهو مبدأ ذو علاقة كبرى بتربية الفرد والمجتمع، وإليه يعود الأمر في معالجة معظم المشاكل والقضايا التي يشكو منها الباحثون والمفكرون في كل عهد وظرف.
ولكن انظر إلى الأسلوب الذي أخرج به البيان الإلهي هذا المعنى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا وتقف بمعنى تتبع من قفا أثره أي اتّبعه. فهو يقول: (لا تكن في اتباعك لما لا تعلم حقيقته من عقيدة أو قول أو فعل مثل من يتبع سبيلا مجهولا لا يدري إلى م سيوصله. فهو يشبّه المجهول الذي
يسارع فيه الإنسان دون علم حقيقي به، بالطريق التائهة التي لا يدري نهايتها إذ يقتحمها السالك ظانّا بمجرد وهمه أنه سيصل منه إلى بعض ما يبتغيه.
ثم يعلّل هذا النهي الخطير، بأن كلّا من السمع والبصر والعقل إنما هو أمانة استودعتها أيّها الإنسان لتستعملها في درك الأمور والتحقّق منها قبل
стр. 257
الخوض فيها، ولا جرم أنك ستسأل عن هذه الأمانة وستحاسب على تضييعها وعدم استرشادك بها.
ثم إن الجملة في دلالتها على هذا المعنى تحتمل أحد تأويلين:
الأول: أن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان مسئولا عن نفسه يوم القيامة، فاسم كان ضمير عائد إلى كلّ من السمع والبصر والفؤاد. والآية على هذا التأويل جارية على غرار ما قلناه في: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا وإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ وقد علمت المعنى البلاغي فيه.
الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا فاسم كان على هذا ضمير عائد على الإنسان، والمعنى فيه واضح.
وقد نزّل الله هذه الأعضاء الثلاثة منزلة العقلاء، بسبب أن قوام عقل الإنسان وفكره بها، فمن أجل ذلك أشار إليها بما يشار به إلى العاقل وهو: أولئك.
* والمبدأ الأخير مبدأ أخلاقي ذو اتصال مباشر بالذي قبله، بل بينهما تلازم في السلب والإيجاب، وهو تحذير الإنسان من أن يسلم نفسه للغرور الذي ينسيه حقيقة ذاته فيتعاظم ويتكبر ... وكلّ ما حوله من الناس والمخلوقات مما لا موجب للتعاظم عليه. وانظر ما يقول الخطاب الإلهي في ذلك: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا والآية كما ترى تفيض بالصور المختلفة التي تسخر من هذا الذي يمشي متكبرا على الأرض.
فمن ذلك أنه قيد المشي بالأرض، وهو شيء معلوم، إشعارا بأن هذا الذي يمشي على الأرض لا يليق بحاله أن يتكبر من فوقها.
ومن ذلك أنه أخبر بما هو معلوم، وهو قوله: إنك لن تخرق الأرض.
تنزيلا للمتكبّر المتجبّر منزلة من غابت عنه هذه الحقيقة الواضحة، فهو يحتاج إلى من ينبهه إليها! ومن ذلك هذه الصورة الساخرة التي تتركها الجملة في الذهن: إنك لن
стр. 258
تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا. إنها تصوّر لك ما يفعله المتعاظم في سيره إذ يضرب بقدمه الأرض كأنه يفاخرها ويشعرها بشأنه، ويرفع رأسه متطاولا كأنما يريد أن يطاول بهامته ذرى الجبال مع أنه هو هو، ذلك المخلوق الضعيف الذي لن يخرق أرضا ولن يطاول جبلا.
وبعد أن انتهى الحديث عن تفصيل هذه المبادئ الهامة في حياة الإنسان، عاد الخطاب الإلهي إلى رسول الله ﷺ مشيرا إلى كل هذه المبادئ قائلا: ذلك ما أوحى إليك ربك من الحكمة، أي من معرفة الحق؛ فالحكمة، هي اكتشاف الحق الذي قد يخفى على غير ذي البصيرة. وكان الخطاب من قبل ذلك متجها إلى الإنسان عموما، فمرة يخاطبه بصيغة الجماعة كما في قوله:
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ومرة يخاطب فيه الفرد المتكرر كما في قوله: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..
ثم يختم هذه المبادئ بما قد بدأ به، وهو مبدأ الإيمان بالله ووحدانيته قائلا: ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا، إشعارا بأن ملاك هذه المبادئ كلها وضمان تطبيقها الوحيد هو الإيمان بالله إيمانا صادقا. فما لم يوجد الإيمان به فإن هذه المبادئ لن تنفذ كما ينبغي مهما آمن الناس بأنها حق لا مرية فيه. إذ إن مجرد الإيمان بالفضيلة لا يكفي دافعا إلى التمسك بها وكم في الناس من يؤمن بأن الحق حق ومع ذلك فهو لا يقوى على تنفيذه، ويؤمن بأن الباطل باطل ومع ذلك لا يستطيع التخلّص من ظلّه:
والله سبحانه أعلم.
***
نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
... تعريف عام بالآيات:
هذه الآيات تمثل مشاهد من قصة نوح ﵇ مع قومه، وإنما تركنا المشهد الأول منها فقط، وهو الذي يصوّر فيه البيان القرآني الحوار الذي كان بين نوح وقومه وأسلوبه في دعوتهم إلى الله . وإذا تأملت هذه الآيات التي نقلناها لك وجدتها تتألف من خمسة مشاهد- والقصة القرآنية كما قد علمت تضع أمامك مشاهد من صورها، أكثر من أن تخبرك بمعان من أحداثها.
تجد في المشهد الأول مظهر الغضب الإلهي على قوم نوح بعد أن طالت دعوتهم إلى الإيمان بالله دون جدوى كما تجد فيه أمر نوح بأن ينصرف إلى إعداد سفينة.
وتجد في المشهد الثاني صورة من سخرية قومه به وهو عاكف على صنع السفينة.
وتجد في المشهد الثالث صورة من أحداث الطوفان وكيف أخذت السفينة تمخر بالمؤمنين من عباد الله جبالا من الأمواج.
وتبصر في المشهد الرابع سكون الغضب واختفاء الماء وهدوء الدنيا وعودة كل شيء إلى ما كان.
أما المشهد الخامس والأخير فتبصر فيه مناجاة نوح لربه بشأن ابنه ثم هبوط الناس إلى دنيا أعمالهم وعيشهم مرة أخرى.
هذا تعريف سريع بالآيات ومحتواها وموقعها مما قبلها. أما تفصيل ذلك ففيما يلي:
стр. 261
شرح الآيات:
* تضعنا الآيتان الأوليان أمام أول مشهد من الأحداث العظيمة في هذه القصة، وذلك بعد أن مرّ دهر طويل على نوح وهو يدعو قومه إلى الله ويناشدهم الانصياع إلى منطق العقل ووحي الضمير، دون جدوى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ فقد أخبر الله إذا أنه لا مطمع في إسلام أحد من قومه بعد اليوم، فلينفض يده من الاهتمام بشأنهم، ولا يحزن عليهم بما يظلمون عاكفين عليه من غواية وضلال.
وليس هذا فقط، بل إن عليه أن ينصرف عن دعوتهم بعد اليوم، وعليه أن يشرع في صنع سفينة! ...
ولكن كيف يصنع السفينة وهو لم يمارس هذا العمل من قبل، وكيف يتأتى أن يفعل ذلك باطمئنان وفي سلام، وإن قومه الذين لم ينفكوا يؤذونه سيفسدون عليه عمله؟!.
والجواب تراه في قوله : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا أي اصنعه ولا تبال بسخرية قومك، فإنما ستصنعه متلبسا برعايتنا وحفظنا؛ ولا تؤرق الفكر في مشكلة جهلك بصنعه، فإنما ستصنعه من وراء وحينا وإلهامنا.
ويختم الوحي الإلهي خطابه لنوح بقوله : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ لا تكلمني في شأنهم باسترحام ودعاء بعد اليوم.
فقد قضي الأمر بإغراقهم وسينفذ قضاء الله فيهم وشيكا. ولبيان ضرورة نفاذ هذا القضاء عبّر بصيغة الماضي: إنهم مغرقون.
* وينطوي هذا المشهد، ليظهر من ورائه مشهد آخر، تبصر فيه نوحا ﵇ وهو منهمك في صنع الفلك وإعدادها. وانظر كيف يصوّر البيان القرآني هذه الصورة في قوله : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ... هكذا، بصيغة المضارع الحاضر، إحياء للصورة في الذهن وتحضيرا للمشهد أمام المخيلة.
ثم نبصر في هذا المشهد قوم نوح وهم يمرون، جماعة إثر أخرى،
стр. 262
يضجّون سخرية به وبعمله الجديد هذا. ولك أن تتصور ما شئت من مظاهر السخرية وأقاويلها، فالقرآن ترك تصوّر ذلك لخيالك، وتأمل في ذلك قوله : وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ جملة حالية تصور لك الأمر مستمرا متكررا؛ ذلك أنهم رأوه في عمله هذا مادة جديدة هائلة للسخرية، خصوصا وإنه يقوم بهذا العمل في مكان لا حاجة ولا محل فيه للسفن إذ كانت القصة ما بين بلاد الشام والعراق؛ فهم كلما مرّوا به وقفوا عنده يسخرون منه. ولكنه لم يكن يزيد في جوابه لهم على أن يقول- وهو منكبّ على عمله-.
إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون، أي سوف تجدون عاقبة سخريتكم هذه بلاء يتلبس بكم.
ثم يقول: مؤكدا المعنى المقصود بقوله، فإنّا نسخر منكم: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي فسوف ينكشف لكم الحجاب عن الفريق الذي يفجؤه عذاب يخزيه في الدنيا ثم ينزل به عذاب لا ينفك عنه في الآخرة. ولك أن تعتبر «من» في الجملة موصولة في محل نصب مفعولا لتعلمون، ولك أن تعتبرها استفهاما سدّت مع خبرها الذي بعدها مسدّ مفعول تعلمون.
* ويطوى هذا المشهد أيضا، وتمرّ أحداث لا تتكلم عنها الآيات ولا تعرّج عليها، اعتمادا على سير المخيلة والفكر؛ فقد انتهى صنع السفينة وفرغ نوح منها ولبث ينتظر الميعاد الذي لن يتخلف لحظة واحدة عن أجله المحتوم، حيث يظهر المشهد الرابع مع قوله تعالى:
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... الآية.
ف حَتَّى هذه، تشير كما ترى إلى الأحداث المطوية بين المشهدين، أي وظل نوح عاكفا على صنع السفينة ومرّ زمان على ذلك، حتى جاء الميقات المحدد في علم الله، وفار التنور.
والتنور معروف، والماء لم ينبع من التنور وحده بل فاض من أنحاء الأرض كلها، ولكنه إنما اكتفى بالنص عليه وحده، إشعارا بالغاية ودلالة على
стр. 263
الماء إذا كان قد فار من منبع النار، وهو التنور فلأن يفور ويفيض من عامة الأماكن الأخرى أحرى وأجدر.
فعند ما تفجرت الأرض بالمياه أوحى الله إلى نوح أن يحمل في السفينة من كل صنف من أصناف الحيوانات زوجين اثنين، أي ذكرا وأنثى، والعرب تسمي كل واحد من اثنين لا يستغنيان عن بعض زوجا يقولون: زوجا نعل وزوجا حمام.
كما أوحى إليه أن يحمل فيها أفراد أهله، إلا من سبق في علم الله استمراره على الضلال منهم، وهو ابنه وامرأته، وأن يحمل فيها عامّة المؤمنين به، ويلتفت البيان القرآني هنا، عن سياق القصة ليخبر قائلا: وما آمن معه إلا قليل، وفي هذا الالتفات دلالة مؤثرة دقيقة يشعر بها الحسّ وتتأثر لها النفس ويحزن لها القلب! ...
وأقبل نوح إلى أهله والمؤمنين من قومه يقول لهم: اركبوا فيها متّكلين على الله الذي آمنتم به، ولا يهمنّكم كيفية سوقها الذي ليس فيكم من يتقنه ولا سبيل اتجاهها ورسّوها الذي لا تعرفونه، فإن السائق والموجّه هو الله، بأمره تجري وبأمره سترسو.
فاركبوا فيها، جملة مستقلة؛ وباسم الله مجريها، جملة مستقلة أخرى من مبتدأ متأخر وخبر مقدم.
ولا شأن للبيان القرآني بوصف كيفية الركوب أو كيفية تلافي الحيوانات المختلفة، فمجرى القصة القرآنية كما يريده القرآن لا غرض له بشيء من ذلك. وعلى كلّ فقد تمّ ما أراده الله. وركب المؤمنون في السفينة وتلاقى فيها من كل صنف من الحيوانات المختلفة زوجان اثنان، وجرى الفلك يمخر عباب بحر لا عهد للبشرية به.
ويصف البيان الإلهي هذا المشهد بقوله: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وتأمل كيف صوّر تلك الأمواج التي هي من العلو والضخامة كالجبال، في صورة طريق تجري فيه السفينة. وفي هذا بيان لمدى طغيان الماء
стр. 264
على الأرض وبيان لمدى تغلّب السفينة بحفظ الله من ذلك الطغيان الهائل!.
ولنتأمل الآن في هذا المشهد المؤثر: نوح على ظهر السفينة، وابنه في خارجها بعيدا عنه، وقد اعتلجت رحمة الأبوّة في قلب الوالد الذي يريد لابنه الخير والنجاة، فناداه من بعيد: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين.
ويجيبه الابن من معزله البعيد غير مبال بتأثر الوالد وشفقته: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء أي سأعتصم من الطبيعة بالطبيعة، ومهما كان من طغيان الماء فإن في طبيعة الجبال أعظم معتصم منها! ... وذلك هو منطق الإلحاد، لا يبصّر صاحبه مما هو أمامه إلا وراء أرنبة أنفه.
ويصور القرآن ردّ الوالد عليه في جملة فيها الأسى والحزن، وفيها منطق الإيمان يردّ على غرور الجحود والإلحاد: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. لم يقل لا عاصم اليوم من الماء؛ على نحو ما قاله ابنه، إشعارا بأن المشكلة ليست مشكلة ماء. إنها مشكلة أمر الله خالق كل شيء والمسيّر لكل شيء، فهيهات أن تجد معتصما من أمر الله في جبل أو أرض أو سماء، اللهمّ إلا من ﵀ بهدايته، فمعتصمه هو رحمة الله فقط، فإلّا في قوله:
إِلَّا مَنْ رَحِمَ بمعنى لكن، أي لكن من ﵀ فهو معصوم برحمته.
ويسدل البيان الإلهي ستارا على هذا الحوار بين منطق الإيمان وغرور الإلحاد، إذ يقول بعد ذلك: وحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
ولكأني أرى في هذه الجملة الرهيبة صواعق من مظهر الغضب الإلهي وهي تنقض على الجهل المتعالم والغرور المتطاول تسحقه فإذا هو أثر بعد عين.
إن الجملة لتقول بأبين دلالة: ما كاد هذا المسكين يتم النطق بكلامه المغرور وما كاد يطرف ببصره بحثا عن الجبل الذي سيعتصم فيه، حتى أسرعت إليه موجة فالتقمته، وكأن لم يكن!.
* وفي غمرة هذه الأحداث التي تصورها الآيات، وبين صخب الأمواج التي تنحسر وتمتد في بحر هي الأرض كلها- ينطوي هذا المشهد فجأة، لترى من ورائه مباشرة عودة الهدوء إلى الدنيا ورجوع كل شيء إلى نظامه السابق؛
стр. 265
فقد هدأت الزمجرة، وسكنت العاصفة وولدت الدنيا كما كانت من جديد.
وتعال فلنتأمل في اللوحة الإلهية التي رسمت هذا المشهد: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي؛ وَغِيضَ الْماءُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
إن هذه الجمل القرآنية العجيبة، تصور لك هذا الكون الهائل الفسيح من سماء وأرض وبحار وجبال في صورة أنموذج من القطع المركبة إلى بعضها مما يوضع بين يدي الأطفال، جاءت يد إنسان فنثرتها وفصلت أجزاءها، ثم ما هو إلا أن عاد فركّبها إلى بعضها كما كانت في أسرع وقت.
وهي تصوّر لك معنى الإرادة الإلهية وسلطانها الرهيب المنبسط على الكون كله بل القابض عليه كله، وتتصرف به كما تشاء ليس في حسابها أي معنى لكبير وصغير أو لعظيم وحقير. ألا ترى كيف علّقت الآية رجوع كل شيء إلى ما كان عليه بعد أن التقت مياه السماء والأرض على طوفان هائل مخيف- على كلمة صغيرة هي: وَقِيلَ لتصوّر لك سهولة الأمر وأنه لا يحتاج إلا لهذا الأمر الإلهي الذي به قيام الدنيا وزوالها.
ثم انظر إلى دقائق التعبير المصوّر:
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ أرأيت أنه لم يقل: جففي ماءك، مثلا، مع أنه هو التعبير المتفق مع طبيعة الأرض وشأنها، وإنما قال: ابلعي ماءك، ليصوّر لك بأن الأرض لما
اتجهت إليها إرادة العزيز الخبير انقلبت مسامها وشقوقها إلى أفواه فاغرة تبتلع بها المياه ابتلاعا! فهي لم تنفّذ الأمر بالطبيعة المألوفة لها وإنما بالانقياد لأمر خالقها ﷻ .
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وأنت إذا تأملت في كلمة اقلعي- وهي بمعنى كفّي وأمسكي- تصورت كم كانت منفتحة على مياه تنصبّ إلى الأرض وحسبك أن تتأمل الآية الأخرى في وصف ذلك: وفتحنا أبواب السماء بماء منهمر، لتتصور هول تلك المياه المنهمرة من أبواب السماء.
ثم انظر كيف أسند الخطاب إلى كلّ من السماء والأرض مع أنهما مخلوقان
стр. 266
جامدان، ليصور لك سرعة استجابتهما لأمر الله حتى كأنهما منقادتان بسماع الأمر وفهم الخطاب.
وَغِيضَ الْماءُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ. ثلاث جمل فيها مظهر الاستجابة السريعة لأمر الله، فقد غيض الماض أي فلم يبق إلا ما كان على وجهه من قبل. وقضي الأمر فهلك أولئك الكافرون والجاحدون ونفذ فيهم حكم الله ، وها هي السفينة قد رست على جبل الجودي (١).
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وهو قيل ينطق به حال الكون كله بعد انقشاع الغمّة وزوال المصيبة، فقد فتح الكون عينه ليرى كيف ذهب أولئك الظالمون في تلافيفها ومضوا مع مضيّها، فقال بلسان الحال: بعدا لقوم الظالمين، أي ليزدادوا ابتعادا وهلاكا، وما ظلمهم أحد ولكنهم كانوا هم الظالمين.
* والتقط المؤمنون أنفاسهم بعد انقشاع البلاء، وأخذوا- وقد استقرت السفينة بهم هادئة فوق الجودي- يتأملون معتبرين، وتذكّر نوح ابنه، وتمنى لو كان فيمن سلمهم الله من هذه الطامّة، وتذكّر وعد الله إيّاه بإنجاء أهله فرفع رأسه يقول في ضراعة وأدب:
رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ.
أسلوب في غاية الأدب، إنه يسأل ولكن سؤالا مطويا ضمن ما يقرره من وصف العدالة والحكمة الباهرة لله ﷻ ، أي فلماذا لم يكن من الناجين وقد وعدتني- ووعدك الحق- بأن يكون أهلي في المرحومين من ذلك البلاء؟
وجاءه الجواب وحيا من الله : يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح.
أي إنه ليس داخلا في أهلك أصلا، لأن مدار إكرام قرابتك إنما هو على الإيمان الذي هو الأصل والسبب في إكرامهم، فإذا انتفى الإيمان الذي هو
стр. 267
الأصل لم يبق أثر للأهل الذي هو الفرع.
أو يكون المعنى: إنه ليس داخلا في أهله الذين وعد الله بنجاتهم، إذ هو خارج عنهم باستثناء إلا من سبق عليه القول.
ثم علّل نفي الأهلية عنه بجملة استثنائية ليكون فيها معنى التعليل والإخبار معا فقال: إنه عمل غير صالح، أي إنه ذو عمل غير صالح، وإنما أخبر عنه بالعمل نفسه، مبالغة في إلصاق السوء به ولبيان أن العمل السيئ لم يكن يفارقه.
وإذ قد وقفت على جليّة الأمر فلا تسألن سؤال طلب ما ليس لك به علم، أي لا تطلب مني شيئا لا تعلم أن الحكمة متفقة معه أم لا، فليس كل ما يظهر لك هو وحده الحقيقة.
إني أعظك أن تكون من الجاهلين، أي أنهاك عن مثل هذا وأحذرك لئلا تكون من الجاهلين، أو كراهية أن تكون من الجاهلين.
وأمام جواب الله لنوح ﵇ وقف متذللا لحكمه وقضائه ملتزما حدود العبودية والرضى قائلا: ربّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الجاهلين. وأنت ترى كأنه ذنب عظيم ذاك الذي فعله نوح بسؤاله فهو يستغفر ويتوب منه، وما هو بذنب في الحقيقة ولكنه رتبة المقرّبين تقتضيهم مزيدا من الرهبة والإجلال وهذا هو شأنهما في النفس.
والآن ... وقد هيّئت الأرض مرة أخرى للعيش فوقها وعادت أسباب الرزق والكدح من فوقها كما كانت من قبل، فليهبط نوح ومن معه من الشاهق الذي أرستهم السفينة عليه إلى الأرض سالمين مطمئنين ينعمون بخيراتها وثمارها، يشترك في ذلك الصالح والطالح إلى أن يأتيهم ميقات يوم معلوم، ففيه يلاقي كلّ جزاءه وأجره. وانظر إلى البيان القرآني كيف يقرر هذا المعنى:
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ.
وإنما قال: وعلى أمم ممّن معك ولم يقل: وعلى من معك، لأن الحديث
стр. 268
ليس عن الذين كانوا مع نوح وحدهم، وإنما الحديث عنهم وعن الذين سيتكاثرون من ذريّاتهم، وإن فيهم المؤمن وغيره، فخصّ السلام والبركة بالبعض وهم المؤمنون. وليس الذي يلقاه الكافرون أيضا من أسباب العيش والخير سلاما وبركة في الاصطلاح الإلهي، وإنما هو «تمتيع» أي ترك وإمهال مؤقت، حيث ستطوى الحياة عمّا قريب ويقبل الكل إلى الرحمن عبادا صاغرين، فهنالك يقام الحساب والميزان للجميع.
***
стр. 269
في الحجاج والنّقاش (من سورة النمل من آية: ٥٩ إلى آية: ٦٦)
قال الله تعالى:
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ* أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ* أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ* أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ* أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها، بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ.
تعريف عام بالآيات:
تأتي هذه الآيات بعد عرض مفصّل لقصص بعض الأمم السابقة مع أنبيائهم الذين بعثوا إليهم وكيفية إهلاك الله لتلك الأمم بسبب عتوّهم وطغيانهم في الأرض.
ولما كان في هذه القصص عبرة لأمة محمد ﷺ وفيها الدليل على
стр. 270
وحدانية الله تعالى ووجوده والرد على الباطل الذي يتمسك به الكافرون والجاحدون- عقب الله عليها بالالتفات إلى هؤلاء الكافرين يستنهض عقولهم للعبرة والتأمل، ويناقشهم في باطلهم الذي يحتضنونه، بمختلف البراهين والأدلة القاطعة التي يرونها من حولهم.
والآيات تعرض أربعة أصناف من الأدلة تناقش الكافرين على أساسها:
الصنف الأول: أدلة تتعلق بمجموع الكون بما فيه من سماوات وأرض.
الثاني: أدلة تتعلق بكثير من خصائص الأرض وسماتها التي يبصرونها بأعينهم أو عقولهم.
الثالث: أدلة هامة تتعلق بذواتهم وأنفسهم والنعم الحاصلة لهم.
الرابع: دليل النشأة الأولى، وما يستلزمه من دليل الإعادة بعد الموت.
وكما ترى، فإن أسلوب النقاش والاحتجاج على الكافرين بهذه الأدلة، قائم على أساس الاستفهام المتكرر وما يليه من أجوبة عنهم عليها، لما فيها من تقريع وتأنيب ودفع إلى التأمل.
شرح الآيات:
- تأتي الآية الأولى في هذا النص، فاصلة بين قصص الأنبياء السابقين التي ظلّت الآيات السابقة تعرضها من أول السورة، وما يليها من مواجهة الكافرين بالمناقشة والمحاجّة.
والخطاب في هذه الآية الفاصلة موجّه إلى النبي ﵊، يأمره فيها- وقد سمع ما أخبر به عن قصص تلك الأمم التي حاق بها الهلاك والدمار وأولئك الأنبياء الذي لاقوا من أقوامهم صنوف الإيذاء- أن يحمد الله على أن خصّ أمته هذه بالرحمة واللطف فقضى أن لا يهلكها بمثل ما أهلك به أولئك الآخرين، رغم تشابه الإعراض والإيذاء في كثير من الحالات، وأن يسلّم على أولئك الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته فعذبوا واضطهدوا ولم يمنعهم ذلك من القيام بأمر الله .
стр. 271
ثم يأمره بعد هذا أن يتوجه إلى المشركين الذين من حوله سائلا: هل الإيمان بالإله الحقّ الذي فعل كل ما قد ذكر بالأمم السابقة أفضل أم الإيمان بما تؤلهونه من المخلوقات أيّا كانت؟ وهذا الاستفهام جار على قصد التقريع للمشركين وتسفيه آرائهم السقيمة، وإلا فمن الواضح أنه لا يوجد أيّ تلاق في جنس الخيرية بين الأوثان التي يؤمنون بها والإله الواحد ﷻ ، حتى يتصور معنى التفاضل والسؤال عن الأفضل منهما، فهو كما تقول لمن سلك مسالك الغواية والشقاء: ويحك هل الشقاء خير أم السعادة؟! ولما كانت هذه الخيرية، رغم وضوحها، خفية عن أذهان الكافرين، أو كالخفية بسبب تكبرهم وعنادهم في الباطل الذي لا يريدون التحوّل عنه، عقّب الله هذا الاستفهام بآيات تكشف عن مظاهر ألوهية الله وتفرّده في الخلق والإبداع والتحكّم في مقاليد الكون، ليتّضح للمشركين أيّهما خير: الله أم ما يؤلهونه من المخلوقات أيّا كانت؛- أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أإله مع الله، بل هم قوم يعدلون.
هذه أول آية من هذه الآيات التي سيقت مساق الكشف عن بعض مظاهر ألوهية الله ﷻ ، تأتي بأسلوب الاستفهام ليكون فيها معنى الاحتجاج والمناقشة والدفع إلى التأمل وإعمال الفكر.
وأم التي في أولها، أم المنقطعة، بمعنى بل، وهي للإضراب الانتقالي عن الكلام السابق إلى سؤال آخر: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ ... الآية.
والسماوات هنا كل هذه الأجرام العلوية بما فيها من كواكب وغيرها، والسماء في قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً هو جهة العلو، إذ كل ما علاك فأظلّك فهو في اللغة سماء.
وكان من مقتضى نسق الآية أن يقول: فأنبت به حدائق، فلماذا وقع الالتفات عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم؟
стр. 272
إن الذي اقتضى ذلك هو أن أحدا لا ينسب إلى نفسه خلق السماوات وإنزال الأمطار، فحسب السؤال عن خالقها ومنزّلها، بهذا الأسلوب، منبها إليه ﷻ . أما إنبات
الزرع والأشجار فكثيرا ما ينسبه صاحب البذر والسقي إلى نفسه فيقول: أنبت الزرع والبستان، فناسب الالتفات به إلى ضمير المتكلم تأكيدا لاختصاص الإنبات بذاته تعالى وإشعارا بأن ظهور النبات يشق باطن الأرض بألوانه الزاهية وطعومه المختلفة وخصائصه المتنوعة إنما هو من فعل الخالق ﷻ ، ومن أجل المزيد من تقرير هذه الحقيقة قال بعد ذلك:
ما كان لكم أن تنبتوا شجرها.
وجواب الاستفهام محذوف، دلّ عليه حكم العقل والكون، على أن الذين ينتظر منه الجواب هم المخاطبون. ولقد رتّب الله على هذا الجواب المعلوم استفهاما آخر متفرعا عنه ومرتبطا به: أءله مع الله، أي أءله آخر مع الله ﷻ .
ويتلفت الخطاب عنهم بعد ذلك، مضربا عن حديثه معهم وسؤاله إيّاهم، ليحكي صفتهم وحالهم العجيبة للآخرين قائلا: بل هم قوم يعدلون أي كأنه يقول ملتفتا: ولكن ما الجدوى من نقاشهم والبحث معهم؟ إنهم قوم يعدلون عن الحقّ، أو هم يعدلون بالله غيره من الأوثان والمخلوقات!.
* أمّن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا، أإله مع الله، بل أكثرهم لا يعلمون.
إضراب آخر، أريد به الانتقال إلى دليل كوني آخر متعلق بكثير من خصائص الأرض وسماتها الواضحة من حولهم وأمام أعينهم. أي لنترك أمر السماوات وحديث المطر والإنبات إلى حقيقة أخرى. من هذا الذي جعل لكم الأرض قرارا؟ وكلمة «قرارا» هذه تعني كل ما قد أودع الله الأرض من الخصائص التي تجعلها قارّة بنفسها وتجعل الناس متمكنين من القرار عليها، سواء فيما يتعلق بلينها وصلابتها وطبيعة الإنبات المودعة فيها وضبط ثقلها وخفّتها ومدى بعد الشمس عنها، ونظام الجاذبية التي فيها، وغير ذلك مما
стр. 273
لا يزال العلم يكتشفه وينتبه إليه، كلّ ذلك عبّر عنه البيان الإلهي بالكلمة الجامعة: قرارا.
ومن جعل على وجه الأرض أنهارا تتخللها كتخلّل الشرابين في الجسد إذ تمدّه بالقوة والحياة؟
ومن أقام عليها جبالا ثوابت ثقالا تمنعها أن تميد بأهلها، وتتكون في باطنها كنوز المعادن وتحتفظ في جوفها بالينابيع الثرة من المياه، وعبّر عن الجبال بكل ما فيها من الصفات، بالرواسي وهي جمع راسية، أي مستقرة وثابتة، وأنت لا تطلق هذه الكلمة على كل ما يستقر إلا إذا كان ثقيلا جسيما، فلا تقول أرسيت الكأس مثلا، وإنما تقول أرسيت الصخرة أو البناء أو نحو ذلك.
ومن جعل بين البحرين حاجزا؟ وتثنية البحرين من التغليب، أي البحار والأنهار، ومعلوم أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون البحار أخفض من مستوى الأنهار حتى لا تنصبّ فيها مياه البحار فيفسد طعمها، وحينما تنصبّ مياه الأنهار في البحر فإنها تتخذ لنفسها في عرضه طريقا مستقلا يمتد أشواطا كثيرة دون أن يمتزج كلّ من الماءين بالآخر. والذي اقتضى ذلك اختلاف طبيعة الماءين التي قدّرت بخلق الله وحكمته حتى تؤدي كلّ من البحار والأنهار خدمات نوعية مستقلة لهذا الإنسان.
وتقف الآية هنا أيضا عن الإجابة على هذا السؤال انتظارا لإجابة المخاطبين، وإتاحة للفكر المتأمل أن ينصت خاشعا إلى الجواب ينبعث من فم الكون كله: إنه الله وحده.
ويأتي السؤال مرة أخرى مرتبا على هذا الجواب المعروف: أإله مع الله؟!. أبعد هذا كله يوجد أي إله آخر إلى جانب الله ﷻ ؟
ويلتفت الخطاب عنهم مرة أخرى ليحكي حالهم العجيبة للآخرين: بل أكثرهم لا يعلمون؛ ولما كانت المسائل المستفهم عنها يتوقف الفهم والتقدير التام لها على العلم، قال في حكاية حالهم المسبّبة لغرورهم وجحودهم: بل أكثرهم لا يعلمون. وفيه ما لا يخفى من حمل الناس على التأمل في دقائق الكون
стр. 274
ومعرفة ما يقوم عليه من النظام ودقة الخلق والصنع.
* أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ.
وينتقل الحديث بإضراب ثالث إلى أدلة من نوع آخر، قائمة في كيانهم ومستقرة في نفوسهم.
إنّ من خصائص الإنسان أنه إذا نزلت به شدة من الشدائد وحز به أمر من بلاء أو مصيبة، والتفت من حوله فافتقد الوسيلة المنقذة والصديق المساعد وضاق عليه الخناق، أخذ يرمق السماء بطرفه يسأل الله في ضراعة وذل، ولعلّه كان لا يعرف الله في أوقات الصفو والرخاء.
وهذه الطبيعة الكامنة في الإنسان من أعظم الأدلة على أنه مفطور في حقيقته على العبودية لله والإيمان به، وأن كل انحرافاته التي تبعده عن هذه الفطرة إنما تأتي بسبب غاشية من الغفلة أو سكرة من الكبرياء الكاذب أو الشهوات المتأججة، وسرعان ما يرتدّ إلى فطرته الأصيلة إذ يهتز كيانه بسبب بلاء خانق أو كرب مطبق فيتساقط عنه كل ما قد تعلق به من غواشي الغفلة ومسكرات الشهوات والأهواء.
فمن الذي يستجيب لهذا المضطر إذا دعاه متضرعا له آئبا إليه؟
والسؤال، فيه تذكير كما ترى بهذه الفطرة الإنسانية، وفيه بيان أن الإنسان إذا أصابه ضرّ شديد ضلّ عنه كل من يدعوه ويعتمد عليه إلا الله ﷻ ، و «أل» في المضطر للجنس لا للاستغراق، فلا يلزم أن تكون الاستجابة من الله عامّة لكل الداعين من المضطرين.
ومن الذي يكشف السوء عنكم بكل أصنافه ومظاهره؟
ومن الذي يجعلكم خلفاء الأرض؟ أي تتوارثون سكناها والتصرّف فيها جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن؛ وكم في هذه المظاهر من دلائل العظمة الإلهية في تنظيم حياة هذه
الخليقة على وجه الأرض!. دفعة من بني الإنسان تأتي إثر أخرى، هذه تأتي من باب الولادة، وتمضي الأخرى من باب الموت. ولو
стр. 275
تجمعت هذه الدفعات البشرية مع بعضها لضاقت بها الأرض وفسد نظام الحياة، وتخلّفت الحكمة الكبرى من الإيجاد والخلق. وانظر، فإن في هذه الجملة المختصرة المثيرة للفكر: ويجعلكم خلفاء الأرض، تعبيرا عن هذه الحقيقة كلها، فما أعجب البيان القرآني وما أروع! ...
وتقف هذه الآية أيضا عن الجواب الذي تنطق به الفطرة الإنسانية في أوضح بيان ... ليكرر السؤال المترتب على الجواب المعرف: أإله مع الله؟ وهنا أيضا يحكي حالتهم التي تصدّهم عن الإيمان بالبدهيات، ولكنه لا يقول هذه المرة: بل أكثرهم لا يعلمون، كما ذكر في الآية السابقة، ذلك لأن هذه الدلائل القائمة في فطرة الإنسان وكيانه، لا تحتاج إلى علم مجهول، وإنما تحتاج إلى تذكّر شيء معلوم متلبس بالإنسان نفسه، ولذلك قال: قليلا ما تذكّرون، أي تذكرا قليلا ما تذكّرون: وهو تعبير خاص أريد به عدم التذكّر مطلقا.
* أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
إضراب انتقالي إلى نوع آخر من الأدلة يحاجج بها الجاحدين ويناقشهم.
من المعلوم أن الإنسان يتعرض لتيه من الضلال تتضاءل عنده حيلة الإنسان ويظهر فيه ضعفه في حالتين اثنتين: عند ما يغشيه الظلام المطبق بليل في فلاة، وعند ما يتيه في زرقة لا حدود لها من زرقة البحر والسماء، وما رؤي الإنسان أقرب إلى التعرّف لحقيقة الضعيفة وعبوديته لله ، منه في إحدى هاتين الحالتين. فمن الذي يهدي الإنسان في كلّ من هاتين الظلمتين.
ولك أن تفهم من الظلمات معناها الحقيقي وذلك إذ يلتقي تيه كلّ من الفلاة والبحر بظلمة الليل البهيم، وأن تفهم منها معناها المجازي، إذ جعل مفاوز البرّ التائهة ولجج البحار الهائلة كأنها ظلمات مطبقة يضلّ فيها الإنسان ولا يقع على علم يتعلق به أو يهديه.
ومن يرسل الرياح بشرا، أي مقدمة تبشّر بالخير، بين يدي رحمة الأمطار إذ يبعثها الله على الأرض لتخرج ما في بطنها ولتقدّم خيراتها لمن على ظهرها؟
стр. 276
والرياح تطلق على ما يأتي بالخير من المطر وغيره، فإذا قلت: ريح فهي ما يحمل في طواياه الشر على اختلاف درجاته وأشكاله ولقد كان من شأن النبي ﷺ كلما رأى هبوب الهواء أن يقول: اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا.
ويعيد البيان الإلهي نفس السؤال السابق: أإله مع الله؟ ويلتفت عن الخطاب لهم مرة أخرى، ليقرر تنزيه الذات الإلهية عن لغو الجاحدين وضلالهم قائلا: تعالى الله عمّا يشركون:
* أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
نوع آخر من الاستدلال والتنبيه، تنطوي فيه قصة هذه الخليقة في بدئها ومستقرها، وفيه- مع اختتام ألوان الحجاج والنقاش- إلماح بالإنذار والتهديد وتأكيد ليوم البعث والحساب.
والسؤال هنا عن ذاك الذي بدأ الخلق من العدم، والذي يعيده مرة أخرى إلى الوجود.
فأما الشطر الأول من السؤال فواضح، والشأن فيه أن يكون معلوما لكل عاقل أنه الله ، أما الشطر الثاني، فيردّ عليه- في الظاهر- أن الجاحدين لا يؤمنون بالإعادة فكيف يتجه السؤال إليهم عن ذلك؟ غير أن التعبير القرآني يريد أن يوضح للأذهان المتأملة أن الإيمان بالخلق الأول يستلزم الإيمان بالإعادة، ذلك لأن الإعادة أهون من البدء فيما يقرره العقل، ولأن قصة هذه الحياة الدنيا تظل ناقصة، وتظل- بأحداثها ووقائعها- فصلا واحدا من قصة طويلة. إذ في هذه الحياة طغاة لم يجدوا القصاص العادل في حقهم، وفيها مستضعفون مظلومون لم يصلوا إلى ما ينصفهم من ظالميهم. ولا ريب أن الذي أبدع هذه الخليقة وتركها تتصرف كما تشاء في حرية وإرادة، سوف يعيدها إلى حياة أخرى يسود فيها الحق ويستقر فيها العدل.
فمن أجل ذلك أظهرت الآية الرابطة المتمكنة بين الخلق الأول والإعادة الثانية.
стр. 277
ثم تسأل الآية: ومن يرزقكم من السماء والأرض، أي بأسباب سماوية وأرضية مرتبة على بعضها، وأنت تعلم أن إليهما مردّ كل الأرزاق التي يعيش بها الإنسان.
أإله مع الله بعد كل ذلك؟ ويأتي الالتفات عنهم هنا ليختم هذه الحجاج والبراهين السابقة كلها بقوله مخاطبا الرسول ﷺ : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ... أي هذه هي براهين وجود الله ووحدانيته وألوهيته يقرّها العقل ويدركها المنطق، فقدموا بدوركم براهينكم التي تعتمدونها في جحودكم وإنكاركم لهذه الحقائق.
هذا، ولك أن تذهب في إعراب «أمّن» التي صدّرت بها الآيات السابقة، مذهبا آخر، فتعتبر من موصولة على الابتداء وتقدّر خبره على ضوء الجملة الأولى في أول الآيات: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ فيكون المعنى: بل أألذي جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا ... خير أم ما يشركون. وتحلّل سائر الآيات الأخرى على هذا التقدير. وقد ذهب معظم المفسرين هذا المذهب في إعراب الكلمة.
غير أن الذي ألحظه من سياق الآيات، وأشعر به من ذوق المعنى ومقتضاه أن الطريقة التي اعتمدناها في إعراب الآيات من اعتبار «من» استفهامية، أقوى دلالة وأقرب
استساغة وأبعد عن التكلّف. وإذا دارت الجملة بين التقدير وعدمه فعدم التقدير أولى، ومثله في القرآن قوله في سورة الملك:
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ.
* ولما ختم الحديث عن البراهين على وجود الله ووحدانيته بالحديث عن عود الناس إلى الحياة من بعد الموت، وكان في هذا ما ينهض الجاحدين إلى استبعاد الحشر والمطالبة ببيان الأدلة والعلامات التي توضح ميقات ذلك اليوم وأجله- قال ﷻ مخاطبا نبيّه ﵊: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي ليس لأحد مطمع في الاطّلاع على ما استأثر الله بعلمه من المغيبات، ومن أهمها الميقات
стр. 278
المحدد في علم الله لقيام الساعة، وليس الإيمان بها متوقفا عقلا على معرفة زمانها وميقاتها.
* ثم تختم الآيات بهذه الآية الأخيرة التي فيها التحليل والوصف الدقيق للاضطراب الفكري الذي يطوف في أذهان الملحدين، وفيها التقريع العجيب لهم والسخرية بحالهم: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها، بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ.
ففي الآية- كما ترى- إضراب عن كل ما قد سلف من النقاش، ليقول من ورائه بأسلوب الحكاية عنهم: إن هؤلاء قد تجمعت لديهم أقصى ما يمكن أن يفهموه عن الآخرة وأدرك بعضه بعضا، ووصلوا من ذلك إلى الغاية التي لا حاجة لهم عندها إلى علم جديد يلقّونه ويبصّرون به؛ وهذا تصوير لبعض الحالات التي تعتري الملحد من الاعتداد بفكره وفهمه حتى ليخيل إليه أن قد تداركت وتجمعت في ذهنه الحقائق العلمية كلها.
ولكنه لا يلبث أن يضرب عن هذا الوصف، ليصفهم بحالة أخرى: بل هم في شكّ منها، أي إن الظنون والأوهام تأخذهم وتردّهم في أمرها فهم يتساءلون: ألعلّ ما يقوله المؤمنون هو الحق؟ لا ليس كذلك!. ولكن من المحتمل! .. وهو مظهر للاضطراب الفكري القلق الذي يبعث في النفس عذابا لا يتصور شدّته إلا من يعانيه. وهذا تصوير لحالة تنتاب الجاحد والملحد ...
ثم ينتقل البيان إلى آخر وصف؛ هو الوصف الثابت الحق في شأنهم وهو مدار الحالات الأخرى التي تعتريهم: بل هم عنها عمّون؛ إنهم من الآخرة في عماهة مطلقة يتخيلون معها ذبذبات الظلام علما وفهما، ويتصورون معها أنهم حينما يشكّون ويضطربون إنما يبحثون ويتأملون وهيهات منهم ذلك.
والله سبحانه أعلم.
***
стр. 279
كلمة أخيرة
والآن، وقد انتهينا من هذه السياحة العجلى في رحاب هذا الكتاب العظيم، ووقفنا على خلاصة سريعة من خصائصه ومظاهره ودقائقه- أريدك يا أخي القارئ أن تمحّص الفكر والرويّة والتأمل الحر في قصة هذا الكتاب ومصدره.
ألم تقف في كل ما قد مررت ووقفت عليه من خصائص، على ما يدلك أن هذا الكتاب ما ينبغي أن يكون من صنع بشر؟
ألم تدرك، فيما قد اطّلعت عليه من تاريخه وعلومه ومنهجه، أنه ما ينبغي أن يكون أكذوبة كذّب بها محمد ﷺ على ربّه، بعد أن غبر من حياته أربعين عاما يتوقى فيها الكذب على الناس؟
ألم تستشعر في كل ما قد تأملته من نصوصه وآياته أنك من هذا الكلام أمام أحاسيس ومشاعر لا يمكن أن تأتي إلى النفس مما يتكلم به سائر البشر؟
ألم تدرك في أعماق وجدانك، حقيقة الإعجاز في هذا الكتاب؟
أسئلة، لا شك أن أيّ متأمل بفكر حر، لا يتردد في الجواب عليها بإيجاب قاطع.
فإذا كان كذلك، أفليس ما يوجبه العقل، ويفرضه كلّ من المصلحة والمنطق أن تتدبر هذا الكتاب وتتهيأ لما قد وضعك في سبيله؟
أما إن هذه الحياة ستطوى عمّا قريب، وإن كل ما ترى من مغرياتها
стр. 280
وملاذها ليوشك أن ينتهي ويزول؛ وقسما بخالق العقل الذي تميز به الإنسان، إن من وراء ذلك لحياة أخرى ستتفتح لها العين ويمتلئ بها الشعور ويفيض بها الإحساس، وما كان القرآن ليكذب على الناس في تأكيد هذه الحقيقة بشتى الأساليب المؤكدة. أفترى أن شيئا من الأغراض أو الأهواء أو المقاصد المستكنّة في نفسك اليوم تغنيك إذ ذاك أو تفيدك فائدة ما؟! تخيل نفسك، وقد ولّى عنها الشباب، وولّت في أعقابها الكهولة، وجاءتك الحقيقة التي لا مردّ لها ولا سلطان في الأرض يستذلّها: حقيقة الموت وسكرته، وسائل نفسك التي بين جنبيك: ماذا عسى أن تجني إذ ذاك من كل هذا الذي تكبل اليوم عقلك به، أيّا كان مظهره وحقيقته ومرماه؟.
إن من الخير لك أن تحتاط ... وإن من أسمى أغراضك ومصالحك التي يجب أن تأخذ نفسك بها أن تتأهب لذلك اليوم، وإن من أهم ما يجب عليك، أن تقف على هوية نفسك وحقيقة ذاتك القائمة في خضم الكون المائج، فكم من إنسان يمشي مكبّا على وجهه في الحياة، وهو يحسب أنه قد أبصر الحقيقة حيث ضلّ عنها الآخرون وهو إنما ضلّ عن نفسه فلم يقف على شيء من هويتها وحقيقتها، وسوف لا يستفيق إلى ذاته إلا بعد أن يتعثر ويكبو، وحينئذ ينظر بعين جديدة أخرى ويطّلع على حقيقة كانت غائبة عنه، ويتذكر الماضي الأليم، وأنّى له الذكرى؟
ثم فيم الابتعاد يا أخي القارئ عن الحق؟
أفتحسب أنه يحرمك سعادتك التي تحلم بها؟ .. إن ذلك هو الوهم العجيب الذي يظل عالقا برءوس بعض الناس. إن الله لم يشرع لعباده هذا المنهج الحق إلا إصلاحا لشأنهم وتحقيقا لسعادتهم. ومما لا شك فيه أن الجاحدين والملحدين في الدنيا يشقون حتى بالنعيم ويختنقون حتى بأسباب السعادة، وانظر تجد مصداق ذلك ماثلا أمامك ومن حولك، وأن المؤمنين يظلون في نعيم السعادة حتى وإن تألبت عليهم الدنيا ونال منهم الضرّ والبلاء.
واسمع قول ربّ العالمين: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
стр. 281
إن خير ما أختم به كتابي هذا، أن أقدّم إليك- وأنت أخي الذي لا والله لا أريد له إلا ما أريده لنفسي- هذه العبرة والنصيحة، فإن قبلتها فذلك حظك من هذا الكتاب وهو حظي من كل ما قدّمت وإن لم تقبل فلا أملك إلا أن أتجه إلى الله العليّ القدير أستمنحه الرحمة لي ولك وأسأله لنا جميعا الهداية إلى الحق والتجافي عن الباطل.
وحسبي الله ونعم الوكيل، وإليه المنقلب والمآب وهو وحده نعم المولى ونعم النصير.
محمّد سعيد رمضان البوطي دمشق في ١ ذي الحجة ١٣٨٧ هـ الموافق ل ٤ كانون الأول ١٩٦٨ م